Полный текст (888 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
يُؤْخَذ مِنْهُم فِي الْعشْر إِذا اخْتلفُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين وَمَا صولحوا عَلَيْهِ
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَنْصُوص عَنهُ من روايتيه: هُوَ للْمُسلمين كَافَّة، فَلَا يُخَمّس وجميعه لمصَالح الْمُسلمين.
وَقَالَ مَالك: كل ذَلِك فِي غير مقسوم يصرفهُ الإِمَام فِي مصَالح الْمُسلمين بعد أَخذ حَاجته مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يُخَمّس وَقد كَانَ ملكا لرَسُول الله ﷺ َ -، وَبعد مَا يصنع بِهِ بعد وَفَاته فِيهِ عَنهُ قَولَانِ، أَحدهمَا للْمصَالح.
وَالثَّانِي للمقاتلة.
وَاخْتلف قَوْله فِيمَا يُخَمّس مِنْهُ، فالجديد من قوليه: أَن يُخَمّس جَمِيعه، وَالْقَدِيم: لَا يُخَمّس إِلَّا مَا تَرَكُوهُ فَزعًا وهربوا.
وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى ذكرهَا الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره: أَن مَال الْفَيْء يُخَمّس جَمِيعه على ظَاهر كَلَامه.
وَاخْتلفُوا فِيمَا فضل من مَال الْفَيْء بعد الْمصَالح مَا يصنع بِهِ؟
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: لَا يجوز صرف فاضله إِلَّا إِلَى الْمصَالح أَيْضا.
وَقَالَ مَالك وَأحمد: يشْتَرك فِيهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير.
стр. 772
وَاتَّفَقُوا على أَن الْجِزْيَة تضرب على أهل الْكتاب وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
وَكَذَلِكَ على ضرب الْجِزْيَة على الْمَجُوس.
وَاخْتلفُوا فيهم هَل هم أهل كتاب أَو شُبْهَة كتاب؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَيْسُوا أهل كتاب وَإِنَّمَا هم شُبْهَة كتاب.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، أَحدهمَا أَنهم أهل كتاب.
وَالثَّانِي: كمذهب الْجَمَاعَة.
وَاخْتلفُوا فِيمَن لَا كتاب لَهُ وَلَا شُبْهَة كتاب كعبدة الْأَوْثَان من الْعَرَب والعجم، هَل تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة أم لَا؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تقبل إِلَّا من الْعَجم مِنْهُم دون الْعَرَب.
وَقَالَ مَالك: تُؤْخَذ من كل كَافِر عَرَبيا كَانَ أَو عجميا إِلَّا من مُشْركي قُرَيْش خَاصَّة.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ: لَا تقبل الْجِزْيَة من عَبدة الْأَوْثَان على الْإِطْلَاق عربيهم وعجميهم.
стр. 773
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد كمذهب أبي حنيفَة فِي اعْتِبَار الْأَخْذ من الْعَجم مِنْهُم خَاصَّة.
وَاخْتلفُوا فِي تَقْدِير الْجِزْيَة.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي أظهر رواياته: هِيَ مقدرَة الْأَقَل وَالْأَكْثَر فعلى الْفَقِير المعتمل اثْنَي عشر درهما، وعَلى الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ درهما، وعَلى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ درهما.
وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى:: أَنَّهَا موكولة إِلَى رَأْي الإِمَام وَلَيْسَت بمقدرة.
وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: تتقدر الْأَقَل مِنْهَا دون الْأَكْثَر.
وَعنهُ رِوَايَة رَابِعَة: إِنَّهَا فِي أهل الْيمن خَاصَّة مقدرَة بِدِينَار دون غَيرهم اتبَاعا للْخَبَر الْوَارِد فيهم.
وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ: يتَقَدَّر على الْغَنِيّ وَالْفَقِير جَمِيعًا أَرْبَعَة دَنَانِير، أَو أَرْبَعِينَ درهما لَا فرق بَينهمَا.
стр. 774
وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب دِينَار يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِير والغني والمتوسط.
وَاخْتلفُوا فِي الْفَقِير من أهل الْجِزْيَة إِذا لم يكن معتملا وَلَا شَيْء لَهُ.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء.
وَعَن الشَّافِعِي فِي عقد الْجِزْيَة على من لَا كسب لَهُ وَلَا يتَمَكَّن من الْأَدَاء قَولَانِ، أَحدهمَا: يخرج من بِلَاد الْإِسْلَام وَلَا تشتغل بِهِ عرضة الْبِلَاد مجَّانا،
وَالثَّانِي: أَنه مُقَرر وَلَا يخرج، فعلى هَذَا القَوْل الثَّانِي فِي تَقْرِيره مَا حكمه عَنهُ فِيهِ ثَلَاث أَقْوَال، أَحدهَا: كَقَوْل الْجَمَاعَة.
وَالثَّانِي: يجب عَلَيْهِ ويحقن دَمه بضمانها وَيُطَالب بهَا عِنْد الْيَسَار.
وَالثَّالِث: إِذا جَاءَ آخر الْحول وَلم يبدلها ألحق بدار الْحَرْب.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي إِذا مَاتَ وَعَلِيهِ الْجِزْيَة؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: تسْقط بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: لَا تسْقط وَهُوَ اخْتِيَار ابْن حَامِد من أَصْحَاب أَحْمد.
وَاخْتلفُوا هَل تجب الْجِزْيَة بآخر الْحول أَو بأوله؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب بأوله وَله الْمُطَالبَة بهَا بعد عقد الذِّمَّة.
стр. 775
وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: تجب بِآخِرهِ، وَلَا يملك الْمُطَالبَة بهَا بعد عقد الذِّمَّة حَتَّى تمْضِي السّنة، فَإِن مَاتَ أثْنَاء السّنة؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: تسْقط عَنهُ أَيْضا.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تُؤْخَذ جِزْيَة مَا مضى من السّنة من مَاله.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا وَجَبت عَلَيْهِ الْجِزْيَة فَلم يؤدها حَتَّى أسلم.
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد: سَقَطت عَنهُ الْجِزْيَة بِإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ لَو كَانَت جِزْيَة سنتَيْن لم يؤدها، ثمَّ أسلم قبل الْأَدَاء، فَإِنَّهَا تسْقط عَنهُ، وَسَوَاء كَانَ إِسْلَامه فِي أثْنَاء الْحول أَو بعد تَمَامه.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يُسْقِطهَا الْإِسْلَام بعد الْحول، وَله فِي أثْنَاء الْحول قَولَانِ.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا دخلت عَلَيْهِ سنة من سنة، وَلم يؤد الأولى، هَل تسْقط جِزْيَة السّنة الْمَاضِيَة بالتداخل أم تجب جِزْيَة السنتين؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: تسْقط الأولى بالتداخل.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا تسْقط الأولى وَتجب عَلَيْهِ جِزْيَة سنتَيْن.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْجِزْيَة لَا تضرب على نسَاء أهل الْكتاب، وَلَا على صبيانهم حَتَّى يبلغُوا، وَلَا على عبيدهم وَلَا على مَجْنُون وَلَا على ضَرِير وَلَا شيخ فان، وَلَا
стр. 776
على أهل الصوامع إِلَّا إِنَّهُم اخْتلفُوا من هَذِه الْجُمْلَة فِي نسَاء بني تغلب وصبيانهم خَاصَّة، هَل تُؤْخَذ مِنْهُم مَا يُؤْخَذ من رِجَالهمْ؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُؤْخَذ من نِسَائِهِم خَاصَّة دون صبيانهم.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يُؤْخَذ من نِسَائِهِم وَلَا من صبيانهم وهم كغيرهم فِي ذَلِك.
