← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(بَاب يجب على الْمولى صَدَقَة الْفطر عَن عَبده الْكَافِر) البُخَارِيّ: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " فرض رَسُول الله [ ﷺ ] صَدَقَة الْفطر صَاعا من شعير أَو صَاعا من تمر على الصَّغِير وَالْكَبِير، وَالْحر الْمَمْلُوك ". فَإِن قيل: فقد روى مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] فرض زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر، أَو صَاعا من شعير، على كل حر أَو عبد، ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين ". قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد عَن ابْن عمر لم يذكر فِيهِ " من الْمُسلمين "، فطريق التَّوْفِيق أَن يكون ابْن عمر سَمعه من النَّبِي [ ﷺ ] مرَّتَيْنِ، مرّة عَاما وَمرَّة خَاصّا، لَكِن الظَّاهِر (أَنه) سمع أَولا مِنْهُ الْخَاص، ثمَّ سمع بعده الْعَام. وَيبعد أَن يكون سمع الْعَام أَولا ثمَّ سمع الْخَاص، لِأَن فِي هَذَا التَّقْدِير إبِْطَال بعض مَا تنَاوله الْعَام، وَفِي الثَّانِي (تَقْرِير) مَا تنَاوله، (والتقرير) أولى من الْإِبْطَال. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَإِسْحَاق وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى.

стр. 352

صفحة فارغة

стр. 353

(٤ - كتاب الصّيام) (بَاب إِذا غم هِلَال رَمَضَان كملت عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا) البُخَارِيّ: / عَن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] " صُومُوا لرُؤْيَته، وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ ". البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] ذكر رَمَضَان فَقَالَ: " لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ".

стр. 354

(ذكر الْغَرِيب:) غم عَلَيْكُم: يَعْنِي استتر، من قَوْلك: غممت الشَّيْء إِذا سترته وغطيته فَهُوَ مغموم. وَقَوله: فاقدروا لَهُ: ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن المُرَاد بِهِ التَّقْدِير بِحِسَاب الْقَمَر فِي الْمنَازل، أَي اقدروا لَهُ منَازِل الْقَمَر فَإِنَّهُ يدلكم على أَن الشَّهْر تِسْعَة وَعِشْرُونَ أَو ثَلَاثُونَ. قَالَ بعض أهل الْعلم: وَهَذَا خطاب لمن خصّه الله بِهَذَا الْعلم، وَقَوله: فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا للعامة. وَالله أعلم. (بَاب لَا بَأْس بِصَوْم يَوْم الشَّك تَطَوّعا) مَالك: " أَنه سمع أهل الْعلم ينهون عَن أَن يصام (الْيَوْم) الَّذِي يشك فِيهِ من شعْبَان إِذا نوى بِهِ صِيَام رَمَضَان، وَلَا يرَوْنَ بصيامه تَطَوّعا بَأْسا ". وَمَا رُوِيَ أَن عمارا قَالَ: " من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم " مَحْمُول على أَنه صَامَهُ نَاوِيا أَنه من رَمَضَان، كَقَوْلِه ﵇: " لَا تقدمُوا (صَوْم) رَمَضَان بِيَوْم وَلَا بيومين ". (أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم) . فَإِن قيل: فقد روى الْخَطِيب، عَن عبد الله بن جَراد قَالَ: " أَصْبَحْنَا يَوْم الثَّلَاثِينَ صياما، وَكَانَ الشَّهْر قد أُغمي علينا، فأتينا النَّبِي [ ﷺ ] فوجدناه مُفطرا،

стр. 355

فَقلت: يَا نَبِي الله صمنا الْيَوْم قَالَ: أفطروا إِلَّا أَن يكون رجل يَصُوم هَذَا الْيَوْم فليتم صَوْمه، لِأَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان يكون مِنْهُ أحب إِلَيّ من أَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان لَيْسَ مِنْهُ، يَعْنِي لَيْسَ من رَمَضَان. قَالَ الْخَطِيب: فَفِي هَذَا كِفَايَة عَمَّا سواهُ. قلت: قَالَ أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ ﵀: " لَا تكون عصبية أبلغ من هَذَا، فليته روى الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَأَما أَن يعلم عَيبه وَلَا يذكرهُ ثمَّ يمدحه ويثني عَلَيْهِ وَيَقُول فِيهِ كِفَايَة عَمَّا سواهُ، فَهَذَا مِمَّا أزرى بِهِ علمه. أتراه مَا علم أَن أحدا يعرف قبح مَا أَتَى بِهِ، كَيفَ وَهَذَا ظَاهر لكل من شم شَيْئا من علم الحَدِيث / فَكيف بِمن أوغل فِيهِ، أتراه مَا علم أَن فِي الصَّحِيح من روى حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين، وَهَذَا الحَدِيث مَوْضُوع على ابْن جَراد وَلَا أصل لَهُ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَلَا ذكره أحد من الْأَئِمَّة الَّذين جمعُوا السّنَن وترخصوا فِي الضِّعَاف، وَإِنَّمَا هُوَ مَذْكُور فِي نُسْخَة يعلى بن الْأَشْدَق، قَالَ أَبُو زرْعَة: يعلى بن الْأَشْدَق لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي الْحَافِظ: ليعلى بن الْأَشْدَق عَن عَمه عبد الله بن جَراد عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَحَادِيث كَثِيرَة مُنكرَة، وَهُوَ وَعَمه غير معروفين. وَقَالَ البُخَارِيّ: يعلى لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان: لَقِي يعلى عبد الله بن جَراد، فَلَمَّا كبر اجْتمع عَلَيْهِ من لَا دين لَهُ، فوصفوا لَهُ مَا يواتي نُسْخَة عبد الله بن جَراد. فَجعل يحدث بهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ بِحَال. قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ ﵀: وَمَا كَانَ هَذَا يخفى على الْخَطِيب، غير أَن العصبية تغطي على الذِّهْن، وَإِنَّمَا يبهرج مَا يخفي، وَمثل هَذَا لَا يخفى، نَعُوذ بِاللَّه من غلبات الْهوى. قلت: وَهَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ إِنَّمَا عَنى بِهِ خطيب بَغْدَاد فِي ذَلِك الزَّمَان، وَبئسَ خطيب الْقَوْم كَانَ، فَإِن بِسَبَب وُقُوعه فِي الْأَئِمَّة الْأَعْيَان، ونسبته إِلَيْهِم

