← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ، إِذَا أَجَابُوا إِلَى يَمِينٍ يُسْتَحَقُّ بِهَا مَالٌ نَكَلَ عَنْهَا الْمُفْلِسُ: أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا قِيلَ إِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ حَقًا لِنَفْسِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا [لَا] تُرَدُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيمَا يَحْلِفَانِ عَلَيْهِ، إِلَّا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ خَصْمِهِمَا لَهُ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ الثَّوْبُ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِلْبَائِعِينَ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنْ حُكِمَ بِهِ لَهُمَا، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ مُدَّعِيًا عَلَى مُبَايِعِهِ ابْتِيَاعَ جَمِيعِهِ، وَدَفْعَ ثَمَنِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ مُبَايِعُهُ عَلَى دَعْوَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، وَبَطَلَ فِي نِصْفِهِ الَّذِي صَارَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَمُشْتَرِيهِ بِالْخِيَارِ فِي إِمْضَائِهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَاسْتِرْجَاعِ نِصْفِهِ الْبَاقِي، أَوْ فَسْخِهِ فِي جَمِيعِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ وَإِنْ أَكْذَبَهُ مُبَايِعُهُ فِي ابْتِيَاعِهِ، حَلَفَ لَهُ، وَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا بَعْدَ يَمِينِهِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بِثَمَنِهِ الَّذِي شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ بِبَيْعِهِ وَدَفْعِ ثَمَنِهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَتْ بِهِ هَلْ يُوجِبُ رَدُّهَا فِي بَاقِيهِ؟ أَحَدُهُمَا: لَا يُرَدُّ وَيُحْكَمُ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِرَدِّ الثَّمَنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُرَدُّ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ فِي إِنْكَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالثَّوْبِ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَطَلَ بَيْعُ مَنْ لَمْ يُحْكَمْ له، وهل يرد الثمن بالبينة إن أنكر أم لا؟ على قولين وَتَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى عَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِالثَّوْبِ لِمُشْتَرِيهِ مِنْهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ وَلَا خِيَارَ لِمُشْتَرِيهِ وَإِنْ أَنْكَرَهُ حَلَفَ، وَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا. وَهَلْ يُلْزِمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ؟ فَهَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُوجَبُ سُقُوطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ، وَيُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ. فَأَيَّتُهُمَا قَرَعَتْ، حُكِمَ بِهَا لِمَنْ شَهِدْتُ لَهُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَبَيْعِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ الْقُرْعَةِ قَوْلَانِ وَرُدَّتِ الْبَيِّنَةُ الْمَقْرُوعَةُ فِي مِلْكِ الْآخَرِ، وَبَيْعِهِ، وَلَمْ تَرِدْ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ مِنْ دَفَعَ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَدُّهَا إِسْقَاطًا وَإِنَّمَا كَانَ تَرْجِيحًا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ بِقَسْمِ الثَّوْبِ بِهِمَا بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي نِصْفِهِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ بَاقِيهِ، أَوْ فَسْخِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ وَإِنَّمَا أُمْضِيَتْ فِي النِّصِفِ، لِازْدِحَامِ الْحَقَّيْنِ كَالْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ.

стр. 8052

(فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَا ثَوْبًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْهُ ذِرَاعٌ، وَفِي يَدِ الْآخَرِ مِنْهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ كَانَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ، وَلَا يَتَرَجَّحُ مَنْ بِيَدِهِ أَكْثَرُهُ، عَلَى مَنْ بِيَدِهِ أَقَلُّهُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ لَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ أَكْثَرُهُ، أَوْ أَقَلُّهُ. وَلَوْ تَنَازَعَا دَارًا، وَأَحَدَهُمَا فِي صَحْنِهَا وَالْآخَرُ فِي دِهْلِيزِهَا، كَانَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَالِسُ فِي الصَّحْنِ أَحَقُّ بِالْيَدِ مِنَ الْجَالِسِ فِي الدِّهْلِيزِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَوْ تَفَرَّدَ بِالْجُلُوسِ فِي الدِّهْلِيزِ كَانَتْ يده عليها، كما لوكان فِي صَحْنِهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى سَطْحِهَا، وَالْآخَرُ فِي سُفْلِهَا كَانَا عِنْدَنَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّطْحِ سُتْرَةٌ حَاجِزَةٌ أَوْ لَا تَكُونَ، أَوْ عَلَى السَّطْحِ مُمَرَّقٌ حَاجِزٌ مِنَ السُّفْلِ أَوْ لَا يَكُونُ. وَلَوْ تَنَازَعَا مَتَاعًا فِي ظَرْفٍ، وَيَدُ أَحَدِهِمَا عَلَى الظَّرْفِ، وَيَدُ الْآخَرِ عَلَى الْمَتَاعِ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْيَدِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا تَكُونُ الْيَدُ عَلَى الظَّرْفِ مُشَارِكَةٌ لِلْيَدِ عَلَى الْمَتَاعِ، وَلَا الْيَدُ الَّتِي عَلَى الْمَتَاعِ مُشَارِكَةٌ لِلْيَدِ عَلَى الظَّرْفِ، لانفصال أحدهما عن الآخر، لجواز أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ لِوَاحِدٍ وَالظَّرْفُ لِآخَرَ. وَلَوْ تَنَازَعَا عَبْدًا، وَيَدُ أَحَدِهِمَا عَلَى ثَوْبِهِ، وَيَدُ الْآخَرِ عَلَى ثَوْبِهِ كَانَتِ الْيَدُ عَلَى الْعَبْدِ يدا على الثوب والعبد، لأنه يَدَ الْعَبْدِ عَلَى الثَّوْبِ أَقْوَى، فَصَارَتِ الْيَدُ عَلَى الْعَبْدِ أَقْوَى، وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْيَدِ عَلَى الثَّوْبِ يَدٌ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى الثَّوْبِ، لِأَنَّ لِلْعَبْدِ عَلَى الثَّوْبِ يَدًا وَتَصَرُّفًا، وَلِمُمْسِكِ الثَّوْبِ يَدٌ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخِرُ قَائِدُهَا، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَكُونُ لِرَاكِبِهَا دُونَ قَائِدِهَا، لِأَنَّهُ مَعَ الْيَدِ الْمُشْتَرِكَةِ مُخْتَصٌّ بِالتَّصَرُّفِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْيَدِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ قَوْدَهَا تَصَرُّفٌ كَالرُّكُوبِ فَاسْتَوَيَا. وَلَوْ تَنَازَعَا سَفِينَةً أَحَدُهُمَا مُمْسِكٌ بِرِبَاطِهَا، وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِخَشَبِهَا، كَانَتِ الْيَدُ لِمُمْسِكِ الْخَشَبِ، دُونَ مُمْسِكِ الرِّبَاطِ، لِأَنَّ الْخَشَبَ مِنَ السَّفِينَةِ وَالرِّبَاطَ لَيْسَ مِنْهَا. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبَهَا، وَالْآخَرُ مُمْسِكُهَا، كَانَتِ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ، دُونَ الْمُمْسِكِ لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ تَصَرُّفًا لَيْسَ لِلْمُمْسِكِ. وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي إِصْطَبْلِ أَحَدِهِمَا، وَأَكْذَبَهُمَا عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ دَوَابٌّ لغير مالكه، واستويا فِي الْيَدِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْإِصْطَبْلِ قَدْ صَارَ مُشْتَرَكًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِصْطَبْلِ دَوَابٌّ غَيْرُ دَوَابِّ صَاحِبِهِ، كَانَتِ الْيَدُ لِصَاحِبِ الْإِصْطَبْلِ خَاصَّةً لِتَفَرُّدِهِ بِالتَّصَرُّفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مسألة) : قال الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَلَوْ كَانَ الثَوْبُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ

стр. 8053

مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ثَوْبُهُ بَاعَهُ مِنَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنَهُ يَقْضِي بِهِ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ وَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما عليه بنصف الثمن (قال المزني) ﵀: ينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بجميع الثمن لأنه قد يشتريه من أحدهما ويقبضه ثم يملكه الآخر ويشتريه منه ويقبضه فيكون عليه ثمنان وقد قال أيضا لو شهد شهود كل واحد على إقرار المشتري أنه اشتراه أو أقر بالشراء قضى عليه بالثمنين (قال المزني) سواء إذا شهدوا أنه اشترى أو أقر بالشراء ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا مُشْتَرٍ وَبَائِعَانِ وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ ثَوْبٌ تَنَازَعَهُ رَجُلَانِ، فَقَالَ لَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هَذَا ثَوْبِي بِعْتُهُ عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ وَلِي عَلَيْكَ ثَمَنُهُ. وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَلَا تخلو بينتاهمها مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَارِيخُهُمَا مُخْتَلِفًا، فَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ بَاعَهُ عليه في شعبان، فلا تعرض فِي الْبَيِّنَتَيْنِ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي رَجَبٍ، وَيَبِيعَهُ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْتَرِيهِ مِنْهُ، فَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ. فِي وَقْتَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ مِنْ غَيْرِ تَكَاذُبٍ وَلَا تَعَارُضٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ نَكَحَهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ عَلَى صَدَاقِ أَلْفَيْنِ، وَأَقَامَتْ عليه البينة بكل واحد من النكاحين، يحكم عَلَيْهِ بِالصَّدَاقَيْنِ وَلَا تَتَعَارَضُ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، لِأَنَّهُ قد يتزوجها في يوم الخميس، ويخالفها فِيهِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدَانِ وَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقَانِ. كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا: يَصِحُّ فِيهِ الْبَيِّعَانِ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ، لإِمْكَانِ الصِّحَّةِ وَامْتِنَاعِ التَّنَافِي، وَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَا عَلَى التَّنَافِي وَالتَّضَادِّ، (فَصْلٌ) : وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَارِيخُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَاحِدًا، فَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ بَاعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ هَذَا بِأَلْفٍ، مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ بَاعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ هَذَا بِأَلْفٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ من يوم السبت، فقد تكاذبت البينتان فتعارضت لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الثَّوْبِ مِلْكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَبَيْعُهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ تَعَارُضُهُمَا مَعَ التَّكَاذُبِ مَحْمُولًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثلاثة في تعارض البينتين: أحدهما: إِسْقَاطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِهِ حَرَجُ أَحَدِهِمَا بِالتَّكَاذُبِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ إِسْقَاطِهِمَا إِلَى قَوْلِ صاحب اليد، فإن كذبهما حلف لهما، وبرىء من مطالبتهما، وإن

стр. 8054

صدقها، حُكِمَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِثَمَنِهِ فَيَلْزَمُهُ لَهُمَا ثَمَنَانِ، لِإِمْكَانِ ابْتِيَاعِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، لَزِمَهُ ثَمَنُهُ للمصدق، وحلف المكذب، وبرىء بِيَمِينِهِ وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا رُدَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِ، وَحُكِمَ لَهُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ إِذَا حَلَفَ فَيَصِيرُ مُلْتَزِمًا لِثَمَنِهِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ بِإِقْرَارِهِ، وَمُلْتَزِمًا بِثَمَنِهِ فِي حَقِّ الثَّانِي بِيَمِينِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَيَبْطُلُ حُكْمُ الْمَقْرُوعَةِ بِالْقَارِعَةِ، وَفِي إِحْلَافِ مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ. قَوْلَانِ: يَحْلِفُ فِي أَحَدِهِمَا إِنْ جُعِلَتِ الْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةً لِلدَّعْوَى، وَلَا يَحْلِفُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ إِنْ جُعِلَتْ مُرَجِّحَةً لِلْبَيِّنَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ الثَّوْبِ الْمَبِيعِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا لِنِصْفِهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، كَمَا جُعِلَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَتَبَعَّضْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّ بَائِعِهِ فَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ، إِحْلَافَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَانَ لَهُ إِحْلَافُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ لَزِمَهُ دَفْعُ الْبَاقِي مِنْ ثَمَنِهِ. (فَصْلٌ) : وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ إِطْلَاقُهُمَا عَلَى التَّعَارُضِ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِمْكَانِ. فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ. هَذَا الْإِطْلَاقُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِمْكَانِ، وَيُقْضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنَيْنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ. وَإِذَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَا عَلَى التَّعَارُضِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلَ إِطْلَاقُهُمَا عَلَى التَّعَارُضِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُضْمَنُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِذَا حُكِمَ بِتَعَارُضِهِمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: إسقاطها. وَالثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُهُمَا. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِيجَابُ الثَّمَنَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الْوَقْتَيْنِ فهو صحيح مسلم، وإن أراد مَعَ اجْتِمَاعِ الْعَقْدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ لِامْتِنَاعِهِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ تَوَرَّعَ فِيهِ.

стр. 8055

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الْعَقْدَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْعَقْدَيْنِ، وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْعَقْدَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِمَا فِي وَقْتٍ، أَوْ وَقْتَيْنِ، كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الْعَقْدَيْنِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِالْتِزَامِ الثَّمَنَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَتَا فِي وَقْتٍ، أَوْ وَقْتَيْنِ وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ بِعَقْدَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاشِرَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِعْلُ عَقْدَيْنِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِمَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لِإِمْكَانِهِ، وَبَطَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لِامْتِنَاعِهِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِقْرَارِ تُعَارِضٌ فِي مَوْضِعٍ، وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الشَّهَادَتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً لِوَاحِدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَنْ أَقَرَّ لَهُ، فَشَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ لِزَيْدٍ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ لِعَمْرٍو، فَتَتَعَارَضُ الشَّهَادَتَانِ فِي الْإِقْرَارِ، كَمَا تَعَارَضَتْ فِي الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ تَعَارُضُهُمَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ في الموضعين. (مسألة) : قال الشافعي ﵀: " ولو أقام رجل بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ الَذِي فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ سَيِّدُهُ الَذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَعَتَقَهُ وَلَمْ يُوَقِّتِ الشُّهُودُ فَإِنِّي أُبْطِلُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا تَضَادَّتَا وَأَحْلَفَهُ مَا بَاعَهُ وَأَحْلَفَهُ مَا أَعْتَقَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قَدْ أَبْطَلَ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيمَا يُمْكِنُ أن تكون فِيهِ صَادِقَتَيْنِ فَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدَيْ نَفْسِهِ بِالْحُرِّيَّةِ كَمُشْتَرٍ قَبَضَ مِنَ الْبَائِعِ فَهُوَ أَحَقُّ لِقُوَةِ السَّبَبِ كَمَا إِذَا أَقَامَا بَيِّنَةً وَالشَّيْءُ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ لِقُوَّةِ السَّبَبِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَبْدٍ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، ادَّعَاهُ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ تَارِيخٌ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْبَيْعُ عَلَى الْعِتْقِ، حُكِمَ بِهِ مَبِيعًا، وَأُبْطِلَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَقًا، لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالْبَيْعِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَى الْبَيْعِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ وَبَطَلَ بَيْعُهُ، لِأَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، بِالْعِتْقِ، وَأَخَذَ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَى مُشْتَرِيهِ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِعِتْقِهِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ بَيَانٌ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، إِمَّا لِإِطْلَاقِهِمَا، وَإِمَّا لِتَارِيخِ إِحْدَاهِمَا، وَإِطْلَاقِ الْأُخْرَى، وَإِمَّا لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي التَّارِيخِ عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَضَادَّ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ، فَتَصِيرُ الْبَيِّنَتَانِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ مُتَعَارِضَتَيْنِ وَهِيَ فِي اجْتِمَاعِ التَّارِيخِ مُتَكَاذِبَتَيْنِ، وَفِي إِطْلَاقِهِ غَيْرُ مُتَكَاذِبَتَيْنِ،