وَقَالَ أَحْمد تُؤْخَذ من نِسَائِهِم وصبيانهم جَمِيعًا، كَمَا تُؤْخَذ من رِجَالهمْ.
وَاتَّفَقُوا على إِنَّه إِذا عوهد الْمُشْركُونَ عهدا وفى لَهُم بِهِ.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ شَرط فِي ذَلِك بَقَاء الْمصلحَة، فَمَتَى اقْتَضَت الْمصلحَة الْفَسْخ نبذ إِلَيْهِم عَهدهم وَفسخ.
وَاتَّفَقُوا فِيمَا أعلم انه لَا يجوز نقضه إِلَّا بعد نبذه وَاخْتلفُوا فِي مُدَّة الْعَهْد.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجوز ذَلِك على الْإِطْلَاق.
إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: مَتى وجد الإِمَام قُوَّة نبذ إِلَيْهِم عَهدهم وَفسخ.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز أَكثر من عشر سِنِين.
стр. 777
وَاتَّفَقُوا فِي الْمَرْأَة من الْمُشْركين إِذا خرجت على بِلَاد الْإِسْلَام فِي مُدَّة عهد بَين الإِمَام وَبَين أهل الْحَرْب، وَقد كَانَ الإِمَام شَرط لَهُم أَن من جَاءَ مِنْهُم مُسلما رددناه على أَنَّهَا لَا ترد.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي مهرهَا.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا يرد مهرهَا أَيْضا.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، أَحدهمَا: يرد مهرهَا، وَالثَّانِي: كمذهب الْجَمَاعَة.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا مر الْحَرْبِيّ بِمَال للتِّجَارَة على بِلَاد الْمُسلمين هَل يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا أَن يَكُونُوا يؤخذون منا.
وَقَالَ مَالك وَأحمد: يُؤْخَذ مِنْهُم الْعشْر، إِلَّا أَن مَالِكًا قَالَ: يُؤْخَذ الْعشْر مِنْهُم إِذا كَانَ دُخُولهمْ بِأَمَان مُطلق وَلم يكن اشْترط عَلَيْهِم شَيْئا، فَإِن كَانَ اشْترط عَلَيْهِم أَكثر من الْعشْر عِنْد دُخُولهمْ أَخذ مِنْهُم.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن اشْترط عَلَيْهِم ذَلِك يَعْنِي الْعشْر جَازَ أَخذه، وَإِلَّا فَلَا يُؤْخَذ.
وَمن أَصْحَابه من قَالَ: يُؤْخَذ مِنْهُم الْعشْر وَإِن لم يشْتَرط.
وَاخْتلفُوا فِي الذِّمِّيّ إِذا تجر من بلد إِلَى بلد.
стр. 778
فَقَالَ مَالك: يُؤْخَذ فِي الذِّمِّيّ الْعشْر كلما تجر وَإِن تجر فِي السّنة مرَارًا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يُؤْخَذ إِلَّا أَن يشْتَرط، فَإِن لم يشْتَرط لم يُؤْخَذ.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يُؤْخَذ من أهل الذِّمَّة نصف الْعشْر، وَقد اعْتبر أَحْمد وَأَبُو حنيفَة النّصاب فِي ذَلِك.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: نصابه فِي ذَلِك كنصاب مَال الْمُسلم.
وَقَالَ أَحْمد: النّصاب فِي ذَلِك للحربي خَمْسَة دَنَانِير، وللذمي عشرَة دَنَانِير.
بَاب نقض الْعَهْد
وَاخْتلفُوا فِيمَا ينْتَقض بِهِ عهد الذِّمِّيّ.
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك: ينْتَقض عَهده بِمَنْع الْجِزْيَة، ويأبى أَن تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِسْلَام إِذا حكم حاكمنا عَلَيْهِ بهَا.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْتَقض عَهدهم إِلَّا أَن يكون لَهُم مَنْعَة يُحَاربُونَ بهَا، أَو يلْحقُوا بدار الْحَرْب.
فَإِن فعل أحدهم مَا يجب عَلَيْهِ تَركه والكف، وَعِنْدَهُمَا فِيهِ ضَرَر على الْمُسلمين أَو أجارهم فِي مَال أَو نفس وَذَلِكَ أحد ثَمَانِيَة أَشْيَاء:
الِاجْتِمَاع على قتال الْمُسلمين، أَو أَن يَزْنِي بِمسلمَة أَو يُصِيبهَا باسم نِكَاح، أَو يفتن مُسلما عَن دينه، أَو يقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق، أَو يأوي الْمُشْركين جاسوسا، أَو
стр. 779
يعاون على الْمُسلمين بِدلَالَة، وَهُوَ أَن يُكَاتب الْمُشْركين بأخبار الْمُسلمين، أَو يقتل مُسلما أَو مسلمة عهدا فَهَل ينْتَقض عُهْدَة بذلك أم لَا؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْتَقض عَهده بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّمَانِية وَلَا بالأمرين الْمَذْكُورين قبل، إِلَّا أَن يكون مَنعه فيغلبون على مَوضِع ويحاربونا، أَو يلْحقُوا بدار الْحَرْب.
وَقَالَ الشَّافِعِي: مَتى قَاتل الْمُسلمين انْتقض عَهده سَوَاء شَرط عَلَيْهِ تَركه فِي العقد أم لم يشرط، فَإِن فعل مَا سوى ذَلِك من الْأَشْيَاء السَّبْعَة الْمَذْكُورَة فَإِن لم يشْتَرط عَلَيْهِم الْكَفّ عَن ذَلِك فِي العقد لم ينْتَقض الْعَهْد، وَإِن شَرط عَلَيْهِم الْكَفّ عَن ذَلِك فِي العقد فَفِيهِ لأَصْحَابه وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَنه لَا ينْتَقض بِهِ الْعَهْد.
وَالثَّانِي: ينْتَقض بِهِ الْعَهْد.
وَقَالَ مَالك لَا ينْتَقض عَهدهم من ذَلِك بِالزِّنَا بالمسلمات، وَلَا بالإصابة لَهُنَّ باسم النِّكَاح. وينتقض بِمَا سوى ذَلِك إِلَّا فِي قطعهم للطريق فَإِن ابْن الْقَاسِم
стр. 780
خَاصَّة من أَصْحَابه قَالَ: ينْتَقض عَهدهم بذلك.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، أظهرهمَا: أَن عَهدهم ينْتَقض بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّمَانِية الْمَذْكُورَة.
