Полный текст (8 408 стр.). Показаны 8001–8040 · переход к 8006.
стр. 8001
وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِدَيْنٍ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مَيِّتٍ، جَازَ إِحْلَافُ الْمَشْهُودِ لَهُ، أَنَّهُ ما برىء إِلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ وَلَا مِنْ شَيْءٍ فِيهِ، لِأَنَّ الْغَائِبَ وَالْمَيِّتَ لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ لَجَازَ. أَنْ يَدَّعِيَا قَضَاءَ الدَّيْنِ، أَوِ الْإِبْرَاءَ مِنْهُ، فَلَزِمَ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ على مثل لَوِ ادَّعَاهُ الْحَاضِرُ أُحْلِفَ لَهُ، فَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَالٍ نَاجِزٍ أُحْلِفَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ قَضَى بَعْدَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ نَقْضًا مِنْ بَيْعِ عَقَارٍ، أُحْلِفَ قَبْلَ بَيْعِهِ ثُمَّ بِيعَ وَقُضِيَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ قَبْلَ يَمِينِهِ لِأَنَّه قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْكُلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَيَفُوتُ اسْتِدْرَاكَ الْمَبِيعِ فَأَمَّا إِحْلَافُ الشُّهُودِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنِ الْهَادِي الْعَلَوِيِّ إِنَّهُ بِالْيَمِينِ كَأَنْ يَحْلِفَ الشُّهُودُ إِذَا ارْتَابَ بِهِمْ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ، وَهَذَا قَوْلٌ خَرَقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ وَخَالَفَ بِهِ الْأُمَّةَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأَمَرَ بِالْحُكْمِ بِهَا، وَلَمْ يُوجِبِ الْيَمِينَ مَعَهَا.
وَلِأَنَّهمْ إِذَا كَانُوا صَادِقِينَ، وَجَبَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الْيَمِينِ.
وَلِأَنَّه لَوْ جَازَ إِحْلَافُ الشُّهُودِ مَعَ الِارْتِيَابِ لَجَازَ إِحْلَافُ الْحُكَّامِ، ثُمَّ إِحْلَافُ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ إِحْلَافُ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ مَا أَدَّوْهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ وَمَا أَفْضَى إلى هذا كان مطرحا.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً لَمْ أَقْبَلْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ وَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الدَّعْوَى الْمَجْهُولَةَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَهَا، وَيَسْأَلُ الْخَصْمَ عَنْهَا إِلَّا فِي الْوَصَايَا لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَجْهُولِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْوَصَايَا الَّتِي تَمْنَعُ الْجَهَالَةُ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ ادِّعَاؤُهُ مَجْهُولًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُدَّعِي مَا يَمْنَعُ مِنْ جَهَالَةِ الدَّعْوَى، لِأَنَّ سَمَاعَ الدَّعْوَى يَكُونُ لِلسُّؤَالِ عَنْهَا، وَالْحُكْمَ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنَّ يَحْكُمَ بِمَجْهُولٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ الدَّعْوَى بِمَجْهُولٍ، فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلًا، وَكَانَتِ الدَّعْوَى مَعْلُومَةٌ تَعَلَّقَ الْكَلَامُ بِالْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهَا، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ لَا يُجِبِ الْكَشْفُ عَنْ سَبَبِهِ.
وَقِسْمٌ يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ سببه.
стр. 8002
وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهِ.
( [قسم لا يجب الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهِ] )
فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ سَبَبِهِ: فَالْأَمْلَاكُ الْمُدَّعَاةُ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ دَيْنٍ، فَالْعَيْنُ أَنْ يَدَّعِيَ دَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ أَوْ تَعْيِينٍ، وَالِدَيْنُ أَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِصِفَتِهَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مِلْكِهِ، لِمَا ادَّعَاهُ، وَلَوْ سَأَلَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعِي ذِكْرُ سَبَبِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الْكَشْفُ عَنْ سَبَبِ الْمِلْكِ، لِأَنَّ أَسْبَابَ الْمِلْكِ تَكُونُ مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى بِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، لِأَنَّه قَدْ يَمْلِكُ بِالْمِيرَاثِ وَالِابْتِيَاعِ وَبِالْهِبَةِ وَالْقِيمَةِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ كَالْإِجْبَاءِ وَحُدُوثِ النِّتَاجِ وَالثِّمَارِ فسقط الكشف عن سببها لكثرتها واختلافها.
( [قسم يجب الكشف عن سببه] )
وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ سَبَبِهِ، فَدَعْوَى الْقَذْفِ وَالْقَتْلِ، فَإِنِ ادَّعَى قَتْلًا قِيلَ أعمد أم خطأ؟
فإن قال: عمد سُئِلَ عَنْ صِفَةِ الْعَمْدِ، وَإِنِ ادَّعَى قَذْفًا سُئِلَ عَنْ لَفْظِ الْقَذْفِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ عَمْدِهِ، وَخَطَئِهِ، وَقَدْ يَدَّعِي مِنَ الْعَمْدِ مَا لَا يَكُونُ عَمْدًا، وَلِمَا فِي الْعَمْدِ مِنِ اخْتِلَافِ أَسْبَابِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَفِي الْحُكْمِ بِهِ قَبْلَ السُّؤَالِ فَوَاتُ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَالْقَذْفُ قَدْ تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ وَأَحْكَامُهُ فَافْتَقَرَ ذَلِكَ إِلَى كَشْفِ السَّبَبِ، وَصِفَتِهِ لِيَزُولَ عَنْ الِاحْتِمَالِ وَصَارَ كَالشَّاهِدِ إِذَا شَهِدَ بِفِسْقِ مَجْرُوحٍ، أَوْ نَجَاسَةِ مَاءٍ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ حَتَّى يَذْكُرَ سَبَبَ مَا صَارَ بِهِ الْمَجْرُوحُ، فَاسِقًا، وَالْمَاءُ نجسا للاختلاف في التفسيق والتنجيس.
( [القسم المختلف فيه] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهِ، فَهُوَ أَنْ تَتَوَجَّهَ الدَّعْوَى إِلَى عَقْدٍ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُغَلَّظُ حُكْمُهُ في الشرع، كالنكاح المغلظ بالولي والشاهدين، فالحكم مَنْدُوبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَسْأَلَ مُدَّعِي النِّكَاحِ عَنْ صِفَتِهِ، فَيَقُولُ نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا خُصَّ بِهِ النِّكَاحُ مِنْ صِفَةِ الْعَقْدِ، هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ سَوَاءً ادَّعَى الْعَقْدَ فَقَالَ:
стр. 8003
تَزَوَّجَتْ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ، أَوِ ادَّعَى النِّكَاحَ فَقَالَ هَذِهِ زَوْجَتِي، وَتَصِحُّ الدَّعْوَى، وَإِنْ لَمْ يَصِفِ الْعَقْدَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ صِفَةُ الْعَقْدِ، وَإِنِ اعْتُبِرَتْ فِيهِ شُرُوطُ، اخْتُلِفَ فِيهَا لَمْ يَلْزَمْ صِفَةُ النِّكَاحِ لِأَجْلِ شُرُوطِهِ، وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وُجُودُ شَرَائِطٍ كَالْوَلِيِّ، وَالشَّاهِدَيْنِ، وَرِضَا الْمَنْكُوحَةِ، وَعَدَمِ شُرُوطٍ كَعَدَمِ الْعِدَّةِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْإِحْرَامِ، فَلَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ، الشُّرُوطُ الْمَعْدُومَةُ لَمْ تُعْتَبَرِ الشُّرُوطُ الْمَوْجُودَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، شَرْطٌ فِي صِحَّةِ دَعَوَاهُ، سَوَاءٌ تَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى إِلَى الْعَقْدِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا فِي سَبَبِ اخْتِصَاصِهِ فِي الدَّعْوَى بِصِفَةِ الْعَقْدِ، فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ النبي ﷺ َ - خَصَّهُ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ بِأَنْ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ "، وَلَوْلَا هَذَا التَّخْصِيصُ لَكَانَ كَغَيْرِهِ، وَعَلَّلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ بِأَنَّ الْفُرُوجَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْحَظْرِ، وَالتَّغْلِيظِ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِبَاحَتُهَا بِدَعْوَى مُحْتَمَلَةٍ، حَتَّى يَنْفِيَ عَنْهَا الِاحْتِمَالَ بِهِ لِصِفَةٍ.
وَعَلَّلَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ بِأَنَّ فِي اسْتِبَاحَةِ الزَّوْجِ إِتْلَافًا لَا يُسْتَدْرَكُ وَمَأْثَمًا لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِبَاحَةِ، فَأَشْبَهَ دَعْوَى الْقَتْلِ، وَخَالَفَ مَا سِوَاهُ مِنْ عُقُودِ الْأَمْلَاكِ.
وَعَلَّلَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي عُقُودِ النِّكَاحِ أَكْثَرُ، وَمَا يُطْلَقُ عَلَى اسْمِ النِّكَاحِ مِنْ فَاسِدِ الْعُقُودِ أَقَلُّ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ شُرُوطِ الْوُجُودِ، وَشُرُوطِ الْعَدَمِ وَأَنَّ الشُّرُوطَ الْمَعْدُومَةَ أَصِلٌ فِي الْعَدَمِ، فَحُمِلَتْ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَمِ وَلَيْسَ لِشُرُوطِ الْوُجُودِ أَصْلٌ فِي الْوُجُودِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى ظَاهِرِ الْوُجُودِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى، فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَقَالَ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، كَانَتْ شُرُوطُ الْعَقْدِ مُعْتَبَرَةٌ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى وَإِنْ اقْتَصَرَتِ الدَّعْوَى عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، دُونَ الْعَقْدِ فَقَالَ هَذِهِ زَوْجَتِي، لَمْ يَعْتَبِرْ شُرُوطًا لِلْعَقْدِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى، لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ الابتداء، لأن الشَّهَادَةَ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ بِالْخَبَرِ الشَّائِعِ لا
стр. 8004
تَصِحُّ، حَتَّى يُشَاهِدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَيَسْمَعَ لَفْظَهُمَا بِالْعَقْدِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْلَاكِ، وَالزَّوْجِيَّةِ بِالْخَبَرِ الشَّائِعِ تَصِحُّ، فَلِذَلِكَ تَغَلَّظَتْ دَعْوَى الْعَقْدِ وَتَخَفَّفَتْ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا صَحَّتْ دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَوَجَّهَ الدَّعْوَى مِنَ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَتُؤْخَذُ بِالْجَوَابِ عَنْهَا، وَلَهَا فِي الْجَوَابِ حَالَتَانِ: إِقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ فإن أقرت بالزوجة، حُكِمَ بِإِقْرَارِهَا، وَأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِمُدَّعِي نِكَاحِهَا وَسَوَاءٌ كَانَا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ فِي الْحَضَرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَرَى دُخُولَهُ عَلَيْهَا، وَخُرُوجَهُ مِنْ عِنْدِهَا، لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ وَتَعَذُّرِهِ فِي السَّفَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَا فِي غُرْبَةٍ فَيُقْبَلُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ خَرَّجَهُ قَوْلًا لَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى حِكَايَتِهِ لَهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَالْجَدِيدِ، وَقَوْلَ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إِنَّ تَصَادُقَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ فِي الْحَضَرِ، وَالسِّفْرِ، وَفِي الْغُرْبَةِ، وَالْوَطَنِ، لِأَنَّه مِنْ لَوَازِمِ الْعُقُودِ لَهُمَا، فَحُكِمَ فِيهِ بِالصِّحَّةِ لِتَصَادُقِهَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَلِأَنَّ التَّصَادُقَ عَلَى الْعَقْدِ أَثْبَتُ مِنَ الْبَيِّنَةِ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَسْبِقُ التَّصَرُّفَ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ وَإِنْ أَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ أُحْلِفَتْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي وُجُوبِ الْأَيْمَانِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى.
فَإِنْ حَلَفَتْ فَلَا نِكَاحَ بَيْنِهِمَا، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا وَبَيِّنَتُهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ لَا غَيْرَ، إِمَّا عَلَى حُضُورِ الْعَقْدِ وَإِمَّا عَلَى إِقْرَارِهَا بِهِ، وَأُخِذَتْ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَهُ جَبْرًا.
وَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ الْيَمِينِ مَعَ عَدَمِهِ لِلْبَيِّنَةِ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَحُكِمَ لَهُ بِنِكَاحِهَا، إِذَا حَلَفَ وَإِنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ انْقَطَعَتِ الدَّعْوَى، وَزَالَ حُكْمُهَا.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ دَعْوَى النِّكَاحِ، مُتَوَجِّهَةٌ مِنَ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهَا، طَلَبُ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ مَهْرٍ، أَوْ نَفَقَةٍ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهَا، ذِكْرُ شُرُوطِ الْعَقْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَخْذِ الزَّوْجِ بِالْجَوَابِ عَنْ دَعْوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَاهَا، طَلَبُ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ فَفِي وُجُوبِ أَخْذِ الزَّوْجِ بِجَوَابِ دَعْوَاهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُسْأَلُ عَنِ الْجَوَابِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ، لِأَنَّه إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالدَّعْوَى، طَلَبُ حَقٍّ صَارَ إِقْرَارًا لَهُ بِالْعَقْدِ، وَلَا جَوَابَ عَلَى الْمُقِرِّ لَهُ.
стр. 8005
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْجَوَابِ عَنْهُ، لِأَنَّه قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا، مِنْ ثُبُوتِ نَسَبٍ وَاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثٍ، فَإِذَا صَحَّتْ دَعْوَاهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَأَخَذَ الزَّوْجُ بِجَوَابِهِ عَنْهَا، فَلَهُ حَالَتَانِ: إِقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ. فَإِنْ أَقَرَّ حُكِمَ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بِتَصَادُقِهِمَا فِي الْحَضَرِ وَالسِّفْرِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ فَإِنْ أَنْكَرَهَا وَلَهَا بَيِّنَةٌ، سُمِعَتْ، وَحُكِمَ لَهَا بِالنِّكَاحِ.
وَإِنْ عَدِمَتِ الْبَيِّنَةَ، أُحْلِفَ لَهَا عَلَى إِنْكَارِهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَجَازَ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِنِكَاحِهِ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا قَدْ زَالَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، وَتَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رَدُّتْ عَلَيْهَا، فَإِذَا حَلَفَ بَعْدَ نُكُولِهِ حُكِمَ لَهَا عَلَيْهِ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَحَلَّ لَهُ إِصَابَتُهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ الْعَقْدَ، لِأَنَّه قَدْ حُكِمَ بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَكَانَ الْحُكْمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطْعُهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بالنكاح، ويحكم عليه بتحريم الاستمتاع، وليس حجود النِّكَاحِ طَلَاقًا، تَحْرُمُ بِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّه لَوْ كَانَ طَلَاقًا لَارْتَفَعَ بِهِ النِّكَاحُ، وَإِذَا كَانَ النِّكَاحُ بَعْدَهُ ثَابِتًا، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا فَامْتَنَعَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ.