стр. 356

الزُّور والبهتان جعل من الَّذين على رَسُول الله [ ﷺ ] يكذبُون، ﴿ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ . فقد تجرأ على الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بتاريخ بَغْدَاد، وسلك فِي ثلبه سَبِيل الْبَغي والعناد، وَأظْهر بتكلمه فِيهِ صُورَة النصح للعباد، وحذا فِي ذَلِك حَذْو فِرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿ذروني أقتل مُوسَى وليدع ربه إِنِّي أَخَاف أَن يُبدل دينكُمْ أَو أَن يظْهر فِي الأَرْض الْفساد﴾ . واختلق عَلَيْهِ أقوالا وأفعالا، وَكَانَ لاختلافه ذَلِك من الأخسرين أعمالا، وَقدم على مَا وَضعه فِي كِتَابه من مثالبه، نبذة يسيرَة من مناقبه ليوهم من سَمعه أَنه لَيْسَ بمتقول (بِهِ) عَلَيْهِ، وَأَنه لم يذكر فِي كِتَابه (عَنهُ) إِلَّا مَا نقل إِلَيْهِ. وَقد تتبعت النقاد مَا ذكره من المثالب، فوجدوه فِي جَمِيع مَا نَقله مِنْهَا كَاذِب، فَكَانَ / بذلك من الَّذين يلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ ويكتمون الْحق وهم يعلمُونَ، ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ، وَقد كَانَ كَمَا بلغنَا من الْمُحدثين، وَلَكِن الله تَعَالَى آتَاهُ آيَاته ﴿فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين﴾ .

стр. 357

(بَاب من نسي أَن يَنْوِي بِاللَّيْلِ أَجْزَأته النِّيَّة مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار) البُخَارِيّ وَغَيره: عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ: " أَمر النَّبِي [ ﷺ ] رجلا من أسلم أَن أذن فِي النَّاس (أَن) من (كَانَ) أكل فليصم بَقِيَّة يَوْمه، وَمن لم يكن أكل فليصم فَإِن الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء ". وعاشوراء يَوْمئِذٍ كَانَ عَلَيْهِم فرضا. يدل على ذَلِك مَا روى البُخَارِيّ: عَن عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] أَمر بصيام يَوْم عَاشُورَاء، فَلَمَّا فرض رَمَضَان كَانَ من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر ". قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " فَفِي أَمر النَّبِي [ ﷺ ] إيَّاهُم بصومه بَعْدَمَا أَصْبحُوا، دَلِيل على أَن من (كَانَ) فِي يَوْم عَلَيْهِ صَوْمه بِعَيْنِه، وَلم يكن نوى صَوْمه من اللَّيْل، أَنه يُجزئهُ أَن يَنْوِي صَوْمه بَعْدَمَا أصبح إِذا كَانَ (ذَلِك) قبل الزَّوَال، على مَا قَالَ أهل الْعلم ". فَإِن قيل: صَوْم (يَوْم) عَاشُورَاء إِن كَانَ الْأَمر بصيامه فِي أول الْفَرْض،

стр. 358

فالفرض من حِين الْخطاب، وَإِن كَانَ فِي وَقت نسخ فَرْضه، وَبَقِي تَطَوّعا، فَيجوز أَنه أخْبرهُم قبل دُخُوله وَأَشَارَ إِلَيْهِم بِهِ، وَإِلَّا فَلَا معنى لهَذَا. وَالَّذِي يدل على صِحَة هَذَا أَنه لم يرو أحد أَن النَّبِي [ ﷺ ] أَمر فِي (يَوْم) عَاشُورَاء من أكل بِقَضَاء. قيل لَهُ: الْفَرْض كَانَ قبل الْخطاب، وَالْخطاب كَانَ معلما بِثُبُوتِهِ، كَالشَّهَادَةِ بِرُؤْيَة الْهلَال، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع: فَإِن الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء. فَفِي هَذَا أَنهم كَانُوا عَالمين بشرعية صَوْمه، وَلم يَكُونُوا عَالمين بِأَنَّهُ هُوَ هَذَا الْيَوْم. وَقد روى أَبُو دَاوُد: عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلمَة، عَن عَمه أَن أسلم أَتَت النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: " أصمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه "، وَأخرجه النَّسَائِيّ. فَإِن قيل: / فَمَا جوابك عَن قَوْله ﵇: " من لم يبيت الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ ". قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث لم يرفعهُ الْحفاظ الَّذين يَرْوُونَهُ عَن ابْن شهَاب، ويختلفون فِيهِ اخْتِلَافا يجب اضْطِرَاب الحَدِيث بِمَا هُوَ دونه.

стр. 359

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: عَن حَفْصَة، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من لم يجمع الصّيام من اللَّيْل قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ ". قَالَ أَبُو عِيسَى: " حَدِيث حَفْصَة لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَقد رُوِيَ عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَوْله، وَهُوَ أصح ". قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " وَلَكِن مَعَ ذَلِك نثبته ونجعله على خَاص من الصَّوْم وَهُوَ الصَّوْم الْفَرْض الَّذِي لَيْسَ فِي أَيَّام بِعَينهَا، مثل الصَّوْم فِي الْكَفَّارَات وَقَضَاء رَمَضَان وَمَا أشبه ذَلِك ". وروى التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ قَالَت: " دخل عَليّ رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْمًا فَقَالَ: هَل عنْدكُمْ شَيْء؟ قَالَت: قلت: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِم ". قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ: " فَلَمَّا جَاءَت هَذِه الْآثَار على مَا ذكرنَا لم يجز أَن نجْعَل بَعْضهَا مُخَالفا لبَعض، فحملنا حَدِيث عَائِشَة على صَوْم التَّطَوُّع، وَحَدِيث يَوْم عَاشُورَاء على الصَّوْم الْمَفْرُوض فِي الْيَوْم الَّذِي بِعَيْنِه، فَكَذَلِك حكم الصَّوْم الْمَفْرُوض فِي ذَلِك (الْيَوْم) جَائِز أَن يعْقد لَهُ النِّيَّة بعد طُلُوع الْفجْر، وَمن ذَلِك شهر رَمَضَان فَهُوَ فرض فِي أَيَّام بِعَينهَا كَيَوْم عَاشُورَاء.

стр. 360

(بَاب الصَّوْم فِي السّفر جَائِز) مَالك: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] خرج إِلَى مَكَّة (عَام الْفَتْح) فِي رَمَضَان، فصَام حَتَّى بلغ الكديد، ثمَّ أفطر وَأفْطر النَّاس، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بالأحدث فالأحدث من أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] ". وَمعنى هَذَا أَنهم لم يَكُونُوا علمُوا قبل ذَلِك أَن للْمُسَافِر أَن يفْطر فِي السّفر، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَن يفْطر فِي الْحَضَر. وَعنهُ: أَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ ﵁، قَالَ لرَسُول الله [ ﷺ ] : (يَا رَسُول الله) إِنِّي رجل أَصوم، أفأصوم فِي السّفر؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] : إِن شِئْت فَصم وَإِن شِئْت فَأفْطر ". (ذكر الْغَرِيب:) الكديد: الأَرْض الصلبة المكدودة بالحوافر، وَهُوَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا بَين عسفان وقديد فِي طَرِيق مَكَّة شرفها الله تَعَالَى /.

