Полный текст (8 408 стр.). Показаны 8094–8133 · переход к 8099.
стр. 8094
(بَابُ دَعْوَى الْأَعَاجِمِ وِلَادَةَ الشِّرْكِ وَالطِّفْلِ يُسْلِمُ أحد أبويه)
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا ادَعَى الْأَعَاجِمُ وِلَادَةً بِالشِّرْكِ فَإِنْ جَاؤُونَا مُسْلِمِينَ لَا وَلَاءَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ كَمَا قَبِلْنَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصِلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ حِفْظَ الْأَنْسَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ حِفْظُهُ وَتَعْيِينُهُ، وَقِسْمٌ يَجِبْ حِفْظُهُ وَلَا يُجِبْ تَعْيِينُهُ، وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ وَلَا تَعْيِينُهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الَّذِي يَجِبُ حِفْظُهُ وَتَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا التَّوَارُثُ، لِقُرْبِهِمَا وضبط عددها، فحفظها بَيْنَ الْمُتَنَاسِبِينَ فِيهَا وَاجِبٌ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ عَلَى تَفْضِيلِ النَّسَبِ وَتَعْيِينِ الدَّرَجِ، لِأَنَّهَا تُوجِبُ مِنْ حُقُوقِ التَّوَارُثِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ بِمَا لَا يُوصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّهِ، إِلَّا مِنْهُمْ فَلَزِمَهُمْ حِفْظُهُ وَتَعَدُّدُهُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ حِفْظُهُ، وَلَا يُجِبُ تَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنِ التَّوَارُثِ، وَتَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ تَأْبَى من عددها، وَهُمْ ذَوُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَتَحْرِيمِ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ. عَلَيْهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَمِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْبُطُونِ الْمُتَمَيِّزَةِ، لِيَكُونُوا مَشْهُورِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمُ اتِّصَالُ أَنْسَابِهِمْ، لِيُعَرِّفَهُمْ وُلَاةَ الْغِنَى فِي حَقِّهِمْ. مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَيُعَرِّفَهُمْ وُلَاةَ الصَّدَقَاتِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الَّذِي لَا يَجِبُ حِفْظُهُ، وَلَا تَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنِ التَّوَارُثِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِحُكْمٍ يَأْبَى بِهِ مَنْ عَدَاهَا كَسَائِرِ الْأُمَمِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ عَرَبِيًّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَمْيِيزِ الْعَرَبِ مِنَ الْعَجَمِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ، فَإِنْ مُيِّزُوا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنْهُمْ كَمَا لَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْأُمَمِ، وَأَيِّ أَجْنَاسِ الْعَالَمِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأَنْسَابِ الَّتِي يَجِبُ
стр. 8095
حِفْظُهَا، وَتَعْيِينُهَا؛ لِاسْتِحْقَاقِ التَّوَارُثِ، فَإِذَا كَانُوا أَحْرَارًا لا ولاء عليهم، انقسموا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ.
فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَلَيْنَا فِي أَنْسَابِهِمْ حَقَّانِ:
أَحَدُهُمَا: حَفِظُ أَنْسَابِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُعْرَفَ فُرُشُ وِلَادَتِهِمْ؛ لِوُجُوبِ حُرْمَتِهِمْ نُطَفًا، وَمَوْلُودِينَ، فَإِنِ ادَّعَوْا اتِّصَالَ قَوَاعِدِ أَنْسَابِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا، لَزِمَ اعْتِبَارُهَا بِفُرُشِ وِلَادَتِهِمْ، فَإِنْ خَالَفْتَ مَا تَعَارَفُوا عَلَيْهِ حُمِلُوا فِي أَنْسَابِهِمْ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى فُرُشِ وِلَادَتِهِمْ، وَأُبْطِلَ تَصَادُقُهُمْ عَلَى مَا خَالَفَهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي فُرُشِ وِلَادَتِهِمْ مَا يخَالَفَهَا، حُمِلُوا فِيهَا عَلَى تَصَادُقِهِمْ، وَحُفِظَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْسَابُ الَّتِي تَصَادَقُوا عَلَيْهَا، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْمُتَلَاصِقَةُ كَالْآبَاءِ مَعَ الْأَبْنَاءِ، وَالْأَنْسَابِ الْمُنْ فَصِلَ ةِ، كَالْأُخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفُرُشِ مَا يُخَالِفُهُمْ، فَإِنْ رَجَعُوا بَعْدَ التَّصَادُقِ فَتَكَاذَبُوا، كَانَ التَّكَاذُبُ مردودا بالتصادق، لأن الإنكار يعلو الْإِقْرَارَ مَرْدُودٌ، إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ بَيِّنَةً بِخِلَافِ مَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ، فَيُحْكَمُ بِهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ، فَعَلَيْنَا حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ، بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِحُرْمَتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَبِرَهَا بِفُرِشِ وِلَادَتِهِمْ، بِسُقُوطِ حُرْمَةِ نُطَفِهِمْ بِالشِّرْكِ، فَحُمِلُوا فِي الْأَنْسَابِ عَلَى تَصَادُقِهِمْ، وَتُحْفَظُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّصَادُقِ بِوُجُوبِ حُرْمَتِهِمْ مَوْجُودِينَ وَسُقُوطِهَا نُطَفًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَلَا يَلْزَمُنَا حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ نُطَفًا، وَلَا مَوْلُودِينَ؛ لِسُقُوطِ حُرْمَتِهِمْ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِذَا تَصَادَقُوا فِي أَنْسَابِهِمْ لَمْ يُعْتَرَضْ فِيهَا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا فِيهَا مَحْمُولِينَ عَلَى تَصَادُقِهِمْ وَإِنْ تَكَاذَبُوا فِيهَا، بَطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصَادُقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فِيهِمْ أَلْزَمُ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا، حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِمَا يَكُونُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّحَاكُمِ مِنَ التَّصَادُقِ، أَوِ التَّكَاذُبِ.
(فَصْلٌ)
: وإذا ثبت ما قررناه من أُصُولِ الْأَقْسَامِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَحَضَرَ مِنْهُمْ مَنْ لَا رِقَّ عَلَيْهِ، وَلَا وَلَاءَ، فَادَّعَى نَسَبَ لَقِيطٍ لَا رِقَّ عَلَيْهِ، وَلَا وَلَاءَ نُظِرَ فِي دَعْوَاهُ.
стр. 8096
فَإِنِ ادَّعَاهُ وَلَدًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ إِذَا مُكِّنَتْ، وَلَحِقَ بِهِ وَلَدًا وَنَاسَبَ جَمِيعَ مَنْ نَاسَبَهُ مدعيه، من آبائه وأبنائه، وإخوانه، وَأَعْمَامِهِ، سَوَاءٌ صَدَّقُوهُ عَلَيْهِ أَوْ خَالَفُوهُ. فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أُجْرِيَ عَلَى اللَّقِيطِ حُكْمُ الْإِسْلَامَ وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، لِئَلَّا يُلَقِّنَهُ الْكُفْرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْكَفْرِ، وَلَمْ يَجِبْ حِفْظُ نَسَبِهِ، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، مُنِعَ مِنْهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَصِفَ الْإِسْلَامَ، إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِخْرَاجِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِذَا أُجْبِرَ عَلَى الْكُفْرِ.
وَإِنِ ادَّعَاهُ أَخًا، وَلِمَ يدعيه وَلَدًا، رُدَّتْ دَعْوَاهُ إِنْ كَانَ أَبُوهُ بَاقِيًا، وكان الأب أحق بالدعوى منه، سمعت إِنْ كَانَ مَيِّتًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَلَا يُسْمَعُ إِنْ وَرِثَهُ غَيْرُهُ، حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا سُمِعَتْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَأُلْحِقَ بِهِ أَخًا، صَارَ مُنَاسِبًا لِجَمِيعِ مَنْ نَاسَبَهُ مِمَّنْ عَلَا وَسَفَلَ مِنْ عَصَبَاتٍ، وَذَوِي أَرْحَامٍ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوِ ادَّعَى نَسَبَ بَالِغٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ، وَلَا وَلَاءٌ كَانَتْ دَعْوَاهُ عَلَى تَصْدِيقِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَعَدِمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ لَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ بِالدَّعْوَى، وَالتَّصْدِيقِ وَلَهُمَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أحدها: أن يكونوا مُسْلِمَيْنِ فَحِفْظُ نَسَبِهِمَا وَاجِبٌ فِي الْجِهَتَيْنِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ، فَحِفْظُ نَسَبِهِمَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْجِهَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الدَّعْوَى قَدْ تَنَازَعَا إِلَى حَاكِمٍ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِلُحُوقِ النَّسَبِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ لِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي حَقِّ النَّسَبِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ مُسْلِمًا. وَهُوَ يُقِرُّ بِالْكُفْرِ، فَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا عَلَى الْإِسْلَامِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ كَافِرًا، وَقِيلَ: الْآنَ أَنْتَ بِتَصْدِيقِكَ لَهُ عَلَى الْأُبُوَّةِ مُسْلِمٌ، وَادِّعَاؤُكَ الْكُفْرَ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ. فَإِنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قُتِلْتَ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا لَهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، أُقِرَّ الْوَلَدُ عَلَى كُفْرِهِ، وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّ أَبِيهِ، دُونَ حَقِّهِ.
وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ كَافِرًا، وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ أَبٌ كَافِرٌ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَلْحَقَ نَسَبُهُ بِكَافِرٍ وَيَجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ دِينِهِ، وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يجب في حق الأب.
стр. 8097
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وإن كانوا مسبين عَلَيْهِمْ رِقٌّ أَوْ أُعْتِقُوا فَثَبَتَ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى وِلَادَةٍ مَعْرُوفَةٍ قَبْلَ السَّبْيِ وَهَكَذَا أَهْلُ حِصْنٍ وَمَنْ يُحْمَلُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسْبِيٌّ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ اسْتَرَقَّهُ مُسْلِمٌ وَأَعْتَقَهُ فَصَارَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ مَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسَبِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ فِي الْإِسْلَامِ، حُكِمَ بِهَا وَثَبَتَ النَّسَبُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِيهِ يَدَّعِي نَسَبًا، أَعْلَى كَالْأُبُوَّةِ، وَالْأُخُوَّةِ، أَوْ نَسَبًا أَسْفَلَ كَالْبُنُوَّةِ.
وَإِنْ عَدِمَ مُدَّعِيهِ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُدَّعِي وَمَنْ عَلَيْهِ رِقٌّ، أَوْ وَلَاءٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أحوال:
أحدها: مِنْ أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَعْلَى مِنَ الْأُبُوَّةِ، وَالْأَسْفَلِ مِنَ البنوة.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَاهُ، أَوْ يُكَذِّبَاهُ، فَلَا نَسَبَ وَلَيْسَ لَهُ إِحْلَافُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْعِتْقُ، فَلِأَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَنْفَذُ مَعَ إِنْكَارِ مُعْتِقِهِ، وأما معتقه فيلتزم الدعوى على غيره.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ الْمُعْتِقُ، وَيُصَدِّقَهُ مُعْتِقُهُ. فَلَا نَسَبَ لَهُ، وَلَهُ إِحْلَافُ الْمُعْتِقِ بَعْدَ تَصْدِيقِ مُعْتِقِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالنَّسَبِ ثَبَتَ.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُعْتِقُ، وَيُكَذِّبَهُ مُعَتِقُهُ. فَلَا يَخْلُو مُدَّعِي النَّسَبِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبًا أَعْلَى، أَوْ نَسَبًا أَسْفَلَ. فَإِنِ ادَّعَى نَسَبًا أَعْلَى كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ، لَمْ يثبت النسب بينهما مع التصديق، الأثر وتعليل:
أَمَّا الْأَثَرُ: فَأَثَرَانِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ أَنْ لَا تُوَرِّثَ حَمِيلًا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ جَمَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَاسْتَشَارَهُمْ فِي مِيرَاثِ الْحَمِيلِ، فَأجْمَعُوا أَنْ لَا يُوَرَّثَ حَمِيلٌ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَصَارَ هَذَا الْأَثَرُ الثَّانِي إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ: فَلِأَنَّ مُعْتِقَهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِوَلَائِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَرِثَهُ، وَكَانَ لُحُوقُ النَّسَبِ يَدْفَعُهُ عَنِ الْمِيرَاثِ، لِتَقْدِيمِ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ على الميراث بالولاء، لم يَكُنْ لَهُمَا إِبْطَالُ حَقٍّ بِصِفَةٍ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِينَ بِإِقْرَارٍ مَظْنُونٍ مُحْتَمَلٍ.
стр. 8098
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيِسَ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ يَرِثُهُ؟ فَأَقَرَّ بِابْنٍ يَحْجُبُ أَخَاهُ عَنِ الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ. فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ نَتِيجَةُ مِلْكٍ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ فَلَمْ يُقْبَلْ فِي دَفْعِهِ إِقْرَارٌ عَنْ مُشَارِكٍ فِيهِ. وَالْمِيرَاثُ بِالنَّسَبِ مُشْتَرَكٌ فَجَازَ أن يثبت بإقرار الشركين فِيهِ فَهَذَا حُكْمُ النَّسَبِ الْأَعْلَى.
فَأَمَّا دَعْوَى النَّسَبِ الْأَسْفَلِ: وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ الْحَمِيلُ أَنَّ هَذَا الْمُعْتَقَ ابْنُهُ، فَيُصَدِّقَهُ عَلَى الْبُنُوَّةِ وَيُكَذِّبَهُ مُعْتِقُهُ، فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ وَجْهَانِ:
وَقَالَ ابْنُ أبي هريرة قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مَعَ تَكْذِيبِ مُعْتِقِهِ، كَالنَّسَبِ الْأَعْلَى.