стр. 8056

وَالْحُكْمُ فِي تَعَارُضِهِمَا، سَوَاءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا بَيَانٌ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى هَذَا التَّعَارُضِ. فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ مُدَّعِي الشِّرَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مُرَجِّحًا. أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، تَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ. بِتَصْدِيقِهِ، لِأَنَّهُ ذُو يَدٍ مَالِكَةٍ. فَعَلَى هَذَا إن صدق بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى ابْتِيَاعِهِ، حُكِمَ بِهِ مَبِيعًا، وَسَقَطَتْ بَيِّنَةُ عِتْقِهِ، وَلَا يَمِينَ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْعِتْقِ بَعْدَ بَيْعِهِ، لَمْ يُغَرَّمْ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ وَإِنْ صَدَّقَ بَيِّنَةَ الْعَبْدِ عَلَى عِتْقِهِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ، وَسَقَطَتْ بَيِّنَةُ بَيْعِهِ، وَهَلْ لِمُشْتَرِيهِ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ بِبَيِّنَتِهِ بَعْدَ رَدِّهَا فِي بَيْعِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ رَدَّهَا فِي الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ رَدَّهَا فِي الْكُلِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمِينَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي إِنْكَارِهِ لِبَيْعِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا رَدُّ الثَّمَنِ، وَقَدْ رُدَّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يرجح بِثَمَنِهِ بِالْبَيِّنَةِ إِذَا قِيلَ: إِنْ رَدَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْبَعْضِ، مُوجِبٌ لِرَدِّهَا فِي الْكُلِّ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي إِحْلَافُ الْبَائِعِ عَلَى إِنْكَارِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، لَزِمَهُ رَدُّ الثَّمَنِ لَأَنَّ الْيَمِينَ تَسْتَحِقُّ فِي الْإِنْكَارِ إِذَا وَجَبَ الْعِوَضُ بِالْإِقْرَارِ وَيَسْقُطُ فِي الْإِنْكَارِ إِنْ سَقَطَ الْغُرْمُ بِالْإِقْرَارِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تَتَرَجَّحُ وَاحِدَةٌ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَشْهَدُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَرَفْعِ يَدِهِ. فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا تَعَارُضَ فِيهَا، وَيُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْعِتْقِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، فَصَارَتْ يَمِينُهُ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةُ خَارِجٍ؛ فَقَضَى بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ لَهُ أَلَا تَرَاهُ لَوِ ادَّعَاهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، قُبِلَ قوله عليه، أو لا تَرَى لَوْ تَنَازَعَ ابْتِيَاعَهُ رَجُلَانِ، فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا لَمْ يُؤَثِّرْ تَصْدِيقُهُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ لَكَانَ تَصْدِيقُهُ مُؤَثِّرًا. وَأَمَّا الْحُرُّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا. هَلْ تَكُونُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَدٌ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَكُونُ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ يَدٌ لِغَيْرِهِ. أَوَ لَا تَرَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى لَقِيطًا عَبْدًا، فَاعْتَرَفَ لَهُ بِالرِّقِّ، كَانَ عَبْدًا لَهُ. وَلَوْ أَنْكَرَهُ

стр. 8057

كَانَ حُرًّا، وَلَمْ يَكُنْ عَبْدًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ نَفْسِهِ لَمَا أَثَّرَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْكَارُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. إِنَّهُ لَا يَدَ لِلْحُرِّ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْيَدَ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَمْوَالِ وَلَا حُكْمَ لَهَا فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَدٌ، كَمَا لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ يَدٌ، وَلَيْسَ يُقْبَلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ، لِأَنَّ لَهُ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لِنُفُوذِ إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مَا قَالُوهُ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا صَحَّ أَنْ لَا يَدَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ، صَحَّ فِيهِ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَفِي تَعَارُضِهِمَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أحدهما: إِسْقَاطُهُمَا، وَيَرْجِعُ إِلَى السَّيِّدِ فِي تَكْذِيبِهِمَا، أَوْ تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَذَّبَهُمَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَوْقُوفًا عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّهَا قَدْ أُسْقِطَتْ فِي كُلِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْعَبْدَ دُونَ الْمُشْتَرِي، عُتِقَ الْعَبْدُ، وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْعَبْدِ، غَرِمَ لَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْعَبْدَ بِالشِّرَاءِ، وَلَمْ يَحْلِفْ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْقُرْعَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَوِيَّةٌ، لِأَنَّهَا يَتَمَيَّزُ بِهَا حُرِّيَّةٌ، وَرِقٌّ. فَعَلَى هَذَا إِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي حُكِمَ لَهُ بِابْتِيَاعِهِ، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ قُرْعَتِهِ قَوْلَانِ. إِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ، وَلَزِمَهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَسْقُطْ وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ غَيْرُهَا فَوُقِفَتْ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ. فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَخْرِيجِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ، لِأَنَّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ تُسْقِطُ حُكْمَ الْقِسْمَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا لَا يَسْقُطُ بِمَا يَحْدُثُ عَنِ الْقِسْمَةِ بِهِمَا، فَعَلَى هَذَا يُجْعَلُ نِصْفُهُ مَبِيعًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيَكُونُ فِيهِ لِأَجْلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِيهِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ نِصْفِهِ الْبَاقِي، وَبَيْنَ فَسْخِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ فَسَخَ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِعِتْقِهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ نِصْفُهُ مَبِيعًا لِمُزَاحَمَةِ الْمُشْتَرِي بِبَيِّنَتِهِ، فَإِذَا زَالَتْ مُزَاحَمَتُهُ بِفَسْخِهِ زَالَ سَبَبُ التَّبْعِيضِ فَعُتِقَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْبَيْعِ فِي نِصْفِهِ وَلَمْ يَفْسَخِ، اعْتُبِرَ حَالُ الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِقِيمَةِ نِصْفِهِ لَمْ يَسْرِ

стр. 8058

الْعِتْقُ إِلَى نِصْفِهِ الْمَبِيعِ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِمُشْتَرِيهِ. وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ، فَفِي سِرَايَةِ عِتْقِهِ وَوُجُوبِ تَقْوِيمِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَيَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ عُتِقَ عَلَيْهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِعِتْقِهِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ جَبْرًا بِعِتْقِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَسِرْ إِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَصَارَ فِي عَوْدِ النِّصْفِ الْمَبِيعِ بِالْفَسْخِ كَمَنْ وَرِثَ أَبَاهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فِي عَوْدِهِ إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ فَعُتِقَ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا إِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَفِي تَرْجِيحِ بَيِّنَتِهِ بِيَدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُرَجَّحُ بِيَدِهِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَبَيِّنَةُ الْعَبْدِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي فِي ابْتِيَاعِ جَمِيعِهِ، وَتَبْطُلُ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ لَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَضَافَ مِلْكَهُ إِلَى سَبَبِهِ، فَزَالَ بِذِكْرِ السَّبَبِ حُكْمُ الْيَدِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي ابْتِيَاعِ عَبْدٍ مِنْ رَجُلٍ، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَقَبَضَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ قَبَضَهُ، فَإِنْ رُجِّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ رُجِّحَتْ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ تُرَجَّحْ بِالْيَدِ، لَمْ تُرَجَّحْ بِالْقَبْضِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا تُرَجَّحُ بِالْقَبْضِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْقَبْضِ مُنْبَرِمٌ وَقَبْلَ الْقَبْضِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ، فيبرم أَوْ تَلَفٍ فَيَبْطُلُ فَكَانَ تَرْجِيحُهُ بِالْقَبْضِ دَلِيلًا على ترجيحه باليد. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَلَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ حَتَّى يَقُولُوا وَلَدْتُهَا فِي مِلْكِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمِلْكِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَهَا الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ تُمَلَّكَ الْأُمُّ، وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى ثَمَرَةً، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلَتِهِ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمِلْكِ التَّمْرَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ النَّخْلَةِ بَعْدَ حُدُوثِ الثَّمَرَةِ. وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى صُوفًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مِنْ صُوفِ غنمه، لم يقض له بالصوف تجواز أَنْ يَمْلِكَ الْغَنَمَ بَعْدَ جِزَازِ الصُّوفِ، فَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مُثْبَتَةٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْضَ بِهَا فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ وَلَدَتْهَا فِي ملكه، وفي الثمرة أنها ثمرة أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلَتِهِ أَثْمَرَتْهَا فِي

стр. 8059

مِلْكِهِ، وَفِي الصُّوفِ أَنَّهُ مِنْ غَنِمَهُ جُزَّ فِي مِلْكِهِ، قُضِيَ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ وَالثَّمَرَةِ، وَالصُّوفِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَصْلًا، مَلَكَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنَ النَّمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ المغضوب منه يستحق نماء ملكه مع استرجاء أَصْلِهِ، فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ بِهَذَا شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ، وَسَبَبُهُ، فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِنَ الشَّهَادَةِ، بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةً بملك في الحال، فصار كشهادتهم أم هَذِهِ الْجَارِيَةَ كَانَ مَالِكًا لَهَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِمِلْكِهَا، فَكَذَلِكَ فِي الْوِلَادَةِ. قِيلَ: قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ وَالشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْوِلَادَةِ وَالنِّتَاجِ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي اخْتِلَافِ النَّصَّيْنِ مَعَ تَشَابُهِ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، يَحْمِلَانِهِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِالْمِلْكِ فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَالشَّهَادَةِ بِالْوَلَدِ، وَالنِّتَاجِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النِّتَاجِ، اسْتِصْحَابًا لِثُبُوتِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، والشهادة بالولد، والنتاج، على ما نص عليه فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُتَقَدِّمَ قَدْ يَزُولُ بِأَسْبَابٍ فَلَمْ تُوجِبْ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ. وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، يَمْنَعُونَ مِنْ تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَيَحْمِلُونَ جَوَابَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِمِلْكِ الْوَلَدِ وَالنِّتَاجِ، إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِحُدُوثِ الْوِلَادَةِ، وَالنِّتَاجِ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَحْكُمُونَ لَهُ بِمِلْكِهِمَا، إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِقَدِيمٍ مِلْكَهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ شَهِدُوا فِي الْوِلَادَةِ وَالنِّتَاجِ بِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَنَمَاءُ مِلْكِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا لَهُ بِغَصْبِ مَاشِيَةٍ نَتَجَتْ، وَنَخْلٍ أَثْمَرَتْ، مَلَكَ بِهِ النِّتَاجَ، وَالثَّمَرَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَهَادَتُهُمْ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، لِتُنْقَلَ أَحْوَالُهُ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ النِّتَاجَ لَمَّا لَمْ يَتَقَدَّمُهُ فِيهِ مَالِكٌ، صَارَ فِي تَمَلُّكِهِ أَصْلًا، وَقَدِيمُ الْمِلْكِ، لَمَّا تَقَدَّمَهُ فِيهِ مَالِكٌ، صَارَ فِي تَمَلُّكِهِ فَرْعًا وَحُكْمُ الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ الْوَلَدُ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ كَالْمُوصِي إِذَا وَصَّى بِأَمَتِهِ لِزَيْدٍ وَتِحَمْلِهَا لِعَمْرٍو، فَإِنَّهَا تَلِدُهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ يَمْلِكُهُ. قِيلَ: هَذَا نَادِرٌ أَخْرَجَتْهُ الْوَصِيَّةُ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ، فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ جَوَازُهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ أَصْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ قَبْلَ وُرُودِهِ.

стр. 8060

(فَصْلٌ) : وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ، وَلَدَتْهَا بَعْدَ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا وَلَدَتْهَا فِي مِلْكِهِ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ بَعْدُ ثُمَّ عَادَ فَابْتَاعَهَا، أَوْ يَكُونُ قَدْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ عِنْدَ مُشْتَرِيهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ بِهَا، فَارْتَجَعَهَا الْبَائِعُ دُونَ وَلَدِهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ تَقُمُ الْبَيِّنَةُ بِمِلْكِهَا، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ، أَخَذَهَا هَذَا مِنْ يَدِهِ كَانَتْ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْيَدِ، دُونَ الْمِلْكِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِرَدِّ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ يَدًا لَا مِلْكًا. وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ، وَكَانَتْ أَمْسُ فِي يَدِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَدِ إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِيَدٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَإِنْ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، يَجْمَعَانِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ، فِي الْحُكْمِ بِهِمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ فَرَّقَ أَصْحَابِنَا بَيْنَ قَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ، مَا يَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَفَرَّعَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ قَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ فِي الْحُكْمِ بِهِمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَنْ يَتَنَازَعَا الْجَارِيَةَ فَيُقِرُّ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ مُدَّعِيهَا أَمْسِ. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إِنْ قِيلَ بِأَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِيَدِهِ أَمْسُ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهَا بِالْيَدِ، فَإِقْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهُ بِالْيَدِ، فَفِي إِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّنَا نَحْكُمُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ. وَتُنْقَلُ الْيَدُ إِلَى الْمُدَّعِي بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُكَذِّبَةِ لَهُ فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِالْأَمْسِ، حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِقُوَّةِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْيَدِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَارِيَةٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَارِيَةَ، الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، أَنَّهَا بِنْتُ الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ، وُلِدَتْ عَلَى مِلْكِهِ، وَيُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ وَهَذَا يَكُونُ مَعَ اشْتِبَاهِ الْأَسْنَانِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أُمًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تكون كل واحدة بِنْتًا فَتَصِيرُ الشَّهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ دُونَ الْمِلْكِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنْتَ الْأُخْرَى، فَصَارَتَا فِي الْوِلَادَةِ مُتَعَارِضَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَارَضَا فِي الْمِلْكِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ

стр. 8061

الَّتِي فِي يَدِ عَمْرٍو وَبَيِّنَةَ عَمْرٍو شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِ زَيْدٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا تَعَارُضٌ فِي الْمِلْكِ، وَإِنْ تَعَارَضَتَا فِي الْوِلَادَةِ فَيُحْكَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَيِّنَتِهِ وَتُسَلَّمُ الْجَارِيَةُ الَّتِي فِي يَدِ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو، وَالْجَارِيَةُ الَّتِي فِي يَدِ عَمْرٍو إِلَى زَيْدٍ، وَلَا يَكُونُ تَعَارُضُهُمَا فِي الْوِلَادَةِ مُوجِبًا لِتَعَارُضِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَكَانَ التَّعَارُضُ فِي الْوِلَادَةِ أَقْوَى، وَلَا يَحْمِلُ عَلَى رَدِّ الْبَيِّنَةِ فِي الْكُلِّ، إِذَا رُدَّتْ فِي الْبَعْضِ، لِأَنَّ الْوِلَادَةَ هَاهُنَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْحُكْمِ فَكَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْ مَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ: أَنَا مَالِكٌ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِي، وَالْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِكَ، وَهِيَ بِنْتُ الْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ فِي يَدِي، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً صَارَتِ الشَّهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الْأُخْرَى، فَتَعَارَضَتْ فِي الْوِلَادَةِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَتَانِ مَعًا مِلْكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَتَعَارَضَتْ فِي الْمِلْكِ، فَتَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ فِي سِنِّ الْجَارِيَتَيْنِ بَانَ مَنْ يَحِقُّ أَنْ تَكُونَ بِنْتَ الْأُخْرَى لِصِغَرِ سِنِّهَا، وَكِبَرِ الْأُخْرَى، تَعَيَّنَ بِهَا كَذِبُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْمِلْكِ، وَحُكِمَ بِشَهَادَةِ الْأُخْرَى فِي الْوِلَادَةِ وَالْمِلْكِ، وَزَالَ بِهِ حُكْمُ التَّعَارُضِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَا شَاةً مَذْبُوحَةً وَكَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَأْسُهَا وَجِلْدُهَا وَسَقَطُهَا، وَفِي يَدِ الْآخَرِ مَسْلُوخُهَا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ جَمِيعَهَا لَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً حُكِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ مَا فِي يَدِهِ، لِأَنَّ لَهُ بِمَا فِي يَدِهِ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ، وَفِيمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بَيِّنَةَ خَارِجٍ، فَقَضَى بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ. وَحَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي تِلْكَ الشَّاةَ، وَأَنَّهَا نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً وَأَمْضَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ مَا فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فِي النِّتَاجِ، وَيُخَالِفُ فِي غَيْرِهِ، فَيَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ فِي غَيْرِ النتاج. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِ فُلَانٍ جَعَلْتُهُ لِفُلَانٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْغَزَلَ مِنْ قُطْنِ زَيْدٍ، كَانَتْ شَهَادَةٌ بِمِلْكِ زَيْدٍ لِلْغَزْلِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ الْقُطْنِ وَإِنْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ لِأَنَّهَا غَيْرُ أَمَتِهِ. وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ من غزل زيد كانت الشهادة لَهُ بِمِلْكِ الثَّوْبِ، لِأَنَّهُ الْقُطْنُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالْغَزَلِ وَالنِّسَاجَةِ.

