← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 8234–8273 · переход к 8239.

стр. 8234

وَإِنْ تَبِعَهَا فِي التَّدْبِيرِ. وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَلِذَلِكَ إِذَا مَاتَتِ الْأُمُّ عَلَى كِتَابَتِهَا لَمْ يَصِرِ الْوَلَدُ مُكَاتَبًا بَعْدَ مَوْتِهَا، فَلِذَلِكَ عَادَ إِلَى الرِّقِّ بِعَوْدِهَا إِلَيْهِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُدَبِّرَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَيَكُونُ حَمْلُهَا تَابِعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ. فَإِنِ اسْتَثْنَاهُ فِي التَّدْبِيرِ. فَقَالَ: أَنْتِ مُدَبَّرةٌ دُونَ حَمْلِكِ، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ إِنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَبَطَلَ إِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَلِدُ إِلَّا حُرًّا، وَلَوْ دَبَّرَ الْحَمْلَ دُونَ أمه، صح تدبيره ولم تَصِرِ الْأُمُّ تَابِعَةً لَهُ فِي التَّدْبِيرِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ تَابِعٌ، وَلَيْسَ بِمَتْبُوعٍ وَلَوْ دَبَّرَ الْأُمَّ حَامِلًا وَرَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا وَهِيَ حَامِلٌ، تَبِعَهَا حَمْلُهَا فِي التَّدْبِيرِ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فِي الرُّجُوعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي، وَالرِّقَّ لَا يَسْرِي، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ حَمْلًا وَقْتَ التَّدْبِيرِ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ تَدْبِيرِهِ، فَيُعْلَمُ وَجُودُهُ حَمْلًا وَقْتَ التَّدْبِيرِ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عُلِمَ عَدَمُهُ وَقْتَ التَّدْبِيرِ فَلَمْ يَكُنْ مُدَبَّرا، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَدُونَ أَرْبَعِ سِنِينَ، فإن كانت مطلقة من زَوْجٍ يُلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، حُكِمَ بِوُجُودِهِ وَتَدْبِيرِهِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ فِي لُحُوقِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ يَطَأُ، حُمِلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حُدُوثِهِ فَلَمْ يَصِرْ مُدَبَّرا. فَصْلٌ وَإِذَا جُعِلَ وَلَدُ الْمُدَبَّرةِ، وَحَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ وَالْحَمْلِ كَمَا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِهَا فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لَهَا وَهِيَ حَامِلٌ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَقَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ قَبْلَ خَلْقِهِ لَيْسَ بِمُدَبَّر. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ رُجُوعٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَامِلٌ: قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِ حَمَلِكِ، صَحَّ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَدْبِيرُهُ حَمْلًا صَحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ حَمْلًا، وَلَوْ قَالَ: إِذَا وَلَدَتْهُ فَقَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِهِ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ وَكَانَ عَلَى التَّدْبِيرِ إِذَا وُلِدَ، لِأَنَّهُ رُجُوعٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِالصِّفَاتِ لَا يَصِحُّ. فَصْلٌ وَإِذَا دَبَّرَ حَمْلَ جَارِيَتِهِ، دُونَهَا، ثُمَّ بَاعَهَا حَامِلًا، فَإِنْ قَصَدَ بِبَيْعِهَا الرُّجُوعَ فِي تَدْبِيرِ حَمْلِهَا صَحَّ الْبَيْعُ، وَبَطَلَ بِهِ تَدْبِيرُ الْحَمْلِ وَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا لَمْ يَسْتَثْنِهِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا قَصَدَ بِهِ إِبْطَالَ التَّدْبِيرِ فِي الْحَمْلِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صَحَّ الْبَيْعُ، لِأَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّر رُجُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الرُّجُوعُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَمْلِ مُخَالِفٌ لحكم أمه.

стр. 8235

فَصْلٌ فَأَمَّا وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ كَقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ. فَعَلَى الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: مَنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ عَقْدِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ. وَالثَّانِي: مَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَدُخُولِ الدَّارِ فَهُوَ حُرٌّ. وَالثَّالِثُ: مَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ، وَقَبْلَ وُجُودِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ كَوَلَدِ الْمُدَبَّرةِ سَوَاءٌ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ. وَالثَّانِي: لَا يَتْبَعُهَا وَيَكُونُ مَرْقُوقًا لِسَيِّدِهَا. فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بَعْدَ سَنَةٍ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ كان من ولدتهم قبل مضي السنة مماليكا، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ دُخُولِ الدَّارِ أَحْرَارًا، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ السَّنَةِ وَقَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَيَكُونُ مَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ كَمَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ عَقْدِ الصِّفَةِ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِتْقِ دُخُولُ الدَّارِ بَعْدَ السَّنَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُرِّرَ حَمْلُهُ وَوِلَادَتُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثلاث وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ، كَانَ مَنْ وَلَدَتْهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ مماليكاً، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَحْرَارًا. وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَسَوَّى بَيْنَ عَقْدِ الصِّفَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعَقْدِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْتَقَهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ عَقْدِ الصِّفَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعَقْدِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ: أَنَّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِلْكًا وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِلْكًا. فَإِنْ عَتَقَ الْوَلَدُ مَعَهَا كَانَا مُعْتَبَرَيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقِ الْوَلَدُ مَعَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ. وَالثَّانِي: يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ قَالَتْ وَلَدْتُهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَقَالَ الْوَارِثُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ وَهِيَ الْمُدَّعِيَةُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا التَّنَازُعُ فِي الْوَلَدِ يَشْتمَلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُولَ الْمُدَبَّرةُ: وَلَدْتُهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَيُعْتَقُ بِعِتْقِي وَيَقُولُ الْوَرَثَةُ: وَلَدَتْهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ. فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرةِ لَا يَتْبَعُهَا، فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا التَّنَازُعِ لِأَنَّهُ مَرْقُوقٌ فِي الْحَالَيْنِ.

стр. 8236

وَإِنْ قِيلَ: يَتْبَعُهَا، كَانَ لِتُنَازُعِهِمَا فِيهِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي عِتْقَهُ، وَالْوَارِثُ يَدَّعِي رقه. فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الرِّقُّ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى حُدُوثَ الْعِتْقِ فَإِنِ حَلَفَ الْوَارِثُ رَقَّ الْوَلَدُ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأُمِّ، فَإِنْ حَلَفَتْ عَتَقَ الْوَلَدُ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِرِقِّهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُوقَفُ أَمْرُهُ لِيَحْلِفَ الْوَلَدُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَقُولَ الْمُدَبَّرةُ: وَلَدْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ: فَهُوَ حُرٌّ. وَيَقُولُ الْوَارِثُ: وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ. فَهَذَا بِعَكْسِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرةَ تَبَعٌ لَهَا فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا التَّنَازُعِ، لِأَنَّهُ يُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ. وَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا يَتْبَعُهَا، كَانَ لِتَنَازُعِهِمَا فِيهِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي عِتْقَهُ، وَالْوَارِثَ يَدَّعِي رِقَّهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ فِي الْعُلُوقِ حُكْمُ الرِّقِّ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَوْتِ السَّيِّدِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ رِقِّهِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُنْكِرَ أَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ فِي الْعُلُوقِ حُكْمُ الرِّقِّ وَأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا. فَالْقَوْلُ هَاهُنَا قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ فِي النَّاسِ أَصْلٌ، وَالرِّقَّ طَارِئٌ. فَإِنْ حَلَفَتْ كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا، وَإِنْ نَكَلَتْ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَارِثِ إِذَا قِيلَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نُكُولَ الْوَارِثِ لَا يُوجِبُ وَقَفَ الْيَمِينِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُرَدُّ عَلَى الْوَارِثِ، وَتُوقَفُ الْيَمِينُ عَلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ. فَإِنْ حَلَفَ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَانَ حُرًّا وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْوَارِثِ. وَهَذَا إِذَا قِيلَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نُكُولَ الْوَارِثِ لَا يُوجِبُ وَقْفَ الْيَمِينِ. فَإِنْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا سُمِعَتْ مِنْ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ، وَمُدَّعِي الرِّقِّ. وَالْبَيِّنَةُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فِي حَقَّيْهِمَا، لِأَنَّهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَإِنْ أَفْضَتْ إِلَى حُرِّيَّةٍ، أَوْ رِقٍّ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي ﵁: (وَلَوْ قَالَ الْمُدَبَّر أَفَدْتُ هَذَا الْمَالَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَالَ الْوَارِثُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَبَّر وَالْوَارِثُ مُدَّعٍ) .

стр. 8237

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا كَسَبَهُ الْمُدَبَّر فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ تَرِكَةٌ، وَمَا كَسَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِلْكٌ لِلْمُدَبَّر، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُدَبَّر وَالْوَارِثُ فِي مَالٍ بِيَدِهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَادَّعَاهُ الْمُدَبَّر مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَادَّعَاهُ الْوَارِثُ مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ. فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَبَّر مَعَ يَمِينِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَجْلِ يَدِهِ الدَّالَّةِ عَلَى مِلْكِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ حُدُوثَ كَسْبِهِ أَظْهَرُ مِنْ تَقَدُّمِهِ. فَإِنْ كَانَتْ لِلْوَارِثِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِتَقَدُّمِ كَسْبِهِ، حُكِمَ بِهَا وَبَيِّنَتُهُ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ مَالٍ. وَهَذَا إِذَا شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ اكْتَسَبَهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، وَأَمَّا إِنْ شَهِدَتْ أَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ. فَفِي قَبُولِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي حُكْمِ الْبَيِّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ وَيُحْكَمُ بِهِ لِلْوَارِثِ. وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَيَكُونُ لِلْمُدَبَّر مَعَ يَمِينِهِ. فَصْلٌ وَإِذَا وَهَبَ السَّيِّدُ لِمُدَبَّرهِ أَمَةً فَوَطِئَهَا الْمُدَبَّر وَأَوْلَدَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فِي مِلْكٍ إِنْ جُعِلَ مَالِكًا أَوْ فِي شُبْهَةِ مِلْكٍ إِنْ لَمْ يُجْعَلْ مَالِكًا، وَفِي الْوَلَدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ملك للسيد، وإن لحق بالمدبر، وَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يُمَلَّكُ إِذَا مَلَكَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُدَبَّر، وَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَعَلَى هَذَا إِذَا جَعَلْنَاهُ مِلْكًا لِلْمُدَبَّر، كَانَ تَبَعًا لَهُ فِي التَّدْبِيرِ قَوْلًا وَاحِدًا يُعْتَقُ بِعِتْقِهِ، وَيَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَإِذَا جَعَلْنَاهُ لِلسَّيِّدِ لَمْ يَتْبَعْهُ فِي عِتْقٍ، وَلَا رِقٍّ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُدَبَّرةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَيَكُونُ كَوَلَدِهِ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ، أَوْ غَيْرِ سَيِّدِهِ لَا يَتْبَعُهُ، إِلَّا فِي النَّسَبِ، وَلَا يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ لِأَنَّ الْوَلَدَ فِيهِمَا تَابِعٌ لِلْأُمِّ دُونَ الْأَبِ. فَصْلٌ وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، أَوْ عَمَّهُ صَحَّ تَدْبِيرُهُ، وَعَتَقَ بِمَوْتِهِ وَلَمْ يَرِثْهُ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَوَارُثَ بِالْأَسْبَابِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلَوْ قَالَ لِأَخِيهِ: أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ صِحَّتِي الْمُتَّصِلِ بِأَوَّلِ أَسْبَابِ مَوْتِي، ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَوَرِثَهُ لِتَقَدُّمِ عِتْقِهِ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِي الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِي، ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ. وَفِي مِيرَاثِهِ وَجْهَانِ ذكرناهما في العتق:

стр. 8238

أحدهما: لا يرث، لأنه عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ. وَالْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرِثُ وَلَا يَكُونُ عِتْقُهُ وَصِيَّةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَا مُلِكَتْ عَنِ الْمُوصِي، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ لِأَخِيهِ فِي صِحَّتِهِ: إِنْ مُتُّ بَعْدَ شَهْرٍ فَأَنْتَ الْيَوْمَ حُرٌّ فَمَاتَ قَبْلَ شَهْرٍ، لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، عَتَقَ يَوْمَ لَفْظِهِ وَوَرِثَهُ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ كَانَ فِي مِيرَاثِهِ الْوَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8239

بَابٌ فِي تَدْبِيرِ النَّصْرَانِيِّ مَسْأَلَةٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: (وَيَجُوزُ تَدْبِيرُ النَّصْرَانِيِّ وَالْحَرْبِيِّ فَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ نَمْنَعْهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجُوزُ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ كَمَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا، أَوْ مُعَاهَدًا، أَوْ حَرْبِيًا، لِأَنَّ الْكَافِرَ صَحِيحُ الْمِلْكِ كَالْمُسْلِمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] فَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ مِلْكٍ وَإِذَا ثَبَتَ لَهُمُ الْمِلْكُ صَحَّ مِنْهُمُ التَّدْبِيرُ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عَقْدٌ مُفْضٍ إِلَى الْعِتْقِ. وَعُقُودُهُمْ جَائِزَةٌ وَعِتْقُهُمْ نَافِذٌ، فَإِنْ دَبَّرَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدِمَ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ مُدَبَّرا، أَوْ دَبَّرَه فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَتَدْبِيرُهُ فِي الْحَالَيْنِ صَحِيحٌ، فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِمُدَبَّرهِ مِنْ دَارِ الإٍسلام إِلَى دَارِ الْحَرْبِ مُكِّنَ مِنْهُ، وَلَمْ يُمْنَعْ فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُدَبَّر أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَى الْعَوْدِ مَعَهُ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ عَبْدُهُ وَإِنْ دَبَّرَهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ. وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَامْتَنَعَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُجْبَرْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَبَّر وَالْمُكَاتَبِ: أَنَّ الْمُدَبَّر بَاقٍ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ أَكْسَابِهِ، وَالْمُكَاتَبُ فِي حُكْمِ الْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ غَيْرُ مَالِكِ لأكسابه وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي كِتَابَتِهِ، فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ مَانِعًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ. فَإِنْ أَرَادَ الْحَرْبِيُّ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ عَبْدِهِ، كَانَ كَالْمُسْلِمِ لَهُ رُجُوعُهُ إِنْ رَجَعَ فِيهِ بِالْفِعْلِ الْمُزِيلِ لِمِلْكِهِ صَحَّ، وَإِنْ رَجَعَ فِيهِ بِالْقَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِذَا عَتَقَ الْمُدَبَّر عَلَى الْحَرْبِيِّ بِمَوْتِهِ كَانَ وَلَاؤُهُ مُسْتَحَقًّا لِوَرَثَتِهِ كَالْمُسْلِمِ. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُدَبَّر قُلْنَا لِلْحَرْبِيِّ إِنْ رَجَعْتَ فِي تَدْبِيرِكَ بِعْنَاهُ عَلَيْكَ وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ خَارَجْنَاهُ لَكَ وَمَنَعْنَاكَ خِدْمَتَهُ فَإِنْ خَرَجْتَ دَفَعْنَاهُ إِلَى مَنْ وَكَّلْتَهُ فَإِذَا مُتَّ فَهُوَ حُرٌّ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) يباع أشبه بأصله لأن