وَالثَّانِي: يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ مُعْتِقُهُ، لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ عَنْهُ لِإِدْخَالِ وَلَدِهِ في الولاء مُعْتِقِهِ، الَّذِي لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ النَّسَبِ الْأَعْلَى، فَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ الْأَسْفَلِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّسَبِ الْأَعْلَى.
وَسُمِّيَ حَمِيلًا، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ بِنَسَبٍ مَجْهُولٍ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " فَكَذَا أَهْلُ حِصْنٍ وَمَنْ يُحْمَلُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ ". فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى طَائِفَةٍ، قَالُوا إِنَّ الْحَمِيلَ إِذَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ كَبِيرٍ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ حِصْنٍ أَوْ دَيْرٍ فَتَثْبُتُ وَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ، لِإِطْلَاقِ الْأَثَرِ وعموم التعليل.
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيِ الطِّفْلِ أَوِ الْمَعْتُوهِ كان مسلما لأن الله أعلى الإسلام على الأديان والأعلى أولى أن يكون الحكم له مع أنه رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ معنى قولنا ويروى عن الحسن وغيره ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنِ اجْتَمَعَ إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ كَانَ إِسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا مَعَهُمَا يَكُونُ لِلْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ وَهَذَا إِجْمَاعٌ فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ إِسْلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا أَبًا، أَوْ أُمًّا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ الْأُمِّ دُونَ الْأَبِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمِّ قَطْعًا وَمِنَ الْأَبِ ظَنًّا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ، لِرُجُوعِهِ فِي النَّسَبِ إِلَى أَبِيهِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
стр. 8099
مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣] . وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْمِلَّةُ، فَدَلَّ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمِلَّةِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فَدَلَّ عَلَى إِضَافَةِ الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ، دُونَ الْأُمَّهَاتِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وَهُمْ ذُرِّيَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتْبَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُمْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ". فَدَلَّ عَلَى إِسْلَامِهِمْ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَقٌّ، وَالْكُفْرَ بَاطِلٌ، وَاتِّبَاعُ الْحَقِّ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ أَقْوَاهُمَا وَأَعْلَاهُمَا، وَالْإِسْلَامُ أَقْوَى، وَأَعْلَى مِنَ الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ الْإِسْلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ - " الْإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى ".
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ ابْنِ أَمَةٍ أَسْلَمَ فِدْيَتُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرَةً كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا، كَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ انْفِصَالٌ عَنْ دَلِيلِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] فَإِنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فِي عُدُولِهِمْ عَنْهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فَهُوَ أَنَّ الْإِنْذَارَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّذْكِيرِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ، أَوِ الْجَدَّةُ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: إنَّهُ يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ، وَعَدَمِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ، بِمَنْ دُونَهُمَا لِلْبَعْضِيَّةِ، الَّتِي بَيْنَهُمَا كَالْأَبَوَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ وَعَدَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِمَنْ دُونَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّهُمْ بِحُكْمِ الْأَقْرَبِ أَخَصُّ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الْأَبْعَدِ، إِذَا كَانَ بَاقِيًا، وَالْمَوْجُودِ دُونَ الْمَفْقُودِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا.
стр. 8100
(باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان من كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى)
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يَسْكُنَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا أَوْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا كَانَ الْبَيْتُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ يَمُوتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَيَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ وَرَثَتُهُمَا فَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَالْقِيَاسُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ عِنْدِي بِالْغَفْلَةِ عَنْهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ أن هَذَا الْمَتَاعُ بِأَيْدِيِهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وقد يملك الرجل متاع المرأة وتملك المرأة متاع الرجل ولو استعملت الظنون عليهما لحكمت في عطار ودباغ يتنازعان عطراً ودباغاً في أيديهما بأن أجعل للعطار العطر وللدباغ الدباغ ولحكمت فيما يتنازع فيه معسر وموسر من لؤلؤ بأن أجعله للموسر ولا يجوز الحكم بالظنون ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي دَارٍ يَسْكُنَاهَا، إِمَّا مِلْكًا لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا. فَاخْتَلَفَ فِي مَتَاعِهَا الَّذِي فِيهَا مِنْ آلَةٍ، وَبُسُطٍ وَفُرُشٍ، وَدَرَاهِمَ، وَدَنَانِيرَ، وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، أَوْ مَاتَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ وَرَثَتُهُمَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا. فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْبَاقِي وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَخٍ، أَوْ أُخْتٍ، وَكَانَا يَسْكُنَانِ دَارًا، اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِهَا. فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمِلْكِ مَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، فَهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي الْيَدِ حُكْمًا، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا نِصْفَيْنِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ. كَالْعَمَائِمِ، وَالطَّيَالِسَةِ، وَالْأَقْبِيَةِ وَالسِّلَاحِ.
وَفِيمَا يُخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ كَالْحُلِيِّ، وَالْمَقَانِعِ، وَمُصَبَّغَاتِ الثِّيَابِ، وَقُمُصِ النِّسَاءِ.
وَفِيمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، مِنَ الْبُسُطِ، وَالْفُرُشِ، وَالْآلَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ الرِّجَالُ بِآلَةِ الرِّجَالِ، وَلَا النِّسَاءُ بِآلَةِ النِّسَاءِ، وَيَسْتَوِي فِيهَا يَدُ الْمُشَاهَدَةِ، وَيَدُ الْحُكْمِ.
وَيَدُ الْمُشَاهَدَةِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا فِي أَيْدِيهِمَا، وَيَدُ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِمَا.
стр. 8101
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُجْعَلُ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِلرِّجَالِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ لِلنِّسَاءِ، فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ وَيَدِ الْحُكْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا يَدَ مُشَاهَدَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كان يَدَ حُكْمٍ، كَانَ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِلزَّوْجِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ لِلزَّوْجَةِ. وَمَا يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ مَاتَا قَامَ وَرَثَتُهُمَا مَقَامَهُمَا. وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِهِ قَوْلَ الْبَاقِي مِنْهُمَا، فَصَارَ مُخَالِفًا لَنَا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، وَيَدِ الْحُكْمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ جَعَلَهُ لِلزَّوْجَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالرَّابِعُ: فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالْخَامِسُ: فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا جَعَلَهُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ، أَنْ يَكُونَ جِهَازًا لِمِثْلِهَا، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ. وَقَالَ زُفَرُ بِمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي تَفْصِيلِ الْمَتَاعِ وَتَمْيِيزِهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي الْمُشَاهَدَةِ بَيْنَ يَدِ الْمُشَاهَدَةِ وَيَدِ الْحُكْمِ، أَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمُشَاهَدَةِ عَلَى نِصْفِهِ، وَفِي الْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِهِ. بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّعِيًا لَوِ ادَّعَاهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ جَمِيعَهُ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى دُونَ الْآخَرِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي يَدِ الْحُكْمِ جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ جَمِيعَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ يَدَ الْمُشَاهَدَةِ، يَدٌ عَلَى نِصْفِهِ، وَيَدَ الْحُكْمِ يَدٌ عَلَى جَمِيعِهِ، فَافْتَرَقَا فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا فِيهِ، إِذَا تَنَازَعَا، وَاسْتَدَامَا عَلَى التَّفْصِيلِ فِي يَدِ الْحُكْمِ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنَّ يَدَ الْحُكْمِ أَقْوَى مِنْ يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، فِي اسْتِيلَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، عَلَى جَمِيعِهِ وَاخْتِصَاصِهَا فِي الْمُشَاهَدَةِ عَلَى نِصْفِهِ، فَلَمَّا وَقَعَ التَّرْجِيحُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ بَيْنَ رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَقَائِدِهَا، فِي جَعْلِ الدَّابَّةِ لِرَاكِبِهَا دُونَ قَائِدِهَا، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، كَانَ التَّرْجِيحُ فِي يَدِ الْحُكْمِ، بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَوْلَى.
وَرُبَّمَا حَرَّرُوا قِيَاسًا، وَقَالُوا: كُلُّ يَدٍ ثَبَتَ بِهَا الِاسْتِحْقَاقُ، جَازَ أَنْ يَقَعَ فِيهَا التَّرْجِيح قِيَاسًا عَلَى يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْأَثَاثَ، وَآلَتَهُ، مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ دُونَهَا فَإِنَّهُ السَّابِقُ إِلَى اقْتِنَائِهِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِابْتِيَاعِهِ، فَصَارَ فِيهِ أَرْجَحَ، فَاخْتَصَّ به دونهما وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا، أَحَقُّ بِهِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ أَسْبَقُ يَدًا، وَأَقْوَى
стр. 8102
تَصَرُّفًا، وَأَظْهَرُ عِلْمًا، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَادِثَةَ، إِذَا حَاذَاهَا أَصْلَانِ أُلْحِقَتْ بِأَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهَا، كَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِمْ فِي الْجَمِيعِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْيَدِ مُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ أَثَرٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْيَدِ يَمْنَعُ مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْعُرْفِ. قِيَاسًا عَلَى يَدِ الْمُشَاهَدَةِ.
وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ يَدُ الْمُشَاهَدَةِ، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ يَدُ الْحُكْمِ، كَتَنَازُعِ الدَّبَّاغِ، وَالْعَطَّارِ فِي عِطْرِهِ، وَدِبَاغَتِهِ.
وَلِأَنَّ مَا يَسْقُطُ فِيهِ اعْتِبَارًا الْعُرْفُ فِي الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ، سَقَطَ فِيهِ اعْتِبَارُهُ فِي الْيَدِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَالْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ، فِي اللُّؤْلُؤِ، وَالْجَوْهَرِ. وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ مَعَ اشْتِرَاكِ الْيَدِ مُعْتَبَرًا، لَأَوْجَبَ تَنَازُعَ الْعَطَّارِ، وَالدَّبَّاغِ فِي الْعِطْرِ وَالدِّبَاغَةِ أَنْ يَجْعَلَ العطر للعطار والدباغة للدباغ، وفي تنازغ الْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ، فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ أَنْ تُجْعَلَ لِلْغَنِيِّ دُونَ الْفَقِيرِ، وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الصُّنَّاعِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ فَكَذَلِكَ فِي أَثَاثِ الْبَيْتِ، وَهَذَا إِلْزَامٌ لَا يَتَحَقَّقُ عَنْهُ انْفِصَالٌ وَيَدُ الْمُشَاهَدَةِ، تَدْفَعُ جَمِيعَ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ إَنَّ يَدَ الحاكم تُوجِبُ اسْتِيلَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، اسْتِشْهَادًا بِمَا ذَكَرُوهُ، فَهِيَ أَنَّهَا دَعْوَى نُخَالِفُهُمْ فِيهَا، وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِ الحكم، أن يدعيه إلا عليها، وَلَا يَدَّعِيَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَى نِصْفِهِ، كَالْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِتَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِبَعْضِهِ، وَعَكْسُهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ أَشْبَهُ، لِتَفَرُّدِهِ بِالْيَدِ عَلَى الْبَعْضِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَلَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَقَائِدِهَا، فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّاكِبَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْقَائِدِ، لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ مَعَ الْيَدِ تَصَرُّفًا، لَيْسَ لِلْقَائِدِ كَلَابِسِ الثَّوْبِ، وَمُمْسِكِهِ يَكُونُ اللَّابِسُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْمُمْسِكِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْأَثَاثِ، مِنْ سُبُوقِ يَدِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَنَّهَا دَعْوَى مَدْفُوعَةٌ، لِجَوَازِ أَنْ تَسْبِقَ يَدُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ بِصَنْعَةٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ مِنْ صَانِعٍ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ
стр. 8103
قَدْ تَرِثُ مَتَاعَ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلَ قَدْ يَرِثُ مَتَاعَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مِيرَاثِ مَتَاعِ الرِّجَالِ، وَمَتَاعِ النِّسَاءِ، فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ سَابِقَةٌ، وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِمَتَاعِ جِهَةٍ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِتَرْجِيحِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهُوَ أَنَّ تَعَارُضَ الْأُصُولِ فِي الْأَحْكَامِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْأَشْبَهِ، لِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ فِيهِ إِذَا انْفَرَدَ، وَلَمَّا كَانَتِ الْأَمْلَاكُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَبَهُ الْعُرْفِ فِي الْيَدِ الْمُنْفَرِدَةِ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْيَدِ الْمُشْتَرِكَةِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ.
(فَصْلٌ)
: إِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَسَاوِي الزَّوْجَيْنِ، فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، تَحَالَفَا عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْيَدَ مَا اخْتَصَّتْ بِالشَّيْءِ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكُلِّ الْمَتَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ فِي الرَّهْنِ، إِذَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ يَدٌ عَلَى جَمِيعِهِ.
قِيلَ: يَدُهُمَا فِي الرَّهْنِ مُخْتَلِفَةٌ، لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُسْتَوْثِقٌ بِالرَّقَبَةِ، وَالْمُسْتَأْجِرَ مُسْتَوْثِقٌ بِالْمَنْفَعَةِ، وَيَدَهُمَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ مُتَّفِقَةٌ، فَامْتَنَعَ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي الرَّهْنِ.