سَوَاء كَانَت اشْترطت عَلَيْهِم أم لم تكن.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: لَا ينْتَقض الْعَهْد إِلَّا بالامتناع من بذل الْجِزْيَة، وَجرى أحكامنا عَلَيْهِم أَو بِأَحَدِهِمَا فَإِن فعل أحدهم مَا فِيهِ غَضَاضَة ونقيضه على الْإِسْلَام وَهِي أَرْبَعَة أَشْيَاء. - ذكر الله تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيق بجلاله. - أَو ذكر كِتَابه الْمجِيد. - أَو ذكر دينه القويم. - أَو ذكر رَسُوله الْكَرِيم بِمَا لَا يَنْبَغِي.
فَهَل ينتقص الْعَهْد بذلك أم لَا؟
قَالَ أَحْمد: ينْتَقض الْعَهْد بذلك، سَوَاء شَرط ترك ذَلِك عَلَيْهِم أم لم يشرط.
وَقَالَ مَالك: إِذا سبوا الله أَو رَسُوله أَو دينه أَو كِتَابه بِغَيْر مَا كفرُوا بِهِ، فَإِنَّهُ
стр. 781
ينْتَقض عَهدهم بذلك، وَسَوَاء شَرط عَلَيْهِم تَركه أَو لم يشرط.
وَقَالَ أَكثر أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِذا فعل من ذَلِك شَيْئا فَحكمه حكم مَا فِيهِ ضَرَر للْمُسلمين.
وَهِي الْأَشْيَاء السَّبْعَة، فَإِن لم يشْتَرط فِي العقد الْكَفّ عَنهُ، لم ينْتَقض الْعَهْد.
وَإِن شَرط الْكَفّ عَنهُ فعلى الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي: حِكْمَة حكم الثَّلَاثَة الأولى وَهِي الِامْتِنَاع عَن الْتِزَام الْجِزْيَة والتزام أَحْكَام الْمُسلمين والاجتماع على قِتَالهمْ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْتَقض الْعَهْد بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا أَن يكون لَهُم مَنْعَة يقدرُونَ مَعهَا على الْمُحَاربَة، أَو يلْحقُوا بدار الْحَرْب.
وَاخْتلفُوا فِيمَن انْتقض عُهْدَة مِنْهُم بِمَا ينْتَقض بِهِ عِنْد كل مِنْهُم على أَصله، مَاذَا يصنع بِهِ؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَتى انْتقض عَهدهم أُبِيح قَتلهمْ مَتى قدر عَلَيْهِم.
وَقَالَ مَالك فِي رِوَايَة ابْن وهب وَابْن نَافِع وَهُوَ الْمَشْهُور عَنهُ: أَنهم يقتلُون ويسبون كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ َ - ببني أبي الْحقيق.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أحد قوليه وَهُوَ الْأَظْهر، وَأحمد: لَا يرد من انْتقض عَهده مِنْهُم إِلَى مأمنه .
стр. 782
وَالْإِمَام فِيهِ مُخَيّر بَين الاسترقاق وَبَين الْقَتْل.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي القَوْل الآخر: يلْحق بمأمنه.
وَاتَّفَقُوا على أَنه يمْنَع الْكَافِر من دُخُول الْحرم.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز لَهُ دُخُوله وان يُقيم فِيهِ مقَام الْمُسَافِر وَلَا يستوطنه، وَيجوز عِنْده دُخُول الْوَاحِد مِنْهُم الْكَعْبَة أَيْضا.
ثمَّ اخْتلفُوا هَل يمْنَع الْكَافِر وَالذِّمِّيّ من استيطان الْحجاز وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة واليمامة ومخالفيها؟
قَالَ الْأَصْمَعِي: سمي مجَازًا لِأَنَّهُ حاجز بَين تهَامَة ونجد.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يمْنَع.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك: يمْنَع.
وَمن دخل مِنْهُم تَاجِرًا أَقَامَ ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ انْتقل وَلَا يُقيم إِلَّا بِإِذن الإِمَام.
стр. 783
وَاخْتلفُوا فِيمَا سوى الْمَسْجِد الْحَرَام من الْمَسَاجِد.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز دُخُولهَا للْمُشْرِكين بِلَا إِذن.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز لَهُم دُخُولهَا إِلَّا بِإِذن الْمُسلمين.
وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا يجوز لَهُم الدُّخُول بِحَال.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز لَهُم إِحْدَاث كَنِيسَة وَلَا بيعَة فِي المدن والأمصار فِي بِلَاد الْإِسْلَام.
ثمَّ اخْتلفُوا هَل يجوز إِحْدَاث ذَلِك فِيمَا قَارب المدن؟
فَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز أَيْضا.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْموضع قَرِيبا من الْمَدِينَة بِحَيْثُ يكون حكمه حكم الْمصر بِحَيْثُ يجوز فِيهِ صَلَاة الْجُمُعَة أَو الْعِيدَيْنِ، وَهُوَ قدر ميل أَو أقل، وَهُوَ ثلث فَرسَخ فَلَا يجوز فِيهِ إِحْدَاث ذَلِك، وَإِن كَانَ الْموضع أبعد من هَذَا الْمِقْدَار جَازَ.
فَأَما إِذا كَانَ بَين الْبيُوت وَكَانَ ذَلِك الْموضع دون ثلث فَرسَخ فَهُوَ فِي حكم الْبَلَد لَا يجوز إِحْدَاث البيع فِيهِ.
وَاخْتلفُوا فِيمَا تشعث من بيعهم وكنائسهم فِي دَار الْإِسْلَام أَو تهدم، هَل يرم أَو يجدد بِنَاؤُه؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يجوز وَاشْترط أَبُو حنيفَة فِي الْجَوَاز أَن يكون ذَلِك فِي أَرض فتحت صلحا، فَأَما إِن كَانَت أَرض عنْوَة فَلَا يجوز.
فَإِن كَانَت فِي الصَّحَارِي، ثمَّ صَارَت مصرا، ثمَّ خربَتْ البيع وَالْكَنَائِس فَظَاهر مذْهبه يَقْتَضِي أَنهم يمْنَعُونَ من إِعَادَتهَا بيعا أَو كنائس بل على هَيْئَة الْبيُوت والمساكن.
وَيمْنَعُونَ أَيْضا من صلَاتهم فِيهَا واجتماعهم.
وَقَالَ أَحْمد فِي اظهر رواياته: لَا يجوز لَهُم ذَلِك بمرمة وَلَا تَجْدِيد بِنَاء على الْإِطْلَاق.
وَهِي اخْتِيَار أَكثر أَصْحَاب أَحْمد، وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي أَبُو سعيد
стр. 784
الاصطخري، وَأَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد: يجوز عمَارَة مَا تشعث مِنْهَا بالمرمة، فإمَّا إِن استولى عَلَيْهَا الخراب فَلَا يجوز بناؤها.
وَهِي اخْتِيَار الْخلال من أَصْحَابه.
وَالثَّالِثَة عَنهُ: جَوَاز ذَلِك على الْإِطْلَاق.
بَاب الصَّيْد والذبائح .
وَاتَّفَقُوا على أَن الله أَبَاحَ الصَّيْد.
