← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 8304–8343 · переход к 8309.

стр. 8304

كِتَابَةُ بَعْضِ عَبْدٍ وَالشَّرِيكَانِ فِي الْعَبْدِ يُكَاتِبَانِهِ أو أحدهما مسألة قال الشافعي ﵁: (لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ حُرًّا وَلَا بَعْضًا مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنَ السَّفَرِ وَالِاكْتِسَابِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي سَيِّدٍ تَفَرَّدَ بكتابة بعض عبد، فلا يخلو حال بَاقِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حُرًّا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِشَرِيكٍ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ الَّذِي كَاتَبَهُ. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِي الْمُكَاتَبِ حُرًّا، فَالْكِتَابَةُ عَلَى الْمَرْقُوقِ مِنْهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْحُرِّيَّةُ. فَإِذَا جَازَتْ كِتَابَةُ مَنْ لَا حُرِّيَّةَ فِيهِ كَانَتْ كِتَابَةُ مَنْ فِيهِ حُرِّيَّةٌ أَجْوَزَ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ مُخْتَلِفٌ وَكَسْبَهُ مُتَبَعِّضٌ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ تَارَةً بِحَقِّ حُرِّيَّتِهِ، وَلَهُ بِقَدْرِهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَيَتَصَرَّفُ لِسَيِّدِهِ تَارَةً بِحَقِّ مِلْكِهِ، وَلَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِذَا كَاتَبَ بَاقِيهِ اسْتَكْمَلَ جَمِيعَ تَصَرُّفِهِ وَكَسْبِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَانَ بِالْكِتَابَةِ أَحَقَّ بِهِ، فَإِذَا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَمَلَ تَصَرُّفُهُ، وَجَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِسَهْمِ الرِّقَابِ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ كَمَلَ عِتْقُهُ وَتَحَرَّرَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ وَعَادَ إِلَى الرِّقِّ أَخَذَ السَّيِّدُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِ الرِّقِّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَوْ لَمْ يُكَاتِبْهُ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ مِلْكًا لِشَرِيكٍ فِيهِ، فَلَا تَخْلُو كِتَابَةُ هَذَا السَّيِّدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ. أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، لِمَا فِيهَا مِنْ دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الشَّرِيكِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ، وَجَوَّزَهَا الْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ حِصَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْحَقُ الشَّرِيكَ فِيهِ ضَرَرٌ،

стр. 8305

فَجَوَّزْنَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْكِتَابَةُ يَدْخُلُ بِهَا ضَرَرٌ عَلَيْهِ، فَمَنَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، فَفِي صِحَّةِ كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ عَلَى مَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهَا دُخُولُ الضَّرَرِ عَلَى الشَّرِيكِ، وَإِذْنُهُ رِضًا بِالضَّرَرِ فَزَالَ الْمَنْعُ وَصَحَّتِ الْكِتَابَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَكْثَرِ كُتُبِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهَا الشَّرِيكُ لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ موضع الْكِتَابَةِ أَنْ يَكْمُلَ بِهَا تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَكْمُلُ تَصَرُّفُهُ بِكِتَابَةِ بَعْضِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ لِكِتَابَتِهِ مَنَعَهُ الشَّرِيكُ مِنَ السَّفَرِ، لِرِقِّهِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ فَاسِدَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ بِكِتَابَةِ بَعْضِهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَالِ الصدقات، لأن الشريك إن يَأْخُذْ مِنْهُ بِقَدْرِ سَهْمِهِ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَهُ، فَمُنِعَ مِنْهَا حَتَّى تَكْمُلَ كِتَابَةُ جَمِيعِهِ. وَالثَّالِثُ: لِأَنَّهُ إِذَا كُوتِبَ فِي نِصْفِهِ عَلَى أَلْفٍ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا بِأَدَاءِ أَلْفَيْنِ، لِيَأْخُذَ الشَّرِيكُ مِنْهَا أَلْفًا وَالْمُكَاتَبُ أَلْفًا، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْكِتَابَةُ كَمَا لَوْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ لَفْظًا. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا عَتَقَ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ، فَعَتَقَ بِالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، فَفَسَدَتْ كَمَا لَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَدَّيْتَ مَالَ كِتَابَتِكَ فَأَنْتَ وَأَخُوكَ حُرَّانِ، كَانَتْ كِتَابَتُهُ فَاسِدَةً، لِتَعَدِّي الْعِتْقِ فِيهَا إِلَى مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِهَا، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ مِنْهَا إنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ، فَكَسْبُ الْمُكَاتَبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، لِيَأْخُذَ الشَّرِيكُ مِنْهُ بِقَدْرِ مِلْكِهِ، وَيَأْخُذَ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ بِقَدْرِ كِتَابَتِهِ لِيُؤَدِّيَهُ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ الشَّرِيكُ قَاسَمَهُ عَلَى كُلِّ كَسْبِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَإِنْ هَايَأَهُ لِيَكْتَسِبَ لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَلِلشَّرِيكِ يَوْمًا، جَازَ وَفِي وُجُوبِهَا إِذَا طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ كَمَا تَجِبُ الْقِسْمَةُ إِذَا دَعَا إِلَيْهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَأَصْلُهُ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَيْنَ نِسَائِهِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةً، وَهِيَ مُهَايَأَةٌ قَدْ أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا، وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَعْدَ الْمُهَايَأَةِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الصَّدَقَاتِ فِي أَيَّامِ نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ سَيِّدِهِ.

стр. 8306

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ حَقٍّ مُعَجَّلٍ، وتعجيل حق موخر. وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا لَمْ يَلْزَمْ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ قِسْمَةَ الشُّرَكَاءِ، لِأَنَّهُ لَا تَعْجِيلَ فِيهَا وَلَا تَأْخِيرَ. وَأَمَّا قَسْمُ الزَّوْجَاتِ، فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِفْرَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِحَقِّهَا، لَزِمَتِ الْمُهَايَأَةُ بَيْنَهُنَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، لِإِمْكَانِ الِاشْتِرَاكِ مِنْ غَيْرِ مُهَايَأَةٍ فَافْتَرَقَا فَإِذَا صَحَّ هَذَا، وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الشَّرِيكِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ لَمْ يَعْتِقْ بِهِ، لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ الْأَدَاءُ فَلَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّاهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الشَّرِيكِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ عتق منه قدر ما كوتب منه بالعتق، ثُمَّ اعْتُبِرَتْ بِحَالِ سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى بَاقِيهِ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِلشَّرِيكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى إِلَى الْبَاقِي، وَيُقَوَّمُ عَلَى الشَّرِيكِ الَّذِي كَاتَبَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ وَصَارَ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ حُرًّا بِالْأَدَاءِ وَالسِّرَايَةِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ فَلِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَيَصِيرُ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ عَبْدًا قِنًّا، وَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ لِلسَّيِّدِ الْمُكَاتَبِ دُونَ الشَّرِيكِ، لِأَنَّ الشَّرِيكَ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْكَسْبِ. فَصْلٌ وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّ كِتَابَتَهُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُبْطِلَ كِتَابَتَهُ وَيَرْفَعَهَا، فَإِنْ أَبْطَلَهَا وَرَفَعَهَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْأَدَاءِ، وَكَانَ جَمِيعُهُ مَرْقُوقًا، وَاقْتَسَمَ سَيِّدَاهُ كَسْبَهُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنَ اشْتِرَاكٍ أَوْ مُهَايَأَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ وَلَا رَفْعُهَا فَمَتَى ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّى قَدْرَ الْكِتَابَةِ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، نُظِرَ فِيمَا أَدَّاهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا أَخَذَهُ الشَّرِيكُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ عَتَقَ بِهِ، وَوَقَفَ الْعِتْقُ عَلَى قَدْرِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مُعْسِرًا، وَسَرَى إِلَى جَمِيعِهِ الْعِتْقُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَةِ مَا عَتَقَ مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ السِّرَايَةِ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ فِيهِ عَلَى كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، وَرَجَعَ الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ تَقَاصَّا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَرَادَّا، وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ لَمْ يَأْخُذِ الشَّرِيكُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ فَفِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَقُ كَمَا لَا يُعْتَقُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، لِاسْتِحْقَاقِ الشَّرِيكِ لِبَعْضِهِ، فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ الْأَدَاءُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَقُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، لِأَنَّ الصَّحِيحَةَ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ وَالْعِوَضُ الْمَدْفُوعُ يُسْتَحَقُّ فَلَمْ يَكْمُلْ بِخِلَافِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، وَإِنْ لَمْ تُمَلِّكْ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي هَذَا الثَّوْبَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ، وَكَانَ مَغْصُوبًا عَتَقَ بِهِ

стр. 8307

فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ فَكَاتَبَ نِصْفَهُ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ مَقْصُودُ الْكِتَابَةِ الْعِتْقَ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُبَعِّضَ عِتْقَ عَبْدِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعِّضَ كِتَابَتَهُ. وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كِتَابَةَ بَعْضِهِ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلًا ثَانِيًا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابَةِ شَرِيكَ غَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَرِيكَ نَفْسِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْكِتَابَةِ على حصته فكان غير تبعيض لحقه، وقادر في ملكه جميع الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يُكَاتِبَهُ بِأَسْرِهِ فَصَارَ مُبَعِّضًا لحقه فإن قلنا: تجوز كِتَابَتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَ أَنْ يُهَايِئَ الْمُكَاتَبَ عَلَى كَسْبِهِ، فَيَكْسِبَ لِنَفْسِهِ يَوْمًا يُؤَدِّيهِ فِي كِتَابَتِهِ، وَيَوْمًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ، وَجَازَ أَنْ لَا يُهَايِئَهُ وَيَكُونَ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي كَسْبِهِ فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ شَيْئًا احْتَسَبَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِنِصْفِهِ الْمُقَابِلِ، لِمَا كَاتَبَ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ النِّصْفُ الْبَاقِي لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ فِي الْمُهَايَأَةِ أَوْ مَعَ الْإِشْرَاكِ قَدْرَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، لِأَنَّ الْيَسَارَ مُعْتَبَرٌ فِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ بِتَقْوِيمِ حِصَّتِهِ إِذَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ مُوسِرٌ إِذَا مَلَّكَهَا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ إِذَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِفَسَادِ الْكِتَابَةِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُهَا وَإِبْطَالُهَا بِالْفَسَادِ، وَلَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْهَا حَتَّى أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهَا، نَظَرَ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى السَّيِّدُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ بِالْمِلْكِ عَتَقَ، وإن كان قبل أداء حقه، فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ، عَلَى مَا حَكَّاهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، فَإِذَا رَجَعَ الْعِتْقُ عَلَى حِصَّةِ الْكِتَابَةِ سَرَى إِلَى بَاقِيهِ، فَعَتَقَ جَمِيعُهُ، وَتَرَادَّا الْقِيمَةَ فِي الْأَدَاءِ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ عَنْ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، وَفِيمَا يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ الْقِيمَةِ، لِوُقُوعِ عِتْقِهِ فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَقُ بِالْكِتَابَةِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ، لِاخْتِصَاصِ السَّيِّدِ بِهِ فِي حَقِّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَاهُ مَعًا حَتَّى يَكُونَا فيه سواء وقال في كتاب الإملاء على محمد بن الحسن وإذا أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتبه فالكتابة جائزة وللذي لم يكاتبه أن يختدمه يوما ويخلى والكسب يوما فإن أبرأه مما عليه كان نصيبه حرا وقوم عليه الباقي وعتق إن كان موسراً ورق إن كان معسراً (قال

стр. 8308

المزني) الأول بقوله أولى لأنه زعم لو كانت كتابتهما فيه سواء فعجزه أحدهما فأنظره الآخر فسخت الكتابة بعد ثبوتها حتى يجتمعا على الإقامة عليها فالابتداء بذلك أولى (قال المزني) ولا يخلو من أن تكون كتابة نصيبه جائزة كبيعه إياه فلا معنى لإذن شريكه أو لا تجوز فلم جوزه بإذن من لا يملكه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَتَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ؟ قِيلَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إِلَى هَذَا، وَيُخَرِّجُ كِتَابَتَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا اجْتَمَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَقْدَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُنْفَرِدِ بِكِتَابَتِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى فَسَادِ هَذَا التَّخْرِيجِ، وَأَنَّ الْكِتَابَةَ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا جَائِزَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِكَمَالِ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ فِي كِتَابَتِهِمَا كَامِلُ التَّصَرُّفِ، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَهُوَ مِنْ كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا مَمْنُوعٌ مِنْهَا، فَافْتَرَقَا. فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَاهُ حَتَّى يَكُونَا فِيهِ سَوَاءً، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَهُمَا فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبَتُهُ عَلَى مَالٍ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، أَوْ يَتَفَاضَلَانِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: حَتَّى يَكُونَا فِيهِ سَوَاءً يَعْنِي فِي الْعَبْدِ وَلَوْ أَرَادَ الْكِتَابَةَ لَقَالَ: حَتَّى يَكُونَا فِيهَا سَوَاءً وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا ثلثه، وللآخر ثُلُثَاهُ لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُمَا لِتَفَاضُلِهِمَا وَقُوَّةِ أَحَدِهِمَا، فَصَارَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مَعْدُومًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ بِحَسْبِ الْمِلْكِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَكَاتَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَلْفٍ جَازَ، وَلَوْ كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى أَلْفٍ، وَالْآخَرُ عَلَى أَلْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ، لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَالِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَكَاتَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَلْفٍ لَمْ يَجُزْ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ عَلَى أَلْفٍ وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ عَلَى أَلْفَيْنِ جَازَ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ، لِيَكُونَ الْكَسْبُ الْمُؤَدَّى بَعْدَ الْكِتَابَةِ مُعْتَبَرًا بِاسْتِحْقَاقِهِمَا لَهُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.