( [دَعْوَى غَيْرِ النِّكَاحِ] )
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا دَعْوَى غَيْرِ النِّكَاحِ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ شُرُوطُ الْعَقْدِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِي دَعْوَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، لِأَنَّها إِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْأَغْلَظِ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِي الْأَخَفِّ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ فِي النِّكَاحِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اعْتِبَارِهَا فِي دَعْوَى غَيْرِهِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُعْتَبَرُ فِي دَعْوَاهَا شُرُوطُ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ اسْتُبِيحَ بِهَا، ذَاتُ فَرَجٍ أَمْ لَا، لِأَنَّها قَدْ تُوجَدُ فِيهَا الصِّحَّةُ، وَالْفَسَادُ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ فِي دَعْوَى الْعَبْدِ ابْتَعْتُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَافْتَرَقْنَا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ إِطْلَاقُ الدَّعْوَى، وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطَ الْعَقْدِ وَسَوَاءٌ اسْتُبِيحَ بِهَا ذَاتُ فَرْجٍ أَمْ لَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّغْلِيظِ بِاعْتِبَارِ الْوَلِيِّ وَالشَّاهِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَسُقُوطِ اعْتِبَارِهِ فِي الْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنِ اسْتُبِيحَ بِالْبَيْعِ ذَاتُ فَرْجٍ كَابْتِيَاعِ الْأَمَةِ اعْتُبِرَ فِي دَعْوَى ابْتِيَاعِهَا شُرُوطُ الْعَقْدِ، كَالنِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَبَحْ بِهِ ذَاتُ فَرْجٍ كَابْتِيَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْأَمْتِعَةِ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي دَعْوَى ابْتِيَاعِهَا شُرُوطُ الْعَقْدِ لِتَخْفِيفِ حُكْمِهَا بِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْإِبَاحَةِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْمُوَجِّهِ وَجْهٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8006
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَالْأَيْمَانُ فِي الدِّمَاءِ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا لَا يُبْرَأُ مِنْهُ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَسَوَاءٌ النَّفْسُ وَالْجُرْحُ فِي هَذَا نَقْتُلُهُ وَنَقُصُّهُ مِنْهُ بِنُكُولِهِ وَيَمِينِ صاحبه (قال المزني) ﵀: قطع في الإملاء بأن لا قسامة بدعوى ميت ولكن يحلف المدعى عليه ويبرأ فإن أبى حلف الأولياء واستحقوا دمه وإن أبوا بطل حقهم وقال في الكتاب اختلاف الحديث من ادعى دما ولا دلالة للحاكم على دعواه كالدلالة التي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بالقسامة أحلف المدعى عليه كما يحلف فيما سوى الدم (قال المزني) ﵀: وهذا به أشبه ودليل آخر حكم النبي ﷺ َ - في القسامة بتبدئة المدعي لا غيره وحكم فيما سوى ذلك بتبدئة يمين المدعى عليه لا غيره فإذا حكم الشافعي فيما وصفت بتبدئة المدعى عليه ارتفع عدد أيمان القسامة ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كتاب القسامة، وذكرنا أن دعوى الدماء، يخالف دَعْوَى الْأَمْوَالِ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِالتَّبْدِئَةِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ اللَّوْثِ، وَبِأَعْدَادِ الْأَيْمَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا،. وَإِذَا اخْتَصَّتِ الدِّمَاءُ بِهَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ لَمْ تَخْلُ دَعْوَاهُمَا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسٍ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا لَوْثٌ، أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا لَوْثٌ تَعَلَّقَ عَلَيْهِمَا الْحُكْمَانِ فِي التَّبْدِئَةِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَبِإِحْلَافِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا، أُحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ الدَّمَ، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ بِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَوَدُ قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ.
وَالثَّانِي: الدِّيَةُ قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ.
وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ جَمَاعَةٌ فَفِي أَيْمَانِهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ قَلَّ سَهْمُهُ وَكَثُرَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَمْسِينَ يُقَسَّطُ بَيْنَهُمْ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ قِسْطِهِ مِنْ مَوَارِيثِهِ، بِجَبْرِ الْكَسْرِ، فَإِنْ كَانُوا ابْنًا وَبِنْتًا حَلَفَ الِابْنُ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ يَمِينًا، وَحَلَفَتِ الْبِنْتُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ، سَقَطَتِ التَّبْدِئَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَأُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا يُبْتَدَأُ بِإِحْلَافِهِ فِي دَعْوَى الْأَمْوَالِ، وَلَكِنْ هَلْ تُغَلَّظُ الدَّعْوَى بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ أَمْ لَا؟ عَلَى قولين:
стр. 8007
أَحَدُهُمَا: لَا يُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً. لِأَنَّه لَمَّا سَقَطَ فِيهَا حُكْمُ التَّبْدِئَةِ سَقَطَ فِيهَا حُكْمُ الْعَدَدِ كَالْأَمْوَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تُغَلَّظُ فِيهَا الْأَيْمَانُ بِالْعَدَدِ، وَإِنْ سَقَطَ التَّغْلِيظُ بِالتَّبْدِئَةِ، لِتَغْلِيظِ حُكْمِ الدِّمَاءِ، بِوُجُوبِ الْقَوَدِ، وَالْكَفَّارَةِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا، حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقَسَّطُ الْخَمْسُونَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا وَرَثَةَ مَيِّتٍ، فتقسط بينهم على مواريثهم، فإن حلف برىء، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى، وَفِي تَغْلِيظِ يَمِينِهِ بِالْعَدَدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُغَلَّظُ وَيَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً، يَسْتَحِقُّ بِهَا الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ اللَّوْثِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ يَمِينَ الرَّدِّ فِي النُّكُولِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَالْقَوَدُ يُسْتَحَقُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَحْلِفُ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ يَحْكُمُ لَهُ بِالْقَوَدِ إِنْ حَلَفَهَا فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا تسقط بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ بِجَبْرِ الْكَسْرِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ دَعْوَى الدَّمُ فِي الْأَطْرَافِ فَتَسْقُطُ فِيهَا التَّبْدِئَةُ، بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا لَوْثٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِسُقُوطِ تَغْلِيظِهَا، بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، فَأَمَّا تَغْلِيظُهُ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ، فَإِنْ لَمْ تُغْلَّظْ بِالْعَدَدِ فِي النُّفُوسِ عِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تُغَلَّظَ بِالْعَدَدِ فِي الْأَطْرَافِ وَإِنْ غُلِّظَتْ بِالْعَدَدِ فِي النُّفُوسِ فَفِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ بِالْعَدَدِ فِي الْأَطْرَافِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُغَلَّظُ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَبْرَأُ مِنَ الدَّعْوَى، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَحَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَاسْتَحَقَّ بِهَا الْقَوَدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تُغَلَّظَ الْأَيْمَانُ بِالْعَدَدِ وَفِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُغْلَّظُ فِي دَعْوَى كُلِّ طَرَفٍ خَمْسِينَ يَمِينًا، سَوَاءٌ قَلَّتْ دِيَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا تَسْقُطُ عَلَى دِيَةِ الطَّرَفَ مِنْ جُمْلَةِ دِيَةِ النَّفْسِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرَفُ مُوجِبًا لِجَمِيعِ الدِّيَةِ كَاللِّسَانِ وَالذِّكْرِ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ
стр. 8008
كَإِحْدَى الْيَدَيْنِ حَلَفَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَإِذَا كَانَ فِيهِ ثُلُثِ الدِّيَةِ كَالْمَأْمُومَةِ، وَالْجَائِفَةِ، حَلَفَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُشْرُ الدِّيَةِ، كَالْأُصْبُعِ حَلَفَ خَمْسَةَ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِصْفُ الْعَشْرِ كَالْمُوَضِّحَةِ حَلَفَ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا حَلَفَهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ هَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُقَسِّطُ هَذَا الْعَدَدَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ بِجَبْرِ الْكَسْرِ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ، رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَكَانَتْ عَدَدُ أَيْمَانِهِ مِثْلَ عَدَدِ أَيْمَانِهِمْ عَلَى الْأَقَاوِيلِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْأَيْمَانِ مُعْتَبَرًا بِالتَّبْدِئَةِ فَإِنْ حُكِمَ بِتَبْدِئَةِ الْمُدَّعِي لِوُجُودِ اللَّوْثِ، غُلِّظَتِ الْأَيْمَانُ بِالْعَدَدِ وَإِنْ سَقَطَتِ التَّبْدِئَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي سَقَطَتْ عَدَدُ الْأَيْمَانِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ فِي كَلَامِهِ مَسْأَلَةً حَكَاهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ فَقَالَ " وَلَا قَسَامَةَ، بِدَعْوَى مَيِّتٍ " يُرِيدُ بِهِ إِنَّ الْمَقْتُولَ إِذَا قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ، قَتَلَنِي فُلَانٌ فَلَا قَسَامَةَ لِوَارِثِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُبْدَأُ بِيَمِينِهِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ لَوْثًا لَهُ، رَدًا عَلَى مَالِكٍ حَيْثُ جَعَلَهُ لَوْثًا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
فَأَمَّا عَدَدُ الْأَيْمَانِ فِيهِ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي عَدَدِهَا، مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُزَنِيِّ فِي إِيرَادِهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ، مِنْ سقوط العدد.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَالدَّعْوَى فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ كَهِيَ فِي الْمَالِ إِلَّا أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ ضَعِيفَةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كَفَالَةِ النُّفُوسِ، قَدْ مَضَتْ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ مُسْتَوْفَاةٌ، وأعادها المزني هاهنا لأمرين:
أحدهما: بصحة الدَّعْوَى بِصِحَّتِهَا، وَفَسَادُ دَعْوَاهَا بِفَسَادِهَا.
وَالثَّانِي: لِوُجُوبِ الْيَمِينِ فِي إِنْكَارِهَا إِذَا صَحَّتْ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ، إِنَّ كَفَالَةَ النُّفُوسِ صَحِيحَةٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﵇ ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٦] يَعْنِي كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهَا الصَّدْرَ الْأَوَّلَ، وَلِأَنَّ فِيهَا رِفْقًا بَالنَّاسِ، وَتَعَاوُنًا عَلَى الصِّيَانَةِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا: " إِلَّا أَنَّ الْكَفَالَةَ فِي النَّفْسِ ضَعِيفَةٌ ".
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِضَعْفِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، أَرَادَ بِهِ بُطْلَانَهَا.
стр. 8009
فَخَرَّجُوا هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا، فِي إِبْطَالِهَا لِأَنَّه لَمْ يُكْفَلْ بِمَالٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، يَجِبُ غُرْمُ قِيمَتِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ، لَمْ يُرِدْ بِالضَّعْفِ إِبْطَالَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ ضَعْفَهَا فِي قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَإِنْ صَحَّتْ بِالْآثَارِ وَالْعَمَلِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى التَّخْرِيجِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْنَعُ لِإِدْرَائِهَا بِالشُّبُهَاتِ.
وَإِنْ أُجِيزَتْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الظَّاهِرِ الْمَشْهُودِ، مِنَ الْمَذْهَبِ فَفِي جَوَازِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلَانِ:
أَحَدُهَا: لَا تَجُوزُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَجُوزُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " قدر اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ".
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَوَجَّهَتْ دَعْوَى الْكَفَالَةُ عَلَى رَجُلٍ، خُوصِمَ فِيهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ كَانَ يَرَى إِبْطَالَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى فِيهَا، وَلَمْ تَجِبِ الْيَمِينُ فِي إِنْكَارِهَا، وَإِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَهَا سَمِعَ الدَّعْوَى فِيهَا وَأَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى مُنْكِرِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمِينَ عَلَى مُنْكِرِهَا، وَإِنْ صَحَّتْ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِسْقَاطِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكَرِ، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا يَطُولُ شَرْحُهَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي نَظَائِرِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَكْرَاهُ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ الدَّارَ كُلَّهَا ذَلِكَ الشَّهْرَ بِعَشَرَةٍ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ فَإِنْ كَانَ سَكَنَ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُتَكَارِيَيْنِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا تَارَةً فِي الْأُجْرَةِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الثَّمَنِ، وَيَخْتَلِفَانِ تَارَةً فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الْمَكْرِيِّ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ، فَيُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَ عَدَمِهَا، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ، فَتَسَاوَيَا فِي التَّحَالُفِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُتَكَارِيَانِ فَيَقُولُ الْمُكْرِي أَكْرَيْتُكَ بَيْتًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرَ رَمَضَانَ بعشرة.
стр. 8010
وَيَقُولُ الْمُكْتَرِي، بَلِ اكْتَرَيْتُ مِنْكَ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرَ رَمَضَانَ، بِعَشَرَةٍ فَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ تَحَالَفَا، وَبَدَأَ الْحَاكِمُ بِإِحْلَافِ الْمُكْرِي، كَمَا يَبْدَأُ بِإِحْلَافِ الْبَائِعِ.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَنَكَلَ الْآخَرُ قَضَى لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا عَلَى النَّاكِلِ.
وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَقَدْ تَسَاوَيَا، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَفِيمَا يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ كَمَا يَرْتَفِعُ نِكَاحُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِنَفْسِ اللِّعَانِ، حَتَّى يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِإِبْطَالِهِ، لِأَنَّ التَّحَالُفَ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ دُونَ إِبْطَالِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْحُكْمِ لِأَجْلِ التَّعَارُضِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِإِبْطَالِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِمْضَاءَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
فَيَقُولُ لِلْمُكْتَرِي: قَدْ حَلَفَ الْمُكْرِي عَلَى مَا ادَّعَى، فَتُمْضِيهِ؟
فَإِذَا قَالَ: لَا.؟ قَالَ لِلْمُكْرِي قَدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي عَلَى مَا ادَّعَى فَتُمْضِيهِ؟
فَإِذَا قَالَ: لَا، حُكِمَ بِالْفَسْخِ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا أَمْضَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا امْتَنَعَا مِنَ الْإِمْضَاءِ، وَحُكِمَ بَيْنَهُمَا بِالْفَسْخِ فَفِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَمَا لَوْ فَسَخَهُ بِتَحَالُفِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَنْفَسِخُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ.