وَكَذَلِكَ اتَّفقُوا على أَن قَوْله: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ [الْمَائِدَة: ٢] أَمر أَبَاحَهُ لَا أَمر وجوب.
وَاتَّفَقُوا على أَن الله حرم صيد الْحرم وَمنع مِنْهُ.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْمحرم لَا يُبَاح لَهُ أَن يصيد.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يحل للْمحرمِ أَن يَأْكُل مِمَّا صيد لأَجله.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: مَا صيد لأَجله بِغَيْر أمره وَهُوَ من غير صيد الْحرم: يجوز لَهُ أكله، وَإِن صيد بأَمْره فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
стр. 785
وَاتَّفَقُوا على أَنه يجوز الِاصْطِيَاد بالجوارح المعلمة، إِلَّا الْأسود البهيم من الْكلاب.
فَإِنَّهُم اخْتلفُوا فِي جَوَاز الِاصْطِيَاد بِهِ.
فَأجَاز الِاصْطِيَاد بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ.
وأباحوا أكل مَا قتل وَمنع من جَوَاز ذَلِك أَحْمد وحدة فَقَالَ: لَا يجوز الِاصْطِيَاد بِهِ، وَلَا يُبَاح أكل مَا قتل اتبَاعا للْحَدِيث.
وَهُوَ مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَتَادَة بن دعامة.
وَاتَّفَقُوا على أَن من شَرط تَعْلِيم سِبَاع الْبَهَائِم أَن تكون إِذا أرْسلهُ استرسل وَإِذا زَجره انزجر.
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَا وَرَاء ذَلِك من ترك الْأكل هَل هُوَ من شَرط التَّعْلِيم فِي سِبَاع الْبَهَائِم؟
فاشترطه الْكل مَا عدا مَالِكًا، فَإِنَّهُ لم يَشْتَرِطه بل قَالَ: مَتى كَانَ إِذا أمره ائتمر
стр. 786
وَإِذا زَجره انزجر جَازَ أكل مَا صَاده وَإِن أكل مِنْهُ الْكَلْب إِذا مَاتَ الصَّيْد.
ثمَّ اخْتلف مشترطوا التَّعْلِيم فِي حَده.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: حَقِيقَة كَونه معلما لَا أعرفهُ، وَإِنَّمَا يعرف كَونه معلما بِالظَّاهِرِ.
وَمَتى يحكم بِكَوْنِهِ معلما فِي الظَّاهِر عَنهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
إِحْدَاهمَا: وَهِي رِوَايَة الْأُصُول أَنه مَتى قَالَ أهل الْخِبْرَة بذلك هَذَا معلم، حكمنَا بِكَوْنِهِ معلما ظَاهرا.
وَالثَّانيَِة: إِذا ترك الْأكل ثَلَاث مَرَّات ممسكا لَهُ على صَاحِبَة صَار معلما ظَاهرا،
وَحل أكل صَيْده.
الثَّالِث: مَعَ شَرطه لإمساكه.
وَقَالَ صَاحِبَاه: إِنَّمَا يحل أكل صَيْده الرَّابِع لَا الثَّالِث.
وَقَالَ الشَّافِعِي: مَتى صَار إِذا أرْسلهُ استرسل وَإِذا زَجره انزجر وَأمْسك وَلم يَأْكُل وتكرر مِنْهُ ذَلِك صَار معلما، وَلم يقدر أَصْحَابه عدد المرات وَإِنَّمَا اعتبروا الْعرف.
стр. 787
وَقَالَ أَحْمد: حد التَّعْلِيم فِي الْكَلْب أَن لَا يَأْكُل مِمَّا اصطاده حَتَّى يطعمهُ صَاحبه.
وَفَائِدَة الْخلاف بَين أَحْمد وَأبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يظْهر فِي صُورَة وَهُوَ أَنه مَتى أكل الْكَلْب من الصَّيْد بَعْدَمَا حكم بِكَوْنِهِ معلما ظَاهرا.
فَعِنْدَ أبي حنيفَة: لَا يحل أكل مَا أكل مِنْهُ، وَلَا مَا بَقِي عِنْده من صيد صَاده قبل ذَلِك، وَقد بَطل تَعْلِيمه الأول وَلَا يُؤْكَل من صَيْده حَتَّى يعلم تَعْلِيما ثَانِيًا.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: حل ذَلِك.
وَكَذَلِكَ فِي تَحْرِيم مَا صَاده الْكَلْب قبل ذَلِك، فَإِن الْأَظْهر من مذهبَة حل ذَلِك.
وَالثَّانيَِة من الرِّوَايَتَيْنِ: لَا يحل فيهمَا كمذهب أبي حنيفَة.
وَعَن الشَّافِعِي فِي حل الصَّيْد الَّذِي أكل مِنْهُ الْكَلْب بعد أَن حكم بِكَوْنِهِ معلما قَولَانِ.
стр. 788
وَاتَّفَقُوا على أَن سَائِر الْجَوَارِح سوى الْكَلْب لَا يعْتَبر فِي حد تَعْلِيمه ترك الْأكل مِمَّا صَاده، وَإِنَّمَا هُوَ أَن يرجع على صَاحبه إِذا دَعَاهُ.
وَاتَّفَقُوا على أَن من قصد صيدا بِعَيْنِه فَرَمَاهُ بِسَهْم فَأَصَابَهُ فَإِنَّهُ يُبَاح.
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَا إِذا صاب غَيره.
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة: يُبَاح على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ مَالك: لَا يُبَاح على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ فِي السمت الَّذِي أرسل فِيهِ كَلْبه، أَو رمى فِيهِ بسهمه حل.
وَإِن فِي غير السمت فلأصحابه وَجْهَان.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا ترك التَّسْمِيَة على رمي الصَّيْد أَو إرْسَال الْكَلْب.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن ترك التَّسْمِيَة فِي الْحَالين نَاسِيا حل الْأكل مِنْهُ، وَإِن تعمد تَركهَا، لم يبح.
стр. 789
وَقَالَ مَالك: إِن تعمد تَركهَا لم يبح فِي الْحَالين، وَإِن تَركهَا نَاسِيا فِي الْحَالين فَهَل يُبَاح أم لَا؟ فِيهِ عَنهُ رِوَايَتَانِ.
وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: أَنه يحل أكلهَا على الْإِطْلَاق فِي الْحَالين، سَوَاء تَركهَا عمدا أَو سَهوا.
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن تَركهَا عَامِدًا أَو نَاسِيا فِي الْحَالين حل الْأكل مِنْهُ.
وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات أظهرها: أَنه إِن ترك التَّسْمِيَة على إرْسَال الْكَلْب وَالرَّمْي لم يحل الْأكل مِنْهُ على الْإِطْلَاق سَوَاء كَانَ تَركه التَّسْمِيَة عمدا أَو سَهوا.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: إِن ترك التَّسْمِيَة نَاسِيا حل أكله، وَإِن تعمد تَركهَا لم يحل أكله، كمذهب أبي حنيفَة.
