Полный текст (71 стр.). Показаны 36–71 · переход к 41.
стр. 36
إِحْدَاهمَا أَن يَأْمَن قلبه من أَن يفوتهُ مَا قدر لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن ييأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ
فَمن لزم قلبه الْأَمْن أَلا يفوتهُ رزقه وَإِلَّا يأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ قل همه وغمه وخضوعه لِلْخلقِ والمدارة لَهُم لِأَن ينَال بهم مَنْفَعَة فَهَذَا الْغنى بِاللَّه
والخلة الثَّانِيَة ذكر اطلَاع الله على ضَمِيره وجوارحه فَإِن ذَلِك يُورث لَهُ الْحيَاء
فَإِذا عرض لَهُ شَيْء مِمَّا يكره الله ذكر النّظر وَخَافَ المقت إِن ركن إِلَى ذَلِك
وَإِن عرض لَهُ مَا فِيهِ النَّقْص وَإِن لم يكن محرما استحيى من الله تَعَالَى أَن يرَاهُ مقصرا عَمَّا يحب مَوْلَاهُ مَعَ مَا قد استودعه من الْعلم وعرفه من عَظِيم قدره وكبرياء جَلَاله جلّ وَعز
وَجُمْلَة ذَلِك أَن تَغْدُو إِلَى سوقك وَأَن تكون فِي جَمِيع أحوالك فِي سوق كنت أَو فِي غَيرهَا فتلزم قَلْبك الْيَقِين والحذر وتذكر الِاطِّلَاع بِالنّظرِ
فباليقين تستريح وبالحذر تتيقظ وبذكر النّظر تستحيي من النَّاظر الْأَعْلَى تبَارك وَتَعَالَى
стр. 37
- بَاب مَذَاهِب السّلف فِي الْوَرع
-
سَأَلت أَبَا جَعْفَر عَن الْوَرع فَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل
أَحدهمَا ترك مَا حاك فِي الصُّدُور من جَمِيع الحكايات وَالْقَوْل
وَالثَّانِي الْوُقُوف عِنْد كل شُبْهَة إِذا لم يتَبَيَّن فِيهَا الْحَلَال من الْحَرَام
وَالْقَوْل الثَّالِث مَا رَوَاهُ عَطِيَّة السَّعْدِيّ عَن النَّبِي ﷺ (تكون حَقِيقَة من الْمُتَّقِينَ حَتَّى تدع مَا لَا بَأْس بِهِ مَخَافَة مَا بِهِ الْبَأْس)
وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَقَاوِيل قد قصد إِلَيْهَا وَإِلَى مَعَانِيه أَصْنَاف من الْعلمَاء وَأهل الحَدِيث والقراء والمتصوفة
فَأَما ترك مَا حاك فِي الصُّدُور فَهُوَ مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد بن مَسْرُوق بن مُنْذر الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم ووهيب بن
стр. 38
الْورْد وَمُحَمّد بن يُوسُف الْأَصْبَهَانِيّ ويوسف بن أَسْبَاط وَعبد الله بن الْوَلِيد الْمدنِي وَشُعَيْب بن حَرْب
وَالْقَوْل الثَّانِي يذهب إِلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وناس صلحاء مِمَّن سكن الثغر مِنْهُم مخلد بن الْحُسَيْن وَعلي بن بكار وَقد رَوَاهُ عَن الْأَوْزَاعِيّ وَيُقَال أَنه فتيا ابْن الْمُبَارك بِالْمصِّيصَةِ وَمذهب طوائف من أهل الْبَصْرَة وَقد ذكر ذَلِك عَن عبد الله بن دَاوُد وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد بن مقَاتل بعبادان وَكثير من المتفقهة فِي سَائِر الْأَمْصَار
وَالْقَوْل الثَّالِث قد ذكر عَن طَاوس وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَيوب وَابْن عون وَيُونُس بن عبيد وواصل مولى ابْن عُيَيْنَة
стр. 39
وَهُوَ مَذْهَب عَمْرو بن مرّة وَقد ذهبت إِلَيْهِ أنَاس بأطراف الثغور فَلم يَأْخُذُوا مِنْهَا شَيْئا لَا من حلالها وَلَا من حرامها وَلَا من شبهاتها إِلَّا خرقا تستر الْعَوْرَة وفلقا تسد الجوعة
ثمَّ تَفَرَّقت بهم الطّرق للآخرة فِي اخْتِيَار المآكل والملابس
فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الرُّخْصَة وَرَأَتْ طَرِيق الْفقر والتقلل فِيمَا لم يكن حَرَامًا إِمَّا نصا فِي التَّنْزِيل وَإِمَّا ثَابتا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع الْمُسلمين وصاروا إِلَى الرُّخْصَة فِيهِ
واختارت طَائِفَة من الْقُرَّاء والمتصوفة التقلل من كد الْيَد وعرق الجبين وَالسَّعْي فِي طلب الْأَسْبَاب ليأخذوا الكسرة واجتهدوا فِي طلب ذَلِك مَعَ أهل الثغور خوفًا أَن يَكُونُوا من أعوان الظَّالِمين
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بآيَات من التَّنْزِيل مِنْهَا قَوْله ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
وأخبار الْمُصْطَفى ﷺ (فَمن أعانهم وَصدقهمْ فلست مِنْهُ وَلم يرد على الْحَوْض)
وَذَهَبت طَائِفَة من أهل الْفِقْه إِلَى أَنه لَا بَأْس بمعاونتهم إِذا لم يكن ظلما بِعَيْنِه وَذَلِكَ أَنهم تأولوا الحَدِيث على معنى من أعانهم على ظلمهم فَمن لم يُعِنْهُمْ على الظُّلم وَأَعَانَهُمْ على سوى ذَلِك فَهُوَ مُطلق حَلَال عِنْدهم
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى ترك المعونة لَهُم والمباينة لَهُم وَاحْتَجُّوا بأخبار كَثِيرَة فِي المباينة
من ذَلِك حَدِيث النَّبِي ﷺ (لعنت الْخمر وبائعها ومبتاعها
стр. 40
وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنهَا)
وَاحْتَجُّوا بِأَن سعد أحرق كرمه وَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا إِن أَنا بِعْت الْخمْرَة
وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن كَلَامهم وَعَن مُبَايَعَتهمْ وَأمرهمْ أَن يعتزلوا نِسَاءَهُمْ وَلم يكن التَّخَلُّف مِنْهُم على نفاق وَإِنَّمَا كَانَ ذَنبا حَتَّى أنزل الله جلّ وَعز تَوْبَتهمْ
وَقَالَت فرقة المعونة لَهُم حرَام فِي كل مَكَان لَهُم فِيهِ مَنْفَعَة وَهُوَ مَذْهَب طَائِفَة من المتصوفة مَعَهم جهل كَبِير وغلظة
وَقَالَت طَائِفَة بيع السِّلَاح والكراع مِنْهُم مَعْصِيّة وَمَا سوى ذَلِك فَترك المعونة لَهُم وَترك متابعتهم أفضل
وهم طوائف النساك والقراء مِمَّن ينتحل مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض والمعافى بن عمرَان ووكيع بن الْجراح وَأبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَعِيسَى بن يُوسُف ويوسف بن أَسْبَاط وَابْن الْمُبَارك وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَعباد بن عتبَة الْخَواص ومخلد بن الْحُسَيْن
стр. 41
وَعلي بن بكار وَسليمَان الْخَواص وقاسم بن يزِيد الْجرْمِي وَزيد بن أبي الزَّرْقَاء وَابْن أبي ذِئْب وَأحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل وَبشر بن الْحَارِث الحافي وَعبد الْوَهَّاب الْوراق وَمن سلك مسلكهم وسبيلهم من أَصْحَاب الحَدِيث مِمَّا يحسن فِي قِرَاءَته