стр. 8309

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ وَالْمَالِ جَمِيعًا كَمَا يَجُوزُ فِي اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ وَالثَّمَنِ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْبَيْعِ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَهُ مِنْهُ، فَجَازَ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْكِتَابَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُؤَدَّى مِنَ الْكَسْبِ الَّذِي قَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، وَالثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ يُؤَدَّى مِنْ غَيْرِهِ فَافْتَرَقَا. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ كَاتَبَاهُ جَمِيعًا بِمَا يَجُوزُ فَقَالَ: دَفَعْتُ إِلَيْكُمَا مُكَاتَبَتِي وَهِيَ أَلْفٌ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ رَجَعَ الْمُنْكِرُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ وَلَمْ يَرْجِعِ الشَّرِيكُ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ وَيَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُقِرِّ فَإِنْ أَدَّى إِلَى الْمُنْكِرِ تَمَامَ حَقِّهِ عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ نِصْفُهُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ حُرٌّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا كَاتَبَ الشَّرِيكَانِ عَبْدًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَادَّعَى الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ إِلَيْهِمَا فَإِنْ صَدَّقَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَاهُ حَلَفَا، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا وَإِلَّا عَجَّزَاهُ، وَعَادَ عَبْدًا فَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ عَتَقَتْ حِصَّةُ الْمُصَدِّقِ، وَحَلَفَ لَهُ الْمُكَذِّبُ وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ فِي حِصَّتِهِ، وَلِلْمُكَذِّبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُصَدِّقِ بِنِصْفِ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ وَهُوَ الرُّبُعُ لِوُجُوبِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْأَدَاءِ وَالْمُكَذِّبُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُصَدِّقِ بِحُصُولِ حَقِّهِ فِي يَدِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُصَدِّقِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ الْمُصَدِّقُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ الْمُنْكِرَ ظَلَمَهُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُصَدِّقِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَإِذَا أَخَذَ الْمُكَذِّبُ رُبُعَ الْكِتَابَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ رُبُعُهَا، لِأَنَّ لَهُ النِّصْفَ، فَإِنْ أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ رَقَّ، وَكَانَ نِصْفُهُ حُرًّا مَمْلُوكًا، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُصَدِّقِ وَإِنْ عَتَقَتْ حِصَّتُهُ بِالتَّصْدِيقِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يُبَرِّئُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ دَخَلٌ، لِأَنَّ فِي تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَعْتَبِرُ فِيهِ الْإِبْرَاءَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدِّقِ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لِأَنَّهُ يَسْتَدْفِعُ بِهَا ضَرَرَ اسْتِرْجَاعِ نِصْفِ مَا بِيَدِهِ فَصَارَ مَتْهُومَ الشَّهَادَةِ فردت. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا: فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَلْ دَفَعَهُ إِلَيْنَا جَمِيعًا، رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِنِصْفِ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ، وَعَتَقَ نَصِيبُهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا) .

стр. 8310

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا الْمُكَاتَبُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَنَّهُ دَفَعَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا لِيَأْخُذَ مِنْهُ النِّصْفَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ وَيَدْفَعَ إِلَى شَرِيكِهِ النِّصْفَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي تَصْدِيقِهِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولَ دَفَعْتَ ذَلِكَ إِلَيْنَا جَمِيعًا، فَعَتَقَتْ حِصَّتِي بِقَبْضِي، وَعَتَقَتْ حِصَّةُ شَرِيكِي بِإِقْبَاضِكَ لَهُ، وَيُنْكِرُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ شَيْئًا، فَتَعْتِقُ حِصَّةُ الْمُصَدِّقِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ حَقَّهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقْبَضَهُ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَقُولُ: دَفَعْتُهَا إِلَى الْمُقِرِّ لِيَدْفَعَهَا إِلَيْهِ، وَالْمُقِرُّ يَقُولُ: إِنَّمَا دَفَعَهَا الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ سَقَطَتِ الْيَمِينُ عَنْهُ، وَهُوَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُقِرِّ بِنِصْفِهِ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ بِنِصْفِهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُقِرُّ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ مِنْهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنِ اسْتَوْفَى الْمُنْكِرُ حَقَّهُ مِنْهَا أَوْ مِنَ الْمُكَاتَبِ فَقَدْ عَتَقَتْ حِصَّتُهُ وَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ كَانَ لَهُ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ فِي حِصَّتِهِ وَاسْتِرْقَاقُهَا، فَأَدَّى لَهُ مُسْتَرِقُّهَا قُوِّمَتْ عَلَى الْمُقِرِّ، وَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَاتَبِ، فَعَتَقَ كُلُّهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَقُولُ قَدْ عَتَقْتُ بِالْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُقِرُّ ظَلَمْتَنِي بِتَأْخِيرِ الْأَدَاءِ وَإِبْطَالِ الْعِتْقِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ أَيْضًا دَخَلٌ وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدِي فَرْقٌ يصح، والله أعلم. فصل والحالة الثَّانِيَةُ مِنْ حَالِ الْمُصَدِّقِ أَنْ يَقُولَ: قَبَضْتُ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَدَفَعْتُ إِلَى شَرِيكِي مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ، وَهُوَ النِّصْفُ، وَيُنْكِرُ الشَّرِيكُ قَبْضَ شَيْءٍ مِنْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَسْلِيمَ حَقِّهِ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِذَا حَلَفَ فَحِصَّةُ الْمُقِرِّ قَدْ عُتِقَتْ، وَحِصَّةُ الْمُنْكِرِ عَلَى كِتَابَتِهَا وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَهُوَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُكَاتَبِ أَوِ الْمُقِرِّ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ مُعْتَرِفٌ بِاسْتِيفَائِهَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ عَلَيْهِ، لِلتُّهْمَةِ فِي دَفْعِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِيرُ شَاهِدًا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُنْكِرُ بِكِتَابَتِهِ عَلَى الْمُقِرِّ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقِرِّ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ شَرِيكَهُ ظَلَمَهُ بِهَا، وَإِنْ رَجَعَ الْمُنْكِرَ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ كِتَابَتَهُ رَجَعَ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمُقِرِّ بِمَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنْ حِصَّةِ الشَّرِيكِ الْمُنْكِرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ صَدَّقَهُ عَلَى الدَّفْعِ أَوْ أَكْذَبَهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى الدَّفْعِ فَقَدْ فَرَّطَ فِي تَرْكِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ غَرِمَ، وَقَدْ عَتَقَ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ، وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ حِصَّةِ الْمُنْكِرِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنْكِرِ إِجْبَارُ الْمُكَاتَبِ عَلَى الرُّجُوعِ عَلَى الْمُقِرِّ لِأَنَّ رُجُوعَهُ كَسْبٌ لَهُ وَالْمُكَاتَبُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ، فَإِنْ عَجَّزَهُ وَاسْتَرَقَّهُ كَانَ لِلْمُنْكِرِ حِينَئِذٍ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُقِرِّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ذَلِكَ مَالًا لِعَبْدِهِ، فَكَانَ

стр. 8311

السَّيِّدُ أَمْلَكَ بِهِ وَبِسَائِرِ مَا فِي يَدِهِ وَلَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ عَتَقَ بِهِ وَيُقَوَّمُ بَاقِيهِ عَلَى الْمُقِرِّ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، فَيَصِيرُ الْمُقِرُّ بَعْدَ التَّعْجِيزِ غَارِمًا لِكِتَابَةِ الْحِصَّةِ وَلِقِيمَتِهَا، وَلَوْ دَفَعَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّعْجِيزِ لَمْ يَلْتَزِمْ إِلَّا مَالَ الْكِتَابَةِ وَحْدَهَا دُونَ الْقِيمَةِ وَاللَّهُ أعلم. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: (وَلَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ أَنْ يَقْبِضَ نَصِيبَهُ فَقَبَضَهُ ثُمَّ عَجَزَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ شَرِيكُهُ وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَجَمِيعُ مَا فِي يَدَيْهِ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الْكِتَابَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ عَتَقَ وَإِلَّا عَجَزَ بِالْبَاقِي وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعَجْزِ فَمَا فِي يَدَيْهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ يَرِثُ أَحَدُهُمَا بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالْآخِرُ بِقَدْرِ الْعُبُودِيَّةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَعْتِقُ وَيَكُونُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فَيُشْرِكَهُ فِيمَا قَبَضَهُ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِهِ وهو لا يملكه (قال المزني) هذا اشبه بقوله أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما في يديه موقوف ما بقي درهم فليس معناه فيما أذن له بقبضه إلا بمعنى اسبقني بقبض النصف حتى استوفي مثله فليس يستحق بالسبق ما ليس له كأنه وزن لأحدهما قبل الآخر قال في كتاب الإملاء على كتاب مالك إن ذلك جائز ويعتق نصيبه والباقي على كتابته فإن أدى فالولاء بينهما وإن عجز قوم على المعتق إن كان موسرا ورق إن كان معسرا (قال المزني) قد قال ولو أعتقه أحدهما قوم عليه الباقي إن كان موسرا وعتق كله وإلا كان الباقي مكاتبا وكذلك لو أبرأه كان كعتقه إياه (قال المزني) فهذا اشبه بقوله وأولى بأصله وبالله التوفيق) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ أَحَدَهُمَا فِي الْأَدَاءِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ عَجَّلَ إِلَى أَحَدِهِمَا مَالَ كِتَابَتِهِ، لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْجِيلُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ لَمْ تَعْتِقْ حِصَّةُ الْمُتَعَجِّلِ، وَإِنِ اسْتَأْدَى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ وَهُوَ النِّصْفُ، فَلَمْ يَكْمُلِ الْأَدَاءُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ. وَإِنْ كَانَ التَّعْجِيلُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ التَّعْجِيلَ لَا يَصِحُّ وَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُتَعَجِّلِ بِنِصْفِ مَا تَعَجَّلَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآذِنَ لَمْ يَمْلِكْ مَا أَذِنَ فِيهِ، فَكَانَ وُجُودُ إِذْنِهِ كَعَدَمِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِذْنَ بِالتَّعْجِيلِ يَجْرِي مَجْرَى السَّبْقِ فِي الْقَبْضِ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ، وَلَوْ

стр. 8312

كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا، فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنْ يَسْبِقَهُ بِقَبْضِ حَقِّهِ فَقَبَضَهُ، وَتَلِفَ الْبَاقِي كَانَ لِلشَّرِيكِ الثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّابِقِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَ، لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالسَّبْقِ مُعْتَبَرٌ بِأَنْ يَتَعَقَّبَهُ قَبْضُ الْآخَرِ، كَذَلِكَ الْإِذْنُ فِي التَّعْجِيلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ التَّعْجِيلَ صَحِيحٌ، تُعْتَقُ بِهِ حِصَّةُ الْمُتَعَجِّلِ، وَلَيْسَ لِلْآذِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآذِنَ لَمْ يَمْلِكْ مَا بِيَدِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِحَقِّ كِتَابَتِهِ، فَإِذَا أَذِنَ فِي التَّقْدِيمِ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْحَجْرِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ وَجَرَى مَجْرَى الْبَائِعِ يَسْتَحِقُّ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ، فَإِذَا سَلَّمَهُ سَقَطَ حَقُّهُ فِي احْتِبَاسِهِ، وَكَالْمُرْتَهِنِ فِي احْتِبَاسِ الرَّهْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ إِذْنَهُ بِالتَّعْجِيلِ كَالْهِبَةِ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فِيمَا أَذِنَ. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّعْجِيلَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَذِنَ بِهِ الشَّرِيكُ، فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ مَا تَعَجَّلَهُ شَرِيكُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُكَاتَبِ مِثْلُهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى الشَّرِيكِ الْآذِنِ اسْتَقَرَّ التَّعْجِيلُ الْأَوَّلُ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ لِأَدَائِهِ مَالَ كِتَابَتِهِ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ غَيْرُ مَا عَجَّلَهُ كَانَ لِلْآذِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعَجَّلِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، فَإِذَا رَجَعَ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَقَّهُ، فَإِنْ وَفَّاهُمَا عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ اسْتَرَقَّاهُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ التَّعْجِيلَ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْآذِنِ فِيهِ، فَقَدْ عَتَقَتْ حِصَّةُ الْمُتَعَجِّلِ، وَفِي سِرَايَةِ عِتْقِهِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَسْرِي، وَيَكُونُ بَاقِيهِ عَلَى كِتَابَتِهِ إِنْ أَدَّاهَا إِلَى شَرِيكِهِ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا رَقَّ، وَكَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُتَعَجِّلِ وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا لِلْآذِنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسِرْ عِتْقُهُ، لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ الَّذِي اشتركا فيه. القول الثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُ يَسْرِي فِي بَاقِيهِ إِنْ كَانَ الْمُتَعَجِّلُ مُوسِرًا لِقِيمَتِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا عَتَقَ بِهِ، فَعَلَى هَذَا فِي زَمَانِ سِرَايَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْرِي لِوَقْتِهِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ فِي الْحَالِ، وَيُؤْخَذُ بِقِيمَتِهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ دُونَ التَّعْجِيلِ، وَإِنَّمَا تَعَجَّلَ الْعِتْقَ بِالسِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِسَبَبَيْنِ رُوعِيَ أَعْجَلُهُمَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَعَلَى هَذَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِالتَّقْوِيمِ، لِيَعُودَ رَقِيقًا مُقَوَّمًا وَفِيمَا يُعْتَقُ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ لِلْمُتَعَجِّلِ بِالْأَدَاءِ وَالتَّقْوِيمِ وَيَرْجِعُ الْآذِنُ