стр. 361

(بَاب صَوْم رَمَضَان للْمُسَافِر أفضل من الْفطر) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ . الطَّحَاوِيّ: عَن عَاصِم الْأَحول قَالَ: " سَأَلت أنس بن مَالك ﵁ عَن صَوْم شهر رَمَضَان فِي السّفر فَقَالَ: الصَّوْم أفضل ". وَقَوله [ ﷺ ] : " إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر الصّيام ". يجوز أَن يكون ذَلِك الصّيام الَّذِي وَضعه عَنهُ هُوَ الصّيام الَّذِي لَا يكون لَهُ مِنْهُ بُد فِي تِلْكَ الْأَيَّام، كَمَا لَا بُد للمقيم من ذَلِك. وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا قد دلّ على (هَذَا) الْمَعْنى، (أَلا ترَاهُ) يَقُول: وَعَن الْحَامِل والمرضع. (أَفلا ترى أَن الْحَامِل والمرضع) إِذا صامتا رَمَضَان أَن ذَلِك يجزيهما، وأنهما لَا يكونَانِ كمن صَامَ قبل وجوب الصَّوْم عَلَيْهِ، بل جَعَلْنَاهُ يجب (الصَّوْم) عَلَيْهِمَا بِدُخُول الشَّهْر، وَجعل لَهما تَأْخِيره للضَّرُورَة، وَالْمُسَافر (فِي ذَلِك) مثلهمَا.

стр. 362

(بَاب إِذا جَامع امْرَأَته فِي رَمَضَان لزمتها الْكَفَّارَة إِن كَانَت مطاوعة (لَهُ)) لِأَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الْفِعْل، وَقد وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فَتجب عَلَيْهَا. فَإِن قيل: فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] (لما) أَمر الَّذِي جَامع بِالْكَفَّارَةِ لم يَأْمُرهُ بِشَيْء فِي حق امْرَأَته. قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكون ذكر حكمهَا وَلم ينْقل، أَو ترك النَّبِي [ ﷺ ] الْبَيَان فِي حَقّهَا، لِأَنَّهَا لم تأته وَلم (تسأله وَلم) يسْأَله (زَوجهَا) عَن حكمهَا. فَإِن قيل: فقد بَين مَا لم يسْأَل عَنهُ فِي حَدِيث العسيف وَهُوَ قَوْله: " اغْدُ يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها ". قيل لَهُ: لم يكن هَذَا وَاجِبا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تبرع بِهِ، ثمَّ الْفرق بَين (قَضِيَّة) العسيف (وَبَين مَسْأَلَتنَا من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه أخبر فِي حَدِيث العسيف) أَنه أوجب الْحَد، وَهُوَ حق من حُقُوق الله تَعَالَى، وَيلْزم الإِمَام اسْتِيفَاؤهُ، وَالْكَفَّارَة مُعَاملَة بَين العَبْد وَبَين ربه لَا نظر للْإِمَام فِيهَا. وَالثَّانِي: (أَن) الْحَد فِي قَضِيَّة العسيف مُخْتَلف، فَاحْتَاجَ إِلَى شرح من يجب

стр. 363

عَلَيْهِ الْحَد وَمن يجب عَلَيْهِ الرَّجْم، وَالْحكم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مُتحد، وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ . وألحقنا بِهَذَا العَبْد. ثمَّ سُكُوته ﵇ لَا يدل على السُّقُوط، / لاحْتِمَال أَن يكون لعَارض صرفه عَن ذكره، أَو شغل شغله، أَو لَعَلَّه علم أَنَّهَا لَا يلْزمهَا الْكَفَّارَة لكَونهَا ذِمِّيَّة، أَو مَجْنُونَة أَو مُكْرَهَة يدل على ذَلِك أَنه قَالَ: " هَلَكت وأهلكت " وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن إهلاكا، أَو لِأَنَّهُ (قبل قَوْله) فِي حق نَفسه وَلم يقبل قَوْله فِي حَقّهَا، وَفِيه دَلِيل على أَنه كَانَ عَامِدًا، فَإِن النَّاسِي غير هَالك، وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى سعيد بن الْمسيب قَالَ: " أَتَى أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ينتف شعره وَيضْرب خديه وَيَقُول هلك الْأَبْعَد ". (بَاب تجب الْكَفَّارَة بِالْأَكْلِ مُتَعَمدا) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَامر بن سعد، عَن أَبِيه، قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: " أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا، قَالَ: أعتق رَقَبَة، أَو صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين أَو أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا ".

стр. 364

(بَاب الْكَفَّارَة مرتبَة) البُخَارِيّ: وَغَيره: عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " بَينا نَحن جُلُوس عِنْد النَّبِي [ ﷺ ] إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَلَكت، قَالَ: مَا لَك؟ قَالَ: (وَقعت على) امْرَأَتي وَأَنا صَائِم، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : هَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع (أَن) تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَجِد إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا (قَالَ) فَمَكثَ النَّبِي [ ﷺ ] فَبَيْنَمَا نَحن على ذَلِك أُتِي النَّبِي [ ﷺ ] بعرق فِيهِ تمر - والعرق المكتل - قَالَ: أَيْن السَّائِل؟ فَقَالَ: أَنا، قَالَ: خُذ هَذَا فَتصدق بِهِ، فَقَالَ الرجل: أَعلَى أفقر مني يَا رَسُول الله، فوَاللَّه مَا بَين لابتيها - يُرِيد الحرتين - أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي، فَضَحِك النَّبِي [ ﷺ ] حَتَّى بَدَت أنيابه ثمَّ قَالَ: أطْعمهُ أهلك ". (بَاب قَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ فِي قَضَاء رَمَضَان: " إِن شَاءَ فرق وَإِن شَاءَ تَابع ".

