Полный текст (8 408 стр.). Показаны 7871–7910 · переход к 7876.
стр. 7871
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ.
فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَقَرُّوا عَلَيْهَا وَلَعِبُوا بِهَا.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا اسْتِدْبَارًا. قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: فَكَيْفَ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا اسْتِدْبَارًا؟ فَقَالَ: كَانَ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ: بِمَاذَا دَفَعَ؟ فَيَقُولُ: بِكَذَا. فَيَقُولُ: ائْتِ بِكَذَا.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ بِالشِّطْرَنْجِ.
وَرَوَى أَبُو لُؤْلُؤَةَ قَالَ: رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
وَرَوَى رَاشِدُ بْنُ كَرَيْبٍ قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أُقِيمَ قَائِمًا فِي لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَقَالَ: هِيَ لُبُّ الرِّجَالِ.
وَإِذَا اشْتُهِرَ هَذَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ مَعَهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَفُضَلَائِهِمْ، مَنْ حَذَفْنَا ذِكْرَهُمْ إِيجَازًا، خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْحَظْرِ وَكَانَ بِالْإِجْمَاعِ أَشْبَهَ.
وَلَيْسَ إِنْكَارُ عَلِيٍّ ﵇ لَهَا لِأَجْلِ حَظْرِهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا الْأَذَانَ وَهُمْ مُتَشَاغِلُونَ عَنْهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا.
وَمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى مَا اسْتَثْنَاهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّعِبِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَنْبِيهًا عَلَى مَكَائِدِ الْحَرْبِ وَوُجُوهِ الْحَزْمِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ. وَمَا بَعَثَ عَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ نَدْبًا مُسْتَحَبًّا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ حَظْرًا مُحَرَّمًا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا عَنْ عَدَالَةِ اللَّاعِبِ بِهَا فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَدَالَتَهُ سَاقِطَةٌ وَشَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ لَعِبَ بِهَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مُوجِبِ رَدِّهَا، فَرَدَّهَا مَالِكٌ لِحَظْرِهَا، وَرَدَّهَا أَبُو حَنِيفَةَ لِتَغْلِيظِ كَرَاهَتِهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَدَالَتَهُ وَجَرْحَهُ مُعْتَبَرٌ بِصِفَةِ لَعِبِهِ بِهَا، فَإِنْ خَرَجَ بِهَا إِلَى خَلَاعَةِ أَهْلِهَا أَوْ قَامَرَ عَلَيْهَا أَوْ تَشَاغَلَ عَنِ الصَّلَاةِ بِهَا خَرَجَ عَنِ الْعَدَالَةِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِهَا لَا بِنَفْسِ اللَّعِبِ وَأَمَّا الْخَلَاعَةُ فَهُوَ أَنْ يَسْتَخِفَّ عَلَيْهَا بِلَغْوِ الْكَلَامِ، وَأَنْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَنْ يَنْقَطِعَ إِلَيْهَا لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ حَتَّى يَلْهُوَ بِهَا عَمَّا سِوَاهَا.
стр. 7872
وَأَمَّا الْقِمَارُ فَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْعِوَضِ عَلَيْهَا إِنْ غَلَبَ، أَوْ يَدْفَعُهُ مِنَ الْعِوَضِ عَنْهَا إِنْ غُلِبَ لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْقِمَارَ نَصًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وَالْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ وَالْقِمَارُ مَا لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آخِذًا أَوْ مُعْطِيًا فَيَأْخُذُ إِنْ كَانَ غَالِبًا وَيُعْطِي إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا.
فَأَمَّا إِنْ عَدَلَا عَنْهُ إِلَى حُكْمِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ، بِأَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُ الْمُتَلَاعِبَيْنِ بِإِخْرَاجِ الْعِوَضِ دُونَ صَاحِبِهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا وَلِيَسْتَرْجِعَهُ إِنْ كَانَ غَالِبًا، وَيَكُونَ الْآخَرُ آخِذًا إِنْ كَانَ غَالِبًا وَغَيْرَ مُعْطٍ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ فِي السَّبْقِ وَالرَّمْيِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِهِمْ في قوله ﷺ َ -: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ ".
هَلْ هُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ أَوِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ جُمْلَةِ مَحْظُورٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشِّطْرَنْجِ قِيَاسًا عَلَى السَّبْقِ وَالرَّمْيِ. لِجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلِ النَّصِّ. وَلَا يَكُونُ إِخْرَاجُ هَذَا الْعِوَضِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَحْظُورًا فَلَا يَكُونُ بِهِ مَجْرُوحًا.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن السبق والرمي مستثنا مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ. فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشِّطْرَنْجِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَكُونُ عَلَى الْأَصْلِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَكُونُ إِخْرَاجُ هَذَا الْعِوَضِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَحْظُورًا وَيَصِيرُ بِإِخْرَاجِهِ مَجْرُوحًا.
وَأَمَّا تَشَاغُلُهُ بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَقْتُهَا فَيَنْقَطِعَ بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفُوتَ. فَإِنْ ذَكَرَهَا وَعَلِمَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ. فَقَدْ فسق، ولو كان دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ حَتَّى فَاتَ، فَإِنْ كَانَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَفْسُقْ بِهِ. وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَكَثُرَ فَسَقَ بِهِ وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْفِكْرِ حَتَّى تَكَرَّرَ مِنْهُ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا حَتَّى فَاتَ، لَمْ يَفْسُقْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْفِكْرِ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا طَرَأَ، فَلَمْ يَفْسُقْ إِذَا كَثُرَ بِهِ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ. وَلَعِبُ الشِّطْرَنْجِ مِنْ فِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَيَفْسُقُ إِذَا كَثُرَ بِهِ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا إِذَا تَجَرَّدَ لَعِبُ الشِّطْرَنْجِ عَمَّا يَفْسُقُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَاسْتَرْوَحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ خَلَوَاتِهِ، مُسْتَخْفِيًا بِهِ عَنِ الْمُحْتَشِمِينَ، فَكَانَ لَعِبُهُ بِهِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا لِيَشْفِيَ بِهِ هَمًّا وَيَسْتَحْدِثَ بِهِ رَاحَةً، وَإِمَّا لِيَرْتَاضَ بِهِ فِي تَدْبِيرِهِ وَجَزَالَةِ رَأْيِهِ وَصِحَّةِ حَزْمِهِ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شهادته.
стр. 7873
وَهَلْ يَكُونُ عَفْوًا أَوْ مُبَاحًا.
عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَعْنَى كَرَاهَةِ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَهَا.
هَلْ كَانَ عَائِدًا إليها أو إلى ما يحدث فيها؟
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَيْهَا كَانَ اللَّعِبُ بِهَا مَعْفُوًّا عَنْهُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مَا يَحْدُثُ عَنْهَا، كَانَ اللَّعِبُ بِهَا مُبَاحًا.
وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ مَا يَخْرُجُ بِهِ إِلَى السَّفَاهَةِ، إِمَّا بِالْبَذْلَةِ فِي أَفْعَالِهِ وَإِمَّا بِالْخَنَا فِي كَلَامِهِ، وَالسَّفَاهَةُ خُرُوجٌ عَنِ الْعَدَالَةِ تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - رَأَى رَجُلًا يَسْعَى بِحَمَامَةٍ فَقَالَ: " شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً ".
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَهُوَ مَا كَانَ بِهِ مَحْفُوظَ الْمُرُوءَةِ لِاتِّخَاذِهَا إِمَّا لِلِاسْتِفْرَاخِ، وَإِمَّا لِحَمْلِ الْكُتُبِ إِلَى الْبِلَادِ، وَإِمَّا لِلْأَنَسَةِ بِأَصْوَاتِهَا، فَيَكُونُ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - الْوَحْدَةَ فَقَالَ: " اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ ".
وَلِأَنَّهَا تُسَمِّدُ كَمَا تُسَمِّدُ الْمَوَاشِي.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ.
وَهُوَ أَنْ يَتَّخِذَهُ لِلْمُسَابَقَةِ بِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ ".
فَإِنْ جُعِلَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَصْلًا، قِيسَ عَلَيْهِ إِبَاحَةُ السَّبْقِ بِالْحَمَامِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَلَمْ تُرَدَّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
وَإِنْ جُعِلَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، اسْتِثْنَاءً من جملة محظور لم يقص عَلَيْهِ السَّبْقُ بِالْحَمَامِ. فَخَرَجَ بِهِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَرُدَّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ.
فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ بِعِوَضٍ كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنِ الْعِوَضِ كَانَ سَفَهًا.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَاللَّاعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ أخف حالا.
стр. 7874
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا صَارَ بِهِ أَخَفَّ حَالًا مِنْهُ. فَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَحَذَفَهُ الْمُزَنِيُّ اخْتِصَارًا. فَقَالَ: أَخَفُّ حَالًا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ شَارِبِ الخمر] )
(مسألة)
: قال الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَمَنْ شَرِبَ عَصِيرَ الْعِنَبِ الَّذِي عُتِقَ حَتَّى سَكِرَ وَهُوَ يَعْرِفُهَا خَمْرًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا نَصٌّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الْخَمْرُ فَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا أَسْكَرَ وَلَمْ تَمَسُّهُ نَارٌ، وَلَمْ يُخَالِطْهُ مَاءٌ وَلَا يَكُونُ خَمْرًا إِنْ مَسَّتْهُ نَارٌ أَوْ خَالَطَهُ مَاءٌ.
وَشُرْبُهُ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] .
فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ وَالرِّجْسُ الْمُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ يَكُونُ رِجْسًا بِإِضَافَتِهِ إلى الشيطان تغليظا.
وفي " الرجس " أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: سُخْطٌ.
وَالثَّانِي: شَرٌّ.
وَالثَّالِثُ: إِثْمٌ.
وَالرَّابِعُ: حرام.
وقوله ﴿من عمل الشيطان﴾ أَيْ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ بِهِ.
والثاني: قوله ﴿فاجتنبوه﴾ وَمَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِهِ حَرُمَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَفِيمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ " فَاجْتَنِبُوهُ " تَأْوِيلَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الرِّجْسُ أَنْ تَفْعَلُوهُ.
وَالثَّانِي: الشَّيْطَانُ أَنْ تُطِيعُوهُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
стр. 7875
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الزِّنَا خَاصَّةً. وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمناكِح الْفَاسِدَةُ وَمَا بَطَنَ السِّفَاحُ الصَّرِيحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ " الْفَوَاحِشَ " جَمِيعُ الْمَعَاصِي. مَا ظَهَرَ مِنْهَا: " أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ وَمَا بَطَنَ ": اعْتِقَادُ الْقُلُوبِ.
وَفِي الإثم والبغي تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ " الْإِثْمَ " الْخِيَانَةُ فِي الْأُمُورِ و " البغي " التَّعَدِّي عَلَى النُّفُوسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَشْهَرُ: أَنَّ " الْإِثْمَ " الْخَمْرُ " وَالْبَغْيَ " السُّكْرُ. وَشَاهِدُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ)
وَاخْتُلِفَ بِأَيِّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ.
فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بِالْآيَةِ الْأُولَى لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْخَمْرِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ حُرِّمَتْ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أنه قَالَ: " شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ " فَجَعَلَهُ مَقْرُونًا بِالشِّرْكِ لِتَغْلِيظِ تَحْرِيمِهِ. فَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ بِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اسْتَبَاحَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ شُرْبَ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] .
وَقَدْ قَالَ: قَدْ أَيْقَنَّا وَآمَنَّا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْنَا فِيمَا شَرِبْنَا، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ
قِيلَ: قَدْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ مَا تَأَوَّلَهُ وَأَبْطَلُوهُ، فَرَجَعَ عَنْهُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَسَادِ شُبْهَتِهِ، وَصَارَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنُّصُوصِ الْمَقْطُوعِ بِهَا.
وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهَا، كَانَ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ قَلِيلًا شَرِبَ مِنْهَا أَوْ كَثِيرًا، سَكِرَ منها أو لم يسكر، لقوله النبي ﷺ َ -: " حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ " فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فِي رِوَايَةِ الْحِجَازِيِّينَ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً.
стр. 7876
وَشَذَّ قَوْمٌ بِأَنْ قَالُوا: إِذَا مَزَجَهَا بِمَا غَلَبَ عَلَيْهَا لَمْ تَحْرُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ َ -: " حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا ".
وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَمْزُوجِ بِهَا، لَكِنْ لَوْ مُزِجَتْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَدَّ ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ الْمَزْجِ مُسْكِرًا، كَانَتْ فِي حُكْمِ النَّبِيذِ دُونَ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ.
لَوْ غَلِيَتِ بِالنَّارِ بَعْدَ إِسْكَارِهَا كَانَتْ خَمْرًا لَوْ غَلِيَتْ بِالنَّارِ قَبْلَ إِسْكَارِهَا ثُمَّ أَسْكَرَتْ بَعْدَ غَلْيِهَا كَانَتْ نَبِيذًا وَلَمْ تَكُنْ خَمْرًا.
( [الْقَوْلُ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا بَيْعُ الْخَمْرِ فَحَرَامٌ، وَبَائِعُهَا فَاسِقٌ، وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا بَاطِلٌ، وَثَمَنُهَا مُحَرَّمٌ.
رَوَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَلَعَنَ بَائِعَهَا " وَلِأَنَّ بَيْعَهَا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْخَمْرِ وَإِمْسَاكُهَا فَمُعْتَبَرٌ بِمَقْصُودِهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ أَنْ يَنْقَلِبَ وَيَصِيرَ خَلًّا جَازَ. وَلَمْ يَفْسُقْ بِهِ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِالِانْقِلَابِ.
وَإِنْ قَصَدَ ادِّخَارَهَا عَلَى حَالِهَا، كَانَ مَحْظُورًا، يَفْسُقُ بِهِ، لِأَنَّ إِمْسَاكَهَا دَاعٍ إِلَى شُرْبِهَا. وَمَا دَعَا إِلَى الْحَرَامِ مَحْظُورٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ في الأنبذة وشهادة شاربها] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَمَنْ شَرِبَ سِوَاهَا مِنَ الْمُنْصِفِ أَوِ الْخَلِيطَيْنِ فَهُوَ آثِمٌ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إِلَّا أَنْ يَسْكَرَ لِأَنَّهُ عِنْدَ جَمِيَعِهِمْ حَرَامٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ " حَرَامٌ " كَالْخَمْرِ عِنْدَنَا فِي تَحْرِيمِ مَا أَسْكَرَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يُسْكِرْ. وَجَعَلَ مُخَالِفُنَا تَحْرِيمَهُ مَقْصُورًا عَلَى السُّكْرِ، فَأَحَلَّ قَلِيلَهُ إِذَا لَمْ يُسْكِرْ، وَحَرَّمَ فِيهِ الْكَثِيرَ إِذَا أَسْكَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
فَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ عِنْدَنَا مُحَرَّمَةٌ مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ كَانَتْ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ رُطَبٍ أَوْ بُسْرٍ أَوْ عَسَلٍ، مَطْبُوخَةً وَنِيَّةً.
وَحَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ نِيَّهَا وَأَبَاحَ مَطْبُوخَهَا.
فَإِذَا شَرِبَ نَبِيذًا مُسْكِرًا، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهُ مَا أَسْكَرَ فَقَدْ شَرِبَ حَرَامًا في قول
стр. 7877
الْجَمِيعِ، وَصَارَ بِهِ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ. وَإِنْ شَرِبَ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْكِرْهُ فَإِنْ عَاقَرَ عَلَيْهِ أَوْ تَكَلَّمَ بِالْخَنَا وَالْهُجْرِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَوْ عَاقَرَ عَلَى الْمَاءِ كَانَ حَرَامًا.
وَإِنْ لَمْ يُعَاقِرْ وَشَرِبَ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْكَرْ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ تَحْرِيمَهُ إِمَّا بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ. فَيَفْسُقَ بِشُرْبِهِ وَيُحَدَّ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ مَعْصِيَةً فَصَارَ بِإِقْدَامِهِ عَاصِيًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ إِبَاحَتَهُ إِمَّا بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ عَلَى عَدَالَتِهِ وَيُحَدُّ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ فَسَقَ. فَيُحَدُّ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لا ترد شهادته ولا يحد.
ومنعا جَمِيعًا مِنِ اجْتِمَاعِ الْحَدِّ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَجَعَلَ مَالِكٌ وُجُوبَ الْحَدِّ مُسْقِطًا لِلشَّهَادَةِ، وَجَعَلَ الْمُزَنِيُّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَهُمَا، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ وَلَمْ يَرُدَّ الشَّهَادَةَ، لِأَنَّ الْحَدَّ مِنْ حُكْمِ الشُّرْبِ لِلرَّدْعِ عَنْهُ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْفِسْقِ بِالتَّفْسِيقِ فِي حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْمَعْصِيَةُ فِي تَأْوِيلِ مَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ مُرْتَفِعَةٌ، فَلَمْ يَمْتَنِعِ اجْتِمَاعُ الْحَدِّ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْقَاذِفِ إِذَا تَابَ قَبْلَ الْحَدِّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: إِنْ شَرِبَ غَيْرَ مُعْتَقِدِ الْإِبَاحَةِ وَلَا حَظْرٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إباحتها وحظروها، فَفِي فِسْقِهِ وَرَدٍّ شَهَادَتِهِ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فَاسِقٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِرْشَادِ فِي الشُّبَهَاتِ تَهَاوُنٌ فِي الدِّينِ فَصَارَ فِسْقًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ. لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْإِبَاحَةِ أَغْلَظُ مِنَ الشُّرْبِ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ الْخَمْرِ كَفَرَ. وَمَنْ شَرِبَهَا وَلَمْ يَعْتَقِدْ إِبَاحَتَهَا لَمْ يَكْفُرْ. فَلَمَّا لَمْ يَفْسُقْ مَنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ النَّبِيذِ وَشُرْبِهِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَفْسُقَ مَنْ شَرِبَهُ وَلَا يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ.
( [الْقَوْلُ فِي الْأَشْرِبَةِ الَّتِي لَا تُسْكِرُ وَشَهَادَةِ شَارِبِهَا] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا مَا لَا يُسْكَرُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ وَالْأَشْرِبَةِ كَالْفُقَاعِ وَالْقَارِصِ فَمُبَاحٌ لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
стр. 7878
وَحُكِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَرُبَّمَا عُزِيَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ شُرْبَ الْفُقَاعِ وَالْقَارِصِ حَرَامٌ.
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ مُخَمَّرٍ خَمْرٌ ".
وَرُوِيَ أَنَّ عليا ﵇ مَرَّ عَلَى بَائِعِ فُقَاعٍ فَقَالَ: مِنْ خِمَارٍ مَا أَوْقَحَكَ.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِرَدِّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " كُنَّا نَنْبِذُ لرسول الله ﷺ َ - عَلَى غَذَائِهِ فَيَشْرَبُهُ عَلَى عَشَائِهِ، وَننُبِذَ لَهُ عَلَى عَشَائِهِ فَيَشْرَبُهُ عَلَى غَذَائِهِ ".
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّا لِنَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الْغَلِيظَةِ وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ الشَّدِيدَةِ فَنَقْطَعُهَا فِي أَجْوَافِنَا. يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُسْكِرَ.
وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ السُّكْرُ، فَمَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يُحَرَّمْ كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْخَبَرِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ الْفُقَاعُ حَرَامًا عِنْدَ علي ﵇ لَأَظْهَرَ مِنَ الْإِنْكَارِ وَالْمَنْعِ مَا يَجِبُ بِإِظْهَارِ الْمُنْكَرِ، وَلَمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُنْصِفِ وَالْخَلِيطَينِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِفَتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُنْصِفَ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُهُ، وَالْخَلِيطَانِ خَلِيطُ الْبُسْرِ بِالزبيبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُنْصِفَ مَا يُنْصَفُ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَالْخَلِيطَانِ خَلِيطُ الْبُسْرِ بِالرُّطَبِ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْكِرًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُكْرَهُ كَمَا لَا تُكْرَهُ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي لَا تُسْكِرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ غَيْرُهَا. لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسْرَاعُ الْإِدْرَاكِ إِلَيْهَا قَبْلَ غيرها.
стр. 7879
وَالثَّانِي: إِسْكَارُهَا مَعَ بَقَاءِ حَلَاوَتِهَا، وَإِسْكَارُ غَيْرِهَا مَعَ حُدُوثِ مَرَارَتِهَا. وَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ شَارِبِهَا كرهت أم لم تكره.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَأَكْرَهُ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ لِلْخَبَرِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّرْدِ فَحَرَّمَهَا مَالِكٌ وَفَسَّقَ اللَّاعِبَ بِهَا وَأَحَلَّهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَلَمْ يُفَسِّقِ اللَّاعِبَ بِهَا إِذَا حَافَظَ عَلَى عِبَادَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ.
وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّرْدَ أَغْلَظُ فِي الْمَنْعِ مِنَ الشِّطْرَنْجِ وَصَرَّحَ فِيهَا بِالْكَرَاهَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَمْ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ؟
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَتَغْلِيظٍ، تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ تُحَرَّمْ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ تُوجِبُ فِسْقَ اللَّاعِبِ بِهَا وَرَدَّ شَهَادَتِهِ.
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".
وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قال: " من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ ".
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَقْلِبُ كِعَابَهَا أَحَدٌ يَنْتَظِرُ مَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".
فَصَارَ فَرْقُ مَا بَيْنَ النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ فِي الْحُكْمِ، أَنَّ الشَّطْرَنْجَ لَا يُحَرَّمُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ وَالنَّرْدُ مَكْرُوهَةٌ وَفِي تَحْرِيمِهَا وَجْهَانِ، وَالشَّطْرَنْجُ لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ إِذَا خَلَصَتْ وَتُرَدُّ بِالنَّرْدِ وَإِنْ خَلَصَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى: أَنَّ الشَّطْرَنْجَ مَوْضُوعَةٌ لِصِحَّةِ الْفِكْرِ وَصَوَابِ التَّدْبِيرِ وَنِظَامِ السِّيَاسَةِ، فَهِيَ صَادِرَةٌ إِنْ ظَهَرَ فِيهَا عَنْ حَذْقَةٍ.
وَالنَّرْدُ مَوْضُوعَةٌ إِلَى مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ كَعَابِهَا وَفُصُوصِهَا، فَهُوَ كَالْأَزْلَامِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ. وَالْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، لِأَنَّ بُيُوتَهَا اثْنَا عَشَرَ كَالْبُرُوجِ وَيَقْطَعُهَا مِنْ جَانِبَيِ الْفَصِّ سَبْعَةٌ، كَالْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ. فَعَدَلَ بِهَا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ إِلَى تَدْبِيرِ الْكَوَاكِبِ والبروج.
стр. 7880
وَهَكَذَا اللَّعِبُ بِالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، الْمُفَوَّضَةِ إِلَى الْكَعَابِ، وَمَا ضَاهَاهَا، فِي حُكْمِ النَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا اللَّعِبُ بِالْخَاتَمِ فَهُوَ حَدَسِيٌّ لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْغِنَاءِ] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِنْ كَانَ يُدِيمُ الْغِنَاءَ وَيَغْشَاهُ الْمُغَنُّونُ مُعْلِنًا فَهَذَا سَفَهٌ تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَقِلُّ لَمْ تُرَدَّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْغِنَاءِ.