стр. 8062

وَجَعْلهَا أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةً بِالْقُطْنِ، دُونَ الثَّوْبِ، وَالْغَزَلِ، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا عَمِلَ فِي الْمَغْصُوبِ بِمَا يُغَيِّرُ عَنْ حَالِهِ، كَانَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَغَرِمَ لَهُ بَدَلَ أَصْلِهِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْغَصْبِ، وَأَنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَاصِبِهِ. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَنْسُوجًا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ غَزْلًا، وَقُطْنًا، وَهُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الْيَدِ بِزِيَادَتِهِ عَلَى الْمَالِكِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَهُوَ نَادِرٌ، رَجَعَ الْمَالِكُ بِنُقْصَانِهِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ أَكْثَرِ قِيمَتِهِ قُطْنًا، أَوْ غَزْلًا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظَائِرِ هَذَا إِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَةِ زَيْدٍ، وَهَذِهِ الدَّنَانِيرَ مِنْ ذَهَبِهِ، وَهَذِهِ الدَّرَاهِمَ مِنْ فِضَّتِهِ، وَهَذِهِ النَّخْلَةَ مِنْ نَوَاتِهِ، وَهَذَا الزَّرْعَ مِنْ بَذْرِهِ، كَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ بِمِلْكِ ذَلِكَ، سَوَاءً كَانَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ، أَوْ بِغَيْرِ عَمَلِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ تَغَيَّرَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ مِلْكَهُ. فَعَلَى هَذَا يَقُولُ إِنْ نَبَتَتِ النَّوَاةُ نَخْلَةً بِنَفْسِهَا، وَنَبَتَ الْبَذْرُ فِي الْأَرْضِ بِنَفْسِهِ، كَانَ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ، كَانَ لَهُ، يقول فِي رَجُلٍ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ بَيْضَتَيْنِ حَضَنَتِ الدَّجَاجَةُ إِحْدَاهُمَا حَتَّى صَارَتْ فَرْخًا وَحَضَنَ الْغَاصِبُ الْأُخْرَى، إِمَّا تَحْتَ الدَّجَاجَةِ، أَوْ تَحْتَ غَيْرِهَا حَتَّى صَارَتْ فَرُّوجًا كَانَ الْفَرْخُ الْأَوَّلُ لِمَالِكِ الدَّجَاجَةِ، وَالْفُرُوجِ الثَّانِي لِلْغَاصِبِ. وَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَنَا لِمَالِكِ أَصْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَلَكِنْ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الزَّرْعَ مِنْ ضَيْعَتِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَهَادَةً لَهُ بِمِلْكِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَرَعَ أَرْضَهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَفَتَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْيَدِ عَلَى الزَّرْعِ نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَقُولُوا زُرِعَ فِيهَا، وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً لَهُ بِالْيَدِ، لِجَوَازِ زَرْعِهِ فِيهَا، وَحَصَادِهِ قَبْلَ مِلْكِهِ وَيَدِهِ وَإِنْ قَالُوا: زُرِعَ وَحُصِدَ فِي مِلْكِهِ، كَانَتْ شَهَادَةً لَهُ بِيَدٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَيَكُونُ عِنْدَ الْبُوَيْطِيِّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْقَدِيمِ يُوجِبُ ثُبُوتَ يَدِهِ فِي الْحَالِ، وَإِحْلَافِهِ عَلَى الزَّرْعِ أَنَّهُ مِلْكُهُ. وَالثَّانِي: لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ يَدِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مِلْكِهِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَدِ قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا بَيَّنَاهُ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْحَالِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَدَاءِ خَرَاجِهِ أَوْ بِدَفْعِ عُشْرِهِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ لِقَبْضِ خَرَاجِهِ وَعُشْرِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُ فِي أَدَائِهِ عَنْ مَالِكِهِ.

стр. 8063

(مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا كَانَ فِي يَدَيْهِ صَبِيٌ صَغِيرٌ يَقُولُ: هُوَ عَبْدِي فَهُوَ كَالثَوْبِ إِذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ هَذَا الْمَوْجُودِ، إِذَا ادَّعَاهُ الْوَاجِدُ عَبْدًا من ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَتُعْتَبَرُ حَالُهُ فَإِنْ أَنْكَرَ الرِّقَّ، وَقَالَ أَنَا حُرٌّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى وَاجِدِهِ فِي ادعائه، لأن الأصل الحرية، والرق طارىء، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ فَلَوْ عَادَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ لِلرِّقِّ، فَأَقَرَّ لِوَاجِدِهِ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ وَكَانَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ حَتَّى يُقِيمَ مُدَّعِيهِ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَرِيَّةِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ بِالرِّقِّ وَإِنْ كَانَ هَذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ حِينَ أَخَذَهُ الْوَاجِدُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِهَذَا الْوَاجِدِ الْمُدَّعِي لِرِقِّهِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِإِنْكَارِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُقَرُّ فِي يَدِ مُدَّعِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُنَازِعٌ فِيهِ وَيُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الْمَقَامِ مَعَهُ، فَإِنْ حَضَرَ مَنِ ادَّعَاهُ، وَنَازَعَهُ فِيهِ كَانَ لِلْأَوَّلِ يَدٌ، وَلَيْسَ لِلثَّانِي يَدٌ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْأَوَّلِ مَعَ يَمِينِهِ لِثُبُوتِ يَدِهِ قَبْلَ مُنَازَعَتِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الثَّانِي بَيِّنَةً، فَيُحْكَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لِلثَّانِي، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَوْلَى مِنَ الْيَدِ، فَإِنْ أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَلِلثَّانِي بَيِّنَةُ خَارِجٍ. وَلَوْ تَنَازَعَهُ فِي الْحَالِ رَجُلَانِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ عَبْدَهُ، فَصَدَّقَ الْعَبْدُ أَحَدَهُمَا لَمْ تَتَرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ. وَلَوْ تَنَازَعَهُ رَجُلَانِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا فَصَدَّقَ أَحَدَهَمَا فِي رِقِّهِ، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ دُونَ الْآخَرِ، كَانَ عَبْدًا لِلْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا دُونَ الْمُكَذَّبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ عَبْدًا لَهُمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُصَدَّقُ، وَالْمُكَذَّبُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِاعْتِرَافِهِ بِالرِّقِّ لِأَحَدِهِمَا مَمْلُوكًا وَلَا اعْتِبَارَ بِاعْتِرَافِ الْمَمْلُوكِ، وَإِنْكَارِهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ حُرٌّ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَمْلُوكَا بِاعْتِرَافِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَنِ اعْتَرَفَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِالرِّقِّ قَبْلَ اعْتِرَافِهِ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا وَكَذَّبَ الْآخَرَ كَانَ بَيْنَهُمَا. (فَصْلٌ) : وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَي رَقَّهُ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ لِمُدَّعِيهِ يَدًا، لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ بِبَالِغٍ فَيُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ بَلَغَ هَذَا الْعَبْدُ، وَأَنْكَرَ الرِّقَّ، وَادَّعَى الْحَرِيَّةَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ طَلَبَ إحلاف

стр. 8064

سَيِّدِهِ، أُحْلِفَ لَهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا صَغِيرًا فَاسْتَخْدَمَهُ الْوَاجِدُ، وَلَمْ يَدَّعِ فِي الْحَالِ رِقَّهُ حَتَّى بَلَغَ، ثُمَّ ادَّعَى رِقَّهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا بِيَدِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَاهُ إِذَا تَأَخَّرَتْ عَنِ الصِّغَرِ، صَارَتْ مُسْتَأْنَفَةً عَلَيْهِ بَعْدَ الْكِبَرِ، وَدَعَوَاهُ بَعْدَ الْكِبَرِ لَا تُقْبَلُ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدِي. (فَصْلٌ) : وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُدَّعِي رَقَّهِ مُرَاهِقًا مُمَيِّزًا، وَلَيْسَ بِبَالِغٍ فَفِي ثُبُوتِ رِقِّهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ عَبْدًا لَهُ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِنْكَارُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَلَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي ارْتِفَاعِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ بِرِقِّهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَإِنْكَارِهِ فَإِذَا اعْتَرَفَ لَهُ بِالرِّقِّ، حُكِمَ لَهُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الرِّقَّ حُكِمَ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلَا يُحْلَفُ عَلَى إِنْكَارِهِ، إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَلَا يَمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ حُكْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، كَمَا يُخَيَّرُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَيُسْمَعْ خَبَرُهُ فِي الْمُرَاسَلَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ بَعْدَ مُرَاهَقَتِهِ، وَقَبْلَ بُلُوغِهِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا فِي قَوْلِهِ: " إِذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْمُرَاهَقَةِ وَالتَّمْيِيزِ أَنْ يُعْتَبَرَ إِقْرَارُهُ وَإِنْكَارُهُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لا حكم لكلامه. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " فَإِنْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنَهُ جَعَلْتُهُ ابْنَهُ وَهُوَ فِي يَدَيِ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي الصَّغِيرَ إِذَا ادَّعَاهُ رَجُلٌ عَبْدًا، وَحُكِمَ لَهُ بِرِقِّهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ رَجُلٌ آخَرُ وَلَدًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ وَلَدُهُ صَارَ ابْنًا لَهُ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ رِقٌّ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زَيْدٍ عَبْدًا لِعَمْرٍو، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ لَهُ مِنْ أَمَةٍ تَزَوَّجَهَا، فَيَكُونُ لَهُ ابْنًا، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ الْأُمِّ فَلَمْ يَتَنَافَى لُحُوقُ نَسَبِهِ، وَثُبُوتُ رِقِّهِ، إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي لِنَسَبِهِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا، أَوْ مِنْ أَمَةٍ مَلِكَهَا فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ الْحُرُّ مِنَ الْحُرَّةِ إِلَّا حُرًّا، وَمِنْ أَمَتِهِ إِلَّا حُرًّا، وَلَوْ كَانَ مُدَّعِي أُبُوَّتِهِ لَمْ يُقِمُ الْبَيِّنَةَ بِهَا فَصَدَّقَهُ الْوَلَدُ عَلَيْهَا فَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى رِقِّهِ لِمُدَّعِي عُبُودِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِي نَسَبِ الْعَبْدِ فَنَفَذَ فِيهِ إِقْرَارُ الْعَبْدِ.

стр. 8065

وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ؛ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِتَصْدِيقِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَائِدِ عَلَى سَيِّدِهِ، بِأَنْ يَصِيرَ بَعْدَ عِتْقِهِ مَوْرُوثًا بِالنَّسَبِ، دُونَ الْوَلَاءِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ فِي إبطال ميراثه بالولاء. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهَا فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ نِصْفَهَا لَهُ وَآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ جَمِيعَهَا لَهُ فَلِصَاحِبِ الْجَمِيعِ النِّصْفُ وَأُبْطِلَ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) : فَإِذَا أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا فَلَا حَقَّ لَهُمَا وَلَا قُرْعَةَ وَقَدْ مَضَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مُقِيمَ الْبَيِّنَةِ بِجَمِيعِهَا إِذَا تَوَرَّعَ فِيهَا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِي نِصْفِهَا، فَقَدْ سَلِمَ لَهُ نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ لَا تَنَازُعَ فِيهِ، وَلَا تَعَارُضَ، وَإِنَّمَا تَتَعَارَضُ بَيِّنَتَاهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ تَعَارُضُهُمَا فِيهِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهُمَا فِيهِ، وَيَخْلُصُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ النِّصْفُ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِذَا رُدَّتِ الشَّهَادَةُ فِي الْبَعْضِ، أَنْ تُرَدَّ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّ مُقِيمَ الْبَيِّنَةِ بِالنِّصْفِ قَدْ سَلِمَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ النِّصْفُ، فَخَرَجَ مِنَ النِّزَاعِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْبَيِّنَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْلُو صَاحِبُ الْيَدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدَّعِيهَا مِلْكًا، أَوْ لَا يَدَّعِيهَا. فَإِنِ ادَّعَاهَا مِلْكًا، زَالَ مِلْكُهُ عَنْ نِصْفِهَا الْمَحْكُومِ بِهِ لِمُدَّعِي الْكُلِّ وَفِي رفع يده عن النصف الآخر الذي تعارضت فِيهِ الْبَيِّنَةُ، حَتَّى سَقَطَتْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقَرُّ فِي يَدِهِ، وَلَا تُنْتَزَعُ لِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ، وَيَصِيرُ فِيهِ خَصْمًا لِلْمُتَنَازِعَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْ يَدِهِ، لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ تَعَارُضُهُمَا مِنْ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا تُعَارُضُهُمَا فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَعَارِضَةٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا مِلْكًا رُفِعَتْ يَدُهُ، لِتَنَازُعِ غَيْرِهِ فِي مِلْكِهَا، لِتُوقَفَ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَيَتَحَالَفَانِ عَلَى النِّصْفِ، الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّعَارُضُ عِنْدَ إِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ حَلَفَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا وَصَارَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ رُبُعُهَا، وَإِنْ نَكَلَا حُكِمَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بِالنِّصْفِ وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي مَوْقُوفًا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قَضَى بِهِ لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا دُونَ النَّاكِلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ صَاحِبَ الْكُلِّ، قَضَى لَهُ بِجَمِيعِ الدَّارِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ النِّصْفِ كَانَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا مَعَ التَّعَارُضِ، فَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْكُلِّ سُلِّمَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الدَّارِ، وَفِي إِحْلَافِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ النِّصْفِ، جُعِلَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا، نِصْفَيْنِ، وَفِي إِحْلَافِهِ قَوْلَانِ وَيُدْفَعُ عَنْهَا صَاحِبُ الْيَدِ، سَوَاءٌ ادَّعَاهَا مِلْكًا أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا.