وَإِذَا وَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، لَا عَلَى جميعه فلها ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَحْلِفَا، فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْكُلَا فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا يَدًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا وَيَنْكُلَ الْآخَرُ، فَيُحْكَمُ لِلْحَالِفِ بِالنِّصْفِ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ النَّاكِلِ تُرَدُّ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْحَالِفِ فَإِنْ حَلَفَ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّدِّ، حُكِمَ لَهُ بِالْجَمِيعِ، نِصْفُهُ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَنِصْفُهُ بِيَمِينِ الرَّدِّ بَعْدَ نُكُولِ صَاحِبِهِ، وَإِنِ امْتَنَعَ فِي يَمِينِ الرَّدِّ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ، إِلَّا فِي النِّصْفِ الَّذِي حَلَفَ بِيَمِينِ الْيَدِ وَكَانَ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ النَّاكِلِ مُقَرًّا عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 8104
(بَابُ أَخْذِ الرَّجُلِ حَقَّهُ مِمَّنْ يَمْنَعُهُ إِيَّاهُ)
(مسألة)
: قال الشافعي ﵁: " وكانت هند زوجة لأبي سفيان وكانت القيم عَلَى وَلَدِهَا لِصِغَرِهِمْ بِأَمْرِ زَوْجِهَا فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - لَمَّا شَكَتْ إِلَيْهِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ فَمِثْلُهَا الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ فَلَهُ أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله فإن لم يكن له مثل كانت قيمته دنانير أو دراهم فإن لم يجد له مالا باع عرضه واستوفى من ثمنه حقه فإن قيل فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - " أد إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " قيل إنه ليس بثابت ولو كان ثابتا لم تكن الخيانة ما أذن بأخذه ﷺ َ - وإنما الخيانة أن آخذ له درهما بعد استيفائه درهمي فأخونه بدرهم كما خانني في درهمي فليس لي أن أخونه بأخذ ما ليس لي وإن خانني ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى مُقِرٍّ وَمَلِيءٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مَتَى طَالَبَهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ آثِمًا، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ كَانَ جِنْسَ دَيْنِهِ، لِأَنَّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِهِ، وَيَجْرِي عَلَى مَا أَخَذَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ، عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا وَجَبَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ قِصَاصًا، لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَخْتَصُّ بِمَا فِي الذِّمَمِ، دُونَ الْأَعْيَانِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى قَبْضِ دَيْنِهِ، فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِالْمُحَاكَمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ بِالْمُحَاكَمَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا لِامْتِنَاعِ الْغَرِيمِ بِالْقُوَّةِ، وَإِمَّا لِجُحُودِهِ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ
стр. 8105
قَدْرَ دَيْنِهِ سِرًّا، بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، لَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى غَيْرِهِ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَإِنْ قَدَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِهِ بِالْمُحَاكَمَةِ، وَعَجَزَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ، وَذَلِكَ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِمَطْلِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ، أَوِ الْإِنْكَارِ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ سِرًّا مِنْ جِنْسِهِ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، لِأَنَّ إِحْوَاجَهُ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ عُدْوَانٌ مِنَ الْغَرِيمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ، إِلَّا مِنْ غير جنسه ففي جواز أخذه سراً بعير علمه وجهان: أحدهما: يجوز تعليلاً بما ذكرنا مِنْ عُدْوَانِ الْغَرِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِالْمُحَاكَمَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ الْهَمُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، إِلَّا بِالْحَاكِمِ فَهَذَا شَرْحُ مَذْهَبِنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْ غَرِيمِهِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ فَوَجَدَ دَنَانِيرَ، أَوْ دَنَانِيرَ فَوَجَدَ دَرَاهِمَ، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فِي الْأَمْتِعَةِ وَالْعُرُوضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". وَبِقَوْلِهِ ﷺ َ -: " لا يحل مال امرىء مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي يَدِ الْغَرِيمِ مِنْ رُهُونٍ، وَوَدَائِعَ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يأخذه لأنه [إما أن] يَمْلِكَهُ أَوْ يَبِيعَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ، لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُ عَلَى بَيْعِهِ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي أَخْذِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدٌ وَمَقَالٌ ". فَكَانَتِ الْيَدُ عَلَى الْعُمُومِ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي، وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ".
стр. 8106
وَلِأَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُ جِنْسِهَا فِي مَالِهِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَمِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ تَعَذُّرِ الْجِنْسِ أَنْ يُأْخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ قِيَاسًا عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ، بِالدَّرَاهِمِ.
وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُقْضَي مِنْهُ دَيْنُهُ، جَازَ أَنْ يَتَوَصَّلَ مُسْتَحِقُّهُ إِلَى أَخْذِهِ، إِذَا امْتَنَعَ بِحَسَبِ الْمُمْكِنِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحَاكَمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَاكِمُ يُجْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا يَبِيعُ عَلَيْهِ.
قِيلَ: عِنْدَنَا يَبِيعُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ سَوَاءٌ، كَانَ مَالُهُ عُرُوضًا، أَوْ عَقَارًا. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ بَيْعِ الْعَقَارِ فِي الدُّيُونِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَبِيعٌ عَلَيْهِ، فِي الْحَالَيْنِ جَبْرًا، لِأَنَّ جَمِيعَ الدُّيُونِ تُقْضَى مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ كَدَيْنِ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قولهم: " لا يحل مال امرىء مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " فَهُوَ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنْ لَا يَدْفَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِ، وَهُوَ مَظْلُومٌ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَهُوَ ظَالِمٌ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَةَ هِيَ الْوَدِيعَةُ، تُؤَدَّى إِلَى مَالِكِهَا، وَلَيْسَ مَالُ الْغَرِيمِ وَدِيعَةً، يَكُونُ أَمَانَةً وَقَوْلِهِ: " وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " فَلَيْسَ مُسْتَوْفِي حَقِّهِ خَائِنًا، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ الْخِطَابُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى الْخَبَرِ. قِيلَ: يُحْمَلُ مَعْنَاهُ مَعَ ضَعْفِهِ، عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْأَعْرَاضِ، إِذَا هُتِكَتْ وَالْحُقُوقِ إِذَا بَطَلَتْ وَإِمَّا عَلَى الْوَدَائِعِ، إِذَا جُحِدَتْ ثُمَّ أُدِّيَتْ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ رُهُونٍ وَوَدَائِعَ، فَتِلْكَ لَا يَمْلِكُهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تؤخذ في دينه، وهذا ما له فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ دَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّقْسِيمِ فِي أَخْذِهِ مِلْكًا، أَوْ مبيعا فإنه يَنْقَسِمُ يُؤْخَذُ فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَنِ الدَّنَانِيرِ والدنانير عن الدراهم، ولا يمنع جَوَازُهُ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ لَنَا فِي الْبَيْعِ مَا سَنَذْكُرُهُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
قِيلَ لَهُ: إِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّكَ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِكَ. وَكُنْتَ فِي أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مُتَعَدِّيًا فَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَنَانِيرَ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَنَانِيرَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ بُرًّا، أَوْ شَعِيرًا أَخَذْتَ جِنْسَ حَقِّكَ مِنَ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ.
стр. 8107
وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِوَزْنِهِ، وَكَيْلِهِ وَيَصِيرَ بِأَخْذِهِ فِي ضَمَانِهِ، وَعَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ جِنْسُ حَقِّهِ وَعَدَلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ فَإِذَا أَخَذَهُ فَفِي حُكْمِ يَدِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا يَدُ أَمَانَةٍ، لَا تُوجِبُ الضَّمَانَ، حَتَّى تُبَاعَ فَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ كَالرَّهْنِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَلَفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ، كَانَ حَقُّهُ بَاقِيًا، وَجَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَالِ الْغَرِيمِ ثَانِيَةً، فَيَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ يَدَهُ ضَامِنَةٌ لِمَا أَخَذَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَبَعْدَهُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَهَذَا عَنْ إِجْبَارٍ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِصَاصًا عَنْ دَيْنِهِ إِذَا تَجَانَسَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ بَاقِيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا، لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ تُبْذَلُ، وَقَبُولٍ فَإِنِ اسْتَبْقَاهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى بَيْعِهِ، وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ، ضِمْنَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعِهِ، فَإِذَا أَرَادَ بَيْعَهُ فِي حَقِّهِ، فَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ، لِتَعَذُّرِ بَيْعِ الْحَاكِمِ لَهُ، إِذَا تَعَذَّرَتِ الْبَيِّنَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ، لِامْتِنَاعِ أَنْ يَتَفَرَّدَ بِبَيْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالرَّهْنِ وَيَتَوَصَّلُ إِلَى بَيْعِ الْحَاكِمِ لَهُ، بِأَنْ يَأْتَمِنَ عَلَيْهِ رَجُلًا، وَيُحْضِرَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى غَرِيمٍ وَقَدْ اؤْتُمِنَ هَذَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَنْ يَبِيعَهُ فِي دَيْنِي، وَأَسْأَلُ إِلْزَامَهُ بَيْعَ ذَلِكَ، وَإِلْزَامَهُ قَضَاءَ دَيْنِي مِنْ ثَمَنِهِ وَيَعْتَرِفُ الْحَاضِرُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الدَّيْنِ وَائْتِمَانِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ. لِيُبَاعَ فِي دَيْنِهِ، فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْحَاكِمُ مَعَ يَدِهِ وَاعْتِرَافِهِ عَنْ جُمْلَةِ الدَّيْنِ، وَلَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِإِذْنِهِ، وَيَصِلُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إِلَى حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ هَذَا، وَأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِأَنْ يَدَّعِيَ الدَّيْنَ عَلَى الْمَدْفُوعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَيُوَافِقَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِلْكُهُ، حَتَّى يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ، وهذا كذب صراح والأول محال محتمل، وذكر صريح الكذب حرام وَكَذَا التَّحَيُّلُ الْمَوْضُوعُ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ أَهْلُ الْوَرَعِ وَالتَّحَرُّجِ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. والله أعلم بالصواب.
стр. 8108
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْعِتْق
بَابُ عِتْقِ الشِّرْكِ فِي الصِّحَّةِ والمرض والوصايا في العتق
مسألة
قال الشافعي ﵁: (من أعتق شركا له في عبد وكان لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مَا عَتَقَ وَهَكَذَا رَوَى ابن عمر عن رسول الله
) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّمَا عِتْقُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِنَ الْقُرَبِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وما أدراك ما العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١، ١٢، ١٣] يَعْنِي عِتْقَ رَقَبَةٍ مِنَ الرق.
وروي عن النبي
أَنَّهُ قَالَ: " فِي جَهَنَّمَ عَقَبَةٌ لَا يَقْتَحِمُهَا إلا من فك رقبة ".
وقال تعالى: ﴿وإذا تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِالْعِتْقِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ مُنْعَمًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَفِي الْكِتَابَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْعِتْقِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ ".
وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ".
وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ عَشَرَةً مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَسُبِيَ قَوْمٌ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ َ -: " إِنْ سَرَّكِ أَنْ تَعْتِقِي الصَّمِيمَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَأَعْتِقِي هَؤُلَاءِ ".
стр. 8109
وَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - سَلْمَانَ، وَشُقْرَانَ، وَثَوْبَانَ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَاشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِلَالًا وَكَانَ يُعَذَّبُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: بِلَالٌ سَيِّدُنَا وَعَتِيقُ سَيِّدِنَا.
وَفِي قَوْلِهِ بلال سيدنا ثلاثة تأويلات:
أحدها: قوله
" سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ ".
وَالثَّانِي: لِسَابِقَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَكَسْرَ النَّفْسِ.
وَقَدْ أَعْتَقَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، عَبِيدًا وإماءا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الثَّرْوَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ َ - وَبَعْدَهُ، فَدَلَّ عَلَى فَضْلِ الْعِتْقِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) وَلِأَنَّ فِي الْعِتْقِ فَكًّا مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ بِعِزِّ الْحُرِّيَّةِ وَكَمَالِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ نُقْصَانِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ الْمَنْعِ مِنْهُ وَتَمَلُّكِ الْمَالِ بَعْدَ حَظْرِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ مِنَ الْمُعْتِقِ وَأَجْزَلِ النِّعَمِ عَلَى الْمُعْتَقِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَّرَ بِهِ الذُّنُوبَ وَجَبَرَ بِهِ الْمَآثِمَ وَمَحَا بِهِ الْخَطَايَا وَمَا هُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ عِنْدَ الله عظيم.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْعِتْقُ ضَرْبَانِ: وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ.
فَالْوَاجِبُ خَاصٌّ فِي بَعْضِ الرِّقَابِ. وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ. وَالتَّطَوُّعُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الرِّقَابِ مِنْ مُؤْمِنَةٍ وَكَافِرَةٍ وَسَلِيمَةٍ وَمَعِيبَةٍ. وَالْعِتْقُ يَقَعُ بِالْقَوْلِ الصريح وكناية. وَالصَّرِيحُ لَفْظَتَانِ: أَعْتَقْتُكَ، وَحَرَّرْتُكَ. يَقَعُ الْعِتْقُ بِهِمَا مَعَ وُجُودِ النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا.
وَالْكِنَايَةُ: قَوْلُهُ حَرَّمْتُكَ، وَسَبَيْتُكَ، وَأَطْلَقْتُكَ، وَخَلَّيْتُكَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتِقْ وَلَا يُعْتِقُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ كَالطَّلَاقِ وَيَصِحُّ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا وَنَاجِزًا وَعَلَى صِفَةٍ وَبِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ اعْتِبَارًا بِالطَّلَاقِ وَبِعِلْمِ العبد وبغير علمه ومع إرادته وكراهته.