وَالثَّالِثَة إِن تَركهَا على إرْسَال السهْم نَاسِيا أكلهَا وَإِن تَركهَا على إرْسَال الْكَلْب والفهد نَاسِيا لم يَأْكُل فَأَما التَّسْمِيَة على الذَّبَائِح وَالْأَضَاحِي.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن ترك الذَّابِح التَّسْمِيَة عمدا فالذبيحة ميتَة لَا تُؤْكَل، وَإِن تَركهَا نَاسِيا أكلت.
وَمذهب أَصْحَاب مَالك فِيمَا ظهر عَنْهُم أَن تَارِك التَّسْمِيَة عَامِدًا غير متأول لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته.
стр. 790
وَمِنْهُم من يَقُول: إِنَّهَا سنة، وَمِنْهُم من يَقُول: إِنَّهَا شَرط مَعَ الذّكر.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز أكلهَا إِذا تَركهَا، أَي التَّسْمِيَة عَلَيْهَا، عمدا أَو سَهوا.
وَقَالَ أَحْمد: إِن ترك التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة عمدا لم تُؤْكَل، وَإِن تَركهَا نَاسِيا فروايتان، إِحْدَاهمَا: لَا تُؤْكَل كالصيد.
وَالثَّانيَِة: تُؤْكَل.
وَاخْتلفُوا هَل يشْتَرط ذكر رَسُول الله ﷺ َ - عِنْد الذَّبِيحَة؟
فَقَالَ الشَّافِعِي: يسْتَحبّ الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ َ - على الذَّبِيحَة.
وَهُوَ اخْتِيَار ابْن شاقلا أبي إِسْحَاق من أَصْحَاب أَحْمد.
وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا تشرع.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا أرسل كَلْبه الْمعلم، وَرمى بسهمه بعد أَن سمى عَلَيْهَا، ثمَّ غَابَ عَنْهَا فَلم يدْرك الصَّيْد إِلَّا بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، وَلَا أثر بِهِ غير سَهْمه.
فَقَالَ مَالك: لَا يُبَاح فِي الْكَلْب.
وَفِي السهْم رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: الْقيَاس أَن لَا يحل أكله إِلَّا أَن يكون ورد عَن النَّبِي ﷺ َ - فِي ذَلِك خبر فَيسْقط كل مَا خَالفه .
стр. 791
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن تبعه وَلم يقصر فِي طلبه، ثمَّ أَصَابَهُ مَيتا لم يَأْكُل.
وَقَالَ أَحْمد: يُبَاح لَهُ أكله، وَعنهُ إِن كَانَ الْجراحَة مُوجبه، حل، وَإِن لم تكن موجة لم يحل.
وَعنهُ: إِن وجده فِي يَوْمه حل، وَإِن وجده بعد ذَلِك لم يحل، وَكَذَلِكَ فِي الْكَلْب.
وَأَجْمعُوا على أَنه إِن وجده فِي مَاء، أَو تردى من جبل فَإِنَّهُ لَا يحل أكله لجَوَاز أَن يكون الْجَبَل وَالْمَاء هما اللَّذَان قتلاه.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا أدْرك الصَّيْد وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة، فَلم يقدر على ذبحة من غير تَفْرِيط، حَتَّى مَاتَ.
فَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك: يُبَاح أكله على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ لم يتَمَكَّن من الذّبْح لعدم الْآلَة أَو لضيق الْوَقْت، فَإِنَّهُ لَا يُبَاح أكله، وَإِن كَانَ مَعَه آله لكنه إِلَى أَن يَأْخُذهَا ويذبحه يَمُوت. فِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: أَنه يحل لِأَنَّهُ غير مفرط، وَالْأُخْرَى: لَا يحل أكله.
وَاخْتلفُوا فِيمَن صَاد صيدا، ثمَّ أفلت مِنْهُ، ثمَّ صَاده آخر.
стр. 792
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو حنيفَة: هُوَ بَاقٍ لصائدة الأول، وَلم يزل ملكه عَنهُ، وَإِن اخْتَلَط بالوحش وَعَاد إِلَى الْبَريَّة.
وَقَالَ مَالك: هُوَ لمن صَاده ثَانِيًا، إِذا توحش وَعَاد إِلَى الْبَريَّة وتأبد، فَأَما إِن صَاده على اثر انفلاته وَمَعَهُ بقيه من التأنس فَهُوَ للْأولِ.
وَاخْتلفُوا فِي الْحَيَوَان الأهلي إِذا توحش.
وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا إِذا وَقع بَعِيرًا أَو بقرة أَو شَاة فِي بِئْر فَلم يقدر عَلَيْهِ إِلَّا بِأَن يطعن فِي سنامه أَو غَيره، هَل ينْتَقل ذَكَاته من الذّبْح والنحر إِلَى الْعقر؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: تنْتَقل ذَكَاته فِي ذَلِك كُله إِلَى الْعقر.
وَمن أَصْحَاب أبي حنيفَة من قَالَ: لَا بُد من أَن يرميه بِجرح يعلم أَنه مَاتَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا يحل.
وَقَالَ المراوزة من الشَّافِعِيَّة: لَا بُد من جرح فِي الخاصرة مذفف.
وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي من اشْترط الْجرْح المذفف مُطلقًا.
وَقَالَ مَالك: لَا تنْتَقل ذَكَاته وَلَا يستباح بعقر فِي مَوضِع فِي بدنه.
وَإِنَّمَا يستباح بِالذبْحِ والنحر وَلَا ذَكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة.
стр. 793
وروى ابْن حبيب خَاصَّة عَنهُ أَنه يكون لَهُ حكم الْوَحْش فيستباح بِمَا يستباح بِهِ الْوَحْش، فَإِن أصَاب مِنْهُ العاقر أُبِيح بِهِ.
وَاخْتلفُوا فِيمَا يصاد بالمنجل والسكين فيجرح فقتلت الصَّيْد فيقتله.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: إِن كَانَ مُعَلّقا فِي شبكة أَو حباله، فَقتل لم يحل أكله، وَإِن رَمَاه بسكين أَو منجل حل أكله.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحل أكله على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ أَحْمد: يحل أكله على الْإِطْلَاق.
وَاتَّفَقُوا على أَن الذَّكَاة بِالسِّنِّ وَالظفر المتصلين لَا يجوز.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَا منفصلين.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز أَيْضا.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز.
وَعَن مَالك رِوَايَة أُخْرَى ذكرهَا الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه كلما أبضع من عظم أَو غَيره ففرى الْأَوْدَاج فَلَا بَأْس بِهِ وَهِي مَشْهُورَة عَنهُ.
وَاتَّفَقُوا على أَن ذَكَاة الْمَجْنُون وصيده لَا يستباح أكله.
стр. 794
وَاتَّفَقُوا على أَن مَا لَا يحْتَاج من الْأَطْعِمَة على ذَكَاة كالنبات وغيرة من الجامدات والمائعات فَإِنَّهُ يحل أكله مَا لم يكن نجسا أَو مخالطا لنجس أَو ضارا.
فَأَما الْحَيَوَان فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: بري وبحري.
فَأَما الْبري: فَإِنَّهُم أَجمعُوا على أَن مَا أُبِيح أكله مِنْهُ لَا يستباح إِلَّا بالذكاة، وَإِنَّهَا مُخْتَلفَة باخْتلَاف أَنْوَاعه، مَا بَين ذبح وَنحر وعقر، على مَا سَيَأْتِي بَيَانه فِيمَا بعد.