وَيُنْظَرُ فِي التَّحَالُفِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنَ الْمُدَّةِ اسْتَرْجَعَ الْمُكْتَرِي أُجْرَتَهُ، وَاسْتَرْجَعَ الْمُكْرِي دَارَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، أَوْ بَعْضِهَا لَزِمَ الْمُكْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِ سُكْنَاهُ، لِاسْتِهْلَاكِهِ لِمَنْفَعَتِهَا عَنْ عَقْدٍ قَدْ حُكِمَ بِفَسَادِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِنْ كَانَ لَهُمَا عِنْدَ التَّحَالُفِ بَيِّنَةٌ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَن تُحْضَرَ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ التَّحَالُفِ، فَتُسْمَعُ وَيُمْنَعُ حُضُورُهَا مِنَ التَّحَالُفِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَوْلَى مِنَ الْيَمِينِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَن تُحْضَرَ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ التَّحَالُفِ فَيَكُونُ سَمَاعُهَا مَحْمُولًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ التَّحَالُفُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدِ انْفَسَخَ بِهِ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ.
стр. 8011
وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ قَدِ انْفَسَخَ بِهِ الْعَقْدُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ سُمِعَتْ، لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا أَقْوَى مِنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مِنْهُمَا، وَتَصَادُقُهُمَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ إِذَا قِيلَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَمَعْمُولٌ بِهِ إِذَا قِيلَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ، دُونَ الْبَاطِنِ، كَذَلِكَ الْبَيِّنَةُ: فَإِذَا سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يخل أن تكون لأحدهما أولهما:
فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا سُمِعَتْ، وَحُكِمَ بِهَا لِمُقِيمِهَا سَوَاءٌ شَهِدَتْ لِلْمُكْرِي، أَوْ لِلْمُكْتَرِي.
فَإِنْ أَقَامَ كل واحد منهما بينته، شَهِدَتْ لَهُ بِمَا ادَّعَى لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَسْبَقُ تَارِيخًا مِنَ الْأُخْرَى فَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَنَّهُمَا تَعَاقَدَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى أَنَّهُمَا تَعَاقَدَا مَعَ زَوَالِهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَالْعَقْدُ هُوَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الثَّانِي بَعْدَ صِحَّةِ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَتَانِ بِالْعَقْدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِتُكَاذُبِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ، فَسَقَطَتْ بِالتَّكَاذُبِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْبَيِّنَةَ مَا بَانَ بِهَا الْحُكْمُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا بَيَانٌ رُدَّتْ، لِأَنَّ لَا بَيَانَ فِيهَا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُحْكَمُ بِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي شَيْءٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُهُودًا فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَيْنَهُمَا وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا ".
وَالثَّانِي: إِنَّ اشْتِبَاهَ الْحُقُوقِ الْمُتَسَاوِيَةِ، يُوجِبُ تَمْيِيزَهَا بِالْقُرْعَةِ، كَدُخُولِهَا فِي الْقِسْمَةِ فِي السَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَفِي عِتْقِ عَبِيدِهِ، إِذَا اسْتَوْعَبُوا التَّرِكَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَّسَمَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيِّنَتَيْنِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ لِأَمْرَيْنِ:
стр. 8012
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - بَعِيرًا، أَوْ دَابَّةً، وَشَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنَ الْيَدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمَا إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْيَدِ جُعِلَ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْبَيِّنَةِ، أَنْ يَكُونَ أَوْلَى، بِأَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمَا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَخْرِيجِهَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ قَوْلٍ رَابِعٍ وَهُوَ وَقَفَهُمَا عَلَى الْبَيَانِ فَخَرَّجَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ قَوْلًا رَابِعًا لِلشَّافِعِيِّ وَامْتَنَعَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ تَخْرِيجِهِ قَوْلًا رَابِعًا، لِأَنَّ وَقْفَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْبَيَانِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْبَيَانِ دُونَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ الْمَالُ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ الْبَيِّنَةِ، وَهَذَا أَشْبَهُ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمْ يُخَرَّجْ فِي تَعَارُضِهِمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ إِلَّا قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطُهُمَا وَيَتَحَالَفُ الْمُتَدَاعِيَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
وَفِي إِحْلَافِ مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ قَوْلَانِ، مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقُرْعَةِ هَلْ دَخَلَتْ تَرْجِيحًا للدعوى، أو للبينة فأخذ قَوْلَيْهِ، إِنَّهَا دَخَلَتْ تَرْجِيحًا لِلْبَيِّنَةِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَمِينَ عَلَى مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يَمِينَ مَعَ الْبَيِّنَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا دَخَلَتْ تَرْجِيحًا لِلدَّعْوَى، فَيَجِبُ إِحْلَافُ الْمُدَّعِي.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيمَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْيَمِينِ مَعَ الْبَيِّنَةِ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا شَهِدَتْهُ بَيِّنَتُهُ حَقٌّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِيَمِينِهِ تَرْجِيحًا بِالْبَيِّنَةِ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ بِاللَّهِ، لَقَدِ اكْتَرَيْتُ مِنْهُ الدَّارَ بِكَذَا.
وَلَا يَجِيءُ فِيهِ تَخْرِيجُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، أَنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيِّنَتَيْنِ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْعَقْدِ لَا تَصِحُّ. وَلَا يَجِيءُ فِيهِ تَخْرِيجُ الْقَوْلِ الرَّابِعِ إِنْ صَحَّ تَخْرِيجُهُ، أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ لتعذره في الدعوى والبينة، فوجب أن يفضل الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا بِالتَّحَالُفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا تَارِيخٌ يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا أَوْ تَقَدُّمِ إِحْدَاهُمَا فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ يُحْكَمُ بِأَزْيَدِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ حُكِمَ بِأَكْثَرِهِمَا قَدْرًا.
وَإِنْ كَانَ فِي الْكِرَاءِ حُكِمَ بأكثرهما قدرا.
стр. 8013
كما لو شهدت بينة بألف، وبينة بالألفين، حكم بألفين. وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَانِ تَتَسَاوَى فِيهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ بِعَشَرَةٍ يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِهِ بِعِشْرِينَ، وَكَرَاءُ الْبَيْتِ بِعَشَرَةٍ يَمْنَعُ مِنْ كَرَاءِ الدَّارِ بِعِشْرِينَ، فَيَكُونُ تَعَارُضُهُمَا مَحْمُولًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، يُسْقَطَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الثَّانِي.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَ الْمُكْرِي، وَالْمُكْتَرِي، فِي شَيْءٍ مِنْ آلَةِ الدَّارِ، وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكًا، لِنَفْسِهِ انْقَسَمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ الْمُكْرِي وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالدَّارِ من آلاتها، كالأبواب والدهليزات والرفوف المتصلة، والسلاليم الْمُسَمَّرَةِ، فَالْقَوْلُ فِي مِلْكِهَا قَوْلُ الْمُكْرِي، مَعَ يَمِينِهِ لِاتِّصَالِهَا بِالدَّارِ الَّتِي هُوَ مَالِكُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُكْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قُمَاشُ الدَّارِ وَفَرْشُهَا مِنَ الْبُسُطِ، وَالْحُصْرِ، وَالصَّنَادِيقِ، لِأَنَّه مِنْ آلَةِ السُّكْنَى وَالْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِالسُّكْنَى.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ آلَةِ الدَّارِ منفصلا عن الدار كالرفوف، والسلاليم الْمُنْفَصِلَةِ، وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَأَطْبَاقِ التَّنَانِيرِ فَالْعُرْفُ فِيهَا مُتَقَابِلٌ، وَالْيَدُ فِيهِ مُشْتَرَكَةٌ، فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَحَالُفِهِمَا.
وَلَوْ كَانَتْ مُنْشَأَةً بَيْنَ نَهْرٍ وَضَيْعَةٍ فَادَّعَاهَا صَاحِبُ الْمَاءِ وَقَالَ: هِيَ الْجَامِعَةُ لِمَاءِ نَهْرِي، وَقَالَ صَاحِبُ الضَّيْعَةِ: هِيَ الْمَانِعَةُ لِلْمَاءِ عَنْ ضَيْعَتِي، فَهُمَا فِيهَا مُتَسَاوِيَانِ فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا، وَتُجْعَلُ بَعْدَ الْأَيْمَانِ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوِ ادَعَى دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِي وَهِيَ لِفُلَانٍ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا صَيَّرْتُهَا لَهُ وَجَعَلْتُهُ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا كُتِبَ إِقْرَارُهُ وَقِيلَ لِلمُدَعِي أَقِمِ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ أَقَامَهَا قَضَى بِهَا عَلَى الَذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ وَيُجْعَلُ فِي الْقَضِيَّةِ أَنَّ الْمُقِرَ لَهُ بِهَا عَلَى حُجَّتِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) ﵀: قَدْ قُطِعَ بِالْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ وَهُوَ أَوْلَى بِقَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا فَادَّعَاهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ، وَقَالَ: هِيَ لِي فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ: لَيْسَتْ هَذِهِ الدَّارُ لِي، وَهِيَ لِغَيْرِي فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ من جعلها له.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَذْكُرَ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ مَنْ جَعَلَهَا لَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا.
стр. 8014
وَقِيلَ لَهُ: قَدْ تُوَجَّهُ عَلَيْكَ جَوَابٌ عَدَلْتَ عَنْهُ، فَإِنْ أَقَمْتَ عَلَى هَذَا، جُعِلْتَ نَاكِلًا وَأُحْلِفَ الْمُدَّعِي، وَحُكِمُ لَهُ بِانْتِزَاعِ الدَّارِ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ عَادَ فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ، فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ إِنْكَارِهِ؛ لِأَنَّه قَدِ اعْتَرَفَ بِهَا لِغَيْرِهِ وَيُجْعَلُ كَالنَّاكِلِ، وَيَحْلِفُ مُدَّعِيهَا، وَيُحْكَمُ بِهَا لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا، لِأَنَّه لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا مَنْ جَعَلَهَا لَهُ، فَصَارَ إِقْرَارُهُ كَعَدَمِهِ. فَيَحْلِفُ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِالدَّارِ لِأَجْلِ يَدِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَّعِيهَا بَيِّنَةٌ فَتُسْمَعُ مِنْهُ، وَيُحْكَمُ بِهَا لَهُ، وَإِنْ سَمَّى صَاحِبَ الْيَدِ مَنْ جَعَلَ الدَّارَ لَهُ، وَقَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ، لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا.
فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يَخْلُ حَالُهُ أَنْ يَقْبَلَ الْإِقْرَارَ أَوْ يُنْكِرَهُ، فَإِنْ قَبِلَ الْإِقْرَارَ، صَارَتِ الْيَدُ لَهُ، وَانْتَقَلَتِ الْخُصُومَةُ إِلَيْهِ وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى، فَإِنْ أَنْكَرَ مُدَّعِيهَا، حَلَفَ لَهُ وَكَانَ أَحَقَّ بِالدَّارِ بِيَمِينِهِ وَيَدِهِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ مُدَّعِيهَا بَيِّنَةً، فَيُحْكَمُ بِهَا لَهُ بِبَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّها أَوْلَى مِنْ يَدٍ، وَيَمِينٍ.
فَإِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ صَارَ أَحَقَّ بِهَا بِبَيِّنَتِهِ، وَيَدِهِ مِنْ بَيِّنَةٍ بِغَيْرِ يَدٍ.
فَإِنْ طَلَبَ مُدَّعِيهَا إِحْلَافَ صَاحِبِ الْيَدِ عَلَيْهَا، بَعْدَ أَنْ حُكِمَ بِهَا لِلْمُقِرِّ لَهُ، فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَى إِحْلَافِ صَاحِبِ الْيَدِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، فِيمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ فِي يَدِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو، وَكَانَ زَيْدٌ أَحَقُّ بِهَا مِنْ عَمْرٍو بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ، وَهَلْ يُؤْخَذُ الْمُقِرُّ بِغُرْمِ قِيمَتِهَا لِعَمْرٍو بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ بِغُرْمِ قِيمَتِهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّه قَدِ اسْتَهْلَكَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ. لِزَيْدٍ، فَعَلَى هَذَا إِيجَابُ الْمُدَّعِي إِلَى إِحْلَافِ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّه لَوْ أَقَرَّ لَهُ لَزِمَهُ الْغُرْمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، لِبَقَاءِ الدَّارِ وَتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا.
فَعَلَى هَذَا لَا يَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ غُرْمٌ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ مَنْ جُعِلَتْ لَهُ الدَّارُ إِقْرَارَ صَاحِبِ الْيَدِ وَأَنْكَرَهَا، لَمْ يَخْلُ حَالُ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا عَلَى إِقْرَارِهِ، أَوْ رَاجِعًا عَنْهُ.
فَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِهَا لِمَنْ أَنْكَرَهَا، وَلَمْ يَقْبَلْهَا طُولِبَ مُدَّعِيَهَا بِبَيِّنَتِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا، حُكِمَ لَهُ بِالدَّارِ، وَإِنْ عَدِمَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ الْحَاكِمَ يُنَصِّبُ لَهَا أَمِينًا يَحْفَظُهَا عَلَى مَالِكِهَا، حِفْظَ اللُّقَطَةِ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِهَا، إِمَّا لِمُدَّعِيهَا، أَوْ لِغَيْرِهِ فَيُحْكَمُ بِهَا لَهُ،
стр. 8015
وَلَا تُدْفَعُ، إِلَى الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ هِيَ يَمِينُ رَدٍّ بَعْدَ النُّكُولِ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِنُكُولِ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي إِحْلَافَ صَاحِبِ الْيَدِ فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَى إِحْلَافِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِيقَافِهِمَا عَلَى مَنْ لَا يَدَّعِيهَا، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَيْهَا، وَتُدْفَعُ إِلَيْهِ الدَّارُ بَعْدَ يَمِينِهِ فَإِنْ حَضَرَ مُدَّعٍ لَهَا بَعْدَ تَسْلِيمِهَا إِلَى الْأَوَّلِ بِيَمِينِهِ، وَنَازَعَهُ فِيهَا فَهَلْ يَكُونُ مُنَازِعًا فِيهَا لِذِي يَدٍ، أَوْ لِغَيْرِ ذِي يَدٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُنَازِعًا لِذِي يَدٍ لِتَقَدُّمِ الْحُكْمِ بِهَا لَهُ، فَصَارَتْ يَدًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهَا إِنْ أَنْكَرَ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ مُنَازِعًا لِغَيْرِ ذِي يَدٍ، لِأَنَّها دُفِعَتْ إِلَيْهِ بِيَمِينٍ مِنْ غَيْرِ يَدٍ فَيَحْلِفَانِ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا كَالْمُتَدَاعِيَيْنِ لِمَا لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمَا وَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْيَدِ عَنْ إِقْرَارِهِ حِينَ رَدَّ عَلَيْهِ وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ فَفِي قَبُولِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، سواء ادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ الْأَوَّلَ قَدْ أَكْذَبَ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَقَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْبَلُ مِنْهُ سَوَاءً ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِإِقْرَارِهِ حَقٌّ لِمُعَيَّنٍ، فَعَلَى هَذَا إِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، كَانَ هُوَ الْخَصْمُ فِيهَا وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، انْتَقَلَتِ الْخُصُومَةُ إِلَيْهِ، وَكَانَتِ الْمُنَازَعَةُ مَعَ ذِي يَدٍ لِأَنَّه أَقَرَّ بها لَهُ ذُو يَدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَاهَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّه مَتْهُومٌ فِي ادِّعَائِهَا لِنَفْسِهِ، وَغَيْرُ مَتْهُومٍ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا لِغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ قَدْ أَقَرَّ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِغَائِبٍ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُدَّعِي مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ كَانَ الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، وَالدَّارُ مُقَرَّةٌ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي إِحْلَافَ صَاحِبِ الْيَدِ، فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَى إِحْلَافِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِوُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ يَمِينِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ أَنَّ الدَّارَ لِلْغَائِبِ فُلَانٍ، لِتَكُونَ يَمِينُهُ مُوَافَقَةٌ لِإِقْرَارِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي فِيهَا لِتَكَوُّنَ يَمِينُهُ مُعَارَضَةً لِلدَّعْوَى.