فَصْلٌ
وَإِذَا كَانَ الْعِتْقُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَهُوَ يَسْرِي كَسِرَايَةِ الطَّلَاقِ وَسِرَايَتُهُ أَعَمُّ مِنْ سِرَايَةِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَسْرِي إِلَى مِلْكِ الْمُعْتَقِ وَإِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَسِرَايَةُ الطَّلَاقِ لَا تَسْرِي إلا
стр. 8110
إِلَى مِلْكِ الْمُطَلَّقِ، فَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ بَعْضًا مِنْ عَبْدِهِ كَقَوْلِهِ: نِصْفُهُ حُرٌّ عَتَقَ جَمِيعُهُ وَلَمْ يَقِفِ الْعِتْقُ الَّذِي بَاشَرَهُ.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ َ - فقال: " وهو حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لَكَ شَرِيكٌ ".
وَإِذَا أَعْتَقَ له ىشركاء فِي عَبْدٍ شِرْكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ وَرُوعِيَتْ حَالُهُ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى عِتْقُهُ إِلَى شَرِيكِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ قِيمَةُ حِصَّتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا عَلَى مِلْكِهِ وَلَا أَنْ يَعْتِقَهَا فِي حق نفسه، وإن كان المعتق موسراً لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَكَانَتْ حِصَّتُهُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَبْقَاهَا وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ فِيمَا رَقَّ مِنْهُ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَتَبَعَّضُ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَبَعَّضَ فِيهِ فَيَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مَرْقُوقًا. وَالْوَاجِبُ تَكْمِيلُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا كَانَ شريكه بالخيار بين ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتِقَ حِصَّتَهُ مُبَاشَرَةً فَيَكُونُ الولاء بينهما.
والحالة الثالثة: أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي حِصَّتِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بالسوية ويكون الولاء بينهما.
والحالة الثانية: أَنْ يَأْخُذَ الْمُعْتِقُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ وَيَكُونُ الْمُعْتَقُ فِيهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَاهُ فِي حِصَّتِهِ فِيهِ بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا كَانَ الشَّرِيكُ فِي حِصَّتِهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْتِقَهَا وَإِمَّا أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِيهَا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ حِصَّتِهِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى عِتْقِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالْعِتْقِ لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ: يُعْتَقُ حِصَّةُ الْمُعْتِقِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ عَلَى الْمُعْتِقِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يكن له مال! استسعى العبد غير مشقوق عليه ".
стр. 8111
قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ تَنَافِيَ أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ تَمْنَعُ مِنْ تَبْعِيضِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ كَمَا امْتُنِعَ مِنْ تَبْعِيضِ الزَّوْجِيَّةِ إِبَاحَةً وَحَظْرًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ تُبَعَّضِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ. لَمْ تُبَعَّضْ فِي مِلْكِ الِاثْنَيْنِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ عِتْقَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَجْعَلُ الْعَبْدَ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ حُرِّيَّةِ نَفْسِهِ كَالْغَاصِبِ فِي حَقِّ الْآخَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَسْعِيَ فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ كَمَا يُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِقِيمَةِ غَصْبِهِ. وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ فَأُعْتِقَ وَرُقَّ مِنْهُ مَا رُقَّ ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِتْقِهِ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ دُونَ حَقِّ الْمُعْسِرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَرَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فدعاهم وجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أَرْبَعَةً.
فَمَنَعَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ جَزَّأَهُمْ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَزِّئُهُمْ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، وَأَعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْتَرِقُّهُمْ، وَأَوْجَبَ اسْتِسْعَاءَهُمْ وَالنَّبِيُّ ﷺ َ - لَمْ يُوجِبْهُ فَصَارَ مَذْهَبُهُ مُخَالِفًا لِلْخَبَرِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَدْفُوعًا بِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ عِتْقٌ بَعِوَضٍ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْعَبْدُ كَالْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الْمُعْتِقِ الْمُعْسِرِ فَأَوْلَى أَن لَا يُقَوَّمَ عَلَى الْعَبْدِ بِالسِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمُعْسِرِ لِلْعِلْمِ بِإِعْسَارِ الْعَبْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَإِعْسَارِ الْمُعْتِقِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَلِأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ التَّقْوِيمُ هُوَ الْعِتْقُ لِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ فَلَمَّا سَقَطَ التَّقْوِيمُ فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ بِإِعْسَارِهِ وَهُوَ مُبَاشِرٌ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنِ الْعَبْدِ بِمَا قَدْ يَجُوزُ أَن لَا يَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ سِعَايَتِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ -: " مَنْ ضَرَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ".
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِمْ بِالْخَبْرَيْنِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الرواية فيه.
стр. 8112
وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُهُ.
فَأَمَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فَمِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِيمَا رَوَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عِيسَى عَنْ سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ السِّعَايَةِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ قَتَادَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ مِنْ سَعِيدٍ وَهُوَ مِسْعَرٌ الْحَافِظُ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ السِّعَايَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ رواه هشام بن قَتَادَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ " وَأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ فَذَكَرَ قَتَادَةُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَوَهِمَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَضَمَّهُ إِلَى رِوَايَتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: رِوَايَةُ هَمَّامٍ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ فَصَّلَ مَذْهَبَ قتادة عن روايته وسعيد أزواجها فِي الرِّوَايَةِ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْخَبَرِ فِي السِّعَايَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُرَاضَاةِ، دُونَ الْإِجْبَارِ إِذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ وَأَجَابَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ، لِأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ وَالْإِجْبَارُ شَاقٌّ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ اسْتِفْعَالٌ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ كَقَوْلِهِمُ اسْتَسْلَفَ وَاسْتَصْعَبَ وَاسْتَقْرَضَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِسْعَائِهِ فِي خِدْمَةِ الشَّرِيكِ وَاكْتِسَابِهِ لَهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ لَا لِإِطْلَاقِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي احْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ تَنَافِيَ أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ يَمْنَعُ مِنَ الجمع بينهما فهو أن نُغَلِّبُ أَحَدَهُمَا وَلَا نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَزَالَ التَّنَافِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ فَهُوَ أَنَّ اخْتِيَارَهُ لِلْمُعْتِقِ أَوْجَبَ سرايته على مِلْكِهِ، وَلَمْ يُوجِبْ سِرَايَتَهُ إِلَى مِلْكِ شَرِيكِهِ إِذَا اسْتَقَرَّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَعْلِهِمُ الْعَبْدَ كَالْغَاصِبِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلٌ وَلَا لَهُ عَلَى رِقِّهِ يَدٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ كَالْغَاصِبِ الْمُتَعَدِّي بِيَدِهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ.
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (ويحتمل قوله فِي عِتْقِ الْمُوسِرِ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعْتَقُ بِالْقَوْلِ وَبِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْتِقَ الْمُوسِرُ وَلَوْ أَعْسَرَ كان العبد حرا واتبع بما ضمن وهذا قول يصح فيه القياس (قال
стр. 8113
المزني) وبالقول الأول قال فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي الْعِتْقِ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ يَعْتِقُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ وهكذا قال في كِتَابِ اخْتِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي حَنِيفَةَ وقال أيضا فإن مات المعتق أخذ بما لزمه من أرش المال لا يمنعه الْمَوْتُ حَقًّا لَزِمَهُ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً والعبد حر في شهادته وميراثه وجناياته قبل القيمة ودفعها (قال المزني) وقد قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى أَصَحُّ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وقطعه به في أربعة مواضع أولى به من أحد قولين لم يقطع به وهو القياس على أصله في القرعة أن المعتق يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ حَتَّى أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ والموتى فهذا أولى بقوله (قال المزني) ﵀ قد قال الشافعي لو أَعْتَقَ الثَّانِي كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا وَفِي ذَلِكَ دليل لو كان ملكه بحاله لو عتق بإعتاقه إياه وَقَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ بَيْنَهُمَا إنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا كَالْعِتْقِ وَإِنَّ شَرِيكَهُ إِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ كَانَ مَهْرُهَا عَلَيْهِ تَامًّا وَفِي ذَلِكَ قضاء لما قلنا وَدَلِيلٌ آخَرُ لَمَّا كَانَ الثَّمَنُ فِي إِجْمَاعِهِمْ ثمنين أحدهما في بيع عن تراض يجوز فيه التغابن والآخر قيمة متلف لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّقْسِيطِ فَلَمَّا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ َ - على المعتق الموسر بِالْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا قِيمَةُ مُتْلَفٍ عَلَى شَرِيكِهِ يَوْمَ أَتْلَفَهُ فَهَذَا كُلُّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ قوليه على الآخر وبالله التوفيق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عِتْقَ الْمُوسِرِ يَسْرِي إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي عِتْقِهَا عَلَيْهِ بِمَاذَا يَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ، وَاخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَكِتَابِ الْوَصَايَا أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ بِنُطْقِهِ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَيَدْفَعُهَا بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ إِلَى شَرِيكِهِ وَهُوَ قَبْلَ دَفْعِهَا عَلَى بَقَاءِ حِصَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْأَشْبَهُ ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ وَحَرْمَلَةُ، أَنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنِ الرِّقِّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ مَتَى يَنْتَقِلُ عَنِ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: بِالْعَقْدِ قَبْلَ مُضِيِّ زمان الخيار.
стр. 8114
وَالثَّانِي: بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا.
فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَدَلِيلُهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ " وَلِأَنَّ فِيهِ الْحِصَّةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ عِتْقِهِ فَدَلَّ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهَا بِلَفْظَةٍ. وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ فَدَلِيلُهُ، رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ قِسْمَةَ عَدْلٍ لَيْسَتْ بِوَكْسٍ وَلَا شَطَطٍ ثم يعتق " ولأن العتق عن عرض فَتَحْرِيمُهُ يَدْفَعُ الْعِوَضَ كَالْكِتَابَةِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ: إنَّ الْعِتْقَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَدَلِيلُهُ أَنَّ تَعَارُضَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي الْوَقْفَ وَالْمُرَاعَاةَ لِاسْتِعْمَالِ الْخَبْرَيْنِ، وَلِأَنَّ فِي الْوَقْفِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالْعَبْدِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إِدْخَالِهِ عَلَى الشَّرِيكِ بِتَعْجِيلِ الْعِتْقِ أَوْ عَلَى الْعَبْدِ بِتَأْخِيرِهِ، وَيَكُونُ وَقْفُ عِتْقِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ أَيَسْلَمُ فَيَخْرُجُ الْعِتْقُ مِنْ ثُلُثِهِ، أَوْ يَتْلَفُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ كَانَ تَحْرِيرُ عِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى سَلَامَةِ مَالِهِ، فَإِنْ سَلِمَ عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ مِنْ حِينِ تَلَفَّظَ بِعِتْقِهِ وَإِنْ تَلِفَ مَالُهُ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ إِلَّا ثُلُثُهُ، وَأَنَّ بَاقِيَهُ لَمْ يَزَلْ مَوْقُوفًا.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَشْهَرَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ وَهُوَ الْأَوَّلُ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ تُعْتَقُ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَتَكَلَّمَ عَلَى قِيمَتِهِ فُصُولًا بَعْضُهَا تَحْقِيقٌ لِمَذْهَبِهِ وَبَعْضُهَا نُصْرَةٌ لِصِحَّتِهِ.
فَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي الْعِتْقِ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ يَعْتِقُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ وَهَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَجَعَلَ الْمُزَنِيُّ تَكْرَارَ هَذَا الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ فِيهَا إِثْبَاتًا لَهُ وَنَفْيًا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَ لِأَنَّ أَقَاوِيلَهُ إِذَا فُرِّقَتْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى
стр. 8115
تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَوْ كَانَ مَا تَوَهَّمَ صَحِيحًا لَاقْتَضَى إِذَا كَرَّرَ أَحَدَهُمَا فِي مَوَاضِعَ وَكَرَّرَ الْأُخْرَى فِي مَوَاضِعَ أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لَهُمَا وَالَّذِي يَقْتَضِي تَحْقِيقَ مَذْهَبِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَقُولَ وَبِهَذَا أَقُولُ وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَحْتَجْ لَهُ.
فَأَمَّا تَكْرَارُهُ وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الشُّهُودِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَهَا تَأْثِيرٌ فِي أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَصِيرُ بِهَا أرجح من غيره فجرح بِهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُرَجِّحْ بِهَا آخَرُونَ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقَالَ - يَعْنِي الشَّافِعِيَّ - فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ أَخَذَ مَا لَزِمَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَمْنَعُ الْمَوْتُ حَقًّا لَزِمَهُ، كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ احْتِجَاجًا أَنَّ أَخْذَ قِيمَةِ الْحِصَّةِ مِنْ شَرِيكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَرِيكِهِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهَا، فَقَدْ كَانَ مِنْهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ، فَكَانَ مَأْخُوذًا بِعِتْقِهِ فِي تَرِكَتِهِ كَمَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا فَسَرَى الْجُرْحُ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أُخِذَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَمَاتَ، كَانَ غُرْمُ مَا تَلِفَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي حَيَاتِهِ، لِأَنَّنَا إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ، كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، مَا وَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: إنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غُرْمُ الْقِيمَةِ فِي تَرِكَتِهِ، لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعِتْقِهِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ فِي شَهَادَتِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمِيرَاثِهِ، وَجِنَايَاتِهِ، قَبْلَ الْقِيمَةِ وَبَعْدَهَا، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي شَهَادَاتِهِ، وَوَاجِبَاتِهِ وَجِنَايَاتِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمِيرَاثِهِ.
وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ، إِلَّا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فِي هَذَا كُلِّهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِتْقَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، كَانَتْ أَحْكَامُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، مَوْقُوفَةً، فَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ بِهَا، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى أَصَحُّ قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَمَا
стр. 8116
قَطَعَ بِهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، أَوْلَى مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْنِ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، إِنْ كَانَ مِنْهُ قَطْعًا بِصِحَّتِهِ كَانَ تَحْقِيقًا لِمَذْهَبِهِ وَعُدُولًا عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قطع به، لأن ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَالْمُزَنِيُّ عَدْلٌ فِيمَا رَوَاهُ مَعْمُولٌ بِمَا حَكَاهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَتِهِ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ، فَلَا امْتِنَاعَ مِنْ تَصْحِيحِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، إنَّ الْعِتْقَ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ، حَتَّى أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ، وَالْأَمْوَاتِ، فَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى. فَيُقَالُ لَهُ.
أَمَّا الْقُرْعَةُ بَيْنَ مَنْ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ قيمتهم بعد موته، واجبة، وَخُرُوجُهَا لِأَحَدِهِمْ، مُوجِبٌ لِتَقَدُّمِ عِتْقِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ، وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ، بَانَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِتْقِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ قَبْلَ أخذ قيمته، وقوع الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ صَادَفَ مِلْكَهُ، فَوَقَعَ وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْقُرْعَةُ لِاسْتِرْقَاقِ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ، فَصَارَ الْعِتْقُ مُتَقَدِّمًا، وَاسْتِدْرَاكُهُ بِالْعَجْزِ مُتَأَخِّرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِتْقُهُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ سَرَى إِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ السِّرَايَةُ إِلَّا بِدَفْعِ بَدَلِهِ، لِئَلَّا يُزَالَ مِلْكُهُ الْمُسْتَقِرُّ بِغَيْرِ بَدَلٍ مُسْتَقِرٍّ، ثُمَّ يُسْتَخْرَجُ مِنْ مَعْنَى الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ بِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ لَمَّا لَمْ يَتَحَرَّرْ إِلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْوَرَثَةِ، مِثْلَا قِيمَتِهِ وَجَبَ أَن لَا تُعْتَقَ حِصَّةُ الشَّرِيكِ، إِلَّا بِأَنْ يَصِلَ إِلَى قِيمَتِهِ فيصير ما ذكره دليل عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ أَعْتَقَ الثَّانِي، كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا، وفي ذلك دليلا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكُهُ بِحَالَةِ الْعِتْقِ، بِإِعْتَاقِهِ إِيَّاهُ، قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ عِتْقَ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ إِذَا قِيلَ إِنَّ حِصَّتَهُ قَدْ عَتَقَتْ عَلَى الْمُعْتِقِ بِلَفْظِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا قِيلَ إِنَّ حِصَّتَهُ لَا تُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَخَلَصَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ عِتْقَ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ إنَّ الْعِتْقَ قَدْ سَرَى إِلَى حِصَّتِهِ، فَقَدْ أَعْتَقَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ لَا يَسْرِي إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا لِلْمُعْتِقِ حَقُّ السِّرَايَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ، فَأَوْقَعَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي مِلْكِهِ حَجْرًا مَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِعِتْقٍ وَغَيْرِهِ، وَالْحَجْرُ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْعِتْقِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، كَالْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَسْخِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلْبُضْعِ لِمَا فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجَةِ مِنَ الْفَسْخِ، وَصَارَ حَقُّهَا فِيهِ مَوْقِعًا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي طَلَاقِهِ،
стр. 8117
فَإِنْ فَسَخَتْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ وَإِنْ أَقَامَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِرَفْعِ الْحَجْرِ بِالْإِقَامَةِ.
وَالْفَصْلُ السَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ بَيْنَهُمَا إنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا أَحَدُهُمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، كَالْعِتْقِ وَإِنَّ شَرِيكَهُ إِنْ وَطِئَهَا، قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، كَانَ مَهْرُهَا عَلَيْهِ تاما. وفي ذلك قضاء لما قبل، لِأَنَّ إِحْبَالَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لَهَا جَارٍ مَجْرَى عِتْقِهِ، لَهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالْإِحْبَالِ، فَإِذَا وَطِئَهَا الشَّرِيكُ الْآخَرُ، كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَهْرِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ، لَا تَصِيرُ لِلْمُحْبِلِ أُمَّ وَلَدٍ، إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا الشَّرِيكُ، كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ دَفَعَ الْمُحْبِلُ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ بِالْإِحْبَالِ، وَكَانَ عَلَى الشَّرِيكِ، إِذَا وَطِئَ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعِ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِوَطْئِهَا إِلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْإِحْبَالِ وَالْعِتْقِ فَرْقٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي اسْتِشْهَادِهِ بِهِ دَلِيلٌ.
وَالْفَصْلُ الثَّامِنُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ وَدَلِيلٌ آخَرُ لَمَّا كَانَ الثَّمَنُ فِي إِجْمَاعِهِمْ بِتَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا بيع عَنْ تَرَاضٍ، يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَالْآخَرُ فِيهِ متلف لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّقْسِيطِ، فَلَمَّا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ َ - عَلَى الْمُوسِرِ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا قِيمَةُ مُتْلَفٍ عَلَى شَرِيكِهِ، يَوْمَ أَتْلَفَهُ، فَهَذَا كُلُّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَبِاللَّهِ التوفيق.
فيقال للمزني: جعلت الأثمان ضربين: [الأول] ضَرْبٌ لِأَعْيَانٍ ثَابِتَةٍ بِعَقْدٍ عَنْ تَرَاضٍ يَجُوزُ فيه التغابن كالبيع. [الثاني] وضرب يَكُونُ فِيهِ مُتْلَفًا وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ كَالشَّرِيكِ فَجَعَلْتَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ لِمَا اسْتَحَقَّ فِيهَا مِقْدَارًا، لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ، أَنَّهُ قِيمَةُ مُتْلَفٍ بِالْعِتْقِ.
وَهَاهُنَا ضَرْبٌ ثَالِثٌ، يُسْتَحَقُّ فِيهِ مُقَدَّرٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَلَيْسَ بِمُتْلَفٍ، وَلَا مُسْتَهْلَكٍ وَهُوَ الشَّفِيعُ يَنْتَزِعُ الشِّقْصَ مِنَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي لَا يُسْتَحْدَثُ فِيهِ التَّغَابُنُ، وَلَيْسَ بِتَالِفٍ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ، عَلَى زَيْدٍ اسْتَحَقَّ بَيْعَهُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَيْسَ بِتَالِفٍ فَلَمَّا كَانَ هَذَا ضَرْبًا ثَالِثًا تَقَدَّرَ فِيهِ الثَّمَنُ وَزَالَ عَنْهُ التَّغَابُنُ، وَهَذَا بَاقٍ غَيْرُ تَالِفٍ دَخَلَتْ فِيهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ الْمُقَدَّرَةُ عَنْ غير متلف.
стр. 8118
وَهَذَا مِنَ الضَّرْبِ الثَّالِثِ وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ يَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى التَّفْرِيعِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا.
فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ إنَّهُ يُعْتَقُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ عَلَيْهَا، هَلْ يَقْتَرِنُ بِعِتْقِ مِلْكِهِ، أَوْ يَتَعَقَّبُهُ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ وَلَا يُعْتَقُ الْجَمِيعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَلَفَّظَ بِعِتْقِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ لَمْ يُعْتَقْ بِلَفْظِهِ، فَدَلَّ عَلَى عِتْقِهِ بِالسِّرَايَةِ دُونَ لَفْظِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ شَاذٌّ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ جَمِيعَهُ يُعْتَقُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِتْقَ مُبَاشَرَةٍ، لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لِأَنَّ عِتْقَهُمَا عَنْ لَفْظٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا بِاللَّفْظِ، وَيَكُونُ الْمُعْتَقُ مَأْخُوذًا بِالْقِيمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، عَقِيبَ عِتْقِهِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِقِيمَتِهِ مَعَ عِتْقِهِ، وَلَوْ مَاتَ العبد عقيب العتق، مات حراً، وما له لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ تَسْقُطِ الْقِيمَةُ عَنْ مُعْتِقِهِ، وَيَمْلِكُ إِكْسَابَ نَفْسِهِ، وَتَسْقُطُ نَفَقَتُهُ، وَزَكَاةُ فِطْرِهِ، عَنْ مُعْتِقِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ أَعْسَرَ بِهَا، بَعْدَ يَسَارِهِ كَانَتْ دَيْنًا يُحَاصُّ بِهَا الشَّرِيكُ جَمِيعَ غُرَمَائِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُعْتِقُ وَالشَّرِيكُ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ، وَتَعَذَّرَتِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَمَةٌ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، وَقَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهَا، عَتَقَ مَعَهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا.
وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ كَانَ مَوْرُوثًا وَوَارِثًا.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، كَانَ فِيهِ غُرَّةُ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي: إنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَهَلْ يَكُونُ الْعِتْقُ مُعْتَبَرًا بِالدَّفْعِ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتِقِ، أَمْ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الشَّرِيكِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْعِتْقُ مُعْتَبَرًا بِدَفْعِ الْمُعْتَقِ، وَتَمْكِينِ الشَّرِيكَيْنِ قَبْضَهُ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ بِهَا فَاعْتُبِرَ بِفِعْلِ مَنْ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا فِي حَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ الْقِيمَةُ دَاخِلَةً فِي مِلْكِ الشَّرِيكِ بِدَفْعِ الْمُعْتِقِ لَهَا، وَتَمَكُّنِ الشَّرِيكِ مِنْ قَبْضِهَا، وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ مَالِ الشَّرِيكِ دُونَ الْمُعْتِقِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، حَتَّى يَقْبِضَهَا الشَّرِيكُ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْعِتْقِ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، إِنَّمَا وَجَبَ لِيَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْهَا، وَهُوَ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ وَاصِلٍ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ، فَإِنْ تَمَانَعَ مِنَ الْقَبْضِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ
стр. 8119
تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ مَالِ الْمُعْتِقِ دُونَ الشَّرِيكِ، وَعَلَى الْمُعْتِقِ غُرْمُهَا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا لَوْ أَبْرَأَ الشَّرِيكَ مِنَ الْقِيمَةِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا الْمُعْتِقُ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ الْإِبْرَاءُ دَفْعًا، وَهَذَا بِخِلَافِ إِبْرَاءِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ عَتَقَ بِهِ، وَقَامَ مَقَامَ أَدَائِهِ بِهِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْكِتَابَةِ عَنْ مُرَاضَاةٍ فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَهَذَا الْمُعْتِقُ عَنْ إِجْبَارٍ فَغَلَبَ فِيهَا حَكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى الْمُعْتِقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَيَكُونُ لِمُعْتِقِهِ نِصْفُ وَلَائِهِ. يَسْتَحِقُّ بِهِ نِصْفَ مِيرَاثِهِ، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ رِقًّا لِشَرِيكِهِ يَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ مَا تَرَكَهُ الْعَبْدُ مِنْ مَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ قِيمَةَ حِصَّتِهِ لِمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَحَبْسِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ فِي حَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ دَفْعُ الْقِيمَةِ مُوجِبًا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهِ، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، لأنه لا يجوز انه يُغْرَّمَ بِحُكْمِ الْعِتْقِ مَا لَا يُنَفَّذُ فِيهِ الْعِتْقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِذَا كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَمَةٌ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، كَانَتْ حِصَّةُ الْمُعْتِقِ مِنْهُ مَوْلُودَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ مِنْهُ مَوْلُودَةً عَلَى الرِّقِّ، وَالْمُعْتِقُ مَأْخُوذٌ بِقِيمَتِهَا كَالْأُمِّ، وَيُعْتَقَانِ مَعًا عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ جَنِينٍ حُرٍّ، وَنِصْفُ دِيَةِ جَنِينٍ مَمْلُوكٍ، فَيَكُونُ فِيهِ نِصْفُ الْغُرَّةِ، وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ يَرِثُ الْمُعْتِقُ مَا وَجَبَ بِحُرِّيَّتِهِ، وَيَمْلِكُ الشَّرِيكُ، مَا وَجَبَ بِرِقِّهِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ حِصَّةَ الشَّرِيكِ مِنَ الْجَنِينِ وَجْهًا، وَاحِدًا، لِأَنَّ الْجَنِينَ، لَا يُضْمَنُ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ، ثُمَّ نَفَقَةُ الْعَبْدِ، وَزَكَاةُ فِطْرِهِ سَاقِطَةٌ عَنْ مُعْتِقِهِ، وَمُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْمَالِكِ لِرِقِّ حِصَّتِهِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ عِتْقِهَا، بِأَخْذِ قِيمَتِهَا وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الشَّرِيكِ دُونَ الْمُعْتِقِ، لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَزُلْ إِلَّا بِقَوْلِهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّالِثِ: إنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ بَانَ بِهَا، تَقَدَّمَ الْعِتْقُ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ وَجَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْقِيمَةِ لَمْ يَعْتِقْ وَجَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَدَفْعُ الْقِيمَةِ وَاجِبٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ بَذَلَهَا الْمُعْتِقُ أُجْبِرَ الشَّرِيكَ عَلَى قَبْضِهَا، وَإِنْ طَلَبَهَا الشَّرِيكُ أُجْبِرَ الْمُعْتِقُ عَلَى دَفْعِهَا، وَإِنْ أَمْسَكَ الشَّرِيكُ عَنِ الطَّلَبِ، وَأَمْسَكَ الْمُعْتِقُ عَنِ الدَّفْعِ، كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُعْتِقَ بِالدَّفْعِ، وَالشَّرِيكَ بِالْقَبْضِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُمَا بِذَلِكَ لِمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ
стр. 8120
تَكْمِيلِ عِتْقِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ الْعَبْدُ مَعَ إِمْسَاكِهِمَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ اسْتَحَقَّهَا الشَّرِيكُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ دَفْعَهَا يُوجِبُ تَقَدُّمَ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ نِصْفِهِ مُسْتَحَقًّا لِلْمُعْتِقِ وَوَلَاءُ نِصْفِهِ الْبَاقِي مَوْقُوفًا عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ إِكْسَابُ الْعَبْدِ فِي حَيَاتِهِ يَمْلِكُ مِنْهَا نِصْفَهَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَنِصْفُهَا مَوْقُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْمَالِكِ لِرِقِّهِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَدْرِ رِقِّهِ.