وَقد مضى مِنْهُ مَا بَين.
وَأما البحري: فَمَا أُبِيح مِنْهُ كالسمك فَلَا يحْتَاج إِلَى ذَكَاة، وَأما غَيره فَسَيَأْتِي ذكر خلافهم فِيهِ.
وَأَجْمعُوا على أَن الذَّبَائِح المعتد بهَا، ذَبِيحَة الْمُسلم الْعَاقِل والمسلمة الْعَاقِلَة القاصدين للتذكية، الَّذين يَتَأَتَّى مِنْهُمَا الذّبْح.
وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَن ذَبَائِح أهل الْكتاب الْعُقَلَاء مُبَاحَة مُعْتَد بهَا.
стр. 795
وَاخْتلفُوا فِي ذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب من تنوخ وبهراء وتغلب وفهر.
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: يجوز.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين، أظهرهمَا: إِنَّهَا لَا يجوز.
وَأَجْمعُوا على أَن ذَبَائِح الْكفَّار من غير أهل الْكتاب غير مُبَاحَة.
وَأَجْمعُوا على أَن الذَّكَاة تحل بِكُل مَا ينهر الدَّم، وَيحصل بِهِ الْقطع جرحا كالمحدد من السَّيْف والسكين وَالرمْح والحربة والزجاج وَالْحجر والقصب الَّذِي لَهُ حد يصنع مَا يصنع السِّلَاح المحدد.
وَاتَّفَقُوا على أَنه يَصح تذكية الْحَيَوَان الْحَيّ غير المأيوس من بَقَائِهِ، فَإِن كَانَ الْحَيَوَان قد أَصَابَهُ مَا يوئس مَعَه من بَقَائِهِ مثل أَن يكون موقوذا أَو منخنقا أَو مترديا أَو نطيحا أَو مَأْكُولا بِسبع.
فَإِنَّهُم اخْتلفُوا فِي استباحته بالذكاة.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَتى أدْركْت ذكاتها قبل أَن تَمُوت حلت.
وَقَالَ مَالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأحمد فِي أظهرهمَا أَي الرِّوَايَتَيْنِ: مَتى علم
стр. 796
بمستمر الْعَادة أَنه لَا يعِيش حرم أكله، وَلَا يحل بالتذكية، وَلَا يَصح تذكيته.
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مَالك: أَن الذَّكَاة تبيح مِنْهُ مَا وجد فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة وينافي الْحَيَاة عِنْده أَن يندق عُنُقه أَو يسيل دماغه أَو تجرح حشوته الْعليا، أَو تفرى أوداجه أَو ينْبت نخاعه.
وَقَالَ الشَّافِعِي: مَتى كَانَت فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة حل أكله مَعَ التذكية.
وَاتَّفَقُوا على إِبَاحَة أكل السّمك.
وَاخْتلفُوا فِيمَا طفا مِنْهُ.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُبَاح.
وَقَالَ الْبَاقُونَ يُبَاح.
وَاخْتلفُوا فِيمَا يُبَاح من دَوَاب الْبَحْر، وَمَا لَا يُبَاح.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُبَاح شَيْء مِنْهُ سوى السّمك.
وَقَالَ مَالك: يُبَاح جَمِيعه سَوَاء كَانَ مِمَّا لَهُ شبه فِي الْبر أَو مِمَّا لَا شبه لَهُ من غير احْتِيَاج إِلَى ذَكَاة وَسَوَاء تلف بِنَفسِهِ أَو بِسَبَب، وَسَوَاء أتْلفه مُسلم أَو مَجُوسِيّ، طفا أَو لم يطف، وَتوقف فِي خِنْزِير المَاء خَاصَّة.
فَقَالَ أَحْمد: يُؤْكَل جَمِيع مَا فِي الْبَحْر إِلَّا الضفدع والتمساح والكوشج،
стр. 797
وَمن أَصْحَابه من منع من كلب المَاء وخنزيرة وحيته وفأرته وعقربه، وان كل مَا لَهُ شبه فِي الْبر لَا يُؤْكَل، فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَل فِي الْبَحْر. وَهُوَ أَبُو عَليّ النجاد. ويفتقر عِنْد أَحْمد إِبَاحَة غير السّمك من ذَلِك إِلَى الذَّكَاة كخنزير المَاء وكلبه وإنسانه وَنَحْو ذَلِك.
وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي، فَمنهمْ من قَالَ: يُؤْكَل جَمِيعه إِلَّا الضفدع، وَمِنْهُم من منع إِبَاحَة الْكل سوى السّمك كَقَوْل أبي حنيفَة، وَمِنْهُم من قَالَ كَقَوْل النجاد من أَصْحَاب أَحْمد.
وَقَالَ أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ مِنْهُم: لَا يحل النسناس. لِأَنَّهُ على خلقَة الْآدَمِيّ.
وَاتَّفَقُوا على إِبَاحَة الْجَرَاد إِذا صَاده الْمُسلم.
وَاخْتلفُوا فِيهِ إِذا مَاتَ بِغَيْر سَبَب.
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: يحل أكله.
وَقَالَ مَالك: لَا يُؤْكَل الْجَرَاد إِلَّا إِذا تلف بِسَبَب.
قَالَ عبد الْوَهَّاب فِي الثقلَيْن: وَمن أَصْحَابنَا من لَا يُرَاعى فِيهِ السَّبَب.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، أظهرهمَا: حلّه من غير اعْتِبَار السَّبَب، وَالثَّانيَِة: اعْتِبَار السَّبَب فِي حلَّة.
وَاخْتلفُوا فِيمَا يجْرِي قطعه من الْعُرُوق فِي الذّبْح.
стр. 798
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب قطع الْحُلْقُوم والمريء وَإِحْدَى الودجين لَا بِعَيْنِه، فَمَتَى قطع هَذِه الثَّلَاثَة حل أكله.
وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَنه إِن قطع التركل عرق من الْأَرْبَعَة حل أكله، وَإِن قطع النّصْف مِمَّا دون من الْأَرْبَعَة لم يحل أكله.
وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَنه مَتى قطع الثَّلَاثَة، أَي ثَلَاثَة كَانَت من الْأَرْبَعَة أَجْزَأَ.
وَقَالَ مَالك: لَا بُد من اسْتِيفَاء قطع الْحُلْقُوم والودجين فِي قطع وَاحِد.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه.
وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا الْخرقِيّ إِذا قطع الْحُلْقُوم والمريء أَجْزَأَ وَلَا يحْتَاج إِلَى الْأَوْدَاج.
وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَنه لَا يُبَاح إِلَّا أَن يقطع الْحُلْقُوم والمريء وعرقان من الْجَانِبَيْنِ من كل جَانب وَاحِد.
وَاتَّفَقُوا على أَلْسِنَة نحر الْإِبِل وَذبح مَا عَداهَا، فَإِن ذبح مَا ينْحَر أَو نحر مَا يذبح.