стр. 8066

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ النِّصْفِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبُعُهَا، وَصَاحِبُ الْيَدِ مَدْفُوعٌ بِهَا. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أُبْطِلُ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ، وَأَقْرَعُ بَيْنَهُمَا " اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ: كَيْفَ يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيمَا قَدْ أَبْطَلَ فِيهِ دَعْوَاهُمَا، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ فَاسِدٌ، وَلِأَصْحَابِنَا عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ الْحَاصِلِ لِمُدَّعِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ قَدْ خَلُصَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ فِيهِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَلَمْ تُبْطَلْ دَعْوَاهُمَا فِيهِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا إِذَا أَسْقَطَ بَيْنَتهُمَا، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُمَا، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ، أُبْطِلُ دَعْوَاهُمَا، أَوْ أَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي تَعَارُضِهِمَا. (فَصْلٌ) : وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَادَّعَاهَا طَالِبٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ أَجَّرَهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، أَوْ أَوْدَعَهَا، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكَهُ حَكَمْنَا بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ الْمُدَّعِي عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ لَمَّا شَهِدَتْ لَهُ، بِأَنَّهُ آجَرَهُ إِيَّاهَا أَوْ أَوْدَعَهَا صَارَتِ الْيَدُ لَهُ، فَصَارَ الدَّاخِلُ خَارِجًا، وَالْخَارِجُ دَاخِلًا. وَلَوْ تَدَاعَاهَا رَجُلَانِ، وَهِيَ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ أَنَّهَا لَهُ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا صَارَتِ الْيَدُ لَهُمَا بِمَا شَهِدَ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ مؤجر، وَلِلْآخَرِ أَنَّهُ مُودِعٌ، فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فِي النِّصْفِ الْمُضَافِ إِلَى يَدِهِ، وَبَيِّنَةُ خَارِجٍ فِي النِّصْفِ الْمُضَافِ إِلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، فَإِنْ أُسْقِطَتَا، صَارَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا يَدًا إِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا وَإِنْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، جَعَلْتُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَتَا فِي الْقِسْمَةِ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا مِلْكًا. (فَصْلٌ) : فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ مَنْ يَدَّعِيهَا مِلْكًا، فَنَازَعَهُ فِيهَا رَجُلَانِ وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا الْأَوَّلِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ فَلَا تُمْنَعُ بَيِّنَةُ الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ أَنْ تَكُونَ لَهُ مِلْكًا قَبْلَ ذَلِكَ. بِخَمْسِ سِنِينَ، فَلِذَلِكَ سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجَبَ بِهَا انْتِزَاعُهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي الثَّانِي أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنَ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ بَاعَهَا وَكَانَ مَالِكًا لَهَا، حُكِمَ بِهَا لِلثَّانِي مِلْكًا، فَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ بَاعَهَا وَكَانَتْ فِي يَدِهِ، حُكِمَ بِهَا لِلثَّانِي ابْتِيَاعُهَا فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْيَدِ أَنَّهَا لِمَالِكٍ، فَتُسَلَّمُ الدَّارُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِلَى الْمُدَّعِي الثَّانِي وَتُرْفَعُ عَنْهَا يَدُ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ.

стр. 8067

وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي، أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَلَا فِي يَدِهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُنْتَزَعُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْبَيْعَ مُتَرَدِّدٌ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ مَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَا فِي يَدِهِ فَيَصِحُّ وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَدِهِ فَيَبْطُلُ. فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ البيع، ورفع يد الأول، بمجور مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ تُرْفَعُ وَتُسَلَّمُ الدَّارُ إِلَى الثَّانِي ابْتِيَاعًا مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي حَقِّهِ صَحِيحٌ إِنْ مَلَكَ، وَلَا يَقْضِي بِهَا مِلْكُهُ لِلثَّانِي، وَإِنْ قَضَى لَهُ بِابْتِيَاعِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَكَانَ لَهُ فِيهَا يَدٌ إِنْ نُوزِعَ فِيهَا، تَرَجَّحَ بِيَدٍ لَا بِدَفْعِ بَيِّنَةِ الْمُنَازِعِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تُجْعَلِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ، وَبِقَدِيمِ الْيَدِ مُوجِبَةٌ لِلْيَدِ لَمْ يُحْكَمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَرَجَعَ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فِي تَصْدِيقِهِمَا أَوْ تَكْذِيبِهِمَا وَإِنْ جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِمَا مُوجِبَةً لِلْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي الْحَالِ، حُكِمَ بِالدَّارِ لِمَنْ أَقَامَ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، دُونَ مَنْ أَقَامَهَا بِقَدِيمِ الْيَدِ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَهَا بِيَدٍ فِي الْحَالِ، لَأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنَ الْيَدِ، فَلِذَلِكَ حُكِمَ بِهِ على صاحب اليد. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى أحدهم النصف والآخر الثلث وآخر السادس وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَهِيَ لَهُمْ عَلَى مَا في أيديهم ثلثا ثلثا ". قال الماوردي: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ فِي أَيْدِي ثَلَاثَةٍ تَدَاعَوْهَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا مِلْكًا، وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ مِنْ مَالِكٍ غَائِبٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ حَقٍّ، وَادَّعَى الثَّانِي ثُلُثُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ لِحَقٍّ. وَادَّعَى الثَّالِثُ سُدُسُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِهَذَيْنِ، وَلَا يَدَ بِحَقٍّ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ " وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبَاقِي يَدًا لَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَجَاحُدٌ، وَلَكَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِلْكًا، وَلَكَانَ لِصَاحِبِ النصف النصف، وإن كان أكثرهم مِمَّا بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَاضِرَيْنِ مَنْ يَدَّعِيهِ مِلْكًا،

стр. 8068

وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ السُّدُسُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدَّعِي مَا زَادَ عَلَيْهِ مِلْكًا وَلَكَانَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ وَهُوَ قَدْرُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَيْسَ يَدَّعِي مَا زَادَ عَلَيْهِ مِلْكًا. وَإِذَا كَانَ فِي الْ مَسْأَلَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ فِيهَا تَجَاحُدٌ، لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ادَّعَى مَا ادَّعَاهُ مِلْكًا، وَادَّعَى بَاقِيهَا يَدًا وَهُمْ فِي أَمْلَاكِهِمْ مُتَّفِقُونَ، وفي أيديهم متجاحدون، وقد تساوت أيديهم عليهما، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَمْلَاكُهُمْ فِيهَا فَتَفَرَّقَتْ أَيْدِيهِمْ أَثْلَاثًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ تَسَاوِيهِمْ، فَيُنْقَصُ صَاحِبُ النِّصْفِ عَمَّا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِيهِ مِلْكًا، وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وَيُزَادُ صَاحِبُ السُّدُسِ، بِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ، لِأَنَّ لَهُ فيه يدا يدعيه ملكا لغائب. فأقرت يدي عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّهُ مُنَازِعٌ فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا يَدٍ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِلْكًا وَلَمْ يَنْقُصْ، لِأَنَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ يَدًا، فَلَمْ يَنْقُصْ وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ يَدٌ فَلَمْ يَزِدْ، فَإِنْ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِحْلَافَ صَاحِبَيْهِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ فِي الْجَمِيعِ، نَظَرْتُ دَعْوَى يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ بِهَا حَقٌّ بِحِصَّةٍ لِأَنَّهُ ادَّعَاهَا إِجَارَةً، كَانَ له إحلافهما عليهما، وَإِنِ ادَّعَاهَا بَعْضُهُمْ وَدِيعَةً وَادَّعَاهَا بَعْضُهُمْ إِجَارَةً، كَانَ لِمُدَّعِي الْإِجَارَةِ إِحْلَافُهُمَا عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الْوَدِيعَةِ إِحْلَافُهُمَا. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكَ جَمِيعِهَا، وَعَدِمَا الْبَيِّنَةَ، وَتَحَالَفَا عَلَيْهَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصْفِهَا، وَلَا يَحْلِفُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِجَمِيعِهَا، لِأَنَّنَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِ مُنَازِعِهِ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ مَقْصُورَةً عَلَى النِّصْفِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلْكُلِّ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَضَمَّنَ يَمِينُهُ مَا لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْجَمِيعِ اعتبارا بالدعوى. (مسألة) : قال الشَّافِعِيُّ ﵀: " فَإِذَا كَانَتْ فِي يَدَيِ اثْنَيْنِ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عَلَى الثُّلُثِ وَالْآخَرُ عَلَى الْكُلِّ جَعَلْتُ لِلْأَوَّلِ الثُّلُثَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَمَا بَقِيَ لِلْآخَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْيَدَ تَتَرَجَّحُ بِهَا بَيِّنَةُ صَاحِبِهَا، وَتُرْفَعُ بَيِّنَةُ مُنَازِعِهَا، فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَاهَا، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ ثُلُثَهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ جَمِيعَهَا، قُضِيَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِهَا، لِأَنَّ لَهُ فِي الْيَدِ بينة ويدا، وله في السدس الزائدة عَلَى الثُّلُثِ يَدٌ، قَابَلَتْهَا بَيِّنَةٌ فَرُفِعَتْ بِهَا، وَقُضِيَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بِالْبَاقِي، وَهُوَ الثُّلُثُ، لِأَنَّ لَهُ بِنِصْفِهَا بَيِّنَةً وَيَدًا، وَلَهُ بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ

стр. 8069

عَلَى النِّصْفِ بَيِّنَةٌ بِلَا يَدٍ، قَابَلَتْهَا يَدٌ بِلَا بَيِّنَةٍ، فَقُضِيَ لَهُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى يَدِ مُنَازِعِهِ، فَصَارَ لَهُ ثُلُثَاهَا، وَلِلْأَوَّلِ ثُلُثُهَا، وَسَقَطَ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الثُّلُثِ بِالْيَدِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ أَرْبَعَةٍ تَقَارَعُوهَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَادَّعَى الثَّانِي ثُلُثَيْهَا، وَادَّعَى الثَّالِثُ نِصْفَهَا، وَادَّعَى الرَّابِعُ ثُلُثَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لهم بينة، جعلت الدار بينهم أرباعها بِالْيَدِ وَالتَّحَالُفِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَوْهُ جُعِلَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ مِنْ غَيْرِ تَحَالُفٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ فِيمَا بِيَدِهِ وَبَيِّنَةَ خَارِجٍ فِيمَا بِيَدِ غَيْرِهِ، فَحُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ دُونَ الْخَارِجِ، فَصَارَ الْحُكْمُ فِيهَا مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ فِي الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي التَّحَالُفِ، وَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا فِي الدَّعْوَى، وَالدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهَا يَدٌ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، خَلَصَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ بينة لم تعارضها بينة غيره وتعارضت البينات فِي الثُّلُثَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، فَكَانَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ: أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ حُكِمَ بِهَا لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَفِي قَدْرِ مَا يُحْكَمُ لَهُ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْكَمُ لَهُ أَوْ بِثُلُثَيْهَا، إِذْ قِيلَ: إِنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ لَمْ تُرَدَّ فِي بَاقِيهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْكُلِّ قَدْ رُدَّتْ فِي الثُّلُثَيْنِ فَلَمْ تُرَدُّ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحْكَمُ لَهُ بِجَمِيعِ الدَّارِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ، رُدَّتْ فِي جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْكُلِّ لَمَّا رُدَّتْ فِي الثُّلُثَيْنِ رُدَّتْ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا صَاحِبُ الْيَدِ وَأَقَرَّ بِهَا لِبَعْضِهِمْ، أَوْ لِجَمِيعِهِمْ حُمِلُوا فِيهِ عَلَى إِقْرَارِهِ وَفِي إِحْلَافِهِ لَهُمْ قَوْلَانِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَاتِ يُوجِبُ الْقُرْعَةَ دُونَ الْإِسْقَاطِ، قِيلَ هَذَا لَا يُعَارَضُ فِي الثُّلُثِ الْخَالِصِ لِصَاحِبِ الْكُلِّ، وَتَرْتِيبُ الْقُرْعَةِ فِي الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: فَالرُّتْبَةُ الْأَوْلَى: أَنْ تَقْرَعَ فِي السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَاهُمَا، وَلَمْ يَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِمَا، فَمَنْ قَرَعَتْ فِيهِ بَيِّنَتُهُ، حُكِمَ لَهُ بِهِ. وَالرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَقْرَعَ فِي السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ الثُّلُثِ، وَالنِّصْفِ بَيْنِ ثُلُثِهِ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، وَمُدَّعِي النِّصْفِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ صَاحِبِ الثُّلُثِ لَمْ تُعَارِضْهُمْ فِيهِ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَةُ الثَّلَاثَةِ فَمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ حُكِمَ بِهِ لَهُ. وَالرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِقْرَاعُ فِي الثلث الباقي بين الربعة، لِأَنَّ بَيِّنَاتِ جَمِيعِهِمْ قَدْ

стр. 8070

تَعَارَضَتْ وَيُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَاتِ، يُوجِبُ اسْتِعْمَالَهَا بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْقُرْعَةِ، فَعَلَى هَذَا يُقَسَّمُ الثُّلُثَيْنِ بَعْدَ الثُّلُثِ الْخَالِصِ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ تَعَارَضَتْ فِيهِمُ الْبَيِّنَةُ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، هِيَ مَضْرُوبُ ثَلَاثَةٍ فِي سِتَّةٍ فِي اثْنَيْنِ، وَتَرَتَّبَتِ الْقِسْمَةُ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ، كَمَا تَرَتَّبَتِ الْقُرْعَةُ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: فَالرُّتْبَةُ الْأَوْلَى: قِسْمَةُ السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ سِتَّةٌ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، تُقَسَّمُ بَيْنَ صَاحِبِ الْكُلِّ، وَصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَاهُمَا، وَلَمْ تَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِمَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَقَدْ صَارَ إِلَى صَاحِبِ الْكُلِّ بِالثُّلُثِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، صَارَ لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يُقَسَّمُ السُّدُسُ الَّذِي بَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ أَثْلَاثًا بَيْنَ صَاحِبِ الْكُلِّ، وَصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَصَاحِبِ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَاتُهُمْ، وَلَمْ تَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ سَهْمَانِ مِنَ السِّتَّةِ فَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الْكُلِّ إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا، صَارَ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ صَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ إِلَّا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ. وَالرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: قَسْمُ الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ تَعَارُضُ بَيِّنَاتِهِمْ كُلِّهِمْ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الْكُلِّ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، صَارَ لَهُ عِشْرُونَ سَهْمًا، وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ. وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ النِّصْفِ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ سَهْمَانِ صَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الثُّلُثِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، فَإِذَا جُمِعَتْ سِهَامُهُمْ، وَهِيَ عِشْرُونَ سَهْمًا لِصَاحِبِ الْكُلِّ، وَثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَخَمْسَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ اسْتَوْعَبَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، وَقُسِّمَتْ عَلَيْهَا الدَّارَ بَيْنَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو دَارًا فِي يَدِ زَيْدٍ فَأَقَامَ عَمْرٌو الْبَيِّنَةَ، أَنَّ الدَّارَ لَهُ انْتُزِعَتْ مِنْهُ الدَّارُ، وَسُلِّمَتْ إِلَى عَمْرٍو، فَإِنْ عَادَ زَيْدٌ بَعْدَ انْتِزَاعِ الدَّارِ مِنْ يَدِهِ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ مِلْكَهُ، حُكْمَ لَهُ بِالدَّارِ، وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَالِ يَدٌ، لِأَنَّ زَوَالَ يَدِهِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ عُرِفَ سَبَبُ زَوَالِهَِا، وَصَارَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ مَعَ يَدِهِ، وَهِيَ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فَقَضَى بِهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.