стр. 8313

عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا فِي يَدِهِ، فَيَأْخُذُهُ إِنْ كَانَ مِثْلَ مَا تَعَجَّلَ شَرِيكُهُ لِيُسَاوِيهِ فِيمَا أَخَذَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ التَّعْجِيلِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ بَيْنَ الْآذِنِ بِحَقِّ رِقِّهِ، وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ بِحَقِّ عِتْقِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السِّرَايَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ أَدَاءِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّ لِلْآذِنِ فِيهِ عَقْدٌ قَدْ تَقَدَّمَ، يَسْتَحِقُّ بِهِ مَالًا وَوَلَاءً فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوَّتَ عَلَيْهِ، فعلى هذا للمكاتب ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُؤَدِّيَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْجِزَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُمَا. فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ بَاقِيهِ بِالْأَدَاءِ، وَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ أَدَائِهِ مِلْكٌ لَهُ، لَا حَقَّ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِنْ عَجَزَ وَقَعَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى تَعْجِيزِ الشَّرِيكِ الْآذِنِ لِمَا تَعَلَّقَ بِعِتْقِهِ مِنْ حَقِّ الشَّرِيكِ الْمُتَعَجِّلِ، وَيَسْتَقِرُّ الْفَسْخُ بِالتَّقْوِيمِ، وَيَقَعُ الْعِتْقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ مَا بِيَدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الْآذِنُ مِثْلَ مَا أَخَذَهُ الْمُتَعَجِّلُ، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ مَاتَ عَبْدًا، وَكَانَ نِصْفُ مَا بِيَدِهِ لِلشَّرِيكِ الْآذِنِ بِحَقِّ رِقِّهِ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِلشَّرِيكِ الْآذِنِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ مَنْ لَمْ تَكْمُلْ حُرِّيَّتُهُ لَمْ يُورَثْ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، أَنَّهُ يُورَثُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ مُنَاسِبٌ كَانَ الْمَالُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُنَاسِبٌ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مِيرَاثًا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَكُونُ لِوَارِثِهِ بَحُرِّيَّتِهِ، وَلَا لِمَالِكِ رِقِّهِ. وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّعْجِيلِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ مِنْ إِبْطَالِهِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا يُفِيدُ تَوْجِيهَ الْقَوْلِ الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ فَأَبْرَأَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مِنْ حِصَّتِهِ عَتَقَ نَصِيبُهُ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ وَلَا أُقَوِّمُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِغَيْرِهِ وَأُعْتِقُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ رِقِّهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ رِقٌّ فَعَجَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ يُقَوَّمُ عليه إذا عجز وكان له ولاؤه كله لأن الكتابة الأولى بطلت واعتق هذا ملكه (قال المزني) ﵀: الأول بمعناه أشبه

стр. 8314

بأصله إذ زعم انه إذا أبرأه من قدر حقه من دراهم الكتابة عتق نصيبه بمعنى عقد الأب لم يجز أن يزيل ما ثبت وإذ زعم انه إن عجز فيه فقد بطلت الكتابة الأولى فينبغي أن يبطل عتق النصيب بالإبراء من قدر النصيب لأن الأب لم يعتقه إلا بأداء الجميع فكأن الأب أبرأه من جميع الكتابة ولا عتق بإبرائه من بعض الكتابة) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ مَضَتْ فِي سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إِذَا مَاتَ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا حِصَّتَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي إِبْرَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ حِصَّتِهِ، وَالْإِبْرَاءُ وَالْعِتْقُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْعِتْقَ مُوجِبٌ لِلْإِبْرَاءِ، وَالْإِبْرَاءَ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْإِطَالَةِ بِالْإِعَادَةِ، وَتَكَلَّمَ الْمُزَنِيُّ بَعْدَهُ كَلَامًا أَطَالَهُ فِي نُصْرَةِ مَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ، وَحَذْفُ الْجَوَابِ عَمَّا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَخْصَرُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 8315

باب في ولد المكاتبة مسألة قال الشافعي ﵀: (وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ مَوْقُوفٌ فَإِذَا أَدَّتْ فَعَتَقَتْ عَتَقُوا وَإِنْ عَجَزَتْ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْأَدَاءِ رَقُّوا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُكَاتَبَةٍ ذَاتِ وَلَدٍ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَلِدَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا، لَا يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ بِحَالٍ، لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ سَيِّدِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا لَحِقَ بِهِ، وَكَانَ حُرًّا، وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَهِيَ عَلَى كِتَابَتِهَا بَعْدَ وِلَادَتِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، ثُمَّ أولدها وكان عِتْقُهَا بِالصِّفَةِ بَاقِيًا، وَإِنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَلَّقَ عِتْقُهَا بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْأَدَاءُ. وَالْآخَرُ: مَوْتُ السَّيِّدِ. فَأَيُّهُمَا تَعَجَّلَ وَقَعَ بِهِ الْعِتْقُ، فَإِنْ تَعَجَّلَ الْأَدَاءَ عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ، وَإِنْ تَعَجَّلَ مَوْتَ السَّيِّدِ عَتَقَتْ بِالْوِلَادَةِ. فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى فَهُوَ مَمْلُوكٌ مِثْلُهَا، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَرْفَعْ رِقَّهَا، وَلَا يَكُونُ مِلْكًا لَهَا وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِلْكًا لَهُ، لِأَنَّ وَلَدَ الْمَمْلُوكَةِ لِمَالِكِ الْأُمِّ، وَالْمُكَاتَبُ مَالِكٌ لِأُمِّ وَلَدِهِ، فَصَارَ مَالِكًا لِوَلَدِهِ، وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا، فَلَمْ تَمْلِكْ وَلَدَهَا، وَإِذَا لَمْ تَمْلِكْ وَلَدَهَا فَهُوَ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِأُمِّهِ، فَصَارَ مَالِكًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ مَالِكًا لَهُ فَهَلْ يَكُونُ تَبَعًا لِأُمِّهِ أَمْ لَا؟ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ تَبَعًا فِي الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، فَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْقَابِلِ لَا يَتَعَدَّاهُ، وَخَالَفَ وَلَدُ الْمُدَبَّرةِ، حَيْثُ صَارَ تَبَعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَسْرِيَ إِلَى الْوَلَدِ كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ولد

стр. 8316

الْمُكَاتَبَةِ تَبَعًا لَهَا فِي الْكِتَابَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فِي العتق حتى يعتق بعتقها فيرق بِرِقِّهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ أَنَّهُ يَكُونُ تَبَعًا لِأُمِّهِ، يُعْتَقُ إِنْ عُتِقَتْ، وَيَرِقُّ إِنْ رَقَّتْ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَمَّا كَانَ تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُرِّيَّتُهُ وَرِقُّهُ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ تَبَعًا لَهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ لَمَّا كَانَ تَبَعًا لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لَهَا فِي أَسْبَابِ الْعِتْقِ، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهَا. وَيَكُونُ مِلْكًا قِنًّا لِلسَّيِّدِ، سَوَاءٌ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ، أَوْ رَقَّتْ بِالْعَجْزِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَهَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَهَا فِي الْعِتْقِ الْحَادِثِ عَنِ الْكِتَابَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَمَّا كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَالْفَسْخِ لَمْ يَنْتَشِرْ حُكْمُهُ إِلَى الْوَلَدِ، كَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ، وَخَالَفَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَخَالَفَ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَأَوْلَادُ الْآدِمِيَّاتِ يَنْقَسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: وَلَدُ الْحُرَّةِ حُرٌّ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ الْقَنِّ عَبْدٌ، وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهَا، وَوَلَدُ الْمُدَبَّرةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ فِي كَوْنِهِمْ تَبَعًا على قولين. مسألة قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ جُنِيَ عَلَى وَلَدِهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لِلسَّيِّدِ قِيمَتُهُ وَمَا كَانَ لَهُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ وَلَدَهَا وَيُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِنَفَقَتِهِ وَإِنِ اكْتَسَبَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَوَقَفَ الْبَاقِي، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِتْقِ أُمِّهِ كَانَ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ عَتَقَ بِعِتْقِهَا كَانَ مَالُهُ لَهُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ جَازَ عِتْقُهُ وَإِنْ أَعْتَقَ ابْنَ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَإِنَّمَا فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَمْلِكُ وَلَدَهَا وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُهَا وَالْمُكَاتَبُ يَمْلِكُ وَلَدَهُ مِنْ أَمَتِهِ لَوْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ رِقٌّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ أُمَّهُمْ أَحَقُّ بِمَا مَلَكُوا تَسْتَعِينُ بِهِ لِأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُهُمَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْآخَرُ أَشْبَهُهُمَا بقوله إذا كانوا يعتقون بعتقها فهم أولى بحكمها ومما يثبت ذلك أيضا قوله: لو وطئ ابنة مكاتبته أو أمها كان عليه مهر مثلها وهذا يقضي لما وصفت من معنى ولدها) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلَانِ فِي وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، هَلْ يَكُونُ عَبْدًا لِلسَّيِّدِ أَوْ تَبَعًا لِأُمِّهِ؟ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ عَبْدًا تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فِي كَسْبِهِ، وَنَفَقَتِهِ وَعِتْقِهِ، وَالْجِنَايَةِ

стр. 8317

عليه، سائر أَحْكَامِهِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ وَأَحْكَامُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِمَا سَنَذْكُرُهُ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: نَفْسٌ وَطَرَفٌ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ فَضَرْبَانِ: خَطَأٌ يُوجِبُ الْمَالَ وَعَمْدٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ خَطَأً تُوجِبُ الْمَالَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ، لِأَنَّهُ قُتِلَ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ تَبَعًا، وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيمَتَهُ لِأُمِّهِ تَسْتَعِينُ بِهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَا تَكُونُ لِسَيِّدِهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ المزني ووجهه شيئان: أحدها: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ تَبَعًا لَهَا يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا كَانَتْ أَوْلَى بِقِيمَتِهِ مِنَ السَّيِّدِ الَّذِي لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ لَوْ قُتِلَ تَكُونُ لِلْمُكَاتَبِ دُونَ السَّيِّدِ كَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا قُتِلَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ قِيمَةَ الْوَلَدِ تَكُونُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْأُمِّ وَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لما كانت قيمتها للسيد لو قتل، كَانَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ لَهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْأُمِّ، فَكَانَ بِقِيمَتِهِ أَحَقَّ مِنَ الْأُمِّ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقْنَا بَيْنَ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ وَوَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ وَلَدَهُ وَالْمُكَاتَبَةَ لَا تَمْلِكُ وَلَدَهَا وَاحْتِجَاجُ الْمُزَنِيِّ بِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ لَا يُوجِبُ أَنْ تَخْتَصَّ بِقِيمَتِهِ، لِأَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا، وَلَا تَمْلِكُ قِيمَتَهُ إِنْ قُتِلَ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَإِنْ جَعَلْنَا قِيمَتَهُ فِي الْخَطَأِ لِلسَّيِّدِ، فَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مَرْدُودٌ إِلَى خِيَارِ السَّيِّدِ، فَإِنِ اقْتَصَّ أَوْ عَفَا فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْأُمِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلْنَا قِيمَتَهُ لِلْأُمِّ، فَإِنِ اقْتَصَّتْ كَانَ لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ بَيْعُهَا، وَإِنْ عَفَتْ عَنْهُ إِلَى الْمَالِ كَانَ لَهَا، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا وَإِنْ عَفَتْ عَنْهُ كَانَ فِي صِحَّةِ عَفْوِهَا قَوْلَانِ، مِنَ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ: هَلْ يُوجِبُ الْقَوَدَ وَحْدَهُ، أَوْ يُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ، وَلَا يُوجِبُ الْمَالَ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ كَانَ عَفْوُ الْأُمِّ عَنْهُ جَائِزًا، أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْقَوَدِ، فَيُمْنَعُ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَالْمَالُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْأُمِّ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى تَمَلُّكِهِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهَا عَنْهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ قَدْ مَلَكَ الْحَجْرَ عَلَيْهَا فِيهِ، وَفِي صِحَّةِ عَفْوِهَا بِإِذْنِهِ قَوْلَانِ كَالْهِبَةِ.

стр. 8318

وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ فِي طَرَفٍ فَهِيَ ضَرْبَانِ أَيْضًا عَمْدٌ وَخَطَأٌ. فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً يُوجِبُ الْمَالَ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَرْشَ فِيهَا لِلسَّيِّدِ. وَالثَّانِي: لِلْأُمِّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوَلَدِ، فَإِنْ عَتَقَ بِعِتْقِ أُمِّهِ كَانَ الْأَرْشُ لَهُ، وَإِنْ رَقَّ بِرِقِّهَا كَانَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا يُوجِبُ الْقَوَدَ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ فِي الْخَطَأِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلسَّيِّدِ كَانَ الْقَوَدُ فِي طَرَفِهِ مْسُتَحَقًّا لِلْأُمِّ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى عِتْقِ الْوَلَدِ وَرِقِّهِ فَلَا حَقَّ لِلْأُمِّ فِي الْقَوَدِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالسَّيِّدِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَاهُ، وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ إِنْ تَفَرَّدَ بِهِ الْوَلَدُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلسَّيِّدِ إِنْ رَقَّ، وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ السَّيِّدُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَلَدِ إِنْ عَتَقَ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ أَحَدُهُمَا مِنَ التَّفَرُّدِ بِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ أَوْ تَسْتَقِرَّ أُمُّ الْوَلَدِ عَلَى عِتْقٍ فَيَكُونَ الْقَوَدَ لَهُ أَوْ عَلَى رِقٍّ فَيَكُونَ لِسَيِّدِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَالْفَصْلُ الثَّانِي: مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَدِ فِي كَسْبِهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاكْتِسَابِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: إِنَّ كَسْبَ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فِي الْعِتْقِ، يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا فَكَانَ كَسْبُهُ مِثْلَ كَسْبِهَا، وَيَكُونُ لِلْأُمِّ أَنْ تَتَمَلَّكَ أَكْسَابَهُ لِوَقْتِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ كَسْبَهُ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ وَالْأُمُّ إِنَّمَا مَلَكَتْ أَكْسَابَ نَفْسِهَا بِالْعَقْدِ، وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لَهَا فِي الْعِتْقِ دُونَ الْعَقْدِ، فَخَرَجَتْ أَكْسَابُهُ عَنِ الْعَقْدِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَمَلَّكَ أَكْسَابَهُ لِوَقْتِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنْ أَكْسَابَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى عِتْقِهِ وَرِقِّهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِأَكْسَابِهِ، وَتَرَدَّدُ حَالُهُ بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ فَيَمْلِكَهَا، أَوْ يَرِقَّ فَتَكُونَ لِسَيِّدِهِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ وَقْفُهَا حَتَّى تَسْتَقِرَّ حَالُهُ عَلَى أَحَدِ أَمَرَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ عَتَقَتِ الْأُمُّ بِمَا أَدَّتْهُ مِنْ كَسْبِهَا مَلَكَ الْوَلَدُ أَكْسَابَ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَتَقَ بِعِتْقِ أُمِّهِ، وَإِنْ رَقَّتِ الْأُمُّ بِالْعَجْزِ وَلَمْ يَكُنْ فِي كَسْبِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالْأَدَاءِ مَلَكَ السَّيِّدُ أَكْسَابَ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ قَدْ رَقَّ بِرِقِّ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي كَسْبِ الْوَلَدِ حِينَ عَجَزَتْ وَفَاءٌ بِمَالِ كِتَابَتِهَا، فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ عِنْدَ وَقْفِهِ لِيَتَحَرَّرَ عِتْقُهَا بِأَدَائِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّهُ، لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالسَّيِّدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْأُمِّ فِيهِ حَقٌّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَسْتَحِقُّهُ فِي تَحْرِيرِ عِتْقِهَا، لِأَنَّهُ وَقْفٌ طَلَبًا لِحَظِّ الْوَلَدِ إِنْ أُعْتِقَ، فَإِذَا أَخَذَتْهُ الْأُمُّ فَمُعْتَقٌ كَانَ أَحْظَّ لِلْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ السَّيِّدُ فيرق.