стр. 8240

التدبير وصية فهو في معنى عبد اوصي به لرجل لا يجب له إلا بموت السيد وهو عبد بحاله ولا يجوز تركة إذا أسلم في ملك مشرك يذله وقد صار بالإسلام عدوا له) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا عَبْدُ الْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ، أَوْ عَبْدُ الذِّمِّيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مِلْكِهِ وَيُقَالُ لَهُ: إِنْ بِعْتَهُ، أَوْ أَعْتَقْتَهُ، وَإِلَّا بِعْنَاهُ عَلَيْكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] . وَأَمَّا أُمُّ وَلَدِ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَتْ مُنِعَ مِنْهَا وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْدَامُهَا، لِئَلَّا يَسْتَذِلَّهَا وَمُكِّنَتْ مِنَ الِاكْتِسَابِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا بَعْدَ النَّفَقَةِ فَضْلٌ كَانَ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْكَسْبُ عَنْ نَفَقَتِهَا كَانَ السَّيِّدُ مَأْخُوذًا بِتَمَامِهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ كَسْبٍ أُخِذَ بِجَمِيعِ نَفَقَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَاكَ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَجُوزُ أَنْ تُسْلِمَ فَتَعُودُ إِلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ. وَأَمَّا مُدَبَّر الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ يُقَالُ لِسَيِّدِهِ: أَتَرْجِعُ فِي تَدْبِيرِهِ، أَوْ تُقِيمُ عَلَيْهِ؟ فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهِ صَارَ عَبْدًا قِنًّا وَبِيعَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَبِعْهُ، وَلَمْ يَعْتِقْهُ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى تَدْبِيرِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْكَافِرُ رِقَّ مُسْلِمٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَيُمْنَعُ اسْتِخْدَامُهُ، لِأَنَّ اسْتِبْقَاءَهُ عَلَى التَّدْبِيرِ الْمُفْضِي إِلَى عِتْقِهِ أَحَظُّ لَهُ مِنْ نَقْلِهِ بِالْبَيْعِ مِنْ رِقٍّ إِلَى رِقٍّ. فَعَلَى هَذَا يُقَالُ لِسَيِّدِهِ: إِنْ عَجَّلْتَ عِتْقَهُ فَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ تُعَجِّلْهُ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِي تَدْبِيرِهِ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي الِاكْتِسَابِ وَالنَّفَقَةِ، وَلَكَ بَقِيَّةُ كَسْبِهِ إِنْ فَضَلَ، وَعَلَيْكَ تَمَامُهُ إِنْ نَقَصَ. فَإِنْ خَرَجْتَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ قَامَ فِيهِ وَكِيلُكَ مَقَامَكَ، فَإِذَا مُتَّ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِكَ، فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ وَرَقَّ بَاقِيهِ، وَبِيعَ عَلَى وَرَثَتِهِ، لِئَلَّا يَسْتَدِيمُوا رِقَّ مُسْلِمٍ. وَهَكَذَا حُكْمُ الْمُعْتَقِ بِالصِّفَةِ إِذَا أَسْلَمَ، وَسَيِّدُهُ كَافِرٌ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْمُدَبَّر يُبَاعُ فِي أَحَدِهِمَا، لِئَلَّا يَسْتَدِيمَ كَافِرٌ اسْتِرْقَاقَ مُسْلِمٍ وَيُقَرُّ فِي الْقَوْلِ الثاني، على ملكه، ولوجود الْحَظِّ لَهُ فِي حُدُوثِ الصِّفَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى عِتْقِهِ، فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ وَقَدْ أَوْصَى بِهِ لِمُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ بَطَلَ بَيْعُهُ الْوَصِيَّةَ لِمُسْلِمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ تُفْضِي الْوَصِيَّةُ لَهُ إِلَى عِتْقٍ، بَلْ يَكُونُ بِهَا مُنْتَقِلًا مِنْ رِقٍّ إِلَى رِقٍّ وَهُوَ فِي الْحَالِ مُسْتَبْقًى عَلَى اسْتِرْقَاقِ كَافِرٍ، فلذلك بيع

стр. 8241

عَلَيْهِ فَإِنْ أَوْصَى الْكَافِرُ بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْمُدَبَّر لِإِفْضَائِهَا إِلَى عِتْقِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُبَاعَ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِعِتْقِهِ أَضْعَفُ مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

стр. 8242

بَابُ فِي تَدْبِيرِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ وَلَمْ يبلغ مسألة قال الشافعي ﵁: (مَنْ أَجَازَ وَصِيَّتَهُ أَجَازَ تَدْبِيرَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِمْ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ ثَلَاثَةٌ: الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ. فَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ تَصَرُّفٌ فِي قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ فَلَا يُنَفَّذُ عِتْقُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ، وَلَا وَصِيَّتُهُ. وَأَمَّا السَّفِيهُ فَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مَاضٍ، كَالرَّشِيدِ فِي أَفْعَالِهِ وأَقْوَالِهِ، وَسَائِرِ عُقُودِهِ، فَيَصِحُّ عِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ فَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُ، وَلَا كِتَابَتُهُ وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ مَالِهِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ مَا اسْتَهْلَكَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ مَا عَادَ بِمَصْلَحَةِ آخِرَتِهِ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَوَصِيَّتِهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِرَشَادِهِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عِتْقٌ، وَلَا كِتَابَةٌ وَلَا تَدْبِيرٌ، وَلَا وَصِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا مُرَاهِقًا، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِحِفْظِ مَالِهِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْقَلَمَ غَيْرُ جَارٍ عَلَيْهِ. فَأَمَّا تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ فَفِي صِحَّتِهِمَا مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ مِنْهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفة ومالك هو اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ تَعْلِيلًا بِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا عَقْدٌ فَأَشْبَهَ سَائِرَ عُقُودِهِ، وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعِتْقِ فَأَشْبَهَ مُبَاشَرَةَ عِتْقِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ تَعْلِيلًا بِإِفْضَائِهِمَا إِلَى مَصْلَحَتِهِ، وَلِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَسَأَلَتْهُ عَنْ غُلَامٍ يَافِعٍ وَالْيَافِعُ الْمُرَاهِقُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَصَّى لِابْنِ عَمِّهِ فَأَجَازَ عُمَرُ وَصِيَّتَهُ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَمْيِيزُهُ لَمْ يُمْنَعِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَوَصِيَّتِهِ كَالسَّفِيهِ. وَلِأَنَّ تَدْبِيرَهُ أَحْفَظُ لِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ،

стр. 8243

وَأَبْلَغُ فِي صَلَاحِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْقَلَمِ عَنْهُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ حَتْمًا عَلَيْهِ، لِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ فِيمَا لَهُ، لِأَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ فَهُوَ مُثَابٌ فِيمَا لَهُ، وَغَيْرُ مُعَاقَبٍ فِيمَا عَلَيْهِ، وَإِمْضَاءُ تَدْبِيرِهِ وَوَصِيَّتِهِ مِنْ حُقُوقِهِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا، فَصَحَّ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ تَعْجِيلُ الْعِتْقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ. فَأَمَّا السَّكْرَانُ فَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ مِنْ غَيْرِ معصية لإكراهه على الشر ب أَوْ لِشُرْبِهِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ فَكَانَ مُسْكِرًا فَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَلَا وَصِيَّتُهُ، لِأَنَّهُ بِالسُّكْرِ غَيْرُ مُمَيِّزٍ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ عَنْ مَعْصِيَةٍ لِإِقْدَامِهِ مُخْتَارًا عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ فَأَحْكَامُهُ كَأَحْكَامِ الصَّاحِي فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ، وَصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ، وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَإِنْ صَحَّ تَخْرِيجُ الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ وَلَمْ يَصِحَّ تَدْبِيرُهُ وَلَمْ تَنْعَقِدْ وَصِيَّتُهُ وَإِنْ صَحَّ قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ ماله وَعَلَيْهِ وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ وَلَا تدبيره. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلِوَلِيِّهِ بَيْعُ عَبْدِهِ عَلَى النَّظَرِ وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ عليه (قال المزني) القياس عندي في الصبي أن القلم لما رفع عنه ولم تجز هبته ولا عتقه في حياته أن وصيته لا تجوز بعد وفاته وليس كذلك البالغ المحجور عليه لأنه مكلف ويؤجر على الطاعة ويأثم على المعصية) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا صَحَّ مِنَ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ التَّدْبِيرُ صَحَّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِي التَّدْبِيرِ، وَيَكُونَانِ فِيهِ كَالْبَالِغِ الرَّشِيدِ وَسَوَاءٌ كَانَ رُجُوعُهُمَا فِيهِ لِحَاجَةٍ، أَوْ غَيْرِ حَاجَّةٍ، فَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاشِرَ الرُّجُوعَ فِيهِ كَالْبَيْعِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ وَلَكِنْ يَأْذَنَانِ لِوَلِيِّهِمَا أَنْ يَبِيعَ الْمُدَبَّر فِي حَقِّهِمَا، فَيَكُونُ بَيْعُ الْوَلِيِّ عَنْ إِذْنِهِمَا رُجُوعًا مِنْهُمَا. فَأَمَّا إِنْ رَجَعَا فِيهِ بِالْقَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِالْقَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْمِلْكِ. فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِهِمَا فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ بِالْقَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِمَا فِي التَّدْبِيرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْطِلَهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهُ عَلَيْهِمَا فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْمُصْلِحَةَ لَهُمَا، لَمْ يَجُزْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِمَا فِيهِ وَإِنْ بَاعَهُ عَلَيْهِمَا فِي مَصْلَحَتِهِمَا صَحَّ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِ تَدْبِيرِهِمَا، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمَا. فَصْلٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ وَلَدَ الْمُدَبَّرةِ وَوَلَدَ الْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ هَلْ يَكُونُ تَابِعًا لَهُمَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 8244

أَحَدُهُمَا: لَا يَتْبَعُهَا فِي تَدْبِيرٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَيَكُونُ عَبْدًا قِنًّا لِلسَّيِّدِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ تَابِعًا لَهُمَا فَيَكُونُ وَلَدُ الْمُدَبَّرةِ تَابِعًا لِأُمِّهِ فِي التَّدْبِيرِ وَوَلَدُ الْمُعْتَقَةِ نِصْفُهُ تَابِعًا لِأُمِّهِ فِي الْعِتْقِ وَلَا يَتْبَعُهَا فِي الصِّفَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عِتْقَ التَّدْبِيرِ مُسْتَحَقٌّ بِالْوَفَاةِ، وَعِتْقَ الصِّفَةِ مُسْتَحَقٌّ فِي الْحَيَاةِ، وَحُكْمُ مَا اسْتُحِقَّ بِالْوَفَاةِ عَامٌّ، كَالْمِيرَاثِ. وَحُكْمُ مَا اسْتُحِقَّ فِي الْحَيَاةِ خاص كَالْعُقُودِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الْمُدَبَّرةِ تَابِعٌ لَهَا فِي التَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا كَانَ الْوَلَدُ بَاقِيًا عَلَى تَدْبِيرِهِ وَيُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، وَلَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ كَانَتِ الْأُمُّ عَلَى تَدْبِيرِهَا، وَلَا يُعْتَقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا، وَوَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ تَابِعٌ لَهَا فِي الْعِتْقِ دُونَ الصِّفَةِ، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ قَبْلَ الصِّفَةِ لَمْ يُعْتَقِ الْوَلَدُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا دُونَ الْوَلَدِ ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ لَمْ تُعْتَقِ الْأُمُّ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا وَلَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ لِعَدَمِ الْعِتْقِ فِيهَا وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةَ إِذَا جُعِلَ تَابِعًا لِأُمِّهِ كَانَ تَابِعًا لَهَا فِي الْعِتْقِ، وَلَمْ كان تَابِعًا لَهَا فِي الْكِتَابَةِ. فَأَمَّا وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهَا فِي الْحُكْمِ وَالْعِتْقِ، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، يُعْتَقُ ولدها بموت السيد. وبالله التوفيق.