стр. 8016
فإن حلف برىء مِنْ مُطَالَبَةِ الدَّاعِي، وَإِنْ نَكَلَ أُحْلِفَ الْمُدَّعِي، وَحُكِمَ لَهُ بِقِيمَةِ الدَّارِ.
فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ الْمُقَرُّ لَهُ، كَانَ لَهُ مُنَازَعَتُهُ فِي الدَّارِ، وَإِنْ صَارَ إِلَى قِيمَتِهَا فَإِنْ أَفْضَى النِّزَاعُ إِلَى الْحُكْمِ بِالدَّارِ لِلْغَائِبِ. اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقِيمَةِ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى الْحُكْمِ بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي أُخِذَ بِرَدِّ الْقَيِّمَةِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ مِلْكِ الدَّارِ وَقِيمَتِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِمُدَّعِي الدَّارِ بَيِّنَةٌ، عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِهَا لِلْغَائِبِ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقُضِيَ لَهُ بِالدَّارِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ الْمُقَرِّ لَهُ، أَوْ قَضَاءٌ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ لَهُ، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ الْمُقَرِّ لَهُ فَعَلَى هَذَا لَا يُحْكَمُ لِلْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ، حَتَّى يَحْلِفَ مَعَهَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ يُوجِبُ إِحْلَافَ الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَدَّعِيَ الْغَائِبُ انْتِقَالَهَا إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّ مَا شَهِدْتُ بِهِ شُهُودٌ الْحَقُّ، وَأَنَّهَا لَبَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَيَكُونُ حَلِفُهُ لِصِدْقِ شُهُودِهِ تَبَعًا لِحَلِفِهِ بِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْلَا ذَاكَ لَمَا حَلَفَ بِصِدْقِ الشُّهُودِ، لِأَنَّه لَا يَلْزَمُهُ إِحْلَافُهُ عَلَى صِدْقِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ وَهِمُ الْمُزَنِيُّ فِي كَلَامِهِ أَنَّ قَوْلَهُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ الْحَاضِرِ، دُونَ الْغَائِبِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّه قَالَ: قَضَى لَهُ عَلَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَضَاءٌ عَلَى الْحَاضِرِ، لِأَنَّ الدَّعْوَى تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ، فَتَوَجَّهُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ دُونَ يَمِينِهِ، وَنَسَبَ الْمَرْوَزِيُّ الْمُزَنِيَّ إِلَى الْغَلَطِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْحَاضِرِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ وَهِمَ فِي تَخْرِيجِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ وَهِمَ فِيمَا أَوْهَمَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ فِيمَا رَآهُ مِنَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مُحْتَمَلٌ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي وَاعْتَرَفَ بِهَا وَنَازَعَ فِيهَا وَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ مُنَازَعٍ ذِي يَدٍ، لِأَنَّها انْتُزِعَتْ مِنْ يَدٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ لِلْحَاكِمِ، إِذَا حَكَمَ بِالدَّارِ
стр. 8017
لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ أَنْ يَكْتُبَ فِي قَضَائِهِ لِلْمُدَّعِي صِفَةَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ حَكَمَ بِبَيِّنَتِهِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ الْغَائِبَ فِيهَا عَلَى حُجَّتِهِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْيَدِ، حِينَ انْتُزِعَتِ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةَ الْغَائِبِ بِمِلْكِهِ لِلدَّارِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي إِقَامَتِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ الْوِكَالَةِ عَنِ الْغَائِبِ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ لِلْغَائِبِ بِالْمِلْكِ، لِأَنَّه وَكِيلُهُ فِيهَا، وَيَحْكُمُ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّ لَهُ مَعَ الْبَيِّنَةِ يَدًا لَيْسَتْ لِلْمُدَّعِي.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ وَكِيلًا لِلْغَائِبِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ لَهُ بِالدَّارِ حَقٌّ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ إِجَارَةٍ، وَلَا رَهْنٍ فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّه لَا حَقَّ لَهُ فِي إِقَامَتِهَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ مُنْكِرًا لَهَا، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ، فَيَدَّعِي كَمَنْ شَهِدُوا فِي تَرِكَةٍ بِقَسْمٍ وَمَالِ مُفْلِسٍ يُبَاعُ عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ جُمْلَتِهِ مِلْكٌ لِغَائِبٍ لَمْ يَدَّعِهِ، لَمْ تُسْمَعِ الشَّهَادَةُ، وَقُسِمَ بَيْنَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ وَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ، وَإِنْ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ، بِمِلْكِ الْغَائِبِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهَا بِالْإِجَارَةِ أَوْ بِالرَّهْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مِنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ فِيهَا لِتَعَلُّقِ حَقَّهُ بِهَا، وَيُقْضَى بِمِلْكِهَا لِلْغَائِبِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْيَدِ بِالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِهَا لِغَيْرِ مُدَّعٍ، تَبَعًا لِلْقَضَاءِ لِحَقِّ الْحَاضِرِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا تُسْمَعَ بَيِّنَةُ الْحَاضِرِ وَإِنِ ادَّعَى الْإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ، لِأَنَّهمَا تَبَعٌ لِمِلْكِ الْأَصْلِ فَلَمْ تَصِحَّ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَلَا الرَّهْنُ، إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْغَائِبِ، وَمِلْكِ الْغَائِبِ لَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ إِلَّا بعد مطالبته. والله أعلم.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدَيْهِ أَمْسُ لَمْ أَقْبَلْ قَدْ يَكُونُ فِي يَدَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ فَادُّعِيَتْ عَلَيْهِ وَأَقَامَ مُدَّعِيهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمْسِ، كَالَّذِي نَقْلَهُ المزني والربيع، وأنه لَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ الدَّارَ كَانَتْ بِيَدِهِ بِالْأَمْسِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَنَقَلَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبَوِيطِيِّ إِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي مَسْمُوعَةٌ، وَيُقْضَى لَهُ بِالدَّارِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يُخَرِّجُ سَمَاعَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ إِنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا لِلْمُدَّعِي، وَتَكُونُ الدَّارُ مُقَرَّةً فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ فِي وَقْتِ الدَّعْوَى لِأَمْرَيْنِ:
стр. 8018
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْيَدَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى الْمِلْكِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ مِلْكٍ، لِدُخُولِهَا بِغَصْبٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، فَإِذَا زَالَتْ بِيَدٍ طَارِئَةٍ، صَارَتِ الثَّابِتَةُ أَوْلَى من الزائلة لجواز انتقالها بملك طارىء مِنِ ابْتِيَاعٍ، أَوْ هِبَةٍ فَبَطَلَ بِزَوَالِهَا مَا أَوْجَبَهُ ظَاهِرُهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الدَّعْوَى، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي كَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي يَدِي بِالْأَمْسِ، لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَوَجَبَ إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُسْمَعَ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُطَابَقَةً لِلدَّعْوَى فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا نَقَلَهُ " الْبُوَيْطِيُّ " إِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي مَسْمُوعَةٌ وَيُحْكَمُ بِهَا عَلَى الْيَدِ الطَّارِئَةِ، لِتَقَدُّمِهَا إِلَّا أَنْ يُقِيمَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِحَقٍّ مِنْ هِبَةٍ أَوْ بيع، لأنه الْيَدَ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ فَجَرَتْ مَجْرَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ بِالْأَمْسِ حُكِمَ لَهُ بِهَا. كَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ، وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى إِبْطَالِ مَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ، وَنَسَبُوهُ إِلَى مَذْهَبٍ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ نُصُوصُهَا عَلَى خِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ تَعْلِيلًا، بِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِالْأَمْسِ، فَيُحْكَمُ بِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ يُوجِبُ دَوَامَهُ إِلَّا بِحُدُوثِ سَبَبٍ يُوجِبُ انْتِقَالَهُ وَثُبُوتُ الْيَدِ
لَا تُوجِبُ دَوَامَهَا، لِأَنَّها قَدْ تَكُونُ بِإِجَارَةٍ تَرْتَفِعُ بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، فَافْتَرَقَا فِي الْقَبُولِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمُوجِبِ.
وَإِذَا وَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ، غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ مَعَ مَا حَدَثَ مِنَ الْيَدِ الطَّارِئَةِ، فَإِنَّمَا لَا تُسْمَعُ إِذَا كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى تَقَدُّمِ الْيَدِ فَإِنْ شَهِدَتْ مَعَ تَقَدُّمِ الْيَدِ بِالسَّبَبِ الَّذِي انْتَقَلَتْ بِهِ إِلَى الْيَدِ الطَّارِئَةِ مِنْ غَصْبٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ وَجَبَ سَمَاعُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشافعي، " إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ ".
يَعْنِي بِمَا لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، إِمَّا بِمُبَاحٍ مِنْ وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ بِمَحْظُورٍ مِنْ غَصْبٍ وَتَغَلُّبٍ، لِأَنَّه قَدْ بَانَ بِالْبَيِّنَةِ، أَنَّ الْيَدَ الطَّارِئَةَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمِلْكِ فَثَبَتَ بها حكم اليد المتقدمة.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ غَصَبَهُ إِيَّاهَا وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا فَهِيَ لِلْمَغْصُوبِ وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ فِيمَا غَصَبَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. إِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَتَدَاعَاهَا رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذِهِ الدَّارُ لِي غَصَبَنِي عَلَيْهَا صَاحِبُ الْيَدِ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً.
стр. 8019
وَقَالَ الْآخَرُ: " هَذِهِ الدَّارُ لِي، أَقَرَّ لِي بِهَا صَاحِبُ الْيَدِ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً: حُكِمَ بِالدَّارِ لِلْمَغْصُوبِ فِيهِ، دُونَ الْمُقِرِّ لَهُ، لِأَنَّه قَدْ صَارَ صَاحِبُ الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ غَاصِبًا، وَإِقْرَارُ الْغَاصِبِ مَرْدُودٌ.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَاهَا الْآخَرُ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ، كَانَ بَيْعُ الْغَاصِبِ، مَرْدُودًا فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ غُرْمُ قِيمَتِهَا لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ لِزَيْدٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو وَغَرِمَ لِعَمْرٍو قِيمَتَهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ قِيلَ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ هَاهُنَا، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ، إِنَّ اسْتِهْلَاكَ الدَّارِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَانَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهُ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ كَانَ الْمُقِرُّ قَدِ اسْتَهْلَكَهَا عَلَى الثَّانِي بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ، فَلَزِمَهُ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكَ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَتَدَاعَاهَا رَجُلَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا: هَذِهِ الدَّارُ لِي أَوْدَعْتُكَ إِيَّاهَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ الْآخَرُ: هَذِهِ الدَّارُ لِي، أَجَّرْتُكَ إِيَّاهَا وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً.
فَصَارَا مُتَدَاعِيَيْنِ لِمِلْكِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حُكْمِ يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ، فَتَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ بِالْمِلْكِ لِتَنَافِي شَهَادَتِهِمَا فَخَرَجَ فِي تعارضهما ثلاثة أقاويل:
أحدهما: إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ بِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا فَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْوَدِيعَةِ، انتزعت من صاحب اليد ولاشيء عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً، أُقِرَّتْ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَأَخَذَ بِأُجْرَتِهَا، فَإِنِ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا انْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَ بِالْأُجْرَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَجَعْلُ الدَّارِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ نِصْفَيْنِ، نِصْفُهَا لِمُدَّعِي الْوَدِيعَةِ، يَنْتَزِعُهُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ وَنِصْفُهَا لِمُدَّعِي الْإِجَارَةِ يُقِرُّهُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بنصف الأجرة.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا ادَعَى عَلَيْهِ شَيْئَا كَانَ فِي يَدَيِ الْمَيِّتِ حَلَفَ عَلَى عِلْمِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَإِذَا اشْتَرَاهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوَاضِعَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْيَمِينَ إِذَا تَوَجَّهَتْ
стр. 8020
عَلَى الْإِنْسَانِ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ، كَانَتْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ.
وَالْإِثْبَاتُ أَنْ يَحْلِفَ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ لِي إِمَّا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِمَّا بِالرَّدِّ بَعْدَ النُّكُولِ.
وَأَمَّا النَّفْيُ، فَإِنْ حَلَفَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَا حَقَّ لَكَ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَإِنْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ، عَلَى الْعِلْمِ فِي الْإِثْبَاتِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لِي وَأَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَيْسَ هُوَ بِمِلْكٍ لَكَ.
فَقَدْ أَكَّدَهَا، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْعِلْمِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، وَإِنْ أَحْلَفَهُ عَلَى الْعِلْمِ فِي النَّفْيِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلِيَّ شَيْئًا وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَكَ، لَمْ تَصِحَّ الْيَمِينُ، لِأَنَّه عَلَى يَقِينٍ وَإِحَاطَةٍ فِيمَا اخْتَصَّ بِنَفْسِهِ مِنْ إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ، فَلَمْ تَصِحَّ يَمِينُهُ فِي النَّفْيِ، إِلَّا بِالْقَطْعِ وَالْبَتِّ، كَمَا لَا تَصِحَّ يَمِينُهُ فِي الْإِثْبَاتِ، إِلَّا بِالْقَطْعِ.
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ فِي تَوَجُّهِ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، كَالْوَارِثِ إِذَا ادَّعَى عَلَى مَيِّتِهِ دَعْوَى، فَأَنْكَرَهَا، فَيَمِينُهُ يَمِينُ نَفْيٍ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَيَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْقَطْعِ، لِأَنَّه لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى الْيَقِينِ وَالْإِحَاطَةِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلَيَّ شيء مِمَّا ادَّعَيْتَهُ، فَإِنْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ فَقَالَ، وَاللَّهِ مَا لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا ادَّعَيْتَهُ كَانَ تَجَاوُزًا مِنَ الْحَاكِمِ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْيَمِينُ مَوْقِعَهَا، لِأَنَّها أَغْلَظُ مِنَ الْيَمِينِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَؤُولُ بِهِ إِلَى الْعِلْمِ.