стр. 365

فَإِن قيل: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " لم يسْندهُ غير سُفْيَان بن بشر ". قيل لَهُ: لم نَعْرِف أحدا طعن فِيهِ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة ". فَإِن قيل: / روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم رَمَضَان (فليسرده) وَلَا يقطعهُ ". قيل لَهُ: فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم، قَالَ يحيى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. (بَاب فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي وَقضى الأول بعده وَلَا فديَة عَلَيْهِ لقَوْل الله : ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ فَإِن قيل: روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِي رجل أفطر فِي رَمَضَان (من مرض) ثمَّ صَحَّ وَلم يصم حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر قَالَ:

стр. 366

" يَصُوم (الَّذِي أدْركهُ، ثمَّ يَصُوم) الشَّهْر الَّذِي أفطر فِيهِ وَيطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا ". قيل لَهُ فِي سَنَده إِبْرَاهِيم بن نَافِع. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ كَانَ يكذب. وَفِيه عمر، قَالَ فِيهِ أَيْضا: كَانَ يضع الحَدِيث. (بَاب من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم (لَا يُجزئ) صَوْم الْوَلِيّ عَنهُ) ابْن عبد الْبر: عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد، وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مدا من حِنْطَة ". وروى التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكين ". قَالَ التِّرْمِذِيّ: " لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف على ابْن عمر ". فَإِن قيل: فِي سَنَده أَشْعَث - وَهُوَ ابْن سوار - قَالَ يحيى بن معِين: " لَا شَيْء ". قيل لَهُ: وَفِي رِوَايَة أَنه ثِقَة.

стр. 367

فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد: عَن عَائِشَة ﵂، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه ". وروى التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَت: إِن أُخْتِي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أختك دين أَكنت تقضيه؟ قَالَت: نعم، قَالَ: فدين الله أَحَق ". قيل لَهُ: الأول معَارض بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ . ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ . وَحَدِيث التِّرْمِذِيّ لَيْسَ فِيهِ إِلْزَام بل " أنبأها أَن مُرَاعَاة حق الله أولى، وَلَو ازْدحم حق الله تَعَالَى وَحقّ الْآدَمِيّ لقدم / (حَقه) لفقره وَحَاجته "، وَقد كَانَ الْآدَمِيّ يقْضِي عِبَادَته من الصَّوْم فِي حَيَاته (بِبدنِهِ) إمساكا، وَكَانَ (يَقْضِيهَا) بِمَا لَهُ فِي وَقت تصدقا وإطعاما، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] للْوَلِيّ: صم عَنهُ الصَّوْم الَّذِي يُمكن النِّيَابَة فِيهِ، وَهُوَ الصَّدَقَة عَن التَّفْرِيط فِي الصّيام. وَالله أعلم.

стр. 368

(بَاب الْحجامَة لَا تفطر الصَّائِم) البُخَارِيّ: وَغَيره: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] احْتجم وَهُوَ صَائِم ". وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: " وَهُوَ محرم صَائِم ". فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد وَغَيره: عَن ثَوْبَان ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " أفطر الحاجم والمحجوم ". قيل لَهُ: حَدِيث ابْن عَبَّاس مُتَأَخّر عَن حَدِيث ثَوْبَان، (فَإِن ابْن عَبَّاس لم يصحب رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ محرم إِلَّا فِي حجَّة الْوَدَاع) ، وَفِي حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَتَى على رجل بِالبَقِيعِ وَهُوَ يحتجم، وَهُوَ آخذ بيَدي لثمان عشرَة خلت من رَمَضَان، فَقَالَ: أفطر الحاجم والمحجوم ". وَفِي حَدِيثه أَيْضا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، وعام الْفَتْح كَانَ فِي سنة ثَمَان، وَحجَّة الْوَدَاع كَانَت سنة عشر، والمتأخر ينْسَخ الْمُتَقَدّم. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁ أَنه قَالَ:

стр. 369

(أول) مَا كرهت الْحجامَة للصَّائِم أَن جَعْفَر بن أبي طَالب احْتجم وَهُوَ صَائِم فَمر بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " أفطر هَذَانِ، ثمَّ رخص النَّبِي [ ﷺ ] بعد فِي الْحجامَة للصَّائِم ". وَكَانَ أنس ﵁ يحتجم وَهُوَ صَائِم. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " رِجَاله كلهم ثِقَات وَلَا أعلم لَهُ عِلّة ". وروى البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد: عَن ثَابت قَالَ أنس: " مَا كُنَّا نَدع الْحجامَة للصَّائِم إِلَّا كَرَاهِيَة الْجهد ". الطَّحَاوِيّ: عَن أبي ألأشعث قَالَ: " إِنَّمَا قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] أفطر الحاجم والمحجوم لِأَنَّهُمَا كَانَا يغتابان ". (بَاب إِذا أصبح فِي رَمَضَان جنبا أتم صَوْمه وأجزأه) البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة زَوجي النَّبِي [ ﷺ ] أَنَّهُمَا قَالَتَا: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يصبح جنبا فِي رَمَضَان من جماع غير احْتِلَام، ثمَّ يَصُوم ذَلِك الْيَوْم ".

стр. 370

(/ بَاب لَا يكره السِّوَاك للصَّائِم قبل الزَّوَال وَلَا بعده) أَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه ﵄ قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يستاك وَهُوَ صَائِم مَا لَا أعد وَلَا أحصي ". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: " حَدِيث حسن "، (وَأخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا عَن عَامر بن ربيعَة) . فَإِن قيل: رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ: " لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك ". فَصَارَ (ممدوحا) شرعا، فَلم يجز إِزَالَته بِالسِّوَاكِ كَدم الشَّهِيد. قيل لَهُ: السِّوَاك مطهرة للفم، فَلَا يكره لَا سِيمَا وَهِي رَائِحَة تتأذى الْمَلَائِكَة بهَا فَلَا تتْرك هُنَاكَ، وَإِنَّمَا مدح الخلوف نهيا عَن (تقزز) مكالمة الصَّائِم بِسَبَب الخلوف، لَا نهيا للصَّائِم عَن السِّوَاك، وَالله غَنِي عَن وُصُول الرَّائِحَة الطّيبَة إِلَيْهِ، فَعلمنَا يَقِينا أَنه لم يرد بِالنَّهْي اسْتِبْقَاء الرَّائِحَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ نهي النَّاس عَن كراهيتها. وَهَذَا التَّأْوِيل أولى، لِأَن فِيهِ إِكْرَاما للصَّائِم، وَلَا تعرض فِيهِ للسواك، وَأما دم الشَّهِيد (فَإِنَّمَا) يبْقى لِأَنَّهُ قتل مَظْلُوما، وَيَأْتِي خصما، وَمن شَأْن الْخصم أَن تكون حجَّته بادية،

стр. 371

وشهادته ظَاهِرَة غير خُفْيَة، لَا سِيمَا وَفِي إِزَالَة الخلوف بِالسِّوَاكِ إخفاء الصَّوْم، وَهُوَ أبعد من الرِّيَاء. (بَاب لَا يكره الصَّوْم بعد النّصْف من شعْبَان) أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: عَن عبد الله بن أبي قيس، سمع عَائِشَة ﵂ تَقول: " كَانَ أحب الشُّهُور إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] (أَن) يَصُومهُ شعْبَان، ثمَّ يصله برمضان ". فَإِن قيل: هَذَا مَحْمُول على أَنه كَانَ مُبَاحا للنَّبِي [ ﷺ ] فعله، وَقَوله ﵇: " لَا صَوْم بعد النّصْف من شعْبَان حَتَّى رَمَضَان ". مَحْمُول على أَنه كَانَ مَحْظُورًا على غَيره. قيل لَهُ: إِنَّمَا كَانَ النَّهْي على سَبِيل الإشفاق مِنْهُ على صوام رَمَضَان أَن يضعفوا، وَقَوله ﵇: " أحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد، كَانَ يفْطر يَوْمًا ويصوم يَوْمًا ". فأباح النَّبِي [ ﷺ ] صَوْم يَوْم وَفطر يَوْم من سَائِر الدَّهْر، فَدخل مَا بعد نصف شعْبَان فِي الْإِبَاحَة.