стр. 8245

مختصر الْمُكَاتَبِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْكِتَابَةُ فَهُوَ أَنْ يعقد السيد مع عبده عقد معاوضة في عِتْقِهِ بِمَالٍ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ إِلَى نُجُومٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا، لِيُعْتَقَ بِأَدَائِهَا فَيَمْلِكُ الْعَبْدُ كَسْبَ نَفْسِهِ وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ بِهِ مَالَ نُجُومِهِ، وَفِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْعَقْدِ كِتَابَةً وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعُرْفُ الْجَارِي بِكِتَابَتِهِ فِي كِتَابِ وَثِيقَةٍ، تُوَقَّعُ فِيهَا الشَّهَادَةُ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، فَسُمِّيَ بِهَا هَذَا الْعَقْدُ لِضَمِّ النُّجُومِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ. وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْكِتَابَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] . وَفِي قوله: ﴿إن علمتم فيهم خيراً﴾ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ، وَالِاحْتِرَافِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الرُّشْدُ وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَقَتَادَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ، لِيَكُونَ بِالْكَسْبِ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ وَبِالْأَمَانَةِ مَوْثُوقًا بِوَفَائِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ فِي سَهْمِ الرِّقَابِ يُعْطَاهُ الْمُكَاتَبُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَيَكُونُ هَذَا خِطَابًا لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. وَالثَّانِي: مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ يَضَعُهُ السَّيِّدُ عَنْهُ، أَوْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ مَعُونَةً لَهُ كَمَا أَعَانَهُ غَيْرُهُ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ، وَيَكُونُ هَذَا خِطَابًا لِلسَّيِّدِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَحَكَى الْكَلْبِيُّ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عَبْدًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى سَأَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَامْتَنَعَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهِ.

стр. 8246

وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ ". وَرَوَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ أَعَانَ غَارِمًا، أَوْ غَازِيًا، أَوْ مُكَاتَبًا فِي كِتَابَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ وَلَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ". وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا كَاتَبَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: كَمْ بَقِيَ عَلَيْكَ قَالَ: قُلْتُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ. قَالَتْ: فَعِنْدَكَ مَا تُؤَدِّي. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: ادْفَعْهَا إِلَى فُلَانٍ، ابْنِ أُخْتِهَا، ثُمَّ أَلْقَتِ الْحِجَابَ، وَقَالَتْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ - هَذَا آخِرُ مَا تَرَانِي - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - يَقُولُ: " إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ ". وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ بَرِيرَةَ كُوتِبَتْ عَلَى تِسْعِ أُوَاقٍ تُؤَدِّي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةً. وَكَاتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَبْدًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَكَاتَبَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَلَى مَالٍ تَرَكَ عَلَيْهِ مِنْهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. قِيلَ فِي أَوَّلِ نُجُومِهِ. وَقِيلَ: فِي آخِرِهَا: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا إِذَا طَلَبَهَا [الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ، فَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى وُجُوبِهَا، وَأَنْ يُؤْخَذَ بِهَا السَّيِّدُ إِذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ] بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا زَادَ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] . وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ. وَلِأَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدُّرَّةِ وَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَكَاتَبَهُ وَلِأَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي تُفْضِي إِلَى صَلَاحِ النُّفُوسِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْإِجْبَارُ فِيهَا كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامٍ يُجْبَرُ مَالِكُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ النَّفْسِ، كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى الْعِتْقِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْإِجْبَارُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ صَلَاحِ النَّفْسِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ومالك

стр. 8247

وَمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهَا نَدْبٌ لَا تَجِبُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَصْلَيْ حَظْرٍ يَجْذِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى حُكْمِهِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَرَرٌ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَوْجُودٍ بِمَعْدُومٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُعَاوِضٌ عَلَى مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ، فَصَارَ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ وَارِدًا بَعْدَ حَظْرِهَا، فَاقْتَضَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ. وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ حُكْمِهِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَلَا يَتَجَزَّأُ حُكْمُهُ، فَيَكُونُ بَعْضُهُ وَاجِبًا، وَبَعْضُهُ نَدْبًا، فَلَمَّا حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ فِيمَا قَلَّ عَنِ الْقِيمَةِ، وَجَبَ أن يكون مَحْمُولًا عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفس منه ". فاقتضى هذا الظاهر أن لا يُجْبَرَ السَّيِّدُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَكَالتَّدْبِيرِ الَّذِي لَا إِجْبَارَ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا عِتْقُ صِفَةٍ. فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بوجوب الإيتاء فعنه جوابان: أحدها: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ شُرُوطًا وَاجِبَةً كَالطَّهَارَةِ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، كَذَلِكَ الْإِيتَاءُ فِي الْكِتَابَةِ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَ الْأَمْرُ بِهَا عِنْدَهُمْ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَحَمَلُوهُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَفِي الْإِيتَاءِ عَلَى الْعُمُومِ، جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا عِنْدَنَا فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، فَحُمِلَ الْكِتَابَةُ عَلَى النَّدْبِ، وَالْإِيتَاءُ عَلَى الْوُجُوبِ. وَجَوَابٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْكِتَابَةَ مُعَاوَضَةٌ وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِيتَاءُ مُوَاسَاةٌ وَأُصُولُ الشَّرْعِ لَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ كَالزَّكَاةِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِإِجْبَارِ أَنَسٍ عَلَى كِتَابَةِ سِيرِينَ فَلَا إِجْمَاعَ فِيهِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ لَا يَحُجُّ أَنَسًا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ النُّفُوسِ كَالْمُضْطَرِّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَا تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ الطَّالِبِ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِحَالِ الْمُضْطَرِّ فِي حِفْظِ مَتَاعِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ حِرَاسَةُ نَفْسِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى كِتَابَتِهِ فَلَمَّا افْتَرَقَا فِي حُكْمِ الطَّالِبِ، وَجَبَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي حكم المطلوب. مسألة قال الشافعي ﵁: (قال الله جل ثناؤه: ﴿والذي يبتغون

стр. 8248

الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فيهم خيراً﴾ قَالَ: وَلَا يَكُونُ الِابْتِغَاءُ مِنَ الْأَطْفَالِ وَلَا الْمَجَانِينَ وَلَا تَجُوزُ الْكِتَابَةُ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا تَصِحُّ كِتَابَةُ الْعَبْدِ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَجْنُونِ وَخَالَفَ فِي الصَّبِيِّ فَجَوَّزَ كِتَابَتَهُ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي جَوَازِ تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ " وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُ كَالْمَجْنُونِ وَكَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ الْخَبَرَ وَالْأَصْلُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَيْهِ مَدْفُوعٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا تَجُوزُ كِتَابَتُهُ كَمَا يَجُوزُ تَدْبِيرُهُ؟ قِيلَ: لِلْ فَصْلِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّدْبِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ السَّيِّدُ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ قَوْلُ الْمُدَبَّر، فَلَمْ يُرَاعَ فِيهِ الْبُلُوغُ. وَالْعَقْدُ، وَالْكِتَابَةُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِمَا السَّيِّدُ، وَيُرَاعَى فِيهِمَا قَوْلُ الْمُكَاتَبِ، فَرُوعِي فِيهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَإِنْ كَاتَبَ عَنِ الصَّبِيِّ أَبُوهُ لَمْ يَجُزْ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مَمْلُوكٌ وِلَايَتُهُ لِسَيِّدِهِ دُونَ أَبِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ يُمْلَكُ بِهَا التَّصَرُّفُ فِي الْعُقُودِ وَالْحُقُوقِ وَالصَّبِيُّ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كِتَابَةَ الصَّبِيِّ لَا تَصِحُّ كَالْمَجْنُونِ، فَكِتَابَةُ السَّيِّدِ كَانَتْ كِتَابَةً بَاطِلَةً، وَعَتَقَ فِيهَا بِالْأَدَاءِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ كِتَابَتَهُ اشْتَمَلَتْ عَلَى عَقْدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَاتَبْتُكَ، وَعَلَى صِفَةٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الْعَقْدِ بَقِيَ حُكْمُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ عَتَقَ بِهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَبُطْلَانُ هَذِهِ الْكِتَابَةِ مَعَ الصَّبِيِّ يَسْلُبُهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، وَحُكْمُ الْفَسَادِ، وَتَأْثِيرُ هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّبِيَّ فِيهَا إِذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أَقَلَّ مِنْهَا وَلَا يَرْجِعُ الصَّبِيُّ إِذَا عَتَقَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ إِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَوْ فَسَدَتِ الْكِتَابَةُ مَعَ الْعَبْدِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ اسْتَحَقَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ قَدْرَ قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أَكْثَرَ مِنْهَا رَدَّ الزِّيَادَةَ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا رَجَعَ بِالْبَقِيَّةِ. وَالْحُكْمُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَتَقَ فِيهَا بِأَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ فَضْلٌ كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ منه.

стр. 8249

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ أَنَّ الْبَالِغَ مِنْ أَهْلِ الْعُقُودِ، فَجَازَ أَنْ يَلْتَزِمَ أَحْكَامَهَا، وَلَيْسَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الْعُقُودِ فَلَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَالِغَ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ مَا قَبَضَهُ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ. وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ لَمْ يَضْمَنْهُ، كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يفترقا في الكتابة. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَأَظْهَرُ مَعَانِي الْخَيْرِ فِي الْعَبْدِ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يَمْتَنِعَ مِنْ كِتَابَتِهِ إِذَا كَانَ هَكَذَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ تَأَوَّلَ الْخَيْرَ الْمُرَادَ فِي الْعَبْدِ الِاكْتِسَابَ مَعَ الْأَمَانَةِ، لِيَكُونَ بِالِاكْتِسَابِ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ، وَبِالْأَمَانَةِ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُوَ حَالُ الْعَبْدِ فِي الْكَسْبِ والأمانة إذا طلب الكتابة من أربعة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكَسْبِ وَالْأَمَانَةِ فَكِتَابَتُهُ نَدْبٌ فَيُسْتَحَبُّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهَا، وَهِيَ الَّتِي أَوْجَبَهَا مِنْ مَالٍ بِوُجُوبِ الْكِتَابَةِ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْدَمَا فِيهِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكَسْبِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ فَكِتَابَتُهُ مُبَاحَةٌ لَا تَجِبُ وَلَا تُسْتَحَبُّ وَهِيَ إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الْجَوَازِ أَقْرَبُ، لِأَنَّهُ لِعَدَمِ الْكَسْبِ عَاجِزٌ وَلِعَدَمِ الْأَمَانَةِ خَائِنٌ، وَكَرِهَهَا أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ كَمَا تُكْرَهُ مُخَارَجَةُ الْأَمَةِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُكْتَسِبًا غَيْرَ أَمِينٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ أَمَانَتِهِ، وَلَا تُكْرَهُ لِوُجُودِ قُدْرَتِهِ. وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا غَيْرَ مُكْتَسِبٍ، فَلَا تُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ كَسْبِهِ وَظُهُورِ عَجْزِهِ وَلَا تُكْرَهُ لِأَمَانَتِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُرَاعَى لِأَجْلِهَا مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الزَّكَاةِ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُ فِي الِاخْتِيَارِ مُكَاتَبَةَ الْأَمِينِ غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ عَلَى مُكَاتَبَةِ الْمُكْتَسِبِ غَيْرِ الْأَمِينِ، لِأَنَّ ذَا الْأَمَانَةِ مُعَانٌ وَلَا فَرْقَ فِي الْكِتَابَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ اسْتِشْهَادًا بِبَرِيرَةَ وَلِصِحَّةِ العتق فيهما وجواز الاكتساب منهما. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَمَا جَازَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَازَ فِي الْكِتَابَةِ وَمَا رُدَّ فِيهِمَا رُدَّ فِي الْكِتَابَةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ تَصِحَّ إِلَّا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ

стр. 8250

مَعْلُومٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ فِيهَا مِنْ جَهَالَةِ الْعِوَضِ مَا لَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَهُوَ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى ثَوْبٍ لَا يَصِفُهُ فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ لَهُ ثَوْبٌ وَسَطٌ وَعَلَى عَبْدٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ لَهُ عَبْدٌ وَسَطٌ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَقْصُودَ الْكِتَابَةِ هُوَ الْعِتْقُ، وَالْعِتْقُ يَقَعُ بِالصِّفَاتِ الْمَجْهُولَةِ كَوُقُوعِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَقْدٌ تُبْتَغَى بِهِ الْقُرْبَةُ كَالْوَصَايَا ثُمَّ جَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ. وَدَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - نَهَى عَنِ الْغَرَرِ. وَقَوْلُهُ " رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَنِ " وَلِأَنَّ كُلَّ جَهَالَةٍ مَنَعَتْ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ مَنَعَتْ مِنْ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ. كَقَوْلِكَ كَاتَبْتُكَ عَلَى شَيْءٍ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَتِ الْوَصِيَّةُ حَيْثُ جَازَتْ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ، لَمْ تَجُزِ الْكِتَابَةُ بِهِ وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ بَطَلَ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ بَطَلَ بِجَهَالَةِ الصِّفَةِ كَالْبَيْعِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقْنَا بَيْنَ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ قَدْ يَقَعْ فِيهَا مَعَ الْجَهَالَةِ بِالصِّفَةِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِفَسَادِ الْعَقْدِ فِي الْعِوَضِ. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْكِتَابَةُ تُوَافِقُ الْبَيْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَتُخَالِفُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: فَأَمَّا وَجْهَا الْمُوَافَقَةِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهِمَا مَعْلُومًا فِي الذِّمَّةِ، لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْكِتَابَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّمَّةِ. وَالْعِلْمُ بِهِ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: يَكُونُ بِذِكْرِ جِنْسِهِ مِنْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ عَبِيدٍ ثُمَّ يَذْكُرُ صِفَتَهُ، فَيَصِفُ الْجِنْسَ بِأَوْصَافِ السَّلَمِ إِلَّا فِي الدَّرَاهِمِ فَيَكُونُ إِطْلَاقُهَا مَحْمُولًا عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، ثُمَّ يَذْكُرُ الْقَدْرَ فَإِنْ كان موزونا ذكر وزنه إن كَانَ مَكِيلًا ذَكَرَ كَيْلَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا ذَكَرَ عَدَدَهُ. فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ فِي الْعِوَضِ صَارَ حِينَئِذٍ مَعْلُومًا فَصَحَّتْ بِهِ الْكِتَابَةُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا بِالشُّهُودِ وَالْأَهِلَّةِ الَّتِي لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُؤَجِّلُوا إِلَّا بِهَا فَإِنَّ قَدْرَهُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ الْأَجَلُ فِي الْبَيْعِ كَالْعَطَاءِ، وَالْحَصَادِ بَطَلَتْ بِهِ الْكِتَابَةُ.