стр. 8071

٠ - وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَأَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ وَالدَّارَ فِي يَدِهِ، بِأَنَّهُ مَالِكُهَا، وَأَقَامَ عَمْرٌو البينة أنه ابتاعها من زيد، حم بِهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَدْ أَثْبَتَتْ لِزَيْدٍ مِلْكًا، زَالَ عَنْهُ إِلَى عَمْرٍو، بِابْتِيَاعِهَا، فَكَانَتْ أَزِيدُ بَيَانًا، وَأَثْبَتُ حُكْمًا، فَلَوْ أَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ وَالدَّارُ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ مَالِكُهَا، وَأَقَامَ عَمْرٌو الْبَيِّنَةَ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ لَهُ عَلَى زَيْدٍ بِمِلْكِهَا كُشِفَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِمِلْكِهَا لِعَمْرٍو، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ حُكِمَ بِهَا لَهُ، لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَيِّنَةٌ نَزَعَهَا مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَجَبَ أَنْ يُنْقَضَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّ زَيْدًا قَدْ أَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً مَعَ يَدِهِ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ لِعَدَالَةِ بَيِّنَةِ عَمْرٍو وَجَرْحِ بَيِّنَةِ زَيْدٍ نظر، فإنفإن أعاد زيد تالك الْبَيِّنَةَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَدَالَتُهَا حُكِمَ بِهَا لِعَمْرٍو دُونَ زَيْدٍ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ بِالْجَرْحِ فِي شَهَادَةٍ لَمْ تُسْمَعْ مِنْهَا تِلْكَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ، وَكَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو مَاضِيًا، وَإِنْ أَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً غَيْرَ تِلْكَ الْمَرْدُودَةِ، حُكِمَ بِالدَّارِ لِزَيْدٍ، وَنُقِضَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو. وَإِنْ بَانَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ مَعَ بَيِّنَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنْ يُحْكَمَ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، كَرَأْيِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَفِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُنْقَضُ، لِنُفُوذِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَلَمْ يُنَقَضْ، وَتُقَرُّ الدَّارُ فِي يَدِ عَمْرٍو. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُنْقَضُّ حُكْمُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَيُحْكَمُ بِهَا لِزَيْدٍ، لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ فَالْقِيَاسُ فِيهِ جَلِيٌّ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ قَوِيٌّ، فَنُقِضَ بِأَقْوَى الِاجْتَهَادَيْنِ أَضْعَفُهُمَا، وَإِنَّمَا لَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ مَعَ التَّكَافُؤِ، وَاحْتِمَالُ التَّرْجِيحِ. وَإِنْ بَانَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ زَيْدٍ، نُظِرَ فِي الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يُحْكَمَ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، فَفِي نَقْضِ حُكْمِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا. وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ، فَلَمْ يَسْمَعْهَا، بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، نُقِضَ حُكْمُهُ لِعَمْرٍو وَحُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ بَعْدَ الْكَشْفِ السَّبَبُ الَّذِي أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِهَا لِعَمْرٍو، دُونَ زَيْدٍ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ زَيْدٍ وَبَيِّنَتِهِ، فَفِي نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا لِعَمْرٍو وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الحكم بها نافذ ممضى ولا ينقص إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ مَا يُوجِبُ نَقْضَهُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي أَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِنَقْضِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ نُفُوذُهُ عَلَى الصحة، حتى بعلم فَسَادُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو تَغْلِيبًا لِيَدِ زَيْدٍ، وَبَيِّنَتِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ نَفَذَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ لِاحْتِمَالِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا قول محمد بن الحسن وأن كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8072

(باب في القافة ودعوى الولد من كتاب الدعوى والبينات ومن كتاب نكاح قديم) (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أعرف السرور في وَجْهِهِ فَقَالَ " أَلَمْ تَرَي أَنْ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَافَةِ إِلَّا هَذَا انْبَغَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ عِلْمٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِلْمًا لَقَالَ لَهُ لَا تَقُلْ هَذَا لِأَنَّكَ إِنْ أَصَبْتَ فِي شَيْءٍ لَمْ آمن عليك أن تخطىء في غيره وفي خطئك قذف محصنة أو نفي نسب وما أقره إلا أنه رضيه ورآه علما ولا يسر إلا بالحق ﷺ َ - ودعا عمر ﵀ قائفا في رجلين ادعيا ولدا فقال لقد اشتركا فيه فقال عمر للغلام وال أيهما شئت وشك أنس في ابن له فدعا له القافة (قال الشافعي) ﵀ وأخبرني عدد من أهل العلم من المدينة ومكة أنهم أدركوا الحكام يفتون بقول القافة (قال الشافعي) ﵀ ولم يجز الله جل ثنائه نسب أحد قط إلا إلى أب واحد ولا رسوله ﵇ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ الْقِيَافَةُ يُحْكَمُ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ يَظُنُّهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا يَطَؤُهَا فِيهِ، أَوْ كَانَ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا يَطَؤُهَا فِيهِ وَوَطِئَهَا الْآخَرُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي أَمَةٍ فَيَشْتَرِكَانِ فِي وَطْئِهَا، ثُمَّ تَأْتِي بِوَلَدٍ بَعْدَ وَطْئِهَا لِمُدَّةٍ لَا تَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّ الْحَمْلِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَلَا تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَائِهِمَا، فَيُحْكَمُ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا: وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَكَ عَدَدٌ كَثِيرٌ فِي وَطْئِهَا، حُكِمَ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَسَوَاءٌ اجْتَمَعُوا عَلَى ادِّعَائِهِ، وَالتَّنَازُعِ فِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي اسْتِوَائِهِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب ﵇ فِي الْقَافَةِ، إِذَا وُجِدُوا، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ إِذَا فُقِدُوا وَحَكَمَ عُمَرُ ﵁ بِالْقَافَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ

стр. 8073

أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ لَا يُحْكَمُ بِالْقَافَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ وَأَكْثَرُ، وَأَلْحَقَهُ بِجَمِيعِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةً. وَإِذَا تَنَازَعَ امْرَأَتَانِ وَلَدًا أَلْحَقْتُهُ بِهِمَا كَالرَّجُلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أُلْحِقُهُ بِالْوَاحِدِ إِجْمَاعًا، وَبِالِاثْنَيْنِ أَثَرًا وَبِالثَّلَاثَةِ قِيَاسًا وَلَا أُلْحِقُهُ بِالرَّابِعِ، فَتَحَرَّرَ الْخِلَافُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أحدها: في إِلْحَاقِهِ بِالْقَافَةِ مَنَعَ مِنْهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَوَّزْنَاهُ. والثاني: في إلحاقه بأبوين جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبْطَلْنَاهُ. وَالثَّالِثُ: فِي خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ فَأَكْثَرَ، صَحَّحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَفْسَدْنَاهُ. واستدل أصحاب أبي حنيفة على إبطال قوة الْقَافَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّبَهِ تَأْثِيرٌ فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْقَائِفِ، وَبُقُولِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صورة ما شاء ركبك﴾ وَلَوْ تَرَكَّبَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ زَالَتْ عَنْ مُشْتَبَهٍ. وبقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ . وَالْقِيَافَةُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أُنْكِرَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَعُدَّتْ مِنَ الْبَاطِلِ، حَتَّى قَالَ جَرِيرٌ فِي شِعْرِهِ: (وَطَالَ خِيَارِي غُرْبَةُ الْبَيْنِ وَالنَّوَى ... وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوَّفُ) أَيْ يَقُولُ: الْبَاطِلَ. وَمِمَّا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَأَنَا أُنْكِرُهُ. فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ. قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ ". فَأَبْطَلَ الِاعْتِبَارَ بِالشَّبَهِ الَّذِي يَعْتَبِرُهُ الْقَائِفُ. وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَجْلَانِي لَمَّا قُذِفَ مِنْ شَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ بِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا "، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " إِنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ

стр. 8074

اللَّهُ لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَمْنَعُ مِنِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَتِ الْقِيَافَةُ عِلْمًا لَعَمَّ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُخْتَصَّ بِقَوْمٍ وَلَأَمْكَنَ أَنْ يَتَعَاطَاهُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ كَسَائِرِ الْعُلُومِ فَلَمَّا لَمْ يَعُمَّ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُتَعَلَّمَ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْمَلُ بِالْقِيَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْبَهَائِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِآبَائِهِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". فَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْفِرَاشِ لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْإِلْحَاقِ، وَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: " اخْتَصَمَا فِي رَجُلَيْنِ إِلَيْهِ وَقَدْ وَطِئَا امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَدَعَا بِالْقَائِفِ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: قَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرْبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَةِ، حَتَّى أَضْجَعَهُ ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّهُ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا، وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا. فَلَمْ يظهر له في الحكم بهما فخالف مَعَ اشْتِهَارِ الْقَضِيَّةِ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِهِمَا كَأَبَوَيْنِ. قَالُوا: ولأن أسباب التوارث لا يمنع الِاشْتِرَاكُ فِيهَا كَالْوَلَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءِ رِجَالٍ بِأَنَّهُ لَمَّا خُلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، إِذَا امْتَزَجَ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ فِي الرَّحِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ الْجَمَاعَةِ، إِذَا امْتَزَجَ مَاؤُهُمْ بِمَائِهَا، لِأَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ أَقْوَى وَبِالِانْفِرَادِ أَضْعَفُ، وَالْقُوَّةُ أَشْبَهُ بِعُلُوقِ الْوَلَدِ مِنَ الضَّعْفِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْ إِنْزَالٍ بَعْدَ إِنْزَالٍ، جَازَ أَنْ يخلق من اجتماع ماء الجماعة من وطىء بعد وطىء، لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْمِيَاهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ كَاجْتِمَاعِهَا مِنَ الْوَاحِدِ. (فَصْلٌ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّبَهِ فِي الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ، وَالْعَمَلِ فِيهَا بِالْقِيَافَةِ، مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنْ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَعْرِفُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ ". وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَبْرُقُ سَرَائِرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَي أَنْ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ، عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بَعْضٍ. فَفِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ قَصِيرًا عَرِيضَ الْأَكْتَافِ أَخْنَسَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ، وَكَانَ أُسَامَةُ مَدِيدَ الْقَامَةِ أقنى أسود

стр. 8075

اللَّوْنِ، وَكَانَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - يَكْرَهُ الْقَدْحَ فِيهِ وَفِي أُسَامَةَ، فَلَمَّا جَمَعَ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيُّ بَيْنَهُمَا فِي النَّسَبِ، بِقَوْلِهِ: " هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بُقُولِهِ لِزَوَالِ الْقَدْحِ فِيهِمَا، مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ فِي نَسَبِهِمَا فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقِيَافَةُ حَقًا، لَمَا سُرَّ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَرُّ بِبَاطِلٍ ولرد ذلك عليه، وإن أصاب، لأن لا يَأْمَنَ مِنَ الْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مَأْخُوذٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ َ - مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَإِقْرَارِهِ، فَكَانَ إِقْرَارُهُ لِمُجَزِّزٍ عَلَى حُكْمِهِ شَرْعًا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ َ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْأَبْطَحِ فَرَأَى بَعْضَ قَافَةِ الْأَعْرَابِ. فَقَالَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا الْقَدَمَ بِقَدَمِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي فِي الْحِجْرِ، فَأَلْحَقَهُ بِالْجَدِّ الْأَبْعَدِ، وَأَقَرَّهُ عَلَى اقْتِفَاءِ الْأَثَرِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَثَبَتَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ بِالْقَافَةِ شَرْعًا. وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهِ فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ مُخْتَفِيًا فِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخَذَتْ قُرَيْشٌ قَائِفًا يَتْبَعُ بِهِ أَقْدَامَ بَنِي إِبْرَاهِيمَ، فَيَتَتَبَّعُهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْغَارِ ثُمَّ انْقَطَعَ الْأَثَرُ فَقَالَ: إِلَى هَاهُنَا انْقَطَعَ أَثَرُ بَنِي إِبْرَاهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ َ - فِيهِ إِنْكَارٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قد اعتبر لشبه فِي وَلَدِ الْعَجْلَانِيِّ، فَقَالِ: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا "، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " لَوْلَا الْأَيْمَانُ " وَرُوِيَ " الْقُرْآنُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ". يَعْنِي فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْفِرَاشِ، وَنَفْيِهِ عَنِ الْعَاهِرِ، وَلَوْلَا أَنَّ الشَّبَهَ مَعَ جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ حُكْمٌ، لَأَمْسَكَ عَنْهُ كَيْلَا يَقُولَ بَاطِلًا فَيُتَّبَعُ فِيهِ وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ َ - عَنْ قَوْلِ الْبَاطِلِ كَمَا نَزَّهَهُ عَنْ فِعْلِهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا غَلَبَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ الشَّبَهُ لِلْأَعْمَامِ وَإِذَا غَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ كَانَ الشَّبَهُ لِلْأَخْوَالِ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلشَّبَهِ تَأْثِيرًا فِيمَا أَشْبَهَ فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ". فَجَعَلَ لِلْفِرَاسَةِ حُكْمًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ اشْتِهَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ، ﵃ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ، وَأُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ شَكَّ فِي ابْنٍ لَهُ، فَأَرَاهُ الْقَافَةَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُنْكَرًا لَمَا جَازَ مِنْهُمْ إِقْرَارُهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ جَرَى فِي أَشْعَارِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيَافَةِ عِنْدَهُمْ،. وَاشْتِهَارِ صِحَّتِهَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ: (قَدْ زَعَمُوا أَنْ لَا أُحِبُّ مُطْرِفَا ... كَلَّا وَرَبِّ الْبَيْتِ حُبًا مُسْرِفَا) (يَعْرِفُهُ مَنْ قَافَ أَوْ تَقَوَّفَا ... بِالْقَدَمَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْقَفَا) (وَطَرْفِ عَيْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا ... ... ... ... ... ... ... )