стр. 8319

فَأَمَّا إِنْ مَاتَ هَذَا الْوَلَدُ، وَكَسْبُهُ مَوْقُوفٌ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ، أَوْ يَرِقَّ فَفِي مُسْتَحِقِّ كَسْبِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مُسْتَحِقِّ قِيمَتِهِ، لَوْ قُتِلَ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِأُمِّهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ قِيمَتَهُ لَهَا. وَالثَّانِي: لِسَيِّدِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ قِيمَتَهُ لَهُ. فَصْلٌ وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَدِ فِي نَفَقَتِهِ، وَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُكْتَسِبًا، فَتَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ، لِأَنَّ لِلْمُكْتَسِبِ مَا فَضَلَ عَنْهَا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ، فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِمُسْتَحِقِّ كَسْبِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّهُ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ قِيلَ: يَكُونُ مَوْقُوفًا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ، لِكَوْنِهِ عَلَى مِلْكِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي سَهْمِ الْمَصَالِحِ، لِأَنَّهُ مِنْهَا وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ كَانَتْ مَؤُونَتُهُ وَدَفْنُهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. فَصْلٌ وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَدِ أَنْ يُعْتِقَهُ السَّيِّدُ وَعِتْقُهُ مُعْتَبَرٌ بِأَيِّهِمَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ كَسْبَهُ لِلْأُمِّ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ السَّيِّدِ لِمَا فِي عِتْقِهِ مِنْ تَفْوِيتِ كَسْبِهِ عَلَيْهَا. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ كَسْبَهُ لِلسَّيِّدِ نَفَذَ عِتْقُهُ، كَعِتْقِ غَيْرِهِ مِنْ عَبِيدِهِ، وَإِنْ قِيلَ: كَسْبُهُ مَوْقُوفٌ، فَفِي نُفُوذِ عِتْقِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي عَجْزِ الْأُمِّ هَلْ تَسْتَحِقُّ إِتْمَامَ كِتَابَتِهَا بِكَسْبِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَهَا إِتْمَامُ كِتَابَتِهَا بِكَسْبِهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ السَّيِّدِ، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ نَفَذَ عِتْقُ السَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ السَّيِّدُ كَانَتْ كِتَابَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نُفُوذِ عِتْقِهِ تَصِحُّ إِنْ جَازَ عِتْقُهُ وَتَبْطُلُ إِنْ رُدَّ عِتْقُهُ، فَإِذَا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ عَتَقَ بِأَسْبَقِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَدَائِهِ وَأَدَاءِ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ إِذَا أُعْتِقَ بِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَ أَنْ يَتَحَرَّرَ عِتْقُهُ إِذَا اجْتَمَعَا بِوُجُودِ أَسْبَقِهِمَا، فَإِنْ سَبَقَ أَدَاؤُهُ عَلَى أَدَاءِ أُمِّهِ عَتَقَ بِأَدَائِهِ عَنْ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ سَبَقَ أَدَاءُ أُمِّهِ عَلَى أَدَائِهِ عَتَقَ بِأَدَاءِ أَمِّهِ تَبَعًا، وَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ بِعِتْقِهِ. فَصْلٌ وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَدِ أَنْ تَكُونَ بِنْتًا فَيَطَؤُهَا السَّيِّدُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِعُلُوقِهِ حُرًّا، لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَقَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَهِيَ عَلَى كِتَابَتِهَا تُعْتَقُ بِأَعْجَلِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَدَائِهَا أَوْ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْكَسْبِ فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: لَا مَهْرَ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْكَسْبَ لَهُ.

стр. 8320

وَالثَّانِي: عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِلْأُمِّ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْكَسْبَ لِلْأُمِّ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهَا، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا. وَالثَّالِثُ: يُوقَفُ مَهْرُ مِثْلِهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْكَسْبَ مَوْقُوفٌ، فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّةِ وَقْفِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ بَعْدَ قَبْضِهِ مِنَ السَّيِّدِ. وَالثَّانِي: يُوقَفُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ، وَهُوَ عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْءِ هَذَا الْوَلَدِ إِذَا جُعِلَ تَبَعًا لِأُمِّهِ سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ، لِقُصُورِ مِلْكِهِ، وَلِمَصِيرِهِ فِي حُكْمِ أُمِّهِ. فَأَمَّا ولد وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَدُ الْبَنَاتِ كَالْبَنَاتِ، وَوَلَدُ الْبَنِينَ كَالْأُمَّهَاتِ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ تَبَعٌ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَوَلَدُ الِابْنِ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَلِذَلِكَ صَارَ وَلَدُ الْبَنَاتِ كَالْبَنَاتِ، وَوَلَدُ الْبَنِينَ كالأمهات. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ فَإِنْ وَطِئَهَا طَائِعَةً فَلَا حَدَّ وَيُعَزَّرَانِ وَإِنْ أَكْرَهْهَا فَلَهَا مهر مثلها (قال المزني) ويعزر فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَيْسَ لِلسَّيِّدِ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ، لِأَنَّهَا بِالْكِتَابَةِ خَارِجَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ، وَمَالِكَةٌ لِتَصَرُّفِ نَفْسِهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرةَ، لِبَقَائِهَا عَلَى تَصَرُّفِ السَّيِّدِ، فَجَازَ لَهُ وَطْؤُهَا. فَإِنْ وَطِئَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَتَهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ بَقَاءَ رِقِّهِ عَلَيْهَا مِنْ أَقْوَى الشُّبَهِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُمَا، سَوَاءٌ عَلِمَا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ لَمْ يَعْلَمَا، لَكِنْ إِنْ عَلِمَا بِالتَّحْرِيمِ عُزِّرَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا لَمْ يُعَزَّرَا، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَهُ الْآخَرُ عُزِّرَ الْعَالِمُ مِنْهُمَا دُونَ الْجَاهِلِ، وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لأنه قَدْ مَلَكَتْ بِالْكِتَابَةِ كَسْبَهَا، وَالْمَهْرُ كَسْبٌ فَيُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ وَيَتَقَاصَّا بِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا، وَلَا يَتَقَاصَّا بِهِ إِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ. فَإِنْ أَحْبَلَهَا كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا لَاحِقًا بِهِ، لِبَقَاءِ رِقِّهِ عَلَيْهَا، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِوَلَدِهَا لِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ عُلُوقِهِ، لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي كِتَابَتِهَا، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بِأَعْجَلِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَدَائِهَا أَوْ مَوْتِهِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ: إِنْ أَكْرَهْهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، فَكَانَ دَلِيلُهُ: أَنَّهَا إِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَا مهر فَفَرَّقَ الْمُزَنِيُّ فِي مَهْرِ الْكِتَابَةِ بَيْنَ الْمُكْرَهَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ. وَحَكَى الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ (الْأُمِّ) عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا طَائِعَةً أَوْ كارهة

стр. 8321

وَإِنَّمَا فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الطَّائِعَةِ وَالْكَارِهَةِ فِي التَّعْزِيرِ، فَجَعَلَهُ الْمُزَنِيُّ فَرْقًا بَيْنَهُمَا فِي الْمَهْرِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا خَرَّجَهُ الْمُزَنِيُّ فِي الْمَهْرِ مِنَ الْغِرَّةِ بَيْنَ الطَّائِعَةِ وَالْكَارِهَةِ فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَانِيًا وَأَجْرَاهُ مَجْرَى الرَّاهِنِ إِذَا أُذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ، أَنَّ الْمَهْرَ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الطَّائِعَةَ آذِنَةٌ فِي الْإِصَابَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَامْتَنَعَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُزَنِيُّ، وَسَوَّوْا فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ بَيْنَ الطَّائِعَةِ وَالْكَارِهَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ الطَّائِعَةِ وَالْكَارِهَةِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْإِصَابَةِ لِلطَّائِعَةِ وَالْكَارِهَةِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْمَهْرِ فِي الْمُطَاوَعَةِ وَالْإِكْرَاهِ فَأَصَابَهَا مِرَارًا نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ غُرْمِ الْمَهْرِ فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَثُرَتِ الْإِصَابَةُ لِتَدَاخُلِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ غُرْمِ الْمَهْرِ بِالْإِصَابَةِ الْأَوْلَى فَعَلَيْهِ مَهْرٌ ثَانٍ بِمَا تَجَدَّدَ مِنَ الْإِصَابَةِ بَعْدَ الْغُرْمِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. وَمِثَالُهُ: السَّارِقُ إِذَا تَكَرَّرَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَطْعِ السَّرِقَةِ الْأَوْلَى قُطِعَ لِلثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ لِلْأَوْلَى قُطِعَ قَطْعًا وَاحِدًا لِلْأَوْلَى والثانية. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا فَقَالَتْ وَلَدْتُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَقَالَ السَّيِّدُ بَلْ قَبْلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَرْقُوقٌ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَالَتِ الْمُكَاتَبَةُ: وَلَدْتُ وَلَدِي هَذَا بَعْدَ كِتَابَتِي، فَهُوَ تَبَعٌ لِي يُعْتَقُ بِعِتْقِي، وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ وَلَدْتِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَهُوَ عَبْدِي وَاحْتُمِلَ مَا قَالَاهُ وَعُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَهُ الرِّقُّ، فَلَمْ يَزَلْ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ حُرِّرَ فِي وَقْتِ الْكِتَابَةِ دُونَ الْوِلَادَةِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِهَا، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهَا فَكَانَ حُكْمُ الْيَقِينِ أَوْلَى مِنْ حُكْمِ الشَّكِّ، فَإِنْ حَلَفَ السَّيِّدُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ كَانَ الْوَلَدُ خَارِجًا مِنْ حُكْمِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ عَبْدٌ لِسَيِّدِهِ، لَا يُعْتَقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْأُمِّ وَصَارَ تَبَعًا لَهَا إِذَا حَلَفَتْ، وَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ الْيَمِينِ فَفِي رَدِّهَا عَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ تَبَعًا لِأُمِّهِ إِنْ حَلَفَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُرَدُّ لِخُرُوجِهِ مِنَ اخْتِلَافِهِمَا وَبِجَهْلِهِ بِكِتَابَتِهَا، ويحكم بقول السيد عن نُكُولِ الْأُمِّ وَيَكُونُ عَبْدًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8322

مسألة قال الشافعي ﵁: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وَلَكِنْ حُمِلَ اخْتِلَافُهُمَا عَلَى عُمُومِ ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ مِنْ حُرَّةٍ حُرٌّ، لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَوَلَدُهُ مِنْ أَمَةِ السَّيِّدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الِاخْتِلَافُ فِيهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ مِلْكٌ لَهُ يُعْتَقْ بِعِتْقِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي السَّيِّدِ، إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ، ثُمَّ كَاتَبَ الْعَبْدَ وَبَاعَ عَلَيْهِ زَوْجَتَهُ، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا بِابْتِيَاعِهِ، وَيَكُونُ أَوْلَادُهُ قَبْلَ الِابْتِيَاعِ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، وَبَعْدَ الِابْتِيَاعِ مِلْكًا لَهُ يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهِ فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَلَدِ فَقَالَ السَّيِّدُ: وَلَدَتْهُ قَبْلَ الِابْتِيَاعِ فهو عبدي، وقال المكاتب: بلد وَلَدَتْهُ بَعْدَ الِابْتِيَاعِ فَهُوَ مِلْكِي، وَيُعْتَقُ بِعِتْقِي، وَأُمْكِنَ مَا قَالَا، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَبَيِّنَةُ الْمُكَاتَبِ شَاهِدَانِ لَا غَيْرَ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتِ عِتْقٍ، وَبَيِّنَةُ السَّيِّدِ شَاهِدَانِ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتِ مِلْكٍ، فَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ دُونَ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ مِلْكًا وَلَهُ عَلَيْهِ يَدٌ، فَصَارَ بِيَدِهِ أَقْوَى مِنَ السَّيِّدِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ حَيْثُ جَعَلْنَا الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ جَعَلْنَا الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَمْلِكُ وَلَدَهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهَا عَلَيْهِ تَأْثِيرٌ، وَالْمُكَاتَبُ يَمْلِكُ وَلَدَهُ فَكَانَ لِيَدِهِ عَلَيْهِ تَأْثِيرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8323