стр. 8251

فَصْلٌ وَأَمَّا الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ. فَأَحَدُهَا: أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِعِوَضٍ مُعَيَّنٍ، وَمَوْصُوفٍ، وَالْكِتَابَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِعِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَصِحُّ بِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ حِينَ الْعَقْدِ فَهُوَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَاتِبَهُ بِمِلْكِهِ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ كَانَ مِنْ جَوَازِ الْكِتَابَةِ أَبْعَدَ لِفَسَادِهِ فِيهَا وَفِي الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْبَيْعِ يَصِحُّ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا، وَلَا يَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ إِلَّا مُؤَجَّلًا لِمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ فِي الْخِلَافِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، ﵁. وَالثَّالِثُ: أَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ وَخِيَارَ الْمَجْلِسِ يَدْخُلُ فِيهِ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَلَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّ مَوْضُوعَهُمَا فِي الْبَيْعِ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِهِ مِنَ النَّمَاءِ وَالِاسْتِزَادَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ لِظُهُورِ الْغَبْنِ فِي مَوْضِعِهِمَا لِأَنَّهُ يُعَاوِضُ فِيهَا عَلَى رَقَبَةِ عَبْدِهِ بِكَسْبِهِ وَكِلَاهُمَا مِنْ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِدُخُولِ الْخِيَارِ الَّذِي يَسْتَدْرِكُ بِهِ الْمُغَابَنَةَ وَجْهٌ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ خِيَارَ الْمُكَاتَبِ مُؤَبَّدٌ مَا بَقِيَ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ دُخُولُ مِثْلِهِ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْمُتَرَجِّحَ فِي الْكِتَابَةِ مَصْلَحَةُ الْمُكَاتَبِ دُونَ السَّيِّدِ، فَثَبَتَ لَهُ مِنَ الْخِيَارِ مَا لَمْ يَثْبُتْ لِلسَّيِّدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِي خِيَارِهِ الْمُتَبَايِعَانِ، وَصَارَ الْخِيَارُ فِي الْكِتَابَةِ مُؤَبَّدًا وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ مُقَدَّرًا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْبَيْعِ اسْتِدْرَاكُ الْغَبْنِ الْمَوْجُودِ فِي قَلِيلِ الزَّمَانِ، فَصَارَ مُقَدَّرًا وَفِي الْكِتَابَةِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ في كل الزمان فصار مؤبداً. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَا يَجُوزُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَجْمَيْنِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَجَلُ فَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْكِتَابَةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْقَدَ حَالَّةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَيْسَ الْأَجَلُ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا وَتَجُوزُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ . وَمِنْ ذَلِكَ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُ قَوْلِهِ [ (فَكَاتِبُوهُمْ) وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ. والثانِى:] قَوْلُهُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَالْخَيْرُ الْمَالُ فَجُعِلَ الْعَقْدُ مَشْرُوطًا بِهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِعِوَضٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَجُوزَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا. كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ صَحَّ وَعَتَقَ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ.

стр. 8252

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ فَصَحَّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ، لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَسْقَطَ بِهَا حَقَّهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى أَجَلٍ كَالْإِبْرَاءِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ دُخُولَ الْأَجَلِ غَرَرٌ، فَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ مَعَهُ، لَزِمَكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ فِي السَّلَمِ أَنْ تَجْعَلُوهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الْأَجَلِ أَصَحَّ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِيهِ: إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا كَانَ حَالًا أَجْوَزُ، لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ أَبْعَدُ. وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] . فَسَمَّاهَا كِتَابَةً وَأَفْرَدَهَا بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ. وَالْعَقْدُ إِذَا أُفْرِدَ بِاسْمٍ وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَعْنَى ذَلِكَ الِاسْمِ، كَالسَّلَمِ سُمِّيَ سَلَمًا، لِوُجُوبِ تَسْلِيمِ جَمِيعِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ سُمِّيَتْ كِتَابَةً لِوُجُوبِ الْكِتَابَةِ. وَالْكِتَابَةُ إِنَّمَا نَدَبْنَا إِلَيْهَا فِي الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ دُونَ الْمُعَجَّلَةِ أَلَا تَرَاهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ فِي الْمُعَجَّلَةِ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَدَلَّ اخْتِصَاصُ هَذَا الْعَقْدِ بِاسْمِ الْكِتَابَةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِحُكْمِ التَّأْجِيلِ. وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عَنِ الْغَرَرِ. وَالْغَرَرُ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَوَازَيْنِ أَخْوَفُهُمَا أَغْلَبُهُمَا وَالْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ غَرَرٌ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُكَاتَبِ عَجْزُهُ عَنْهَا فَكَانَ عَقْدُهَا بَاطِلًا وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الْخَبَرِ قِيَاسٌ. فَنَقُولُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَكَالسَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ فِيهِ وَلَا يَفْسُدُ بِنِكَاحِ الصَّغِيرَةِ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ إِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فَاسِدٌ بِالْبَيْعِ عَلَى مُعْسِرٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ. قِيلَ: إِعْسَارُهُ فِي الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُ إِعْسَارَهُ فِي الْبَاطِنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَمْلِكَ مَا لَا يُعْلَمُ وَإِعْسَارُ الْمُكَاتَبِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ قَبْلَ كِتَابَتِهِ فَافْتَرَقَا فِي تَعْيِينِ الْإِعْسَارِ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الْجَوَازِ. فَإِنْ قِيلَ: يَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ يُؤَدِّيهِ فِي نَجْمَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ بِسَاعَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ تَتَعَذَّرُ مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ، وَتَصِحُّ كِتَابَتُهُ. وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَجَّلِ قِيلَ: يُمْكِنُهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ النَّجْمِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِقَدْرِ كِتَابَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِّ الْمُعَجَّلِ فَافْتَرَقَا.

стр. 8253

فَإِنْ قِيلَ: يَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إِذَا بَاعَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ صَحَّ، وَعَتَقَ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ، قِيلَ: قَدْ خَرَّجَ فِيهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا: أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَيَكُونُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ فَاسِدًا. وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فَقَالَ: وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ فَجَحَدَهُ الْعَبْدُ عَتَقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْعِتْقِ مُدَّعٍ لِلثَّمَنِ. قِيلَ: مَقْصُودُ هَذَا الْبَيْعِ الْعِتْقُ وَقَدْ حَصَلَ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ مَقْصُودُهَا الْعِتْقُ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ. قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ يَحْصُلُ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَالْعِتْقَ فِي الْبَيْعِ يَحْصُلُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَجَازَ أَنْ تَبْطُلَ الْكِتَابَةُ بِتَعَذُّرِ الْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْبَيْعُ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهِ. وَلِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْكِتَابَةِ إِجْمَاعٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَنَّهُمْ كَاتَبُوا عَبِيدَهُمْ مُجْمِعِينَ فِيهَا عَلَى التَّأْجِيلِ، وَلَمْ يَعْقِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ حَالَّةً، وَلَوْ جَازَ حُلُولُهَا لَتَفَرَّدَ بِهَا بَعْضُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ، وَغَضِبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ ﵁ عَلَى عَبْدٍ لَهُ وَأَرَادَ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُكَاتِبَنَّكَ عَلَى نَجْمَيْنِ فَلَوْ جَازَتْ حَالَّةً، أَوْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَجْمَيْنِ لَكَانَ أَحَقَّ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَإِنَّ الْخَيْرَ هُوَ الْمَالُ فَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ أَبْطَلَ هَذَا التَّأْوِيلَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مَالِكًا، وَلَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مَالِكًا، لِأَنَّ سَيِّدَهُ أَخَذَهُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَقَالَ: إِنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا، لِأَنَّ الْمَالَ يَكُونُ لَهُ وَلَا يَكُونُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ الِاكْتِسَابِ وَالْأَمَانَةِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَالُ لَمَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّعْجِيلِ، وَلَكَانَ بِالتَّأْجِيلِ أَحَقَّ حَتَّى يَجِدَ الْمَالَ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْبَيْعِ، فَالْمَعْنَى فِيهِ وُجُودُ الْمَقْصُودِ بِهِ فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ، وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْإِبْرَاءِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَا يَتَعَذَّرُ، وَلِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عِنْدَنَا بِأَجَلٍ وَإِنْ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ فَافْتَرَقَا. وَأَمَّا السَّلَمُ: فَقَدْ أَجْمَعْنَا وَهُمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ حُلُولِ السَّلَمِ وَجَوَّزُوا حُلُولَ الْكِتَابَةِ، وَنَحْنُ مَنَعْنَا مِنْ حُلُولِ الْكِتَابَةِ، وَجَوَّزْنَا حُلُولَ السَّلَمِ فَصَارَا مُفْتَرِقَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنَا مَعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. ثُمَّ مَعْنَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا أَنَّ الْغَرَرَ يَنْتَفِي عَنْ تَعْجِيلِ السَّلَمِ فَجَوَّزْنَاهُ، وَيَدْخُلُ فِي حُلُولِ الْكِتَابَةِ فَأَبْطَلْنَاهُ.

стр. 8254

فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَجَلَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطٌ فَأَقَلُّ مَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ إِلَيْهِ نَجْمَانِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأُمُورٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: (الْكِتَابَةُ عَلَى نَجْمَيْنِ) . وَهَذَا الْخَبَرُ إِنْ صَحَّ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ الْأَجَلِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِنَجْمَيْنِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَجَّلَ الْكِتَابَةَ قَالَ: لَا تَصِحُّ إِلَى أَقَلَّ مِنْ نَجْمَيْنِ فَصَارَ مِنْ إِجْمَاعِ مَنْ قَالَ بِتَأْجِيلِهَا. وَقَدْ غَضِبَ عُثْمَانُ ﵁ عَلَى عَبْدِهِ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُعَاقِبَنَّكَ وَلَأُكَاتِبَنَّكَ عَلَى نَجْمَيْنِ. ولو جَازَتْ إِلَى أَقَلَّ مِنْهُمَا لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ تَضْيِيقًا عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّجْمَيْنِ أَقْصَى التَّضْيِيقِ. وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُكَاتِبُوا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مُكَاتَبَةِ عَبِيدِهِمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَجْمَيْنِ، قَدْ كُوتِبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى تِسْعَةِ أَنْجُمٍ، وَكَاتَبَ ابْنُ عُمَرَ عَبْدَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَنْجُمٍ وَكَاتَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ مَوْلَاهَا نَبْهَانَ عَلَى نَجْمَيْنِ، وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا كَاتَبَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْإِيتَاءَ مِمَّا أَدَّى وَاجِبٌ لِيَسْتَعِينَ بِهِ الْمُكَاتَبُ فِيمَا بَقِيَ، وَذَلِكَ لَا يَنْتَظِمُ إِلَّا فِي نَجْمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا لِلْأَدَاءِ وَالْآخَرُ لِلْإِيتَاءِ مَعُونَةً فِي بَاقِي الْأَدَاءِ، وَلِأَنَّ اشْتِقَاقَ الْكِتَابَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ كِتَابَةِ الْخَطِّ. فَإِنْ كَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنَ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ. فَأَقَلُّ مَا يَكُونُ بِهِ الضَّمُّ وَالِاجْتِمَاعُ اثْنَانِ. فَافْتَقَرَتِ الْكِتَابَةُ إِلَى نَجْمَيْنِ. يَنْضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كِتَابَةِ الْخَطِّ فَأَقَلُّ مَا تَتَقَيَّدُ بِهِ خَطُّ الْكِتَابَةِ حَرْفَانِ، فَافْتَقَرَتِ الْكِتَابَةُ الْمُؤَجَّلَةُ إِلَى نَجْمَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَنْعَقِدُ الْخَطُّ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ لَا. قِيلَ: لَا حَرْفَانِ: لَامٌ وَأَلِفٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: (تَخُطُّ رِجْلَايَ بِخَطٍّ مُخْتَلِفْ ... تكتبان في الطريق لام ألف) فإن قيل: فإن كَانَ أَقَلُّ مَا يَتَقَيَّدُ بِهِ الْخَطُّ حَرْفَيْنِ، فَمِنْ شَرْطِهِمَا أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ

стр. 8255

مِنْ جِنْسَيْنِ. فَهَلَّا جَعَلْتُمُ اخْتِلَافَ النَّجْمَيْنِ فِي الْقَدْرِ وَالتَّجَانُسِ شَرْطًا اعْتِبَارًا بِتَقْيِيدِ الْخَطِّ، كَمَا جَعَلْتُمْ أَقَلَّ الْكِتَابَةِ نَجْمَيْنِ اعْتِبَارًا بِتَقْيِيدِ الْخَطِّ. قِيلَ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ تَغَايُرُ أَجْنَاسِ الْحَرْفَيْنِ فِي الْخَطِّ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " لَسْتُ مِنْ دَدٍ وَلَا دَدٌ مِنِّي " أَيْ لَسْتُ مِنَ اللَّعِبِ وَلَا اللَّعِبُ مِنِّي، وَهُمَا حَرْفَانِ مُتجَانِسَانِ يَتَقَيَّدُ بِهِمَا الْخَطُّ كَذَلِكَ نَجْمَا الْكِتَابَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَزِمَ هَذَا فِي أَقَلِّ مَا يَتَقَيَّدُ بِهِ الْخَطُّ أَنْ يَكُونَ مُتَغَايِرَ الْأَجْنَاسِ فَنَجْمَا الْكِتَابَةِ بِمَثَابَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يتصور النَّجْمَانِ إِلَّا مُتَغَايِرَيْنِ وَإِنْ تَسَاوَى زَمَانُهُمَا، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنَ النَّجْمَيْنِ شَهْرًا فَقَدِ اخْتَلَفَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَجَلَ مستحق من وقت العقد فيكون أو النجمين منهما بَعْدَ شَهْرٍ وَالْآخَرُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ محلها مختلف، لأن حلول أحدهما شَهْرٍ وَحُلُولَ الْآخَرِ فِي غَيْرِهِ، فَاخْتَلَفَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَثَبَتَ مَا قُلْنَا من اعتبار النجمين، وأن لا فَرْقَ بَيْنَ تَسَاوِيهِمَا وَاخْتِلَافِهِمَا وَبَيْنَ طُولِهِمَا وَقِصَرِهِمَا. أَمَّا أَكْثَرُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَنْحَصِرُ بِعَدَدٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِلَى مِائَةِ نَجْمٍ، وَأَكْثَرَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْهُ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنْ أَقَلِّ النُّجُومِ شَرْطًا فِي تَقْيِيدِ الْأَقَلِّ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْهُ الصَّحَابَةُ مِنْ أَقَلِّ النَّجْمِ فِي تَقْيِيدِ الْأَكْثَرِ شَرْطًا فِي تَقْيِيدِ الْأَكْثَرِ، وَأَكْثَرُ ما كاتبت الصحابة عليه تسعة أنجم يفي بَرِيرَةَ، كَمَا أَنَّ أَقَلَّ مَا كَاتَبُوا عَلَيْهِ نَجْمَانِ فِي نَبْهَانَ، فَلَزِمَكُمْ أَنْ تُقَدِّرُوا أَكْثَرَهُ بِتِسْعَةِ أَنْجُمٍ، كَمَا قَدَّرْتُمْ أَقَلَّهُ بِنَجْمَيْنِ أَوْ تُسْقِطُوا تَقْدِيرَ أَقَلِّهِ بِنَجْمَيْنِ، كَمَا أَسْقَطْتُمْ تَقْدِيرَ أَكْثَرِهِ بِتِسْعَةِ أَنْجُمٍ. قِيلَ: لَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُ الْأَقَلِّ بِالْأَكْثَرِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النُّجُومَ زَمَانٌ فَتُقَدَّرُ أَقَلُّ النُّجُومِ، لِأَنَّ أَقَلَّ الزَّمَانِ مَحْدُودٌ وَلَمْ يَتَقَدَّرْ أَكْثَرُ النُّجُومِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الزَّمَانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ قِلَّةَ النُّجُومِ مَفْقُودٌ مِنْ جِهَةِ السَّادَةِ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ فِعْلُ السَّادَةِ مِنْ

стр. 8256

الصَّحَابَةِ، وَكَثْرَةُ النُّجُومِ مَفْقُودٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبِيدِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ فِعْلُ عَبِيدِ الصَّحَابَةِ. وَاللَّهُ أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَوْصُوفَةِ الْوَزْنِ وَالْعَيْنِ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوُّلَهَا كَذَا وَآخِرُهَا كَذَا يُؤَدِّي فِي انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا كَذَا فَجَائِزٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالَّذِي يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْكِتَابَةِ، شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا. فَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ قَدَّمْنَاهَا: أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْجِنْسِ. وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ الصِّفَةِ. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ. فَإِنْ جَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الثَّلَاثَةِ مِنْ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ، أَوْ قَدْرٍ بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ. وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْأَجَلِ فَيَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَقْدِيرُ زَمَانِهِ بِالسِّنِينَ، أَوْ بِالشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ. فَيَقُولُ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فِي عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ ذَكَرَ أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا كَانَ أَوْكَدَ، وَإِنْ ذَكَرَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ آخِرَهَا جَازَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِذِكْرِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ ذَكَرَ آخِرَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهَا جَازَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِذِكْرِ الْآخِرِ بَعْدَ أَنْ لا يريد ذِكْرَ آخِرِ الْمُدَّةِ عَلَى الْعَشْرِ وَلَا يَنْقُصَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهَا وَلَا آخِرَهَا فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ كَلَامِهِ هَاهُنَا لَا يَقْتَضِيهِ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً، لِأَنَّ أَوَّلَ الْآجَالِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الْعُقُودِ مِنْ وَقْتِ عَقْدِهَا فَصَارَ وَقْتُ الْعَقْدِ أَوَّلَهَا، وَهُوَ مَعْلُومٌ وَيَصِيرُ آخِرُهَا بِمَعْرِفَةِ الْأَوَّلِ مَعْلُومًا. وَإِنَّمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى ذِكْرِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا تَأْكِيدًا. وَالثَّانِي: مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ: الْعِلْمُ بِوَقْفِ اسْتِحْقَاقِهَا فِي كُلِّ نَجْمٍ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ. فَإِذَا كَانَتِ النُّجُومُ عَشْرَ سِنِينَ، وَجَعَلَ مَحَلَّ كُلِّ نَجْمٍ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ صَحَّ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي أَوَّلِهَا لَمْ يَصِحَّ، لَا لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ الْمَحَلِّ وَلَكِنْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا حَالًّا وَالْكِتَابَةُ عَلَى حَالٍّ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا مُؤَجَّلٌ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي وَسَطِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ وَسَطَ السَّنَةِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَصَارَ مَجْهُولًا.

стр. 8257

وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَيَكُونُ الْمَحَلُّ فِي نِصْفِ كُلِّ سَنَةٍ، لِأَنَّ الْوَسَطَ عَلَى التَّحْقِيقِ مَوْضُوعٌ لِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ لِيَكُونَ مَحَلُّ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْأَوْلَى وَمَحَلُّ الثَّانِي آخِرَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُلُولِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ جَعَلَ النَجَّمَ الْأَوَّلَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأَوْلَى، وَالثَّانِي فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ بِالِاتِّصَالِ قَدْ صَارَ نَجْمًا وَاحِدًا. وَالثَّانِي: يَصِحُّ لِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ زَمَانِ الْآخَرِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُسْتَحَقُّ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ السَّنَةِ الْأَوْلَى، وَالثَّانِي مُسْتَحَقٌّ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَارَا مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنِ اتَّصَلَا. وَالثَّالِثُ: مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ: أَنْ يَكُونَ مَا يُسْتَحَقُّ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ فِي كُلِّ نَجْمٍ مَعْلُومًا، سَوَاءٌ تَسَاوَى مَالُ النُّجُومِ، أَوِ اخْتَلَفَ وَتَسَاوِيهِ أَنْ يَقُولَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَتُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، مِنْهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَاخْتِلَافُهُ، أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأَوْلَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَفِي آخر الثانية عشر دَنَانِيرَ، وَفِي آخِرِ الثَّالِثَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ الْعَشْرِ فَيَصِحُّ فِي الْحَالَيْنِ مَعَ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ. فَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي كُلِّ نَجْمٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ جَائِزَةٌ، وَيَكُونُ الْمَالُ مَقْسُومًا عَلَى أَعْدَادِ النُّجُومِ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ فَإِنْ كَانَتِ النُّجُومُ خَمْسَةً اسْتَحَقَّ كُلُّ نَجْمٍ خُمُسَ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ عَشْرًا اسْتَحَقَّ كُلُّ نَجْمٍ عُشْرَ الْمَالِ. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقُولَ فِي الْكِتَابَةِ فَإِذَا أَدَّيْتَ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ قَوْلِي كَاتَبْتُكَ كَانَ مَعْقُودًا عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَدَّيْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ كَمَا لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ إِلَّا بِصَرِيحٍ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ مَعَ النِّيَّةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَفْظُ الْكِتَابَةِ كِنَايَةٌ لَا يَتَحَرَّرُ بِهِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا لَفْظٌ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ. أَوْ نِيَّةٌ يُرِيدُ بِهَا الْعِتْقَ، فَالصَّرِيحُ أَنْ يَقُولَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَإِذَا أَدَّيْتَ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَالنِّيَّةُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ: قَدْ كَانَ قَوْلِي كَاتَبْتُكَ مَعْقُودًا عَلَى أَنَّكَ إِنْ أَدَّيْتَ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ أَحَدُ هَذَيْنِ لَمْ يَتَحَرَّرْ بِهَا الْعِتْقُ.

стр. 8258

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَفْظُ الْكِتَابَةِ صَرِيحٌ يَتَحَرَّرُ بِهِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ تَصْرِيحٌ بِالْعِتْقِ وَلَا نِيَّةٌ كَالتَّدْبِيرِ هُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيرِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَصْرِيحٍ وَلَا نِيَّةٍ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ لَفْظَ الْكِتَابَةِ كِنَايَةٌ يَتَسَاوَى فِيهِ الِاحْتِمَالُ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كِتَابَةَ الْمُرَاسَلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كِتَابَةَ الْمُخَارَجَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ كِتَابَةَ الْعِتْقِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ مَعَ احْتِمَالِهِ صَرِيحًا وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيئَةٌ. فَأَمَّا لَفْظُ التدبير: فالذي نص عليه الشافعي أن يكونا صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ كَمَا نَصَّ فِي لَفْظِ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنْ نَقَلُوا جَوَابَهُ فِي التَّدْبِيرِ إِلَى الْكِتَابَةِ وَجَوَابَهُ فِي الْكِتَابَةِ إِلَى التَّدْبِيرِ وَخَرَّجُوهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ فِيهِمَا صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي التَّدْبِيرِ وَلَا تَفْتَقِرُ الْكِتَابَةُ إِلَى نِيَّةٍ كَمَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَيْهَا التَّدْبِيرُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ لَا يَقَعُ فِيهِمَا إلى بِنِيَّةٍ أَوْ تَصْرِيحٍ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ فِي التَّدْبِيرِ إِلَّا بِتَصْرِيحٍ أَوْ نِيَّةٍ كَمَا لَمْ يَصْحَّ فِي الْكِتَابَةِ، فَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا جَعَلَ التَّدْبِيرَ صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ مِنَ الْعَالِمِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جَاهِلٍ لَكَانَ كِنَايَةً وَجَعَلَ الْكِتَابَةَ كِنَايَةً مِنَ الْجَاهِلِ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْعَالِمِ لَكَانَ صَرِيحًا، فَسَوَّى بَيْنِ لَفْظِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَجَعَلَهُمَا صَرِيحِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ كِنَايَتَيْنِ مِنَ الْجُهَّالِ. وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتَهُ تَسْتَوِي فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الْجَوَابَ مِنْهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَتَكُونُ لَفْظُ الْكِتَابَةِ كِنَايَةً مِنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالتَّدْبِيرُ صَرِيحًا مِنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَثْرَةُ التَّدْبِيرِ وَقِلَّةُ الْكِتَابَةِ، فَصَارَ التَّدْبِيرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْعِتْقِ صَرِيحًا وَالْكِتَابَةُ لقلة استعمالها فيه كناية.

стр. 8259

مسألة قال الشافعي ﵁: (ولا تجوز على العرض حَتَّى يَكُونَ مَوْصُوفًا كَالسَّلَمِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الكناية عَلَى الْأَعْيَانِ الْحَاضِرَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ فَهِيَ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَصِحَّ فِي كِتَابَتِهِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ بِمَا يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو مَا يُكَاتِبُهُ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ جَازَ إِذَا كَانَ لَهَا نَقْدٌ غَالِبٌ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَيْهَا بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ لِيَحْمِلَا فِيهَا عَلَى الْعُرْفِ فِي اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ غَالَبَ، فَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِوَصْفِهَا، فَإِنْ أُطْلِقَتْ بَطَلَتْ، كَالْأَثْمَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ فَإِنْ كَانَ مَا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، صَحَّتِ الْمُكَاتَبَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، كَالَّذِي لَا تُضْبَطُ صِفَتُهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ لَمْ تَصِحِّ الْمُكَاتَبَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصِفَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ كَمَا يَصِفُهُ فِي عَقْدِ السَّلَمِ فَإِنْ أَخَلَّ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ لِدُخُولِ الْجَهَالَةِ عَلَيْهِ. وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ اعْتِبَارَ الصِّفَةِ، وَخَالَفَ بَيْنَ الْكِتَابَةِ فِيهَا وَالسَّلَمِ، وَجَوَّزَ الْمُكَاتَبَةَ عَلَى الْحَيَوَانِ وَلَمْ يُجَوِّزْ فِيهِ السَّلَمَ وَهِيَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّفَةِ وَنَفْيِ الْجَهَالَةِ، لِأَنَّ الْغَرَرَ وَإِنْ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهٍ فَالْعِوَضُ فِيهِ مُعْتَبَرٌ بِالسَّلَمِ وَالْأَثْمَانِ فِي نَفْيِ الْجَهَالَةِ عَنْهُ. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ بَعْدَ الشَّهْرِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْكِتَابَةُ تَجُوزُ عَلَى الْمَنَافِعِ كَمَا تَجُوزُ عَلَى الْأَعْيَانِ لِجَوَازِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ جَازَ الصَّدَاقُ بِهَا، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ فَقَالَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ بَعْدَ الشَّهْرِ وَوَصَفَ الْخِدْمَةَ بِمَا تُوصَفُ بِهِ الْإِجَارَةُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ انْقِضَاءِ شَهْرِ الْخِدْمَةِ، وَبَيْنَ مَحَلِّ الدَّيْنَارِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَوْ بِيَوْمٍ، فَيَجْعَلَهُ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ مِنْ دخول الشهر الثاني، فتصبح هَذِهِ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّهَا عَلَى نَجْمَيْنِ وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، وَتَغَايُرُ أَجْنَاسِ الْعِوَضِ فِي الْعَقْدِ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ كَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهَا تَغَايُرُ أَجْنَاسِ الْمُعَوَّضِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، لِأَنَّهَا مَعْقُودَةٌ عَلَى نَجْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَالٌّ وَهُوَ الْخِدْمَةُ.