وَلَوِ ادَّعَى شَيْئًا لِمَيِّتِهِ، وَتَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ، كَمَا لَوِ ادَّعَاهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، لِأَنَّه لَا يَصِحُّ أَنْ يَدَّعِيَهُ إِلَّا بَعْدَ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِهِ، فَاسْتَوَى يَمِينُ الْإِثْبَاتِ فِي فِعْلِهِ، وَفِعْلِ غَيْرِهِ، وَاخْتَلَفَتْ يَمِينُ النَّفْيِ فِي فِعْلِهِ، وَفِعْلِ غَيْرِهِ. وَبِاللَّهِ التوفيق.
стр. 8021
(باب الدعوى في الميراث مِنَ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى)
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ هَلَكَ نَصْرَانِيٌ وَلَهُ ابْنَانِ: مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌ فَشَهِدَ مُسْلِمَانِ لِلْمُسْلِمِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَلِلنَّصْرَانِيِّ مُسْلِمَانِ أَنَ أَبَاهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا صَلَّى عَلَيْهِ فَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يُكَذِّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضَا جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِلنَّصْرَانِيِّ وَمَنْ رَأَى الْإِقْرَاعَ أَقْرَعَ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ كَانَ الْمِيرَاثُ لَهُ وَمَنْ رَأَى أَنْ يُقَسَّمَ إِذَا تَكَافَأَتْ بَيِّنَتَاهُمَا جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا صَلَى عَلَيْهِ بِالْإِشْكَالِ كَمَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لَوِ اخْتَلَطَ بِمُسْلِمِينَ مَوْتًى (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَشْبَهُ بِالْحَقِّ عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْلُ دِينِهِ النَّصْرَانِيَّةُ فاللذان شهدا بالإسلام أولى لأنهما علما إيمانا حدث خفي على الآخرين وإن لم يدر ما أصل دينه والميراث في أيديهما فبينهما نصفان وقد قال الشافعي لو رمى أحدهما طائرا ثم رماه الثاني فلم يَدْرِ أَبَلَغَ بِهِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا أَوْ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (قَالَ المزني) وهذا وذاك عندي في القياس سواء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي اخْتِلَافِ الِاثْنَيْنِ فِي دِينِ الْأَبِ، أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْرَفَ دِينُ الْأَبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُعرَفَ. فَإِنْ عُرِفَ دِينُ الْأَبِ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَتَرَكَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وَنَصْرَانِيًّا، وَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ.
وَادَّعَى النَّصْرَانِيُّ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الشَّهَادَتَانِ وَاخْتِلَافُهُمَا إِذَا أَمْكَنَ فِيهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَتَعَارَضَا، فَإِذَا عُلِمَ فِيهِ التَّكَاذُبَ تَعَارَضَتَا، وَلَا يَخْلُو حَالُ هَاتَيْنِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحُدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَا مُقَيَّدَتَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْإِسْلَامِ مُطْلَقَةٌ، وبالنصرانية مقيدة.
стр. 8022
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْإِسْلَامِ مُقَيَّدَةٌ، وَبِالنَّصْرَانِيَّةِ مُطْلَقَةٌ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ شُهُودُ الْمُسْلِمِ: إن أباه مسلم ويقول شهود النصراني إن أَبَاهُ نَصْرَانِيٌّ. فَالتَّصَادُقُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مُمْكِنٌ، لِأَنَّه قَدْ يَكُونُ نَصْرَانِيًّا فَيُسْلِمُ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا فَيَتَنَصَّرُ، فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ صَادِقَةٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَعَارُضَ فِيهَا وَحُكِمَ بِشَهَادَةِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّها أَزْيَدُ عِلْمًا، لِأَنَّ نَصْرَانِيَّتَهُ أصل، وإسلامه حادث، فصار كالشهادة بجرح وَالتَّعْدِيلِ يُحْكَمُ بِالْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَيُجْعَلُ الْمُسْلِمُ وَارِثًا دُونَ النَّصْرَانِيِّ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَتَانِ مُقَيَّدَتَيْنِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ شُهُودُ الْمُسْلِمِ، إِنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ قَائِلًا بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ.
ويقول شهود النصراني إن أباه مات على دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، قَائِلًا بِالتَّثْلِيثِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ.
فَهَذَا تَعَارُضٌ فِي شَهَادَتِهِمَا، لِتَكَاذُبِهِمَا بِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَمُوتَ مُسْلِمًا نَصْرَانِيًّا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي تَعَارُضِ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ، لِتَكَاذُبِهِمَا فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمُسْلِمِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ دِينِهِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُسْلِمُ بِاللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُسْلِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ بِالْقَارِعَةِ مِنْهَا لِأَنَّ فِي الْقُرْعَةِ تَمْيِيزًا لِمَا اشْتَبَهَ، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ إِلَى يَمِينٍ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْقُرْعَةِ هَلْ تُرَجَّحُ بِهَا الدَّعْوَى أَوِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ كَانَ هُوَ الْوَارِثُ وَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ كَانَ هُوَ الْوَارِثُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَجَعْلُ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَخْرِيجِ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمِيرَاثِ كَتَخْرِيجِهِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَطَائِفَةٍ مَعَهُ إِنَّ تَخْرِيجَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَحِيحٌ اسْتِشْهَادًا بِذِكْرِ الشَّافِعِيِّ لَهُ، وَاحْتِجَاجًا مِنْ قَوْلِهِ " بِأَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ رَمَيَا طَائِرًا، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا أَثْبَتَهُ بِرَمْيهِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ إِثْبَاتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. كَذَلِكَ الْمِيرَاثُ ".
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وطائفة مَعَهُ إِنَّ تَخْرِيجَهُ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَشْتَرِكَ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ فِي مِيرَاثِ مَيِّتٍ، لِأَنَّه إِنْ مَاتَ نَصْرَانِيًّا وَرِثَهُ النَّصْرَانِيُّ دُونَ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُ دُونَ النَّصْرَانِيِّ،
стр. 8023
فَإِذَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ أُعْطِيَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَمُنِعَ الْآخَرُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَيْسَ كَالْمَالِ الَّذِي يَصِحُّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي سَبَبِهِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي تَمَلُّكِهِ.
وَكَذَلِكَ الطَّائِرُ إِذَا رَمَيَاهُ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَكَامَلَ إِثْبَاتُهُ بِرَمْيِهِمَا فَصَحَّ فِيهِ اشْتِرَاكُهُمَا، وَجُعِلَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا فِي أَحَدِ الْأَقَاوِيلِ مِنْ قِسْمَةٍ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِتَوْرِيثِ الْغَرْقَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَحْكِهِ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّه لَا يَرَى ذَلِكَ فِي الْغَرْقَى وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى ضَعْفِهِ، وَوَهَائِهِ، فَقَالَ: لَوْ قَسَمْتُ كُنْتُ لَمْ أَقَضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ، وَلَا بِبَيِّنَتِهِ وَكُنْتُ عَلَى يَقِينِ خَطَأٍ، يُنْقَصُ مَنْ هُوَ لَهُ عَنْ كَمَالِ حَقِّهِ، وَإِعْطَاءِ الْآخَرِ مَا لَيْسَ لَهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْإِسْلَامِ مُطْلَقَةٌ، وَبِالنَّصْرَانِيَّةِ مُقَيَّدَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ شُهُودُ الْمُسْلِمِ أَنَّ أَبَاهُ مُسْلِمٌ، وَيَقُولَ شُهُودُ النَّصْرَانِيِّ، إِنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، قَائِلًا بِالتَّثْلِيثِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، فَلَا تَعَارُضَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّه قَدْ يُسْلِمُ، ثُمَّ يَرْتَدُّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَصِحُّ الشَّهَادَتَانِ، وَيُحْكَمُ بِارْتِدَادِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَرِثُهُ وَاحِدٌ مِنِ ابْنَيْهِ وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ وَلَا نَصْرَانِيٌّ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْإِسْلَامِ مُقَيَّدَةٌ، وَبِالنَّصْرَانِيَّةِ مُطْلَقَةٌ فَيَقُولُ شُهُودُ الْمُسْلِمِ إِنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ قَائِلًا بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، وَيَقُولُ شُهُودُ النَّصْرَانِيِّ إِنَّ أَبَاهُ نَصْرَانِيٌّ فَلَا تَعَارُضَ فِي شَهَادَتِهِمَا لِحُدُوثِ إِسْلَامِهِ بَعْدَ نَصْرَانِيَّتِهِ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِ دُونَ النَّصْرَانِيِّ. فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إِنْ شَهِدَ شُهُودُ الْمُسْلِمِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَشَهِدَ شُهُودُ النَّصْرَانِيِّ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تُحْمَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّقْيِيدِ، أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّقْيِيدِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَهِدَتْ بِدِينِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَيْنِ. فَتَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَى الْأَقَاوِيلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِأَنَّهمَا اسْتَصْحَبَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِهِ، وَلَمْ يَقْطَعَا بِدِينِهِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ.
стр. 8024
فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فِي التَّفْصِيلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَجْهُولَ الدَّيْنِ فَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ بِإِسْلَامِهِ، وَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ بنصرانيته، فيسوي مَعَ الْجَهْلِ بِدِينِهِ إِطْلَاقُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَتَقْيِيدُهُمَا فِي التَّعَارُضِ، وَإِنْ كَانَتَا فِي التَّقْيِيدِ مُتَكَاذِبَتَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا فِي الْإِطْلَاقِ صَادِقَتَيْنِ لَكِنَّ الْجَهْلَ بِدِينِهِ، يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِإِحْدَاهُمَا مَعَ التَّصَادُقِ فَجَرَى عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ فِي التَّكَاذُبِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ،
أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَيُرَدَّانِ إِلَى دَعْوَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
وَالثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا، وَالْحُكْمُ بِالْقَارِعَةِ مِنْهُمَا وَفِي إِحْلَافِ مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ قَوْلَانِ:
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْمُخْتَلَفُ فِي تَخْرِيجِهِ اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسَمَ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيِّنَةِ نِصْفَيْنِ.
فَعَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ، يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيِّنَتَيْنِ إِرْثًا، وَيُفْصَلُ بِهَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يصح استعمالهما، لِيَقِينِ الْخَطَأِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَيَسْقُطَانِ عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ بِهِمَا، وَإِذَا سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَدِينُ الْمَيِّتِ مَجْهُولٌ، فَفِي التَّرِكَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ إِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا بِالتَّحَالُفِ دُونَ الْبَيِّنَةِ لِتَكَافُئِهِمَا فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خيران، إنها تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بَدْءًا، وَتُقَرُّ مَعَهُمَا أَمَانَةً يُمْنَعَانِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، حَتَّى يُبَيَّنَ مُسْتَحِقُّهَا مِنْهَا أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَيْهَا كَالْمَيِّتِ عَنْ زَوْجَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ قَدْ أَشْكَلَتْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهَا تُقَرُّ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ التَّنَازُعِ، وَالتَّحَالُفِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ، أُقِرَّتْ عَلَى حَالِهَا كَمَا كَانَتْ إِقْرَارُ يَدٍ وَأَمَانَةٍ، مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ.
وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ مِلْكًا.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهَا مُتَعَيِّنٌ بِالْمِيرَاثِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ لِلْيَدِ فِي تَمَلُّكِهَا تَأْثِيرٌ، وَقَدْ يَكُونُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ، لَا يَدَّعِي مِيرَاثَهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ مِلْكًا لَهُ.
стр. 8025
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا حُكْمُ الْمَيِّتِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مَا لَمْ يَحْكُمْ بِرِدَّتِهِ، لِأَنَّ أَمْرَهُ مُشْتَبِهٌ، فَجَرَى مَجْرَى جَمَاعَةٍ مَاتُوا، وَفِيهِمْ كَافِرٌ قَدْ أَشْكَلَ. فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَيُدْفَنُوا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِمَا اسْتَشْهَدَ بِأَنَّهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْمَوْتَى، إِذَا عُلِمَ أَنَّ فِيهِمْ كَافِرًا قَدْ أَشْكَلَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى جَمِيعِهِمْ وِفَاقٌ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُسْتَظْهَرُ لَهُ، وَلَا يُسْتَظْهَرُ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمُدَعِيَيْنِ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أبيه فمن أبطل البينة تكرهها فِي يَدَيْ صَاحِبِهَا وَمَنْ رَأَى الْإِقْرَاعَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَجْعَلَهَا بَيْنَهُمَا مَعًا وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ شَنَاعَةٌ وَأَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ أَنْ تَكُونَا صَادِقَتَيْنِ فِي مَوَاضِعَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) ﵀ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا لَوْ قَسَمْتُهُ بَيْنَهُمَا كُنْتُ لَمْ أَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ وَلَا بِبَيِّنَتِهِ وَكُنْتُ عَلَى يَقِينٍ خَطَإٍ بِنَقْصِ مَنْ هُوَ لَهُ عَنْ كَمَالِ حَقِّهِ أَوْ بِإِعْطَاء الْآخَرِ مَا لَيْسَ له (قال المزني) وقد أبطل الشافعي القرعة في امرأتين مطلقة وزوجة وأوقف الميراث حتى يصطلحا وأبطل في ابني أمته اللذين أقر أن أحدهما ابنه القرعة في النسب والميراث فلا يشبه قوله في مثل هذا القرعة وقد قطع فِي كِتَابِ الدَّعْوَى عَلَى كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ في امرأة أقامت البينة أنه أصدقها هذه وقبضتها وأقام رجل البينة أنه اشتراها منه ونقده الثمن وقبضها قال: أبطل البينتين لا يجوز إلا هذا أو القرعة (قال المزني) ﵀: هذا لفظه وقد بينا أن القرعة لا تشبه قوله في الأموال (قال المزني) ﵀: وقد قال الحكم في الثوب لا ينسج إلا مرة والثوب الخز ينسج مرتين سواء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَعَادَهَا لِغَرَضٍ زَادَهُ فِيهَا، لِأَنَّه قَالَ: " وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ "، فَإِذَا تَدَاعَى الِابْنَانِ الْمُسْلِمُ وَالنَّصْرَانِيُّ، فِي مِيرَاثِ دَارٍ عَنْ أَبِيهِمَا، وَالدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ غَيْرِ أَبِيهِمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ عَلَى دِينِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ بِإِحْدَاهِمَا لِأَحَدِهِمَا فَتُنْتَزَعُ بِهَا الدَّارُ مِنْ يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ، وَتُدْفَعُ إِلَى مُسْتَحِقِّ مِيرَاثِ الْأَبِ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِمِلْكِهَا لِلْأَبِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ بِهَا، وَيَجْعَلَ الْمِيرَاثَ يَلِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّفْصِيلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَتُنْتَزَعُ بِهَا الدَّارُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، وَتُدْفَعُ إِلَى الابنين بالإرث.