وَإِذَا أَعْسَرَ الْمُعْتِقُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ يَسَارِهِ، انظر بها إلى مسيرته وَكَانَ قَدْرُ الرِّقِّ، وَالْكَسْبِ عَلَى وَقْفِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَلَى إِعْسَارِهِ ارْتَفَعَ الْوَقْفُ وَتَصَرَّفَ الشَّرِيكُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَرَقِّ وَمَلَكَ مَا قَابَلَهُ من الكسب. وبالله التوفيق.
مَسْأَلَةٌ
: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ مُوسِرٌ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُدَّعِي وَوُقِفَ وَلَاؤُهُ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ وَادَّعَى قِيمَةَ نَصِيبِهِ عَلَى شَرِيكِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَأَنَّ عِتْقَهُ سَرَى إِلَى حِصَّتِهِ، وَطَالَبَهُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ، فَلَا يَخْلُو الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُقِرَّ بِالْعِتْقِ، أَوْ يُنْكِرَ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ، وفي عتق حصة شريكه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: يُعْتَقُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ بِقِيمَتِهَا، وَيَكُونُ لَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُعْتَقُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ إِلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِدَفْعِهَا حَتَّى يَتَكَامَلَ الْعِتْقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أنَّ عِتْقَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَإِذَا دُفِعَتْ بَانَ تَقَدُّمُ الْعِتْقِ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِتْقَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَهِيَ شَاهِدَانِ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ لِمِلْكِهِ وَكَانَ عِتْقُ حِصَّةِ الْمُدَّعِي عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا شَاهِدٌ، وَامْرَأَتَانِ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي عِتْقٍ، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ وَحِصَّتُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي عِتْقِ حِصَّةِ الْمُدَّعِي قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ حِصَّتَهُ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِنَفْسِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يضره، وينفع غيره، فقيل إِقْرَارُهُ، عَلَى نَصِيبِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ، دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ إنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ بِدَفْعِ القيمة،
стр. 8121
أَوْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ عَتَقَتْ حِصَّةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى حِصَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ لَزِمَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَصَارَ كَمَنْ وَرِثَ مِنْ رِقِّ ابْنِهِ سَهْمًا، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى بَاقِيهِ. وَكَانَ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ، مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ تُعْتَقْ حِصَّةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَانَتْ مُقَرَّةً عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِاسْتِقْرَار مِلْكِهِ عَلَيْهَا بِإِبْطَالِ السِّرَايَةِ إِلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِإِقْرَارِهِ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، فَلَوْ عَادَ الْمُنْكِرُ فَاعْتَرَفَ بِالْعِتْقِ بَعْدَ جُحُودِهِ، عَتَقَ مِلْكَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ سِرَايَةُ عِتْقِهِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثلاثة.
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (فَإِنِ ادَّعَى شَرِيكُهُ مِثْلَ ذَلِكَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ قَالَ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ إذا لم يعتق نصيب الأول ثم يُعْتَقْ نَصِيبُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَقُ بِالْأَوَّلِ (قال المزني) قد قطع بِجَوَابِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَاحِبَهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كله وقد عتق نَصِيبَ الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ قِيمَتَهُ فَتَفَهَّمْ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ لَزِمَهُ وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا لَمْ يَجِبْ لَهُ وهذا مقر للعبد بعتق نصيبه فيلزمه ومدع على شريكه بقيمة لا تجب له ومن قَوْلِهِ وَجَمِيعُ مَنْ عَرَفْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ لو قال لشريكه بعتك نصيبي بثمن وسلمته إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُوسِرٌ وَأَنَّكَ قَبَضْتَهُ وَأَعْتَقْتَهُ وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْعِتْقِ لِنَصِيبِهِ نَافِذٌ عَلَيْهِ مدع لثمن لا يجب له فهذا وذاك عندي في القياس سواء وهذا يقضي لأحد قوليه على الآخر (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِذَا أَعْتَقْتَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَأَعْتَقَهُ كان حراً في مال المعتق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهَا أَنْ يَعُودَ الشَّرِيكُ الْمُنْكِرُ، لِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِتْقِ، فَيَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَ، فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ وَتَلْزَمُهُ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَيَكُونُ عِتْقُهَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ دَيْنًا، فِي ذِمَّتِهِ، وَلَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ، وَيَكُونُ عِتْقُهُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ مَوْقُوفًا عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ إِنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِهَا أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى نَصِيبِهِ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ، وَيُنْكِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَعْوَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَعَ عَدَمِ البينة، فإن
стр. 8122
حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِنْ حَلَفَا مَعًا، أَوْ نَكَلَا فَفِي عِتْقِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ عَتَقَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ فَيَصِيرُ جَمِيعُ الْعَبْدِ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِوَلَائِهِ.
فَإِنْ تَصَادَقَا بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالْإِنْكَارِ، حُمِلَا عَلَى مُقْتَضَى تَصَادُقِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى إِذَا قِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ إنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ لَا يعتق إلى بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى رِقِّهِ، وَفِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِمَا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ عَاوَدَ الْمُزَنِيُّ تَصْحِيحَ الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْعِتْقِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ بِخَمْسَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: إِنْ قَالَ قَدْ قَطَعَ يَعْنِي (الشَّافِعِيَّ) بِجَوَابِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَاحِبَهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ، وَقَدْ أَعْتَقَ نَصِيبَ الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ قِيمَتَهُ فَتَفَهَّمْ فَيُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ، وَلَمْ يَقُلْهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ اقْتِصَارًا بِالتَّفْرِيعِ عَلَى أَحَدِهِمَا اخْتِصَارًا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِيهِ تَفْرِيعُهُ عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ لَزِمَهُ، وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَهَذَا مُقِرٌّ لِلْعَبْدِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ فَلَزِمَهُ، وَمُدَّعٍ عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةً لَا تَجِبُ لَهُ.
وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ تَحْقِيقًا لِاخْتِيَارِهِ، وَتَعْلِيلًا لِصِحَّتِهِ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ صَحَّحَ هَذَا التَّعْلِيلَ وَأَجْرَاهُ فِي كُلِّ مَعْلُولٍ بِهِ، لَكِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ إِذَا جَعَلَ الْعِتْقَ سَارِيًا بِاللَّفْظِ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيلٍ لِصِحَّتِهِ أَنَّهُ يَسْرِي بِاللَّفْظِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ نَقَضَ تَعْلِيلَهُ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا فِي كُلِّ مَعْلُولٍ بِهِ، فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ عَبْدًا عَلَى زَيْدٍ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبَضْهُ، وَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَهُوَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعَبْدِ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ، كَمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الثَّمَنَ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لَهُ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ فِي قَوْلِهِ: (وَجَمِيعُ مَنْ عَرَفْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ بِعْتُكَ نَصِيبِي بِثَمَنٍ، وَأَسْلَمْتُهُ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ مُوسِرٌ، وَأَنَّكَ قَبَضْتَهُ وَأَعْتَقْتَهُ، وَأَنْكَرَ
стр. 8123
شَرِيكُهُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْعِتْقِ لِنَصِيبِهِ، نَافِذٌ عَلَيْهِ، وَمُدَّعٍ لِثَمَنٍ لَا يَجِبُ لَهُ. وَهَذَا وَذَاكَ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ، وَهَذَا قَضَاءٌ لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ) وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ احْتِجَاجًا عَلَى وُقُوعِ الْعِتْقِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِاللَّفْظِ وَالسِّرَايَةِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ لَوِ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ أَنَّهُ بَاعَهُ حِصَّتَهُ بِثَمَنٍ لَهُ فَقَبَضَهُ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ الْحِصَّةَ إِلَيْهِ وَعَتَقَهَا، وَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ التَّسْلِيمَ وَالْعِتْقَ فَحِصَّةُ الْمُدَّعِي قَدْ عَتَقَتْ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا إِذَا كَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
وَلَوْ قَالَ عَتَقْتُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِمِلْكٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فِي حُكْمِ الْحَجْرِ لِارْتِهَانِهِ عَلَى ثَمَنِهِ ثُمَّ إِذَا لَزِمَهُ الْعِتْقُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سِرَايَةِ الْعِتْقِ بِاللَّفْظِ دُونَ الْقِيمَةِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِمِلْكٍ يُنَفَّذُ فِيهِ الْعِتْقُ، فَلِذَلِكَ عَتَقَ عليه بهذه الدعوة، وَفِي مَسْأَلَةِ السِّرَايَةِ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِغَيْرِ مِلْكِهِ فَجَازَ أَن لَا تَقَعَ فِيهِ السِّرَايَةُ حِينَ لَمْ يَقَعْ عِتْقُ الْمُبَاشَرَةِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالسِّرَايَةِ يَتَفَرَّعُ عَنْ عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَرْعِ مَعَ عَدَمِ أَصْلِهِ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لصاحبه إذا أعتقته فهو حر فأعتقته كَانَ حُرًّا فِي مَالِ الْمُعْتِقِ) وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ إِلْزَامًا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ اللَّفْظِ دُونَ دَفْعِ الْقِيمَةِ بِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَعَتَقَتْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَلَّقَهَا بِعِتْقِ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا لَمْ يُعْتِقْ عَلَى الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ بِالصِّفَةِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ أَوْ يَقَعُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِالصِّفَةِ إِذَا قِيلَ إِنَّ عِتْقَهَا فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ قَوْلُ سَائِرِ أَصْحَابِهِ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالصِّفَةِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِالسِّرَايَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِتْقُهُ عَلَى عِتْقِ الصِّفَةِ، وَإِنْ قِيلَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ أَوْقَعَ عِتْقَهُ حَجْرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ عَلَى عِتْقِ بَاقِيهِ فَلَمْ يُنَفَّذْ عِتْقُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَقَدَ الشَّرِيكُ صِفَةَ عِتْقِهِ فِي حَالٍ هُوَ فِيهَا غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
قِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يَصِيرُ فِيهَا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي ثَانِي حَالٍ.
стр. 8124
وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ جَعَلَ قِيمَتَهُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِعِتْقِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُرٌّ قَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهِ. قِيلَ لِلْمُزَنِيِّ: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ مُعْتَبَرَةً بِوَقْتِ الْعِتْقِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لَكِنْ لَا يَدُلُّ اعْتِبَارُهَا بِالْعِتْقِ عَلَى وُجُوبِهَا وَقْتَ الْعِتْقِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ وَجَبَتْ بِمَوْتِهِ، وَكَالضَّارِبِ بَطْنَ الْأَمَةِ، إِذَا أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا اعْتُبِرَتْ دِيَةُ جَنِينِهَا بِقِيمَتِهَا وَقْتَ ضَرْبِهَا وَإِنْ وَجَبَتْ بِإِلْقَائِهِ مَيِّتًا. وَقَدْ أَطَالَ الْمُزَنِيُّ فَأَطَلْنَا وَلَوِ اخْتَصَرَ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَبِنَا وَإِنْ مَضَى في خلال الكلام أحكام مستفادة.
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ مسلم وكافر (قال المزني) وقد قطع بعتقه قبل دفع قيمته وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ جَعَلَ قِيمَتَهُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِعِتْقِهِ فَدَلَّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الوقت حر قبل دفع قيمته) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أن يكون بين مسلمين يعتق أحدهما حصته فَاعْتِبَارُهُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ، فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا فِي عِتْقِهِ، مَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَيْنَا، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَى حَاكِمِنَا فَفِي وُجُوبِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَيَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا وَهُمْ فِيهِ مُخَيَّرُونَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الِالْتِزَامُ، وَيَحْكُمُ بِمَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا. فَعَلَى حَاكِمِنَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَعَلَيْهِمَا الْتِزَامُ حُكْمِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِحَقِّ الْمُسْلِمِ، فَيُنَفَّذُ عِتْقُ الْمُعْتِقِ وَيُنْظَرُ حَالُهُ.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَقِيلَ يَسْرِي عِتْقُهُ بِلَفْظِهِ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْقِيمَةِ، مَا لَمْ يُطَالِبْ بِهَا الشَّرِيكُ، وَكَانَ لَهُ جَمِيعُ وَلَائِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، لِأَنَّهُ كَالنَّسَبِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْتِقُ حِصَّةَ الشَّرِيكِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَعَلَى الحاكم أن يأخذ المعتق ليتعجل القيمة لتعجيل بِهَا عِتْقَ الْمُسْلِمِ وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ رِقٌّ لِكَافِرٍ، فَإِنْ عَجَّلَهَا وَإِلَّا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا، فَإِنْ قَبِلَهَا الشَّرِيكُ وَإِلَّا أَعْتَقَهَا عليه حكما.