стр. 8076

ويدل عليه من طريق المعنى، وهو أَنَّ الْحَادِثَةَ فِي الشَّرْعِ، إِذَا تَجَاذَبَهَا أَصْلَانِ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ، لَمْ تُرَدَّ إِلَيْهَا، وَرُدَّتْ إِلَى أَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهَا، كَذَلِكَ فِي اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى إِبْطَالِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ يَأْتِي فِي وقول الله تعالى: ﴿يأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] ، وَهَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِهِمْ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ خَلْقِ أَحَدِهِمْ مِنْ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] فَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ نُطْفَتَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْ لَيْسَ فِي سَالِفِ الْأُمَمِ، وَحَدِيثِهَا، وَلَا جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، أَنْ نَسَبُوا أَحَدًا فِي أَعْصَارِهِمْ، إِلَى أَبَوَيْنِ، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ خَرْقُ الْعَادَاتِ، وَفِي خَرْقِهَا إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِهَا، بَطَلَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا. وَالْقِيَاسُ، هُوَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ، لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِمَا كَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَمْتَنِعُ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الْوَطْءِ فَيُلْحِقُهُ بِالْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، وَالدَّلِيلِ عَلَى إِبْطَالِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أُمَمُ الطِّبِّ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، أَنَّ عُلُوقَ الْوَلَدِ يَكُونُ حِينَ يَمْتَزِجُ مَاءُ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ تَنْطَبِقُ الرَّحِمُ عَلَيْهِمَا بعد ذلك [الامتزاج] فَيَنْعَقِدُ عُلُوقُهُ لِوَقْتِهِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَاءٌ آخر، من ذلك الواطىء وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى على قوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مما خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾ يَعْنِي أَصْلَابَ الرِّجَالِ، وَتَرَائِبِ النِّسَاءِ، وَالتَّرَائِبُ الصُّدُورُ فَاسْتَحَالَ، بِهَذَا خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ مِنْ ذَكَرَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ فِي شَاهِدِ الْعُرْفِ أَنْ تَنْبُتَ السُّنْبُلَةُ مِنْ حَبَّتَيْنِ، وَتَنْبُتَ النَّخْلَةُ مِنْ نَوَاتَيْنِ، دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِلْ خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءِ ذَكَرٍ، وَأُنْثَى، لَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى. قِيلَ: قَدْ جَوَّزْتُمْ مَا يَسْتَحِيلُ إِمْكَانُهُ فِي الْعُقُولِ، وَالْعِيَانِ مِنْ إلحاق الولد، بأمين فكيف اعتبرتهم إِنْكَارَ إِلْحَاقِهِ بِأَبَوَيْنِ؟ وَتَعْلِيلُكُمْ بِالْإِمْكَانِ فِي الْأَبَوَيْنِ يُبْطِلُ إِلْحَاقَكُمْ لَهُ بِأُمَّيْنِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عِنْدَنَا مُسْتَحِيلٌ فِي الْأَبَوَيْنِ، وَالْأُمَّيْنِ، ثُمَّ نَقُولُ مَا اسْتَحَالَ عَقْلًا وَشَرْعًا فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ. لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَسَبٌ كَابْنِ عِشْرِينَ إِذَا ادَّعَى أَبُوهُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُلْحَقْ لِاسْتِحَالَتِهِ، كذلك ادعاء امرأتين ولد لَمْ يُلْحَقْ بِهِمَا لِاسْتِحَالَتِهِ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ به

стр. 8077

عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْجَمَاعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قوله تعالى: ﴿من أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] فَهُوَ: أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ فِيمَا شَاءَ مِنْ شَبَهِ أَعْمَامِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . فَهُوَ: أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، لَا يُنْسَبُ إِلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنْ وَافَقَهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ َ -: " لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ " فَهُوَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِنُزُوعِ الْعِرْقِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ: فَهُوَ مَا جَعَلْنَاهُ دَلِيلًا مِنْهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اخْتِصَاصِ قَوْمٍ بِهِ، وَتَعَذُّرِ مُعَاطَاتُهُ، وَتَعَلُّمِهِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ، أَنْ يَكُونَ فِي الْعُلُومِ، مَا يُسْتَفَادُ بِالطَّبْعِ دُونَ التَّعَلُّمِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (إِنْ لَمْ يَسْتَفِدْهُ الْإِنْسَانُ طَبْعًا ... تَعَذَّرَ أَنْ يَقُولَهُ بِتَعَلُّمِ وَاكْتِسَابِ) وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ صِنَاعَةُ الشِّعْرِ عِلْمًا، كَذَلِكَ الْقِيَافَةُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ": فَهُوَ أَنَّ الْفِرَاشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الزَّوْجَةُ، وَعِنْدَنَا مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ وَلَدَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ لِاثْنَيْنِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ وَلَدُهَا إِلَّا بِوَاحِدٍ فَلَمُ يَكُنْ فِرَاشًا إِلَّا لِوَاحِدٍ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِامْتِنَاعِ الْقِيَافَةِ فِي الْبَهَائِمِ. فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِإِلْحَاقِ الْبَهَائِمِ الْمِلْكَ، وَالْيَدَ أَقْوَى فَاسْتَغْنى بِهِ عَنِ الْقِيَافَةِ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْآدَمِيِّينَ النَّسَبُ، وَالْيَدُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى الْقِيَافَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ عُمُرَ ﵁ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِاثْنَيْنِ. فَهُوَ: أَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " عَنِ ابْنِ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدًا فَدَعَا عُمَرُ ﵁ الْقَافَةَ فَقَالُوا: قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ. فقال عمر: وإلى أيهما يثبت؟ ويرى أَنَّهُ دَعَا عَجَائِزَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقُلْنَ: إِنَّ الْأَوَّلَ وَطِئَهَا، فَعَلَقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ حَاضَتْ فَاسْتَحْشَفَ الْوَلَدُ ثُمَّ وَطِئَهَا الثَّانِي فَانْتَعَشَ بِمَائِهِ، فَأَخَذَ شَبَهًا مِنْهُمَا فَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَقْرَبِ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، سَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا وَكَانَتْ دَلِيلًا لَنَا لِاجْتِمَاعِهِمْ، فِيهَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، وَاسْتِخْبَارِهِمْ عَنْ إِلْحَاقِ الولد. وأما الجواب عن قياسهم على إلحافه بِأَبَوَيْهِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِدَعْوَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَهُوَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ هُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي وَطْءٍ وَاحِدٍ، فَلَحِقَ الْوَلَدُ بِهِمَا وَالرَّجُلَانِ لَا يَشْتَرِكَانِ فِي وَطْءٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِمَا.

стр. 8078

وأما الجواب عن استدلالهم بالولاء تَعْلِيلًا بِالتَّوَارُثِ بِهَا، فَلَيْسَتِ الْأَنْسَابُ مُعْتَبَرَةٌ بِالتَّوَارُثِ لِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ مَعَ عَدَمِ التَّوَارُثِ بِالرِّقِّ، وَاخْتِلَافِ الدِّينِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْوَلَاءِ حُدُوثُهُ عَنْ مِلْكٍ، لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، وَحُدُوثُ النَّسَبِ عَنْ وَطْءٍ وَاحِدٍ، يَمْتَنِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ، بِأَنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى، لَحِقَ بِذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى، فَقَدْ تَقَدَّمَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ امْتِنَاعِهِ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ مَاءٍ، مِنْ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْوَاطِئَيْنِ زَوْجًا وَطْئِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَالْآخَرُ أَجْنَبِيًّا، وَطْئِهَا بِشُبْهَةٍ كَانَا فِي اسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ سَوَاءً، وَيُلْحِقُهُ الْقَافَةُ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُلْحَقُ بِالزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ قَافَةٍ لِقُوَّتِهِ بِالنِّكَاحِ، وَتَمَيُّزِهِ بِالِاسْتِبَاحَةِ. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ، لَكَانَ الْوَلَدُ لَاحِقًا بِهِ فَوَجَبَ إِذَا اجْتَمَعَا أَنْ يَسْتَوِيَا فِي اسْتِلْحَاقِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِهِ. وَلَيْسَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالِاسْتِبَاحَةِ مُوجِبًا، لِاخْتِصَاصِهِ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ كَمَنْ بَاعَ أَمَةً بَعْدَ وَطْئِهَا، وَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ لُحُوقُهُ، بِهِمَا اسْتَوَيَا فِي اسْتِلْحَاقِهِ وَأَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِمُشْبِهِهِ. وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الْبَائِعِ مُبَاحًا وَوَطْءُ الْمُشْتَرِي مَحْظُورًا. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْقِيَافَةِ فِي الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ بَعْدَ الِاشْتِرَاكِ فِي أَسْبَابِ لُحُوقِهَا، فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: صِفَةُ الْقَائِفِ. وَالثَّانِي: صِفَةُ القيافة. الثالث: الْمُوجِبُ لَهَا. وَالرَّابِعُ: نُفُوذُ الْحُكْمِ بِهَا. فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي صِفَةِ الْقَائِفِ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ شُرُوطٍ، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِهَا قَائِفًا - وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدُ الْحَالِ بَيْنَ حُكْمٍ، وَشَهَادَةٍ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا، أَوْ فَاسِقًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قَائِفًا. وَعِلْمُهُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُهُ بِالْقِيَافَةِ. وَالثَّانِي: عِلْمُهُ بِالْفِقْهِ.

стр. 8079

فَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْقِيَافَةِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِيهِ وَمُخْتَبَرًا عَلَيْهِ، وَاخْتِبَارُهُ فِيهِ أَنْ يُجَرَّبَ فِي غَيْرِ الْمُتَنَازِعِينَ، بِأَنْ يُضَمَّ وَلَدٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ، إِلَى جَمَاعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، وَيُقَالُ لَهُ: مَنْ أَبُوهُ مِنْهُمْ؟ وَلَا يُقَالُ أَلْحِقْهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، فَإِذَا قَالَ: لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، ضَمَّهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ إِلَى جَمَاعَةٍ لَهُ فِيهَا أَبٌ، وَقِيلَ لَهُ: أَلْحِقْهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِمْ أَبًا، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، عُرِفَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْقِيَافَةِ. وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْأَوَّلِ فَأَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ أَخْطَأَ فِي الثَّانِي فَأَلْحَقَهُ بِغَيْرِ أبيه منهم، علم بأنه غير عالم بالقيامة، وَلَا يُقْنَعُ، إِذَا أَصَابَ مَرَّةً أَنْ يُجَرَّبَ فِي ثَانِيَةٍ، وَثَالِثَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ فِي الْأَوَّلَةِ، اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِيَةِ، ظَنًّا وَفِي الثَّالِثَةِ يَقِينًا، فَإِذَا وُثِقَ بِعِلْمِهِ عُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْتَبِرَ ثَانِيَةً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِعِلْمِهِ. وَأَمَّا عِلْمُ الْفِقْهِ فَإِنْ نَزَلَ بِهِ مَنْزِلَةَ الْمُخَيَّرِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى عِلْمِ الْفِقْهِ وَإِنْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ حَالَتَيْهِ اعْتُبِرَ فِيهِ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ، مَا اخْتَصَّ بِلُحُوقِ الْأَنْسَابِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْفِقْهِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي الْقَافَةِ مُتَعَذِّرًا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَا مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَافَةِ، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِعِلْمِ الْقِيَافَةِ طَبْعًا فِي خَلْقِهِمْ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقِيَافَةِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْدَمَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَيُوجَدَ فِي غَيْرِ بَنِي مُدْلِجٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ وُجُودُهُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْقِيَافَةِ، فَالْمُعْتَبِرُ فِيهَا التَّشَابُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَخْطِيطُ الْأَعْضَاءِ وَأَشْكَالُ الصُّورَةِ. وَالثَّانِي: فِي الْأَلْوَانِ وَالشُّعُورِ. وَالثَّالِثُ: فِي الْحَرَكَاتِ وَالْأَفْعَالِ. وَالرَّابِعُ: فِي الْكَلَامِ، وَالصَّوْتِ، وَالْحِدَّةِ، وَالْأَنَاةِ، وَلَئِنْ جَازَ أَنْ تَخْتَلِفَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فِي الظَّاهِرِ الْجَلِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، فِي الْبَاطِنِ تَشَابُهٌ خَفِيٌّ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَمِيعِهَا لِغَلَبَةِ التَّشَابُهِ بِالْأُمَّهَاتِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا لِأَنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ أَبْيَضَ، وَأَسُودَ، لَا يَكُونُ أَبْيَضَ مَحْضًا، وَلَا أَسْوَدَ مَحْضًا فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الْبَيَاضِ، مَا يُقَارِبُ الْأَبْيَضِ، وَمِنَ السَّوَادِ مَا يُقَارِبُ بالسواد. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَلَدِ مَعَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْآخَرِ، فَيَلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ شَبَهُهُ، وَيُنْفَى عَمَّنْ لَيْسَ فِيهِ شَبَهُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، أَوْ من بعضها ظَاهِرًا كَانَ أَوْ خَفْيًا.

стр. 8080

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ فِي الْقِيَافَةِ بَيَانٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنْهَا، لِأَنَّ نَسَبَهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا، فَيُعْدَلُ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى الِانْتِسَابِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. والْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَمَاثَلَ الشَّبَهَانِ، وَلَا يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَلَا يَكُونُ فِي الْقِيَافَةِ بَيَانٌ، وَيَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهَا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَتَمَاثَلَ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ، وَيَخْتَلِفَا فِي الظُّهُورِ، وَالْخَفَاءِ، يَكُونُ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَبَهَانِ، وَهُوَ فِي أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ، وَفِي الْآخَرِ خَفِيٌّ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الشَّبَهُ دُونَ مَنْ خَفِي فِيهِ. وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَمَاثَلَا فِي الظُّهُورِ، وَالْخَفَاءِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْعَدَدِ، فَيَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَفِي الْآخَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَيَلْحَقُ بِمَنْ زَادَ عَدَدُ الشَّبَهِ فِيهِ دُونَ مَنْ قَلَّ. وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ عَدَدًا، وَأَظْهَرَ شَبَهًا، وَهُوَ فِي الْآخِرِ أَقَلُّ، وَأَخْفَى، فَيُلْحَقُ بِمَنْ كَثُرَ فِيهِ عَدَدُ الشَّبَهِ، وَظَهَرَ دُونَ مَنْ قَلَّ، فِيهِ وَخَفِيَ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الضَّرْبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَالضَّرْبُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الشَّبَهِ أَكْثَرَ عَدَدًا، وَأَخْفَى شَبَهًا، وَالْآخَرُ أَقَلَّ عَدَدًا، وَأَظْهَرَ شَبَهًا، فَيَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ خَفِيَّةٍ، وَفِي الْآخَرِ من وجهين ظاهرين، ففه وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُرَجِّحُ كَثْرَةَ الْعَدَدِ عَلَى ظُهُورِ الشَّبَهِ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ الشَّبَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ خَفِيَّةٍ، تَغْلِيبًا لِزِيَادَةِ التَّشَابُهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُرَجَّحُ ظُهُورُ الشَّبَهِ عَلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ الشَّبَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ظَاهِرَيْنِ، تَغْلِيبًا لِقُوَّةِ التَّشَابُهِ. فَهَذَا أَصْلٌ فِي اعْتِبَارِ التَّشَابُهِ فِي الْقِيَافَةِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فَطِنَ الْقَافَةُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ فِطْنَتُهُ مِنْ أَعْدَادِ التَّشَابُهِ أَقْوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ فِطْنَتُهُ فِي قُوَّةِ التَّشَابُهِ أَقْوَى، فَيَعْتَمِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا فِي قُوَّةِ فِطْنَتِهِ، تَغْلِيبًا لِقُوَّةِ حِسِّهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِفُ عَارِفًا بِأَحْكَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُخْبِرًا، وَحَاكِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَحْكَامِهَا كَانَ فِيهَا مُخْبِرًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حَاكِمًا، لِيَحْكُمَ بِهَا مِنَ الْحُكَّامِ مَنْ يَعْلَمُهَا، وَيَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيهَا.