وساعدهم على ذَلِك طوائف من المتصرفة بِمَكَّة واليمن وسواحل الشَّام وعبادان وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ لَا بُد من أَمارَة برة أَو فاجرة وَالدَّار لَا تصلح إِلَّا بِإِمَام يصلى خَلفه وترفع إِلَيْهِ الْأَحْكَام وَتصْلح الطّرق وَتعبد الجسور وتعمر الْمَسَاجِد الْعِظَام وتبنى المنائر للحراس بالثغور وتعقد الْأَوْلَوِيَّة على الصوائف وَغَيرهم وَيُقِيم الْحَج وَيُعْطِي الْفَيْء وَيقسم الْغَنِيمَة ويجبي الْخراج ويفرض الأعطية ويدون الدَّوَاوِين ويعول الْفُقَرَاء وَيُعْطِي الغارمين
فَإِذا أحسن وَاتَّقَى كَانَ صلاحا للرعية وَإِذا أَسَاءَ وفجر كَانَ فَسَاده جورا فِي الرّعية وَالصَّبْر على الْإِقَامَة مَعَه وَترك مُفَارقَة الْجَمَاعَة فِي الْخُرُوج من إِقَامَته والمعاملة فِي الشِّرَاء وَالْبيع وَالتِّجَارَة والصنائع فِي دولته جَائِز وَيكون بَيْنك وَبَينه ستر حَتَّى إِذا رَأَيْت حليتهم على أحد إجتنبته بِعَيْنِه
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِن ضربت أَو ظلمت فاصبر
стр. 42
وَقَالَ حُذَيْفَة لَيْسَ من السّنة أَن تشهر السِّلَاح فِي وَجه السُّلْطَان
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (سَتَرَوْنَ بعدِي فتنا وأثرة) قيل فَمَا تَأْمُرنَا بِهِ يَا رَسُول الله قَالَ (أعْطوا الْحق الَّذِي عَلَيْكُم وسلوا الله الَّذِي لكم)
وَهَذَا الحَدِيث أصل عَظِيم من أصُول الْإِسْلَام رَوَاهُ الْأَعْمَش وَمَنْصُور عَن يزِيد بن وهب عَن عبد الله بن مَسْعُود
стр. 43
- بَاب مَذَاهِب السّلف فِي المطاعم والملابس
-
وَقد تكلم طوائف من الْفرق بمذاهب فِي المجانية وصفاء الْمطعم والملبس يَخْتَلِفُونَ ويتقاربون
فَمنهمْ من اخْتَار الْعُزْلَة عَن الْأَئِمَّة وَالسُّلْطَان وأعوانهم بأعيانهم
وَفرْقَة قد جانبت كل من اتَّصل بهم وَهَذِه الطَّائِفَة عِنْد جمَاعَة من الْعلمَاء ركبت الغلو فِي الدّين
وَطَائِفَة اعتزلت الْفرق واحتجت بِمَا حَدثنَا بِهِ عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعت أَبَا التياح يخبر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ (هَلَاك أمتِي على أَيدي أغلمة من قُرَيْش) قَالَ قَائِل يَا رَسُول الله مِمَّا تَأْمُرنَا لَو قد وَردت علينا قَالَ (لَو أَن النَّاس اعتزلوهم)
وروى جمَاعَة عَن الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن بسر بن عبد الله عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن حُذَيْفَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن أدركني رفاق لَيْسَ لَهُ إِمَام وَلَا جمَاعَة قَالَ (فاعتزل تِلْكَ الْفرق حَتَّى تَمُوت على ذَلِك)
стр. 44
وَقَالَ النَّبِي ﷺ للْأَنْصَار (أَنكُمْ سَتَرَوْنَ بعدِي فتنا وأثرة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي على الْحَوْض)
وَقَالَ ﵇ لأبي ذَر حَيْثُ قَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت إِذا رَأَيْت حِجَارَة الزَّيْت قد غرقت فِي الدَّم (اصبر حَتَّى تلْحق بِمن أَنْت مَعَه)
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة
وَأما الأكياس فَإِنَّهُم أخذُوا الْقُوت قصدا ورفضوا مَا سوى ذَلِك وَقد كَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول اشتبهت الْأُمُور فَلَيْسَ نَأْخُذ غير الْقُوت
وَقَالَ الْحسن إِن المكاسب قد فَسدتْ خُذُوا مِنْهَا الْقُوت
وَقَالَ أَبُو وَائِل ومسروق إِن أهل بَيت الْكُوفَة يُوجد على مائدتهم رغيف من حَلَال لأهل بَيت غرباء
وَيُقَال إِن الله ليحجب الدُّعَاء بالطعمة أَو بالكسرة يأكلها الْمَرْء من غير حلهَا
وَفِي إِجْمَاعهم من طَابَ مطعمه صفت أَعماله واستجيبت دَعوته ثمَّ قصدت طوائف من الْقُرَّاء والمتصوفة والنساك إِلَى مَذَاهِب فِي الْكسْب فطائفة اخْتَارَتْ الْمُبَاح من الْجبَال والأودية والرمال من ورق الأثل ولقط الْبذر والحشائش الَّتِي لَهَا ثمن إِذا ادخرت فَجمعُوا مِنْهَا لصيفهم فِي شتائهم
стр. 45
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ مَا ألقته الرِّيَاح وَمَا ظهر من الْحَشِيش والكلأ على وَجه الأَرْض من كلأ الصَّحرَاء إِذا اشْتَدَّ بهم الْجُوع
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ المنبوذ الْمَطْرُوح الملقي وَاحْتَجُّوا لذَلِك بِمَا رَوَاهُ هِشَام عَن قَتَادَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يهوي إِلَى التمرة الملقاة فلولا أَنه يخْشَى أَن تكون من تمر الصَّدَقَة لأخذها وَأَن أَبَا أُمَامَة أَخذ كسرة من مَسْجِد حمص فَأكلهَا
وَكَانَ أويس الْقَرنِي يَأْخُذ الشَّيْء من الْمَزَابِل وَغَيرهَا
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ الْمَسْأَلَة لأخذ الْقُوت مِنْهَا كَمَا سَأَلَ الْخضر مُوسَى ﵉ عِنْد الْحَاجة وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي ﷺ (رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين يدْفع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره) وَذَلِكَ حِين اشتدت عَلَيْهِم مَذَاهِب إحْيَاء الْحَلَال وخافوا من الْوُقُوع فِي الْحَرَام
وَطَائِفَة بالثغر ونواحي الشَّام اخْتَارَتْ ان تجمع من اللقاط خلف الحصادين من الْقَمْح وَالشعِير وَترى أَن ذَلِك دَلِيل قَاصِر بتتبع الحصادين فَالَّذِينَ لَا يَشكونَ فِي أَنه حَلَال لَيْسَ يَنْبَغِي قَوْلهم فِي عصرنا هَذَا
وَطَائِفَة مِنْهُم تجنبت اللقاط وَرَاء الحصادين فِي أَرض اشْتريت بِمَال الظَّالِمين أَو من خطّ قطائع اختطها السُّلْطَان لأوليائه وَمن القبالات من الْأَرْضين الَّتِي أخرج أَهلهَا مِنْهَا
وَطَائِفَة فتشت الْوَرع فَاخْتَارَتْ كد الْيَد أَو ضرب السَّيْف فِي سَبِيل الله على اللقاط والحصاد وَقَالُوا لَيْسَ للقاط أصل مُتَقَدم فِي
стр. 46
عهد الْأَئِمَّة الماضيين وهم على ذَلِك يجمعُونَ على أَن ضرب السَّيْف تَحت كل راية مَعَ كل أَمِير بر أَو فَاجر مَاض فِي كل عصر وَفِي كل زمَان لَا يتَخَلَّف عَن ذَلِك إِلَّا مُخطئ أَو جَاهِل وَطَائِفَة اخْتَارَتْ الرِّبَاط إِلَّا أَن يكون لأهل الْإِسْلَام حَاجَة من إِظْهَار الْعَدو وطلبهم ودخولهم إِلَى دَار الْإِسْلَام فأوجبوا ضرب السَّيْف فِي هَذَا الْحَال حَتَّى إِذا استغنت الْأمة عَن ذَلِك رجعُوا إِلَى مَا اعتقدوه من الرِّبَاط وَاحْتَجُّوا بِأَن ذَلِك فِي آخر الزَّمَان أفضل وَرووا فِي ذَلِك أَحَادِيث واستعملوا لَهَا مقاييس وَهَذِه الطَّائِفَة غلطها كثير