стр. 372

(بَاب من أَرَادَ صَوْم يَوْم عَاشُورَاء فليصم الْيَوْم التَّاسِع قبله) مُسلم وَأَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " حِين صَامَ النَّبِي [ ﷺ ] يَوْم عَاشُورَاء وَأمر بصيامه قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّه يَوْم تعظمه الْيَهُود وَالنَّصَارَى، / فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : فَإِذا كَانَ (الْعَام) الْمقبل، صمنا يَوْم التَّاسِع، فَلم يَأْتِ الْعَام الْمقبل حَتَّى توفّي رَسُول الله [ ﷺ ] ". وَهَكَذَا (حكم صَوْم) (يَوْم) الْجُمُعَة، وَيَوْم السبت. فَائِدَة: " زعم بعض أهل اللُّغَة أَنه إِنَّمَا سمي عَاشُورَاء، لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من أعشار أوراد الْإِبِل، وَالْعشر عِنْدهم بِكَسْر الْعين تِسْعَة أَيَّام، تَقول الْعَرَب: وَردت الْإِبِل عشرا إِذا وَردت فِي الْيَوْم التَّاسِع، وَذَلِكَ أَنهم يحسبون فِي الإظماء يَوْم الْورْد، فَإِذا أَقَامُوا فِي الرَّعْي يَوْمَيْنِ ثمَّ أوردوا فِي الْيَوْم الثَّالِث، قَالُوا: وردنا ربعا، وَإِنَّمَا هُوَ الثَّالِث، وَإِذا أَقَامُوا فِي الرَّعْي ثَلَاثًا وأوردوا فِي الرَّابِع، قَالُوا: وردنا خمْسا، فعاشوراء على هَذَا الْحساب هُوَ الْيَوْم التَّاسِع ". وَمن هَذَا قَالُوا عشْرين على الْجمع (وَلم يَقُولُوا عشْرين) ، لأَنهم جعلُوا ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا (عشْرين) ، وَالْيَوْم التَّاسِع (عشر) والمكمل عشْرين طَائِفَة من الْورْد فَجَمعه عشْرين. ذكره الْخطابِيّ.

стр. 373

وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " وَالْعشر بِكَسْر الْعين: مَا بَين الوردين، وَهُوَ ثَمَانِيَة أَيَّام، لِأَنَّهَا ترد الْيَوْم الْعَاشِر. وَكَذَلِكَ الإظماء بِالْكَسْرِ وَلَيْسَ لَهَا اسْم بعد الْعشْر إِلَّا فِي الْعشْرين فَإِذا وَردت يَوْم الْعشْرين قيل: ظمؤها عشران، وَهُوَ ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا ". قَالَ الْجَوْهَرِي: وَالْعشر (والظمء) والورد الْكل بِالْكَسْرِ، وَشَرحه بَعضهم فَقَالَ: وَإِنَّمَا قَالُوا عشْرين (على الْجمع) وَلم يَقُولُوا عشْرين على التَّثْنِيَة، لِأَن ثَمَانِيَة عشرَة عشران فضم إِلَى ذَلِك (تَاسِع عشر) وَمَا بعده فَصَارَ جمعا فَقَالُوا عشْرين. وَالله أعلم.

стр. 374

صفحة فارغة

стр. 375

(٥ - كتاب الِاعْتِكَاف) (بَاب لَا يَصح الِاعْتِكَاف (الْوَاجِب) إِلَّا بِالصَّوْمِ) مَالك: أَنه بلغه أَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، ونافعا مولى عبد الله بن عمر، قَالَا: " لَا اعْتِكَاف إِلَّا بصيام ". الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ أَن نَبِي الله [ ﷺ ] قَالَ: " لَا اعْتِكَاف إِلَّا بصيام ". النَّسَائِيّ: أَن عمر بن الْخطاب ﵁ نذر أَن يعْتَكف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأمره رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يعْتَكف ويصوم ".

стр. 376

(بَاب الْمَرْأَة تعتكف فِي بَيتهَا) البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا: / عَن عَائِشَة ﵂: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] أَرَادَ أَن يعْتَكف، فَلَمَّا انْصَرف إِلَى الْمَكَان الَّذِي أَرَادَ أَن يعْتَكف فِيهِ، إِذا أخبية، خباء عَائِشَة وخباء حَفْصَة، وخباء زَيْنَب، فَقَالَ: آلبر تردن؟ ثمَّ انْصَرف وَلم يعْتَكف حَتَّى اعْتكف عشرا من شَوَّال ".

стр. 377

(٦ - كتاب الْمَنَاسِك) (بَاب الْحَج وَاجِب على الْفَوْر) التِّرْمِذِيّ: عَن الْحَارِث، عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من ملك زادا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ". وَهَذَا يَقْتَضِي (أَن) من غلب على ظَنّه أَنه لَا يعجز عَن الْحَج فَمَاتَ قبل أَن يحجّ يسْتَحق الْوَعيد. فَإِن قيل: إِن النَّبِي [ ﷺ ] حج فِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة، وَهِي آخر عمره، وَكَانَ فتح مَكَّة سنة ثَمَان، وَبعث أَبَا بكر ﵁ ليحج بِالنَّاسِ سنة تسع فَدلَّ