стр. 8081

(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْمُوجِبِ لِاسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، فَالتَّنَازُعُ فِي الْوَلَدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ لَقِيطٍ لَا يُعْرَفُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ فَرَاشٌ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا بَالِغًا عَاقِلًا تَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَكَانَ الْجَوَابُ مَأْخُوذًا مِنْهُ. فَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، لَحِقَ بِالْمُصَدِّقِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِلْمُكَذَّبِ، لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يُغْرَمْ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا، وَلَمْ يحلق بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ التَّكْذِيبِ قُبِلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا ابْنُ وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، رُجِعَ إِلَى الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ، بِأَحَدِهِمَا فَإِنْ عُدِمُوا أُخِذَ الْوَلَدُ جَبْرًا بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا غَيْبًا، فَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُ الْمُتَنَازِعَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَافَةِ وَالِانْتِسَابِ، جَازَ وَصَارَ وَلَدًا لِمَنْ سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَسَبِهِ، إِمَّا بَعْدَ الْقَافَةِ، أَوْ بَعْدَ الِانْتِسَابِ لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ كَانَ بَالِغًا مَجْنُونًا، اسْتُعْمِلَ فِيهِ القَافَةُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ إِقْرَارٌ وَلَا فِرَاشٌ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ وَإِنْ عُدِمُوا أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وُقِفَ إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ فَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِهِ قَبْلَ إِلْحَاقِهِ، وَبُطْلَانِهِ بَعْدَ إِلْحَاقِهِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عَنْ فِرَاشٍ وَقَعَ فِيهِ التَّنَازُعُ، فَاسْتِعْمَالُ الْقِيَافَةِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِرَاشُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، كَانَ وَلَدًا لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ مِنْ غَيْرِ قِيَافَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَبَهُهُ بِغَيْرِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ أَقْوَى. فَلَوْ أَنَّ زَوْجًا شَكَّ فِي وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ الْقَافَةُ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْقَافَةَ لَا تَنْفِي مَا لَحِقَ بِالْفِرَاشِ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْفِرَاشِ مُوجِبًا لِلُحُوقِ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَوِ انْفَرَدَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ، لِأَنَّهُمَا زَانِيَانِ بَطَلَتْ دَعْوَاهُمَا فِيهِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا زَانٍ، وَالْآخِرَ لَيْسَ بِزَانٍ، بَطَلَ تَنَازُعُهُمَا، وَلَمْ تُسْتَعْمَلِ الْقَافَةُ فِيهِ، وَكَانَ لَاحِقًا بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، دُونَ الزَّانِي لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ فِرَاشُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَثُبُوتُهُ، مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمُتَنَازِعَيْنِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجًا، وَالْآخَرُ ذَا شُبْهَةٍ، ثَبَتَ فِرَاشُ ذِي الشُّبْهَةِ، بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَصْدِيقُ الْمَوْطُوءَةِ، لِأَنَّ الْفِرَاشَ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 8082

فِيهِمَا زَوْجٌ اعْتُبِرَ فِيهِ تَصْدِيقُ الْمَوْطُوءَةِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، اعْتُبِرَ فِيهِ تَصْدِيقُ زَوْجِهَا، دُونَهَا، لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِالْفِرَاشِ فِيهَا، وَصَارَ الزوج داخلا معها فِي التَّنَازُعِ، لِأَنَّ لَهُ فِرَاشًا ثَالِثًا، وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ حَقٌّ لَهُ وَعَلَيْهِ. فَلَوْ أَنْكَرَتْهَا الْمَوْطُوءَةُ، أَوْ زَوْجُهَا لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِرَاشُ، وَعَلَى مُنْكِرِهَا الْيَمِينُ. وَلَوِ ادَّعَتِ الْمَوْطُوءَةُ، أَوْ زَوْجُهَا عَلَيْهَا الْفِرَاشَ، وَأَنْكَرَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا، وَلَا فِرَاشَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِذَا ثَبَتَ فِرَاشُهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّصَادُقِ فِيهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ مَعَ التَّجَاحُدِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ فِي مِثْلِهِ، تَكَامَلَتْ شُرُوطُ الِاشْتِرَاكِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَصَارَ الْفِرَاشُ حَقًّا لَهُمَا، وَحَقًّا عَلَيْهِمَا، فَلَا يَقِفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِمَا وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ لِصَاحِبِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْوَلَدِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، وَيُسْتَعْمَلُ الْقَافَةُ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا، إِذَا طُولِبَ بِهَا. وَالَّذِي يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ فِي الْفِرَاشِ مُعْتَبَرًا، وَالْوَلَدُ إِذَا كَانَ بَالِغًا فَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْحَاكِمُ بِهَا جَازَ لَهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْقِيَافَةَ إِذَا عُلِمَ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ نِيَابَةٍ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِطَلَبِ حُقُوقِهِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِقَوْلِ الْقَافَةِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَاسْتِلْحَاقِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي فِرَاشٍ. وَالثَّانِي: إِذَا تَدَاعَيَا لَقِيطًا. فَإِنْ كَانَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي فِرَاشٍ، لَمْ يَصِحَّ إِلْحَاقُهُ بِالْقَافَةِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَدْ أَوْجَبَ لَهُمَا حَقًّا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمَا حَقًّا فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا، وَنَفْيِهِ عَنِ الْآخَرِ، وَأَلْحَقَ لَهُمَا عَلَى الْوَلَدِ، وَأَلْحَقَ عَلَيْهِمَا لِلْوَلَدِ وَلِذَلِكَ وَجَبَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَلِّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَكَانَ أَغْلَظُ مِنَ اللِّعَانِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِأَنَّ اللَّعَّانَ يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ، وَالْقِيَافَةُ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. وَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ فِي ادِّعَاءِ لَقِيطٍ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِيهِ فِرَاشٌ مُشْتَرَكٌ، فَهُوَ حَقٌّ لَهُمَا وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِمَا فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ، لَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمَا،

стр. 8083

وَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ صَحَّ وَانْتَفَى عمن سلمه، ولحق عن سُلِّمَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَقِرِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلَى حُكْمٍ، وَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ فِيهِ إِنِ اخْتَارَا، وَجَازَ أَنْ يَتَحَاكَمَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ، إن اختلفا فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ وَقَفَ اخْتِيَارُ الْقَائِفِ عَلَى الْحَاكِمِ، دُونَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ، وَقَفَ اخْتِيَارُ الْقَائِفِ عَلَيْهِمَا فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى اخْتِيَارٍ قَائِفٍ كَانَا فِيهِ بِالْخِيَارِ فِي تَحْكِيمِهِ، أَوِ اسْتِخْبَارِهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ شَرْحِ التَّحْكِيمِ، وَالِاسْتِخْبَارِ. فَإِنِ اسْتَخْبَرَهُ فَأُخْبِرَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِمْضَائِهِمَا وَالْتِزَامِهِمَا. وَإِنْ حَكَّمَاهُ فَحَكَمَ كَانَ فِي لُزُومِ حُكْمِهِ لَهُمَا قولان: وإن اختلفا في اختيار القائف، إذا حلفا بعد الاتفاق عليه في تحكيمه، أو استخباره لَمْ يَعْمَلْ عَلَى اخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتَنَازَعَا فِيهِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ النَّاظِرُ بَيْنَهُمَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، إما في الفراش المشترك حتما واجبا، وإما في اللقيط المدعى، إما بالتراخي والاختيار، وإما أن يطلبه أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيُؤْخَذُ الْمُمْتَنِعُ جَبْرًا بِالْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي اللَّقِيطِ أَنْ يَنْفَرِدَا بالقيافة إذا اتفقا على التراخي فِي تَفَرُّدِهِمَا بِهِ، دُونَ الْحَاكِمِ. فَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، اخْتَارَ مِنَ الْقَافَةِ أَوْثَقَهُمْ وَأَغْلَبَهُمْ، وَاجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي تَحْكِيمِ الْقَائِفِ، أَوِ اسْتِخْبَارِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْكِيمِهِ، كَانَ ذَلِكَ اسْتِخْلَافًا لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَيُرَاعِي فِي اسْتِنَابَتِهِ شُرُوطَ التَّقْلِيدِ، وَاخْتُبِرَ فِي الْعِلْمِ بِشُرُوطِ الْإِلْحَاقِ، فَإِنْ قَضَى بِهَا، أَعْلَمَهُ بِهَا. فَأَمَّا الْمُخْتَصُّ مِنْهَا بِفِطْنَتِهِ فَقُوَّةُ حِسِّهِ، فَهُوَ مَرْكُوزٌ فِي طَبْعِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَائِفٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، فَجَازَ مِنَ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ قَائِفَيْنِ احْتِيَاطًا كَانَ أَوْكَدَ، كَمَا جُمِعَ فِي شِقَاقِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ. وَلَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فِي لُحُوقِهِ بواحد منهما، حتى يجتمعان عَلَيْهِ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ الْوَاحِدُ إِذَا أُفْرِدَ أَوِ الْقَائِفَانِ إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فيه، ونفاه عن الآخر لحقه، وَانْتَفَى عَنِ الْآخَرِ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَنْفِهِ عَنِ الْآخَرِ، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَرَى اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِالْآخَرِ، انْتَفَى عَمَّنْ نَفَاهُ عَنْهُ، وَصَارَ الْآخَرُ مُنْفَرَدًا بِالدَّعْوَى فَلَحِقَ بِهِ، لِانْفِرَادِهِ بِالْفِرَاشِ، لَا بِالْقَائِفِ. وَلَوْ تَنَازَعَ فِي دَعْوَاهُ ثَلَاثَةٌ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ، وَنَفَاهُ عَنِ الْآخَرَيْنِ، أَمْضَى حَكَمَهُ فِي إِلْحَاقِهِ وَنَفْيِهِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمْ، خَرَجَ مِنَ الدَّعْوَى، وَصَارَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنِ اثْنَيْنِ، خَرَجَا مِنَ الدَّعْوَى، وَصَارَ لَاحِقًا بِالْبَاقِي، لِانْفِرَادِهِ بِالدَّعْوَى، لَا بُقُولَ الْقَائِفِ، فَإِنْ لَحِقَ بِأَحَدِهِمْ لِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ بِهِ، وَنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فِي ثبوت

стр. 8084

نَسَبِهِ، وَلَزِمَ الْحَاكِمَ تَنْفِيذُ حُكْمِهِ، وَإِنْ نَفَاهُ الْقَائِفُ عَنْ أَحَدِهِمَا اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِالنَّفْيِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ بِاللُّحُوقِ، حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِاللُّحُوقِ، بِحُكْمِ الِانْفِرَادِ بِالدَّعْوَى، فَإِنْ رَجَعَ الْقَائِفُ بَعْدَ حُكْمِهِ بِذِكْرِ الْغَلَطِ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، لِأَنَّ نُفُوذَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ يَمْنَعُ مِنْ نَقْضِهِ بِاجْتِهَادٍ. وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ اجْتِهَادَهُ إِلَى اسْتِخْبَارِ الْقَائِفِ دُونَ تَحْكِيمِهِ، أَنْكَرَ الْقَائِفُ مُخْبِرًا، وَالْحَاكِمُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ، جَازَ وَلَزِمَهُ أَنْ يَجَمْعَ بَيْنَ قَائِفَيْنِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا، لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ. كَمَا لَا يَحْكُمُ فِي التَّقْوِيمِ إِلَّا بِقَبُولِ مُقَوِّمَيْنِ، فَإِذَا أَرَادَ الْقَائِفَانِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِمَا، أَنْ يَذْكُرَا لِلْحَاكِمِ، مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا مِنْ لُحُوقِ الْوَلَدِ بِأَحَدِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ خَبَرًا يُؤَدَّى بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ، وَلَا تَكُونُ شَهَادَةً تُؤَدَّى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مَشَاهَدٍ وَقَوْلٍ مَسْمُوعٍ وَلَيْسَ فِي الْقِيَافَةِ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَكَانَ خَبَرًا، وَلَمْ يَكُنْ شَهَادَةً فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَنْ يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِمَا، لِيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِمَا إِنْ ذَكَرَا اشْتِرَاكَهُمَا فِي الشَّبَهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤَالُهُمَا إِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا، دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاكِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي التَّرْجِيحِ، فَلَزِمَهُ السُّؤَالُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالتَّرْجِيحِ بِالشَّبَهِ، اجْتِهَادُهُ فِي التَّرْجِيحِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمَا أَفِي الشَّبَهِ اشْتِرَاكٌ؟ حَتَّى يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِهِ، وَيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاكٌ؟ حَتَّى لَا يَسْأَلَهُمَا عَنْهُ، وَلَا يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِ، ويقتنع منهما أن يقولا هذا ولد وهذا دُونَ هَذَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ شَهَادَةً تُؤَدَّى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَنْ مشاهدة، لأن الحال يَشْهَدُ، وَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ. فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِمَا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ لَكِنْ إِنْ كَانَ الشَّبَهُ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا، جَازَ لِلْقَائِفَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ وَلَدُ هَذَا دُونَ هَذَا، وَإِنْ كان الشبه مشتركا يحتاجا إِلَى اجْتِهَادٍ فِي تَرْجِيحٍ فَفِيمَا يَشْهَدَانِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَشْهَدَانِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا مِنْ لُحُوقِ نَسَبِهِ بِأَحَدِهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَشْهَدَانِ بِالشَّبَهِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ بِأَحَدِهِمَا لِيَجْتَهِدَ الْحَاكِمُ رأيه دونها، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا، هَلْ يَسُوغُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا يُؤَدُّوهُ إِذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ سَمَاعٌ. فَإِذَا أَدَّى الْقَائِفَانِ إِلَى الْحَاكِمِ مَا عِنْدَهُمَا مِنْ لُحُوقِ النَّسَبِ بِأَحَدِهِمَا خبرا على

стр. 8085

أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ شَهَادَةً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ لَزِمَ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ بِمَنْ أُلْحِقَ، وَنَفْيِهِ عَمَّنْ نَفَوْهُ، وَهُوَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، غَيْرُ لَاحِقٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَجَعَ الْقَائِفَانِ فِي قَوْلِهِمَا، وَأَلْحَقُوهُ بِمَنْ نَفَوْهُ عَنْهُ لخطأ اعترافا بِهِ رُوعِيَ رُجُوعُهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِقَوْلِهِمَا، لَمْ يَنْقُصْ حُكْمَهُ وَأَمْضَاهُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِمَا لَمْ يَكُنْ نَسَبُهُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا لِلثَّانِي. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِبُطْلَانِ الشَّهَادَةِ، بِالرُّجُوعِ عَنْهَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِتُعَارِضِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ. فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى القائفين ولحوق نَسَبِهِ، وَبَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى غَيْرِهِمَا عَدَمُ النَّسَبِ مِنْ جِهَةِ القافة، ووجب أَنْ يُوقَفَ النَّسَبُ لِلشَّكِّ، حَتَّى يَنْتَسِبَ الْوَلَدُ بِطَبْعِهِ إِلَى أَحَدُهُمَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " من شأن الرَّحِمِ إِذَا تَمَاسَّتْ تَعَاطَفَتْ ". وَلَهُ فِي زَمَانِ انْتِسَابِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ إِلَى اسْتِكْمَالِ سَبْعٍ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ أَبَوَيْهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ إِلَى بلوغه، لأنه لا يكمن بِقَوْلِهِ فِي لَوَازِمِ الْحُقُوقِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ قَبِلَ فِي الِاخْتِيَارِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ من الحقوق، فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْأَبِ، فَلَوْ رَجَعَ وَانْتَسَبَ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِالْأَوَّلِ. وَلَوْ وُجِدَتِ الْقَافَةُ بَعْدَ انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِاسْتِقْرَارِ لِحَوْقِهِ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْأَوَّلِ. وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَامَتْ وَرَثَتُهُ، مَقَامَهُ فِي الِانْتِسَابِ، إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الْمُتَنَازِعَانِ وَالْوَلَدُ بَاقٍ جُمِعَ بَيْنِهِ وَبَيْنَ عَصَبَتِهِمَا، وَكَانَ لَهُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ مَعَهُمْ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي فِرَاشٍ مُشْتَرَكٍ انْتَسَبَ إِلَى مَنِ اخْتَارَ مِنَ الْحَيِّ، أَوِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي لَقِيطٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ كَالْفِرَاشِ فِي انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْبَاقِي، لِانْقِطَاعِ دَعْوَى الْمَيِّتِ. وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ حِينَ قَلَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - قَضَاءَ الْيَمَنِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةٌ فِي وَلَدِ امْرَأَةٍ، وَقَعُوا عَلَيْهَا، فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ؛ تَنَازَعُوا فِيهِ. فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَلْحَقَهُ بِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ، وأخبر به