стр. 8026
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَسْقُطَ الْبَيِّنَتَانِ، وَلَا يُحْكَمُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَتَكُونُ الدَّارُ مُقَرَّةٌ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ مِلْكًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا انْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَأُزِيلَتْ عَنْ مِلْكِهِ، لِاجْتِمَاعِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى أَنَّهَا لِلْمَيِّتِ دُونَهُ قِيلَ: لِأَنَّه لَمَّا لم يكن فيهما بيان لمستحقيها مِنْ أَحَدِ الِابْنَيْنِ، سَقَطَ الْحُكْمُ بِهِمَا فِي الدَّارِ، كَمَا سَقَطَ الْحُكْمُ بِهِمَا لِأَحَدِ الِابْنَيْنِ، وَصَارَا كَشَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى دَارٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، أَنَّهَا لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَجَبَ إِقْرَارُهَا فِي يَدِهِ، وَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ مِلْكِهِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُعَيِّنْ مُسْتَحِقَّهَا، فَبَطَلَتْ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا.
(فَصْلٌ)
: وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُسْتَأْنِفَةٍ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَيَدَّعِيهَا اثْنَانِ لَيْسَا بِأَخَوَيْنِ. فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هَذِهِ الدَّارُ لِأَبِي وَرِثْتُهَا مِنْهُ، وَيُنْكِرُهُ الْآخَرُ وَيَدَّعِيهَا لِأَبِيهِ، وَرِثَهَا عَنْهُ، وَيُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَقَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَتَكَاذَبَتَا لِاسْتِحَالَةِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ الدَّارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِمَا، فَتَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أقاويل كتعارض البينتين في الأموال:
أحدها: وترجع إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَفِي وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، لِلْمُكَذَّبِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يَغْرَمْ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْيَمِينُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ غَرِمَ، وَإِنْ صَدَّقَهَا دَفَعَ الدَّارَ إِلَيْهِمَا، وَهَلْ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَإِنْ كَذَّبَهُمَا وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، حَلَفَ لَهُمَا، وَأُقِرَّتِ الدَّارُ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا يَكُونُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِمِلْكِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مُوجِبًا لِزَوَالِ مِلْكِهِ وَرَفْعِ يَدَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنِ اشْتِبَاهِ مُسْتَحِقِّهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْأَصْلِ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْحُكْمُ بِهَا لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ الْقُرْعَةِ، قَوْلَانِ وَلَا تُنْتَزَعُ الدَّارُ إِلَّا بَعْدَ الْقُرْعَةِ، لِأَنَّ بِالْقُرْعَةِ تَمْتَازُ الْبَيِّنَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ فَإِنْ جُعِلَتِ الْيَمِينُ بَعْدَ الْقُرْعَةِ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ تُنْتَزَعْ إِلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ تُجْعَلْ شَرْطًا انْتُزِعَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ الدَّارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى تَخْرِيجِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي تَخْرِيجِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّه لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا، فَجَازَ أَنْ تُقَسَّمَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ، وَلَا يَسْتَحِيلُ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ الْمُسْتَحَقِّ عَنْ شَخْصٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَمُوتَ مُسْلِمًا كَافِرًا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْمُزَنِيِّ فَإِنَّ كَلَامَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
стр. 8027
أَحَدُهَا: بَيَانُ مَا هُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ إِسْقَاطُهُمَا، وَالْعَمَلُ بِمَا يُوجِبُهُ مُجَرَّدُ الدَّعْوَى وَالْيَدِ، لِأَنَّه قَدْ أَبْطَلَ الْقِسْمَةَ بِقَوْلِهِ، إِنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا فِي الْقِسْمَةِ مَنْعٌ لِيَقِينِ الْخَطَأِ فِي إِعْطَاءِ أَحَدِهَا أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَإِعْطَاءِ الْآخَرِ مَا لَيْسَ بِحَقِّهِ وَلِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا جَوَّابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ شَنَّعَ مَعَ الْقَطْعِ بِتَكَاذُبِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَيْسَ بِشَنْعٍ فِي جَوَازِ تَصَادُقِهِمَا، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ فِي التَّكَاذُبِ وَلَا تَبْطُلُ مَعَ جَوَازِ التَّصَادُقِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: إِنَّهُ شَنَّعَ فِي الْبَاطِنِ، لِامْتِنَاعِهِ وَلَيْسَ بِشَنِعٍ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّنَا نُبْطِلُ السَّبَبَ الْمُتَضَادَّ، وَنَحْكُمُ بِالْبَيِّنَةِ فِي الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَيَتَوَلَى اللَّهُ السَّرَائِرَ ". فَمِنْ ثَمَّ أَبْطَلَ الْمُزَنِيُّ الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِيمَنْ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ مُطْلَّقَةٍ، قَدِ اشْتَبَهَتْ أَنَّهُ لَا قُرْعَةَ بَيْنَهُمَا. فَكَذَلِكَ بِأَنَّ مِثْلَهُ فِي إِبْطَالِ الْقُرْعَةِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَبْطَلَ الْقُرْعَةَ فِي الزَّوْجَتَيْنِ وَالْوَلَدَيْنِ، لِأَنَّه قَدْ رَجَعَ فِي الزَّوْجَتَيْنِ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ، وَفِي الْوَلَدَيْنِ إِلَى بَيَانِ اتِّفَاقِهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ دُخُولَ الْقُرْعَةِ فِي الزَّوْجَتَيْنِ وَالْوَلَدَيْنِ تَكُونُ فِي أَصْلِ الدَّعْوَى الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا شَرْعٌ، وَفِي الْبَيِّنَتَيْنِ فِيمَا وَرَدَ بِمِثْلِهِ الشَّرْعُ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنِ اخْتَارَ الْمُزَنِيُّ لِنَفْسِهِ اسْتِعْمَالَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَقَسْمَ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِتَكَافُئِهِمَا وَأَنْ لَا بَيَانَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهُمَا فِيمَا أَمْكَنَ مِنْ صِدْقِهِمَا، أَوْ قُطِعَ فِيهِ بِتَكَاذُبِهِمَا، وَاسْتَشْهَدَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْمُتَنَازِعَيْنِ لِثَوْبٍ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ نَسْجُهُ فِي مِلْكِهِ إِنْ سَوَّى بَيْنِ مَا لَا يُنْتَجُ إِلَّا مَرَّةً، كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ بِتَكَاذُبِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَبَيْنَ مَا يَجُوزُ أَنَّ يُنْسَجَ مَرَّتَيْنِ كَالْخَزِّ، وَالدِّيبَاجِ، الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ التَّصَادُقُ، وَلِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا جَوَّابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا حُجَّةَ أَنْ يَحْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ بِأَمَارَاتِ الْأَدِلَّةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ قَصْدَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ من سماع الداخل فيما يتكرر نتجه، وَلَا يَتَكَرَّرُ رَدًّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فِي فَرْقِهِ بَيْنَهُمَا بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ وَرَدِّهَا فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: إِنْ أَوْرَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَةً فِيمَنْ مَاتَ عَنْ دَارٍ ادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا، وَادَّعَى أَجْنَبِيٌّ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا. وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: " لَيْسَ إِلَّا إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، أَوِ الْقُرْعَةُ " وَقَدْ أَبْطَلَ الْقُرْعَةَ، فَثَبَتَ إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِسْقَاطُ الْقُرْعَةِ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقَسَمِ وَلِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا جَوَابَانِ:
стр. 8028
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُزَنِيَّ يَبْنِي هَذَا عَلَى أَصْلٍ لَمْ يُخَالَفْ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِذَا نَصَّ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا، أَنَّهُ يَكُونُ إِبْطَالًا لِلْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ إِبْطَالًا لِلْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى الْآخَرِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: إِنَّ هَذِهِ الْ مَسْأَلَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَهْلِ مَذْهَبِهِ فِي نَظَائِرِهَا، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى حُكِمَ بِالْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْمُتَأَخِّرَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الصَّدَاقِ، أَوْ بَيِّنَةُ الِابْتِيَاعِ، لِفَسَادِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَشَكَلَ كَانَتْ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي إِسْقَاطِهَا فِي أَحَدِهِمَا. وَالْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمَا فِي الثَّانِي، وَاسْتِعْمَالِهَا فِي الثَّالِثِ، وَجَعَلَ نِصْفَ الدَّارِ صَدَاقًا، ونصفهما ابْتِيَاعًا، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ دَلِيلٌ وَلَا صَحَّ له استشهاد. والله أعلم.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ أَخَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَأَقَرَّا أَنَّ أَبَاهُمَا هَلَكَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا كُنْتُ مُسْلِمًا وَكَانَ أَبِي مُسْلِمَا وَقَالَ الْآخَرُ أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي فَهِيَ لِلَّذِي اجْتَمَعَا عَلَى إِسْلَامِهِ وَالْآخَرُ مُقِرٌّ بِالْكُفْرِ مُدَّعٍ الْإِسْلَامَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ مَاتَ مُسْلِمًا، وَتَرَكَ ابْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى إِسْلَامِهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَاخْتَلَفَا فِي إِسْلَامِ الْآخَرِ فَقَالَ الْآخَرُ: أَسْلَمْتُ أَنَا قَبْلَ مَوْتِ أَبِي. فَالتَّرِكَةُ بَيْنَنَا.
وَقَالَ الْمُسْلِمُ: بَلْ أَسْلَمْتَ أَنْتَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي فَالتَّرِكَةُ دُونَكَ، وَالْبَيِّنَةُ مَعْدُومَةٌ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ إِذَا أَنْكَرَهُ أَخُوهُ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ إِسْلَامِهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ أَخِيهِ، الَّذِي أَنْكَرَ تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ، لِأَنَّه يُسْتَصْحَبُ فِيهِ اسْتِدَامَةُ أَصْلٍ مُتَحَقَّقٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْآخَرُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَخُ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ، وَيَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْقَطْعِ بِاللَّهِ، أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَخَاهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ لِأَنَّها يَمِينُ نَفْيٍ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ حَرٌّ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى حُرِّيَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَادَّعَى تَقَدُّمَ عِتْقِهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ، لِيَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي مِيرَاثِهِ، وَادَّعَى الْحُرُّ أَنَّ أَخَاهُ أُعْتِقَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ الْمِيرَاثِ، كَانَ الْقَوْلُ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ. قَوْلُ الْحُرِّ مَعَ يَمِينِهِ، بِاللَّهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَخَاهُ أُعْتِقَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ يمنيه، لِأَنَّه يَسْتَصْحِبُ أَصْلَ رِقٍّ مَعْلُومٍ، لَمْ يُدَّعَ تَقَدُّمُ هَذَا إِذَا كَانَ مَوْتُ
стр. 8029
الْأَبِ مُتَّفَقًا عَلَى مَوْتِهِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ إِسْلَامِ الِابْنِ، أَوْ عِتْقِهِ، فَأَمَّا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ إِسْلَامِ الِابْنِ، أَوْ عِتْقِهِ، وَالْخِلَافُ فِي وَقْتِ مَوْتِ الْأَبِ.
فَقَالَ الِابْنُ أَسْلَمْتُ أَنَا، أَوْ أُعْتِقْتُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَاتَ أَبِي فِي شَوَّالٍ فَنَحْنُ شَرِيكَانِ فِي مِلْكِهِ.
وَقَالَ الْآخَرُ: صَدَقْتَ أَنَّكَ أَسْلَمْتَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَكِنْ مَاتَ أَبُونَا فِي شَعْبَانَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ الَّذِي ادَّعَى حُدُوثَ مَوْتِ الْأَبِ فِي شَوَّالٍ، دُون مَنِ ادَّعَى تَقَدُّمَ مَوْتِ الْأَبِ فِي شَعْبَانَ.
وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ لِأَنَّه اسْتَصْحَبَ اسْتِدَامَةَ أَصْلٍ مَعْلُومٍ، هُوَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ حَتَّى يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْمَوْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَلْفُوفِ إِذَا ادَّعَى وَلَيُّهُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْجِنَايَةِ وَادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، جَعَلْتُمُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْجَانِي فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَسْقَطْتُمْ قَوْلَ وَلِيِّهِ، فِي اسْتِصْحَابِ أَصْلِ الْحَيَاةِ؟ قِيلَ: بَيْنَهُمَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَرْقٌ وَإِنْ سَوَّيَا بَيْنَهُمَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ تَقَابَلَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الْمَلْفُوفِ أَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: اسْتِصْحَابُ حَيَاةِ الْمَلْفُوفِ.
وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْجَانِي، فَجَازَ أَنْ يُغَلَّبَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْجَانِي، وَجَازَ أَنْ يُغَلَّبَ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي بَقَاءُ حَيَاةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَلَيْسَ فِي دَعْوَى مَوْتِ الْأَبِ، إِلَّا اسْتِصْحَابُ أَصْلٍ وَاحِدٍ هُوَ اسْتِدَامَةُ حَيَاتِهِ وَلَا يُقَابِلُهُ أَصْلٌ يُعَارِضُهُ، فَلِذَلِكَ كَانَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي اسْتِصْحَابِ الْحَيَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ قَالَتِ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ وَهِيِ مُسْلِمَةٌ زَوْجِي مُسْلِمٌ وَقَالَ وُلْدُهُ وَهُمْ كُفَّارٌ بَلْ كَافِرٌ وَقَالَ أَخُو الزَّوْجِ وَهُوَ مُسْلِمٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَالْمِيرَاثُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يُعْرَفَ إِسْلَامُهُ مِنْ كُفْرِهِ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مَيِّتٍ مَجْهُولِ الدِّينِ، تَرَكَ زَوْجَةً وَأَخًا مُسْلِمَيْنِ، وَابْنًا كَافِرًا، فَادَّعَتِ الزَّوْجَةُ، وَالْأَخُ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا فَالْمِيرَاثُ لَهُمَا، وَادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا فَالْمِيرَاثُ لَهُ.