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو حنيفَة: يُبَاح. إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة كرهه مَعَ الْإِبَاحَة.
стр. 799
وَقَالَ مَالك: إِن نحر شاه أَو ذبح بَعِيرًا من غير ضَرُورَة لم يُؤْكَل لَحمهَا، وَقد حمله بعض أَصْحَابه على الْكَرَاهَة وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْجَنِين يذكى بتذكية أمه، فَإِن نحر بعير أَو ذبحت شَاة أَو بقرة فَوجدَ فِي بَطنهَا جَنِين تَامّ الْخلقَة فَإِنَّهُ يكون ذكيا بِذَكَاة أمه.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يتذكى بِذَكَاة أمه، فَإِن خرج الْجَنِين وَلم ينْبت شعره وَيتم خلقه.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يجوز أكله.
وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: يجوز أكله.
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا خرج حَيا يعِيش مثله لم يبح إِلَّا بِذبح.
وَاتَّفَقُوا على أَن أكل كل ذِي مخلب من الطير إِذا كَانَ قَوِيا يعدوا بِهِ على غَيره كالبازي والصقر وَالْعِقَاب والباشق والشاهين، وكل مَا لَا مخلب لَهُ من الطير إِلَّا أَنه يَأْكُل الْجِيَف كالنسر والرخم والغراب الأبقع والغراب الْأسود الْكَبِير، حرَام.
إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِك كُله على الْإِطْلَاق.
стр. 800
وَاتَّفَقُوا على أَن كل ذِي نَاب من السبَاع يعدوا بِهِ على غَيره كالأسد وَالذِّئْب والنمر والفهد والثعلب والضبع وَالْكَلب والسنور الْبري والأهلي والفيل حرَام إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: يكره ذَلِك وَلَا يحرم.
وَاخْتلفُوا فِي الضبع والثعلب.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يحل أكلهما.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: هما مباحان.
وَقَالَ أَحْمد: الضبع مُبَاح، رِوَايَة وَاحِدَة.
وَفِي الثَّعْلَب رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: تَحْرِيمه، وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا الْخلال، وَالْأُخْرَى: أباحته، وَهِي اخْتِيَار عبد الْعَزِيز.
وَاخْتلفُوا فِي الضَّب واليربوع.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يكره أكلهما.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: هما مباحان.
стр. 801
وَقَالَ أَحْمد: الضَّب مُبَاح رِوَايَة وَاحِدَة.
وَفِي اليربوع رِوَايَتَانِ.
وَاتَّفَقُوا على أَن حشرات الأَرْض مُحرمَة.
إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ كرهها من غير تَحْرِيم فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى قَالَ: هِيَ حرَام.
وَاتَّفَقُوا على أَن البغال وَالْحمير الْأَهْلِيَّة حرَام أكلهَا إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ اخْتلف عَنهُ فَروِيَ عَنهُ أَنَّهَا مَكْرُوهَة إِلَّا إِنَّهَا مُغَلّظَة الْكَرَاهَة جدا، فَوق كَرَاهِيَة كل ذِي نَاب من السبَاع.
وَقيل عَنهُ: إِنَّهَا مُحرمَة بِالسنةِ دون تَحْرِيم الْخِنْزِير.
وَاتَّفَقُوا على أَن الأرنب مُبَاح أكله.
وَاخْتلفُوا فِي لُحُوم الْخَيل.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحرم أكلهَا.
وَقَالَ مَالك: هِيَ مَكْرُوهَة إِلَّا أَن كراهيتها عِنْده دون كَرَاهِيَة السبَاع.
وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: هِيَ مُبَاحَة.
وَاخْتلفُوا فِي أكل لُحُوم الْجَلالَة وَشرب لَبنهَا وَأكل بيضها.
стр. 802
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يُبَاح ذَلِك، وَإِن لم تحبس مَعَ استحبابهم حَبسهَا وكراهيتهم لأكلها دون حَبسهَا.
وَقَالَ أَحْمد: تحرم إِلَّا أَن يحبس الطير ثَلَاثَة أَيَّام رِوَايَة وَاحِدَة عَنهُ.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم فَروِيَ عَنهُ ثَلَاثَة أَيَّام كالطير. وَهُوَ الْأَظْهر. وَالثَّانيَِة: أَرْبَعُونَ يَوْمًا.
وَاخْتلفُوا فِي أكل الْقُنْفُذ وَابْن عرس.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يحرم أكله.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يُبَاح أكله.
وَاخْتلفُوا فِي أكل الزَّرْع وَالثِّمَار والبقول إِذا كَانَ يسقيها بِالْمَاءِ النَّجس وعلفها بالنجاسات.
فَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة: هِيَ مُبَاحَة.
وَقَالَ أَحْمد: يحرم أكلهَا وَيحكم بنجاستها.
стр. 803
وَاخْتلفُوا فِي ابْن آوى.
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة: هُوَ حرَام.
وَقَالَ مَالك: هُوَ مَكْرُوه.
ولأصحاب الشَّافِعِي وَجْهَان.
وَاخْتلفُوا فِي الهر الوحشي.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: حرَام.
وَقَالَ مَالك: مَكْرُوه كَرَاهِيَة مُغَلّظَة.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: أَنه مُبَاح، وَالْأُخْرَى: أَنه محرم.
ولأصحاب الشَّافِعِي وَجْهَان.
وَاتَّفَقُوا على أَن للْمُضْطَر أَن يَأْكُل الْميتَة بِمِقْدَار مَا يمسك رمقه إِذا لم يكن الْميتَة لحم بني آدم وَلم يجد الْمُضْطَر غَيرهَا.
فَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد: لَا يجوز لَهُ أكله.
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يجوز لَهُ ذَلِك.
وَاخْتلفُوا هَل يجوز للْمُضْطَر أَن يَأْكُل من الْميتَة غير ميتَة الْآدَمِيّ حَتَّى يشْبع.
стр. 804
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يشْبع مِنْهَا.
وَعَن مَالك وَأحمد رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: يجوز لَهُ الشِّبَع، وَزَاد مَالك: جَوَاز التزود مِنْهَا.
وَالْأُخْرَى: مِقْدَار الْجَوَاز من ذَلِك المسبلة، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى الشِّبَع.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ كالروايتين.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا وجد الْمُضْطَر ميتَة غير الْآدَمِيّ وَطَعَامًا للْغَيْر، وَمَالك الطَّعَام غَائِب.
فَقَالَ مَالك وَأكْثر أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة يَأْكُل من مَال الْغَيْر بِشَرْط الضَّمَان.
وَقَالَ أَحْمد وَبَقِيَّة أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَأْكُل من الْميتَة.
وَاخْتلفُوا فِي الشحوم الَّتِي حرمهَا الله على الْيَهُود بقوله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر وَمن الْبَقر وَالْغنم حرمنا عَلَيْهِم شحومها إِلَّا مَا حملت ظهورهما أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ [الْأَنْعَام: ١٤٦] هَل إِذا تولى ذبحه يَهُودِيّ يكره للْمُسلمين أكله أم لَا؟
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: هُوَ مُبَاح للْمُسلمين وَإِن تولى ذبحه الْيَهُود.