стр. 8086

رسول الله ﷺ َ - " فَضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِإِشْكَالِهِ عَلَى الْقَافَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا ضَحِكَ رسول الله ﷺ َ - مِنَ الْقُرْعَةِ: لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ: لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ انْتِسَابُ الْوَلَدِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا طَلَبَ الْقَائِفُ عَلَى قِيَافَتِهِ أَجْرًا، وَلَمْ يَجِدْ بِهَا مُتَطَوِّعًا جَازَ أَنْ يُعْطَى عَلَيْهَا رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ لَهُ عَمَلًا يَنْقَطِعُ بِهِ عَنْ مَكْسَبِهِ، كَمَا يُعْطَى الْقَاسِمُ وَالْحَاسِبُ وَيَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَشَكَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُلْحِقْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا استحقها ن وَفِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ دُونَ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ لِلُحُوقٍ دُونَ النَّفْيِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْعَمَلَ مُشْتَرَكٌ فِي حَقِّهِمَا، وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ كُهُوَ فِي حَقِّ مَنْ أُلْحِقَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ كَانَ إشكاله عَلَيْهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ لِتَكَافُؤِ الِاشْتِبَاهِ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُمَا، كَانَ تَغْلِيبًا بِوُجُودِ الْعَمَلِ مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا: اخْتَصَّ بِالْتِزَامِ الْآخَرِ، تَعْلِيلًا بِالْإِلْحَاقِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا وُجِدَ وَادَّعَاهُ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ لَحِقَهُ بِهِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بَعْدَهُ آخَرٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعَوَاهُ مَرْدُودَةٌ لِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِالسَّابِقِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةَ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ دَعْوَى النَّاسِ مَسْمُوعَةٌ وَيَرَى الْقَافَةُ، فَإِنْ نَفَوْهُ عَنِ الثَّانِي، كَانَ عَلَى لُحُوقِهِ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالثَّانِي أُرِيَ مَعَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَفَوْهُ عَنْهُ لَحِقَ بِالثَّالِثِ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ لَمْ يَأْتِ بِالْقَافَةِ بَيَانٌ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا، وَوَقَفَ الْوَلَدُ إِلَى حَدِّ الِانْتِسَابِ لِيَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا. فَإِنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي ادِّعَاءِ اللَّقِيطِ، وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ، فَصَاحِبُ الْيَدِ كَالسَّابِقِ بِالدَّعْوَى، فَيَكُونُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ

стр. 8087

أَحَدُهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِغَيْرِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الدَّعْوَى بِغَيْرِهِ لَا يُلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ، أَوْ يَعْتَرِفَ لَهُ الْبَاقِي بِنَسَبِهِ، أَوْ يَبْلُغَ حَدَّ الِانْتِسَابِ فَيَنْتَسِبَ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ مَعَ بَقَاءِ الِانْتِسَابِ، فَقَبْلَ الِانْتِسَابِ وَقَفَ مِنْ مَالِهِ مِيرَاثًا حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُدَّعُونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُدَّعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يوقف من قال كل واحد منهم ميراث أب، كما يوقف من ماله إذا مات ميراث أب. حتى ينتسب بعد بلوغه حَدَّ الِانْتِسَابِ، فَيَسْتَحِقَّ مِيرَاثَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ وَيَرُدُّ مَا وُقِفَ مِنَ الْبَاقِينَ عَلَى وَرَثَتِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُوقَفُ لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ، وَيُدْفَعُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى وَرَثَتِهِ والله أعلم. (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " وَلَوِ ادَّعَى حُرٌّ وَعَبْدٌ مُسْلِمَانِ وَذِمِّيٌّ مَوْلُودًا وُجِدَ لَقِيطًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالتَّدَاعِي فِيمَا سِوَاهُ فَيَرَاهُ الْقَافَةُ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدٍ فَهُوَ ابْنُهُ وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِأَكْثَرَ لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَبْلُغُ فَيَنْتَسِبُ إِلَى أَيِّهِمْ شَاءَ فَيَكُونُ ابْنُهُ وَتَنْقَطِعَ عَنْهُ دَعْوَى غَيْرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَسْتَوِي إِذَا ادعى الولد، الحر وَالْعَبْدُ وَالْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ لَقِيطًا أَوْ مِنْ فِرَاشٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِمَامُ ﵀: إِذَا تَنَازَعَ حُرٌّ وَعَبْدٌ أَلْحَقْتُهُ بِالْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ. وَإِنْ تَنَازَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أَلْحَقْتُهُ بِالْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، وَلَوْ تَنَازَعَ حُرٌّ كَافِرٌ وَعَبْدٌ مُسْلِمٌ، أَلْحَقْتُهُ بِالْحُرِّ الْكَافِرِ، دُونَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، لِيَكُونَ الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِأَكْمَلِهِمَا حُكْمًا. اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، فَصَارَتْ كَالْيَدِ لِمَنْ وَاقَعَهَا، فَتَرْجَحُ بِهَا. وَلِأَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا حَضَانَتَهُ كَانَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، كَذَلِكَ حُكْمُ النَّسَبِ وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الدَّعْوَى، فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي حُكْمِهِمَا، كالمسلمين الحرين. ولأنه لو انفرد بالدعوى عبدا أَوْ كَافِر كَانَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِ، وَلَا يُدْفَعُ عَنْهَا بِحُكْمِ الدَّارِ، كَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْحُرِّ، أَوِ الْمُسْلِمِ، كَالْمَالِ، وَفِيهِ انْفِصَالٌ. فَأَمَّا الْحَضَانَةُ فَفِيهَا وِلَايَةٌ، لَوْ تَفَرَّدَ بِهَا كَافِرٌ وَعَبْدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا وَلَيْسَ كَالنَّسَبِ الَّذِى يَلْحَقُ بالعبد، والكافر.

стр. 8088

(فَصْلٌ) : فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالْمُسْلِمِ، لَحِقَ بِهِ نَسَبًا، وَدِينًا، وَإِنْ أُلْحِقَ بِالْكَافِرِ، لَحِقَ بِهِ نَسَبًا، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِهِ دِينًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ اعْتِبَارًا بِالْوِلَادَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُلْحَقُ بِدِينِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الدَّارِ، فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَإِنِ ادَّعَى الْكُفْرَ أُرْهِبَ ثُمَّ أُقِرَّ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْكُفْرِ أُقِرَّ فِي يَدِهِ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، إنَّهُ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ، لِئَلَّا يُلَقِّنَهُ الْكُفْرَ، فَيَدَّعِيهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَ وَالِدٌ، وَوَلَدُهُ فِي وَلَدٍ ادعياه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَنِ الْتِقَاطٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ فِي فِرَاشٍ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا يَغْلِبُ دَعْوَى الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: إِنِ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ أَمَةٍ، اشْتَرَكَا فِي إِصَابَتِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ لِلْأَبِ، أَوْ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَبِ، فَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْأَبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلِابْنِ فَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ، وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُوجِبُهُ دَلِيلٌ، ولا تقتضيه تَعْلِيلٌ، لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ وَالْبُنُوَّةَ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا أَحْكَامُ الدَّعَاوَى، كَالْأَمْوَالِ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ادِّعَاءِ الْوَلَدِ حُكْمُ الْأُمِّ، وَالْجَدِّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ الْأَبِ وَالِابْنِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَ في الولد امرأتان، قيل: إِنَّ دَعْوَاهُمَا مَسْمُوعَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ فِيهِ، اسْتَعْمَلَ الْقَافَةَ فِيهَا، إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وِلَادَتِهِ، وَكَانَتَا فِي مُنَازَعَتِهِ، كَالرَّجُلَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُسْلِمَةٌ، وَالْأُخْرَى كَافِرَةٌ، كَانَتَا سَوَاءً، فِي ادِّعَائِهِ. أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حُرَّةً، وَالْأُخْرَى أَمَةً، تَسَاوَيَا فِيهِ، وَجَازَ لِلْأَمَةِ أَنْ تَخْتَصَّ بِالدَّعْوَى دُونَ السَّيِّدِ لِاخْتِصَاصِهَا بِحَقِّ النَّسَبِ، وَتَفَرَّدَ السَّيِّدُ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَإِنْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ الْوَلَدَ بِالْأُمِّ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهَا رِقٌّ تَعْلِيلًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْلَدَهَا حُرٌّ بِشُبْهَةٍ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ إِلْحَاقَ الْقَافَةِ طَرِيقَةُ الِاجْتِهَادِ، دُونَ الْعِلْمِ وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وِلَادَتِهَا لَهُ فَفِي دُخُولِهِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ التَّعْلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُرٍّ بشبهه.

стр. 8089

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ لَحِقَ بِهَا عَنْ عِلْمٍ، لَا عَنِ اجْتِهَادٍ، وَحُكْمُ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِلْحُرَّةِ دُونَ الْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْقَافَةِ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي تَنَازُعِ، وُقِفَ عَلَى إِثْبَاتِ الْوَلَدِ إِلَى أَحَدِهِمَا، كَمَا يُوقَفُ عَلَى إِثْبَاتِهِ إِلَى الْآخَرِ، أَوْ إِلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يُحَرِّكُ الْإِنْسَانَ، وَيَجْذِبُهُ فَلَوْ أَنَّ وَلَدًا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِيهِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا أِنَّهُ أَخُوهُ مِنْ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ بَاقِيَيْنِ لَمْ تُسْمِعْ دَعْوَاهُمَا، وَكَانَ أَبَوَاهُمَا أَحَقُّ بِالدَّعْوَى مِنْهَا، وَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ فَإِنْ وَرِثَهَا مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا لَمْ تُسْمِعْ دَعْوَاهُمَا، إِلَّا بِاجْتِمَاعِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَنْكَرَهَا أَحَدُهُمْ بَطَلَتِ الدَّعْوَى وَإِنْ تَفَرَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِيرَاثِ أُمِّهِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا، وَجَازَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الشَّبَهَ يَنْتَقِلُ مِنَ الآباءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، حَتَّى يَشْتَرِكَ بِهِ الْإخْوَةُ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِإِخْوَةِ أَحَدِهِمَا، حُكِمَ بينهما بالأخوة كما يحكم بالنبوة، لِأَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ادَّعَى أَخًا مِنْ أُمِّهِ، وَأَبِيهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - دَعْوَاهُ، وَأَلْحَقَهُ بِهِ، أَخًا بِفِرَاشِ أَبِيهِ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ أَخًا، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، حِينَ نَازَعَهُ فِيهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ عَنْ أَخِيهِ، لِأَنَهُ عاهر بأمه في الجاهلية. هكذا لَوْ مَاتَ الْمُتَنَازِعَانِ فِي الْوَلَدِ، أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ حُكْمِ الْقَافَةِ جَمَعَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَنْ نَاسَبَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، كَالْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، وَالْأُخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ، وَلَا يُخْتَصُّ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، لِوُجُودِ الشَّبَهِ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَأَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِمَنْ كَانَ شِبْهَ أَقَارِبِهِ فيه، ونفوه عمن لم يكن شبه أَقَارِبُهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّبَهُ فِي أَقْرَبِ مُنَاسِبِيهِ، أَوْ أَبْعَدِهِمْ لِأَنَّ عِرْقَ النَّسَبِ يَنْزِعُ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ عَلَى إِيجَادِ الشَّبَهِ، وَمِنَ الْآخَرِ فِي الْأَبْعَدِينَ، أُلْحِقَ بِمَنْ كَانَ شَبِهَ فِي الْأَقْرَبِينَ، دُونَ مَنْ كَانَ شَبَهُهُ فِي الْأَبْعَدِينَ، لِأَنَّ الشَّبَهَ فِي الْأَقْرَبِ أَقْوَى مِنَ الشَّبَهِ فِي الْأَبْعَدِ.

стр. 8090

(بَابُ جَوَابِ الشَّافِعِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي الولد يدعيه عدة رجال) (مسألة) : قال الشافعي ﵁: " قلت لمحمد بن الحسن زعمت أن أبا يوسف قال إن ادعاه اثنان فهو ابنهما بالأثر فَإِنِ ادَعَاهُ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ ابْنَهُمُ بِالْقِيَاسِ وَإِنِ ادَعَاهُ أَرْبَعَةٌ لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قال هذا خطأ من قوله قلت فإذ زعمت إَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي نَسَبِهِ وَلَوْ كَانُوا مِائَةً كما يشتركون في المال لو مات أحد الشركاء في المال أيملك الحي إلا ما كان يملكه قبل موت صاحبه؟ قال لا قلت فقد زَعَمْتَ إِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَرِثَهُ مِيرَاثَ ابن تَامٍّ وَانْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ كُلُّ واحد منهم سهما من مائة سهم من مِيرَاثِ أَبٍ فَهَلْ رَأَيْتَ أَبًا قَطُّ إِلَى مدة؟ قلت أو رأيت إذا قطعت أبوته من الميت أيتزوج بناته وهن اليوم أجنبيات وهن بالأمس له أخوات؟ قال إنه لا يدخل هذا قلت وأكثر قال كيف كان يلزمنا أن نورثه؟ قلت نورثه في قولك من أحدهم سَهْمًا مِنْ مِائْةِ سَهْمٍ مِنْ مِيرَاثِ ابْنٍ كَمَا نُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مِنْ مائة سهم من ميراث أب (قال المزني) ﵀ ليس هذا بلازم لهم في قولهم لِأَنَّ جَمِيعَ كُلِّ أَبٍ أَبُو بَعْضِ الِابْنِ وَلَيْسَ بَعْضُ الِابْنِ ابْنًا لِبَعْضِ الْأَبِ دُونَ جميعه كَمَا لَوْ مَلَكُوا عَبْدًا كَانَ جَمِيعُ كُلِّ سَيِّدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِبَعْضِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ بَعْضُ العبد ملكا لبعض السيد دون جميعه فتفهم ذلك تجده إن شاء الله ". قال الماوردي: هذا مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله لَمْ يُثْبِتْهَا الرَّبِيعُ فِي كِتَابِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحَكَي عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَصَرَّحَ بِهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ فَقَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَنَقَلَهَا الْمُزَنِيُّ عَنْهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَلَمْ يختلف عليه أبو حنيفة ﵁ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَنْعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ فِيمَنْ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ مِنَ الْآبَاءِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فِيهِ فَأَلْحَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَة اللَّهُ بِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِأَكْثَرَ اتِّبَاعًا لِمَا حُكِيَ مِنَ الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ. وَأَلْحَقَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَاللَّاحِقُ بالثاني
следующие страницы →