وَأكْثر الْعلمَاء والأغلب فِي جَمِيع الْأَمْصَار يرَوْنَ الْغَزْو وَالْحج وَالشِّرَاء وَالْبيع والمعاملات والوكالات والصنائع مَاضِيَة أبدا مذ كَانَ أول الْإِسْلَام إِلَى آخر عِصَابَة يُقَاتلُون الدَّجَّال لَا يضر المتقي الْحَافِظ لدينِهِ جور جَائِر وَلَا ظلم ظَالِم إِذا مَكَان فَقِيها متخلصا فِي تِجَارَته وصنعته يكابد أَن يسلم من أكل الشُّبْهَة وَغير ذَلِك يجاهده بِالنَّفَقَةِ
والمكاسب لَا تفْسد بجور الْأَئِمَّة إِنَّمَا تفْسد بترك اسْتِعْمَال الْفِقْه وَالْعلم
وَقد تقدم فِي صدر هَذِه الْأمة من الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف والتفرق وَالنَّاس يشْتَرونَ ويبيعون وَقد قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان ظلما وعدوانا وَالنَّاس يتجرون فِي تجاراتهم بِالْمَدِينَةِ وَغَيرهَا وفتنة الْجمل وصفين وَابْن الزبير وَالْعراق والجماجم بِالْبَصْرَةِ والكوفة وَفِي جَمِيع الْعرَاق وخارجها ونواحي الْأَطْرَاف وَالنَّاس يشْتَرونَ ويبيعون
وَبعد فتْنَة مُحَمَّد الْأمين والمأمون الَّتِي قَامَت بِالشَّام ثَمَانِي عشرَة سنة وبالعراق أَربع سِنِين وَفِي سَائِر الْبِلَاد أَيْضا وَالْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فِي كل بلد والمحدثون يَوْمئِذٍ متوافرون وَالنَّاس يبيعون ويشترون لَا يُنكر ذَلِك
стр. 47
أحد مِمَّن علمناه إِلَّا رجلَيْنِ هما عِنْد الْأمة مخبطين عبد الله بن يزِيد وَعَبْدك الصوفيين فَإِنَّهُمَا أفسدا وحرما الْكسْب وأبت الْأمة إِلَّا خلاف مَا قَالَا
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي الْمِيرَاث يكون الرجل يَرث المَال وَأَبوهُ ظَالِم أَو جَائِر فِي ولَايَته أَو خالط مَاله غصب أَو مزج حَلَالا بِحرَام
فَقَالَت طَائِفَة من المتفقهة الْمِيرَاث لَهُ حَلَال والوزر على من اكْتسب المَال وَقد طَابَ هَذَا المَال لوراثه
وَقَالَت طَائِفَة يحْتَاط فِي هَذَا المَال فَإِن كَانَ يعلم أَن أَبَاهُ كَانَ لَهُ مَال قبل أَن يخالط مَاله الظُّلم أخرج مِنْهُ مَا يعلم أَنه قد زَاد فِي مَال أَبِيه
وَقَالَت طَائِفَة من الْقُرَّاء والمتصوفة انتحلت رَأْي سُفْيَان الثَّوْريّ وجعلن دينا الْخُرُوج من كُله احْتِيَاطًا لدينِهِ
وَقد روى غير وَاحِد أَن أَبَاهُ قد ظلم فَعرف أُولَئِكَ المظلومين فَأدى إِلَيْهِم مظالمهم وساعدهم على ذَلِك أهل الْفِقْه وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك بن أنس وَبِه أفتى أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَعبد الله بن إِدْرِيس
стр. 48
- بَاب مَذَاهِب السّلف فِي الشُّبُهَات وَمَعْنَاهَا
-
وَاخْتلفت النَّاس فِي معنى الشُّبْهَة
فَقَالَت طَائِفَة إِنَّمَا هُوَ الْحَلَال أَو الْحَرَام الَّذِي هُوَ ضد الْحَلَال وَلَا منزلَة ثَالِثَة إِلَّا مَا حذر النَّبِي ﷺ مِنْهُ فَقَالَ (لَا تقربُوا أَو تدنوا من الْحَرَام)
فَسُمي ذَلِك شُبْهَة كَالَّذي يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ قَالُوا فخارج الْحمى حَلَال وداخله حرَام
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة سَاقِطَة وَذَلِكَ أَن علمهَا غير مفترض لقَوْل النَّبِي ﷺ (لَا يعلمهَا كثير من النَّاس)
وَإِنَّمَا اتَّقوا الْعَمَل بِالشُّبْهَةِ مَخَافَة التَّزْكِيَة بِأَن يَكُونُوا من أُولَئِكَ الْقَلِيل الَّذين يعلمونها
وَقَالَت طَائِفَة الْعَمَل بذلك وَاجِب ليطيب للمرء منكحه ومطعمه ومشربه وملبسه وشراؤه وَبيعه وَهُوَ متعبد يَأْكُل الْحَلَال وإمضائه
قَالُوا والشبهة هِيَ مَا لم يعرف أحلال بِعَيْنِه أم حرَام وَالْوُقُوف فِي هَذَا الْموضع فرض
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ علمهَا بِفَرْض وَيَأْكُل مِنْهَا لِأَنَّهُ فِيهَا حَلَالا
стр. 49
وَإِنَّمَا كَانَ أكله من الْحَلَال
وَقَالَت طَائِفَة التَّحَرُّز من ذَلِك أفضل فَإِذا وجد السَّبِيل إِلَى غَيره لم يحل لَهُ أكل الشُّبْهَة وَهُوَ يجد الْحَلَال الْمُطلق الْمُبَاح
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة لَيست تعلم فِي الْأَمْوَال لِأَن المَال لَا يعلم إِلَّا حَلَالا أَو حَرَامًا وَإِذا اخْتَلَط دِينَار بِعشْرَة دَنَانِير أَو مائَة دِينَار فِي ألف وَكَذَلِكَ الْوَرق فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يخرج دِينَارا أَو درهما إِذْ لَا يُمكنهُ أَن يخرج ذَلِك الدِّينَار بِعَيْنِه وَدِرْهَم مَكَان دِرْهَم ودينار مَكَان دِينَار جَائِز بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء
وَقد ذهبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَو خلط دِينَارا من غصب أَو ظلم ومازجه دِينَار آخر حَلَال فاكتسب بهما فربح عَلَيْهِمَا فَلهُ نصف ذَلِك الرِّبْح وَيرد على من اغتصبه أَو ظلمه ذَلِك الدِّينَار وَمَا ربح عَلَيْهِ
فَإِن كَانَ ذَلِك الدِّينَار مغمورا فِي مائَة دِينَار فَلهُ بقسط ذَلِك يُؤَدِّيه إِلَى من ظلمه أَو إِلَى وَارِث من ظلمه أَو يتَصَدَّق بِهِ على الْمَسَاكِين إِن لم يجده
وَقَالَت طَائِفَة وَأكْثر الْفُقَهَاء لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا مَا ضمن وَهَذَا الدِّينَار فِي ضَمَانه
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة مَا كَانَ أَكْثَرهَا حَلَالا وَإِنَّمَا اعْترض عَلَيْهَا فَدخل فِيهَا مَا يظْهر أَنه حرَام فَهُوَ يَأْكُل من الشُّبْهَة أبدا الْعلَّة مَا غلب من الْحَلَال
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة الَّتِي أَمر النَّبِي ﷺ عدي بن حَاتِم حِين قَالَ لَهُ أرسل كَلْبِي على الصَّيْد فأجده وَقد اخْتَلَط مَعَه كلاب فَأمره عَلَيْهِ
стр. 50
السَّلَام أَلا يَأْكُل فَلَعَلَّهُ قَتله غير كَلْبه وَكَذَلِكَ إِذا رمى صيدا وَرمى غَيره فَلَا يدْرِي أَي الرميتين قتلته بالذكاة أَو غير الذَّكَاة وَكَذَلِكَ الصَّيْد يتردى من جبل أَو يهوي فِي بِئْر فَلَا يدرى بِأَيِّهِمَا كَانَ قَتله وَكَذَلِكَ الرجل يُطلق إِحْدَى امرأتيه فَلَا يدرى أَيَّتهمَا طلق أَو يعْتق أحد عبديه فَلَا يدرى أَيهمَا أعتق فالوقوف هَا هُنَا والورع وَاجِب