بَابُ الْمُكَاتَبَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا أَوْ كلاهما مسألة قال الشافعي ﵁: (وَإِذَا وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَحْبَلْ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا يُدْفَعُ إِلَيْهَا فَإِنْ عَجَزَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ كَانَ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْهَا نِصْفُهُ مِنْ شَرِيكِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطَأَهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ وَطْءُ الْمُشْتَرَكَةِ إِذَا كَانَتْ أَمَةً، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ إِذَا كَانَتْ مُكَاتَبَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا كَانَتْ لِوَاحِدٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً، فَإِنْ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا، لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فِيهَا، لَكِنْ يُعَزَّرُ مِنْهُمَا مَنْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا يُعَزَّرُ مَنْ جَهِلَ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهَا مَالُ الْكِتَابَةِ تَعَجَّلَتْ مَهْرَهَا مِنَ الْوَاطِئِ، فَإِذَا حَلَّ عَلَيْهَا مَالُ الْكِتَابَةِ فَأَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ عَجَزَتْ رَقَّتْ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ قَدْ حَلَّ عِنْدَ وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى الْوَاطِئِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مِثْلُهُ دَفَعَتْهُ إِلَى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَطَأْ وَكَانَ الْمَهْرُ قِصَاصًا مِنْ حَقِّ الْوَاطِئِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا غَيْرُهُ أَخَذَتْ مِنَ الْوَاطِئِ نِصْفَ مَهْرِهَا، وَدَفَعَتْهُ إِلَى الَّذِي لَمْ يَطَأْ، وَكَانَ النِّصْفُ الْآخَرُ قِصَاصًا مِنْ حَقِّ الْوَاطِئِ لِيَتَسَاوَى الشَّرِيكَانِ فِيهِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ بَاقِيًا عَلَى الْوَاطِئِ بِحَالِهِ حَتَّى عَجَزَتْ وَرَقَّتْ، نَظَرَتْ فَإِنْ كَانَ بِيَدِهَا بَعْدَ الْعَجْزِ مِثْلُ الْمَهْرِ أَخَذَهُ مِنْهَا الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَطَأْ، وَبَرِئَ الْوَاطِئُ مِنَ الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مِنْ حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهَا بَعْدَ الْعَجْزِ شَيْءٌ بَرِئَ الْوَاطِئُ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسُوقَ نِصْفَهُ إلى الشريك ليستويا فيه. مسألة قال الشافعي ﵁: (فإن حبلت وَلَمْ تَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ فَاخْتَارَتِ الْعَجْزَ أَوْ مَاتَ الْوَاطِئُ فَإِنَّ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْ نِصْفَ الْمَهْرِ وَنِصْفَ قِيمَتِهَا عَلَى الْوَاطِئِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَيَنْبَغِي أن تكون حرة بمؤته) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا وَطِئَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَأَحْبَلَهَا، وَلَمْ تَدَّعِ

стр. 8324

اسْتِبْرَاءَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَسُقُوطِ الْحَدِّ فِرَاشًا، وَيَكُونُ نِصْفُهَا لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهَا بِحَالِهَا، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُحْبِلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسِرِ الْإِحْبَالُ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَلَمْ تُقَوَّمْ عَلَيْهِ، وَرُوعِيَ مَا يَكُونُ مِنْ أَدَائِهَا، فَإِنْ أَدَّتْ إِلَيْهَا عَتَقَتْ، وَكَانَ عِتْقُهَا مُتَحَرِّرًا بِالْكِتَابَةِ، وَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ وَإِنْ عَجَزَتْ عَادَتْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ رَقِيقًا، وَصَارَتْ حِصَّةُ الْمُحْبِلِ أُمَّ وَلَدٍ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يُقَوَّمُ بَاقِيهَا فِي تَرِكَتِهِ، بَلْ تَكُونُ عَلَى رِقِّ شَرِيكِهِ، فَلَوْ مَاتَ هَذَا الْمُحْبِلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَعَجْزِهَا عَتَقَتْ حِصَّةُ الْمُحْبِلِ، وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ فِيهَا، وَكَانَ بَاقِيهَا عَلَى كِتَابَتِهِ، وَلِوَارِثِ الْمُحْبِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا بِيَدِهَا وَقْتَ مَوْتِهِ، فَأَمَّا الْوَلَدُ مَعَ إِعْسَارِ الْأَبِ فَنَصِفُهُ حُرٌّ، لِأَنَّهُ قُدِّرَ حِصَّتُهُ مِنْهُ، وَفِي تَقْوِيمِ نِصْفِ الْبَاقِي عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلِكِ، وَيَصِيرُ جَمِيعُ الْوَلَدِ حُرًّا لِوَقْتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، كَمَا لَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْأُمُّ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا لِلشَّرِيكِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ تَبَعًا لِأُمِّهِ وَيَعْتِقُ إِنْ عَتَقَتْ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُحْبِلِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا. فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُحْبِلِ مُوسِرًا لَزِمَ تَقْوِيمُ الْبَاقِي عَلَيْهِ، وَسَرَى حُكْمُ الْإِيلَادِ إِلَيْهِ، وَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَوْ يَكُونُ تَقْوِيمُهُ موقوفاً على عجزها؟ على قولين: أحدهما: أنها تقوم في الحال، تغليباً للإيلاد على الكتابة، لِلُزُومِ حُكْمِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ تَقْوِيمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَجْزِ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْإِيلَادِ، لتقدمه فإن قلنا بتقويمها في الحال فبلت كتابتها في حصة الشريك، لزوال مِلْكِهِ بِالتَّقْوِيمِ وَكَانَتِ الْكِتَابَةُ فِي حِصَّةِ الْمُحْبِلِ بَاقِيَةً، لِأَنَّهُ لَا يَتَنَافَى اجْتِمَاعُ الْكِتَابَةِ وَالْإِيلَادِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَدَّتْ كِتَابَتَهَا فِي حِصَّةِ المحبل عتقت وَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَ بَعْضِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ بَطَلَتْ كِتَابَتُهَا، وَصَارَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ. فَأَمَّا الْوَلَدُ عَلَى هَذَا فقد كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا بِالْمِلْكِ، وَصَارَ بَاقِيهِ حُرًّا بِالسِّرَايَةِ وَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِلشِّرْكِ أَمْ لَا. مُعْتَبِرٌ بِحَالِ وَضْعِهِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ تَضَعَهُ قَبْلَ دَفْعِ القيمة أو بعدها. فَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الشَّرِيكِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ،

стр. 8325

لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا تَصِيرُ بِهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ أُمَّ وَلَدٍ: فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي جَمِيعِهَا بِالْإِحْبَالِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي الْوَلَدِ، لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَاقِيهَا لَا يَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إِلَّا بِالْإِيلَادِ وَدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ مِنَ الْوَلَدِ، لِثُبُوتِ رِقِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ تَقْوِيمَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى عَجْزِهَا عَنِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ، أَوْ تَعْجِزَ. فَإِنْ أَدَّتْ كِتَابَتُهَا إِلَيْهِمَا عَتَقَ جَمِيعُهَا بِالْكِتَابَةِ، وَبَطَلَ حُكْمُ الْإِيلَادِ، فَأَمَّا وَلَدُهَا فَلَا يُوقَفُ وَتُقَوَّمُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فِيهِ عَلَى الْأَبِ، وَيَتَحَرَّرُ عِتْقُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ عَجَزَتِ الْأُمُّ عَنِ الْكِتَابَةِ انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُحْبِلْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا لِمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ حَقِّ الْمُحْبِلِ فِي تَقْوِيمِهَا عَلَيْهِ، فَتُقَوَّمَ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ، وَتَصِيرَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ثُمَّ لَهَا وَلِلْمُحْبِلِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْإِنْظَارِ بِالْكِتَابَةِ فِي حَقِّهِ، فَيَجُوزَ ذَلِكَ لَهُمَا إِذَا تَرَاضَيَا بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ حَقٌّ لِغَيْرِهَا، بِخِلَافِ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُحْبِلْ أَوْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةً فِي نِصْفِهَا وَهُوَ حَقُّ الْمُحْبِلِ، وَبَاطِلَةً فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، وَهُوَ حَقُّ الَّذِي لَمْ يُحْبِلْ فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَ نِصْفُهَا بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهَا بِالسِّرَايَةِ، وَإِنْ عَجَزَتْ فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ، وَكَانَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى الْإِنْظَارِ بَلْ يَخْتَلِفَا فِيهِ، فَالْكِتَابَةُ تَنْفَسِخُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا يَلْزَمُهَا الْمَقَامُ عَلَى الْعَقْدِ، وَالسَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْظَارُ بِالْمَالِ، فَأَيُّهُمَا دَعَا إِلَى الْفَسْخِ بَعْدَ الْعَجْزِ انْفَسَخَتْ بِهِ الْكِتَابَةُ، وَإِذَا انْفَسَخَتِ اسْتَقَرَّ بَعْدَ فَسْخِهَا حُكْمُ الْوِلَادَةِ، وَصَارَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ يُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ. فَأَمَّا الْوَلَدُ فَيَلْتَزِمُ الْأَبُ قِيمَةَ نِصْفِهِ لِشَرِيكِهِ، وَيَتَحَرَّرُ عِتْقُ جَمِيعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي ﵁: (وَإِنْ وَطِئَاهَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا فَإِنْ عَجَزَتْ تَقَاصَّا الْمَهْرَيْنِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي وَطْءِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا وَطِئَهَا الشَّرِيكَانِ مَعًا فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُبْهَةِ.

стр. 8326

الْمِلْكِ، وَيُعَزَّرَا إِنْ عَلِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا يَدْفَعَانِهِ إِلَيْهَا، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، فَإِنْ تَحَرَّرَ عِتْقُهَا بِالْأَدَاءِ اسْتَقَرَّ مَهْرُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لَهَا إِنْ لَمْ تَقْبَضْهُ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ عَجَزَتْ وَرَقَّتْ فَلَهَا فِي مَهْرِهَا ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا قَدْ دَفَعَاهُ إِلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُمَا عَلَيْهَا إِلَّا بِمَا وَجَدَاهُ فِي يَدِهَا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَرْجِعُ الدَّافِعُ بِمَا فِي يَدِهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي بَاقِيهِ، فَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ بِنِصْفِ مَا عليه من المهر ويبرا من باقيه. والحالي الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ بَاقِيًا عَلَيْهَا، فَيَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قِصَاصًا أَمْ لَا؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ قِصَاصًا، أَعْطَى كُلُّ واحد منهما نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَاسْتَوْفَى نِصْفَ مَالِهِ، وَلَيْسَ لواحد منها أَنْ يَحْبِسَ مَا عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَ مَالَهُ، وَالْمُبْتَدِئُ بِالْمُطَالَبَةِ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَإِنْ جَعَلْنَا ذَلِكَ قِصَاصًا، فَإِنْ تَسَاوَى الْمَهْرَانِ بَرِئَا بِالْقِصَاصِ، وَإِنْ تَفَاضَلَ الْمَهْرَانِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا بِكْرًا وَالْآخَرُ ثَيِّبًا، سَقَطَ الْأَقَلُّ مِنَ الْأَكْثَرِ، وَرَجَعَ مُسْتَحِقُّ الزِّيَادَةِ بِهَا عَلَى صَاحِبِهِ. مسألة قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ كَانَتْ حَبِلَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا الْأَوَّلُ فَهُوَ وَلَدُهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَنِصْفُ مَهْرِهَا وَفِي نِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَغْرَمُهُ وَالْآخَرُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَجَبَ بِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْقِيَاسُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ قِيمَتِهَا دُونَ نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا بِالْحَبَلِ صَارَتْ أُمَّ ولد (وقال الشافعي) في الواطئ الآخر قولان، أحدهما يغرم نصف مهرها لأنها لا تكون أم ولد للحمل إلا بعد أداء نصف القيمة والآخر جميع مهر مثلها (قال المزني) هذا أصح لأنه وطئ أم ولد لصاحبه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا حَبِلَتْ بَعْدَ وَطْءِ الشَّرِيكَيْنِ، وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُمَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَلْحَقَ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَلْحَقَ بِالثَّانِي، دُونَ الْأَوَّلِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يُمْكِنَ لُحُوقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

стр. 8327

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْ كل واحد منهما، وذلك في إحدى ثلاثة أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ إِصَابَتِهِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَإِمَّا أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ إِصَابَتِهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ. وَإِمَّا أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ إِصَابَتِهِ وَقَدِ اسْتَبْرَأَهَا، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، لِارْتِفَاعِ فِرَاشِهِ بِالِاسْتِبْرَاءِ فَإِذَا انْتَفَى الْوَلَدُ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ كَانَ فِي حُكْمِ وَلَدِ المكاتبة من زوج أو زنى، فيكون على ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُ عَبْدًا مَرْقُوقًا لِلسَّيِّدَيْنِ. وَالثَّانِي: يَكُونُ تَبَعًا لِأُمِّهِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا، وَيَرِقُّ بِرِقِّهَا، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّيِّدَيْنِ مَهْرُ مِثْلِهَا بِإِصَابَتِهِ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَاهُ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ إِصَابَةِ الْأَوَّلِ، وَدُونَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ إِصَابَةِ الثَّانِي، فَيَكُونُ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْوَلَدِ، وَكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ فَيَ نِصْفِهَا وَفِي تَقْوِيمِ بَاقِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ اعْتِبَارِ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ سَقَطَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ، إِنْ لَمْ يَكُونَا قَدْ دَفَعَاهُ وَتَقَاصَّا النِّصْفَ الْبَاقِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نِصْفُهَا الْبَاقِي، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ التَّقْوِيمُ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَجْزِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَهْرُ وَاجِبًا عَلَى الثَّانِي لِلْمُكَاتَبَةِ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِوَقْتِهَا، وَلَا يَنْتَظِرُ بِالتَّقْوِيمِ عَجْزَهَا، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَصِيرُ الْمُقَوَّمُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ بِنَفْسِ الْإِيلَادِ أَوْ بِهِ وَيَدْفَعُ الْقِيمَةَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ النِّصْفُ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ أُمَّ وَلَدٍ بِنَفْسِ الْإِيلَادِ، كَمَا صَارَ مَا مَلَكَهُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ بِنَفْسِ الْإِيلَادِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ النِّصْفِ الْبَاقِي مِنْ وَلَدِهِ، وَيَكُونُ مَهْرُ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الثَّانِي نِصْفُهُ وَاجِبٌ لِلْأَوَّلِ، لِبُطْلَانِ الْكِتَابَةِ فِيهِ بِالتَّقْوِيمِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَكُونُ لَهَا إِنْ عَتَقَتْ وَلِلْأَوَّلِ إِنْ رَقَّتْ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.