وَالثَّانِي: فِي أَصْوَاتِ الْمَلَاهِي.
وَأَمَّا الْغِنَاءُ، فَمِنَ الصَّوْتِ، مَمْدُودٌ وَمِنَ الْمَالِ مَقْصُورٌ، كَالْهَوَاءِ وَهُوَ مِنَ الْجَوِّ مَمْدُودٌ وَمِنْ هَوَى النَّفْسِ مَقْصُورٌ.
كَتَبَ إِلَيَّ أَخِي مِنَ الْبَصْرَةِ وَقَدِ اشْتَدَّ شَوْقُهُ لِلِقَائِي بِبَغْدَادَ شِعْرًا قَالَ فِيهِ:
(طِيبُ الْهَوَاءِ بِبَغْدَادٍ يُشَوِّقُنِي ... قِدْمًا إِلَيْهَا وَإِنْ عَاقَتْ مَقَادِيرُ)
(فَكَيْفَ صَبْرِي عَنْهَا الْآنَ إِذْ جَمَعَتْ ... طِيبَ الْهَوَاءَيْنِ مَمْدُودٌ وَمَقْصُورُ)
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ الْغِنَاءِ وَحَظْرِهِ، فَأَبَاحَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَحَظَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي أَصَحِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُبِيحُوهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَحْظُرُوهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَتَوَسَّطُوا فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَبَاحَهُ، بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ مَرَّ بِجَارِيَةٍ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ تُغَنِّي وَهِيَ تَقُولُ:
(هَلْ عَلَيَّ وَيْحَكُمَا ... إِنْ لَهَوْتُ مِنْ حَرَجِ)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " لَا حَرَجَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ".
стр. 7881
وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أَمَزْمُورُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ ".
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: " الْغِنَاءُ زَادُ الْمُسَافِرِ ".
وَكَانَ لِعُثْمَانَ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي اللَّيْلِ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ السَّحَرِ قَالَ: أَمْسِكَا فَهَذَا وَقْتُ الِاسْتِغْفَارِ، وَقَامَ إِلَى صَلَاتِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْحِجَازِ يَتَرَخَّصُونَ فِيهِ وَيُكْثِرُونَ مِنْهُ، وَهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَجِلَّةِ الْفُقَهَاءِ. فَلَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَمْنَعُونَهُمْ مِنْهُ إِلَّا فِي إِحْدَى حَالَتَيْنِ:
إِمَّا فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ، أَوِ الْإِكْثَارِ مِنْهُ. كَالَّذِي حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ وَمُكْثِرًا مِنْهُ، حَتَّى بَدَّدَ فِيهِ أَمْوَالَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قُمْ بِنَا إِلَيْهِ، فَقَدْ غَلَبَ هَوَاهُ عَلَى شَرَفِهِ وَمُرُوءَتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَا عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ جَوَارِيهِ، يُغَنِّينَ فَأَمَرَهُنَّ بِالسُّكُوتِ، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي الدُّخُولِ، فَلِمَا اسْتَقَرَّ بِهِمَا الْجُلُوسُ قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مُرْهُنَّ يَرْجِعْنَ إِلَى مَا كُنَّ عَلَيْهِ. فَرَجَعْنَ يُغَنِّينَ، فَطَرِبَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى حَرَّكَ رِجْلَيْهِ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ مَنْ جِئْتَ تَلْحَاهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْكَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا عَمْرُو، فَإِنَّ الْكَرِيمَ طَرُوبٌ.
وَإمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْغَنَاءِ مَا يُكْرَهُ كَالَّذِي رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ عَادَ ابْنُ جَامِعٍ إِلَى مَكَّةَ بِأَمْوَالٍ جَمَّةٍ حَمَلَهَا مِنَ الْعِرَاقِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: عَلَامَ لِعَطَاءِ ابْنِ جَامِعٍ هَذِهِ الْأَمْوَالُ؟ فَقَالُوا: عَلَى الْغِنَاءِ، قَالَ: " ابْنُ جَامِعٍ مَاذَا يَقُولُ فِيهِ "؟ قَالُوا: يَقُولُ:
(أُطَوِّفُ بِالْبَيْتِ مع مَنْ يُطَوفُ ... وأرفع من مئزر السبل)
قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ. ثُمَّ مَاذَا يَقُولُ؟ قَالُوا:
(وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلوا مِنَ الْمُحْكَمِ الْمُنْزَلِ)
قَالَ: أَحْسَنَ وَأَصْلَحَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالُوا:
(عَسَى فَارِجُ الْهَمِّ عَنْ يُوسُفٍ ... يُسَخِّرُ لِي رَبَّهَ الْمَحْمَلِ)
قَالَ: أَفْسَدَ الْخَبِيثُ مَا أَصْلَحَ لَا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ.
стр. 7882
وَاسْتَدَلَّ مَنْ حَظَرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . وَفِيهِ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: -
أَحَدُهَا: الْغِنَاءُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: أَعْيَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
وَالثَّالِثُ: الْكَذِبُ. قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَالرَّابِعُ: الشِّرْكُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ ﵀.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] . وفيه ثلاث تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: إِذَا ذَكَرُوا الْفُرُوجَ وَالنِّكَاحَ كَنَّوْا عَنْهَا.
وَالثَّانِي: إِذَا مَرُّوا بِالْمَعَاصِي أَنْكَرُوهَا قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا مَرُّوا بِأَهْلِ الْمُشْرِكِينَ أَنْكَرُوهُ قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقاله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الْآيَةَ. وَفِي لَهْوَ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْغِنَاءُ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ شِرَاءُ الْمُغَنِّيَاتِ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - قَالَ: " لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا التِّجَارَاتُ فِيهِنَّ وَأَثْمَانُهُنَ حَرَامٌ وَفِيهِنَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ".
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ شِرَاءُ الطَّبْلِ وَالْمِزْمَارِ، قَالَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ مَا أَلْهَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِيَمْنَعَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: لِيَصُدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ : تَأْوِيلَانِ.
стр. 7883
أَحَدُهُمَا: بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
وَالثَّانِي: بِغَيْرِ رِوَايَةٍ.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَكْذِيبًا.
وَالثَّانِي: اسْتِهْزَاءً بِهَا.
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ ".
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْغِنَاءُ نَهِيقُ الشَّيْطَانِ ".
وَقَالَ ﷺ َ -: " أَنْهَاكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَيْنِ الْغِنَاءِ وَالنِّيَاحَةِ ".
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا.
وَإِذَا تَقَابَلَ بِمَا ذَكَرْنَا، دَلَائِلُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، يَخْرُجُ مِنْهَا حُكْمُ الْكَرَاهَةِ. فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِبَاحَتِهِ، لِمَا قَابَلَهُ من دلائل الحظر والإباحة وَلَمْ نَحْكُمْ بِحَظْرِهِ لِمَا قَابَلَهُ مِنْ دَلَائِلِ الإباحة. " فصار يتردده بَيْنَهُمَا مَكْرُوهًا غَيْرَ مُبَاحٍ وَلَا مَحْظُورٍ ".
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْغِنَاءِ: أَحَلَالٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: " لَا " يُرِيدُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي الْمَلَاهِي] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْمَلَاهِي فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: حَرَامٍ، وَمَكْرُوهٍ، وَحَلَالٍ.
فَأَمَّا الْحَرَامُ: فَالْعُودُ وَالطُّنْبُورُ وَالْمِعْزَفَةُ وَالطَّبْلُ وَالْمِزْمَارُ وَمَا أَلْهَى بِصَوْتٍ مُطْرِبٍ إِذَا انْفَرَدَ.
وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْمِزْرَ وَالْكُوبَةَ وَالْمَزَامِيرَ وَالْقِنِّينَ ".
فَالْمَيْسِرُ الْقِمَارُ، والمزر نبيذ الذرة، والكوبة الطبل. والقنين البريط. وَلِأَنَّهَا تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الصلاة كالشراب.
стр. 7884
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَخُصُّ الْعَوْدَ مِنْ بَيْنِهَا وَلَا يُحَرِّمُهُ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى حَرَكَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ تَنْفِي الْهَمَّ، وَتُقَوِّي الْهِمَّةَ وَتَزِيدُ فِي النَّشَاطِ.
وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْمَلَاهِي طَرَبًا، وَأَشْغَلُهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ. وَإِنْ تَمَيَّزَ بِهِ الْأَمَاثِلُ عَنِ الْأَرَاذِلِ.
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ: فَمَا زَادَ بِهِ الْغِنَاءُ طَرَبًا، وَلَمْ يَكُنْ بِانْفِرَادِهِ مُطْرِبًا. كَالْفُسَحِ، وَالْقَضِيبِ. فَيُكْرَهُ مَعَ الْغِنَاءِ لِزِيَادَةِ إِطْرَابِهِ. وَلَا يُكْرَهُ إِذَا انْفَرَدَ لِعَدَمِ إِطْرَابِهِ.
وَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَمَا خَرَجَ عَنْ آلَةِ الْإِطْرَابِ. إِمَّا إِلَى إِنْذَارٍ كَالْبُوقِ، وَطَبْلِ الْحَرْبِ. أَوْ لِمَجْمَعٍ وَإِعْلَانٍ كَالدُّفِّ فِي النِّكَاحِ، كَمَا قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَسَلَامُهُ: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ".
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ ضَرْبُ الدُّفِّ عَلَى النِّكَاحِ عَامٌّ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ؟ فَعَمَّ بَعْضُهُمْ لِإِطْلَاقِهِ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي لَا يَتَنَاكَرُ أَهْلُهَا فِي الْمَنَاكِحِ. كَالْقُرَى وَالْبَوَادِي وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، فِي مِثْلِ زَمَانِنَا، لِأَنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إِلَى السَّخَفِ وَالسَّفَاهَةِ.
فَأَمَّا الشَّبَّابَةُ: فَهِيَ فِي الْأَمْصَارِ مَكْرُوهَةٌ، لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهَا لِلسُّخْفِ وَالسَّفَاهَةِ وَهِيَ فِي الْأَسْفَارِ وَالرُّعَاةِ مُبَاحَةٌ، لِأَنَّهَا تَحُثُّ عَلَى السَّيْرِ وَتَجْمَعُ الْبَهَائِمَ إِذَا سَرَحَتْ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَحْكَامُ الْأَغَانِي وَالْمَلَاهِي، فَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهَا فَهِيَ مِنَ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ يُفْتَقَرُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا مَعَ الْإِصْرَارِ.
وَإِنْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهَا، فَهِيَ مِنَ الْخَلَاعَةِ لَا يُفْتَقَرُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا مَعَ الْإِصْرَارِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: فِيمَنْ يَسْتَعْمِلُهَا لِلَهْوِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِيمَنْ يَغْشَى أَهْلَهَا.
فَأَمَّا الْمُبَاشِرُ لَهَا بِنَفْسِهِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَصِيرَ مَنْسُوبًا إِلَيْهَا وَمُسَمًّى بِهَا، يُقَالُ إِنَّهُ مُغَنِّي يَأْخُذُ عَلَى غِنَائِهِ أَجْرًا، يَدْعُوهُ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ أَوْ يَغْشَوْنَهُ لِذَلِكَ فِي دَارِهِ، فَهَذَا سَفِيهٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَرَّضَ لِأَخْبَثِ الْمَكَاسِبِ وَنُسِبَ إِلَى أَقْبَحِ الْأَسْمَاءِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُغَنِّيَ لِنَفْسِهِ إِذَا خَلَا في داره باليسر اسْتِرْوَاحًا فَهَذَا مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا خَلَا فِي دَارِهِ يَتَرَنَّمُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ:
стр. 7885
وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ. فَقَالَ: أَسَمِعْتَنِي يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّا إِذَا خَلَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا نَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ مِنْ زُهَّادِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَجُمُّ قَلْبِي بِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ لِأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْحَقِّ.