стр. 378

(على) أَنه أخر (الْحَج) مَعَ التَّمَكُّن. وَالْوُجُوب كَانَ (قبل) فتح مَكَّة، وَلنَا فِيهِ أُسْوَة حَسَنَة. قيل لَهُ: أما حج النَّبِي [ ﷺ ] فَمن الْمُحْتَمل أَنه أَخّرهُ بِعُذْر من فقر أَو خوف على الْمَدِينَة من الْمُشْركين، أَو كَانَ يكره إِظْهَار الْمُشْركين أَعْلَام الشّرك فِي الْحرم، وَلم يُمكنهُ الْمَنْع لقِيَام الْعَهْد بَينهم، وَكَانَ ينْتَظر انْقِضَاء مُدَّة الْعَهْد، وَفرض الْحَج كَانَ سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَفتح مَكَّة كَانَ سنة ثَمَان وَيجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] علم من طَرِيق الْوَحْي أَنه يدْرك، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذِه الِاحْتِمَالَات أَنا اتفقنا على أَن التَّعْجِيل أفضل، وَالرَّسُول [ ﷺ ] لَا يتْرك الْأَفْضَل إِلَّا لعذر. (بَاب إِذا كَانَ بَين الْمَرْأَة وَبَين مَكَّة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجب عَلَيْهَا الْحَج إِلَّا مَعَ زوج أَو محرم) البُخَارِيّ وَغَيره: عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا مَعَ ذِي محرم ". البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سمع النَّبِي [ ﷺ ] يخْطب يَقُول: " لَا يخلون رجل بِامْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم، وَلَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم،

стр. 379

فَقَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِن امْرَأَتي خرجت حَاجَة، وَإِنِّي اكتتبت فِي غَزْوَة / كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: انْطلق حج مَعَ امْرَأَتك ". فَإِن قيل: فقد روى البُخَارِيّ وَغَيره: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة لَيْسَ مَعهَا محرم ". قيل لَهُ: الْعَمَل بِحَدِيث الثَّلَاث أولى من الْعَمَل بِحَدِيث الْيَوْم وَاللَّيْلَة، لِأَن حَدِيث الثَّلَاث إِن (كَانَ) مُتَقَدما كَانَ حَدِيث الْيَوْم وَاللَّيْلَة مقررا (لحكمه) ، وَإِن كَانَ حَدِيث الْيَوْم وَاللَّيْلَة مُتَقَدما كَانَ حَدِيث الثَّلَاث نَاسِخا لَهُ، فَحَدِيث الثَّلَاث مَعْمُول بِهِ على كلا التَّقْدِيرَيْنِ، وَحَدِيث الْيَوْم وَاللَّيْلَة مَعْمُول بِهِ على أحد التَّقْدِيرَيْنِ. قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الرَّازِيّ وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن حكام الرَّازِيّ (قَالَ) : سَأَلت أَبَا حنيفَة ﵁ هَل تُسَافِر الْمَرْأَة بِغَيْر محرم؟ قَالَ: لَا، نهى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا إِلَّا وَمَعَهَا زَوجهَا، أَو أَبوهَا، أَو ذُو محرم مِنْهَا. قَالَ حكام: فَسَأَلت الْعَرْزَمِي، فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك، حَدثنِي عَطاء أَن عَائِشَة ﵂ كَانَت تُسَافِر بِغَيْر محرم، فَأتيت أَبَا حنيفَة ﵁ فَأَخْبَرته بذلك، فَقَالَ (أَبُو حنيفَة ﵁ : لم يدر الْعَرْزَمِي مَا روى، كَانَ النَّاس لعَائِشَة ﵂ محرما، فَمَعَ أَيهمْ سَافَرت فقد سَافَرت مَعَ محرم، وَلَيْسَ النَّاس لغَيْرهَا محرما ".

стр. 380

قلت: ظن الْعَرْزَمِي أَن سفر عَائِشَة ﵂ بِغَيْر محرم دَلِيل على نسخ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو حنيفَة، لِأَن الحَدِيث حكمه مُخْتَصّ بِالنسَاء، وَهِي من جملَة الداخلين تَحت الْخطاب، وَهِي صحابية، وَقد فعلت خلاف مَا اقْتَضَاهُ الحَدِيث، فَدلَّ على أَنَّهَا اطَّلَعت على نسخه، فَبين أَبُو حنيفَة ﵁ أَن فعل عَائِشَة ﵂ لَيْسَ بِدَلِيل على نسخ (الحَدِيث) ، لما ذكره من الْمَعْنى، وَإِلَى هَذَا ذهب النَّخعِيّ، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَأحمد، وَإِسْحَاق. وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا تخرج مَعَ امْرَأَة حرَّة مسلمة ثِقَة (من) النِّسَاء، قِيَاسا على الْأَسِيرَة الْمسلمَة إِذا تخلصت من أَيدي الْكفَّار، أَو الْكَافِرَة إِذا أسلمت فِي دَار الْحَرْب، فَإِنَّهَا يجوز لَهَا الْخُرُوج إِلَى دَار الْإِسْلَام بِلَا محرم. / وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه سفر وَاجِب فَكَذَلِك الْحَج. قلت: " هَذَا قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص فَلَا يَصح، وَلِأَنَّهُمَا لَو كَانَا سَوَاء لجَاز لَهَا أَن تحج من غير محرم وَلَا امْرَأَة ". (بَاب من أَرَادَ أَن يحرم صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أحرم فِي دبرهَا) أَبُو دَاوُد: عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: " قلت لعبد الله بن عَبَّاس ﵄: عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] فِي إهلال رَسُول الله [ ﷺ ] (حِين

стр. 381

أوجب) فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك (إِنَّهَا لما) كَانَت من رَسُول الله [ ﷺ ] حجَّة وَاحِدَة فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا، خرج رَسُول الله [ ﷺ ] حَاجا فَلَمَّا صلى فِي مَسْجده، بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ أوجب فِي مَجْلِسه، فَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظوه عَنهُ، ثمَّ ركب فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل. وَأدْركَ ذَلِك (مِنْهُ) أَقوام (وَذَلِكَ) أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل (رَسُول الله [ ﷺ ] ) حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، ثمَّ مضى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَلَمَّا علا شرف الْبَيْدَاء أهل، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء، وأيم الله لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، وَأهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء ". لَكِن فِي سَنَده خصيف وَمُحَمّد بن إِسْحَاق. التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] أهل فِي دبر الصَّلَاة " (حَدِيث) حسن غَرِيب. (ذكر الْغَرِيب:) الْبَيْدَاء الْمَفَازَة، وَالْجمع بيد. قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: " اسْم أَرض ملساء بَين المسجدين "، وَفَسرهُ فِي اللُّغَة بِمَا قَالَه الْجَوْهَرِي.