стр. 8328

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ النِّصْفَ الْمُقَوَّمَ مِنْهَا لَا يَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْإِيلَادِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الْأَوَّلَ نِصْفُ قِيمَةِ وَلَدِهِ، وَيَكُونُ مَهْرُ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الثَّانِي بِوَطْئِهِ لِلْمُكَاتَبَةِ، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، فَإِنْ عَجَزَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُهُ، وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي، لِلْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فَيَتَقَاصَّانِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ مَسْطُورُ الْ مَسْأَلَةِ . فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَلْحَقَ الْوَلَدُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، بِأَنْ تَضَعَهُ إِمَّا لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْأَوَّلِ، أَوْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهِ، فَلَا يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ نِصْفُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ وَطْءِ الثَّانِي، وَلَا تَدَّعِي اسْتِبْرَاءً فَيَلْحَقُ بِالثَّانِي فَيَكُونُ مَا يَلْزَمُ الْأَوَّلَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَارِيًا عَلَى حُكْمِهِ لَوْ لَمْ يُحْبِلْهَا الثَّانِي، وَمَا يَلْزَمُ الثَّانِي فِي تَقْوِيمِ الْأُمِّ، وَحُكْمِ الْوَلَدِ وَالْمَهْرِ جَارِيًا عَلَى حُكْمِ لُحُوْقِهِ بِالْأَوَّلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَصِيرَ نِصْفُهَا لَهُ أُمَّ وَلَدٍ لِوَقْتِهِ، وَلَا يُبْطِلُ فِيهِ الْكِتَابَةَ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ حَالُ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ النِّصْفُ الْبَاقِي، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ لِلْأَوَّلِ، وَكَانَ نِصْفُ الْوَلَدِ حُرًّا، وَفِي نِصْفِهِ الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حُرٌّ وَعَلَى أَبِيهِ قِيمَتُهُ لِلْأَوَّلِ يُؤَدِّيهَا إِذَا أَيْسَرَ. وَالثَّانِي: مَرْقُوقٌ، وَهَلْ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي حِصَّةِ الْأَوَّلِ إِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا، وَالْكَلَامُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَهَلْ يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ الْعَجْزِ؟ عَلَى مَا مَضَى من القولين: أحدهما: يوم بَعْدَ الْعَجْزِ فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ نِصْفِ الْوَلَدِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقَوَّمُ لِوَقْتِهِ فِي الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا فِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ نِصْفُ الْوَلَدِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصِيرُ نِصْفُهَا الْبَاقِي مِنْهُ أُمَّ وَلَدٍ. فَإِنْ قِيلَ: بِالْإِيلَادِ فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِلْوَلَدِ. وَإِنْ قِيلَ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْإِيلَادِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ فِي النِّصْفِ الْمُقَوَّمِ، وَلَا تَبْطُلُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَيُرَاعَى حَالُهَا فِي الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ، فَإِنْ عَجَزَتْ صَارَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَ جَمِيعُهَا، نِصْفُهَا بِالْكِتَابَةِ، وَنِصْفُهَا بِالسِّرَايَةِ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَيَأْتِي مسطوراً من بعد. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ مِنْهُمَا كِلَاهُمَا يَدَّعِيهِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَا تَدَّعِي اسْتِبْرَاءً فَهِيَ أُمُّ وَلَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ عَجَزَتْ أُخِذَ بِنَفَقَتِهَا وَأُرِيَ الْقَافَةَ فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدِ

стр. 8329

مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا وَتَنْقَطِعَ عَنْهُ أُبُوَّةُ الْآخَرِ وَعَلَيْهِ لِلَّذِي انْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنِصْفُهَا لِشَرِيكِهِ بِحَالِهِ وَالصَّدَاقَانِ سَاقِطَانِ عَنْهُمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ أَنْ يُمْكِنَ لُحُوقُ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْأَوَّلِ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْ يَدَّعِي الِاسْتِبْرَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْأَوَّلِ، لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالثَّانِي، لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ الْحَمْلِ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ عُرِضَ الْوَلَدُ عَلَى الْقَافَةِ لِيُلْحِقُوهُ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالْأَوَّلِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالثَّانِي كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْقَافَةِ وَقَفَ الْوَلَدُ عَلَى الِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهَا، وَفِي زَمَانِ انْتِسَابِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا استكمل سبع سنين في الحال التي خير فِيهَا بَيْنَ أَبَوَيْهِ، لِأَنَّهُ يَنْقَادُ بِطَبْعِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْبُلُوغُ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ قِيلَ لَهُ: انْتَسِبْ إِلَى أَحَدِهِمَا بِطَبْعِكَ الْمَائِلِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَنْسَابَ تَتَعَاطَفُ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الرَّحِمَ إِذَا تَمَاسَّتْ تَعَاطَفَتْ " فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ أُبُوَّةُ الْآخَرِ، وَيَكُونُ حُكْمُ مَنْ لَحِقَ بِهِ، وَانْتَفَى عَنْهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَا الِانْتِسَابِ تَعَلَّقَ بِزَمَانِ الْوَقْفِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: فَالْحُكْمُ الْأَوَّلُ: فِي كِتَابَةِ الْأُمِّ، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْوَاطِئَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ. وَالثَّانِي: أن يكون مُعْسِرَيْنِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا وَالْآخَرُ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ كَانَتْ كِتَابَتُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ كَسْبِهَا، وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِجَمِيعِ مَهْرِهَا، تَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهَا، فَإِذَا أَدَّتْ عَتَقَتْ وَإِنْ عَجَزَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، لِأَحَدِهِمَا، تُوقَفُ عَلَى الْبَيَانِ وَلَا تَعْتِقُ إِلَّا بِآخِرِهِمَا مَوْتًا، إِنْ مَاتَا قَبْلَ الْبَيَانِ.

стр. 8330

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ فِي نِصْفِهَا قَدْ بَطَلَتْ وَبَقِيَتْ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَيَكُونُ نِصْفُ كَسْبِهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، فَإِنْ أَدَّتْ تَحَرَّرَ عِتْقُ جَمِيعِهَا، نِصْفُهَا بِالْكِتَابَةِ، وَنِصْفُهَا بِالسِّرَايَةِ، وَإِنْ عَجَزَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا، لَا بِعَيْنِهِ فَيُوقَفُ أَمْرُهَا فِيهِ، وَفِي الْفَاضِلِ مِنْ كَسْبِهَا بَعْدَ الْعَجْزِ وَفِي النِّصْفِ الْمَرْقُوقِ مِنَ الْكَسْبِ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ من البيان فيما بعد، وإن كان مُعْسِرَيْنِ فَنَصِفُهَا يَكُونُ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهَا بَاقِيَةٌ، وَالْأَدَاءُ يَكُونُ إِلَيْهَا، فَإِنْ عَتَقَتْ بِهِ بَطَلَ حُكْمُ الْإِيلَادِ وَإِنْ عَجَزَتْ كَانَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا مَرْقُوقًا، وَتُوقَفَ عَلَى الْبَيَانِ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَاتَا عَتَقَ نَصِفُهَا بِمَوْتِ آخِرِهِمَا، وَكَانَ النِّصْفُ الْمَمْلُوكُ مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَلَا تَقْوِيمَ عَلَى الْمُوسِرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنَ الْمُعْسِرِ وَتَكُونُ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، كَمَا لَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لِأَنَّهَا عَلَى الصِّحَّةِ فَلَا تُفْسَخُ بِالْجَوَازِ. فَصْلٌ وَالْحُكْمُ الثَّانِي: فِي الْوَلَدِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِهِمَا فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ، فَيَكُونُ جَمِيعُ الْوَلَدِ حُرًّا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ، فَنِصْفُ الْوَلَدِ حُرٌّ، وَفِي نِصْفِهِ الْآخَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ حُرًّا وَيَتَحَرَّرُ عِتْقُ جَمِيعِهِ، وَيَجْرِي مَجْرَى أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ مَمْلُوكًا يَجْرِي عَلَى نِصْفِهِ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ، وَعَلَى نِصْفِهِ حُكْمُ الرِّقِّ. فَإِنِ اجْتَمَعَ الْوَاطِئَانِ عَلَى بَيْعِ نِصْفِهِ الْمَرْقُوقِ جَازَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ مِنْهُمَا وَإِنْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ نِصْفِهِ لم يجز لجواز أن يكونا أَبًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَيَكُونُ نِصْفُهُ حُرًّا وَفَى نِصْفِهِ الْآخَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ حُرًّا، وَيَتَحَرَّرُ عِتْقُ جَمِيعِهِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحُرِّيَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَإِنْ لَحِقَ بِالْمُوسِرِ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ لَحِقَ بِالْمُعْسِرِ كَانَ مَمْلُوكًا، وَلَوِ اجْتَمَعَا عَلَى بَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ. فَصْلٌ وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ: فِي النَّفَقَةِ، وَهُمَا نَفَقَتَانِ: نَفَقَةُ الْوَلَدِ، وَنَفَقَةُ الْأُمِّ. فَأَمَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ فَمُعْتَبَرَةٌ بِأَحْوَالِهِ الثَّلَاثِ:

стр. 8331

أَحَدُهَا: أَنْ يُحْكُمَ بِحَرِيَّةِ جَمِيعِهِ، فَيُؤْخَذَانِ جَمِيعًا بِنَفَقَتِهِ، فَلَوْ أُلْحِقَ بِأَحَدِهِمَا رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ وَرِقِّ نِصْفِهِ، فَيُؤْخَذَانِ جَمِيعًا بِهَا، وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ إِذَا لَحِقَ بِهِ لِأَنَّ الْآخَرَ يَصِيرُ مَالِكًا لِرِقِّهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْكُمَ بِحَرِيَّةِ نِصْفِهِ وَوُقُوفِ نِصْفِهِ فَيُؤْخَذَانِ جَمِيعًا بِنَفَقَتِهِ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالْمُوسِرِ وَبَانَ بَاقِيهِ حُرًّا رَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ مَا أَنْفَقَ، وَإِنْ لَحِقَ بِالْمُعْسِرِ وَبَانَ بَاقِيهِ مَمْلُوكًا فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأُمِّ فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِهَا وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ تَحَرَّرَ عِتْقُ جَمِيعِهَا بِالْأَدَاءِ، فَنَفَقَتُهَا سَاقِطَةٌ عَنْهَا، فَلَا يُؤْخَذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهَا. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا قَدْ صَارَ أُمَّ وَلَدٍ، لِعَجْزِهَا وَلِيَسَارِ الْوَاطِئَيْنِ فَنَفَقَتُهَا وَاجِبَةٌ، وَيُؤْخَذَانِ جَمِيعًا بِهَا. فَإِذَا بَانَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا مَمْلُوكًا لِعَجْزِهَا وَإِعْسَارِ الْوَاطِئَيْنِ، فَنَفَقَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا وَمُسْتَقِرَّةٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ الْبَيَانِ لِأَنَّهَا إِذَا صَارَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا فَقَدْ صَارَ نِصْفُهَا الْبَاقِي مَرْقُوقًا لِلْآخَرِ، فَاسْتَوَيَا فِي الْتِزَامِهَا فَسَقَطَ التَّرَاجُعُ. مَسْأَلَةٌ قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ جَاءَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَلَدٍ يَدَّعِيهِ وَلَمْ يَدَّعِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا أَدَّى نِصْفَ قِيمَتِهَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا لِشَرِيكِهِ وَالْقَوْلُ فِي نِصْفِ وَلَدِهَا كَمَا وَصَفْتُ وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ الْآخَرُ بِالْوَاطِئِ الْآخَرِ وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا كُلُّهُ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ سَقَطَ تَكُونُ قِصَاصًا مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَإِنَّمَا لَحِقَ وَلَدُهَا بِهِ بِالشُّبْهَةِ (قَالَ المزني) وقد مضى قوله في هذه المسألة بما قلت لأنه لو لم تكن للأول أم ولد إلا بعد أداء نصف القيمة لما كان على المحبل الثاني جميع مهرها ولا قيمة ولده منها فتفهم ذلك) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي وَطْءِ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا وَضَعَتْ مِنْهُمَا وَلَدَيْنِ، وَتَعَيَّنَ وَلَدُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَوَلَدُ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ وَلَا دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ، فَيَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدُهُ، وَيُعَزَّرَانِ إِنْ عَلِمَا، وَلَا يُحَدَّانِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ صَوَّرَهَا

стр. 8332

الشَّافِعِيُّ فِي (الْأُمِّ) إِذَا رَقَّتْ بِالْعَجْزِ، لِأَنَّ حُكْمَهَا إِنْ لَمْ تَعْجِزْ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٌ فِيهِ بِمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي الْوَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اعْتُبِرَتْ حَالُ الْوَاطِئَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ. أَوْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ. أَوْ يَكُونُ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَالثَّانِيَ مُعْسِرًا. أَوْ يَكُونُ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا وَالثَّانِي مُوسِرًا. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ فَنَبْدَأُ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ حُكْمِ الثَّانِي. أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَلَدُهُ حُرٌّ كُلُّهُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَتَصِيرُ حِصَّتُهُ مِنْهَا وَهِيَ النِّصْفُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهَا وَهُوَ النِّصْفُ لِيَصِيرَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَفِيمَا يَصِيرُ بِهِ مَا يُقَوَّمُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: بِالْإِحْبَالِ. وَالثَّانِي: بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ. وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ مَرَاعًى فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ عُلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ بِالْعُلُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا عُلِمَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ، وَأَمَّا قِيمَةُ نِصْفِ الْوَلَدِ فَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَكَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ فَإِنْ جُعِلَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِالْإِحْبَالِ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ جُعِلَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ أَنْ جَعَلَنَا جميعها أم ولد للأولى، فَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَجَمِيعُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَلَا تَكُونُ حِصَّتُهُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِالتَّقْوِيمِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ قَبْلَ أَنْ جَعَلَنَا جَمِيعَهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَيَكُونُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهَا، وَنِصْفُ وَلَدِهِ حُرٌّ وَفِي بَاقِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إِذَا أَيْسَرَ. وَالثَّانِي: مَمْلُوكٌ لِلشَّرِيكِ وَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي نِصْفُ مَهْرِهَا، وَيَصِيرُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَنِصْفُ وَلَدِهِ حُرٌّ وَفِي بَاقِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى وَيَتَقَاصَّانِ مَا عَلَيْهَا، وَيَتَرَاجَعَانِ فَضْلًا إِنْ كَانَ فيه.