وَقَالَت فرقة الشُّبْهَة فِي الْأَمْوَال وَالنِّكَاح غير ذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ خاطبهم بِالشُّبْهَةِ وهم يعلمُونَ ذَلِك
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر عَن الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير رَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ومغيرة وَأَبُو السّفر وَمُجاهد ومطرف فِي جمَاعَة سواهُم عَن الشّعبِيّ وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَجَابِر ﵄ نَحْو مَا قَالَه النُّعْمَان بن بشير
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود حِين أَكثر النَّاس عَلَيْهِ يسألونه فَقَالَ الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا شُبُهَات
وَقَالَ ابْن عمر دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك
وَقَالَ ابْن مَسْعُود الْإِثْم مَا حاك حول الْقُلُوب
مَعَ مَا قد رُوِيَ عَن الْمُصْطَفى ﷺ أَنه قَالَ فِي التمرة الملقاة (لَوْلَا أَنِّي أخْشَى أَن تكون من تمر الصَّدَقَة لأكلتها)
وَنهى عدي بن حَاتِم عَن أكل الصَّيْد إِذا اخْتلطت الْكلاب المعلمة وَغَيرهَا
وَقَالَ ﷺ فِي قصَّة عتبَة وَعبد بن زَمعَة فَقَالَ عبد بن زَمعَة هُوَ أخي ولد على فرَاش أبي فَقَالَ (هُوَ لَك يَا عبد الْوَلَد
стр. 51
للْفراش وللعاهر الْحجر واحتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) للشبه الَّذِي رأى ﵇ لِأَنَّهُ رأى شبها بَينا بِعَيْنيهِ
وَنهى ﷺ عَن كسب الْأمة حَتَّى يعلم من أَيْن كسبت
وَأمر محيصة حِين سَأَلَهُ عَن كسب غُلَامه الْحجام أَن يطعمهُ الرَّقِيق ويعلف مِنْهُ الناضح
وَاخْتلف النَّاس فِيهِ فَقَالَت طَائِفَة كسب الْحجام خَبِيث لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي الحَدِيث أَنه سحت
وَنهى النَّبِي ﷺ محيصة أَن يَأْكُل من كسب الْحجام
وَقَالَت طَائِفَة كسب الْحجام حَلَال وَاحْتَجُّوا بِابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ أعْطى الْحجام وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه
وَقد ذهبت طَائِفَة إِلَى تَأْوِيل حَدِيث محيصة بِأَن المكاسب بَعْضهَا أطيب من بعض وَأَعْلَى وفيهَا أدنى من بعض والمستنصح إِذا فزع إِلَى الناصح أَجَابَهُ بِالنَّصِيحَةِ فَأمر النَّبِي ﷺ محيصة بالتنزه عَنهُ حِين وجده فَقَالَ (أما أَنْت فَلَا تَأْكُل وَلَكِن أطْعمهُ الرَّقِيق) وَلم يكن يُبِيح لَهُم إطْعَام الرَّقِيق من حرَام
стр. 52
- بَاب معنى التعاون على الْإِثْم والعدوان
-
وَقد تنازعت طوائف من الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
فَقَالَ بَعضهم سقِِي المَاء للعاصي وإرشاده إِلَى الطَّرِيق من المعونة
وَقد رُوِيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا سَأَلَك الطَّرِيق إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تدله لَعَلَّه يغتال رجلا فِيمَا بَينه وَبَين الْمُسلمين أَو يَظْلمه
وَقَالَت طَائِفَة المعونة على حرَام بِعَيْنِه
وَقَالَت طَائِفَة بيع السكين من السُّلْطَان والخشبة ليصلب عَلَيْهَا رجل مُسلم وَالسَّوْط من الجلاد والصليب من النَّصَارَى هَذَا كُله حرَام
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن ذَلِك مُبَاح وَالْإِثْم على الْفَاعِل وَهَذِه الطَّائِفَة مُخَالفَة فِي التَّأْوِيل لِأَن النَّبِي ﷺ لعن فِي الْخمر عشرَة عاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وشاربها وآكل ثمنهَا وحاضر مجلسها
стр. 53
وَقد أحرق سعد كرمه وَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا إِن أَنا بِعْت الْخمر
وَكره إِبْرَاهِيم أَن يعين النِّسَاء على فتل الخيوط للسبحة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى للنِّسَاء إِلَّا إِشَارَة عقد الْأَصَابِع بالأنامل
وَأَبُو قَتَادَة فِي الصَّيْد لم يناوله أَصْحَابه السَّوْط كَرَاهِيَة المعونة لَهُ وهم حرم لِأَن الله نهى عَن قتل الصَّيْد وهم حرم
وَفِي المعونة أَخْبَار كَثِيرَة والتاركون لَهَا داخلون فِي الْفَضِيلَة وَقد قَالَ الضَّحَّاك أدركناهم مَا يتَعَلَّم بَعضهم من بعض إِلَّا الْوَرع
وَقَالَ الْحسن الْوَرع أفضل الْعِبَادَة
وَقَالَ لَا دين إِلَّا الْوَرع ويروى عَن الله قَوْله ﴿فَأَما الورعون فأستحيي أَن أعذبهم﴾
فَأول بداية الْوَرع محاسبة النَّفس عِنْد خواطر الْقُلُوب وَالنَّفْي لدواعي الجهالات وَالْوُقُوف عِنْد الشُّبُهَات والاستبراء بالتقوى وَالِاحْتِيَاط عِنْد اخْتِلَاف الْعلمَاء
وَقد غَلطت طَائِفَة تأولت قَول ابْن مَسْعُود فِي الْأكل من اتجار المرابي فَقَالَ فلك المهنا وَعَلِيهِ الْإِثْم
وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ الشَّيْبَانِيّ عَن التَّمِيمِي عَن الْحَارِث بن سُوَيْد وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَهُوَ يضعف هَذَا الحَدِيث وَأحمد بن حَنْبَل
وَقد تأولت طَائِفَة قَول ابْن مَسْعُود على أَنه لم تجر شَهَادَة السَّائِل أَو يكون عبد الله علم من الرجل الَّذِي سَأَلَهُ فَقَالَ ابْن مَسْعُود كل من حَلَال مَاله
لِأَنَّهُ لَو تَابَ لأمسك مَا كَانَ لَهُ من الْحَلَال ورفض مَا سواهُ قَالَ الله عز
стр. 54
وَجل فِي الرِّبَا ﴿وَإِن تبتم فلكم رُؤُوس أَمْوَالكُم﴾
وَقد ذهبت طَائِفَة من أهل الْعلم وَغَيرهم إِلَى أَن مَا لم يكن حَرَامًا فِي التَّنْزِيل أَو نهى رَسُول الله ﷺ فَهُوَ فِي الْإِطْلَاق وَالْإِبَاحَة حَتَّى تكون آيَة تمتّع أَو سنة مأثورة يجب اسْتِعْمَالهَا أَو اتِّفَاق بَين أهل الصَّلَاة وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا بِإِطْلَاق الْآيَة ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾
وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ وَمن سلك مسلكه يذهبون إِلَى الظَّاهِر
وَقد روى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ الْحَلَال مَا أحله الله وَالْحرَام مَا حرم الله تَعَالَى وَسكت عَن أَشْيَاء عفوا