стр. 8260

وَالثَّانِي: مُؤَجَّلٌ وَهُوَ الدَّيْنَارُ. قِيلَ لَا يَلْزَمُ هَذَا وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ حالة وإن كان ابتداؤهما مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهَا مُنْتَظَرَةٌ تُقْبَضُ حَالًّا بَعْدَ حَالٍّ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى الْحَالِّ لَمْ تَصِحَّ، لِتَعَذُّرِ الْأَدَاءِ عَلَى الْمَكَاتَبِ وَالْخِدْمَةُ لَيْسَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا وَإِنْ حَلَّتْ فَافْتَرَقَا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصِلَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَفْصِلَ فَيَجْعَلَ مَحَلَّ الدَّيْنَارِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي، فَيَصِيرَ مُتَّصِلًا بِانْقِضَاءِ الْخِدْمَةِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ اتِّصَالَ أَحَدِ النَّجْمَيْنِ بِالْآخَرِ يَجْعَلُهُمَا نَجْمًا وَاحِدًا حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ مُطَالَبَةً. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وهو قول أبي إسحق الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكِتَابَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّجْمَيْنِ مَا تَغَايَرَ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِهِمَا وَاسْتِحْقَاقَ الدَّيْنَارِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ الْخِدْمَةَ فَصَارَا نَجْمَيْنِ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ بِهِمَا الْكِتَابَةُ وَعَلَى تَعْلِيلِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ جَعَلَ مَحَلَّ الدَّيْنَارِ فِي شَهْرِ الْخِدْمَةِ لَمْ تَصِحَّ الْكِتَابَةُ وَقَدْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ نَصًّا. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَكَّبَ الْبَابَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَجَوَّزَ فِيهِ الْكِتَابَةَ وَعَلَّلَ فِي جَوَازِهَا بِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ شَهْرِ الْخِدْمَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ الدَّيْنَارِ نَجْمٌ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ نَجْمٌ آخَرُ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرَيْنِ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا كِتَابَةٌ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أُجِيزُهَا وَأَجْعَلُ كُلَّ شَهْرٍ مِنْهَا نَجْمًا. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَخْدِمَهُ بَعْدَ الشَّهْرِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْعَمَلِ بَعْدَ الشَّهْرِ وَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَاتَبَ عَلَى دِينَارٍ بَعْدَ شَهْرٍ وَعَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ بَعْدَ الشَّهْرِ فَهَذِهِ كِتَابَةٌ بَاطِلَةٌ وَلَيْسَ بُطْلَانُهَا مِنْ جِهَةِ اتِّصَالِ النَّجْمَيْنِ وَلَكِنْ لِأَنَّ خِدْمَةَ الشَّهْرِ هِيَ مُعَيَّنَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ وَالْعُقُودُ عَلَى الْأَعْيَانِ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ لَا تَصِحُّ. أَلَا تَرَى لَوِ اشْتَرَى مِنْهُ دَارًا عَلَى أَنْ يَتَسَلَّمَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوِ اكْتَرَاهَا بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى عَيْنٍ بَعْدَ أَجْلٍ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ، وَلَكِنْ لَوْ كَاتَبَ عَلَى دِينَارٍ بَعْدَ شَهْرٍ وَعَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ مَضْمُونَةٍ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ

стр. 8261

الشَّهْرِ، صَارَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ تَأْجِيلِ الْخِدْمَةِ، وَتَأْجِيلِ الدَّيْنَارِ فَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا صَحَّ، وَإِنْ وَصَلَ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْخِدْمَةَ صَارَتْ هَاهُنَا مَضْمُونَةً فِي الذِّمَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي ﵁: (فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى إنْ بَاعَهُ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بِكُلِّ حَالٍ وَالْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُ مَتَى شَاءَ تَرَكَهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ عَقْدَ الْمُعَاوَضَةِ إِذَا جَمَعَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِهِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ. مِثَالُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا وَعَبْدًا بِأَلْفٍ فَيَكُونَ هَذَا جَائِزًا لِأَنَّ أَحْكَامَ الْبَيْعِ فِي الْعَبْدِ كَأَحْكَامِهِ فِي الدَّارِ فِي اللُّزُومِ، وَثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَخِيَارِ الثَّلَاثَةِ بِالشَّرْطِ، وَيَكُونَ الثَّمَنُ مُقَسَّطًا عَلَى الْمُثَمَّنَيْنِ فَإِنْ سَمَّى فِي الْعَقْدِ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ صَحَّ وَكَانَا لِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ عَقْدَيْنِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ مُخَالِفًا لِحُكْمِهِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ. مثاله: أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَبْدًا وَيَسْتَأْجِرَ مِنْهُ دَارًا بِأَلْفٍ فَإِنْ فَصَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ مِنْ أُجْرَةِ الدَّارِ صَحَّ، وَكَانَا عَقْدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ وَأَطْلَقَ الْأَلْفَ فِي الْأُجْرَةِ وَالثَّمَنِ، فَحُكْمُ الْعَقْدِ فِي الْإِجَارَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ فِي الْبَيْعِ لِعَدَمِ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ وَثُبُوتِهِ فِي الْبَيْعِ فَيَكُونُ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صَحِيحٌ مِنْهُمَا وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعِ اخْتِلَافُ الْأَجْنَاسِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ فِيهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَّا حُكْمٌ وَاحِدٌ مَتَى خَالَفَ بَعْضُهُ حُكْمَ بَعْضٍ تَنَاقَضَ، فَبَطَلَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَاشْتَرَطَ خِيَارَ الثَّلَاثِ فِي أَحَدِهِمَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ دَارًا بِأَلْفٍ فَإِنْ فَصَلَ مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، صَحَّتِ الْكِتَابَةُ لِتَمَيُّزِهَا، فَأَمَّا بَيْعُ الدَّارِ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ قَدَّمَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى لَفْظِ الْكِتَابَةِ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ لِتَقَدُّمِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَهُوَ عَبْدٌ وَمَا يَبِيعُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ بَاطِلٌ. وَإِنْ قَدَّمَ فِي الْعَقْدِ لَفْظَ الْكِتَابَةِ عَلَى لَفْظِ الْبَيْعِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ بَدَأَ فَطَلَبَ

стр. 8262

الْكِتَابَةَ قَبْلَ إِجَابَةِ السَّيِّدِ صَحَّ الْبَيْعُ إِذَا قَبِلَهُ الْعَبْدُ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَجِبُ بِطَلَبِ الْعَبْدِ وَإِجَابَةِ السَّيِّدِ وَصَارَ السَّيِّدُ مُسْتَأْنِفًا بَعْدَهَا لِمُبَايَعَةِ مُكَاتَبِهِ بِالْبَذْلِ، وَبَيْعُ السَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ جَائِزٌ كَجَوَازِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَوَقَفَ تَمَامُ الْبَيْعِ بَعْدَ بَذْلِ السَّيِّدِ عَلَى قَبُولِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ قَدِ ابْتَدَأَ بِطَلَبِ الْكِتَابَةِ، وَابْتَدَأَ السَّيِّدُ بِبَذْلِهَا فَعَقْدُ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتِمَّ لِوُقُوفِهِ عَلَى قَبُولِ الْمُكَاتَبِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ مُبَايِعًا لِعَبْدِهِ لَا لِمُكَاتَبِهِ، فَبَطَلَ الْبَيْعُ وَصَحَّتِ الْكِتَابَةُ. فَهَذَا حُكْمُ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ إِنْ فَصَلَ الْكِتَابَةَ مِنْ ثَمَنِ الدَّارِ. فَأَمَّا إِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَا جَمَعَهُ الْعَقْدُ مِنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحُكْمِ بَاطِلٌ، بَطَلَ الْعَقْدُ هَاهُنَا فِي الْكِتَابَةِ، وَالْبَيْعِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ جَائِزٌ فِيهِمَا جَمِيعًا أَثْبَتْنَا حُكْمَ الْعَقْدِ فِيهِمَا هَاهُنَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْمُعَوَّضِ فِيهِمَا، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَقْدِهِ فَإِنْ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الْكِتَابَةِ عَلَى ذِكْرِ الْبَيْعِ، صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ بِتَقَدُّمِهَا فَصَحَّ الْبَيْعُ بَعْدَهَا وَتُقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى عَلَى قِيمَةِ الدَّارِ وَكِتَابَةِ الْمِثْلِ فَمَا قَابَلَ قِيمَةَ الدَّارِ مِنْهَا كَانَ ثَمَنًا، وَمَا قَابَلَ كِتَابَةَ الْمِثْلِ كَانَ مَالًا فِي الْكِتَابَةِ، فَيَجْرِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ لَوِ انْفَرَدَ وَإِنْ قَدَّمَ فِي الْعَقْدِ ذِكْرَ الْبَيْعِ عَلَى ذِكْرِ الْكِتَابَةِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ مُبَايِعًا لِعَبْدِهِ وَفِي بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ: أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، إِذَا مُنِعَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَصِحُّ الْكِتَابَةُ وَإِنْ بَطَلَ الْبَيْعُ إِذَا أُجِيزَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ. فَعَلَى هَذَا فِيمَا يُقِيمُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى الْكِتَابَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقِيمُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ وَإِلَّا فَسَخَ. وَالثَّانِي: يُقِيمُ عَلَيْهَا بِقِسْطِهَا مِنْ كِتَابَةِ الْمِثْلِ وَقِيمَةِ الدَّارِ إِذَا قُوبِلَتَا بِالْأَلْفِ. فَصْلٌ فَأَمَّا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: قَدْ كَاتَبْتُكَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ دَارِي بِأَلْفٍ. فَهَذَا بَاطِلٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ فِي عَقْدٍ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَلِأَنَّهُ مَا أَطْلَقَ كِتَابَتَهُ حَتَّى شَرَطَ عَلَيْهِ ابْتِيَاعَ مَا لَا يَلْزَمُهُ فَصَارَ مُنَافِيًا لَهُ فَأَبْطَلَهُ. وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ بِأَلْفٍ وَأَبِيعُكَ دَارِي بِأَلْفٍ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ، وَكَانَ مَا

стр. 8263

بَذَلَهُ مِنَ الْبَيْعِ وَعْدًا يَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْمُكَاتَبِ إِنِ اسْتُؤْنِفَ عَقْدُهُ، ولَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا في الكتابة. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ يُؤَدِّيهَا إِلَيْهِ فِي عَشَرٍ سِنِينَ كَانَ النَّجْمُ مَجْهُولًا لَا يُدْرَى أَفِي أَوَّلِهَا أَوْ آخِرِهَا (قَالَ: الْمُزَنِيُّ) وَكَذَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةً مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَفِي أَوَّلِ كُلِّ سَنَةٍ أَوْ آخِرِهَا حَتَّى يَقُولَ فِي انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةً فَتَكُونَ النُّجُومُ مَعْلُومَةً) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَا قَالَاهُ صَحِيحٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً عَلَى نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِنْ عُقِدَتْ عَلَى نَجْمٍ فَسَدَتْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ نَجْمٍ مَعْلُومًا فَإِنْ جُهِلَ فَسَدَتْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْمَحَلِّ فِي كُلِّ نَجْمٍ مَعْرُوفًا. فَإِنْ جُهِلَ فَسَدَتْ. فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَقَالَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ يؤديها فِي عَشْرِ سِنِينَ كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَالْكِتَابَةِ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ مَالَ كُلِّ نَجْمٍ مَجْهُولٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ مَحَلُّهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَجْهُولٌ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا فِي عَشْرَةِ أَنْجُمٍ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ فَسَدَتْ لِمَعْنَيَيْنِ، لِأَنَّ مَالَ كُلِّ نَجْمٍ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ مِنَ السَّنَةِ مَجْهُولٌ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا عُشْرَهَا فَسَدَتْ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْجَهْلُ بِوَقْتِ الْمَحَلِّ مِنَ السَّنَةِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ عُشْرَهَا، أَوْ قَدْرًا مِنْ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ تَتَسَاوَى فِي كُلِّ سَنَةٍ أو تتفاضل تؤديه عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ أَوْ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ فِي مُسْتَهَلِّ شَهْرِ كَذَا فِي كُلِّ سَنَةٍ صَحَّتْ حِينَئِذٍ الْكِتَابَةُ بِاسْتِيفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْمَانِعَةِ مِنْ دُخُولِ الْجَهَالَةِ فِي القدر والمحل. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ كَاتَبَ ثَلَاثَةً كِتَابَةً وَاحِدَةً عَلَى مِائَةٍ مُنَجِّمَةٍ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا أَدَّوْا عَتَقُوا كَانَتْ جَائِزَةً وَالْمِائَةُ مَقْسُومَةً عَلَى قِيمَتِهِمْ يَوْمَ كُوتِبُوا فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ عَتَقَ وَأَيُّهُمْ عَجَزَ رَقَّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ كَاتَبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مُنَجَّمَةٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ كِتَابَتِهِمْ بِهَا مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ كِتَابَةَ كُلِّ عَبْدٍ مِنَ الْمِائَةِ، أَوْ لَا يبين:

стр. 8264

فَإِنْ بَيَّنَهَا وَجَعَلَ كِتَابَةَ أَحَدِهِمْ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الثَّانِي ثَلَاثِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الثَّالِثِ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَكِتَابَةُ جَمِيعِهِمْ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِقَدْرِ كِتَابَتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا وَيَرِقُّ بِعَجْزِهِ عَنْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ أَحَدِهِمْ بِغَيْرِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ حُكْمَ الْمِائَةِ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كِتَابَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَقَدْ نَصَّ الشافعي ﵀ في كتاب الأم والإملاء وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْهُمَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ أَنَّ كِتَابَتَهُمْ صَحِيحَةٌ، وَتُقَسَّطُ الْمِائَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ وَقَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَعَهُ فِي رَجُلٍ بَاعَ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ لَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدٌ يُعِينُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُمَيِّزْ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبِيدِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي الْجَمِيعِ، لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبِيدِ عَلَى مُشْتَرِيهِ مَجْهُولٌ، وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ مُبْطِلَةٌ لِلْعَقْدِ، وَلَهُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بُطْلَانُ الصَّدَاقِ وَصِحَّةُ النِّكَاحُ، لِأَنَّ فَسَادَ الصَّدَاقِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ النِّكَاحِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّدَاقَ جَائِزٌ وَتُقَسَّطُ الْأَلْفُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِ أَمْثَالِهِنَّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ وَنَقَلَ جَوَابَ كُلِّ عِقْدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَخَرَّجَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بُطْلَانُ الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: جَوَازُ الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَمْعٍ بَيْنَ بَيْعِ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ فِي عَقْدٍ، وَبَيْنَ بَيْعِهِمْ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي عَقْدٍ. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلُ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْكِتَابَةِ قَوْلَانِ لِتَخْرِيجِ قَوْلِ الْبَيْعِ فِيهِ. وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ كَبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَاتَبِينَ الثَّلَاثَةِ قَدْ جَهِلَ فِي الْعَقْدِ مَالَ الْكِتَابَةِ، وَالْجَهْلُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ مُوجِبٌ لِفَسَادِهَا، كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ كِتَابَتَهُ عَلَى مَالٍ مَجْهُولٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ جَائِزَةٌ فِي الْعَبِيدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي العبيد الثلاثة.