فَإِنْ قَرَنَ يَسِيرَ غِنَائِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَلَاهِي مِمَّا حَظَرْنَاهُ، نُظِرَ.
فَإِنْ خَرَجَ صَوْتُهُ عَنْ دَارِهِ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهَا، كَانَ سَفَهًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
وَإِنْ خَافَتْ بِهِ وَلَمْ يُسْمَعْ، كَانَ عَفْوًا إِذَا قَلَّ وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُغَنِّيَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ إِخْوَتِهِ لِيَسْتَرْوِحُوا بِصَوْتِهِ وَلَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ عَلَيْهِ. وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا نُظِرَ:
فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِهِ يَدْعُوهُ النَّاسُ لِأَجْلِهِ. كَانَ سَفَهًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ، وَلَا دَعَا النَّاسَ لِأَجْلِهِ، نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِهِ مُعْلِنًا لَهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِهِ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ مُسْتَمِعِ الْغِنَاءِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا مُسْتَمِعُ الْغِنَاءِ. فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَصِيرَ منقطعا إليه، يدفع عليه حذرا وَيَتَّبِعُ فِيهِ أَهْلَ الْخُدُورِ فَهَذَا سَفِيهٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ اسْتِمَاعُهُ، وَيَسْمَعَهُ أَحْيَانًا فِي خَلْوَتِهِ اسْتِرْوَاحًا بِهِ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِمَاعَ غناء امْرَأَةٍ غَيْرِ ذَاتِ مَحْرَمٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِي الذِّكْرَ ".
وَالْحَالُ الثالثة: أن يتوسط بين المكثر والمقل نظر.
فَإِنِ اشْتُهِرَ بِهِ وَانْقَطَعَ بِهِ عَنْ أَشْغَالِهِ، صار سفهيا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ وَلَا قَطَعَهُ عَنْ أَشْغَالِهِ، فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا مُقْتَنِي الْمُغَنِّيِينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ مِنَ الْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
стр. 7886
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ جَلِيسًا لَهُمْ، وَمَقْصُودًا لِأَجْلِهِمْ، فَهَذَا سَفِيهٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَحَالُهُ فِي الْجَوَارِي أَغْلَظُ مِنْ حَالِهِ فِي الْغِلْمَانِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ سَفَهًا وَدَنَاءَةً ".
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَنِيَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِيَسْتَمِعَ غِنَاءَهُمْ إِذَا خَلَا، مُقْبِلًا مُسْتَتِرًا، غَيْرَ مُكَاثِرٍ وَلَا مُجَاهِرٍ. فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي سَمَاعِهِمْ فَيُنْظَرُ:
فإن كان يدعوهم من لأجل السَّمَاعِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ دَعَاهُمْ لِغَيْرِ الْغِنَاءِ، نُظِرَ.
فَإِنْ كَثُرَ حَتَّى اشْتُهِرَ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ قَلَّ وَلَمْ يَشْتَهِرْ، فَإِنْ كَانَ الْغِنَاءُ مِنْ غُلَامٍ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغِنَاءُ مِنْ جَارِيَةٍ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَشَهَادَةُ مُسْتَمِعِهَا إِذَا اعْتَمَدَ الْمُسْتَمِعُ سَمَاعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَمَّةً فَسَمَاعُهَا أَخَفُّ مِنْ سَمَاعِ الْحُرَّةِ. لِنَقْصِهَا فِي الْعَوْرَةِ وَأَغْلَظُ مِنْ سَمَاعِ الْغُلَامِ لِزِيَادَتِهَا فِي الْعَوْرَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَغْلِبَ نَقْصُهَا عَنِ الْحُرَّةِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْغُلَامِ. فَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَغْلِبَ زِيَادَتُهَا عَلَى الْغُلَامِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْحُرَّةِ فَتُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْحَادِي والراجز] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " فَأَمَّا الِاسْتِمَاعُ لِلْحُدَاءِ وَنَشِيدِ الْأَعْرَابِ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - لِلشَّرِيدِ " أَمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ شَيْءٌ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " هِيهِ " فَأَنْشَدَهُ بَيْتًا فَقَالَ " هِيهِ " حَتَّى بَلَغَتْ مِائَةَ بَيْتٍ وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - الْحُدَاءَ وَالرَّجَزَ وَقَالَ لِابْنِ رَوَاحَةَ " حَرِّكْ بِالْقَوْمِ " فاندفع يرجز (قال المزني) ﵀ سمعت الشافعي يقول كان سعيد بن جبير يلعب بالشطرنج استدبارا فقلت له كيف يلعب بها استدبارا؟ قال يوليها ظهره ثم يقول: " بأي شيء وقع " فيقول بكذا فيقول أوقع عليه بكذا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. لَا بَأْسَ بِالْحُدَاءِ وَنَشِيدِ الْأَعْرَابِ، وَالشِّعْرِ، وَالرَّجَزِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - لَيْلَةَ نَامَ بِالْوَادِي حَادِيَانِ.
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ
стр. 7887
رسول الله ﷺ َ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحُدَاءِ، فَكَانَ مَعَ الرِّجَالِ وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ، فقال النبي ﷺ َ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ: " حَرِّكْ بِالْقَوْمِ ". فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ وَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ فَأَعْنَقَتِ الْإِبِلُ فِي السَّيْرِ فقال النبي ﷺ َ -: " رُويْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ " يَعْنِي النِّسَاءَ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - ثُمَّ قَالَ " أَمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: هِيهِ. فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا آخَرَ. فَقَالَ: هِيهِ. فَأَنْشَدْتُهُ إِلَى أَنْ بَلَغَ مِائَةَ بَيْتٍ ".
" وَهِيهِ " مَوْضُوعَةٌ فِي الْكَلَامِ لِلْحَثِّ وَالِاسْتِزَادَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ شَعْرَ أُمَيَّةَ لِأَنَّ أَكْثَرَهُ عِبَرٌ وَأَمْثَالٌ، وَأَذْكَارٌ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وروي أنه ﷺ َ - قَالَ فِيهِ: " إِنْ كَادَ لَيُسْلِمَ ".
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ لَقِيَ فِي سَفَرٍ رَكْبًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مَعَهُمْ حَادٍ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْدُوا، فَقَالُوا: إِنَّ حَادِيَنَا حَدَا وَنَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَوَّلُ الْعَرَبِ حُدَاءً بِالْإِبِلِ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُغِيرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَأَغَارَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى إِبِلٍ فَاسْتَاقَهَا فَتَبَدَّدَتْ. فَضَرَبَ غُلَامَهُ عَلَى يَدِهِ، فَكَانَ الْغُلَامُ كُلَّمَا ضَرَبَهُ صَاحَ وَايَدَاهُ ﴿وَايَدَاهُ﴾ وَالْإِبِلُ تَجْتَمِعُ لِحُسْنِ صَوْتِهِ. وَهُوَ يَقُولُ: هَكَذَا أَفْعَلُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ َ - يَضْحَكُ. فَقَالَ: وَمِمَّنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مُضَرَ فقال: " ونحن من مضر فكيف كُنْتُمْ أَوَّلَ الْعَرَبِ حُدَاءً ".
فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى إِنْشَادِ الرَّجَزِ وَإِبَاحَةِ الْحُدَاءِ، وَجَوَازِ الضَّحِكِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَلِأَنَّ الْحُدَاءَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ اللَّهْوُ كَالْغِنَاءِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ حَثُّ الْمُطِيِّ وَإِعْنَاقِ السَّيْرِ. فَلَمْ تَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ كَرَاهِيَةٌ.
وَلِأَنَّ الحداء الحسن الرجز فيباح بالصوت الشجمي. فَيُخَفِّفُ كِلَالَ السَّفَرِ، وَيُحْدِثُ نَشَاطَ النَّفْسِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَجْهٌ. وَسَوَاءٌ فِيهِ الْحَادِي وَالْمُسْتَمِعُ.
وَهَكَذَا التَّغَنِّي بِالرُّكَانِيَّةِ مُبَاحٌ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْحُدَاءِ، يَعْدِلُ فِيهِ عَنْ أَلْحَانِ الْغِنَاءِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، اسْتَقْبَلَهُ الْأَنْصَارُ وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْفِتْيَانُ بِالدُّفُوفِ وَهُمْ يُنْشِدُونَ:
стр. 7888
(طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ)
(وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعِ)
وَمَرَّ رسول الله ﷺ َ - بِبَعْضِ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ فَسَمِعَ جِوَارِيَ لِبَنِي النَّجَّارِ يُنْشِدُونَ:
(نَحْنُ جَوَارٍ لِبَنِي النَّجَّارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ)
فَقَالَ: " يَا حَبَّذَا أَنْتُنَّ ".
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ أَوْلَى مَحْبُوبًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) ﵀ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ " مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ " وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ َ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ يَقْرَأُ فَقَالَ " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (قَالَ الشافعي) ﵀ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ وَأَحَبُّ مَا يُقْرَأُ إِلَيَّ حدرا وتحزينا (قال المزني) ﵀ سمعت الشافعي يقول لو كان معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء لكان يتغانى وتحسين الصوت هو يتغنى ولكنه يراد به تحسين الصوت ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ حَدْرًا وَتَحْزِينًا فَمُسْتَحَبٌّ، لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - قَالَ: " مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ " وَرُوِيَ " حُسْنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ [زينة القرآن] ".
وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَذِنَ اللَّهُ أَيْ مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] أَيْ سَمِعَتْ لَهُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَعَ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ".
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنَ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ".
стр. 7889
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُنِي لَحَبَّرْتَهُ تَحْبِيرًا
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ " يَعْنِي [عَبْدَ اللَّهِ] بْنَ مَسْعُودٍ لِحُسْنِ أَدَائِهِ وَصِحَّةِ تَرْتِيلِهِ وَتَحْقِيقِ أَلْفَاظِهِ.
وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ذَا صَوْتٍ حَسَنٍ وَأَدَاءٍ صَحِيحٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " لَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ ".
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِيَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ فَلَا يَسْتَنْكِفُ شَرِيفٌ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى مَشْرُوفٍ وَلَا كَبِيرٌ عَلَى صَغِيرٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لِيَسْمَعَ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ وأداه فَيَأْخُذُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ بِهِ تَفْضِيلَ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِي تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ تحريك القلوب الحزن وَالْخُشُوعِ، وَإِنْذَارِ النُّفُوسِ بِالْحَزَنِ وَالْخُضُوعِ فَيَكُونُ أَبْعَثَ عَلَى الطَّاعَةِ وَأَمْنَعَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَرَأَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي تَهَجُّدِهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ إِلَى قَوْله [تَعَالَى] : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَبَكَى حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى تَحَزَّنَ صَوْتُهُ.
وَمَرَّ بَعْضُ أَهْلِ الْبِطَالَةِ، وَقَدْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ، بِصَالِحٍ الْمُرِّيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فَانْزَجَرَ بِهَا وَأَلْقَى السِّكِّينَ مِنْ يَدِهِ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَى وَجْهِهِ وَتَابَ وَصَارَ نَاسِكًا.
( [الْقَوْلُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ] )
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْأَغَانِي فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا. فَرَخَّصَهَا قَوْمٌ، وَأَبَاحُوهَا لِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - قَالَ: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ".
стр. 7890
وَشَدَّدَهَا آخَرُونَ وَحَظَرُوهَا، لِخُرُوجِهَا عَنِ الزَّجْرِ وَالْعِظَةِ إِلَى اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ. وَلِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ عُرْفِ الرسول ﷺ َ - وَصَحَابَتِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَى مَا اسْتُحْدِثَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ َ -: " كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ".