стр. 382

(بَاب يجوز أَن يتطيب قبل الْإِحْرَام بِمَا يبْقى أَثَره بعده) البُخَارِيّ وَغَيره: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص الطّيب فِي مفارق رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ محرم ". وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين أَصْحَابنَا فِي الْمَشْهُور من الرِّوَايَة، وَلم ترو كَرَاهَته عَن أحد من أَصْحَابنَا (إِلَّا) عَن مُحَمَّد ﵀. (وَقد نسب) الْبَغَوِيّ (هَذَا القَوْل إِلَى أبي حنيفَة ﵀ وَقَالَ) : " قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن تطيب بِمَا يبْقى أَثَره بعد الْإِحْرَام فَعَلَيهِ الْفِدْيَة، كَمَا لَو استدام لبس الْمخيط. قَالَ والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ " /. قلت: لم يكف الْبَغَوِيّ فِي التعصب أَنه نسب إِلَى أبي حنيفَة خلاف مذْهبه حَتَّى جعل الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة ﵁. (ذكر الْغَرِيب:) وبيص الْمسك: بريقه (ولمعانه) . وَالله أعلم.

стр. 383

(بَاب إِذا لم يجد إزارا لبس سراويلا وَكفر) البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب؟ قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (لَا يلبس) (القمص) وَلَا السراويلات، وَلَا البرانس، وَلَا الْخفاف، إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ ". التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر بن زيد، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " الْمحرم إِذا لم يجد الإفزار فليلبس السَّرَاوِيل، فَإِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ ". فَهَذَا الحَدِيث مُطلق، وَالَّذِي قبله مُقَيّد، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ لبس الْخُفَّيْنِ بعد قطعهمَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، وَهَذَا التَّقْيِيد (مُؤذن بالتقييد) فِي لبس السَّرَاوِيل،

стр. 384

فَيَنْبَغِي أَن يكون لبس الْمحرم لَهُ على خلاف مَا يلْبسهُ الْحَلَال. وَذَلِكَ (يُوجب) الْكَفَّارَة. (بَاب لَا يلبس الْمحرم ثوبا مَسّه ورس وَلَا عصفر وَلَا زعفران إِلَّا أَن يكون غسيلا لَا تفوح لَهُ رَائِحَة) الطَّحَاوِيّ: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵄، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تلبسوا ثوبا مَسّه ورس أَو زعفران إِلَّا أَن يكون غسيلا ". يَعْنِي فِي الْإِحْرَام. قَالَ ابْن أبي عمرَان: " وَرَأَيْت يحيى بن معِين يتعجب من الْحمانِي أَن يحدث بِهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ (لَهُ) عبد الرَّحْمَن: هَذَا عِنْدِي، ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ فَأخْرج مِنْهُ (هَذَا) الحَدِيث عَن أبي (مُعَاوِيَة) كَمَا ذكره يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي فَكَتبهُ (عَنهُ) يحيى بن معِين ". (بَاب من أحرم وَعَلِيهِ جُبَّة أَو قَمِيص نزعهما) التِّرْمِذِيّ: عَن صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة، عَن أَبِيه قَالَ: " رأى

стр. 385

رَسُول الله [ ﷺ ] أَعْرَابِيًا قد أحرم وَعَلِيهِ جُبَّة فَأمره أَن يَنْزِعهَا ". وَمن طَرِيق أبي دَاوُد: فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " اخلع جبتك فخلعها من رَأسه "، وَإِلَى هَذَا ذهب عَطاء وَعِكْرِمَة رحمهمَا الله تَعَالَى. (بَاب الْقرَان أفضل من التَّمَتُّع والإفراد) البُخَارِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سمع عمر ﵁ يَقُول: " سَمِعت النَّبِي [ ﷺ ] بوادي العقيق يَقُول: أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي فَقَالَ: صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك، وَقل: عمْرَة فِي حجَّة " /. وَعنهُ: عَن مَرْوَان بن الحكم قَالَ: " شهِدت عُثْمَان وعليا ﵄، وَعُثْمَان ينْهَى عَن الْمُتْعَة وَأَن يجمع بَينهمَا، فَلَمَّا رأى عَليّ ذَلِك أهل بهما لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة، وَقَالَ: مَا كنت لأدع سنة النَّبِي [ ﷺ ] لقَوْل أحد ". الطَّحَاوِيّ: عَن مَرْوَان بن الحكم قَالَ: " كُنَّا نسير مَعَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَإِذا رجل يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، فَقَالَ عُثْمَان: من هَذَا؟ فَقَالُوا عَليّ، فَأَتَاهُ عُثْمَان فَقَالَ: ألم تعلم أَنِّي نهيت عَن هَذَا، فَقَالَ بلَى وَلَكِنِّي لم أكن لأدع قَول النَّبِي [ ﷺ ] لِقَوْلِك ".

стр. 386

فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] أفرد الْحَج وَرُوِيَ أَنه تمتّع وَرُوِيَ أَنه قرن. فَمَا طَرِيق التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات وَكلهَا فِي الصَّحِيح. قيل لَهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " طَرِيق التَّوْفِيق بَينهَا أَنه [ ﷺ ] أحرم بِعُمْرَة فِي بَدْء أمره (فَمضى فِيهَا) مُتَمَتِّعا ثمَّ أحرم بِحجَّة قبل طَوَافه وأفردها بِالْإِحْرَامِ فَصَارَ (بهَا) قَارنا ". فَإِن قيل: فقد روى مُسلم: عَن أنس بن مَالك ﵁: " أَنه سمع النَّبِي [ ﷺ ] بِالْبَيْدَاءِ، وَأَنه رَدِيف أبي طَلْحَة، يهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة جَمِيعًا ". قَالَ الْخطابِيّ: " وَهَذَا بَيَان أَنه قرن بَينهمَا فِي وَقت وَاحِد، فِي إِحْرَام وَاحِد، وَلم يكن على أَنه أحرم بِأَحَدِهِمَا وَأدْخل عَلَيْهِ الآخر ". قلت: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث إِلَّا أَنه سَمعه بِالْبَيْدَاءِ يهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يدل أَن لَو لم يُوجد من النَّبِي [ ﷺ ] إهلال قبل هَذَا، وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] أهل حِين فرغ من ركعتيه الَّتِي صلاهما فِي مَسْجده بِذِي الحليفة، وَبَين الْمَسْجِد والبيداء مَسَافَة ".