стр. 8030
فَإِنْ عَدِمَتِ الْبَيِّنَةُ. كَانَ مِيرَاثُهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، فَيُعْمَلَ عَلَى الْبَيَانِ، أَوْ يَتَصَادَقُوا عَلَيْهِ فَيُعْمَلَ عَلَى التَّصَادُقِ، أَوْ يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ، فَيُجَازُ الصُّلْحُ فَإِنْ وُجِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ تَفَرَّدَ بِهَا أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ مُدَّعِي إِسْلَامِهِ، أَوْ كُفْرِهِ، عُمِلَ عَلَيْهَا. فَإِنْ شَهِدَتْ بِإِسْلَامِهِ، كَانَ مِيرَاثُهُ لِزَوْجَتِهِ، وَأَخِيهِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِكُفْرِهِ كَانَ مِيرَاثُهُ لِابْنِهِ الْكَافِرِ، وَإِنْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَانِ. شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِكُفْرِهِ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى، بِإِسْلَامِهِ، كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنِ اعْتِبَارِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تتقيد الشهادتان على مضادة تتكاذبان فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَتَقَيَّدَ عَلَى تَصَادُقٍ لَا تَكَاذُبَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا مُطْلَقَيْنِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَتَا مُقَيَّدَتَيْنِ عَلَى مُضَادَّةٍ يَكُونَانِ فِيهَا مُتَكَاذِبَيْنِ، بِأَنْ تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مَاتَ عَلَى كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَتَشْهَدُ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ وثالث مختلف فيه:
أحدهما: إِسْقَاطُهُمَا وَيَكُونُ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا عَلَى بَيَانٍ، أَوْ إِصْلَاحٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا، وَالْحُكْمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
وَالثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: اسْتِعْمَالُهُمَا. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ بَنَاهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُ هَذَا الْقَوْلِ هَاهُنَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ جَازَ تَخْرِيجُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الِابْنَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ شَرِيكَانِ وَالْأَخُ وَالِابْنُ هَاهُنَا مُتَدَافِعَانِ، فِصْحَّ الِاشْتِرَاكُ هُنَاكَ وَبَطَلَ هَاهُنَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَتَقَيَّدَ الشَّهَادَتَانِ، بِغَيْرِ مُضَادَّةٍ يَتَكَاذَبَانِ فِيهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فِي رَجَبٍ، وَتَشْهَدُ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فِي شَعْبَانَ، فَيُحْكَمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى إِسْلَامِهِ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ كُفْرِهِ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِزَوْجَتِهِ، وَأَخِيهِ الْمُسْلِمَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فِي رَجَبٍ، وَتَشْهَدُ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فِي شَعْبَانَ، فَيُحْكَمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى كُفْرِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَيَحْكُمُ بِرِدَّتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ بِأَنْ تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَتَشْهَدَ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِوَقْتِ إِسْلَامِهِ، وَوَقْتِ كُفْرِهِ، فقد
стр. 8031
تَعَارَضَتَا. وَيَكُونُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّه لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذا لَيْسَ لَهُ فِي أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ أَصْلٌ يَتَرَجَّحُ بِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا هَلَكَ مَجْهُولُ الدِّينِ، وَتَرَكَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَادَّعَى أَبَوَاهُ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، وَادَّعَى الِابْنَانِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مَعَ أَيْمَانِهِمَا لِأَنَّ كُفْرَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَعْلُومٌ بِكُفْرِهِمَا، فَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَى الِابْنَيْنِ فِي حُدُوثِ إِسْلَامِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ كُفْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ مِيرَاثُهُ مَوْقُوفًا لِتَسَاوِي الْحَالَيْنِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي إِسْلَامِهِ، وَكُفْرِهِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ بُلُوغِهِ هُوَ فِيهِ تَبَعٌ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بعد بلوغه، ولو كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ، وَابْنَاهُ كَافِرَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لِلْأَبَوَيْنِ كُفْرٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِ وَلَدَيْهِمَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَا أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ مِنِ ابْنَيْهِ، وَإِنْ عُلِمَ كَفْرُ الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُولَدَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمَا فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْكَفْرِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُولَدَ بَعْدَ إِسْلَامِهِمَا فَيَكُونُ مُسْلِمًا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ زَمَانِ وِلَادَتِهِ، فَيَدَّعِي وَالِدَاهُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ إِسْلَامِهِمَا، وَيَدَّعِي ابْنَاهُ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمَا، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ أَيْمَانِهِمَا فِي إِسْلَامِهِ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ وِلَادَتِهِمْ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهَا.
وَإِنْ كَانَ النِّزَاعُ فِي إِسْلَامِ الْأَبَوَيْنِ، فَيَدَّعِي أَبَوَاهُ أَنَّهُمَا أَسْلَمَا قَبْلَ وِلَادَتِهِ، وَيَدَّعِي ابْنَاهُ أَنَّهُمَا أَسْلَمَا بَعْدَ وِلَادَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنَيْنِ فِي إِسْلَامِ الْأَبَوَيْنِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مَعَ أَيْمَانِهِمَا لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ إِسْلَامِهِمَا وَفِي شَكٍّ مِنْ تُقَدِّمُهُ.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ هَلَكَ وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ مِيرَاثًا لَهُ وَلِأَخِيهِ أَخْرَجْتُهَا مِنْ يَدَيْ مَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ وَأَعْطَيْتُهُ مِنْهَا نَصِيبَهُ وَأَخْرَجْتُ نَصِيبَ الْغَائِبِ وَأُكْرِي لَهُ حَتَى يَحْضُرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لِأَبِيهِ مَاتَ عَنْهَا وَوَرِثَهَا هُوَ وَأَخُوهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً كَامِلَةً، وَكَمَالُهَا أَنْ يُشْهَدَ لَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحُدُهَا: أَنْ يُشْهَدَ بِالدَّارِ لِأَبِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُشْهَدَ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ وَرِثَهُ هو وأخوه.
стр. 8032
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا عَلَى مَا سَنَصِفُ فَتَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ إِذَا شَهِدَتْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَبِكَمَالِهَا يُوجِبُ انْتِزَاعَ الدَّارِ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الْحَاضِرِ حَقُّهُ مِنْهُمَا وهو النصف حِصَّةُ الْغَائِبِ، وَهِيَ النِّصْفُ عَلَى قُدُومِهِ، وَاعْتِرَافِهِ وَتُؤَخَّرُ حِصَّتُهُ حِفْظًا لِمَنَافِعِهَا عَلَيْهِ، وَلَا تُقَرُّ حِصَّةُ الْغَائِبِ فِي يَدَيْ مَنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقَرُّ حِصَّتُهُ فِي يَدَيْ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَلَا تُنْتَزَعُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ بِمِلْكٍ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الدَّعْوَى. وَالدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ، أَوْ وَكِيلٍ فِيهِ، وَلَمْ يَدَّعِ حِصَّةَ الْغَائِبِ مَالِكٌ وَلَا وَكِيلٌ فَلَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ لَهُ، وَلَيْسَ كَوْنُ الْحَاضِرِ شَرِيكًا لَهُ فِي الْمِيرَاثِ بِمُوجِبٍ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِمَا، كَالشَّرِيكَيْنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، إِذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ بِدَارٍ فِي شَرِكَتِهَا انْتَزَعَ بِهَا حَقَّ الْحَاضِرِ، وَأَقَرَّ حَقَّ الْغَائِبِ فِي يَدَيْ مَنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي شَرِكَةِ الْمِيرَاثِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى هِيَ لِلْمَيِّتِ، سُمِعَتْ من وراثه، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيهِ دِينٌ قَضَى مِنْهَا فوجب انتزاعهما فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَإِعْطَاءُ الْحَاضِرِ حِصَّتَهُ مِنْهَا، وَوَقْفُ الْبَاقِي عَلَى الْغَائِبِ، وَخَالَفَ الشَّرِيكَيْنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الشَّرِيكَ مَالِكٌ بِنَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِّهِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ، وَالِابْنُ مُدَّعٍ لَهَا عَنْ أَبِيهِ الَّذِي لَا تَصِحُّ مِنْهُ الدَّعْوَى، إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِهَا جَمِيعَ حَقِّهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ، مُرْتَبِطٌ بِحَقِّ الْآخَرِ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ، دُونَ صَاحِبِهِ، لِذَلِكَ كَانَ مَا تَلَفَ مِنَ الشَّرِكَةِ تَالِفًا مِنْهَا، وَمَا بَقِيَ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا، وَحَقُّ الشَّرِيكَيْنِ كَالْمُتَمَيِّزِ مَعَ الْخُلْطَةِ، يَجُوزُ أَنْ يَتْلَفَ لِأَحَدِهِمَا مَا يَسَلَمُ لِلْآخَرِ، فَافْتَرَقَ بِهَذَيْنِ حُكْمُ الْأَخَوَيْنِ، وَحُكْمُ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَدِمَ الْآخَرُ الْغَائِبُ ذَكَرَ لَهُ الْحَاكِمُ، مَا حَكَمَ لَهُ بِمِيرَاثِهِ مِنْ نِصْفِ الدَّارِ، فَإِنِ ادَّعَاهَا سَلَّمَ إِلَيْهِ نِصْفَهَا وَإِنْ أَنْكَرَهَا وَقَالَ: لَا حَقَّ لِي فِيهَا، رَدَّ النِّصْفَ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ إِنْكَارُهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ، لِأَنَّه قَدْ مَلَكَ بَيِّنَةً عَادِلَةً.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا إِذَا مَا ادَّعَاهُ الِابْنُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ سُلِّمَ إِلَيْهِ حَقُّهُ مِنْهُ، وَهُوَ النِّصْفُ، وَفِي قَبْضِ حِصَّةِ الْغَائِبِ مِنَ الْغَرِيمِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْبَضُ وَيُوضَعُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ كَمَا تُقْبَضُ الْأَعْيَانُ مِنَ الدَّارِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ثياب وحيوان.
стр. 8033
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَضُ الدَّيْنُ، وَإِنْ وَجَبَ قَبْضُ الْأَعْيَانِ وَيُسْتَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، لِأَنَّ قَبْضَهُ لِلْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ بِالْأَحْوَطِ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ فِي ذِمَّةٍ مَضْمُونَةٍ أَوْلَى مِنْ قَبْضِهِ بِتَرْكِهِ أَمَانَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِ ملي، فيقبض وجها واحدا.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَدُهُمْ وَقَفَ مَالَهُ وَتَلوَّمَ به ويسأل عن البلدان التي وطئها هَلْ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ؟ فَإِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ الَّتِي لَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ لَعَرَفَهُ وَادَّعَى الِابْنُ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَعْطَاهُ الْمَالَ بِالضَّمِينِ وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَارِثَا غَيْرَهُ فَإِذَا جَاءَ وَارِثٌ غَيْرُهُ أَخَذَ الضُّمَنَاءُ بِحَقِّهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ إِذَا أَقَامَهَا الِابْنُ الْحَاضِرُ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ. فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ النَّاقِصَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَشْهَدَ بِالدَّارِ لِلْمَيِّتِ، وَلَا تَشْهَدَ لِلْحَاضِرِ بِالْبُنُوَّةِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ حَقٌّ لِلْحَاضِرِ، وَلَا لِلْغَائِبِ، وَتَكُونُ الدَّارُ مُقَرَّةً فِي يَدِي مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، لِأَنَّ دَعْوَاهَا لَمْ تُسْمَعْ مِنْ مُسْتَحِقٍّ لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِبَيِّنَتِهِ تَأْثِيرٌ، حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِهِ.
فَإِذَا أَقَامَهَا وَثَبَتَ نَسَبُهُ بِهَا، اسْتَغْنَى عَنْ إِعَادَةِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَا قَبْلَ ثُبُوتِ النَّسَبِ، لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنَ الدَّعْوَى قَدْ تَضَمَّنَتِ الدَّارَ وَالنَّسَبَ عَلَى وَجْهٍ صَحَّ بِهِ سَمَاعُهَا وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ الْأَوْلَى بِالدَّارِ وَالنَّسَبِ، حُكِمَ لَهُ بِهَا كَذَلِكَ، إِذَا شَهِدَتِ الْأَوْلَى بِالدَّارِ، وَشَهِدَتِ الثَّانِيَةُ بِالنَّسَبِ حُكِمَ بِهِمَا.
وَلَوِ اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، وَأَعَادَ الْبَيِّنَةَ كَانَ أَوْلَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِالدَّارِ لِلْمَيِّتِ، وَتَشْهَدَ لِلْحَاضِرِ بِالْبُنُوَّةِ، وَلَا تَشْهَدَ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَقَدْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا وَكَانَ مَالِكًا لِنَصِيبٍ مَجْهُولٍ مِنَ الدَّارِ، لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ. وَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِقَامَتِهَا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، بِأَنْ لَا وَارِثَ غَيْرُهُ نَظَرَ فِي الْبَيِّنَةِ. فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِالْمَيِّتِ، عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحُدُوثِهِ فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ سُمِعَتْ، وَحُكِمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ، وَلَمْ يُطَالَبْ بِضَمِينٍ، لِأَنَّه قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً إِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهَا، أعلمت.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ، بِأَنْ لَا وَارِثَ
стр. 8034
غَيْرُهُ، لِأَنَّه قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ وَلَدٌ، لَا يَعْلَمُونَ بِهِ فَلَمْ يَصِلُوا بِمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا قَدْ يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ.
وَإِذَا لَمْ يُقِمْهَا مُنِعَ مِنْ حَقِّهِ فِي الدَّارِ لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِهِ، وَلَزِمَ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ حَالِ الْمَيِّتِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي وَطِئَهَا، وَيُكَاتِبُ حُكَّامَهَا بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ حَالِهِ، هَلْ خَلَّفَ فِيهَا وَلَدًا أَوْ وَارِثًا وَيُلْزَمُ به [فإنه] لَا يَخْفَى حَالُ وَارِثٍ لَهُ فِي مِثْلِهِ. فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ جَازَ أَنْ يَسْمَعَهَا الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَعَلَى غَيْرِ خَصْمٍ، لِأَنَّها بَيِّنَةٌ عَلَى مَا قَدْ لَزِمَ مِنَ الْكَشْفِ فَكَانَتْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِتَقْيِيدِ مَا قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَالْبَيِّنَةُ تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، لِأَنَّها بَيِّنَةٌ عَلَى نَفْيٍ فَحُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْقَطْعِ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ قُبِلُوا وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعِلْمِ، دُونَ الْقَطْعِ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَمِينٍ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْحَاكِمِ بَيِّنَةٌ، وَبَلَغَ زَمَانَ الْإِيَاسِ مِنَ الظَّفَرِ بِهَا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَا لَمْ يَظْهَرَ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ، إِنْ لَمْ يُقِرَّ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ لَهُ غَائِبٍ أَعْطَاهُ نِصْفَ الدَّارِ وَالتَّرِكَةِ، وَكَانَ نِصْفُهَا مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ.
فَأَمَّا مُطَالَبَةُ الْحَاضِرِ بِإِقَامَةِ ضَمِينٍ فيها، ودفع إِلَيْهِ احْتِيَاطًا؛ لِظُهُورِ شَرِيكٍ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ حَقٌّ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الضَّمِينِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنْ خَرَّجُوا اخْتِلَافَ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ لِيَكُونَ نُفُوذُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَحْوَطِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ فَلَا تَجِبُ لِأَنَّها وَثِيقَةٌ لِغَيْرِ مُطَالِبٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ كَانَ هَذَا الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ كَالِابْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُسْقَطُ بِغَيْرِهِ كَالْأَخِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ أَمِينًا لَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتُمْ تُقَسِّمُونَ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ إِشَاعَةِ أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمِينٍ مَعَ جَوَازِ ظُهُورِ غَرِيمٍ.