وَقَالَ ذَلِك سلمَان وَالْحسن
وَقد رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْجُبْن وَالسمن
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (الْحَلَال مَا أحل الله وَالْحرَام مَا حرم الله وَسكت عَن أَشْيَاء عفوا)
وَسَأَلَ الْبَراء بن عَازِب النَّبِي ﷺ عَن الْأَضَاحِي فَقَالَ إِنِّي أكله أَن يكون فِي السن نقص أَو فِي الْقرن فَقَالَ النَّبِي ﷺ (مَا كرهته فَدَعْهُ وَلَا تحرمه على غَيْرك)
وَمعنى هَذَا أَنه أَرَادَ أَن يحْتَاط لنَفسِهِ بترك أَشْيَاء اخْتلف فِي معنى
стр. 55
تَأْوِيلهَا وَلَا يكون ذَلِك الشَّيْء حَرَامًا لِأَن الْقَائِل حَلَال وَحرَام عَاص الله تَعَالَى إِلَّا أَن يكون بِآيَة من كتاب الله أَو سنة أَو اتِّفَاق أَو دَلِيل على ذَلِك
فَأكل الْحَرَام مَعْصِيّة واعتقاد القَوْل بِأَن هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام وَلَيْسَ بِبَيَان أَو شَاهد من الْإِجْمَاع فَهُوَ افتراء على الله وَكذب فِي الدّين لِأَن الله تَعَالَى لَام الواصفين لذَلِك فَقَالَ جلّ ذكره ﴿فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا قل آللَّهُ أذن لكم أم على الله تفترون﴾
فحرك قُلُوب السامعين للتلاوة وَالْخَوْف من الله أَن يتقدموا على أَن يَقُولُوا حَرَامًا وحلالا إِلَّا بِعلم
وَقد سُئِلَ عتبَة بن فرقد عَن شَيْء فَكَانَ لَا يَقُول حَلَال وَلَا حرَام لَكِن يَقُول يستحبون ويكرهون
وَقد روى إِبْرَاهِيم بن أدهم كَانُوا يكْرهُونَ أَشْيَاء وَلَا يَقُولُونَ حَرَامًا
وَسُئِلَ جَابر بن زيد مَا تَقول فِي لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة هَل نهى رَسُول الله ﷺ عَنْهَا فَقَالَ قد كَانَ يَقُول ذَلِك عندنَا الحكم الْغِفَارِيّ وَأبي ذَلِك الْبَحْر يَعْنِي ابْن عَبَّاس ثمَّ قَرَأَ الْآيَة ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾
وَكَانَ الشّعبِيّ وَمُجاهد يسلكان مَذْهَب ابْن عَبَّاس
стр. 56
وَقد أَتَى رَسُول الله ﷺ بجبنة مِمَّا صنع فِي فَارس فَقَالَ (اقْطَعْ بالسكين وَاذْكُر اسْم الله وكل)
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وسلمان وَالْحسن وَإِبْرَاهِيم فِي الْجُبْن فَقَالُوا كل
وَقَالَ الْحسن وَلَا تشك
стр. 57
- بَاب الْوَرع فِي جوائز السُّلْطَان
-
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي جوائز السُّلْطَان
فَكرِهت ذَلِك طَائِفَة وَلم تَرَ طَائِفَة بذلك بَأْسا وَفرْقَة قَالَت حَلَال وَفرْقَة قَالَت شُبْهَة وَفرْقَة قَالَت حرَام وَهَذِه الْفرق مُخَالفَة للسّنة وَأكْثر الْعلمَاء نافون لَهُم لجهلهم فَأَما الَّذين قَالُوا بالكراهية فَالَّذِي يخالط الْفَيْء وَالْغنيمَة من الظُّلم والعدوان فِي الجبايات والقبالات الرحاب وَأخذ الرشا والجور وَالظُّلم وإصراف المَال فِي غير حُقُوقه وَأَخذه من غير وَجهه
وَأما الَّذين قَالُوا لَا بَأْس بِهِ فَإِنَّهُم تأولوا قَول عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بِأَن مَا يدْخل فِي بَيت مَالهم من الْحَلَال أَكثر من الْحَرَام
وَأخذ ابْن عمر ﵁ من الْحجَّاج وَعبد الْملك بن مَرْوَان وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَأنس بن مَالك وَكَذَلِكَ جمَاعَة من التَّابِعين رَضِي
стр. 58
الله عَنْهُم أخذُوا من السُّلْطَان مِنْهُم الْحسن وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَمن بعدهمْ جمَاعَة أَيْضا
وَقَالَت طَائِفَة الْأَخْذ مِنْهُم شُبْهَة لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي ذَلِك ﵃ لِأَن من سوى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قد خالط مَالهم الظُّلم والعدوان والاعتداء فِي الْأَمْوَال إِلَى عصرنا هَذَا أَو سفك الدِّمَاء أَو الضَّرْب على الْجور بِالسَّوْطِ ويستحل فِيهِ الْفَيْء وَالْغنيمَة
وَقد ترك الْأَخْذ من أَمْوَالهم سعيد بن الْمسيب وَطَاوُس وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَيوب وَابْن عون وَيُونُس بن عبيد وَكَانَ مَسْرُوق لَا يقبل من أحد شَيْئا وَلَا يَأْخُذ على الْفتيا أجرا وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَصْحَابه لَا يرَوْنَ ذَلِك
وَقد اخْتلف عَن سُفْيَان فِي كثير من هَذِه الْمعَانِي وَأحمد بن حَنْبَل يرى لمن ولي شَيْئا من أَمْوَالهم أَن يفرقه كَمَا صنع فِي الماضيين غير وَاحِد
وَقد روى عَن ابْن عمر وَعَائِشَة ﵄ أَنَّهَا كَانَت تَأْخُذ عطاءها اثنى عشر ألفا وترقع رداءها وَلَا يبيت عِنْدهَا مِنْهُ شَيْء وَالْمُخْتَار عَن عَائِشَة أَنه حَلَال طيب وأنما فرقته خوفًا على نَفسهَا
وَقد آثر ترك الْأَخْذ من الْأَئِمَّة الْعُدُول الَّذين أَجمعت الْأمة على عدالتهم وفضلهم وَطيب مجباهم طَائِفَة مِنْهُم حَكِيم بن حزَام وَأَبُو ذَر لقَوْل النَّبِي ﷺ (خير لأحدكم أَلا يَأْخُذ من أحد شَيْئا) فَكيف بِمن بعدهمْ وَقد خالط المجبي مَا خلطه من الْفساد
стр. 59
وَمن قصد ترك أَمْوَالهم من الجوائز والعطيات والهدايا والصلات وَالسُّؤَال لَهُم فقد أَتَى فضلا وقربة تُؤَدِّيه بُلُوغ تِلْكَ الْمرتبَة إِلَى أعظم منَازِل الْخَواص من الْمُسلمين وَالدُّخُول فِي مرتبَة أهل الصفوة من الْعمَّال
لأَنا قد رَأينَا كثيرا من الْعلمَاء لَيْسَ مَعَهم السعَة فِي الْعلم وَمَعَهُمْ ضيق فِي التفقه فِي الدّين وَقلة رِوَايَة فِي الحَدِيث إِلَّا أَن الْمرتبَة فِي التّرْك جعلت لَهُم ذكرا عِنْد الْخَاصَّة والعامة على فَضلهمْ وأورثتهم هَذِه الْمنزلَة شدَّة المباينة وعظيم الحذر من مواقعة الشُّبُهَات لما ركب فِي الْقُلُوب الخشية وَخَوف السُّؤَال عِنْد الْعرض على الْجَبَّار ﵎ وَحَملهمْ الحذر على خوف معالجة الْمَوْت لِأَن أول مَا يَأْكُل التُّرَاب من ابْن آدم لَحْمه فَلَا يكون ذَلِك فِي نَبَاته إِلَّا من طيب فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا طيبا
وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (ترَاهُ أَشْعَث أغبر مطعمه من حرَام ومشربه من حرَام وملبسه من حرَام فَأنى يُسْتَجَاب لَهُ)
وَقَالَ لسعد (أطب مطعمك تستجب دعوتك)
وَقيل لسعد بِمَ تستجاب دعوتك قَالَ بِأَنِّي لَا أَدخل بَطْني إِلَّا شَيْئا أعرفهُ