стр. 387

(بَاب إِشْعَار الْبدن لَيْسَ بِسنة) لما روى أَبُو دَاوُد: عَن الْهياج بن عمرَان: " أَن عمرَان أبق لَهُ غُلَام فَجعل لله عَلَيْهِ لَئِن قدر عَلَيْهِ ليقطعن يَده، فأرسلني لأسأل لَهُ، فَأتيت سَمُرَة بن جُنْدُب فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يحثنا على الصَّدَقَة، وينهانا عَن الْمثلَة. قَالَ فَأتيت عمرَان بن الْحصين (فَسَأَلته) فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يحثنا على الصَّدَقَة وينهانا عَن الْمثلَة ". وَنهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن تَعْذِيب الْحَيَوَان. وَهَذَا مَوْجُود فِي الْإِشْعَار. فَإِن قيل: فقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] أشعر بدنه عَام حجَّة الْوَدَاع. قيل لَهُ: إِن كَانَ حَدِيث النَّهْي عَن الْمثلَة وتعذيب الْحَيَوَان واردا بعد فعله [ ﷺ ] ، كَانَ نَاسِخا (لَهُ) وَإِن كَانَ فعله [ ﷺ ] مُتَأَخِّرًا عَنهُ فَلَا (يَصح) أَن يكون / مُخَصّصا لَهُ فِي حَقنا، لجَوَاز أَن يكون (ذَلِك) مُخْتَصًّا بِهِ، أَو يكون فعله صِيَانة للهدي، فَإِن الْمُشْركين كَانُوا لَا يمتنعون عَنهُ إِلَّا بِهِ، وَلِأَن هَذَا فعل لَا يمكننا الْإِتْيَان بِهِ على الْوَجْه الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] ، لِأَن مَحَله من صفحة السنام غير مَعْرُوف، وَطول الْجرْح وعمقه غير مَعْلُوم، فَإِذا طعن فِي صفحة السنام فَرُبمَا لَا يُوَافق الْمَكَان الَّذِي طعن فِيهِ

стр. 388

رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَرُبمَا زَاد على الْمِقْدَار الَّذِي فعله رَسُول الله [ ﷺ ] (فَيكون مُخَالفا لَهُ ومخالفته [ ﷺ ] محظورة، وَترك مَا فعله [ ﷺ ] ) إِذا لم يُمكن امتثاله غير مَحْظُور. فَإِن قيل: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَسمعت أَبَا السَّائِب يَقُول: كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله [ ﷺ ] وَيَقُول أَبُو حنيفَة هُوَ مثلَة. قَالَ الرجل: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ (أَن) الْإِشْعَار مثلَة، قَالَ فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ: أَقُول لَك قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَتقول قَالَ إِبْرَاهِيم، مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا. قيل لَهُ: " غضب الْخَيل على اللجم " وَكَيف يسوغ لَهُ الْإِنْكَار على هَذَا الرجل كَونه أخبر أَن أَبَا حنيفَة ﵀ لم يبتكر هَذَا القَوْل من عِنْد نَفسه بل قد سبقه بِهِ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَكَانَ من كبار التَّابِعين. قَالَ الشّعبِيّ يَوْم مَوته: " لَو قلت (أنعي) الْعلم مَا خلف بعده مثله، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَن ذَلِك إِنَّه نَشأ فِي (أهل) بَيت فقه، فَأخذ فقههم، ثمَّ جالسنا فَأخذ صفو حديثنا إِلَى فقه أهل بَيته، فَمن كَانَ مثله ". وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة فَهُوَ أعرف بِحَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَشد احتراما لحَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] من وَكِيع وَأَمْثَاله، وَغَضب وَكِيع إِنَّمَا كَانَ لضيق مجاله وَقلة احتياله فِي التَّوْفِيق بَين الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَن رَسُول الله [ ﷺ ] من أَقْوَاله وأفعاله. فَهَذَا أَبُو الطُّفَيْل يَقُول: " قلت لِابْنِ عَبَّاس يزْعم قَوْمك أَن رَسُول الله [ ﷺ ] رمل بِالْبَيْتِ وَأَن ذَلِك سنة، قَالَ: صدقُوا وكذبوا، قلت: مَا صدقُوا وَمَا كذبُوا؟ (قَالَ: صدقُوا) قد رمل رَسُول الله [ ﷺ ] ،

стр. 389

وكذبوا لَيْسَ بِسنة ". وَبَين السَّبَب الَّذِي كَانَ الرمل من أَجله. وَنحن أَيْضا نقُول: إِن رَسُول الله [ ﷺ ] أشعر الْبدن / وَلَيْسَ بِسنة، لما روينَاهُ من الْأَحَادِيث، ولجواز أَن يكون [ ﷺ ] فعل ذَلِك صِيَانة لَهُ عَن الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يمتنعون عَنهُ إِلَّا بِهِ، وَلم يبلغنَا (أَن النَّبِي) [ ﷺ ] أَمر غَيره بالإشعار وَلَا بلغنَا أَن غَيره فِي حجَّة الْوَدَاع أشعر، فَمن أعاب علينا (قَوْلنَا) أَنه لَيْسَ بِسنة، فقد جعل هَذَا ذَرِيعَة إِلَى أَن يعيب على من وَقع الْإِجْمَاع على سلامتهم من كل عيب، وَقد قيل إِن أَبَا حنيفَة ﵁ إِنَّمَا كره إِشْعَار أهل زَمَانه، فَإِنَّهُم كَانُوا يبالغون فِيهِ إِلَى حد يخَاف مِنْهُ السَّرَايَة، فعلى هَذَا يكون الْإِشْعَار المقتصد مُسْتَحبا عِنْده ﵁. وَهَذَا هُوَ الْأَلْيَق بمنصبه ﵁، وَيكون قَوْله: إِن الْإِشْعَار مثلَة، عَائِد إِلَى صَنِيع أهل زَمَانه لَا إِلَى فعل رَسُول الله [ ﷺ ] . (بَاب إِذا سَاق هَديا فاضطر إِلَى ركُوبه (رَكبه) وَإِلَّا فَلَا) مُسلم وَالنَّسَائِيّ: عَن أبي الزبير قَالَ: سَأَلت جَابر بن عبد الله ﵄ عَن ركُوب الْهَدْي فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " اركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا (ألجئت) إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا ".

стр. 390

الطَّحَاوِيّ: عَن أنس ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة وَقد جهد، قَالَ اركبها، قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة، قَالَ اركبها ". وَعنهُ: عَن ابْن عمر ﵄: " أَنه كَانَ يَقُول فِي الرجل إِذا سَاق بَدَنَة فأعيى: اركبها وَمَا أَنْتُم بمستنين سنة هِيَ أهْدى من سنة مُحَمَّد [ ﷺ ] ". وَمَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث الْمُطلقَة مَحْمُولَة على هَذَا. (بَاب مَا للْمحرمِ قَتله من الدَّوَابّ) التِّرْمِذِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " خمس فواسق يقتلن (فِي الْحرم) : الْفَأْرَة، وَالْعَقْرَب، والغراب، والحديا، وَالْكَلب الْعَقُور ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَالْكَلب الْعَقُور (لَيْسَ) هُوَ الضبع، بِدَلِيل مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن أبي عمار قَالَ: قلت لجَابِر: " الضبع أصيد هِيَ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: آكلها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: قلت: أقاله رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ قَالَ: نعم ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
следующие страницы →