стр. 8333

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَالثَّانِي مُعْسِرًا، فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَفِي نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَوْلَانِ، وَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي إِذَا جُعِلَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ وَلَدِهِ مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ، وَفِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ وَلَدُ أُمِّ وَلَدٍ وَيَتَقَاصَّانِ مَا عَلَيْهَا، وَيَتَرَاجَعَانِ الْفَضْلَ فِيهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا وَالثَّانِي مُوسِرًا، فَيَكُونُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَنِصْفُ وَلَدِهِ حُرٌّ، وَفِي بَاقِيهِ وَجْهَانِ، وَيَكُونُ نِصْفُهَا الثَّانِي أُمَّ وَلَدٍ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَجْهًا وَاحِدًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ وَلَدَهُ وُلِدَ قَبْلَ وَلَدِ صَاحِبِهِ أُلْحِقُ بِهِمَا الْوَلَدَانِ وَوُقِفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ وَأُخِذَا بِنَفَقَتِهَا وَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَأُخِذَ الْآخَرُ بِنَفَقَةِ نَصِيبِ نَفْسِهِ فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ وَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ إِذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُعْسِرٌ وَالْآخَرُ مُوسِرٌ فَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ بِكُلِّ حَالٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ تَأْتِيَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَلَدٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ، وَلَكِنْ يدعي كل واحد منهما أن ولده وهو الْأَسْبَقُ، فَيُنْظَرُ فِي سِنِّ الْوَلَدَيْنِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَسْبَقِهِمَا وِلَادَةً سَقَطَ التَّنَازُعُ، وَجُعِلَ الْأَسَنُّ مِنْهُمَا هُوَ لِلْأَوَّلِ وَالْأَصْغَرُ مِنْهُمَا هُوَ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى وَإِنِ اشْتَبَهَتْ سِنُّ الْوَلَدَيْنِ، وَلَمْ يُرَ فِيهَا بَيَانٌ رَجَعَ إِلَى الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ وُجِدَتْ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ فُقِدَتْ وَالتَّنَازُعُ مُحْتَمَلٌ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَاطِئَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا. فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي بِالسَّبْقِ أن جميعها أم ولد له، وعليه نصف قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَيْسَ عَلَيْهِ قِيمَةٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَأَنَّ شَرِيكَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَجَمِيعُ قِيمَةِ الْوَلَدِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَنِصْفُ قِيمَتِهِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَصَارَا بِهَذَا التَّنَازُعِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَمُخْتَلِفَيْنِ فِي شَيْءٍ. أَمَّا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَنِصْفُ الْمَهْرِ، اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاخْتَلَفَا فِي نِصْفِهِ الْبَاقِي، فَلَزِمَ كُلُّ واحد منهما نصف المهر لصاحبه، فيتقاصا بِهِ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ الْبَاقِي مَوْقُوفًا.

стр. 8334

وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ جَمِيعَهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ أَمْرُهَا مَوْقُوفًا بَعْدَ التَّحَالُفِ، وَلَا قِيمَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهَا وَلَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ فَإِذَا مَاتَا جَمِيعًا عَتَقَتْ، لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهَا مَوْقُوفًا عَلَى بَيَانٍ إِنْ تَحَدَّدْ. وَأَمَّا قِيمَةُ الْوَلَدِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقِرٌّ بِنِصْفِهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمُنْكرٌ مَا سِوَاهَا، وَهُوَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُنْكِرٌ لِجَمِيعِهَا، فَإِنْ عَمِلَ بِالْقَوْلِ الأول تقاصا نصف القيمة، وقف الْبَاقِي عَلَى الْبَيَانِ كَالْمَهْرِ، وَإِنْ عَمِلَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَقَفَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ عَلَى الْبَيَانِ كَالْأُمِّ، وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي نَفَقَةِ الْأُمِّ حَتَّى يَقَعَ الْبَيَانُ فَيَسْتَحِقَّ التَّرَاجُعُ. فَصْلٌ وَلَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِتَنَازُعِهِمَا تَأْثِيرٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَوِي حُكْمُهُ فِي تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ، لِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ وَلَدِهِ حُرٌّ وَفِي نِصْفِهِ الْآخَرِ وَجْهَانِ وَإِذَا كَانَا فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ سَوَاءً سَقَطَ حُكْمُ تُنَازِعِهِمَا، وَكَانَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ، فَأَيُّهُمَا مَاتَ عَتَقَ نَصِفُهَا بِمَوْتِهِ، وَكَانَ عِتْقُ النِّصْفِ الْآخَرِ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ الْآخَرِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ فَيَتَقَاصَّانِهِ، وَفِي قِيمَةِ نِصْفِ وَلَدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِهِ وَلَا قِصَاصَ، وَلَا عِتَاقَ. وَالثَّانِي: يَجِبُ وَيَصِيرُ جَمِيعُهُ حُرًّا وَيَتَقَاصَّانِ ذَلِكَ وَيَتَرَاجَعَانِ فَضْلًا إِنْ كَانَ فِيهِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا تُوقَفُ، وَنَقَلَ الربيع في كتاب (الأم) أن ولاؤها مَوْقُوفٌ إِذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ فَسَوَّى وُقُوفَ الْوَلَاءِ بَيْنَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ لِأَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْيَسَارِ مُشْكَلٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَوْقُوفًا وَفِي الْإِعْسَارِ غَيْرُ مُشْكَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَلِأَصْحَابِنَا عَمَّا نَقَلَهُ الرَّبِيعُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَجَابَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ فِي النَّقْلِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ جَوَابُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مُعْسِرَيْنِ وَقْتَ التَّنَازُعِ، مُوسِرَيْنِ وَقْتَ الْإِحْبَالِ. فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، فَنِصْفُهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْمُوسِرِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعَانِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْهُمَا فَالْمُوسِرُ يَقُولُ: هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِي بِالْقِيمَةِ لِتَقَدُّمِي فِي الْإِيلَادِ. وَالْمُعْسِرُ يَقُولُ: هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِي بِالْمِلْكِ لِتَقَدُّمِي بِالْإِيلَادِ، فَيَكُونُ وَلَاءُ نِصْفِها الَّذِي تَنَازَعَاهُ مَوْقُوفًا، وَوَلَاءُ نِصْفِهَا لِلْمُوسِرِ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا أَنَّ جَمِيعَ وَلَائِهَا مَوْقُوفٌ إِذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أحدهما.

стр. 8335

وَهَذَا الْجَوَابُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُوسِرَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوسِرُ عَتَقَ نَصِفُهَا، وَكَانَ نِصْفُهَا الْبَاقِي مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ الْمُعْسِرِ لَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَيُعْتَقُ بِمَوْتِ الْمُوسِرِ، فَأَمَّا الْمَهْرُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِفُهُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ فَيَتَقَاصَّانِهِ وَتُوقَفُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُعْسِرِ دُونَ الْمُوسِرِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَوَلَدُ الْمُوسِرِ مِنْهَا حُرٌّ كُلُّهُ، وَفِي وَلَدِ الْمُعْسِرِ وَجْهَانِ، وَإِذَا حَرَّرْتَ ذَلِكَ عَلَى الْأُصُولِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَضَحَ لَكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 8336

باب تعجيل الكتابة مسألة قال الشافعي ﵁: (وَيُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى قَبُولِ النَّجْمِ إِذَا عَجَّلَهُ له الْمُكَاتَبُ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵀ عليه (قال الشافعي) وإذا كانت دنانير أو دراهم أو مالا يتغير على طول المكث مثل الحديد والنحاس وما أشبه ذلك فأما ما يتغير على طول المكث أو كانت لحمولته مؤنة فليس عليه قبوله إلا في موضعه فإن كان في طريق بخرابة أو في بلد فيه نهب نهب لم يلزمه قبوله إلا أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه قبوله) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعْجِيلُ مَالِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ نُجُومِهِ كَتَعْجِيلِ السَّلَمِ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَجَمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مَالُ الْكِتَابَةِ إِذَا عَجَّلَهُ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ مِنْ أَنْ يَقْبَلَهُ السَّيِّدُ أَوْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ، فَإِنْ قَبِلَهُ عَتَقَ بِهِ الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ قِيلَ: فَشَرْطُ الْعِتْقِ أَدَاءُ الْمَالِ عِنْدَ مَحَلِّهِ، فَهَلَّا امْتَنَعَ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِدَفْعِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَفَعْتْ إِلَيَّ أَلْفًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَدَفَعَهَا فِي شَعْبَانَ لَمْ يَعْتِقْ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ فِي الْكِتَابَةِ مُعَاوَضَةً يَغْلِبُ حُكْمُهَا عَلَى الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَلِذَلِكَ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَعْتِقَ بِالتَّقَدُّمِ، وَلَيْسَ كَالْعِتْقِ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ دُونَ الْعِوَضِ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ أَبْرَأَهُ فِيهَا مِنَ الْمَالِ لَمْ يُعْتَقْ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَدَّمَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ قَبُولِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَلَا يَخْلُو تأخير قبضه من أن يكون فيه غرضصحيح لِقَاصِدٍ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ فِي تَأْخِيرِ قَبْضِهِ غَرَضٌ مَعْهُودٌ يَصِحُّ لِقَاصِدٍ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَعَامًا رَطْبًا إِنْ تُرِكَ إِلَى أَجْلِهِ فَسَدَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إلى مؤونة أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ مَوْتٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ لِإِحْرَازِهَا إلى محلها مؤونة، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحَلِّهِ، لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي تَعَجُّلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَأْخِيرِ قَبْضِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَهُوَ أَنْ يكون المال مأمون التلف معدوم المؤونة كَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، فَعَلَيْهِ قَبُولُهُ إِذَا كَانَ الرَّدَى مَأْمُونًا، لِمَا رَوَاهُ

стр. 8337

الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الْأُمِّ) وَقَدْ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَاتَبَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَاشْتَرَيْتُ وَبِعْتُ حَتَّى رَبِحْتُ مَالًا، فَجِئْتُ أَنَسًا بِكِتَابَتِي كُلِّهَا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا إِلَّا نُجُومًا، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَرَادَ أَنَسٌ الْمِيرَاثَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ فَقَبِلَهَا. وَرَوَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اشْتَرَتْهُ مِنْ سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَقَدِمَتْ مَكَّةَ فَكَاتَبَتْهُ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَأَدَّى عَامَّةَ الْمَالِ، ثُمَّ أَتَى بِبَاقِيهِ فَقَالَتْ لَا والله حتى تأتي سنة بعد سنة، وشهر بَعْدَ شَهْرٍ، فَخَرَجَ بِالْمَالِ إِلَى عُمَرَ، وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: ضَعْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَرَاسِلْهَا بِأَخْذِ الْمَالِ وَعِتْقِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنِ اخْتَرْتِ أَخْذَهُ شَهْرًا بِشَهْرٍ أَوْ سَنَةً بِسَنَةٍ، فَافْعَلِي، فَأَرْسَلَتْ وَأَخَذَتِ الْمَالَ. وَلِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا عَلَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، وَلِذَلِكَ إِذَا بَاعَهُ بِدَيْنٍ زَادَ فِي الثَّمَنِ، وَإِذَا بَاعَهُ نَقْدًا نَقَصَ مِنْهُ، فَإِذَا عَجَّلَ الْمُؤَجَّلَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَزَادَ خَيْرًا. فَصْلٌ فَأَمَّا إِذَا كَانَ وَقْتَ التَّعْجِيلِ مُفْتَتَنًا مُخَوَّفًا رُوعِيَ وَقْتُ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا آمِنًا ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُ خَوْفٌ فَعَجَّلَ فِيهِ الْكِتَابَةَ لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ قَبُولُهَا، لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَظْرِ عَلَى مَا تَعَجَّلَ، حَتَّى إِذَا حَلَّ لَزِمَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْكِتَابَةِ مُفْتَتَنًا مُخَوَّفًا مِثْلَ وَقْتِ التَّعْجِيلِ نُظِرَ، فَإِنْ صَارَ ذَلِكَ مَعْهُودًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ لَزِمَهُ قَبُولُ التَّعْجِيلِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا يُرْجَى زَوَالُهُ فَفِي لُزُومِ قَبُولِهِ لِلتَّعْجِيلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، عَلَيْهِ قَبُولُهُ لِتَمَاثُلِ الزَّمَانَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، لِأَنَّ زَوَالَ الْخَوْفِ قَدْ كَانَ مَأْمُولًا عِنْدَ الْمَحَلِّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَعَجُّلُ الضَّرَرِ. فَصْلٌ وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ فِي بَلَدٍ آخَرَ إِمَّا تَعْجِيلًا أو في محله، فإن كان لنقله مؤونة أَوْ فِي طَرِيقِهِ خَطَرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، إِلَّا فِي بَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مؤونة وَلَا كَانَ فِي طَرِيقِهِ خَطَرٌ رُوعِيَ حَالُ السَّيِّدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ الْمَالِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ رُوعِيَتْ مَسَافَةُ الْبَلَدَيْنِ، فَإِنْ كان بينهما قَرِيبًا لَا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ فَفِي لُزُومِ قَبُولِهِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي إِبْعَادِ مَالِهِ عَنْ بَلَدِهِ.