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لَو صلى وَفِي ثَوْبه سلك حرَام فِيهَا دِرْهَم حرَام لم يقبل مِنْهُ
وَرَأى مثله كَذَلِك عَن ابْن عمر وَمن اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وفيهَا دِرْهَم حرَام لم تقبل لَهُ فِيهَا صَلَاة
وَالله أعلم مَا أَرَادَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس إِلَّا أَن الحَدِيث عَن ابْن
стр. 60
عمر من وَجه ضَعِيف وَله تَأْوِيل يَقُول مَا دَامَ الْحَرَام فِي ثَوْبه يتخوف حَتَّى يخرج من الْحَرَام
إِلَّا أَن الْإِجْمَاع منع من ذَلِك فأجمعت الْأمة كلهَا على أَن الصَّلَاة لَا تُعَاد
وَقد غَلطت طَائِفَة من الْقُرَّاء والنساك فَقَالُوا الصَّلَاة بَاطِلَة بِمَا لبس من الْحَرَام فِيهَا وَبِذَلِك قَالَ أَصْنَاف من الْخَوَارِج وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْمهْر حَرَامًا فَالنِّكَاح وَالْوَطْء فَاسد
وَهَذَا خُرُوج من قَول الْأمة كلهَا وَمن قَالَ بِهَذَا القَوْل سمي بذلك عَاصِيا من أجل أَن العقد فِي النِّكَاح إِنَّمَا تمّ بالْكلَام بقوله تزوجت وَيَقُول هَذَا زوجت على صدَاق مُسَمّى أَو على التَّفْوِيض فَيكون لَهَا صدَاق الْمثل وَيكون عَلَيْهِ الْوزر بِالصَّدَاقِ الْحَرَام من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يكون الْفرج حَرَامًا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلَام الله)
وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّوْبَة وَأَن يبْذل درهما مَكَان دِرْهَم ودينارا مَكَان دِينَار
وَأما من اشْترى جَارِيَة فتسرى بهَا من مَال حرَام من غصب فَأكْثر الْعلمَاء قَالُوا الْوَطْء فَاسد لِأَنَّهُ صَار ملكا وَالْملك لَيْسَ بِحرَام وَكَيف يملكهَا وَالْمَال لَيْسَ لَهُ وَهَذِه الْمَسْأَلَة يطول شرحها
وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن أَرَادَ أَن يسْتَدلّ
وَأما الَّذين حرمُوا العطايا من السلاطين فقد غلطوا لَعَلَّه أَنه لَيْسَ بِحرَام كُله فَكيف يجوز أَن يُقَال حرَام وَفِيه دِرْهَم حَلَال
وَيلْزم الَّذين حرمُوا أَيْضا على قِيَاس قَوْلهم أَنه لَو كَانَ سكين من أَمْوَالهم فذكوا بهَا
стр. 61
لَا تكون ذَكَاة عِنْدهم لسَبَب الْحَرَام حَتَّى يكون سكينا من حَلَال وَيكون ضَامِنا لما جنى وَكَذَلِكَ لَو اشْترى مُصحفا من مَال حرَام وَحفظ فِيهِ الْقُرْآن لوَجَبَ أَن ينساه وَلَا يُجزئهُ أَن يقْرَأ فِي صلَاته بِمَا حفظ من جوائز السُّلْطَان وَلَا أَن يُعْطي المؤذنين والمعلمين كَذَلِك
وَهَذِه الْفرْقَة من المتصوفة جاهلة بالفقه وَالْأَخْبَار وَإِن كَانَ مَعهَا الزِّيَادَة
وَقد توفّي نفر من أهل الْعلم المطاعم الَّتِي لم يأمنوا أَن تختلط أَو قد اخْتَلَط حرَام بحلال فِيهَا خوف عسر الْحساب وتنزهوا ليدركوا بذلك الصَّوَاب وَقَالُوا التَّحَرِّي أصل مَعْمُول بِهِ وقاسوا على الشَّاة الذكية وَالْميتَة لَا يدْرِي أَيَّتهمَا الذكية بِالْوُقُوفِ وَترك أكلهَا حَتَّى يتَبَيَّن وَكَذَلِكَ كل مَا اخْتَلَط فَلم يعلم الْحَلَال مِنْهُ من الْحَرَام وَكَذَلِكَ الْأُخْتَيْنِ الرضيعتين لَو طلق إِحْدَى امرأتيه وَلَا يدْرِي أَيَّتهمَا طلق
وَقد سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الضَّب فَقَالَ (لَا آكله وَلَا أحرمهُ) وَقَالَ (أمة مسخت) وَالله أعلم
وَلِهَذَا نَظَائِر وشواهد وَدَلَائِل
وَأما مَا احْتَجُّوا بِهِ على أبي بكر الصّديق ﵁ فَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد بن حَنْبَل يَقُولَانِ الْعَمَل على حَدِيث أبي بكر وَاجِب اسْتِعْمَاله
والتأويل لحَدِيث أبي بكر أَو الْغُلَام إِذْ قَالَ لأبي بكر ﵁ أَنِّي رقيت فِي الْجَاهِلِيَّة فأعطوني الْيَوْم أجرتي فالرقي حرَام وَالْأُجْرَة عَلَيْهَا فَاسِدَة وَالْأكل من الْفَاسِد حرَام لفساده بالرقي الَّذِي اكْتَسبهُ مِنْهَا فَكَذَلِك فِي أكل الْحَرَام إِذا بَان عِنْده فَقدر أَلا يقره فِي جَوْفه فعل
وَجَمِيع أَعمال الْبر من الصَّلَاة وَالصَّوْم والغزو وَالْحج مَعَ كثير من الطَّاعَات لَا تقوم مقَام تصفية الْخبز لِأَن زَكَاة الْأَعْمَال كلهَا بِطيب الْمطعم وَمن طيب الْمطعم تجني ثَمَرَة دواعي الصدْق والقليل من
стр. 62
الْعَمَل مَعَ الِاجْتِهَاد فِي السَّلامَة من التَّخْلِيط خير من كثير من الْعَمَل مَعَ التخاليط وَإِنَّمَا مَحْمُود العواقب فِي السَّلامَة
فَإِذا صحت الكسرة حَتَّى تسلم من آفَات التَّبعَات فَلَا تكون عَلَيْك فِيهَا لله تَعَالَى تبعة وَلَا لأحد من المخلوقين عَلَيْك فِيهِ مِنْهُ من تَعب فِي بدن وعناء فِي الرجل وكد فِي الْيَد على الدّين
وَقد كَانَ يُقَال فِي الْكتب من كَانَت هَذِه صفته فِي حَيَاته فقد طَابَ حَيا وَمَيتًا وَإِنَّمَا يُثمر الصدْق حَتَّى يَعْتَقِدهُ الْقلب فينفي الْقلب باعتقاده دواعي السعَة فِي الرُّخْصَة
وعَلى قدر التَّأْدِيب للنفوس ساعدتهم فَرَفَضُوا الشَّهَوَات وجانبوا اللَّذَّات حَيْثُ لم يصلوا من سَعَة المكسب لما يشبعون بِهِ وأخمصوا الْبُطُون جوعا حَتَّى يَجدوا لَهَا مَا يصلحها من الْحَلَال
فَإِن لم يجدوه وصعب ذَلِك أخذُوا من الشُّبُهَات بلغَة لساعتهم لَا ليومهم وَمنعُوا النُّفُوس من أَن تشبع من خبز الشّعير إِن قدرُوا على النُّفُوس وَإِلَّا استعانوا بعظيم الْخَوْف عِنْد المساءلة والحساب
стр. 63
- بَاب الْوَرع والجوع
-
وَهَذَا جوع ذهبت إِلَيْهِ طوائف من الْعلمَاء إِذا وجدوا الْحَلَال شَبِعُوا وآثروا
وَإِن كَانَ جوعهم عدم لَا تكلّف فِيهِ لفضيلة وَهَذَا مَذْهَب سُفْيَان الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَشُعَيْب بن حَرْب والمعافى بن عمرَان وَحُذَيْفَة المرعشي وَبشر بن الْحَارِث الحافي وَقد ذكرت هَذِه الْمرتبَة عَن جمَاعَة كَثِيرَة لَا يُحْصى عَددهمْ
ثمَّ الْجُوع بعد ذَلِك على معَان قصد لَهَا المتعبدون فَمن الْمعَانِي التَّأْدِيب للنَّفس بالنقلة من حَالَة إِلَى حَالَة وَقطع الإلف من دواعي الشُّبُهَات وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين فَمن أَخذ بذلك فعنهم أَخذه