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَيْنِ الْإِطْلَاقَيْنِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ الألحان، فإذا أخرجت ألفاظ القرآن لمن صِيغَتُهُ، بِإِدْخَالِ حَرَكَاتٍ فِيهِ وَإِخْرَاجِ حَرَكَاتٍ مِنْهُ، يُقْصَدُ بِهَا وَزْنُ الْكَلَامِ وَانْتِظَامُ اللَّحْنِ، أَوْ مَدُّ مَقْصُورٍ، أَوْ قَصْرُ مَمْدُودٍ، أَوْ مَطَطٌ حَتَّى خَفِيَ اللَّفْظُ، وَالْتَبَسَ الْمَعْنَى، فَهَذَا مَحْظُورٌ يفسق به القارىء وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ إِلَى اعْوِجَاجِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ اللَّحْنُ عَنْ صِيغَةِ لَفْظِهِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَى تَرْتِيلِهِ كَانَ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ قَدْ زَادَ بِأَلْحَانِهِ فِي تَحْسِينِهِ وَمِيلِ النَّفْسِ إِلَى سَمَاعِهِ.
أما قوله: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَمَالَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَحَكَى زُهَيْرُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ مُتَغَنِّيًا فَبِالشِّعْرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ َ - يَقُولُ: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ "، فقال له إياس: إنما أراد [النبي ﷺ َ -] ، ليس منا من لم يستغني بِالْقُرْآنِ، أَلَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَهُ الْآخَرَ " مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَدًا أَغْنَى مِنْهُ ". أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
(غَنِينَا بِذِكْرِ اللَّهِ عَمَّا ... نَرَاهُ فِي يَدِ الْمُتَمَوِّلِينَا)
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غِنَاءِ الصَّوْتِ فِي تَحْسِينِهِ وَتَحْزِينِهِ دُونَ أَلْحَانِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ وَقَالَ: لَوْ أراد هذا لقال: " من لم يتغانى بالقرآن ".
стр. 7891
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي ﵁: " وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ وَالْعَصَبِيَّةُ الْمَحْضَةُ أَنْ يُبْغَضَ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ فَإِذَا أَظْهَرَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا وَتَأَلَّفَ عليها فمرود وقد جمع الله تباك وَتَعَالَى الْمُسْلِمِينَ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ أَشْرَفُ أَنْسَابِهِمْ فَقَالَ جل ثناؤه ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - " كُونَوَا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا " فَمَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ َ - رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ بِالْأُلْفَةِ وَالتَّنَاصُرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] .
وَقَالَ النبي ﷺ َ -: " أُمَّتِي كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا " وَقَالَ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنَ التَّقَاطُعِ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ - " لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَالسَّابِقُ أَسْبَقُهُمَا إِلَى الْجَنَّةِ ".
فَكَانَ هَذَا أَصْلًا فِي الدِّينِ، لِيَكُونُوا يَدًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ".
وَيَشْتَمِلُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي الْمَحَبَّةِ.
وَالثَّانِي: فِيمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْبُغْضِ.
وَالرَّابِعُ: فِيمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْمَحَبَّةِ.
وَنَتَحَدَّثُ عَنْ أَسْبَابٍ يَكُونُ بَعْضُهَا مُسْتَحَبًّا وَبَعْضُهَا مُبَاحًا وَبَعْضُهَا مَكْرُوهًا.
стр. 7892
فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ فِي الدِّينِ وَظُهُورُ الْخَيْرِ وَمَا قَرَّبَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَاعَدَ مِنْ مَعَاصِيهِ.
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وَلِذَلِكَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
فَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ عَلَى النَّسَبِ وَعَلَى التَّجَانُسِ فِي عِلْمٍ أَوْ أَدَبٍ وَعَلَى مَا أُبِيحَ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ مَكْسَبٍ، فَهَذَا مُبَاحٌ تَقْوَى بِهِ الْعَدَالَةُ وَلَا تَضْعُفُ بِهِ وَلِهَذَا النَّوْعِ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: " وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ ".
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ أَعْدَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَدْ أَحَبَّ قُرَيْشًا لِنَسَبِهِ فِيهِمْ حَتَّى خَصَّهُمْ بِخِلَافَتِهِ فَقَالَ: " الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ".
وَقَالَ ﷺ َ -: " قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَتَقَدَّمُوهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا تُعَالِمُوهَا ".
وَحَمَى لَهُمْ لَمَّا عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ سَلَامَةُ بْنُ وَقْشٍ وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، فَقَالَ سَلَامَةُ: وَهَلْ لَقِينَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ: " أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ "، فَنَفَى عَنْهُمُ الْعَارَ مَعَ كُفْرِهِمْ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُ.
وَسَمِعَ شَاعِرًا من حمير ينشده:
(فإني امرؤ حميري حين ينسبني ... لا من ربيعة إياي وَلَا مُضَرَ)
فَقَالَ ﷺ َ -: " ذَاكَ أَهْوَنُ لِقَدْرِكَ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنَ اللَّهِ " وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ عَلَى الْمُوافَقَةِ فِي المعاصي. فقال ﷺ َ -: " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ " فَصَارَ مُحِبُّ الْعَاصِي كالعاصي.
стр. 7893
فَأَمَّا الْمَحَبَّةُ لِاسْتِحْسَانِ الصُّوَرِ، فَإِنْ كَانَتْ لِهَوًى يُفْضِي إِلَى رِيبَةٍ كُرِهَتْ وَإِنْ كَانَتْ لِاسْتِحْسَانِ صُنْعِ اللَّهَ تَعَالَى وَبَدِيعِ خَلْقِهِ لَمْ تُكْرَهْ وَكَانَتْ بِالْمُسْتَحَبَّةِ أَشْبَهَ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْعَصَبِيَّةِ: فَهِيَ شِدَّةُ الْمُمَايَلَةِ لِقَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَصَبِيَّتُهُ لَهُمْ عَامَّةً فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُحِقٍّ وَمُبْطِلٍ، فَهَذَا فِسْقٌ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَصَبِيَّتُهُ لَهُمْ مَقْصُورَةً عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ لَهُمْ وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ. فَيَكُونُ بِهَا عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: " أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ". فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُعِينُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أُعِينُهُ ظَالِمًا؟ فَقَالَ: " تَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ ".
ثُمَّ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْعَصَبِيَّةُ، فَإِنْ كَانَتْ لِمَحَبَّةِ الْقَوْمِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ.
( [الْقَوْلُ فِي الْبُغْضِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْبُغْضِ: فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُسْتَحَبٌّ، وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي، فَيَكُونُ بُغْضُهُ لَهُمْ طَاعَةً يُؤْجَرُ عَلَيْهَا لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِمَنْ لَوَى حَقَّهُ وَتَظَاهَرَ بِعَدَاوَتِهِ فَيَكُونُ السَّبَبُ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مُبَاحًا، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَثَّمُ بِهِ، وَهُوَ فِيهِ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شهادته، وما لَمْ يَتَجَاوَزِ الْبُغْضَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِمَنْ خَالَفَهُ فِي نَسَبٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ صِنَاعَةٍ فَيَكُونُ الْبُغْضُ لِهَذَا السَّبَبِ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّقَاطُعِ.
стр. 7894
فَإِنْ أَلَّبَ عَلَيْهِ وَتَعَصَّبَ فِيهِ كَانَ جَرْحًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزِ الْبُغْضَ إِلَى مَا سِوَاهُ كَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَمَى نَفْسَهُ مِنْ نَتَائِجِ الْبُغْضِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بُغْضُهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَلْبَهُ. وَإِنْ كَانَ عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَبْغَضُ النَّاسَ وَيَبْغَضُونَهُ " فَيَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا فِيهِ، فَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ إِلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنَ التَّقَاطُعِ.
( [الْقَوْلُ فِي الْعَدَاوَةِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْعَدَاوَةِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ، أَنَّ الْبُغْضَ بِالْقَلْبِ، وَالْعَدَاوَةَ بِالْعَمَلِ، وَمَعَ كُلِّ عَدَاوَةٍ بُغْضٌ وَلَيْسَ مَعَ كُلِّ بُغْضٍ عَدَاوَةٌ، فَصَارَتِ الْعَدَاوَةُ أَغْلَظَ مِنَ الْبُغْضِ، فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُسْتَحَبَّةٌ، وَمُبَاحَةٌ، وَمَكْرُوهَةٌ.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَبَّةُ: فَهِيَ فِي الدِّينِ، لِمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ تَعَرَّضَ لمعاصيه. وهذا غضب لله تعالى في حقوق أوامر وَنَوَاهِيهِ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْعَدَاوَةِ إِلَى نُصْرَةِ الدِّينِ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي عَدَالَتِهِ وَأَوْلَى بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ، لِأَنَّ مَنْ غَضِبَ لِلَّهِ فِي مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ، كَانَ بِدَفْعِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْمُبَاحَةُ: فَهِيَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إِذَا بدىء بِالْعَدَاوَةِ فَقَابَلَ عَلَيْهَا بِمَا لَمْ يَتَجَاوَزْ فِيهِ حُكْمَ الشَّرْعِ، فَهُوَ مُسْتَوْفٍ لِحَقِّهِ مِنْهُ. غَيْرُ قَادِحٍ فِي عَدَالَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] .
وَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَمَّا قَبُولُهَا عَلَى عَدْوِّهِ فَمُعْتَبَرَةٌ بِحَالِهِ بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ فَإِنْ سَكَنَ بَعْدَ نُفُورِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى نُفُورِهِ ردت.
وأما المكروهة: فهو أن يبتدىء بِهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبِ " بِوُجُوبِهَا "، فَيَكُونُ بِهَا مُتَجَوِّزًا، فَإِنْ قَرْنَهَا بِفُحْشٍ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَارَ بِهَا مَجْرُوحًا فِي حَقِّ الْكَافَّةِ. لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدٍ وَلَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَتْ عَنْ فُحْشٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ، عَلَى غَيْرِهِ وَمَرْدُودُ الشَّهَادَةِ عَلَى عَدُوِّهِ وَمَقْبُولُ الشَّهَادَةِ لِعَدُّوِهِ.
( [القول في حكم الشعر] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَالشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ وفضله على الكلام أنه سائر وإذا كان الشاعر لا يعرف بشتم الناس
стр. 7895
وأذاهم ولا يمتدح فيكثر الكذب المحض ولا يتشبب بامرأة بعينها ولا يشهرها بما يشينها فجائز الشهادة وإن كان على خلاف ذلك لم تجز ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَهَادَةِ الشَّاعِرِ إِذَا صَارَ بِالشِّعْرِ مَشْهُورًا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبًا، فَمَنَعَ قَوْمٌ مِنْ قَبُولِهَا وَجَعَلُوا تَوَفُّرَهُ عَلَى الشِّعْرِ جَرْحًا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] .
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قال: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قبحا حتى يريه خير من أن يمتلىء شِعْرًا ".
وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَرْضَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادَهُ إِذَا كَانَ سَلِيمًا لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَشَهَادَةُ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مَقْبُولَةٌ عَلَى ما سنوضحه من شرح وتفضيل لِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ حَسَنُهُ كَحَسِنِ الْكَلَامِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ ".
وَرُوِيَ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً. وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ:
(أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... ... ... ... ... ... ... )
ولأن النبي ﷺ َ - قَدْ وَفَدَ عَلَيْهِ الشُّعَرَاءُ فَأَنْشَدُوهُ وَمَدَحُوهُ وَأَثَابَ عليه ولم ينه عنه، فمنهم أعشى ابن حِرْمَازٍ وَفَدَ عَلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ مَا امْتَدَحَهُ بِهِ فَقَالَ:
(يَا مَالِكَ الْأَرْضِ وَدَيَّانَ الْعَرَبْ ... إِلَيْكَ أَشْكُو حِقْبَةً مِنَ الْحِقَبْ)
إِلَى أَنِ انْتَهَى إلى شكوى امرأته.