стр. 8035
قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ مُتَحَقِّقَةٌ وَحَقُّ هَذَا الْوَارِثِ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ، فَإِذَا دَفَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ إِلَيْهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَتَبَ قِصَّتَهُ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْكَشْفِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ قَاطِعٍ بِأَمْرِ الِاسْتِحْقَاقِ لِيَكُونَ إِنْ ظَهَرَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ بِنُفُوذِ الْحُكْمِ عليه بإبطال حقه منه، ليمكن من المطالبة وإقامة البينة.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الِابْنِ أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ وَلَا يَعْلَمُونَهُ فَارَقَهَا أَعْطَيْتُهَا رُبُعَ الثُّمُنِ لِأَنَّ مِيرَاثَهَا مَحْدُودٌ لِلْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِ الثُّمُنُ وَرُبُعُ الثُّمُنِ وَمِيرَاثُ الِابْنِ غَيْرُ مَحْدُودٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مُدَّعِي الْمِيرَاثِ، إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِسَبَبِ مِيرَاثِهِ، وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُسْقَطُ بِحَالٍ كَالِابْنِ، فَيُوقَفُ أَمْرُهُ فِي الْحَالِ عَلَى الْكَشْفِ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْءٌ، لِأَنَّه لَيْسَ لَهُ قَدْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ بَعْدَ كَشْفِ الْحَاكِمِ وَارِثٌ غَيْرُهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَالِ الضَّمِينِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَرِثَ فِي حَالٍ كَالْأَخِ، فَيُوقَفُ أَمْرُهُ عَلَى الْكَشْفِ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ طُولِ الْكَشْفِ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَلَمْ يُقِمُ الْبَيِّنَةَ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ. فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الِابْنِ فِي دَفْعِ الْمِيرَاثِ إِلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ: إِنَّهُ يدفع إليه كالابن، لأن لَمْ يُعْلَمْ وَارِثٌ غَيْرُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَبَدِ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الِابْنِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِابْنَ وَارِثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا بِيَقِينٍ، وَالْأَخُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، هَلْ هُوَ وَارِثٌ، أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِثَ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهَكَذَا حُكْمُ ابْنِ الِابْنِ لِجَوَازِ سُقُوطِهِ بِالِابْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، وَلَهُ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ كَالْأَبَوَيْنِ، وَالزَّوْجَيْنِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلُّ فَرْضِهِ، لِأَنَّه يَسْتَحِقُّهُ بِيَقِينٍ وَيُوقَفُ أَكْثَرُهُ عَلَى الْكَشْفِ، فَإِنْ كَانَ أَبًا دُفِعَ إِلَيْهِ السُّدُسَ مَعُولًا.
وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا فَكَذَلِكَ يُدْفَعُ السُّدُسُ مَعُولًا. وَإِنْ كَانَ زَوْجًا، دُفِعَ إِلَيْهِ الرُّبْعُ مَعُولًا، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً دُفِعَ إِلَيْهَا رُبْعُ الثُّمُنِ مَعُولًا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ
стр. 8036
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَعْدَ طُولِ الْكَشْفِ مَنْ يَحْجُبُ هَؤُلَاءِ عَنْ أَعْلَى الْفَرْضَيْنِ صَارَ كَالِابْنِ يُدْفَعُ إِلَيْهِ بَاقِي فَرْضِهِ الْأَعْلَى بِضَمِينٍ عَلَى ما ذكرناه من الوجوه.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا مَاتَتْ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ مِنْهَا فَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا ثَمَّ مَاتَتْ فَلِي مِيرَاثِي مَعَ زَوْجِهَا وَقَالَ زَوْجُهَا بَلْ مَاتَتْ فَأُحْرِزُ أَنَا وَابْنِي الْمَالَ ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَالْمَالُ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ لأنَهُ وَارِثٌ لِأُخْتِهِ وَعَلَى الَذِي يَدَّعِي أَنَّهُ مَحْجُوبٌ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْأَخِ فِيمَا يَدَّعِي أَنَّ أُخْتَهُ وَرِثَتِ ابْنَهَا الْبَيِّنَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَابْنٍ، وَأَخٍ، مَاتَتْ وَابْنُهَا، وَاخْتَلَفَ زَوْجُهَا، وَأَخُوهَا فَقَالَ الْأَخُ: مَاتَ ابْنُهَا قَبْلَهَا فَكَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ، فَكَانَ مِيرَاثُهَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَكَ مِيرَاثُ زَوْجٍ هُوَ النِّصْفُ، وَلِي مَعَكَ مِيرَاثُ أَخٍ، هُوَ النِّصْفُ وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ مَاتَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ ابْنِهَا، فَوَرِثْتُهَا مَعَ ابْنِهَا دُونَكَ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثْتُهُ دُونَكَ.
فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، كَانَ تنازعهما في تقدم الموت، وتأخره معتبرا بالغرقى، والهدمى، فَيُقْطَعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمَيِّتِينَ، وَيَجْعَلُ تَرِكَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْحَيِّ مِنْ وَرَثَتِهِ فَيُجْعَلُ تَرِكَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، كَأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ، وَيُجْعَلُ تَرِكَةُ الْأُمِّ بَيْنَ زَوْجِهَا، وَأَخِيهَا، كَأَنَّهُ لَا ابْنَ لَهَا، فَيُعْطَى زَوْجُهَا النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِلْأَخِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالزَّوْجُ يَدَّعِي مِنْ تَرِكَتِهَا مَعَ الِابْنِ الرُّبُعَ، فَلِمَ أُعْطِيَ النِّصْفَ وَهُوَ لَا يَدَّعِيهِ؟ قِيلَ: هُوَ وَإِنِ ادَّعَى الرُّبُعَ بِمِيرَاثِهِ عَنْهَا، فَقَدِ ادَّعَى بَاقِيهِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبَيْنِ، فَصَارَ بِإِعْطَاءِ النِّصْفِ مَدْفُوعًا عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ، فَصَارَ مُعْطي بَعْضَ مَا ادَّعَى وَلَمْ يُعْطَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَرِثَ هَذِهِ الْأَمَةَ مِنْ أَبِيهِ وَأَقَامَتِ امْرَأَةٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا يَبِيعُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ شُهُودُ الْمِيرَاثِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي أَمَةٍ تَنَازَعَهَا ابْنٌ مَيِّتٌ، وَزَوْجَتُهُ، فَقَالَ الِابْنُ: هَذِهِ الْأَمَةُ لِي وَرِثْتُهَا مَعَكِ عَنْ أَبِي، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: هَذِهِ الْأَمَةُ لِي مَلَكْتُهَا عَنْ أَبِيكَ بِصَدَاقِي.
فَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّها عَلَى أَصْلِ مِلْكِ الْأَبِ، وَمَوْرُوثِهِ عَنْهُ، وَدَعْوَى الزَّوْجَةِ لَهَا صَدَاقًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَتْهَا ابْتِيَاعًا.
стр. 8037
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الِابْنِ أَنَّ أَبَاهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ جَعَلَهَا لَهَا صَدَاقًا، حُكِمَ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الِابْنِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا أَعْلَمَتْ زِيَادَةً لَمْ تُعْلِمْهَا بَيِّنَةُ الِابْنِ فَكَانَ الْحُكْمُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى، كَمَا لَوِ ادَّعَتْ بِالِابْتِيَاعِ كَانَتْ بَيِّنَةُ الِابْتِيَاعِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْوَرَثَةِ.
وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ كَانَ حَيًّا فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فِي أَمَةٍ يَمْلِكُهَا أَنَّهُ بَاعَهَا، أَوْ أَصْدَقَهَا قُضِيَ بِهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهَا. والله أعلم.
стр. 8038
(باب الدعوى في وقت قبل وقت)
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ مُنْذُ سِنِينَ وَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ مِنْذُ سَنَةٍ فَهُوَ لِلَذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ وَلَمْ أنظر على قَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمِلْكَ لِلْأَقْدَمِ أَوْلَى كَمَا جَعَلَ ملك النتاج أولى وقد يمكن أن يكون صاحب النتاج قد أخرجه من ملكه كما أمكن أن يكون صاحب الملك الأقدم أخرجه من ملكه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا مَنْقُولَةً، كَعَبْدٍ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ غَيْرِ مَنْقُولَةٍ كدار أو عقار.
وأقام الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ. وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، أَوْ أَطْلَقَ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي مُدَّةٍ هِيَ أَقْصَرُ. فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمِلْكِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي يد غَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي يَدَيْ غَيْرِهِمَا وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ مُنْذُ سَنَةٍ، وَالْآخَرُ بَيِّنَةٌ لِحَدِيثِ الْمِلْكِ مُنْذُ شَهْرٍ، فَفِيهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لَا يَتَرَجَّحُ مَنْ شَهِدَتْ بِقَدِيمٍ عَلَى الْأُخْرَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا تَنَازَعَا مِلْكَهَا فِي الْحَالِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ بَيِّنَةُ مَا شَهِدَتْ بِمَا قَبِلَهَا، لِأَنَّه غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّهَادَةَ بِحَدِيثِ الْمِلْكِ، لَمْ تُنْفَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ وَإِنْ أَثْبَتَتْهُ الْأُخْرَى فَصَارَتَا مُتَكَافِئَتَيْنِ.
стр. 8039
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيِّ، إِنَّ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ أَرْجَحُ، وَالْحَكَمُ بِهَا أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا قَدْ تَعَارَضَتَا فِي أَقَلِّ الْمُدَّتَيْنِ، وَأَثْبَتَتِ الْمُتَقَدِّمَةُ مِلْكًا لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ فَوَجَبَ وَقَفُ الْمُتَعَارِضِ، وَأَمْضَى مَا لَيْسَ فِيهِ تَعَارُضٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّ ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ يَمْنَعُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَّا عَنْهُ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الشَّهَادَةُ، فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ بِتَسَاوِيهِمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، صَارَتَا مُتَعَارِضَتَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهَا وَالرُّجُوعُ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا، وَالْحُكْمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُهَا، وَقَسْمُ الشَّيْءِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِيءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمَكَانِ الِاشْتِرَاكِ.
فَإِنْ قِيلَ بِتَرْجِيحِ الْبَيِّنَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى الْبَيِّنَةِ بِحَدِيثِهِ، وَجُعِلَ الْحُكْمِ فِيهَا أَوْلَى، ثَبَتَ لِصَاحِبِهَا الْمِلْكُ مِنَ الْمُدَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَحُكِمَ لَهُ بِمَا حَدَثَ عَنِ الْمِلْكِ مِنْ نِتَاجٍ، وَنَمَاءٍ وَغَلَّةٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِلَى وَقْتِهِ، ثُمَّ يُبْنَى عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَا جَعَلَهُ الْمُزَنِيُّ أَصْلًا. وَهُوَ إِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً، فَيُقِيمُ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ نِتْجُهَا فِي مِلْكِهِ وَيُقِيمُ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ وَلَا يَقُولُونَ نَتَجَهَا فِي مِلْكِهِ.
حَكَى الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَهَا لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ نَتَجُهَا فِي مِلْكِهِ، وَجَعَلَهُ شَاهِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ دُونَ حَدِيثِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي النِّتَاجِ: هَلْ يَتَرَجَّحُ بِالْبَيِّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، أَوْ يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ؟ وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ خَيْرَانَ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي التَّعَارُضِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ يَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَبِالنِّتَاجِ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْخَالِيَةِ مِنْهُمَا.
وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنِّتَاجِ لَيْسَتْ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الْمُزَنِيِّ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى صِحَّةِ نَقْلِهِ، وَأَنَّ بَيِّنَةَ النِّتَاجِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنِ النِّتَاجُ مَسْطُورًا، فَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ سَمَاعًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ النِّتَاجِ وَقَدِيمِ الْمِلْكِ فِي الْقُوَّةِ، بِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنِّتَاجِ عَلَى مِلْكِهِ تَنْفِي أَنْ يَتَقَدَّمَ
стр. 8040
عَلَيْهِمَا مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَصَارَ النِّتَاجُ بِهَذَا الْفَرْقِ أَقْوَى مِنْ قَدِيمِ الْمِلْكِ، فَلِذَلِكَ رُجِّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالنِّتَاجِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَانَ تَرْجِيحُهَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَهَكَذَا لَوْ تَنَازَعَا ثَوْبًا، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا، الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ نَسَجَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَقُولُوا نَسَجَهُ فِي مِلْكِهِ. كَانَ كَالْبَيِّنَةِ بِالنِّتَاجِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الشَّرْحِ.
فَأَمَّا إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ الْمِلْكِ مِنْ الِابْتِيَاعِ، أَوْ مِيرَاثٍ وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى بِالْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ بِذِكْرِ السَّبَبِ كَالتَّرْجِيحِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ النَّسْجَ مُلْحَقٌ بِالنِّتَاجِ وَذِكْرَ السَّبَبِ مُلْحَقٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ. لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّه قَدْ تَرَجَّحَ بِالْيَدِ، وَبِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وإن كَانَتِ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ الْخَارِجِ، دُونَ صَاحِبِ الْيَدِ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ وَتَرَجَّحُ الْآخَرُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا أَنَّهَا تَكُونُ لِصَاحِبِ الْيَدِ تَرْجِيحًا بِيَدِهِ عَلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ، وَتَابَعَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وبه قال أبو حنيفة، فإن حَكَمَ بِبَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّه يَمْنَعُ مِنْ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، إِذَا لَمْ تُفِدْ إِلَّا مَا أَفَادَتِ الْيَدُ.
فَأَمَّا إِذَا أَفَادَتْ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ الْيَدُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، تَكُونُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمِرْوَزِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَحْكُمُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ إِذَا رَجَحَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَالثَّانِي يَحْكُمُ لِصَاحِبِ الْيَدِ إِذَا لَمْ تَتَرَجَّحْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَاحْتَجَّ فِي تَرْجِيحِ قَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ، بِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ بِالْأَمْسِ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِ الدَّارِ فِي الْيَوْمِ اسْتِدَامَةً لِمِلْكِهِ، وَلَوْ شَهِدَتْ لَهُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْيَدِ فِي الْيَوْمِ، وَلَمْ يُوجِبِ اسْتِدَامَةَ يَدِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُزَادُ لِإِثْبَاتِ الْيَدِ، فَإِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْيَدِ، وَافَقَتْ مُوجِبَهَا، وَخَالَفَتْ مُوجَبَ الْأَصْلِ، فَكَذَلِكَ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ.
следующие страницы →