وجوع آخر وَهُوَ إِذا هاج من النُّفُوس دواع تتحرك لَهَا الطبائع من الشَّهَوَات منعوها بالعقوبات مَا لَهَا من الْغذَاء وَمن حُقُوقهَا اللَّازِمَة من الْغذَاء وَالْعشَاء وَمن مغرب إِلَى مغرب حَتَّى أخرجوها من وَقت إِلَى وَقت ومنعوها عُقُوبَة لَهَا إِن دعت إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا من ذَلِك
وَذكروا أَن غَزوَان الرقاشِي نظر إِلَى مَا لَا يحل لَهُ ففقأ عينه وَفتح الْموصِلِي قَالَ لَو نظرت عَيْني إِلَى شَهْوَة لقلعتها وَغير وَاحِد من الْبَصرِيين فعل ذَلِك
стр. 64
فواصل وَأدْخل يَوْمًا فِي يَوْم عُقُوبَة للنَّفس إِذا دعت إِلَى الشَّهَوَات
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا دعتك نَفسك إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا فامنعها مَا لَهَا
وجوع آخر صَاحِبَة مفوض إِلَى فِي حَالَة الْمَنْع وَالعطَاء فَإِن أعْطى حمد وشكر وَإِن منع صَبر واحتسب وَكَذَا رُوِيَ عَن جمَاعَة
وَقد كَانَ أهل الصّفة على الْحق من ذَلِك وَهَكَذَا كَانَ جوع أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ إِذا أعْطوا أكلُوا وشكروا وَإِذا منعُوا حمدوا وصبروا فَلم يجْعَلُوا الْجُوع لَهُم سَببا وَلَا طَرِيقا وَلَا الشِّبَع لَهُم منزلَة وَذَلِكَ أَنه فِي الشِّبَع غلظا وصلابة عِنْد الْوَعْد والوعيد وَفِي الْجُوع رقة واهتياجا للبر
وَقد زعمت طَائِفَة أَنه لَا مرتبَة أعظم من الْجُوع لِأَنَّهُ سيد أَعمال الْبر وَكَذَلِكَ الْجَوَارِح لَا تَأْخُذ الصَّيْد حَتَّى تجوع وتهيج على الصَّيْد وَكَذَلِكَ الْجُوع عِنْدهم وهم طوائف من الْبَصرِيين فَمن أَخذ بذلك وأدب نَفسه بِهِ فعنهم أَخذ وَلم نتبين فِي هَذِه الْمنزلَة مرتبَة يبين فِيهَا الْفضل من أجل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الجائع الصابر)
وَبعد فَإِن منزلَة الْجُوع وَإِن ولدت الْخُشُوع فَإِن الشِّبَع يطردها فَأَيْنَ الْخُشُوع فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا تحمد الْمنزلَة مَا كَانَ لَهَا زِيَادَة
وَلَكِن يَجْعَل الصَّوْم طَرِيقا واصلا إِلَى الرّيّ والشبع يَوْم الْحَاجة والفقر إِلَى الله وَلَيْسَ شَيْء أعظم مرتبَة من الْفقر إِلَى الله لِأَن الْفُقَرَاء قد علمُوا علم يَقِين غير شاكين أَن الله قَادر على أَن يَأْمر أرديتهم الَّتِي على رقابهم أَن تبلغ مِنْهُم من الْمَكْرُوه مَا إِن تعجز النَّار عَن صفة ذَلِك لعجزت
стр. 65
فأفضل الْجُوع جوع الْمَنْع وجوع التَّكَلُّف يفتضح بالشبع وَإِن كَانَ فِي الصَّوْم جوع فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الترهب لله والسياحة لذَلِك وَكَذَلِكَ يرْوى عَن الله قَالَ (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع ابْن آدم طَعَامه وَشَرَابه من أَجلي)
وَهَذَا هُوَ التَّرْغِيب فَمن دَعَا النَّاس إِلَى الْجُوع فقد عصى الله وَهُوَ يعلم أَن الْجُوع قَاتل وَقد فعل ذَلِك بِخلق كثير من زَوَال الْعقل حَتَّى تركُوا الْفَرَائِض وَمِنْهُم من يعمد إِلَى سكين فَيذْبَح نَفسه وَمِنْهُم من يتَغَيَّر طبعه ويسوء خلقه
قَالَ وهب بن مُنَبّه إِذا صَامَ العَبْد زاغ الْبَصَر وَإِذا أفطر على الْحَلْوَى رَجَعَ
وَمن دَعَا إِلَى الشِّبَع فقد عصى الله وَلم يحسن أَن يطيعه لِأَن الشِّبَع ثقل على الْبدن وصلابة عَن وَعِيد الله فِي الْقلب وَغلظ فِي الْفَهم وفتور فِي الْأَعْضَاء
فَبَان فضل الْجُوع للاجئين إِلَى الله الَّذين استرهبتهم الْخدمَة بعظيم قدر الْمعرفَة وَالله تَعَالَى مَانع ومعط إِلَّا أَنهم يختارون ذَلِك ورعا وخوفا وتقية من عسر الْحساب فنظروا إِلَى عناء مَا وصل إِلَيْهِم من الْغذَاء من مُؤمن موفق أَو هَدِيَّة صَالِحَة مِمَّن يعْتَقد مكافأته لِأَنَّهُ مستبعد بِأَكْل الْحَلَال
وَهَذَا مَا وَصفنَا فِي الْجُوع وَكله مُحْتَاج إِلَى ورع ليصفوا بذلك طيب المأكل وَالْمشْرَب من مَوضِع مُطلق مُبَاح بِالْإِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ
стр. 66
- بَاب السُّؤَال والتحري
-
وَأما منزلَة السُّؤَال فقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَأكْثر الْعلمَاء وَفِيهِمْ الْأَوْزَاعِيّ وَقد روى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَقد ذكر ابْن الْمُبَارك ذَلِك وَابْن إِدْرِيس إِذا مَرَرْت بِأَرْض فَلَا تسل عَنْهَا
وَقد قَالَ بعض هَؤُلَاءِ اشْتَرِ وبع فِيهَا
وَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَابْن إِدْرِيس إِن أردْت الْمقَام فاسأل
وأبى ذَلِك طوائف من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَقَالُوا لَا تسل إِلَّا أَن يغلب على أَرض فِيهَا الغصوب والصوافي فَإِذا ستر فَلَا تسل وَأَيْضًا إِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ حِين سَأَلَ إِنَّمَا سَأَلَ ملكا هُوَ لَهُ عبد
وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن كسب الْأمة حَتَّى يعلم من أَيْن كسبت وَهَذَا الْوَاجِب على سيد الْأمة فَالْعَبْد لَا بُد أَن يعلم ذَلِك
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْأَل وَإِن سَأَلَ كَانَ أفضل
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَيْسَ هَذَا زمَان سُؤال
وَقَالَ غير الْأَوْزَاعِيّ قد فاض الْبَحْر فَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْفقر والتقلل لِأَن الْأَشْيَاء تقاربت إِلَّا أَنه يَنْبَغِي لأهل الْعِنَايَة بِالدّينِ وَمن كَانَ مُنْفَردا
стр. 67
لَا عِيَال لَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ أحد فِي كَسبه أَن يطْلب الْوَسِيلَة والسبق إِلَى رضوانه بالتقرب فِي إصْلَاح الكسرة وَإِن كَانَ فِي ذَلِك حملان على نَفسه ومكروه وَثقل على بدنه
فَإِن ذَلِك أعون على مُبَاشرَة الطَّاعَة
وَقَالَ يُونُس بن عبيد لم أر أعز مِمَّن لَهُ أَخ فِي الله تَعَالَى يسكن إِلَيْهِ وَدِرْهَم من حَلَال
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يعز فِيهِ دِرْهَم من حَلَال وَأَخ فِي الله مؤنس
وَقد كَانَ ابْن أدهم لَا يحصد إِلَّا فِي الأَرْض الَّتِي اكتربت من الأنباط وَلَا ينقر فِي زيتون إِلَّا عمري وكرم فِي يَده نبطي
وَقد امْتنع وهيب بن الْورْد من طَعَام مصر أَيَّامًا لما قيل لَهُ هُوَ من الصوافي فَكَانَ إِذا أكله يَأْكُلهُ بدموع عَيْنَيْهِ وَيَقُول مَا آخذه إِلَّا اضطرارا