стр. 7896
( ... ... ... ... ... ... . . ... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ)
وَمِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وَكَانَ قَدْ هَدَرَ اللَّهُ دَمَهُ، فَوَرَدَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْتَخْفِيًا، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُمْتَدِحًا فَقَالَ:
(بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ)
إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:
(نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ)
فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فَأضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ: " لَا دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ " وَأَعْطَاهُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ الَّتِي مَعَ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْيَوْمِ.
وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ َ - شُعَرَاءُ مِنْهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَكَانُوا يُنْشِدُونَ الشِّعْرَ تَارَةً ابْتِدَاءً وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ أُخْرَى لِيَرُدُّوا عَلَى مَنْ هَجَاهُ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
(هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)
(أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ)
(فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحْمَدٍ مِنْكُمْ بَقَاءُ)
стр. 7897
وَاسْتَنْشَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - الشَّرِيدَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَأَنْشَدَهُ مِنْهُ مِائَةَ بَيْتٍ.
وَأَخْبَرَ ﷺ َ - أَنَّهُ شَهِدَ قِسَّ بْنَ سَاعِدَةَ بِعُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَشْهَبَ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ. مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا هُنَالِكَ فَنَامُوا. إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وإن في الأرض لعبرا سقف مرفوع وسهال مَوْضُوعٌ. وَبِحَارٌ بُحُورٌ، وَتُخُومٌ تَخُورُ ثُمَّ تَغُورُ. أَقْسَمَ قَسٌّ بِاللَّهِ قَسَمًا: إِنَّ للَّهِ لَدِينًا هُوَ أَرْضَى مِنْ دِينٍ نَحْنُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ مَا أَدْرِي مَا هِيَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: قَدْ كُنْتُ شَاهِدًا ذَاكَ وَالْأَبْيَاتُ عِنْدِي. فَقَالَ: أَنْشِدْنِيهَا: فأنشدوه أَبُو بَكْرٍ ﵁.
(فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ)
(لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارَدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ)
(وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرْ)
(لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ ... وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ عَابِرْ)
(أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ ... حَيْثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرْ)
وَقَدْ أنشد ﷺ َ - شِعْرَ طَرَفَةَ:
(سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْهُ الْأَخْبَارَ)
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّهُ قَالَ:
стр. 7898
( ... ... ... ... ... ... ... وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ)
فَقَالَ ﷺ َ -: " مالي وَلِلشِّعْرِ وَمَا لِلشِّعْرِ وَلِي " يُرِيدُ مَا قَالَهُ اللَّهُ فِيهِ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وما ينبغي له﴾ وقال ﷺ َ -:
(تَفَاءَلْ بِمَا تَرْجُو يَكُنْ فَلَقَلَّمَا ... ... ... ... ... ... ... )
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇:
(بِمَا تَرْجُوهُ أَلَّا تَكُونَا ... ... ... ... ... ...)
فَصَارَ بِمَا تَمَّمَهُ عَلِيٌّ شِعْرًا مُنْتَظِمًا.
وَاسْتَوْقَفَتْهُ قُتَيْلَةُ بِنْتُ النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهَا صَبْرًا فَأَنْشَدَتْهُ:
(أَمُحَمَّدٌ هَا أَنْتَ خَيْرُ نَجِيبَةٍ ... مِنْ قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ)
(النَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ قَتَلْتَ قَرَابَةً ... وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقًا يُعْتَقُ)
(مَا كَانَ ضَرُّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ)
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُهُ ".
وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ الشِّعْرَ وَيَتَمَثَّلُونَ بِأَشْعَارِ الْعَرَبِ. فَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -:
وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا سَأَلَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ بِأَشْعَارِ الْعَرَبِ، وَدَلَّ بِهِ عَلَى مَعَانِيهِ وَقَالَ: الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ فَمَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
стр. 7899
وَسُئِلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا فَقَالَ: أبو بكر أنا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
(إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا)
(خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا ... إِلَّا النَبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا)
(الثَانِيَ اثْنَيْنِ وَالْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا)
وَحَبَسَ عُمَرُ ﵁ الْحُطَيْئَةَ الشَّاعِرَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَبْسِ شِعْرًا يَقُولُ فِيهِ:
(مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ)
(أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... فَاغْفِرْ عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ يَا عُمَرُ)
(أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ ... أَلْقَتْ عَلَيْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى الْبَشَرُ)
(مَا يُؤْثِرُوكَ بها إذا قَدَّمُوكَ لَهَا ... لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْأَثَرُ)
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ هَذَا الشِّعْرُ أَطْلَقَهُ وَقَالَ: إِنَّ الشِّعْرَ لِيَسْتَنْزِلُ الْكَرِيمَ.
فَإِذَا كَانَ الشِّعْرُ فِي الصَّحَابَةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَكَانَ الشُّعَرَاءُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ جَرْحًا فِي قَائِلِهِ وَلَا مُنْشِدِهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ مُنْكِرًا وَلَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ مَرَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - بِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ يُنْشِدُ شِعْرَهُ أَحْدَاثًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَتُعْرِضُونَ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - يُقْبِلُ عَلَيْهِ إِذَا أَنْشَدَهُ فَنَهَضَ حَسَّانُ وَقَبَّلَ يَدَ الزُّبَيْرِ.
وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنْ قَوْمًا يَكْرَهُونَ إِنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ يَنْسُكُونَ نُسْكًا أَعْجَمِيًّا.
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ سَيْفٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ: سَأَلَتْهُ أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ وَيُصْدِقَهَا شِعْرًا؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(يَوَدُّ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا)
(يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا أَفَادَا)
جَازَ فَدَلَّ مَا وَصَفْنَا، وَإِنَّ مَعَ الْإِطَالَةِ بِيَسِيرٍ، أَنَّ إِنْشَاءَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادَهُ مُبَاحٌ، وَإِنْشَاءُ الشِّعْرِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ. وَإِنْشَادُهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ غيره.
стр. 7900
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: يُرِيدُ بِالشُّعَرَاءِ الَّذِينَ إِذَا قَالُوا كَذَبُوا وَإِذَا غَضِبُوا سَبُّوا.
وَفِي قوله تعالى: ﴿يتبعهم الغاوون﴾ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: الشَّيَاطِينُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: الْمُشْرِكُونَ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: السُّفَهَاءُ قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
وَالرَّابِعُ: الرُّوَاةُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كل واد يهيمون﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ثلاث تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: فِي كُلِّ فَنٍّ مِنَ الْكَلَامِ يَأْخُذُونَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ قَالَهُ قُطْرُبٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَمْدَحَ قوما بباطل، ويذم قوما بباطل. قال قَتَادَةُ ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] يَعْنِي مَنْ كَذَبَ فِي مَدْحٍ أَوْ هِجَاءٍ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَبَكَوْا وَقَالُوا: هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ: وَقَالَ هُمْ أَنْتُمْ ﴿وَذَكَرُوا الله كثيرا﴾ فيها وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي شِعْرِهِمْ.
وَالثَّانِي: فِي كَلَامِهِمْ.
﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ أَيْ رَدُّوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا هَجَوْا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الشِّعْرِ مَا فِيهِ مِنْ هَجْوٍ: وَالْهَجْوُ فِي الْكَلَامِ مَذْمُومٌ فَكَيْفَ فِي الشِّعْرِ، وَلِأَنَّ الشِّعْرَ يَحْفَظُهُ نَظْمُهُ فَيَنْتَشِرُ وَيَبْقَى عَلَى الْأَعْصَارِ وَالدُّهُورِ.
وأما قوله ﷺ َ - " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلىء شِعْرًا " فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنَ الشِّعْرِ كَذِبًا وَفُحْشًا وَهِجَاءً.
وَالثَّانِي: أَنَّ يَنْقَطِعُ إِلَيْهِ وَيَتَشَاغَلُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعُلُومِ الدِّينِ.
стр. 7901
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشِّعْرَ فِي حُكْمِ الْكَلَامِ لَا يُخْرِجُهُ نَظْمُهُ عَنْ إِبَاحَتِهِ وَحَظْرِهِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ مُسْتَحَبٌّ، وَمُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَنَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا حَذَّرَ مِنَ الْآخِرَةِ أَنْشَدَهُ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ:
(فَلَوْ كُنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ)
(وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ... وَنُسْأَلُ بعده عن كل شيء)
وَأُنْشِدَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄:
(الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ ... وَالَعَارُ خَيْرٌ مِنْ دُخُولِ النَّارِ)
(وَاللَّهِ، مَا هَذَا وَهَذَا جَارِي ... )
وَالثَّانِي: مَا حَثَّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَالْمَحْكِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ مَرَّ بِبَابِ قَوْمٍ فَسَمِعَ رَجُلًا يُنْشِدُ:
(أَنْتِ أُخْتِي وَحُرْمَةُ جَارِي ... وَحَقِيقٌ عَلَيَّ حِفْظُ الْجِوَارِ)
(إِنَّ لِلْجَارِ إِنْ نُصِيبُ لَنَا ... حَافِظًا لِلنَّصِيبِ فِي الْإِسْرَارِ)
(مَا أُبَالِي إِنْ كَانَ بِالْبَابِ سِتْرُهُ ... مُسْبَلٌ، أَوْ يَبْقَى بِغَيْرِ سِتَارِ)
فَدَقَّ الْبَابَ وَقَالَ: عَلِّمُوا فِتْيَانِكُمْ مِثْلَ هَذَا الشِّعْرِ.
فَهَذَانِ النَّوْعَانِ مُسْتَحَبَّانِ، وَهُمَا أَحْفَظُ لِلْعَدَالَةِ، وَأَبْعَثُ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَمَا سَلِمَ مِنْ فُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا جَلَبَ نَفْعًا.
وَالثَّانِي: مَا لَمْ يَعُدْ بِضَرَرٍ.
стр. 7902
فلا تقدح فِي الشَّهَادَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ فَنَوْعَانِ: كَذِبٌ وَفُحْشٌ.
وَهُمَا جَرْحٌ فِي قَائِلِهِ، فَأَمَّا فِي مُنْشِدِهِ، فَإِنْ حَكَاهُ إِنْكَارًا لَمْ يَكُنْ جَرْحًا، وَإِنْ حَكَاهُ اخْتِيَارًا كَانَ جَرْحًا.
فَإِنْ تَشَبَّبَ فِي شِعْرِهِ وَوَصَفَ امْرَأَةً، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ، وَإِنْ عَيَّنَهَا قَدْحَ فِي عَدَالَتِهِ.
فَأَمَّا الْمُكْتَسِبُ بِالشِّعْرِ، فَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي إِذَا مَدَحَ ويذم إذا مُنِعَ، فَهُوَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتَضِي إِذَا مَدَحَ وَلَا يَذُمُّ إِذَا مُنِعَ وَتَقَبَّلَ مَا وَصَلَهُ إِلَيْهِ عَفْوًا، فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
( [الْقَوْلُ في شهادة الزنا] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَيَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْأَنْسَابَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا إِذَا كان عدلا في الزنى وغير الزنى.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵁: لَا أَقْبَلُ شهادته في الزنى وأقبلها في غير الزنى وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ بِحَالٍ.
اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أنه قال: " ولد الزنى شَرُّ الثَّلَاثَةِ ".
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زَنْيَةٍ ".