стр. 8265

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابَةِ الْقُرْبَةَ وَالْبَرَّ فَخَفَّ حُكْمُهَا. وَالْمَقْصُودُ بِالْبَيْعِ الرِّبْحُ وَالْمُغَابَنَةُ فَتَغَلَّظَ حُكْمُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ كَنُفُوذِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ بالبيع الفاسد فانتقاله بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ فَافْتَرَقَا لِخِفَّةِ حُكْمِ الْكِتَابَةِ، وَتَغْلِيظِ حُكْمِ الْبَيْعِ. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ كِتَابَتَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا: بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ فِيهِمْ كَانَتِ الْمِائَةُ دَنَانِيرَ مُقَسَّطَةً بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ يَوْمَ كُوتِبُوا لِأَنَّهُمْ بِالْكِتَابَةِ خَرَجُوا عَنْ تَصَرُّفِ السَّيِّدِ وَتَصَرَّفُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُمْ وَقْتَ الْكِتَابَةِ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ قِيمَةَ أَحَدِهِمْ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقِيمَةَ الْآخَرِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَقِيمَةَ الثَّالِثِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَتِ الْمِائَةُ دِينَارٍ مُقَسَّطَةً عَلَى سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ سُدُسُهَا وَعَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ثُلُثُهَا وَعَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ نِصْفُهَا، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِالْقَدْرِ الَّذِي تُقَسَّطُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ ضَمَانُ مَا عَلَى الْآخَرِينَ، لِأَنَّ كِتَابَتَهُمْ وَاحِدَةٌ فَاشْتَرَكُوا فِي الْتِزَامِهَا وَضَمَانِ مَالِهَا وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِجَمِيعِهَا. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ على البتياع لم يلزم الضمان في الاجتماع على الكناية كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى الِابْتِيَاعِ، فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الضَّمَانُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الِابْتِيَاعِ لَمْ يَلْزَمِ الضَّمَانُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِذَا اخْتُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْتِزَامِ مَالِ كِتَابَتِهِ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يخل حال الثلاثة في الأداء من ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُؤَدُّوا جَمِيعًا مَالَ كِتَابَتِهِمْ، فَقَدْ عَتَقُوا بِالْأَدَاءِ اتِّفَاقًا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزُوا جَمِيعًا عَنِ الْأَدَاءِ فَيَرِقُّوا جَمِيعًا إِذَا أَعْجَزَهُمُ السَّيِّدُ وَهَذَا اتِّفَاقٌ أَيْضًا. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضُهُمْ وَيَعْجِزَ بَعْضُهُمْ، فَيَعْتِقُ مَنْ أَدَّى وَيَرِقُّ مَنْ عَجَزَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يَعْتِقُ مَنْ أَدَّى إِذَا عَجَزَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَلِمَنْ أَدَّى أَنْ يُجْبِرَ مَنْ عَجَزَ عَلَى الْكَسْبِ وَالْأَدَاءِ، فَإِنْ أَدَّى الْمُؤَدِّي عَنِ الْعَاجِزِ عَتَقُوا جَمِيعًا، حِينَئِذٍ وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي عَلَى الْعَاجِزِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ. قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمْ بالأداء حتى يؤدوا جميعا جَمِيعَ الْكِتَابَةِ، اعْتِبَارًا

стр. 8266

بِحُكْمِ الصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَإِذَا أَدَّيْتُمْ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ) فَوَجَبَ أَنْ لَا يَعْتِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمْ: إِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ. لَمْ يَعْتِقُوا حَتَّى يَدْفَعُوا جَمِيعَ الْأَلْفِ، وَلَوْ دَفَعُوهَا إِلَّا دِرْهَمًا لَمْ يَعْتِقُوا. وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمُ الدَّارَ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ. لَمْ يَعْتِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِدُخُولِهِ، حَتَّى يَدْخُلُوهَا جَمِيعًا، فَيَعْتِقُوا حِينَئِذٍ. كَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ مُعَاوَضَةٌ وَصِفَةٌ فَإِذَا صَحَّتِ الْكِتَابَةُ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ وَإِذَا فَسَدَتْ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَبْرَأَ مُكَاتَبَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْأَدَاءِ وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ فَأَدَّاهَا الْمُكَاتَبُ إِلَى وَلَدِهِ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ فَبَطَلَ مَا قَالَاهُ، وَخَالَفَ مُجَرَّدَ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَصْلٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كِتَابَةَ الثَّلَاثَةِ بَاطِلَةٌ فَسَدَ حُكْمُ الْعِوَضِ فِيهَا، وَبَقِيَ حُكْمُ الصِّفَةِ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْفَعَهَا، وَيُسْقِطَ حُكْمَهَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، ارْتَفَعَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ، وَلَمْ يَعْتِقُوا بِالْأَدَاءِ فَإِنْ قِيلَ أَفَلَيْسَ لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ فَقَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ هَذَا الْحُكْمِ وَإِسْقَاطُهُ وَمَتَى دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ عَتَقَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ رُجُوعُ السَّيِّدِ، وَإِبْطَالُهُ لِلصِّفَةِ فَهَلَّا كَانَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي قَدْ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ مَمْنُوعًا مِنْ إِبْطَالِهَا، وَالرُّجُوعِ فِيهَا. قِيلَ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ فِي الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وُقُوعَ الْعِتْقِ بِمُجَرَّدِ الصِّفَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ مَا الْتَزَمَ، وَهُوَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إِنَّمَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعِتْقَ بِالصِّفَةِ عَلَى شَرْطِ الْعِوَضِ الَّذِي كَاتَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا بَطَلَ مَا شَرَطَ مِنَ الْعِوَضِ أَسْقَطَ مَا تَعَلَّقُ بِالصِّفَةِ مِنَ الِالْتِزَامِ فَافْتَرَقَا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فَيُبْطِلَهَا، أَوْ يُقِرَّهَا عَلَى حَالِهَا. فَإِنْ رَجَعَ فِيهَا وَأَبْطَلَهَا سَقَطَ حُكْمُ الصِّفَةِ فَإِنْ أَدَّى هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ مَالَ كِتَابَتِهِمْ لَمْ يَعْتِقُوا وَكَانُوا عَلَى رِقِّهِمْ، وَمَا اسْتَأْدَاهُ السَّيِّدُ مِنْهُمْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَهُوَ مَالِكٌ لِأَكْسَابِهِمْ. وَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ فِي كِتَابَتِهِمْ، وَلَا أَبْطَلَ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَدَّوْا جَمِيعًا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، عَتَقُوا بِوُجُودِ الصِّفَةِ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ أَدَّوْا فَعَتَقُوا لَا يَوْمَ كُوتِبُوا بِخِلَافِ تَقْوِيمِهِمْ، لَوْ صَحَّتْ كِتَابَتُهُمْ، لِأَنَّ يَدَ السَّيِّدِ ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ

стр. 8267

الْفَاسِدَةِ، وَقْتَ الْأَدَاءِ وَفِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَلِذَلِكَ كَانَ التَّقْوِيمُ فِيهَا إِذَا فَسَدَتْ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَإِذَا صَحَّتْ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرَ قِيمَتِهِ نَظَرَ. فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ الَّذِي أَدَّاهُ دَفَعَ الْقِيمَةَ إِلَى سَيِّدِهِ، وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ مَا أَدَّاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ تَقَاصَّا. فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ رَجَعَ السَّيِّدُ بِالْبَاقِي مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ أَكْثَرَ رَجَعَ الْمُكَاتَبُ بِالْفَاضِلِ عَنْهَا. فَأَمَّا إِذَا أَدَّى بَعْضُهُمْ مَالَ كِتَابَتِهِ الْفَاسِدَةِ فَفِي نُفُوذِ عِتْقِهِ بِأَدَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتُمْ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ فَأَدَّى بَعْضُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا لَمْ يَعْتِقْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ تَغَلَّبَ فِي فَسَادِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، فَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَاوَضَةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، فَإِذَا عَتَقَ وَحْدَهُ كَانَ التَّرَاجُعُ بِالْقَيِّمَةِ عَلَى ما وصفنا. والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَأَيُّهُمْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَاتَ رَقِيقًا كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ. فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَتَرَكَ وَلَدًا وَوَفَاءً قَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ فِي الْأَدَاءِ، وَبَانَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَاتَ حُرًّا بِأَدَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ مِنْ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ فَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى حُكْمِهِ مِنْ حُرِّيَّةٍ، أَوْ رِقٍّ، أَوْ إِسْلَامٍ، أَوْ كُفْرٍ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ حَالِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا. وَمَوْتُ هَذَا الْمُكَاتَبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَنْ حُرِّيَّةٍ أَوْ رِقٍّ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ أَدَاءِ وَلَدِهِ مَرْقُوقًا، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَكَانَ وَلَدِهِ أَخًا لَمْ يَعْتِقْ بِأَدَائِهِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ ولدا كان بمثابته. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ أَدَّوْا فَقَالَ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ أَدَّيْنَا عَلَى الْعَدَدِ وَقَالَ الْآخَرُونَ عَلَى الْقِيَمِ فَهُوَ عَلَى الْعَدَدِ أَثْلَاثًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَدَّوْا جَمِيعًا مَالَ كِتَابَتِهِمْ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَسَاوِيهِمْ فِيهِ، أَوْ تَفَاضُلِهِمْ لَمْ يَخْلُ حَالُ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ عِتْقِهِمْ، أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِمْ. فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَصُورَتُهُ: أَنْ يُكَاتَبُوا جَمِيعًا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ عَلَى أَنَّ

стр. 8268

كِتَابَةَ أَحَدِهِمْ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الْآخَرِ عَلَى ثَلَاثِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الثَّالِثِ عَلَى خَمْسِينَ دِينَارًا، فَيُؤَدُّوا مَعًا خَمْسِينَ دِينَارًا. ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فَيَقُولُ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَاهَا بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ثُلُثُهَا مَحْسُوبًا مَالَ كِتَابَتِهِ، وَيَقُولُ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَاهَا عَلَى الْقِيَمِ فَلِي نِصْفُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا، وَلَكَ يَا مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَلَكَ يَا مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَيَكُونُ التَّنَازُعُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مُخْتَصًّا وَلَا يَكُونُ السَّيِّدُ فِيهِ خَصْمًا لَهُمْ، لِأَنَّ تَنَازُعَهُمْ لَا يَقْتَضِي اسْتِرْجَاعَ شَيْءٍ مِنَ السَّيِّدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنْ تَصَادَقُوا بَعْدَ الِاخْتِلَافِ عَمِلَ عَلَى تُصَادِقِهِمْ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ لَهُمْ، وَإِنْ أَقَامُوا عَلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ فِي ادِّعَاءِ التَّسَاوِي، وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمْ كَثَلَاثَةٍ فِي أَيْدِيهِمْ دَارٌ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا وَادَّعَى الْآخَرُونَ أَنَّهَا بَيْنَهُمْ عَلَى تُفَاضُلٍ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ مَنِ ادَّعَى التَّسَاوِيَ دُونَ التَّفَاضُلِ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا فَاسْتَوَتْ حُقُوقُهُمْ فِيهَا. فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يُؤَدُّوا جَمِيعَ الْمِائَةِ فَيَعْتِقُوا بِهَا فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ يَدَّعِي مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ التَّسَاوِي لِيَرْجِعَ بِالْبَاقِي، وَيَدَّعِي مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ التَّفَاضُلَ عَلَى قَدْرِ الْقِيَمِ، لِيَتَحَرَّرَ عِتْقُهُ بِأَدَائِهِ فَيُنْظَرُ فِي دَعْوَى مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْهَا، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّاهُ عَمَّنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ قَرْضًا عَلَيْهِ يَأْخُذُهُ بِرَدِّهِ، فَالسَّيِّدُ خَارِجٌ مِنْ تَنَازُعِهِمْ، وَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى خَصْمًا لَهُمْ، وَقَدْ عَتَقُوا جَمِيعًا بِذَلِكَ الْأَدَاءِ. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ الْفَضْلَ إِلَى السَّيِّدِ قَرْضًا عَلَيْهِ، أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ صَارَ السَّيِّدُ فِي هَذَا التَّنَازُعِ خَصْمًا لَهُمْ، فَإِنْ صَدَّقَ الدَّعْوَى لَزِمَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ أَكْذَبَهَا وَصَدَّقَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ فِي عِتْقِهِ بِهَا صَارَ دَاخِلًا فِي التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ إِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ الْمَالُ الْمُؤَدَّى عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ، وَلَا تَرَاجُعَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي الدَّيْنِ أَنَّ الْمُؤَدَّى فِيهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مُعْتَبَرًا. وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْأَدَاءِ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْبَلَ مَا خَالَفَهُ فِي نَقْضِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أن القول فيه قول من قلت قيمته فِي التَّسَاوِي وَرَدَّ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ادِّعَاءِ التَّفَاضُلِ، لِأَنَّ الدَّعْوَى إِذَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ يَدٍ وَعُرْفٍ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْيَدِ عَلَى العرف.