стр. 8338

وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ فِيهِ لِأَنَّ أحْرَازَهَا مُتَمَاثِلَةً، وَاسْتِيطَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ بَعْضَ الْكِتَابَةِ عَلَى أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنَ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ ورد عَلَيْهِ مَا أَخَذَ وَلَمْ يُعْتَقْ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى سَنَةٍ فَشَرَطَ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنَ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ يُضَارِعُ الرِّبَا لِأَنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَالِ لِيَزِيدَ فِي الْأَجَلِ، فَيُعْطِيَ خَمْسَمِائَةٍ مُعَجَّلَةً بِأَلْفٍ إِلَى سَنَةٍ، وَهَذَا نَقْصٌ فِي الْمَالِ لِنُقْصَانِ الْأَجَلِ، فَبَذَلَ أَلْفًا إِلَى سَنَةٍ بِخَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ، فَاسْتَوَيَا فِي حُكْمِ الرِّبَا وَالتَّحْرِيمِ، وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُهُ بِمَا ذَكَرْنَا بَطَلَ التَّعْجِيلُ وَكَانَ بَاقِي الْكِتَابَةِ إِلَى أَجَلِهِ وَإِذَا بَطَلَ التَّعْجِيلُ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ، لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ فِي مُقَابَلَةِ التَّعْجِيلِ، فَصَارَا بَاطِلَيْنِ. فَصْلٌ وَلَوِ ابْتَدَأَ الْمُكَاتَبُ فَعَجَّلَ مِنَ الْأَلْفِ خَمْسَمِائَةٍ، وَأَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مِنْ بَاقِيهَا، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ كَانَ هَذَا جَائِزًا كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ خَمْسَمِائَةٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ، فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَضْعٌ وَتَعْجِيلٌ لَا يَجُوزُ، وَأَجَازَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَوَهَّمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْإِبْرَاءِ عَلَى شَرْطِ التَّعْجِيلِ، وَلَيْسَ الْجَوَابُ مُخْتَلِفًا كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُزَنِيُّ، وَإِنَّمَا أَجَازَ التَّعْجِيلَ وَالْإِبْرَاءَ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَأَبْطَلَهُمَا مَعَ الشَّرْطِ، فَاخْتَلَفَ جَوَابُهُ لِاخْتِلَافِ الشَّرْطِ، لَا لِاخْتِلَافِ الْقَوْلِ. مسألة قال الشافعي ﵁: (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِحَّ هَذَا فَلْيَرْضَ الْمُكَاتَبُ بِالْعَجْزِ وَيَرْضَ السَّيِّدُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَلَى أن يعتقه فيجوز (قال المزني) عندي أن يضع عنه على أن يتعجل وأجازه في الدين) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٍ، إِذَا اخْتَارَ التَّوَصُّلَ إِلَى وُقُوعِ الْعِتْقِ بِبَعْضِ الْبَاقِي، فَعَجَّزَ الْمُكَاتَبُ نَفْسَهُ حَتَّى عَادَ عَبْدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ السَّيِّدُ بعد العجز فقال له: إن أعطيتني دينار فَأَنْتَ حُرٌّ، جَازَ لِأَنَّهُمَا بَعْدَ بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ بِالْعَجْزِ قَدِ اسْتَأْنَفَا عِتْقًا بِصِفَةٍ، فَصَارَ الْعِتْقُ واقعا بهما لَا بِالْكِتَابَةِ. فَصْلٌ وَلَكِنْ لَوْ جَعَلَا عِتْقَ الصِّفَةِ مَشْرُوطًا بِالْعَجْزِ، فَقَالَ السَّيِّدُ: إِنْ عَجَّزَتْ نفسك أو أعطيتني دينار فأنت حر، فعجز المكاتب نفسه، وأعطى دينار عَتَقَ بِهِ، وَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ لِلْمُكَاتَبِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ إِذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ فَقَدِ انْعَقَدَتِ الصِّفَةُ بِعِتْقِهِ، لِوُجُودِ

стр. 8339

شَرْطِهِمَا، فَصَارَتْ لَازِمَةً لَا خِيَارَ لِلسَّيِّدِ فِيهَا بَعْدَ الْعَجْزِ، وَهُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى مُخَيَّرٌ بَعْدَ الْعَجْزِ بَيْنَ أَنْ يَعْقِدَ عِتْقَهُ بِالصِّفَةِ أَوْ لَا يَعْقِدَهُ. فَصْلٌ فَأَمَّا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا: إِنْ أَعْطَيْتَنِي دِينَارًا فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ بِدَفْعِهِ، وَيَغْلِبُ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فَصَارَ الْعِتْقُ فِيهَا عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ، فَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِيهَا قِيمَتُهُ، فَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّاهُ مِنْ قَبْلُ مَعَ الدِّينَارِ الَّذِي عَتَقَ بِهِ مِنْ بعد، ويتقاصانه مع اتفاق الجنسين، ويتراجعا فَضْلًا إِنْ كَانَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8340

بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ وَبَيْعُ كِتَابَتِهِ وَبَيْعُ رَقَبَتِهِ وجوابات فيه مسألة قال الشافعي ﵁: (وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ وَالشُّفْعَةُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ وَالْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، الْمُكَاتَبُ مَالِكٌ لِتَصَرُّفِ نَفْسِهِ بِالْمَبِيعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَمَالِكٌ لِمَا بِيَدِهِ مِنْ كُلِّ مَا مَلَكَهُ بِتَصَرُّفِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ يَدَ السَّيِّدِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنِ اسْتِخْدَامِهِ، وَأَمَّا مِلْكُهُ لِكَسْبِهِ فَلِأَنَّ فِي ذمته مال لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَّا مِنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ السَّيِّدُ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَخْذِهِ وَتَمَلُّكِهِ وَإِذَا صَارَ بِمَا بَيَّنَّا مَالِكًا لِتَصَرُّفِهِ وَلِكَسْبِهِ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا لِلسَّيِّدِ حَقُّ الْحَجْرِ حَتَّى لَا يَسْتَهْلِكَهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ الْحَجْرِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ مُرَاعًى يَسْتَقِرُّ بِالْأَدَاءِ، وَيَزُولُ بِالْعَجْزِ. فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا فَكُلُّ عَقْدٍ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ وَإِجَارَةٍ وَأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ وَأَرْشِ، جِنَايَةٍ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ، نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، وَكَانَ لُزُومُهُ بَيْنَهُمَا كَلُزُومِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، لِأَنَّهُ فِيمَا سِوَى الْكِتَابَةِ جَارٍ مَجْرَاهُ، فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ إِلَّا كَالْأَجَانِبِ. فَصْلٌ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ، فَتَكُونَ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةً، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْإِجَارَةِ مُسْتَحِقَّ الْمَنْفَعَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ مَالِكًا لَهَا، فَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، فَثَبَتَتِ الْإِجَارَةُ لِتَقَدُّمِهَا، وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ لِتَأَخُّرِهَا وَلَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ أَجَّرَهُ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ وَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ إِثْبَاتًا لِأَسْبَقِ الْعَقْدَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَا يَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَنَافِعَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ مُعَرَّضٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي تَمْنَعُ مِنْهُ الْكِتَابَةُ، فَصَارَا مُتَنَافِيَيْنِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَبَطَلَتْ كتابته بها. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: (إِلَّا أَنْ الْمُكَاتَبَ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِهْلَاكِ مَالِهِ وَأَنْ يَبِيعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَهَبُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) .

стр. 8341

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ لِكَسْبِهِ غَيْرَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ حَجْرًا، وَلَا يَصْرِفُ مَا بِيَدِهِ إِلَّا فِي أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: فِي دَيْنٍ يُسْتَحَقُّ. وَالثَّانِي: فِي طلب فضل يستزاد. والثالث: في مؤونة لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا. فَأَمَّا الدَّيْنُ فَنَوْعَانِ: مُرَاضَاةٌ، وَإِكْرَاهٌ. فَأَمَّا دَيْنُ الْمُرَاضَاةِ فَكَالْإِجَارَاتِ، وَالْقُرُوضِ. وَأَمَّا دَيْنُ الْإِكْرَاهِ فَكَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا مَعًا، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ السَّيِّدِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَأَمَّا طَلَبُ الْفَضْلِ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: تِجَارَةٌ، وَعَمَلٌ. فَأَمَّا التِّجَارَةُ، فَتَكُونُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ فِيمَا بَاعَهُ وَاشْتَرَاهُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مُغَابَنَةٌ. وَأَمَّا الْعَمَلُ فَهُوَ احْتِرَافُهُ بِيَدَيْهِ فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ إِذَا تَصَدَّى لَهُ، وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِنْ قَعَدَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الِاكْتِسَابِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أن يمنعه منه. وأماما لا يستغنى عنه من المؤن فنوعان: مؤونة تثمير ماله، ومؤونة لحراسة نفسه، فأما مؤونة التَّثْمِيرِ فَكَسَقْيِ الزُّرُوعِ، وَعَلُوفَةِ الْمَوَاشِي، وَنَقْلِ الْأَمْتِعَةِ. وأما مؤونة نَفْسِهِ، فَكَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَأْكُولِهِ ٥ وَمَلْبُوسِهِ أَوْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وولد، ولا اعتراض للسيد عليه في كلي المؤونتين مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهِمَا إِلَى حَدِّ السَّرَفِ. فَأَمَّا نَفَقَتُهُ فِي مَلَاذِّهِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَعْهُودًا بِمِثْلِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْمَعْهُودِ مُنِعَ مِنْهُ. فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا وَصَفْنَاهُ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ هِبَةٍ، أَوْ مُحَابَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِرٍّ، فَإِنْ وَهَبَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ مَرْدُودَ الْهِبَةِ، وَإِنْ وَهَبَ بِإِذْنِهِ فَفِي صِحَّةِ هِبَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَكْثَرِ كُتُبِهِ أَنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ مَاضِيَةٌ، لِأَنَّ

стр. 8342

ذَلِكَ الْمَوْهُوبَ لَا يَتَجَاوَزُهُمَا، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا مَعَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِاجْتِمَاعِهِمَا كَالشَّرِيكَيْنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَكَّاهُ الرَّبِيعُ، أَنَّ الْهِبَةَ بَاطِلَةٌ مَعَ إِذْنِهِ كَبُطْلَانِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ ضَعِيفٌ وَمِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوِيٌّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْدُثَ عَنِ الضَّعِيفِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَذَا التَّصَرُّفِ، فَضَعُفَ الْإِذْنُ عَنْهُ، وَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. فَأَمَّا خَلْعُ الْمُكَاتَبَةِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْهِبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْهِبَةِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِمَّا فِي الْهِبَةِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْمُكَافَأَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا، أَوْ جَمِيلِ الذِّكْرِ وَثَوَابِ الْآخِرَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَهَا، وَلَيْسَ فِي الْخَلْعِ مُكَافَأَةٌ وَلَا ثَنَاءٌ، وَلَا ثَوَابٌ. وَأَمَّا مُحَابَاةُ الْمُكَاتَبِ فِيمَا بَاعَ وَاشْتَرَى إِذَا خَرَجَ عَمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ إِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ بَذَلَ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِيمَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فِي بِرٍّ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَرْدُودٌ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُهُ، وَبِإِذْنِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (وَلَا يُكَفِّرُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ إِلَّا بِالصَّوْمِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَفَّارَةٌ فَفَرْضُهُ فِيهَا أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ دُونَ الْإِطْعَامِ وَالْعِتْقِ، لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ فِيهِ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ عَدَلَ إِلَى الْإِطْعَامِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَا يُمَلَّكُ إِذَا مَلَكَ، وَفِي إجْزَائِهِ عَلَى الْقَدِيمِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا ملكَ، وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ قَوْلَيِ الهبة. مسألة قال الشافعي ﵁: (وَإِنْ بَاعَ فَلَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَجَبَ الْبَيْعُ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَهُ، وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَمُسْتَحَقٌّ فِي عَقْدِ كُلِّ بَيْعٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمَالِكُ

стр. 8343

وَالْوَكِيلُ، وَيَكُونُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُتَبَايِعَيْنِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَهَلْ يَكُونُ قَطْعًا لِلْخِيَارِ كَالِافْتِرَاقِ بِالْأَبْدَانِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ (وَإِذَا بَاعَ فَلَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَجَبَ الْبَيْعُ) ، وَظَاهِرُ هَذَا الْوَجْهِ انْقِطَاعُ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ (إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَهُ) وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ مَوْرُوثًا لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَجَبَ الْبَيْعُ، يُرِيدُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ مَوْتَ الْمُكَاتَبِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، لِأَنَّهُ يَمُوتُ عَبْدًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ انْقِطَاعَ الْخِيَارِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي مَوْتِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ: أَحَدُهُمَا: يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْمَوْتِ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَبَيْعِ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بِافْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِافْتِرَاقِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْحُرِّ وَلَا بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ، وَيَنْتَقِلُ عَنِ الْحُرِّ إِلَى وَارِثِهِ، وَعَنِ الْمُكَاتَبِ إِلَى سَيِّدِهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُيُوعِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ بِافْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْقَطِعَ بِافْتِرَاقِ الْمَوْتِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْحُرِّ، وَيَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى وَارِثِهِ وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى سَيِّدِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالَ يَنْتَقِلُ عَنِ الْحُرِّ مِيرَاثًا، وَعَنِ الْمُكَاتَبِ مِلْكًا، فَقَامَ وَارِثُ الْحُرِّ مَقَامَهُ، وَلَمْ يَقُمْ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ مَقَامَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ الْمُكَاتَبِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَائِدٌ إِلَى سَيِّدِهِ، فَاكْتَفَى السَّيِّدُ فِيهِ بِنَظَرِ مُكَاتَبِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ لَا يَنْتَقِلُ خِيَارُ المجلس بموته فِيهِ إِلَى الْمُوكِلِ وَنَظَرِ الْحُرِّ لِنَفْسِهِ فَانْتَقَلَ بِمَوْتِهِ إِلَى وَارِثِهِ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ الْحَظَّ إِلَى نَفْسِهِ. فَصْلٌ فَأَمَّا مَوْتُ الْمُكَاتَبِ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ، فَيَنْتَقِلُ بَاقِي الْخِيَارِ فِيهِ إِلَى سَيِّدِهِ مَذْهَبًا وَاحِدًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ من وجهين:
следующие страницы →