وَإِذَا كَانَ شَرًّا مِنَ الزَّانِي وَمَدْفُوعًا مِنَ الْجَنَّةِ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ. فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَاخَذَ وَلَدُ الزَّانِي بِذَنْبِ أَبَوَيْهِ. لِأَنَّهُ ظُلْمٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ. وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وَلِأَنَّ عَارَ النَّسَبِ رُبَّمَا مَنَعَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْعَارِ، لِئَلَّا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ عَارَيْنِ فَصَارَ مَزْجُورًا بِمَعَرَّةِ نَسَبِهِ عَنْ مَعَرَّةِ كَذِبِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ ظهور عدالته.
стр. 7903
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ " وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ " فَهُوَ مِنْ مَنَاكِيرِ الْأَخْبَارِ وَمَا رَوَاهُ إِلَّا مَضْعُوفٌ غَيْرُ مَقْبُولِ الْحَدِيثِ، وَنَصُّ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مِنْهُ. وَلَوْ سَلِمَتِ الرِّوَايَةُ لَكَانَ لِاسْتِعْمَالِهِ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ نَسَبًا.
وَالثَّانِي: شَرُّ الثَّلَاثَةِ إِذَا كَانَ زَانِيًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَأُشِيرَ إِلَيْهِ أَنَّهُ شرهم، فكان ذلك للزنى تَعْرِيفًا لَا تَعْلِيلًا.
وَالرَّابِعُ: مَا ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَزَّةَ الْجُمَحِيَّ كَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - وَيَقْدَحُ فِيهِ بِالْعَظَائِمِ فَذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ َ - مَا يَقُولُهُ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ وَلَدُ زَنْيَةٍ. فقال ﵇: " ولد الزنى شَرُّ الثَّلَاثَةِ " يَعْنِي بِهِ أَبَا عَزَّةَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الثَّانِي: فَهُوَ أَوْهَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَضْعَفُ وَأَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الِاحْتِمَالِ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبِطَ طَاعَتَهُ مَعْصِيَةُ غيره، والكفر أعظم من الزنى، وَلَا يُحْبَطُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ بِكُفْرِ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحْبِطَ عَمَلَهُ بِزِنَى وَالِدَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي ﵁: " وَالْمَحْدُودُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ مَالِكًا، فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَنْ حُدَّ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَقُبِلَتْ فِي غَيْرِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا إِذَا شَهِدَ بِالزِّنَا، وَلَا الْمَحْدُودِ فِي الْخَمْرِ إِذَا شَهِدَ فِي الْخَمْرِ، وَلَا الْمَقْطُوعِ فِي السَّرِقَةِ إِذَا شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا اسْتِرَابَةٌ يَقْتَضِي الدَّفْعَ عَنِ الشَّهَادَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَبِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِي عَهْدِهِ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ.
وَتَعَلُّقًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: وَدَّ السَّارِقُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ سُرَّاقًا وَوَدَّ الزَّانِي أَنْ يَكُونَ النَّاسُ زُنَاةً، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِيَنْفِيَ الْمَعَرَّةَ عَنْ نَفْسِهِ بِمُشَارَكَةِ غَيْرِهِ.
стр. 7904
وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ. وَشَهَادَتُهُ إِذَا تَابَ مَقْبُولَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] .
وَقَدْ وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ بَعْدَ حَدِّهِ، أَنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ فِي الْقَذْفِ وَغَيْرِهُ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ حُدَّ فِي غَيْرِهِ.
وَتَحْرِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسًا، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ، قُبِلَتْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ كَالْقَاذِفِ.
وَلَيْسَ لِلتَّعْلِيلِ بِالِارْتِيَابِ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَلَا دَلِيلَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، لِتَوَجُّهِهِ إِلَى مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى مَا بَعْدَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي ﵁: " وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ إِذَا كَانُوا عُدُولًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْبَدَوِيُّ عَدْلًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْقَرَوِيِّ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ. إِلَّا فِي الْجِرَاحِ.
اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " لَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ ".
وَلِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنِ الْعُرْفِ رِيبَةٌ فِي الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْعُرْفُ جَارٍ بِأَنَّ الْبَدَوِيَّ يَشْهَدُ لِلْقَرَوِيِّ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِإِشْهَادِ الْقَرَوِيِّ لِلْبَدَوِيِّ، فَصَارَ بِخُرُوجِهِ عَنِ الْعُرْفِ مَتْهُومًا.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَصَامَ، وَأَمْرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ.
وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَوْطَانِ لَا تُؤَثِّرُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَأَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْجِرَاحِ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي الْأَمْوَالِ فَلَمَّا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ فِي الْجِرَاحِ، كَانَ أَوْلَى أَنَّ تُقْبَلَ فِي غير الجراح.
стр. 7905
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْجِرَاحِ، قُبِلَتْ فِي غَيْرِ الْجِرَاحِ كَالْقَرَوِيِّ.
وَلِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ أَسْلَمُ فِطْرَةً وَأَقَلُّ حَيَاءً، فَكَانَ الصِّدْقُ فِيهِمْ أَغْلَبُ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونُوا بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ أَجْدَرُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَرَاوِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا عَلَى الْجَهْلِ بِعَدَالَتِهِ لِخَفَاءِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَإِمَّا عَلَى بَدَوِيٍّ بِعَيْنِهِ عُلِمَ جُرْحُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ. فِي الْإِشْهَادِ فَهُوَ فَاسِدٌ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، فَإِنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى يُشْهِدُونَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ، وَلَا يُشْهِدُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ أَهْلَ الْقُرَى، وَهَذَا الْعُرْفُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا شَهِدَ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌ بِشَهَادَةٍ فَلَا يَسْمَعُهَا وَاسْتِمَاعُهُ لَهَا تَكَلُّفٌ وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا بِعَيْنِهَا قَبِلْتُهَا فَأَمَا الْبَالِغُ الْمُسْلِمُ أَرُدُّ شَهَادَتَهُ فِي الشَّيْءِ ثُمَّ يَحْسُنُ حَالُهُ فَيَشْهَدُ بِهَا فَلَا أَقْبَلُهَا لَأَنَّا حَكَمْنَا بِإِبْطَالِنَا وَجَرْحِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ مِنَ الشَّرْطِ أَنْ لَا يُخْتَبَرَ عَمَلُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: مُشْتَبِهَيْنِ فِي الصُّورَةِ مُخْتَلِفِينَ فِي الْحُكْمِ:
فَأَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْهَدَ صَبِيٌّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَوْ عَبْدٌ قَبْلَ عِتْقِهِ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِشَهَادَةٍ، فَيَرُدُّهُمُ الْحَاكِمُ فِيهَا، ثُمَّ يَبْلُغُ الصبي ويعتق العبد، ويسلم النصراني، فيشهدوا بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي رَدُّوا فِيهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، قُبِلَتْ بَعْدَ تَقَدُّمِ الرَّدِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْبَلُهَا بَعْدَ رَدِّهَا.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ وَيَشْهَدُ بِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْفِسْقِ.
أَنْ يَشْهَدَ بَالِغٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ بِشَهَادَةٍ، فَيَرُدُّهَا الْحَاكِمُ بِالْفِسْقِ، ثُمَّ تَحْسُنُ حَالُهُ وَيَصِيرُ عَدْلًا، فَيَشْهَدُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، رُدَّتْ وَلَمْ تُقْبَلْ: وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: تُقْبَلُ وَلَا تُرَدُّ.
فَسِوَى مَالِكٌ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فِي الرَّدِّ، وَسِوَى أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ بَيْنَهُمَا في القبول.
стр. 7906
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُقْبَلُ إِذَا رُدَّتْ بِالصِّغَرِ وَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَلَا تُقْبَلُ إِذَا رَدَّتْ بِالْفِسْقِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُدُوثَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ يَقِينٌ، وَحُدُوثُ الْعَدَالَةِ مَظْنُونٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصِّغَرَ وَالرِّقَّ وَالْكُفْرَ ظَاهِرٌ يُمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ، فَصَارَتْ مَرْدُودَةً بِغَيْرِ حُكْمٍ. وَالْفِسْقُ بَاطِنٌ فَصَارَ رَدُّهَا فِيهِ بِحُكْمِ.
لَوْ فَرَّقَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ رَدِّهَا بِالْفِسْقِ الظَّاهِرِ فَتُقْبَلُ، وَبَيْنَ رَدِّهَا بِالْفِسْقِ الْبَاطِنِ فَلَا تُقْبَلُ، لَكَانَ وَجْهًا لِأَنَّ الْفِسْقَ الظَّاهِرَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اجْتِهَادٍ، فَصَارَ مَرْدُودًا بِغَيْرِ حُكْمٍ كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّغَرِ، وَالْفِسْقَ الْبَاطِنِ يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ فَصَارَ مَرْدُودًا بِالْحُكْمِ، وَمَا نَفَذَ فِيهِ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَضَ بِاجْتِهَادٍ.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ دُعِيَ الْعَبْدُ أَوِ الْكَافِرُ إلى تحمل الشهادة، لم يلزمها تَحَمُّلُهَا، وَلَوْ دُعِيَا إِلَى أَدَاءِ شَهَادَةٍ قَدْ تَحَمَّلَاهَا، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَدَاؤُهَا، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ يُرَادُ بِهِ الْأَدَاءُ، وَالْأَدَاءُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَلَمْ يَلْزَمَا.
وَلَوْ دُعِيَ الْفَاسِقُ، إِلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ ظَاهِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ تَحَمُّلُهَا. وَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ بَاطِنًا لَزِمَهُ تَحَمُّلُهَا، وَهَكَذَا، لَوْ دُعِيَ إِلَى أَدَاءِ مَا قَدْ تَحَمَّلَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ إِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْفِسْقِ، وَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا إِنْ كَانَ بَاطِنَ الْفِسْقِ، لِأَنَّ رَدَّ شَهَادَتِهِ بِالْفِسْقِ الظَّاهِرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبِالْفِسْقِ الْبَاطِنِ مُخْتَلِفٌ فِيهِ.
وَإِذَا رَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ رَجُلٍ بِفِسْقٍ، ثُمَّ دُعِيَ لِيَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، لِأَنَّ رَدَّهَا بِالْحُكْمِ قَدْ أَبْطَلَهَا، وَلَوْ تَوَقَّفَ الْحَاكِمُ عَنْ قَبُولِهَا لِلْكَشْفِ عَنْ عَدَالَتِهِ حَتَّى مَاتَ، أَوْ عُزِلَ، ثُمَّ دُعِيَ لِيَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ، لِأَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ فَلَمْ تَبْطُلْ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا دُعِيَ الْمُتَحَمِّلُ لِلشَّهَادَةِ، إِلَى أَدَائِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مِمَّنْ يَصِحُ مِنْهُ الْأَدَاءُ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا يَقْبَلَ الْحَاكِمُ شَهَادَتِي. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا فِي امْتِنَاعِهِ، وَلَزِمَهُ الْأَدَاءُ وَلِلْحَاكِمِ اجْتِهَادُهُ فِي الْقَبُولِ أَوِ الرَّدِّ.
وَلَوِ امْتَنَعَ عَنِ الْأَدَاءِ وَقَالَ: لَيْسَ الْحَاكِمُ عِنْدِي مُسْتَحِقًّا لِلْحُكْمِ، إِمَّا لِفِسْقٍ أَوْ جَهْلٍ. لَزِمَهُ الْأَدَاءُ، وَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ اجْتِهَادٌ فِي صِحَّةِ التَّقْلِيدِ وَفَسَادِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إِذَا اعْتَقَدَ فَسَادَ تَقْلِيدِهِ بِفِسْقٍ أَوْ جَهْلٍ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ مَنْ يَرْتَضِي مِنَ الْحُكَّامِ، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ قَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ يَرْتَضِي مِنَ الشهود.
стр. 7907
وَحُكِيَ أَنَّ أَحْمَدَ لَزِمَتْهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إِلَى أَدَائِهَا عِنْدَ بَعْضِ الْحُكَّامِ فَامْتَنَعَ.
وَقَالَ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ بِرِضًى، فَقَالَ الدَّاعِي: يُتْلِفُ عَلَيَّ مَالِي.
فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَتَلَفْتُ عَلَيْكَ مَالَكَ، الَّذِي وَلَّى هَذَا الْقَاضِي أَتْلَفَ عَلَيْكَ مَالَكَ.
وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّهَادَةِ وَصُولُ ذِي الْحَقِّ إِلَى حَقِّهِ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهِ حَقُّهُ بَيْنَ صِحَّةِ التَّقْلِيدِ وَفَسَادِهِ.
فَإِنْ دُعِيَ الشَّاهِدُ إِلَى أَدَاءِ شَهَادَةٍ عِنْدَ أَمِيرٍ أَوْ ذِي يَدٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ إِلْزَامُ الْحُقُوقِ وَالْإِجْبَارُ عَلَيْهَا، لَزِمَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْوَارِثِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمُوَرِّثِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ ابْنَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا أَخَذَ مِنْ يَدَيِ الشَّاهِدِ بِقَدْرِ مَا كان يأخذه منه لو جازت شهادته لأن موجودا فِي شَهَادَتِهِ أَنَ لَهُ فِي يَدَيْهِ حَقَّا وَفِي يَدَيِ الْجَاحِدِ حَقًّا فَأَعْطَيْتُهُ مِنَ الْمُقِرِّ وَلَمْ أُعْطِهِ مِنَ الْمُنْكِرِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ وَوَرِثَهُ ابْنَانِ لَهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، فَالْمُصَدِّقُ مُقِرٌّ وَالْمُكَذِّبُ مُنْكِرٌ وَلِلْمُقِرِّ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُدَّعِي بِدَيْنِهِ فِي حَقِّ أَخِيهِ الْمُنْكِرِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ شَهَادَةً حَتَّى يَسْتَأْنِفَهَا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ شَهَادَةً، وَشَهَادَتُهُ تَكُونُ عَلَى أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَى الْأَبِ.
وَمَنَعَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ الْلُؤْلُؤِيُّ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ التُّهْمَةِ فِي اسْتِدْرَاكِ إِقْرَارِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ، لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِإِقْرَارِهِ فَانْتَفَتِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى أَبِيهِ وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الشَّهَادَةِ لَهُ.
فَإِذَا صَحَّتِ الشَّهَادَةُ اسْتَحَقَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ نِصْفُهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُصَدِّقِ، وَنِصْفُهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ غَيْرَ عَدْلٍ، أَوْ يَكُونَ عَدْلًا لَمْ تَكْمُلْ به الشهادة
стр. 7908
لِعَدَمِ غَيْرِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، أَوْ يَرَاهُ فَلَا يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُدَّعِي، فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ عَلَى سَوَاءٍ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ، أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْمُقِرِّ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَهُوَ النِّصْفُ، وَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ وَيَبْرَأُ، وَيَمِينُهُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَى أَبِي مَا ادَّعَاهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَلْزَمُ الْمُقِرَّ جَمِيعُ الدين.
وكان أبو عبيد بن حرثون وَأَبُو جَعْفَرٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ وَهُمَا مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُخَرِّجَانِ هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ. فَخَالَفَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَكْثَرُهُمْ وَوَافَقَهُمَا أَقَلُّهُمْ، وَجَعَلُوهُ تَخْرِيجًا مِنْ مُقْتَضَى نَصٍّ وَلَيْسَ بِتَخْرِيجٍ مِنْ نَصٍّ وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فِي الْقَسَامَةِ فَاسْتَحَقَّ [بِأَيْمَانِهِ نِصْفَ الدِّيَةِ] وَكَانَ عَلَى الْمَقْتُولِ دَيْنٌ، قَضَي جَمِيعَهُ مِنْ حِصَّةِ الِابْنِ الْحَالِفِ، كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَخَرَّجُوهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَاخْتَلَفَ من أنكر تخريج هذا القول في ما قَالَهُ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَيْمَانِهِ، كَانَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، فَأُخِذَ جَمِيعُ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ غَيْرَهُ مَا لَزِمَهُ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا نِصْفُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَخَاهُ مُعْتَرِفٌ بِالدَّيْنِ، فَاسْتَحَقَّ بِاعْتِرَافِهِمَا جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَعُجِّلَ قَضَاؤُهُ مِنَ الذِّمَّةِ لِتَأْخِيرِ غَيْرِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى أَخِيهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَخُ مُنْكِرًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنَ الْمُقِرِّ إِلَّا قَدْرَ حَقِّهِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى وُجُوبِ الدَّيْنِ كُلِّهِ عَلَى الْمُقِرِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] .
فَجَعْلَ لِلْوَارِثِ مَا فَضَلَ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَرِثَ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ جَمِيعِهِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ وَلَيْسَ بِمُشَارِكٍ.
وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْمُنْكِرُ مِنَ التَّرِكَةِ كَالْمَغْصُوبِ فِي حَقِّ الدَّيْنِ، وَغَصْبُ بَعْضِ التَّرِكَةِ مُوجِبٌ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ بَاقِيهَا، فَلَزِمَ أَخْذُ جَمِيعِهِ مِنْهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُقِرِّ مِنْهُمَا نِصْفَ الدَّيْنِ دُونَ جَمِيعِهِ، هُوَ أَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَحَقٌّ
стр. 7909
فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي بَعْضِهَا، وَلَيْسَ مَعَ الْمُقِرِّ إِلَّا نِصْفُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا نِصْفُهُ كَالْمُقِرَّيْنِ.
وَلَوْ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْمُقِرَّ جَمِيعُ الدَّيْنِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَخِيهِ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ تَحْمُّلَ جَمِيعِ الدَّيْنِ وَفِي مُوَافَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ فِي قَبُولِهَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي الدَّيْنِ إِلَّا قَدْرُ حَقِّهِ لِتَسْلَمَ شَهَادَتُهُ عَنْ جَرِّ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضَرَرٍ.
وَلِأَنَّ أَحَدَ الِابْنَيْنِ لَوِ ادَّعَى دَيْنًا لِأَبِيهِ عَلَى مُنْكِرٍ، فَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ وَحَلِفَ، لَمْ يَسْتَحِقْ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا نِصْفَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا نِصْفُهُ، لِأَنَّ مَا لِلْأَبِ مِنَ الدَّيْنِ فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ.
وَالْأَصَحُّ مِنْ إِطْلَاقِهَا عِنْدِي، أَنْ يَنْظَرَ فِي التَّرِكَةِ. فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمْ لَهَا الِابْنَانِ حَتَّى أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِالدَّيْنِ، قَضَى جَمِيعَهُ مِنْهَا، فَكَانَ مَحْسُوبًا مِنْ حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُنْكِرِ.
وَإِنِ اقْتَسَمَ الِابْنَانِ التَّرِكَةَ، ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِالدَّيْنِ. لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْهُ إِلَّا نِصْفُهُ لِأَنَّ الْمُقِرَّ مُعْتَرِفٌ بِاسْتِحْقَاقِ جَمِيعِ الدَّيْنِ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ.
فَصَارَ قبل القسمة مقرا بجمعه وَبَعْدَ أَخْذِ النِّصْفِ بِالْقِسْمَةِ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرُّ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَهُوَ النِّصْفُ، فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فِي الدَّيْنِ. وَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ مُخَاصِمًا لِلْمُنْكِرِ فِي بَقِيَّةِ دَيْنِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ، لَمْ يُؤْخَذْ بِدَفْعِ جَمِيعِهِ إِلَّا بَعْدَ إِحْلَافِ أَخِيهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، فَإِذَا حَلَفَ أُخِذَ مِنَ الْمُقِرِّ حِينَئِذٍ جَمِيعُ الدَّيْنِ، وَصَارَ الْمُقِرُّ خَصْمًا لِأَخِيهِ الْمُنْكِرِ لِيَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَيَحْلِفُ عَلَيْهَا إِنِ اسْتَدَامَ الْإِنْكَارَ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِالْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَهَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، لِاخْتِلَافِ مُسْتَحِقِّيهَا. كَمَا لَوْ أَدَّى أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ دَيْنًا عَلَى مُنْكِرٍ وَأَحْلَفُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأَخِ الْآخَرِ مِنْ إِحْلَافِهِ.
( [الْقَوْلُ فِي إِقْرَارِ الْوَارِثِ بالوصية] )
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي وَصِيَّةٍ اعْتَرَفَ بِهَا أَحَدُ
стр. 7910
الِابْنَيْنِ وَأَنْكَرَهَا الْآخَرُ. فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَالْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرُّ بِهَا إِلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ وَهُوَ نِصْفُ الثُّلُثِ، بِوِفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا. بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ فِيمَا يُوجَدُ مِنْ قَلِيلِ التَّرِكَةِ وَكَثِيرِهَا. وَالْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ التَّرِكَةِ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا مِنْ جَمِيعِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ مُعَيَّنَةٌ فِي ثُلُثَيْ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، كَالْوَصِيَّةِ بِدَارٍ اعْتَرَفَ بِهَا أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهَا الْآخَرُ: فَلَا تَخْلُو الدَّارُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أحدهما: أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً فِي التَّرِكَةِ لَمْ يَقْتَسِمَاهَا، فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ إِلَّا نِصْفُهَا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ. لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا إِلَّا النِّصْفَ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَإِذَا حَلَفَ، حُسِبَ عَلَى الْمُقِرِّ قِيمَةُ النِّصْفِ مِنْ حِصَّتِهِ.
فَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى بِجَمِيعِ هَذِهِ الدَّارِ لِزَيْدٍ، وَأَقَرَّ الْآخَرُ أَنَّهُ وَصَّى بِجَمِيعِهَا لِعَمْرٍو. كَانَ نصف الدار لزيد فمن حصته مِنْ صَدَقَةٍ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِعَمْرٍو. وَنِصْفُ الدَّارِ لِعَمْرٍو، وَهُوَ حِصَّةٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَوْ تَصَادَقَ الْأَخَوَانِ عَلَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَكَانَتِ الدَّارُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو نِصْفَيْنِ، وَقَدْ صَارَتْ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنِ التَّكْذِيبُ مُضِرًّا، وَانْتَقَلَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِجَمِيعِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا وَتُقِرُّ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ، قَضَى بِجَمِيعِهَا لِلْحَالِفِ دُونَ النَّاكِلِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الدَّارُ قَدْ حَصَلَتْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ جَمِيعِهَا، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِهَا لِلْمُوصَى لَهُ، وَيَصِيرُ خَصْمًا لِأَخِيهِ فِي نِصْفِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالْمُنْكِرِ مُخَاصَمَةٌ، لِوُصُولِهِ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الْمُقِرِّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ الدَّارُ قَدْ حَصَلَتْ فِي سَهْمِ الْمُنْكِرِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهَا ولا بقيمتها، فإذا حلف المنكر برىء مِنَ الْمُطَالَبَةِ وَحَصَلَتْ لَهُ الدَّارُ وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِهَا.
فَإِذَا كَانَ الْمُقِرُّ عَدْلًا فَشَهِدَ عَلَى أَخِيهِ بِالْوَصِيَّةِ بِالدَّارِ سُمِعَتْ شَهَادَتُهُ وَحُكِمَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ مَعَ عَيْنِ الْمُوصَى لَهُ، وَانْتُزِعَتِ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَخِيهِ بِبَدَلِهَا مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ وَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ بِالْإِنْكَارِ جَاحِدٌ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
следующие страницы →