стр. 8125
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا، فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الشَّرِيكَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَسَوَاءٌ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَلَا يَخْلُو حَالُ مُعْتِقِهِ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْلِمَ، أَوِ الْكَافِرَ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، عَتَقَتْ حِصَّتُهُ، وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهَا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِ عِتْقِهِ بِسِرَايَةِ لَفْظِهِ، وُقِفَتِ الْقِيمَةُ عَلَى مُطَالَبَةِ الشَّرِيكِ بِهَا.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ عِتْقَهُ لَا يَسْرِي إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، أُخِذَ بِتَعْجِيلِهَا لِأَنْ يَتَعَجَّلَ عِتْقَهَا، وَلَا يَسْتَدِيمُ الْكَافِرُ مِلْكَ رِقِّهَا. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ، وَقِيلَ لِلشَّرِيكِ الْكَافِرِ لَا يَقَرُّ مِلْكُكَ عَلَى اسْتِرْقَاقِ مُسْلِمٍ، وَأَنْتَ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَعْتِقَهُ، أَوْ تَبِيعَهُ عَلَى مُسْلِمٍ، فَإِنْ دَبَّرَهُ لم يقر تدبيره لما فيه اسْتِيفَاءِ رِقِّهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ فَفِي إِقْرَارِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ هُوَ الْكَافِرَ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي حِصَّتِهِ، وَنُظِرَ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ وَأُقِرَّ رِقُّ بَاقِيهِ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.
فَإِنْ قِيلَ بِسِرَايَةِ عِتْقِهِ بِلَفْظِهِ، عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِ، لِأَنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَةَ مُتْلَفٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِتْقَهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا التَّقْوِيمِ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ، أَوْ مَجْرَى قِيمَةِ مُسْتَهْلَكٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُ تَقْوِيمُ مُسْتَهْلَكٍ. فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ كَتَقْوِيمِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَيُؤْخَذُ بِتَعْجِيلِ الْقِيمَةِ لِيَتَعَجَّلَ بِهَا الْعِتْقَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَوَازُ تَقْوِيمِهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ ابْتِيَاعِ الْكَافِرِ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ:
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ التَّقْوِيمُ، وَيَكُونُ مِلْكُ رِقِّهِ بَاقِيًا عَلَى الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَلَا يَبْطُلُ التَّقْوِيمُ، وَيُعْتَقُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَمَا يُعْتَقُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا أَظْهَرُهُمَا فِي التَّقْوِيمِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُهُمَا فِي الْبَيْعِ، لِإِفْضَاءِ التَّقْوِيمِ إِلَى العتق وإفضاء البيع إلى الملك.
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (وَإِذَا أَدَّى الْمُوسِرُ قِيمَتَهُ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ) .
стр. 8126
قال الماوردي: إنما يريد بيسار المعتق أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِقَدْرِ قِيمَةِ الْبَاقِي مِنْ رِقِّهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَاضِلَةٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَسَوَاءٌ صَارَ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ فَقِيرًا أَوْ كَانَ غَنِيًّا.
فَإِذَا تَحَرَّرَ عَتَقَ بَاقِيَهُ بِدَفْعِ القيمة على الأوقاويل كُلِّهَا، وَكَانَ لَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ بِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ وَعِتْقِ السِّرَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ بِهِمَا عَلَى سَوَاءٍ، لقول النبي ﷺ َ - " وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " وَهُوَ مُعْتَقٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالسِّرَايَةِ، وَسَوَاءٌ تَمَاثَلَ الْعِتْقَانِ، أَوْ تَفَاضَلَا، وَأَنَّهُ يَسْرِي عِتْقُ الْيَسِيرِ إِلَى الْكَثِيرِ كَمَا يَسْرِي عِتْقُ الْكَثِيرِ إِلَى الْيَسِيرِ، وَاعْتِبَارُ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ وَقْتَ الْعِتْقِ.
فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْعِتْقِ مُعْسِرًا وَقْتَ التَّقْوِيمِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حُدُوثُ اعْتِبَارِهِ، وَكَانَتِ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَمَا لَمْ يُحَاكِمْهُ الشَّرِيكُ فِيهَا، كَانَتْ حِصَّتُهُ عَلَى وَقْفِهَا، وَإِنْ حَاكَمَهُ فِيهَا وَطَلَبَ الْقِيمَةَ، أَوْ فَسَخَ الْوَقْفَ لِيَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ، كَشَفَ عَنْ حَالِ الْمُعْتِقِ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ إِعْسَارُهُ، حُكِمَ بِفَسْخِ الْوَقْفِ كَمَا يُحْكَمُ لِلزَّوْجَةِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَجَازَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ الْحِصَّةِ مُعْسِرًا بِبَعْضِهَا، عَتَقَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِصَّةِ قَدْرُ مَا أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِ، وَكَانَ فِيمَا أَعْسَرَ به منها في حكم المعسر.
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَى مِلْكِهِ يَخْدِمُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لُهْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمُعْتَبَرُ بِإِعْسَارِهِ أَن لَا يَمْلِكَ قِيمَةَ الْحِصَّةِ الْبَاقِيَةِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا قِيمَةَ شَيْءٍ مِنْهَا وَقْتَ عِتْقِهِ، فَإِنْ مَلَكَهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَدِ اسْتُحِقَّ فِيهَا يَصِيرُ بِاسْتِحْقَاقِهَا فِي الدَّيْنِ مُعْسِرًا بِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَا يَسْتَحِقُّ تَعْجِيلَهُ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ فِي عِتْقِ الْحِصَّةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي يَدِهِ مَا هُوَ مُقَرٌّ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الدَّيْنِ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ؟ :
أَحَدُهُمَا: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِعْسَارِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ مِنْ وجوب
стр. 8127
الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ، فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا بِهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْرِي عِتْقُهُ مَعَ إِعْسَارِهِ كَمَا يَسْرِي مَعَ يَسَارِهِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ كَمَا يَسْرِي الطَّلَاقُ فِي الزَّوْجَةِ إِذَا طَلَّقَ بَعْضَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ طَلَاقٌ وَإِبَاحَةٌ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ حُرِّيَّةٌ وَرِقٌّ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَ فَأَعْتَقَ ". وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ، بِأَن لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فِي عَبْدِهِ الْمُشْتَرَكِ، وَأَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ كَامِلَ التَّصَرُّفِ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ مَعَ إِعْسَارِ الْمُعْتِقِ أَعْظَمُ ضَرَرًا عَلَى الشَّرِيكِ مِنِ اسْتِبْقَاءِ رِقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْفَعَ أَقَلُّ الضَّرَرَيْنِ بِأَعْظَمِهِمَا، وَوَجَبَ أَنْ يُرْفَعَ أَعْظَمُهُمَا بِأَقَلِّهِمَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْصُلَ فِي الزَّوْجَةِ شِرْكٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، وَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الرِّقِّ شِرْكٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ الطَّلَاقُ وَجَازَ أَنْ يَتَبَعَّضَ الرِّقُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَلَاقَ بَعْضِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِبَاقِيهَا، وَعِتْقَ بَعْضِ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِخْدَامِ بَاقِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ بَاقِيَةٌ عَلَى رِقِّهَا بِإِعْسَارِ الْمُعْتِقِ، فَقَالَ الْمُعْتِقُ: أَنَا أَسْتَدِينُ وَأَقْتَرِضُ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ إِنْ حَدَثَ لَهُ يَسَارٌ بَعْدَ الْعِتْقِ، كَانَ الشَّرِيكُ أَمْلَكَ بِحِصَّتِهِ ولم يؤخذ بإجابته.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَبَعَّضَتْ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ بِإِعْسَارِ مُعْتِقِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (يَخْدِمُ سَيِّدَهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ) ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُهَايَأَةِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُهَايَأَةَ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَلَمَّا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ أُجْرِيَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِبَعْضِهِ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا مُهَايَأَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ مَعَ الشَّرِيكِ الْبَاقِي لِنُقْصَانِ تَصَرُّفِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْمُهَايَأَةِ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيَجُوزَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ الثَّانِي، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْحُرِّيَّةِ كَامِلٌ فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَسْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ بِصِنَاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ يَتَمَاثَلُ فِيهَا كَسْبُ أَيَّامِهِ كُلِّهَا جَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَهُ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْدِلَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَسْبِ إِلَى الِاسْتِخْدَامِ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ كَسْبِهِ.
стр. 8128
فَإِذَا صَحَّتِ الْمُهَايَأَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، وَإِذَا كَانَا مُقِيمَيْنِ عَلَيْهَا، يَوْمًا لِلْعَبْدِ، وَيَوْمًا لِلسَّيِّدِ، دَخَلَ فِيهَا مَأْلُوفُ الْكَسْبِ، وَمَأْلُوفُ النَّفَقَةِ، فَاخْتُصَّ الْعَبْدُ بِمَا كَسَبَهُ فِي يَوْمِهِ، وَيُحْمَلُ فِيهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ نَفَقَتِهِ، وَاخْتُصَّ السَّيِّدُ فِي يَوْمِهِ بِمَا كَسَبَ الْعَبْدُ، وَيُحْمَلُ فِيهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ نَفَقَتِهِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْلُوفِ مِنَ الْكَسْبِ، كَالْكَنْزِ وَاللُّقَطَةِ، وَغَيْرُ الْمَأْلُوفِ مِنَ النَّفَقَةِ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَفِي دُخُولِهَا فِي الْمُهَايَأَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمُهَايَأَةِ، كَالْمَأْلُوفِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَا فِي يَوْمِ الْعَبْدِ اخْتُصَّ بِالْكَنْزِ، وَاللُّقَطَةِ، وَتَحَمُّلِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَا فِي يَوْمِ السَّيِّدِ اخْتُصَّ بِذَلِكَ دُونَ الْعَبْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذَا فِي زَمَانِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، وَيَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ فِي زَمَانِ أَحَدِهِمَا، مُوجِبًا لِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَا عَدَاهُمَا مِنَ المألوف جاريا على المهايأة.
مسألة
قال الشافعي ﵁: (وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ وَارِثٌ وَرِثَهُ بِقَدْرِ وَلَائِهِ فَإِنْ مَاتَ لَهُ مُوَرِّثٌ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْقِيَاسُ أَنْ يَرِثَ مِنْ حيث يورث وقد قال الشافعي إِنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ وَهَذَا وَذَاكَ فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ المسألة فيمن عتق بَعْضهُ، وَرقَّ بَعْضهُ، هَلْ يَرِثُ وَيُورَثُ؟ وَهُمَا فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: هَلْ يَرِثُ إِذَا مَاتَ لَهُ موروث، أم لا؟ . وفي بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافٌ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَرِثُ كَالْحُرِّ مِيرَاثًا كَامِلًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ إنَّهُ يَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَيُحْجَبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَذَهَبَ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ، وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ إِذَا كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ فِيمَا سِوَى الْمِيرَاثِ، مِنْ نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ، وَوِلَايَتِهِ، وَشَهَادَتِهِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ فِي مِيرَاثِهِ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مَانِعٌ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَإِذَا لَمْ يَزُلِ الرِّقُّ لَمْ يَزُلْ مَانِعُ الْمِيرَاثِ. قَالَ الْمُزَنِيُّ: (الْقِيَاسُ أَنْ يَرِثَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُ) .
قِيلَ قَدْ يُوَرَّثُ مَنْ لَا يَرِثُ، كَالْجَنِينِ يُوَرَّثُ وَلَا يَرِثُ، وَالْعَمَّةُ تُوَرَّثُ وَلَا تَرِثُ،
стр. 8129
وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ، تَرِثُ وَلَا تُوَرَّثُ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا فِي غَيْرِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (النَّاسُ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ) قِيلَ لَهُ: لَمْ يَقُلْهُ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيلًا عَامًّا، فَيَجْعَلُهُ قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا، وَإِنَّمَا قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِمَاءِ أَبِيهِ وَلَمْ يُوَرِّثْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ أَبٍ، وَوَرَّثَ الْوَلَدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِيرَاثَ ابْنٍ، فَقَالَ: النَّاسُ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ؛ لِأَنَّهُ كَمل النَّسَبِ، وَلَمْ يكْملِ الْمِيرَاثُ فَتَوَجَّهَ الرَّدُّ بِهِ لِلشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَتَوَجَّهِ الرَّدُّ بِهِ للمزني.
فَصْلٌ
وَإِذَا مَاتَ هَذَا الَّذِي تَبَعَّضَتْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ هَلْ يُوَرَّثُ أَمْ لَا؟
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُوَرَّثُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَيَكُونُ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرِثْ بِحُرَّيَّتِهِ، لَمْ يُوَرَّثْ بِهَا. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِ رِقِّهِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ: يَكُونُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَسَيِّدِ رِقِّهِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ. فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ. فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي طَائِفَةٍ يُخَرِّجُونَ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: تَكُونُ لِسَيِّدِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ.
وَالثَّانِي: تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ.
وَالثَّالِثُ: تَكُونُ بَيْنَهُمَا تُوَرَّثُ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ، يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ النُّصُوصِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ، وَيَحْمِلُونَهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِي زَمَانِ سَيِّدِهِ وَقَدِ اسْتُهْلِكَ مَا كَانَ قَدْ مَلَكَهُ بِحُرِيَّتِهِ يَكُونُ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ إِذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِي زَمَانِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَخَذَ السَّيِّدُ مَا مَلَكَهُ عند برقه، فَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُهَايَأَةٍ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ بِالْحَقَّيْنِ، كَانَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالسَّيِّدِ مِيرَاثًا بِالْحُرِّيَّةِ، وَمِلْكًا بِالرِّقِّ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، يَكُونُ جَمِيعُ مَا يُخَلِّفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا بِالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ، مُنْتَقِلًا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، لَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي حُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَرَثَةُ، لِبَقَاءِ أَحْكَامِ رِقِّهِ، فَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَوْلَى الْجِهَاتِ بِاسْتِحْقَاقِهِ.
стр. 8130
مسألة
: قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَا تَكُونُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا عَبْدًا وَبَعْضُهَا حُرًّا كَمَا لَا تَكُونُ امْرَأَةٌ بَعْضُهَا طَالِقًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ طَالِقٍ قِيلَ لَهُ أَتَتَزَوَّجُ بَعْضَ امْرَأَةٍ كَمَا تَشْتَرِي بَعْضَ عَبْدٍ أَوْ تُكَاتِبُ الْمَرْأَةَ كَمَا تُكَاتِبَ الْعَبْدَ أَوْ يَهَبُ امْرَأَتَهُ كَمَا يَهَبُ عَبْدَهُ فَيَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَكَانَهُ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: فَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنَ الْعَبْدِ مِمَّا قِسْتَهُ عَلَيْهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَبَا حَنِيفَةَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى فِي وُجُوبِ السِّعَايَةِ، حِينَ مَنَعَا أَنْ تَكُونَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا حُرٌّ وَبَعْضُهَا مَمْلُوكٌ، لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ اجْتِمَاعِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، أَوْجَبَ السِّعَايَةَ وَمِنْ جَوَّزَ اجْتِمَاعَهُمَا لَمْ يُوجِبْهَا؛ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا يَمْنَعَانِ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبَا السِّعَايَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مَنَعَا مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا؛ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَا السِّعَايَةَ وَكَانَ مِنْ دَلِيلِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا شَيْئَانِ: أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا وَانْفَصَلَ عَنْهُ، وَأَعْرَضَ عَنِ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ أَضْعَفُ منه.
فأما الذي أورده الشافعي أنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا حُرٌّ، وَبَعْضُهَا رِقٌّ، لِتَنَافِي أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا طَالِقٌ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ طَالِقٍ، لِتَنَافِي أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَالطَّلَاقِ. فَانْفَصَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بِالْفَرْقِ الْمَانِعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ، وَالْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعَبْدِ بِأَنْ يَمْلِكَهُ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ لِأَنَّ الرِّقَّ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، وَالِاشْتِرَاكَ فِي الزَّوْجَةِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا جَمَاعَةٌ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ، لِأَنَّ رِقَّهُ يَتَبَعَّضُ في مالكيته فَيَتَبَعَّضُ فِي أَحْكَامِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْوَاحِدَةُ بَعْضُهَا طَالِقٌ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ طَالِقٍ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْأَزْوَاجِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ فِي أَحْكَامِهِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَيُورَثَ وَيُوهَبَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمِلْكُ، وَالْمِلْكُ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ وَالزَّوْجَةُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ وَلَا تُوهَبَ وَلَا تُورَثَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِاسْتِمْتَاعُ، وَالِاسْتِمْتَاعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: مِنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، أَنْ قَالُوا: الْإِيمَانُ أَصْلٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَالْكُفْرُ أَصْلٌ لِلرِّقِّ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجْتَمِعَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ فِي النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ الْكُفْرُ مُوجِبًا لِلرِّقِّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْكَافِرُ حُرًّا، وَلَا الْإِيمَانُ مُوجِبًا لِلْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ قد يكون المؤمن مسترقا، وإنما كان سَبَبًا لَهُمَا يَزُولَانِ مَعَ بَقَائِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَطْرَأَ الْإِيمَانُ عَلَى رِقٍّ ثَابِتٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَطْرَأَ الْإِيمَانُ
стр. 8131
عَلَى كُفْرٍ ثَابِتٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَ الإيمان الكفر، وَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ أَعْتَقَ شَرِيكَانِ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ وَلِلْآخَرِ السُدُسُ مَعًا أَوْ وَكَّلَا رَجُلًا فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا مَعًا كَانَ عَلَيْهِمَا قِيمَةُ الْبَاقِي لِشَرِيكَيْهِمَا سَوَاءً لَا أَنْظُرُ إِلَى كَثِيرِ الْمِلْكِ وَلَا قَلِيلِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا يقْضِي لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي الشُفْعَةِ أَنَّ مَنْ لَهُ كَثِيرُ مِلْكٍ وَقَلِيلُهُ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نَصِفُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، وَأَعْتَقَ صَاحِبًا النِّصْفِ وَالسُّدُسِ حَقَّهُمَا مَعًا وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أوجه:
أحدهما: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى اجْتِمَاعِ اللَّفْظَيْنِ حَتَّى لَا يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِحَرْفٍ، وَلَا مَدٍّ وَلَا تَشْدِيدٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّقَا عِتْقَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِنْ دَخَلَ هَذَا الْعَبْدُ الدَّارَ، أَوْ طَارَ هَذَا الْغُرَابُ فَنَصِيبِي مِنْهُ حُرٌّ، فَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ، أَوْ طَارَ الْغُرَابُ عَتَقَ نَصِيبُهُمَا مَعًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُوَكِّلَا فِي عِتْقِهِ وَكِيلًا، فَيَعْتِقَهُ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عِتْقُهُمَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَانَا مُوسِرَيْنِ، قُوِّمَتْ حِصَّةُ الثَّالِثِ، وهي الثلث، وعليهما بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ. وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَ الْمُعْتِقِينَ فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثَا وَلَائِهِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ ثُلُثُ وَلَائِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا قَدْرُ الْمِلْكَيْنِ وَيُسَوِّي بَيْنَ مَنْ قَلَّ سَهْمُهُ، وَكَثُرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْمِلْكَيْنِ، وَيُفَضَّلُ بَيْنَهُمَا لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَالَيْنَ، لِأَنَّ التَّقْوِيمَ مُسْتَحَقٌّ بِسِرَايَةِ عِتْقِهِمَا، وَسِرَايَةِ كَثِيرِ الْعِتْقِ أَكْثَرُ مِنْ سِرَايَةِ قَلِيلِهِ. ودليلنا رواية ابن عمر أن النبي
قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ " فَاسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ، وَالْجَمَاعَةُ، لِإِطْلَاقِ أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى شَرِيكِهِمَا بِقَلِيلِ الْمَلِكِ وَكَثِيرِهِ، لِأَنَّ قَلِيلَهُ مُدْخِلٌ لِلضَّرَرِ عَلَيْهِ مِثْلُ كَثِيرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي التَّقْوِيمِ الْمُوجِبِ لِرَفْعِ ضَرَرِهِمَا، وَلِأَنَّ عِتْقَهُمَا يَجْرِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا، وَهُمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي جِنَايَةٍ تَفَاضَلَا فِي عَدَدِ جِرَاحِهَا فَجَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جِرَاحَةً، وَجَرَحَهُ الْآخَرُ مِائَةَ جِرَاحَةٍ كَانَتِ الدِّيَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَعْدَادِهِمَا، وَلَا تَتَقَسَّطُ عَلَى أَعْدَادِ جِرَاحِهِمَا، كَذَلِكَ الْعِتْقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا، بِأَعْدَادِ الْمُعْتِقِينَ، وَلَا يَتَقَسَّطُ عَلَى أَمْلَاكِ الْمُعْتِقِينَ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ كسرية الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يُسَلَّمْ لِمَالِكٍ اسْتِدْلَالُهُ.
стр. 8132
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: (إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّقْوِيمِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِي الشُّفْعَةِ، كَذَلِكَ إِذَا تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْأَخْذِ) .
قِيلَ فِي الشُّفْعَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا عَلَى هَذَا، وَأَنْ يَشْتَرِكَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَالسُّدُسِ فِيهَا بِالسَّوِيَّةِ كَالْعِتْقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهَا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْعِتْقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْمِلْكِ، فَتُقُسِّطت عَلَيْهِ، وَالتَّقْوِيمُ مُسْتَحَقٌّ بِالْعِتْقِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ بالتزام مؤونة القسم وغيره، والمؤونة مُعْتَبِرَةٌ بِالْمِلْكِ، فَتَقَسَّطَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمِلْكِ، وَالتَّقْوِيمُ مُسْتَحَقٌّ بِدُخُولِ الضَّرَرِ بِالْعِتْقِ، الْجَارِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ، فَتَقَسَّطَتْ عَلَى الْمُعْتِقِينَ، دُونَ الْمِلْكِ؛ وَلَوْ كَانَتِ الْ مَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَكَانَ صَاحِبُ النِّصْفِ مُوسِرًا، وَمُعْتِقُ السُّدُسِ مُعْسِرًا، قُوِّمَتِ الْحِصَّةُ كُلُّهَا عَلَى مُعْتِقِ النِّصْفِ، وَلَوْ كَانَ مُعْتِقُ السُّدُسِ مُوسِرًا وَمُعْتِقُ النِّصْفِ مُعْسِرًا، قُوِّمَتِ الْحِصَّةُ كُلُّهَا عَلَى مُعْتِقِ السُّدُسِ، وَلَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ تُقَوَّمْ عَلَى واحد منهما، وكانت الحصة على ورقها لِمَالِكِهَا، فَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهَا الْيَسَارَ فَأَنْكَرَاهُ حَلِفَا لَهُ، وَلَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِمَا، وَفِي عِتْقِ الْحِصَّةِ عَلَى مَالِكِهَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى قَوْلَانِ، يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّتِهِ يَقَعُ بِالسِّرَايَةِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي إِذَا قِيلَ إِنَّهَا لَا تُعْتَقُ، إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُعْتِقِينَ عَلَى الْآخَرِ الْيَسَارَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُعْسِرًا، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي حَقِّهِ وَتُسْمَعُ مِنْ مَالِكِ الْحِصَّةِ، لِتَأْثِيرِهَا فِي حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِيَسَارِهِ مُشَارِكًا لَهُ فِي تَحَمُّلِ الْقِيمَةِ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْ مَالِكِ الْحِصَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي حَقِّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي ﵁: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْتِقِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ النَّصِيبِ لَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ مِنْهُ إِلَّا بِمَا يَرْضَى (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قَدْ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قول الغارم وهذا أولى بقوله وأقيس على أصله على ما شرحت من أحد قوليه لأنه يقول في قيمة ما أتلف أن القول قول الغارم ولأن السيد مدع للزيادة البينة والغارم منكر فعليه اليمين) .
стр. 8133
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِيمَةَ حِصَّةِ الشريك معتبرة بوقت العتق على الأقاويل كلها، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ نُقْصَانٍ، لِأَنَّ عِتْقَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إِتْلَافًا، أَوْ سَبَبًا، لِلْإِتْلَافٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ عِنْدَ حُدُوثِهِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ إذا كانت قتلا، أو سببنا أفضى إلى القتل، وتعتبر قيمته قتل عِتْقِ بَعْضِهِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْبَعْضِ مُوكِسٌ لِقِيمَتِهِ، وَهَذَا الْوَكْسُ بِعِتْقِهِ الْجَارِي مَجْرَى جِنَايَتِهِ، فَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي نُفُوذِ عِتْقِهَا فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا عَتَقَتْ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُعْتِقُ، وَكَذَلِكَ إِنْ قِيلَ بِالثَّانِي إِنَّ عِتْقَهَا مَوْقُوفٌ مُرَاعًى لَمْ يَضْمَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ عِتْقِهَا، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُعْتَقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَمَعَهَا فَفِي ضَمَانِ الْمُعْتِقِ لِمَا حَدَثَ مِنْ زِيَادَةِ الْقِيمَةِ، بَعْدَ عِتْقِهِ وَقَبْلَ دَفْعِهَا، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهَا، لِأَنَّ سَبَبَ الْإِتْلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ دُونَ النُّقْصَانِ، كَالْغَاصِبِ فِي ضَمَانِهِ لِأَكْثَرِ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَادِثَةٌ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَهْلِكَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَاهُ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَاخْتَلَفَا فِيهَا فَقَالَ: الْمُعْتِقُ مِائَةٌ، وَقَالَ الشَّرِيكُ مِائَتَانِ. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيمَتُهُ بتطاول الزمان، فلا اعتبار باختلافهما ويقومها ثِقَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِذَا قَوَّمَاهَا لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُوَافِقَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُعْتِقُ، وَهُوَ الْمِائَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوَافِقَ مَا ادَّعَاهُ الشَّرِيكُ وَهُوَ الْمِائَتَانِ فَيَسْتَحِقُّهَا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا، غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ مِائَةٌ وَخَمْسِينَ، فَيُحْكَمَ بِهَا عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، وَلَا نَقْتَنِعُ مِنَ الْمُعْتِقِ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى أَكْثَرِهِمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، فَلَا يُحْكَمُ لِلشَّرِيكِ إِلَّا بِمِائَتَيْنِ، لِأَنَّهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا مُبَرَّأٌ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً عَنْ أَقَلِّهِمَا وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ بِخَمْسِينَ، فَلَا نَقْتَنِعُ مِنَ الْمُعْتَقِ بِأَقَلَّ مِنْ مائة، لأنه قد أ ٥ قر بِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ تَقْوِيمُهُ فِي زَمَانِ الْعِتْقِ، إِمَّا لِمَوْتِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ، وَإِمَّا لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِهِ بِالْكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ، أَوْ بِالْمَرَضِ بَعْدَ الصِّحَّةِ، أَوْ بِالزَّمَانَةِ بَعْدَ السَّلَامَةِ، فَفِي اخْتِلَافِهَا فِي القيمة قولان:
следующие страницы →