стр. 8269

أَلَا تَرَى أَنَّ دَبَّاغًا وَعَطَّارًا، لَوْ تَنَازَعَا دِبَاغَةً وَعِطْرًا لَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالْيَدِ، وَإِنْ كَانَ الْعِطْرُ فِي الْعُرْفِ لِلْعَطَّارِ وَالدِّبَاغَةُ لِلدَّبَّاغِ، وَلِأَنَّ رَجُلَيْنِ لَوِ اشْتَرَيَا دَارًا بِأَلْفٍ لِأَحَدِهِمَا رُبُعَهَا وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَدَفَعَا إِلَى بَائِعِهَا أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ صَاحِبُ الرُّبُعِ: الْأَلْفُ الَّتِي دَفَعْنَاهَا بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ فَلِيَ الرُّجُوعُ بِالْبَاقِي. وَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ: إِنَّنَا دَفَعْنَاهَا عَلَى قَدْرِ مَا عَلَيْنَا فَلَا تَرَاجُعَ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى التَّسَاوِي اعْتِبَارًا بِالْيَدِ دُونَ الْعُرْفِ وِفَاقًا كَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ حِجَاجًا، ثُمَّ يَكُونُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا نَافِذًا فِي الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إِنِ ادُّعِيَتْ أَدَاءً عَنِ الْأَكْثَرِ قِيمَةً قَرْضًا، فَقَدْ عَتَقَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِنِ ادُّعِيَتْ وَدِيعَةً عِنْدَ السَّيِّدِ أَوْ قَرْضًا فَقَدْ صَدَّقَ السَّيِّدُ لِلْأَكْثَرِ قِيمَةً عَلَى أَدَائِهِ لَهَا، وَاعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أَكْذَبَهُ، وَصَدَّقَ مُدَّعِي التَّسَاوِي، فَإِذَا جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَمْ يَعْتِقِ الْأَكْثَرَ قِيمَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ التَّفَاضُلِ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، حَتَّى يُؤَدِّيَ بَقِيَّتَهَا بَعْدَ تَسَاوِيهِمْ فِيهَا، لِيَعْتِقَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ وَسَيِّدَهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ أَدَّى أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ تَطَوَّعَ فَعَتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ أَدَّى بِإِذْنِهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُكَاتَبِينَ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ أَوْ فِي عُقُودٍ أَنْ يُؤَدِّيَ كَسْبَهُ، إِلَّا مَالَ كِتَابَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَاتَبِينَ مَعَهُ سَوَاءٌ، أَدَّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَتْ هِبَةً لَهُ، وَإِنْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، كَانَ قَرْضًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ فِي هِبَةٍ وَلَا قَرْضٍ فَإِنْ فَعَلَ وَأَدَّى عَنْ غَيْرِهِ مَالًا إِلَى سَيِّدِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ السَّيِّدِ فِي قَبْضِهِ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ فَالْأَدَاءُ بَاطِلٌ، وَغَيْرُ مُحْتَسَبٍ بِهِ لِلْمُؤَدَّى عَنْهُ وَيَكُونُ مُحْتَسِبًا بِهِ لِلْمُؤَدِّي إِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ قَدْ حَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ كَانَ الْمُؤَدِّي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ تَعْجِيلًا عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ عَالِمًا بِأَنَّهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَعِلْمُهُ بِهِ كَالْإِذْنِ فِيهِ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ إِذَا وَهَبَ أَوْ أَقْرَضَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مُسْتَحَقٌّ فِي كِتَابَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا بِيَدِهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِإِذْنِهِ كَالْعَبْدِ.

стр. 8270

فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ صَارَ كَمَا لَوْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَيُحْتَسَبُ بِهِ لِلْمُؤَدِّي مِنْ كِتَابَتِهِ إِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى أَجْلِهَا كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا من سيده، أو يعجلها عَنْ كِتَابَةِ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَسْتَرْجِعْهَا الْمُكَاتَبُ وَلَا عَجَّلَهَا عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى أَدَّى مَا عَلَيْهِ، فَعَتَقَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ اسْتِرْجَاعِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَهَا وَالسَّيِّدُ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى أَدَائِهَا فِي كِتَابَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ. وَالوجهُّ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهَا، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ أَقْوَى مِلْكًا، وَتَصَرُّفًا فَلَمَّا اسْتَحَقَّ اسْتِرْجَاعَهَا فِي أَضْعَفِ حَالَيْهِ، كَانَ اسْتِرْجَاعُهَا فِي أَقْوَاهُمَا أَوْلَى وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ جَائِزٌ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِبَذْلِهِ كَالْهِبَاتِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ يَرْجِعُ بِهِ كَالْقَرْضِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُؤَدِّي وَالْمُؤَدَّى عَنْهُ من أربعة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْجِزَا فَيَرِقَّا فَلَا رُجُوعَ لِلْمُؤَدِّي بِمَا أَدَّى لَا عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ، لِأَنَّهُ بِعَوْدِهِ إِلَى الرِّقِّ قَدْ صَارَتْ أَمْوَالُهُ لِسَيِّدِهِ، وَالسَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ غُرْمٌ فَلَا يَثْبُتُ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ مَالٌ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَا فَيَعْتِقَا فَلِلْمُؤَدِّي بَعْدَ عِتْقِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا أُنْظِرَ بِهِ إِلَى مَيْسَرَتِهِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْتِقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَيَبْقَى الْمُؤَدِّي عَلَى رِقِّهِ فَيُنْظُرُ فِي عِتْقِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَا أَقْرَضَهُ الْمُؤَدِّي نَفَذَ عِتْقُهُ، وَكَانَ الْمَالُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ دَيْنًا حَالًّا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ بِمَا أَقْرَضَهُ الْمُؤَدِّي فَفِيهِ وَجْهَانِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي إِفْصَاحِهِ احْتِمَالًا: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِتْقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ قَدْ نَفَذَ، وَرِقَّ الْمُؤَدِّي قَدِ اسْتَقَرَّ وَيَكُونُ الْأَدَاءُ دَيْنًا لِلسَّيِّدِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُعْتَقِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِذَلِكَ الْأَدَاءِ وَيُحْتَسَبُ بِهِ لِلْمُؤَدِّي، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ الْبَاقِي عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ عَتَقَ وَأُعِيدَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ إِلَى رِقِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أُعِيدَا مَعًا إِلَى الرِّقِّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الكسب.

стр. 8271

وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَعْتِقَ الْمُؤَدِّي، وَلَا يَعْتِقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى رِقِّهِ، فَلِلْمُؤَدَّى عَنْهُ ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَبَدَلُ مَا اقْتَرَضَ فَيُؤَدِّيهَا وَيَتَحَرَّرُ عتقها بِهَا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ عَنْ بَاقِي الْكِتَابَةِ، وَعَنِ الْقَرْضِ جَمِيعًا فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الرِّقِّ، وَيَكُونَ قَرْضُ الْمُؤَدِّي دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ وَأَيْسَرَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ مَا يَتَصَرَّفُ فِي أَحَدِهَا إِمَّا فِي عِتْقِهِ أَوْ فِي قَرْضِهِ. فَيُقَالُ لِلْمُؤَدِّي انْتَظِرْهُ بِقَرْضِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا بِيَدِهِ فِي عِتْقِهِ فَإِنْ أَجَابَ فَعَلَى ذَاكَ، وَإِنِ امْتَنَعَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ انْتَظِرْهُ بِنَفْسِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا بِيَدِهِ فِي قَرْضِهِ، فَإِنْ أَجَابَ فَعَلَى ذَاكَ وَإِنِ امْتَنَعَ أَيْضًا وَتَنَازَعَا الْمَوْجُودَ فَالْمُؤَدِّي الْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ السَّيِّدِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَرْضَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ وَمَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِي عَوْدِ الْمُقْرِضِ بِهِ حِفْظًا لِحَقِّهِ وَحَقِّ السَّيِّدِ بِعَوْدِهِ إِلَى رِقِّهِ، وَحِفْظُ الْحَقَّيْنِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ أَحَدِهِمَا بالآخر، والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْكِتَابَةَ فَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتْ جَمَاعَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْزَمْ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لَا بِالْعَقْدِ وَلَا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ كَانَ أَوْكَدَ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ضَمَانَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ. وَالثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَ الْمُكَاتَبِ لَا يَصِحُّ. فَأَمَّا ضَمَانُ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَصِحُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَلْزَمَ، وَمَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمَانَ وَثِيقَةٌ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَالْكِتَابَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ. وَأَمَّا ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَصِحُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ أَوْقَعَتْ حَجْرًا عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، وَضَمَانُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ.

стр. 8272

وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بِيَدِهِ مُسْتَحَقٌّ فِي كِتَابَتِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِيهَا ضَمَانَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِمَالِ كِتَابَتِهِ لَا غَيْرَ وَإِنْ شَرَطَ فِيهَا السَّيِّدُ ضَمَانَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالْكِتَابَةُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ إِذَا نَافَاهُ أَبْطَلَهُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبُيُوعِ. فَصْلٌ فَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ فَيُحِيلَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ، لأن الحوالة تكون في الحقوق اللازمة ما عَلَى الْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ، فَيُحِيلَ سَيِّدَهُ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، فَتَصِحَّ الْحَوَالَةُ، لِأَنَّ دَيْنَ الْمُكَاتَبِ عَلَى غَرِيمِهِ لَازِمٌ فَصَارَتِ الْحَوَالَةُ بدين لازم. والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدًا كِتَابَةً فَاسِدَةً فَأَدَّى عَتَقَ وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عَتَقَ وَرَجَعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا دَفَعَ فَأَيُّهُمَا كَانَ لَهُ الْفَضْلُ رَجَعَ بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْعِتْقُ ضَرْبَانِ: نَاجِزٌ، وَعَلَى صِفَةٍ. فَأَمَّا النَّاجِزُ فَهُوَ مَا كَانَ وُقُوعُهُ مُقْتَرِنًا بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ فَيَقَعُ بَاتًّا لَا رُجُوعَ فِيهِ بَعْدَ نُفُوذِهِ. وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ فَضَرْبَانِ: صِفَةٌ مَحْضَةٌ، وَصِفَةٌ مُعَاوَضَةٌ. فَأَمَّا الصِّفَةُ الْمَحْضَةُ. فَكَقَوْلِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَبِقُدُومِ زَيْدٍ وَقَعَ الْعِتْقُ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِتْقَ مُعَاوَضَةٍ وَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ بِدَفْعِ مَالٍ، لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَمَتَى دَفَعَ الْأَلْفَ كَامِلَةً عَتَقَ بِهَا لَكِنْ إِنْ قَالَ: إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الدَّفْعُ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِذَا دَفَعَ فِي مَجْلِسِهِ عَتَقَ وَإِنْ تَرَاخَ لَمْ يَعْتِقْ. وَإِنْ قَالَ: مَتَى دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ دَفْعُهَا عَلَى التَّرَاخِي فَمَتَى دَفَعَهَا عَاجِلًا، أَوْ آجِلًا عَتَقَ بِهَا. وَإِذَا كَانَ عِتْقُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَاقِعًا بِدَفْعِ جَمِيعِ الْأَلْفِ فَلَيْسَ

стр. 8273

هَذَا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ مَخْرَجُ الْقَوْلِ مِنْ مَالِكٍ، جَازَ الْأَمْرُ فَإِذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَعَلَّقَ بِهِ سِتَّةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: لُزُومُ حُكْمِهِ لِلسَّيِّدِ وَالْعَبْدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَلَا لِلْعَبْدِ رَفْعُهُ، وَلَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى فَسْخِهِ، لِأَنَّ الصِّفَاتِ لَا يَلْحَقُهَا فَسْخٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ هَذَا الْمَالِ، لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَا فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا الْمَالُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ متى مات السيد بطلت الصفة، ولم يعتق الْعَبْدُ بِدَفْعِ، الْأَلْفِ إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِفَةُ قَوْلِهِ: إِنْ دَفَعْتَ إِلَيَّ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِهَا كَسْبَ نَفْسِهِ وَأَكْسَابُهُ تَكُونُ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يُوجِبُ تَمَلُّكَ الْكَسْبِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِدَفْعِ الْأَلْفِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْعِتْقِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ لَا تَرَاجُعَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَتَضَمَّنْهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ. فَصْلٌ فَأَمَّا صِفَةُ الْمُعَاوَضَةِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا صَحَّ فِيهِ الْعَقْدُ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ. وَالثَّانِي: مَا فَسَدَ فِيهِ الْعَقْدُ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الصِّفَةِ. فَأَمَّا الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْعَقْدُ فَهِيَ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ قَدْ صَحَّتْ صِفَةً، وَمُعَاوَضَةً، فَيَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ نَوَى فِي الصِّفَةِ أَنَّهُ مَتَى دَفَعَ الْمَالَ عَتَقَ صَحَّ، وَلَوْ تَغَلَّبَتِ الصِّفَةُ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النِّيَّةُ كَمَا لَوْ نَوَى أَنَّهُ مَتَى دَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدُهُ أَلْفًا عَتَقَ لَمْ يَعْتِقْ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا سِتَّةُ أَحْكَامٍ تُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ: أَحَدُهَا: لُزُومُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا مَا كَانَ الْعَبْدُ مُقِيمًا عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَيْسَتْ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْأَدَاءِ الَّذِي يَعْتِقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ، وَإِنْ مَلَكَ الِامْتِنَاعَ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَنْظَرَهُ بِالْمَالِ عِنْدَ عَجْزِهِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا فَلَوِ اجتمعا على فسخها صح النسخ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ مِنْهَا، لِأَنَّ الْمَالَ فِيهَا كَالثَّمَنِ الَّذِي يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ وَيَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ كَمَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ لِسُقُوطِ الْعِوَضِ فِي الْحَالَيْنِ.
следующие страницы →