стр. 805
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: هِيَ مَكْرُوهَة إِذا تولى ذَبحهَا الْيَهُود، وَالْأُخْرَى: هِيَ مُحرمَة على الْمُسلمين إِذا ذَبحهَا الْيَهُود.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أَيْضا.
اخْتَار الأول مِنْهَا وَهِي الَّتِي يَقُول فِيهَا بِالتَّحْرِيمِ.
كَذَلِك أَيْضا، أَبُو بكر عبد الْعَزِيز، وَأَبُو الْحسن التَّمِيمِي، وَأَبُو حَفْص الْبَرْمَكِي، وَاخْتَارَ الْكَرَاهَة وَهِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة للخرقي وَابْن حَامِد.
وَاتَّفَقُوا على أَن هَذِه الشحوم إِذا تولى لذبحها الْمُسلمُونَ فَإِنَّهَا غير مُحرمَة عَلَيْهِم، وَلَا مَكْرُوهَة لَهُم.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا جَار على بُسْتَان غَيره، وَهُوَ غير محوط، وَفِيه فَاكِهَة رطبَة.
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يُبَاح لَهُ الْأكل من غير ضَرُورَة إِلَّا بِإِذن مَالِكه، وَمَعَ الضَّرُورَة يَأْكُل بِشَرْط الضَّمَان.
وَاخْتلف الرِّوَايَة عَن أَحْمد فَقَالَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: يُبَاح لَهُ الْأكل من غير ضَرُورَة وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: يُبَاح لَهُ الْأكل عِنْد الضَّرُورَة بشرطها لَا غير، وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ.
فَأَما إِن كَانَ عَلَيْهِ حَائِط فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ الْأكل إِجْمَاعًا إِلَّا بِإِذن مالكة.
وَاخْتلفُوا هَل تجب الضِّيَافَة على الْمُسلمين بَعضهم لبَعض بالقرى وَغير رواد
стр. 806
الْأَسْوَاق، على الْمُقِيم مِنْهُم للْمُسَافِر إِذا مر بهم.
فَقَالَ أَحْمد: تجب.
وَقَالَ الْبَاقُونَ: هِيَ غير وَاجِبَة، وَمُدَّة الْوَاجِب عِنْده لَيْلَة وَالْمُسْتَحب ثَلَاثَة، وَهِي إِذا امْتنع الْمُقِيم من أهل الْقرى من ذَلِك كَانَ دينا عَلَيْهِ عِنْد أَحْمد، كَمَا ذكرنَا.
بَاب السَّبق وَالرَّمْي .
وَاتَّفَقُوا على أَن السَّبق وَالرَّمْي مشروعان ويجوزان على الْعِوَض.
وَاتَّفَقُوا على أَن السَّبق بالنصل والخف والحافر جَائِز.
وَاخْتلفُوا فِي الْمُسَابقَة على الْأَقْدَام بعوض.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز.
وَقَالَ مَالك وَأحمد ك لَا يجوز.
وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين.
стр. 807
فَإِن كَانَت الْمُسَابقَة على الْإِقْدَام بِغَيْر عوض فَهِيَ جَائِزَة إِجْمَاعًا.
وَاتَّفَقُوا على أَن اللّعب بالنرد حرَام.
وَأَنه ترد الشَّهَادَة بِهِ.
وَاتَّفَقُوا على أَن اللّعب بالشطرنج حرَام.
إِلَّا مَا يروي عَن الإِمَام الشَّافِعِي فِي إِبَاحَته فَإِنَّهُ بَلغنِي عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا منعُوا صلَاتهم من النسْيَان وَأَمْوَالهمْ من النُّقْصَان، وألسنتهم من الهذيان، رَجَوْت أَن يكون مداعبة بَين الإخوان.
وَأما الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فقد ذكره فِي كِتَابه فَقَالَ: وَيكرهُ اللّعب بالشطرنج لِأَنَّهُ لعب لَا ينْتَفع بِهِ فِي أَمر الدّين وَلَا حَاجَة تدعوا إِلَيْهِ، فَكَانَ تَركه أولى وَلَا يحرم لِأَنَّهُ روى اللّعب بِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَأبي هُرَيْرَة، وَسَعِيد بن الْمسيب، وَذكر كلَاما طَويلا إِلَى أَن قَالَ: وَمن لم يكثر مِنْهُ لم ترد شَهَادَته، فَإِن الْتَزمهُ ردَّتْ شَهَادَته لِأَنَّهُ من الصَّغَائِر، فَفرق بَين قليلها وكثيرها، وَإِن ترك فِيهِ.
стр. 808
الْمُرُوءَة بِأَن يلْعَب بِهِ على الطَّرِيق أَو تكلم فِي لعبة بِمَا يستخف من الْكَلَام ردَّتْ شَهَادَته لترك الْمُرُوءَة.
قَالَ الْوَزير: وَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق عَمَّن أَبَاحَهُ من الْمَذْكُورين ﵃ فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا ثَبت فِي كتَابنَا هَذَا الصَّحِيح.
стр. 809
كتاب الْأَيْمَان
وَاتَّفَقُوا على أَنه من حلف على يَمِين لزمَه الْوَفَاء بذلك إِذا كَانَ طَاعَة.
ثمَّ اخْتلفُوا هَل لَهُ أَن يعدل عَن الْوَفَاء بهَا إِلَى الْكَفَّارَة مَعَ الْقُدْرَة على فعلهَا.
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
وَقَالَ الشَّافِعِي: الأولى أَن لَا يعدل، فَإِن عدل جَازَ، وَلَزِمتهُ الْكَفَرَة.
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ كالمذهبين.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز أَن يَجْعَل أسم الله عرضة للأيمان يمْنَع من بر وصلَة، فَإِن كَانَ قد حلف فَالْأولى لَهُ أَن يَحْنَث إِذا حلف على ترك الْبر وَيكفر، وَيرجع فِي إِيمَان إِلَى النِّيَّة، فَإِن لم يكن نِيَّة نظر إِلَى سَبَب الْيَمين وَمَا هاجها.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْيَمين بِاللَّه منعقدة، وبجميع أَسْمَائِهِ الْحسنى كالرحمن والرحيم والحي وَغَيرهَا وبجميع صِفَات ذَاته سُبْحَانَهُ كعزة الله وجلاله.
стр. 810
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: اسْتثْنى علم الله فَلم يره يَمِينا، وَسَيَأْتِي ذَلِك فِيمَا بعد.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْيَمين المغموس هَل لَهَا كَفَّارَة؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك فِي إِحْدَى روايتيه: لَا كَفَّارَة لَهَا لِأَنَّهَا أعظم من أَن تكفر.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: تكفر. وَالْيَمِين المغموس هِيَ الْحلف بِاللَّه على أَمر مَاض مُعْتَمد الْكَذِب فِيهِ.
واجمعوا على أَن الْيَمين المنعقد هُوَ أَن يحلف بِاللَّه على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل على أَن يَفْعَله أَو لَا يَفْعَله، وَإِذا حنث وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قَالَ: أقسم بِاللَّه، وَأشْهد بِاللَّه.
следующие страницы →