وَكَانَ يُوسُف بن أَسْبَاط يَقُول قد زاحمنا هَؤُلَاءِ الخصيان فلنجعلن الْغذَاء على أَنْصَاف الْبُطُون
وَأما ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي أَرض الْفَيْء وَالْخَرَاج فَالْقِيَاس فِي كل مَا فتح عنْوَة أَلا يَشْتَرِي وَلَا يُبَاع وَقد خَاصم عمر بن الْخطاب الزبير بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وبلال ﵃ فِي أَرض السوَاد فَقَالَ عمر ﵁ أَنْت على سُورَة الْحَشْر ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾
وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَاسم مُشْركًا وَقد كَانَ أعطَاهُ بحيلة ربع السوَاد ثمَّ استرده لِأَنَّهُ أقطع قطائع وَاصْطفى صفايا مثل عين التَّمْر ومغيض
стр. 68
كسْرَى وَأَرْض بني صلوبا
وَكَذَلِكَ فتح خَالِد بن الْوَلِيد وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَيزِيد بن أبي سُفْيَان من أَرض دمشق وخثعم وَقيس ثمَّ أقرهم على الْكَنَائِس وَأوجب على الديارات ضِيَافَة من يمر بهم ثَلَاثَة أَيَّام
وَأما مصر قلا يَشكونَ أَنَّهَا فتحت عنْوَة وفيهَا صوافي دولة بني أُميَّة ودولة بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فقد امْتنع نَاس كَثِيرُونَ من أكل طعامها
وَأما الطَّائِف فَإِن النَّبِي ﷺ قد أَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى افتتحها
وَاخْتلف النَّاس فِي مَكَّة فَكَانَ الشَّافِعِي ﵀ يَقُول فتحت صلحا وأبى ذَلِك النَّاس فَقَالُوا عنْوَة
وَدخل النَّبِي ﷺ مَكَّة وَقيل لَهُ أَيْن تنزل فَقَالَ (مَا ترك لنا عقيل من رباع) يَعْنِي أَن عقيلا ورث أَبَا طَالب فَهَذَا يدل على قَول الشَّافِعِي
وَقد اتّفقت الْفرق فَكَانَ قَوْلهَا وَاحِدًا أَن مَا عمله السُّلْطَان مثل الْمَسَاجِد الجامعة والحصر فِيهَا فَالصَّلَاة عَلَيْهَا عِنْدهم جَائِزَة وَكَذَلِكَ حفر الْأَنْهَار والبرك والمصانع والآبار الَّتِي لَا يمْنَع مِنْهَا الْعَام وَالْخَاص وَالْمَشْي على الجسور والعبور على القناطر وَفِي الظلال وَفِي الْأَسْوَاق وَفِي الطّرق الَّتِي يصلحها الْأُمَرَاء
وَهَذَا كُله مَا وجدنَا عَالما وَلَا ناسكا وَلَا متعبدا وَلَا متصوفا يجْتَنب شَيْئا مِمَّا قُلْنَا إِلَّا طَائِفَة غالطة قَالَت إِذا لم يعدل الإِمَام فِي الرّعية وَيقسم الْفَيْء بِالسَّوِيَّةِ وَيُعْطِي الْعَطاء وَيُسَوِّي بَين النَّاس فِي
стр. 69
الأرزاق وَيَكْفِي الْعَامَّة ويفدي الْأَسير ويجاهد الْعَدو وَيُقِيم لَهُم الْحَج وَلَا يستأثر دونهم بالفيء كَانَ عَاصِيا وكل من رَضِي بإمامته كَانَ عَاصِيا
فَهَذِهِ فرقة خوارج مرقوا من الدّين وَخَرجُوا من حد الْإِسْلَام بل قد قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَا بُد من إِمَارَة برة أَو فاجرة
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (سَيكون عَلَيْكُم أُمَرَاء يعْرفُونَ وَيُنْكِرُونَ فَمن أنكر فقد برِئ وَلَكِن من رَضِي وتابع)
وَقَالَ ﷺ (يكون عَلَيْكُم أُمَرَاء يؤخرون الصَّلَاة فصلوا لوَقْتهَا ثمَّ صلوا مَعَهم تكون نَافِلَة)
وَقد قيل للنَّبِي ﷺ وَقد ذكر أهل الْجور من الْأُمَرَاء أَلا ننابذهم فَقَالَ (دعوهم مَا صلوا للْقبْلَة)
وَأجْمع أهل الْعلم على الْكَفّ عَن الْأُمَرَاء الْمُسلمين والسمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر وَألا يُنَازع الْأَمر أَهله إِلَّا فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لَهُم فِي ذَلِك
وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ لَا تسبوا السُّلْطَان
وَقَالَ ابْن عمر لَو لم تسبوهم لسلط الله عَلَيْهِم نَارا من السَّمَاء وَلَكِن قُولُوا اللَّهُمَّ آذهم كَمَا آذونا
وَقَالَ عمرَان بن حُصَيْن لحكيم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ إِنَّه يذكر يَوْمًا أَنه قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ (لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق) قَالَ
стр. 70
وَقَالُوا فِي الصَّلَاة فِي الْغَصْب إِن كَانَ مَسْجِدا فِي طَرِيق الْمُسلمين وَكَانَ لَهُ سَعَة فِي الطَّرِيق فَلَا بَأْس بِهِ وَإِن كَانَ فِي أَرض مَغْصُوبَة من الدّور فَكَانَ سُفْيَان يبطل الصَّلَاة فِيهَا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِن صلى وَلم يعلم فَصلَاته جَائِزَة وَلَا يُعِيد
وَقَالَ وَكِيع بن الْجراح يُعِيد مَا دَامَ فِي الْوَقْت فَإِذا خرج الْوَقْت فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ
وَقد كرة جمَاعَة الصَّلَاة فِي الْغَضَب إِلَّا أَنهم لَا يوجبون على الْمصلى بِإِعَادَة مِنْهُم الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي ﷺ (جعلت الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا إِلَّا الْحمام والمقبرة) وَقَالَ ﷺ (لَا تصلوا الى الْقُبُور)
ثمَّ طوائف قد كَرهُوا الْمَشْي فِي أَرض الصوافي حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن كَانَ والداه أَو أَحدهمَا بَعثه فِي حَاجَة وَكَانَ طَرِيقه فِيهَا لم يطع وَالِديهِ
وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ طَرِيقا كَانَ يسْلك من قبل الْغَضَب أَو مَسْجِدا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ أَو فِي فندق أَو خَان أَو دَار من دور التُّجَّار فَلَا بَأْس بسلوك الطَّرِيق وَالصَّلَاة فِي ذَلِك الْمَسْجِد
وَإِذا كَانَ روشنا أَو ساباطا على طَرِيق ظلما فَكَانَ لَهُ فِي غَيره منفذ لم يَأْخُذ فِيهِ وأتى ذَلِك فِي كثير فِي الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَقَالُوا لَا بَأْس بِالْمَشْيِ فِي أَسْفَل الساباط والروش وَنَحْو ذَلِك
стр. 71
وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول ظلال أَصْحَاب السابري من الْغِشّ
وَكَانَ مُحَمَّد وَالْحسن يكْرهُونَ بيع الْحَرج فِي الْفِتْنَة
قَالَ أَبُو عبد الله المحاسبي ﵀ فقد وَصفنَا طَرِيق القاصدين إِلَى الله بصفاء الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على خَاتم النَّبِيين مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا