← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 6245

الأمنية في إدراك النية

القرافي

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

خطْبَة الْكتاب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله الْحَمد لله الْمُحِيط بخفيات الغيوب المطلع على سرائر الْقُلُوب الْمُخَصّص بإراداته كل مَحْبُوب وموهوب المتعالي بِجلَال صمديته عَن مشابهة كل مربوب وَأفضل صلواته على نبيه سيدنَا مُحَمَّد الْمَبْعُوث بِأَفْضَل المناهج الى أفضل مَطْلُوب وعَلى آله وَأَصْحَابه وأزواجه صَلَاة نستدفع بهَا الخطوب ونأمن بهَا من النصب والكروب يَوْم ظُهُور الفضائح والعيوب أما بعد فَيَقُول الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْعَالم شهَاب الدّين أَحْمد ابْن أدريس الْمَالِكِي إِن الْبَاعِث لي على هَذَا الْكتاب مبَاحث وَقعت للفضلاء تشوفت النُّفُوس الى الْكَشْف عَنْهَا وتمنت الصَّوَاب فِيهَا ١ - مِنْهَا قَول بعض الْفُضَلَاء لم قَالَ ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلم يقل الْأَعْمَال بالإرادات وَمَا الْفرق بَين نوى وَبَين أَرَادَ وَاخْتَارَ وعزم وعنى وَشاء واشتهى وَقضى وَقدر وَهل هِيَ مترادفة أَو متباينة

стр. 2

وَلم لم يقل ﵇ الْأَفْعَال بِالنِّيَّاتِ بل قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَمَا الْفرق بَين عمل وَفعل وصنع وَأثر وبرأ وَخلق وأوجد واخترع وابتدع وَأَنْشَأَ وَهل هِيَ مترادفه أَو متباينة ٢ - وَمِنْهَا قَول بعض الْفُضَلَاء لم اشْترطت النِّيَّة فِي الذَّبَائِح مَعَ انها لَيست عبَادَة وَالنِّيَّة إِنَّمَا تشْتَرط فِي الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَنَحْوهَا ٣ - وَمِنْهَا مَا قَالَه بعض الْفُضَلَاء الْأَعْيَان من أَنه يحْكى الْإِجْمَاع فِي أَن النَّاظر الأول الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ الى إِثْبَات الصَّانِع يتَعَذَّر الْقَصْد الى التَّقَرُّب بِهِ قَالَ وحكاية الْإِجْمَاع فِي تعذره يعد إشْكَالًا فَإِن غَايَة النّظر فِي النّظر الأول ان يكون شاكا فِي أَن لَهُ إِلَهًا أوجب عَلَيْهِ النّظر أم لَا وَقصد التَّقَرُّب بالمشكوك فِيهِ غير مُتَعَذر فَإِنَّهُ وَقع فِي الشَّرِيعَة المحمدية الَّتِي هِيَ أكمل الشَّرَائِع فِي غير مَا موطن وَله مثل الأول إِذا شكّ هَل صلى أم لَا يجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي ويقصد بِصَلَاتِهِ التَّقَرُّب مَعَ حُصُول الشَّك ٢ - الثَّانِي إِذا شكّ فِي صَلَاة من الْخمس وَجب عَلَيْهِ ان يُصَلِّي خمس صلوَات يَنْوِي بهَا التَّقَرُّب مَعَ حُصُول الشَّك فِي كل صَلَاة بِوَجْه الْقَصْد اليها ٣ - الثَّالِث إِذا شكّ هَل تطهر أم لَا وَجب عَلَيْهِ التطهر وَيَنْوِي بِهِ التَّقَرُّب مَعَ حُصُول الشَّك فِي وجوب الْوضُوء عَلَيْهِ ٤ - الرَّابِع اذا شكّ هَل صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا وَجب عَلَيْهِ الْإِتْيَان بالرابعة وَيُمكن أَن يَنْوِي بهَا التَّقَرُّب مَعَ حُصُول الشَّك ٥ - الْخَامِس اذا شكّ هَل صَامَ أم لَا وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم وَيَنْوِي بِهِ التَّقَرُّب مَعَ حُصُول الشَّك ونظائره كَثِيره

стр. 3

زز وَإِذا وَقع هَذَا فِي هَذِه الشَّرِيعَة المعظمة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَكيف يَحْكِي الْإِجْمَاع فِي تعذر قصد التَّقَرُّب بِالنّظرِ الأول مَعَ أَن غَايَته حُصُول الشَّك غير أَن الشَّك فِي النّظر فِي الْمُوجب وَفِي هَذِه الصُّور فِي الشَّيْء الْوَاجِب وَلَا فرق لِأَن الشَّك إِذا كَانَ مَانِعا منع فيهمَا أَو لَيْسَ مَانِعا فَلَا يمْنَع فيهمَا فهما سَوَاء وكما أمكن قصد التَّقَرُّب فِي أَحدهمَا أمكن فِي الآخر وَلما اجْتمعت عِنْدِي هَذِه الأسئلة تحركت داعيتي لوضع هَذَا الْكتاب أذكر فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى عشرَة أَبْوَاب ١ - الْبَاب الأول فِي حَقِيقَة النِّيَّة وَالْفرق بَينهَا وَبَين غَيرهَا من أَقسَام الْإِرَادَة وَبَيَان الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي السُّؤَال الأول ٢ - الْبَاب الثَّانِي فِي محلهَا وَهل هُوَ الْقلب أَو الدِّمَاغ ٣ - الْبَاب الثَّالِث فِي دَلِيل وُجُوبهَا ٤ - الْبَاب الرَّابِع فِي حكمه إِيجَابهَا وَفِيه يظْهر أَن النِّيَّة لَا تفْتَقر الى نِيَّة مَعَ فَوَائِد أخر إِن شَاءَ الله تَعَالَى ٥ - الْبَاب الْخَامِس فِيمَا يفْتَقر الى النِّيَّة شرعا وَمَا لَا تمكنه نِيَّته وَمَا لَا يَنْوِي وَمَا تتعذر نِيَّته عقلا وَفِيه يظْهر الْجَواب عَن السُّؤَال الثَّانِي وَالثَّالِث مَعَ فَوَائِد أخر ٦ - الْبَاب السَّادِس فِي شُرُوط النِّيَّة وَهل يشْتَرط أَن يكون متعلقها مَقْدُورًا مكتسبا أم لَا وَفِيه فَوَائِد وإشكالات وأجوبتها ٧ - الْبَاب السَّابِع فِي أَقسَام النِّيَّة وتنوعها الى الفعلية والكمية وَتظهر فِيهِ فَوَائِد جمة ٨ - الْبَاب الثَّامِن فِي أَقسَام الْمَنوِي وتنوعه الى الْمَقَاصِد والوسائل

стр. 4

٩ - الْبَاب التَّاسِع فِي معنى قَول الْفُقَهَاء المتطهر يَنْوِي رفع الْحَدث وَمَا معنى الْحَدث وَتَحْقِيق هَذِه الْمعَانِي ١٠ - الْبَاب الْعَاشِر فِيمَا يَقُوله الْفُقَهَاء إِن النِّيَّة تقبل الرّفْع مَعَ أَن الْوَاقِع يَسْتَحِيل رَفعه وَالشَّرْع لَا يرد بِخِلَاف الْعقل فَهَذِهِ عشرَة أَبْوَاب مُشْتَمِلَة على مَقَاصِد الْكتاب وسميته الأمنية فِي إِدْرَاك النِّيَّة

стр. 5

الْبَاب الأول فِي حَقِيقَة النِّيَّة أعلم ان جنس النِّيَّة هُوَ الإرداة وَهِي صفة تَقْتَضِي التَّخْصِيص لذاتها عقلا شَاهدا وغائبا كَمَا يَقْتَضِي الْعلم الْكَشْف لذاته عقلا شَاهدا وغائبا وترتب الْكَشْف عَلَيْهِ والتخصيص على الإرداة لَيْسَ بِمَعْنى زَائِد أوجب لَهُ ذَلِك بل التَّخْصِيص مَعَ الْإِرَادَة والكشف مَعَ الْعلم نَحْو كَون الْعشْرَة زوجا والخمسة فَردا لَيْسَ مُعَللا بِشَيْء ثمَّ إِن هَذِه الْإِرَادَة متنوعة الى الْعَزْم والهم وَالنِّيَّة والشهوة وَالْقَصْد وَالِاخْتِيَار وَالْقَضَاء وَالْقدر والعناية والمشيئة فَهِيَ عشرَة أَلْفَاظ

стр. 6

ولنبحث الْآن هَل هِيَ أَلْفَاظ مترادفة اَوْ متباينة أَو بَعْضهَا كَذَلِك وَالْبَعْض الآخر من الْقسم الْأُخَر وَمَا هُوَ جَائِز على الله تَعَالَى مِنْهَا وَمَا هُوَ مُتَعَذر فَنَقُول الَّذِي يظْهر من مبَاحث الْفُضَلَاء وإشارات الأدباء فِيمَا ينقلونه عَن اللُّغَة أَن الْإِرَادَة كَمَا تقدم تَفْسِيرهَا هِيَ الصّفة المخصصة لأحد طرفِي الْمُمكن بِمَا هُوَ جَائِز عَلَيْهِ من وجود أَو عدم أَو هَيْئَة دون هَيْئَة أَو حَالَة دون حَالَة أَو زمَان دون زمَان وَجَمِيع مَا يُمكن أَن يَتَّصِف الْمُمكن بِهِ بَدَلا عَن خلَافَة أَو ضِدّه أَو نقيضه أَو مثله غير أَنَّهَا فِي الْمشَاهد لَا يجب لَهَا حُصُول مرادها وَفِي حق الله تَعَالَى يجب لَهَا ذَلِك لِأَنَّهَا فِي الشَّاهِد عرض مَخْلُوق ومصرف بِالْقُدْرَةِ الألهية والمشيئة الربانية ومرادها وَفِي ميلحق الله تَعَالَى معنى لَيْسَ بِعرْض وَاجِبَة الْوُجُود مُتَعَلقَة لذاتها أزلية أبدية وَاجِبَة النّفُوذ فِيمَا تعلّقت بِهِ وَأما الْعَزْم فَهُوَ الْإِرَادَة الكائنة على وفْق الداعية والداعية ميل يحصل فِي النَّفس لما شَعرت بِهِ من اشْتِمَال المُرَاد على مصلحَة خَالِصَة أَو راجحة أَو دَرْء مفْسدَة خَالِصَة أَو راجحه والميل جَائِز على الْخلق مُمْتَنع على الله تَعَالَى فَلَا جرم لَا يُقَال فِي حق الله تَعَالَى عزم بِمَعْنى اراد الْإِرَادَة الْخَاصَّة المصممة بل عزائم الله تَعَالَى طلبة الرَّاجِح أَي كَلَامه النفساني فَإِذا قُلْنَا إِن الله تَعَالَى يجب أَن تُؤْتى رخصَة كَمَا يحب أَن بؤتى عَزَائِمه فَالْمُرَاد مطلوباته والطلب أحد أَقسَام الْكَلَام لَيْسَ من الْإِرَادَة فِي شَيْء فالعزائم لَيست من الْعَزْم الَّذِي نريده بقولنَا عزمنا على السّفر أَو على الْإِقَامَة فَظهر الْفرق بَين الْعَزْم والإرادة وَهُوَ معنى قَول بعض الْفُضَلَاء الْعَزْم إِرَادَة فِيهَا تصميم

стр. 7

وَأما الْهم فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ وَفِي قَوْله ﷺ من هم بحسنة فَلم يعملها كتبت لَهُ حسنه وَمن هم بسيئه فَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ فَالظَّاهِر أَنه مرادف للعزم وَأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا ويستحيل على الله تَعَالَى كَمَا اسْتَحَالَ الْعَزْم وَأما النِّيَّة فَهِيَ إِرَادَة تتَعَلَّق بإمالة الْفِعْل الى بعض مَا يقبله لَا بِنَفس الْفِعْل من حَيْثُ هُوَ فعل فَفرق بَين قصدنا لفعل الصَّلَاة وَبَين قصدنا لكَون ذَلِك قربَة أَو فرضا أَو نفلا أَو أَدَاء أَو قَضَاء الى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ جَائِز على الْفِعْل بالإرادة الْمُتَعَلّقَة بِأَصْل الْكسْب والإيجاد وَهِي الْمُسَمَّاة بالإرادة من جِهَة أَن هَذِه الْإِرَادَة مميلة للْفِعْل الى بعض جهاته الْجَائِزَة عَلَيْهِ فتسمى من هَذَا الْوَجْه نِيَّة فَصَارَت الْإِرَادَة إِذا اضيف إِلَيْهَا هَذَا الِاعْتِبَار صَارَت نِيَّة وَهَذَا الِاعْتِبَار هُوَ تَمْيِيز الْفِعْل عَن بعض رتبه وتمييز الْفِعْل عَن بعض رتبه جَائِز على الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قدير يُرِيد بِالْفِعْلِ الْوَاحِد نفع قوم وضرر قوم وضلال قوم الى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ جَائِز على فعله تَعَالَى كَمَا قَالَ جلّ علاهُ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ فَجعل نفس إِنْزَال الْقُرْآن الْقَدِيم هدى لقوم وضلالا لآخرين وَهُوَ فعل وَاحِد وَالْكل بإرادته تَعَالَى ومشيئته وَكَذَلِكَ نعمه على خلقه قد تكون فتْنَة لآخرين ونقمة عَلَيْهِم وَقد تكون نعْمَة لأخرين بالاتعاظ وَغَيره من النعم وَالْكل بإرادته تَعَالَى

стр. 8

غير أَن أَسمَاء الله تَعَالَى توقيفية فَلَا يُسمى الله تَعَالَى نَاوِيا وَيُسمى مرِيدا هَذَا إِن اقْتصر على الِاعْتِبَار الْعَام وَهُوَ مُطلق إمالة الْفِعْل الى بعض جهاته وَالصَّحِيح انه لَا يقْتَصر عَلَيْهِ وَأَن يُؤْخَذ معنى أخص فنه وَهُوَ إمالة الْفِعْل الى جِهَة حكم شَرْعِي يَشْمَل الْإِبَاحَة فينوي إِيقَاع الْفِعْل على الْوَجْه الَّذِي أَمر الله بِهِ وَنهى عَنهُ أَو أَبَاحَهُ وَمِنْهُم من يَقُول بل أخص من هَذَا وَهُوَ أَن يمِيل الْفِعْل الى جِهَة التَّقَرُّب وَالْعِبَادَة وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فيستحيل على الله مَعْنَاهَا بِخِلَاف الْمَعْنى الْعَام وتفارق النِّيَّة الْإِرَادَة من وَجه آخر وَهُوَ أَن النِّيَّة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بِفعل الناوي والإرادة تتَعَلَّق بِفعل الْغَيْر كَمَا نُرِيد مغْفرَة الله تَعَالَى وإحسانه وَلَيْسَت من فعلنَا وَأما الشَّهْوَة فَهِيَ إِرَادَة مُتَعَلقَة براحات الْبشر كالملاذ وَرفع الآلام وَنَحْوهَا فتستحيل على الله تَعَالَى وَأما الْقَصْد فَهُوَ الْإِرَادَة الكائنة بَين جِهَتَيْنِ كمن قصد الْحَج من مصر وَغَيرهَا وَمِنْه السّفر القاصد أَي فِي طَريقَة مُسْتَقِيمَة وَبِهَذَا الْمَعْنى يَسْتَحِيل على الله تَعَالَى وَأما الِاخْتِيَار فَهُوَ الْإِرَادَة الكائنة بَين شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا﴾ أَي أَرَادَهُم دون غَيرهم مُضَافا الى اعْتِقَاد رُجْحَان الْمُخْتَار وَهُوَ جَائِز على الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد اخترناهم على علم على الْعَالمين﴾ وَأما الْقَضَاء فَهُوَ الْإِرَادَة المقرونه بالحكم الجبري فقضاء الله تَعَالَى لزيد بالسعادة أَرَادَ بِهِ سعادته مَعَ إخْبَاره بِكَلَامِهِ النفساني

стр. 9

عَن سعادته وَمِنْه قَضَاء الْحَاكِم إِذا أخبر عَن حكم الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة واخبارا إنشائيا وَلذَلِك تعذر نقضه بِخِلَاف الْفتيا وَقد بسطته فِي كتاب الْأَقْضِيَة فِي الذَّخِيرَة وبينت تَحْقِيق الْفرق بَينه وَبَين الْفتيا وَأما الْقدر فَهُوَ الْإِرَادَة المتعلقه بِمَا فِيهِ مِقْدَار من الْأَجْسَام أَو عدد من الْأَعْرَاض وَهُوَ جَائِز على الله تَعَالَى وَأما الْعِنَايَة فَهِيَ الأرادة الْمُتَعَلّقَة بالشَّيْء على نوع من الْحصْر والتخصيص وَلذَلِك قَالَت الْعَرَب إياك أَعنِي وأسمعي يَا جَارة أَي أخصك دون غَيْرك وَلم يقل إياك أُرِيد وَيَقُولُونَ مَا يَعْنِي بِكَلَامِهِ أَي مَا يخص بِهِ من الْمعَانِي الَّتِي يحتملها دون غَيرهَا وموارد الِاسْتِعْمَال تشهد لهَذِهِ الْأُمُور مَقْصُودَة بأمرين أَحدهمَا أَن الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة مُضَافا الى أَن الأَصْل عدم الترادف وَبِهَذَا التَّفْسِير هُوَ جَائِز على الله تَعَالَى غير أَن اسماء الله تَعَالَى توقيفية فَلَا يُقَال لله تَعَالَى عان وان قيل مُقَدّر ومريد

стр. 10

وَأما الْمَشِيئَة فَالظَّاهِر انها مرادفه للأرادة وَقَالَ الْحَنَفِيَّة هِيَ مباينة وجعلوها مشتقه من الشَّيْء وَالشَّيْء اسْم لموجود حَتَّى قَالُوا اذا قَالَ الْحَالِف ان شِئْت دُخُول الدَّار فَعَبْدي حر فَأَرَادَ الدُّخُول للدَّار لَا يعْتق عَبده حَتَّى يدْخل الدَّار وَلَا يَكْفِي ارادة دُخُول الدَّار حَتَّى يدخلهَا بِنَاء على ان الْمَشِيئَة مشتقه من الشَّيْء وَوَقع فِي ذَلِك بيني وَبينهمْ بحث كَبِير وأطنبنا فِي كشف كتب اللُّغَة فَلم نجد للمشيئة معنى إِلَّا الْإِرَادَة فَالظَّاهِر الترادف وَهِي جَائِزَة على الله تَعَالَى كالإرادة وَلَا يفهم من قولي إِن الْمَعْنى جَائِز على الله تَعَالَى الْإِمْكَان الْخَاص وَهُوَ جَوَاز الْوُجُود والعدم فَإِنِّي لم أرده وَإِنَّمَا أُرِيد بِالْجَوَازِ الْإِمْكَان الْعَام وَهُوَ كَون الْمَعْنى غير مُمْتَنع فَيصدق على الْوَاجِب وَهُوَ الْمَقْصُود فَإِن جَمِيع صِفَات الله تَعَالَى واجبه لَهُ سُبْحَانَهُ فَهَذِهِ التعابير والتغايرات بَين هَذِه الْمعَانِي الْعشْرَة يساعد عَلَيْهَا الِاسْتِعْمَال وَالْأُصُول الْمُوجبَة لعدم الترادف فتلخص ان النِّيَّة غير التِّسْعَة الْبَاقِيَة لما ذكر فِيهَا من الخصوصية الْمُتَقَدّمَة وخصوصيات كل وَاحِد من التِّسْعَة المفقودة فِي النِّيَّة فيجزم النَّاظر بِالْفرقِ حِينَئِذٍ وَلَا يضركون الِاسْتِعْمَال قد يتوسع فِيهِ فيستعمل وَأَرَادَ وَمرَاده نوى أَرَادَ وَمرَاده عزم أَو قصد أَو عَنى فَإِنَّهَا متقاربه الْمعَانِي حَتَّى يكَاد يجْزم بَينهَا بالترادف غير أَن زين الدّين بن مصطفى من المغاربة وَالْقَاضِي شمس الدّين الحوفي وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْعرَاق تعرضوا للْفرق بَينهمَا وَهُوَ أولى من الترادف تَكْثِير الْفَوَائِد اللُّغَوِيَّة

стр. 11

وَبِهَذَا يظْهر معنى قَوْله ﵇ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلم يقل الْأَعْمَال بالإرادات والعنايات أَو غير ذَلِك فَإِنَّهُ ﵇ لم يرد إِلَّا الْإِرَادَة الْخَاصَّة المميلة للْفِعْل الى جِهَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة كَمَا تقدم فِي تَفْسِير النِّيَّة وَأما كَونه ﵇ قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلم يقل الْأَفْعَال وَلَا الإيثار وَلَا الإيجاد فان الْفرق وَاقع بَين أثر وأوجد وَخلق وَفعل وَعمل وصنع وبرأ وذرأ وَجعل وَكسب فَهَذِهِ عشرَة أَلْفَاظ وَالْفرق بَينهَا أَن أثر يصلح للإيجاد والإعدام وأوجد خَاص بالإيجاد وَخلق لَهُ مَعْنيانِ - أَحدهمَا قدر وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿الْخَالِق البارئ المصور﴾ ٢ - وَالثَّانِي أوجد قَالَ بعض الْفُضَلَاء والمثال الْجَامِع ان الشقة اذا قدمت للخياط وأعتبرها قبل الْقطع فَقَالَ تكون قميصين فَهَذَا تَقْدِير فَإِذا فصلها فَهَذَا أثر فَإِذا خاطها فَهُوَ تَصْوِير فخلق الله تَعَالَى علمه وَقدره فِي الْأَشْيَاء قبل وجودهَا وإيجاد أبعاضها بردهَا وتكميل خلقهَا

стр. 12

وَفعل يظْهر أَنه مرادف لأوجد وَقيل مَعْنَاهُ إِذا أُرِيد تَعْظِيم الْأَمر قيل عمل وَأَن اريد الِاقْتِصَار على تَأْثِير الْأَثر قيل فعل وَأما عمل فَقيل مَعْنَاهُ فعل فعلا لَهُ شرف وَظُهُور وَكَذَلِكَ فعل إِذا أسْند ظُهُوره للحس وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل﴾ ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد﴾ وَلم يقل كَيفَ عمل رَبك لِأَنَّهُ أثر فِيهِ عِقَاب وانتقام لَا شرف وتعظيم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ وَأكْثر مَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من ذكر أَفعَال الْخَيْر بِلَفْظ عمل لَا بِلَفْظ الْفِعْل فَقَالَ تَعَالَى ﴿بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنعم أجر العاملين﴾ ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ وَهُوَ كثير جدا وَأما صنع فيطلق على مَا فِيهِ قُوَّة فِي الإيجاد وَلذَلِك يُقَال أَرْبَاب الصَّنَائِع للحرف لاحتياجها الى مزِيد قُوَّة والكائن عَن الصنع أبدا يكون عَظِيما فِي نَفسه وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء﴾ إِشَارَة الى عَظمَة تسيير الْجبَال وزوالها عَن مواطنها وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال﴾ فَدلَّ ذَلِك على أَن أزالة الْجبَال عَظِيم فِي نفس الْأَمر وَإِن كَانَت الْقُدْرَة الْقَدِيمَة نِسْبَة الممكنات إِلَيْهَا بِنِسْبَة وَاحِدَة وَأما برأَ فَهُوَ يخْتَص بإيجاد الْأَجْسَام وَقد يُضَاف إِلَيْهِ أَنَّهَا من التُّرَاب وَمِنْه بريت الْقَلَم أَي هيأته على صور مخصوصه

стр. 13

وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ إِن همز فَمن الْبُرْء الَّذِي هُوَ الإيجاد الْخَاص أَو لم يهمز فَمن الْبَراء الْمَقْصُورَة الَّذِي هُوَ التُّرَاب وَأما دَرأ فَمَعْنَاه الدّفع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ أَي يدْفع فالإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود كالدفع من حيّز الْعَدَم إِلَى حيّز الْوُجُود وَأما جعل فَلهُ خَمْسَة معَان قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح جعل بِمَعْنى فعل نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ وَبِمَعْنى صير نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا﴾ وَبِمَعْنى سمى نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ أَي سموهم إِنَاثًا لانهم لم يؤثروا فِي ذواتهم وَبِمَعْنى قَارب نَحْو قَوْلنَا جعل زيد يَقُول كَذَا أَي قَارب القَوْل وَشرع فِيهِ وَبِمَعْنى ألْقى نَحْو قَوْلك جعلت متاعك بعضه على بعض أَي أَلقيته

стр. 14

وَأما كسب فَمَعْنَاه إِيجَاد الْفِعْل على نوع من التعاطي والمحاولة وَلذَلِك يُقَال الْإِنْسَان يكْسب وَلَا يُقَال لله تَعَالَى يكْسب قَالَ الله تَعَالَى ﴿فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ وَإِذا تقررت هَذِه الْمعَانِي بِنَاء على موارد الِاسْتِعْمَال منصوصة بِأَن الأَصْل عدم الترادف فَلَا يضر وُرُود بَعْضهَا مَكَان بعض فِي الصُّور لتقاربها فِي الْمعَانِي فَإِذا تعين أَن الْعَمَل لما فِيهِ شرف وَظُهُور بِخِلَاف أصل الْأَثر فَإِنَّهُ يُسمى فعلا حسنا حِينَئِذٍ أَن يُقَال الاعمال بِالنِّيَّاتِ دون الْأَفْعَال بِالنِّيَّاتِ لَان التَّقْدِير فِي خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف الْأَعْمَال مُعْتَبرَة بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا يُرَاد اعْتِبَارهَا إِذا كَانَت تصلح لله تَعَالَى ولايصلح لَهُ إِلَّا مَا كَانَ شريفا فِي نَفسه فَإِذا أضيف إِلَيْهِ النِّيَّة صَار يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب عِنْد الله تَعَالَى وَيُسمى الْمحرم عملا وَإِن كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ مُبْعدًا عِنْد الله تَعَالَى لانه عَظِيم فِي طوره وَلذَلِك تسمى الْمعاصِي كَبَائِر وعظائم لما حوى الْفِعْل من معنى العظمة فِي طوره خيرا أَو شرا وَلذَلِك منع بعض الْعلمَاء من تنَاول الحَدِيث الْوضُوء حَيْثُ اسْتدلَّ بِهِ على وجوب النِّيَّة فِي الوضؤ فَقَالَ لَا أسلم أَن الْوضُوء من الْأَعْمَال بل هُوَ من الْأَفْعَال والْحَدِيث إِنَّمَا ورد فِي الْأَعْمَال وَتَقْدِيره أَن الطَّهَارَة شَرط ووسيلة لَا تقصد فِي نَفسهَا فَلم يصل شرف رُتْبَة الْمَقَاصِد فَلَيْسَ فِيهِ من الظُّهُور والشرف مَا فِي الصَّلَاة وَنَحْوهَا فَلَا نسلم اندراجه وَهُوَ منع مَشْهُور من قبل الْحَنَفِيَّة فِي مَسْأَلَة اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الطَّهَارَة فَظهر حِينَئِذٍ حَقِيقَة النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْفرق بَينهمَا وَبَين أضدادهما وَالْجَوَاب عَن السُّؤَال وَهُوَ الْمَطْلُوب

стр. 15

الْبَاب الثَّانِي فِي مَحل النِّيَّة اعْلَم أَن النِّيَّة هِيَ نوع من الْإِرَادَة كَمَا تقدم والإرادة وأنواعها وَالْعلم وَالظَّن وَالشَّكّ وَالْخَوْف والرجاء وَجَمِيع مَا ينْسب إِلَى الْقلب من الْأَعْمَال هُوَ قَائِم بِالنَّفسِ قَالَ الْمَازرِيّ فِي شرح التَّلْقِين أَكثر الْفُقَهَاء وَأَقل الفلاسفة على أَن الْعقل فِي الْقلب وَأَقل الْفُقَهَاء واكثر الفلاسفة على أَنه فِي الدِّمَاغ محتجين بِأَنَّهُ إِذا أصَاب الدِّمَاغ آفَة فسد الْعقل وَبَطلَت الْعُلُوم والأنظار والفكر وأحوال النَّفس وَأجِيب بِأَن استقامة الدِّمَاغ لَعَلَّهَا شَرط والشيءقد يفْسد لفساد مَحَله وَقد يفْسد لفساد شَرطه وَمَعَ الأحتمال فَلَا جزم بل النُّصُوص وَارِدَة بِأَن ذَلِك فِي الْقلب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ وَلم يذكر الدِّمَاغ قطّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع فَدلَّ على أَن مَحل الْعقل الْقلب لَا الدِّمَاغ وَجعل الله تَعَالَى فِي مجاري عَادَته استقامة الدِّمَاغ شرطا فِي حُصُول أَحْوَال الْعقل وَالْقلب على وَجه الاسْتقَامَة

стр. 16

وَإِذا تقرر أَن الْعقل فِي الْقلب يلْزم على أصولنا أَن النَّفس فِي الْقلب لِأَن جَمِيع مَا ينْسب إِلَى الْعقل من الْفِكر والعلوم وَغير ذَلِك إِنَّمَا هِيَ صِفَات النَّفس فَتكون النَّفس فِي الْقلب عملا بظواهر النُّصُوص وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء إِن النَّفس هِيَ الرّوح وَهِي الْعقل فتسمى نفسا بِاعْتِبَار ميلها إِلَى الملاذ والشهوات وروحا بِاعْتِبَار تعلقهَا بالجسد تعلق التَّدْبِير بِإِذن الله تَعَالَى فِي غذائه وَصِحَّته وسقمه وَمَتى فارقته ذهبت حَيَاته فِي مجاري الْعَادَات وَمن الْمُمكن عقلا أَن تذْهب الرّوح من الْجَسَد وَيبقى حَيا كَمَا تضع الْمَرْأَة جَنِينهَا وَتبقى حَيَّة على حَالهَا فَالنَّفْس جسم لطيف حَيّ شفاف فِي جسم حَيّ كثيف فمفارقته كمفارقة الْجَنِين وَبِاعْتِبَار كرنها محصلة للعلوم بالفكر تسمى عقلا فَصَارَ لَهَا ثَلَاثَة أَسمَاء بِاعْتِبَار ثَلَاثَة أَحْوَال والموصوف وَاحِد وَبِهَذَا يتَّجه أَنَّهَا فِي الْقلب وَإِذا كَانَت النَّفس فِي الْقلب كَانَت النِّيَّة والإرادة وأنواع الْعُلُوم وَجَمِيع أَحْوَال النَّفس فِي الْقلب

стр. 17

الْبَاب الثَّالِث فِي اعْتِبَارهَا شرعا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ وَالْإِخْلَاص هُوَ إِرَادَة تمييل الْفِعْل إِلَى جِهَة الله تَعَالَى وَحده خَالِصا وَالْقَصْد الْمُتَعَلّق بتمييل الْفِعْل إِلَى جِهَة الله تَعَالَى هُوَ النِّيَّة كَمَا تقدم فِي بَيَان حَقِيقَة النِّيَّة وَصِيغَة الْحصْر الَّتِي فِي الْآيَة تَقْتَضِي أَن مَا لَيْسَ بمنوي لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ وَمَا لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ لَا يكون عبَادَة وَلَا تَبرأ الذِّمَّة من الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوب وَفِي مُسلم قَالَ ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى وَتَقْدِيره الْأَعْمَال مُعْتَبرَة بِالنِّيَّاتِ لِأَن الْأَخْبَار مَعَ المجرورات محذوفة فتقدر وَيكون الْمَجْرُور مُتَعَلقا بهَا وَأحسن مَا قدر الْخَبَر هَا هُنَا بِهَذِهِ الْآيَة لِأَنَّهُ جَامع بَين الشَّرْع والنحو فَيكون مَا لَيْسَ بمنوي غير مُعْتَبر وَهُوَ الْمَطْلُوب وَهَذَا الحَدِيث يتَنَاوَل جَمِيع مَا يُسمى عملا لعُمُوم الْألف وَاللَّام وَيبقى النزاع فِيمَا يُسمى فعلا كَمَا تقدم مَعَ الْحَنَفِيَّة وَقد تقدم فِي الْبَاب الأول الْجَواب عَن السُّؤَال الثَّانِي لم قَالَ ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلم يقل الْأَفْعَال بِالنِّيَّاتِ

стр. 18

الْبَاب الرَّابِع فِي حِكْمَة إِيجَاب النِّيَّة فِي الشَّرْع وَحِكْمَة إِيجَابهَا تَمْيِيز الْعِبَادَات عَن الْعَادَات أَو تَمْيِيز مَرَاتِب الْعِبَادَات فَالْأول لتمييز مَا لله تَعَالَى عَن مَا لَيْسَ لَهُ فيصلح الْفِعْل للتعظيم كالغسل يَقع تبردا وتنظيفا وَيَقَع عبَادَة مَأْمُور بهَا فَإِذا نوى تعين أَنه لله تَعَالَى فَيَقَع تَعْظِيم العَبْد للرب بذلك الْغسْل وَمَعَ عدم النِّيَّة لَا يحصل التَّعْظِيم وكالصوم يكون لعدم الْغذَاء وَيكون للتقرب فَإِذا نوى حصل بِهِ التَّعْظِيم لله تَعَالَى ونظائره فِي الْأَفْعَال كَثِيرَة فقالء وَيكون للتقرب فَإِذا حصل بِهِ التَّعْظِيم لله تَعَالَى ونظائره فِي الْأَفْعَال كَثِيرَة فَقَالَ ٢ - وَأما الثَّانِي فكالصلاة تَنْقَسِم إِلَى فرض ومندوب فالفرض يَنْقَسِم إِلَى مَنْدُوب وَغير مَنْدُوب وَغير الْمَنْدُوب يَنْقَسِم إِلَى الصَّلَوَات الْخمس قَضَاء وَأَدَاء وَالْمَنْدُوب يَنْقَسِم إِلَى راتب كالعيدين وَالْوتر وَغير راتب كالنوافل وَكَذَلِكَ القَوْل فِي قربات المَال وَالصَّوْم والنسك فشرعت النِّيَّة لتمييز هَذِه الرتب وَلأَجل هَذِه الْحِكْمَة تُضَاف صَلَاة الْكُسُوف وَالِاسْتِسْقَاء وَالْعِيدَيْنِ إِلَى أَسبَابهَا لتمييز رتبها وَكَذَلِكَ تتَعَيَّن إِضَافَة الْفَرَائِض إِلَى أَسبَابهَا لتمييز رتبها لَا لِأَن تِلْكَ الْأَسْبَاب قرب فِي نَفسهَا بِخِلَاف أَسبَاب الْكَفَّارَات لَا تُضَاف إِلَيْهَا فِي النَّوْع الْوَاحِد لِأَنَّهَا مستوية نَحْو كَفَّارَات الْحِنْث فِي الْيَمين إِذا وَقع وَاحِدَة مِنْهَا لَا تضيفها إِلَى سَببهَا لِأَن الْأَسْبَاب مستوية بِخِلَاف

стр. 19

كَفَّارَة حنث وَكَفَّارَة ظهارة وَكَفَّارَة قتل تتَعَيَّن فِيهَا الْإِضَافَة كَمَا يتَعَيَّن التَّكْفِير عَن تِلْكَ الْجِنَايَة وَتلك الْيَمين وَسوى أَبُو حنيفَة بَين الصَّلَوَات وَالْكَفَّارَات فِي عدم الإضافات إِلَى الْأَسْبَاب وَالْفرق مَا تقدم من استوائها وَأما الصَّلَوَات فَكلهَا مُخْتَلفَة حَتَّى الظّهْر وَالْعصر بقصر الْقِرَاءَة فِي الْعَصْر وطولها فِي الظّهْر وَهَذِه الْحِكْمَة قد اعْتبرت فِي سِتّ قَوَاعِد فِي الشَّرِيعَة فنذكرها ليتضح للفقيه الشريعه ١ - الْقَاعِدَة الأولى القربات الَّتِي لَا لبس فِيهَا لاتحتاج إِلَى نِيَّة كالإيمان بِاللَّه تَعَالَى وتعظيمه وإجلاله وَالْخَوْف من عَذَابه والرجاء لثوابه والتوكل على كرمه وَالْحيَاء من جَلَاله والمحبه لجماله والمهابة من سُلْطَانه وَكَذَلِكَ التَّسْبِيح والتهليل وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَسَائِر الْأَذْكَار فَإِنَّهَا متميزة لجنابه وَكَذَلِكَ النِّيَّة منصرفة إِلَى الله تَعَالَى بصورتها فَلَا جرم لم تفْتَقر النِّيَّة إِلَى نِيَّة أُخْرَى وَلَا حَاجَة للتَّعْلِيل بِأَنَّهَا لَو افْتَقَرت لنِيَّة أُخْرَى لزم التسلسل وَكَذَلِكَ يُثَاب الْإِنْسَان على على نِيَّة مُنْفَرِدَة ولايثاب على الْفِعْل الْمُنْفَرد لانصرافها بصورتها إِلَى الله تَعَالَى وَالْفِعْل مُتَرَدّد بَين مَا لله تَعَالَى وَمَا لغيره وَأما كَون الْإِنْسَان يُثَاب على نِيَّة وَاحِدَة وعَلى الْفِعْل عشرا إِذا نوى فَلِأَن الْأَفْعَال هِيَ الْمَقَاصِد والنيات وَسَائِل والوسائل أَخفض رُتْبَة من الْمَقَاصِد

стр. 20

٢ - الْقَاعِدَة الثَّانِيَة الْأَلْفَاظ إِذا كَانَت نصوصا فِي شيئ غير مترددة لم تحتج إِلَى نِيَّة لإنصرافها بصراحتها لمدلولها وَإِن كَانَت كِنَايَة أَو مُشْتَركَة مترددة افْتَقَرت إِلَى نِيَّة ٣ - الْقَاعِدَة الثَّالِثَة الْمَقَاصِد من الْأَعْيَان فِي الْعُقُود إِذا كَانَت متعينة استغنت عَمَّا يعينها كمن أستأجر بساطا وقدوما أَو ثوبا أَو عِمَامَة لم يحْتَج إِلَى تعْيين الْمَنْفَعَة فِي العقد لإنصراف هَذِه الْأَشْيَاء بصورتها إِلَى مقاصدها وَإِن كَانَت الْعين مترددة بَين منفعتين كالدابة للْحَمْل وَالرُّكُوب وَالْأَرْض للْبِنَاء والزراعة وَالْغَرْس فيفتقر إِلَى التَّعْيِين ٤ - الْقَاعِدَة الرَّابِعَة النُّقُود إِذا كَانَ بَعْضهَا غَالِبا لم يحْتَج إِلَى تَعْيِينهَا فِي العقد وَإِن لم يكن احْتَاجَ إِلَى التَّعْيِين ٥ - الْقَاعِدَة الْخَامِسَة الْحُقُوق إِذا تعيّنت لمستحقها كَالدّين الْمُنْفَرد فانه يتَعَيَّن لرَبه بِغَيْر نِيَّة مثل حُقُوق الله تَعَالَى إِذا تعيّنت لَهُ كالإيمان وَمَا ذكرمعه وان تردد بَين دينين أَحدهمَا برهن وَالْآخر بِغَيْر رهن فَإِن الدَّافِع يفْتَقر فِي تعْيين الْمَدْفُوع إِلَى النِّيَّة وَالتَّصْرِيح ٦ - الْقَاعِدَة السَّادِسَة التَّصَرُّفَات إِذا كَانَت دَائِرَة بَين جِهَات شَتَّى لَا تَنْصَرِف لأحدها إِلَّا بنية كمن هُوَ وَصِيّ على أَيْتَام مُتعَدِّدَة فَاشْترى سلْعَة لاتتعين لأَحَدهم إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَتى كَانَ التَّصَرُّف تحدا انصرفت لجِهَة لتعينه كتصرفه لنَفسِهِ وَلغيره بِالْوكَالَةِ وَلَا تَنْصَرِف للْغَيْر إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَن تصرف الْإِنْسَان لنَفسِهِ اغلب فَيَنْصَرِف التَّصَرُّف إِلَيْهِ وَالنِّيَّة فِي هَذِه الصُّورَة مقصودها التَّمْيِيز ومقصودها فِي الْعِبَادَات التَّمْيِيز والتقرب

стр. 21

سُؤال هَذَا التَّقْرِير يشكل بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ متميز بصورته لله تَعَالَى فَلم افْتقر إِلَى نِيَّة جَوَابه أَن التَّيَمُّم خَارج عَن نمط الْعِبَادَات فَإِنَّهَا كلهَا تَعْظِيم وإجلال وَلَيْسَ فِي مس التُّرَاب ومسحه بِالْوَجْهِ صُورَة تَعْظِيم بل هُوَ يشبه الْعَبَث واللعب فَاحْتَاجَ إِلَى نِيَّة ليخرج من حيّز اللّعب إِلَى حيّز التَّقَرُّب بنيته

стр. 22

تَنْبِيه هذالحكمة هِيَ سَبَب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِي رَمَضَان وَالْوُضُوء وَنَحْوهمَا فزفر يَقُول فِي رَمَضَان وَأَبُو حنيفَة يَقُول فِي الْوضُوء أَنَّهُمَا متعينان بصورتهما لله تَعَالَى وَلَيْسَ لَهما رتب فَلَا حَاجَة فيهمَا للنِّيَّة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُولَانِ الْإِمْسَاك فِي رَمَضَان قد يكون لعدم الْغذَاء والمفطرات وَالْوُضُوء قد يكون للتعليم والتجديد على سَبِيل النّدب أَو لرفع الْحَدث على سَبِيل الْوُجُوب فاحتاجا إِلَى النِّيَّة لتميز الْعِبَادَة عَمَّا لَيْسَ بِعبَادة وامتياز الْفَرْض عَن النّدب فِي الْوضُوء

стр. 23

تَنْبِيه وَقع فِي الْمَذْهَب إطلاقات متناقضة قَالَ الْأَصْحَاب صَرِيح الطَّلَاق وَغَيره غير مُحْتَاج للنِّيَّة اتِّفَاقًا وَقَالَ صَاحب الْمُقدمَات فِي كنايات الطَّلَاق صَرِيح الطَّلَاق مفتقر الى النِّيَّة اتِّفَاقًا وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي الْإِكْرَاه على الطَّلَاق فِي افتقار الصَّرِيح إِلَى النِّيَّة قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لابد فِي الصَّرِيح من النِّيَّة وَكَون النِّيَّة مُعْتَبرَة فِي الصَّرِيح اتِّفَاقًا وَغير مُعْتَبرَة اتِّفَاقًا وَفِي اعْتِبَارهَا قَولَانِ هَذِه إطلاقات كلهَا متناقضة وَلَا يجْتَمع مِنْهَا اثْنَان بل مَتى صدق أحد هَذِه الثَّلَاثَة كذب اثْنَان مِنْهَا وتحقيقهما أَن النِّيَّة فِي الْمَذْهَب من الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة بَين الْقَصْد الْخَاص وَبَين كَلَام النَّفس فَحَيْثُ قَالُوا الصَّرِيح لَا يفْتَقر إِلَى النِّيَّة إتفاقا مَعْنَاهُ أَن الصَّرِيح لَا يفْتَقر إِلَى إِرَادَة اسْتِعْمَاله فِي مَدْلُوله إِلَى نِيَّة كَمَا يفْتَقر صرفة عَن حقيقتة إِلَى مجازها أَو عَن عُمُومه إِلَى الْخُصُوص إِلَى نِيَّة بل ينْصَرف بصراحته لمدلوله كَمَا تقدم فِي الْقَوَاعِد السِّت وَمعنى قَوْلهم إِن الصَّرِيح يفْتَقر إِلَى النِّيَّة اتِّفَاقًا أَنه لَا بُد فِي الصَّرِيح من الْقَصْد غلى إنْشَاء الصِّيغَة حذرا مِمَّن أَرَادَ أَن يَقُول يَا طَارق فَقَالَ يَا طَالِق أَو أَرَادَ أَن يَقُول أَنْت منطلقة فَقَالَ أَنْت طَالِق لِأَنَّهُ التف لِسَانه وَسبق لَا يَقْصِدهُ لذَلِك فَلَا تنَاقض بَين

стр. 24

اشْتِرَاط النِّيَّة فِي إِرَادَة النُّطْق وَبَين عدم اشْتِرَاطهَا فِي انصراف اللَّفْظ لمدلوله بعد النُّطْق وَمعنى قَوْلهم فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الصَّرِيح قَولَانِ أَن الْكَلَام النفساني فِي اشْتِرَاط مقارنته للنطق اللساني قَولَانِ أَي ينْطق بِقَلْبِه كَمَا ينْطق بِلِسَانِهِ وَقد صرح بِهِ صَاحب الْجَوَاهِر وَعبر عَنهُ صَاحب الْجلاب بِعِبَارَة أُخْرَى فَقَالَ من اعْتقد الطَّلَاق بِقَلْبِه وَلم يلفظ بِهِ بِلِسَانِهِ فَفِي لُزُوم الطَّلَاق لَهُ قَولَانِ فَسَماهُ اعتقادا وَالْكَلَام النفساني لَيْسَ من بَاب الاعتقادات والعلوم وَلَا من بَاب الارادات والعزوم إِنَّمَا هُوَ نوع مُغَاير لَهما من أَعْرَاض الْقُلُوب فَظهر عدم التَّنَاقُض بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَأَن لفظ الِاعْتِقَاد وَالنِّيَّة لَيْسَ على ظاهرهما فِي الْكَلَام النفساني وَمَتى سَمِعت أَن فِي الطَّلَاق بِالنِّيَّةِ قَوْلَيْنِ فَاعْلَم أَن المُرَاد الطَّلَاق بالْكلَام النفساني وَإِلَّا فَمن نوى طَلَاق امْرَأَته أَو اعتقده أَو عزم عَلَيْهِ لَا يلْزمه طَلَاق بِاتِّفَاق وَإِنَّمَا الْخلاف إِذا طلق بالْكلَام النفساني فَاعْلَم ذَلِك وتفقد النِّيَّة فِي مواردها إِذا ثبتَتْ أَو سلبت أَو أختلف فِيهَا وَمَا المُرَاد بِتِلْكَ النِّيَّة فقد غلط فِيهَا جمع كثير من الْفُقَهَاء ويمكنك أَن تَقول فِي الطَّلَاق بِالنِّيَّةِ قَولَانِ وانعقد الْإِجْمَاع على عدم لُزُوم الطَّلَاق بِالنِّيَّةِ بِنَاء على اخْتِلَاف الْمَعْنى فِي النِّيَّة كَمَا تقدم بَيَانه لتميز الْعِبَادَة عَمَّا لَيْسَ بِعبَادة

стр. 25

الْبَاب الْخَامِس فِيمَا يفْتَقر إِلَى النِّيَّة الشَّرْعِيَّة ويتحرر ذَلِك بتقسيمين التَّقْسِيم الأول الشَّرِيعَة كلهَا إِمَّا مَطْلُوب أَو غير مَطْلُوب وَغير الْمَطْلُوب لَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى فَلَا معنى للنِّيَّة فِيهِ وَالْمَطْلُوب إِمَّا نواة أَو أوَامِر فالنواهي كلهَا يخرج الْإِنْسَان عَن عهدتها بِتَرْكِهَا وَإِن لم يشْعر بهَا فضلا عَن الْقَصْد إِلَيْهَا فمثاله زيد الْمَجْهُول لنا حرم الله علينا قَتله وَمَاله وَعرضه وَقد خرجنَا عَن عُهْدَة ذَلِك النَّهْي وَإِن لم نشعر بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِر المجهولات لنا من الْمُحرمَات نعم إِن شعرنَا بالمحرم ونوينا تَركه لله تَعَالَى حصل لنا مَعَ الْخُرُوج عَن الْعهْدَة الثَّوَاب لأجل النِّيَّة فَهِيَ شَرط فِي الثَّوَاب لَا فِي الْخُرُوج عَن الْعهْدَة والأوامر قِسْمَانِ ١ - قسم تكون صُورَة فعله كَافِيَة فِي تَحْصِيل مصْلحَته كأداء الدُّيُون والودائع والغصوب ونفقات الزَّوْجَات والأقارب فَإِن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة من فعل هَذِه الْأُمُور انْتِفَاع أَرْبَابهَا بهَا وَذَلِكَ لَا يتَوَقَّف على النِّيَّة من حهة الْفَاعِل فَيخرج الْإِنْسَان عَن عهدتها وَأَن لم ينوها ٢ - وَالْقسم الثَّانِي الْأَوَامِر الَّتِي لَا تكون صورتهَا كَافِيَة فِي تَحْصِيل مصلحتها الْمَقْصُودَة مِنْهَا كالصلوات والطهارات وَالصِّيَام

стр. 26

والنسك فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا تَعْظِيم الرب بِفِعْلِهَا والخضوع لَهُ فِي إتيانها وَذَلِكَ إِنَّمَا يحصل إِذا قصدت من أَجله فَإِن التَّعْظِيم بِالْفِعْلِ بِدُونِ قصد الْمُعظم محَال كمن صنع ضِيَافَة لإِنْسَان فَانْتَفع بهَا غَيره من غير قصد فَإنَّا نجزم بِأَن الْمُعظم بهَا الَّذِي قصد بالكرامة دون من انْتفع بهَا من غير قصد فَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي أَمر فِيهِ صَاحب الشَّرْع بِالنِّيَّةِ وعَلى هَذِه الْقَاعِدَة يتَخَرَّج خلاف الْعلمَاء فِي إِيجَاب النِّيَّة فِي إِزَالَة النَّجَاسَة فَمن إعتقد أَن الله تَعَالَى أوجب مجانبة الْحَدث والخبث حَالَة الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ فَيكون من بَاب المأمورات الَّتِي لَا تَكْفِي صورتهَا من تَحْصِيل مصلحتها فَتجب فِيهَا النِّيَّة وَمن إعتقد أَن الله حرم مُلَابسَة الْخبث فَتكون هَذِه من بَاب المنهيات فَلَا تفْتَقر إِلَى نِيَّة وَهُوَ الصَّحِيح وَالْقسم الثَّانِي الْفِعْل يَنْقَسِم إِلَى مَا يُمكن أَن يَقع لله تَعَالَى وَلغيره وَمَا لَا يُمكن أَن يَقع إِلَّا لله تَعَالَى وَمَا لَا يُمكن أَن يَقع لله تَعَالَى الْبَتَّةَ فَهَذِهِ ثَلَاثَة فُصُول

стр. 27

الْفَصْل الأول فِي التَّصَرُّف الَّذِي يُمكن أَن يَقع لله تَعَالَى وَلغيره وَقد تقدم أَن الْعِبَادَات تفْتَقر إِلَى النِّيَّة وَدَلِيل وُجُوبهَا فِيهَا وَقد ظن بعض الْفُقَهَاء أَن النِّيَّة لَا يَعْتَبِرهَا الشَّرْع إِلَّا فِي الْعِبَادَات حَتَّى سَمِعت كثيرا من الْفُضَلَاء يحد الْعِبَادَة بِأَنَّهَا عبارَة عَمَّا تشْتَرط فِيهِ النِّيَّة وَلذَلِك يجْعَلُونَ الرّبع الأول أبدا من دواوين الْفِقْه بعض الْعِبَادَات لَا يُسمى بِغَيْر ذَلِك وأشكل على جمَاعَة مِنْهُم أشتراط النِّيَّة فِي الذَّبَائِح مَعَ أَنَّهَا غير عبَادَة وَالْتزم بَعضهم أَنَّهَا عبَادَة لأجل اشْتِرَاط النِّيَّة فِيهَا بِنَاء على هَذَا الأعتقاد وَلَيْسَ كَمَا اعتقده بل قد يعْتَبر الشَّرْع النِّيَّة فِيمَا هُوَ فرض عين كالصلوات الْخمس وَفِيمَا هُوَ فرض كِفَايَة كَصَلَاة الْجَنَائِز من القربات وَفِيمَا هُوَ فرض كِفَايَة من غير القربات كاشتراط النِّيَّة فِي ذَكَاة الْحَيَوَان فَإِن أكل لُحُوم الْحَيَوَان من فروض الْكِفَايَة لِئَلَّا تضعف الْعُقُول عَن الْعُلُوم والأجساد عَن ملاقاة الْأَعْدَاء فتستأصل شأفة الْإِسْلَام وتفقد هداة الْأَنَام وَقد تعْتَبر النِّيَّة فِيمَا لَيْسَ قربَة من الْمُحرمَات فَإِن الْإِنْسَان إِذا حفر بِئْر ليهلك فِيهَا نَبِي من الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ كَافِر تَزُول عصمَة دَمه ويخلد فِي النَّار أَو ليَقَع فِيهَا مُؤمن فَلَا تَزُول عصمه دَمه وَلَا يخلد فِي النَّار وَيجب تعزيره وتفسيقه وَلَا يثبت الشَّرْع أحد هذَيْن الْحكمَيْنِ إِلَّا بِشَرْط أَن ينوى سَببه

стр. 28

وَهَا أَنا أبسط من موارد النِّيَّة فِي نظر الشَّرْع مَا يمهد لَك هَذَا الْبَحْث فِي عشرَة انواع فَهِيَ مُخْتَلفَة الْحَقَائِق متشابهة الْأَحْكَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى النَّوْع الأول مَا اعْتبر الشَّرْع فِيهِ النِّيَّة لتميز المدلولات كالحالف أَو النَّاذِر بِلَفْظ مُشْتَرك فالشرع إِنَّمَا يُوجب الْكَفَّارَة أَو الْوَفَاء فِيمَا نَوَاه دون غَيره النَّوْع الثَّانِي صرف الْأَلْفَاظ عَن حقائقها المدلولات إِلَى مجازاتها كالحالف أَو النَّاذِر بِلَفْظ عَام أَو مُطلق وَيَنْوِي بِهِ تَخْصِيص ذَلِك الْعَام أَو تَقْيِيد ذَلِك الْمُطلق فالشرع إِنَّمَا يعْتَبر الْمجَاز الْمَنوِي دون الْحَقِيقَة المدلولة النَّوْع الثَّالِث صرف الْأَلْفَاظ إِلَى بعض مَا يصلح لَهُ بِالنِّيَّةِ كألفاظ الْكِنَايَات فِي الطَّلَاق وَالْعتاق والأيمان إِلَى بعض المحامل الَّتِي يصلح لَهَا اللَّفْظ فِي ذَلِك الْبَاب وَلَا تترتب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا على الْمَنوِي دون غَيره النَّوْع الرَّابِع صُورَة الذَّكَاة فِي الْحَيَوَان الْمَقْدُور عَلَيْهِ والعقر فِي الصَّيْد دَائِرَة بَين سَبَب التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ المينة وَبَين سَبَب الْإِبَاحَة الَّذِي هُوَ الذَّكَاة الشَّرْعِيَّة فَإِذا نوى الذَّكَاة الشَّرْعِيَّة تخصصت الصُّورَة الْوَاقِعَة بِسَبَب الْحل دون سَبَب التَّحْرِيم وان لم ينْو شَيْئا لَا يرتب الشَّرْع الْحل لعدم تعين سَببه فَإِن الشَّرْع كَمَا شرع الْأَحْكَام شرع الْأَسْبَاب وَجعل لكل

стр. 29

مسبب معِين حكما معينا فَإِذا دارت الْحَقِيقَة بَين أَسبَاب مُخْتَلفَة تَقْتَضِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام لم يرتب الشَّرْع أحد الْأَحْكَام لعدم تعين سَببه وَيَقَع هَا هُنَا فِي هَذِه الصُّورَة التَّحْرِيم لِأَن الْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة أَن عدم سَبَب الْإِبَاحَة سَبَب التَّحْرِيم وَعدم سَبَب التَّحْرِيم سَبَب الاباحة كَمَا أَن عدم الاسكار الَّذِي هُوَ سَبَب التَّحْرِيم سَبَب الأباحة وَعدم العقد فِي النِّسَاء الَّذِي هُوَ سَبَب الاباحة سَبَب التَّحْرِيم وَعدم هَا هُنَا سَبَب الأباحه وَهُوَ قصد الذَّكَاة الشَّرْعِيَّة فَيثبت التَّحْرِيم فَمَا رتب الشَّرْع التَّحْرِيم فِي هَذِه الصُّورَة إِلَّا لوُقُوع سَببه الَّذِي هُوَ عدم سَبَب الإباحه على مَا تقدم النَّوْع الْخَامِس الذكاء الشَّرْعِيَّة دَائِرَة بَين سَبَب أصل الْحل فِي الْأكل وَبَين سَبَب التَّقَرُّب بالضحايا والهدايا وَسبب بَرَاءَة الذِّمَّة من هدى أَو فديَة أَو نذر حَتَّى يَنْوِي أَحدهَا فيرتب الشَّرْع عَلَيْهِ حكمه لتعيين سَببه ٦ - النَّوْع السَّادِس صُورَة دفع المَال للْمَسَاكِين دَائِرَة بَين سَبَب أصل التَّقَرُّب الَّذِي هُوَ صَدَقَة التَّطَوُّع وَبَين سَبَب بَرَاءَة الذِّمَّة من الزَّكَاة الْوَاجِبَة وَبَين سَبَب بَرَاءَة الذِّمَّة من نذر وَاجِب وَإِن كَانَ الْمَدْفُوع مدا دَار أَيْضا بَين ذَلِك وَبَين الْبَرَاءَة من كَفَّارَة الْيَمين أَو الظِّهَار أَو جَزَاء الصَّيْد أَو كَفَّارَة إِفْسَاد الصَّوْم فَإِذا نوى الدَّافِع أحد هَذِه الْأَسْبَاب رتب الشَّرْع عَلَيْهِ مسببه وَإِلَّا فَلَا يرتب شَيْئا إِلَّا الْإِبَاحَة بِخِلَاف ذَكَاة الْحَيَوَان ترَتّب عِنْد عدم النِّيَّة التَّحْرِيم وَالْفرق أَن الشَّرْع عين لإباحة الْحَيَوَان سَببا وَهُوَ قصد الذَّكَاة الشَّرْعِيَّة وَقد عدمت وَقد تقدم أَن الْقَاعِدَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا أَن عدم الْإِبَاحَة عِلّة التَّحْرِيم وَقد عدمت فيترتب التَّحْرِيم وَسبب الاباحة هُنَا المملك لِلْمَالِ

стр. 30

وَمن ملك مَالا جَازَ لَهُ دَفعه لمن شَاءَ فسبب الْإِبَاحَة مَوْجُود عِنْد عدم النِّيَّة فترتبت الْإِبَاحَة وَيَنْبَغِي أَن يفهم من هَذِه الْقَاعِدَة الْمشَار إِلَيْهَا أَن عِلّة الطَّهَارَة فِي الْأَعْيَان عدم عِلّة النَّجَاسَة فِيهَا لِأَن الطَّهَارَة والنجاسة حكمان شرعيان يفتقران إِلَى سببين شرعيين وَعلة النَّجَاسَة الاستقذار فَعدم الاستقذار عِلّة الطَّهَارَة والنجاسة رَاجِعَة إِلَى تَحْرِيم الملابسة فِي الصَّلَاة والأغذية وَالطَّهَارَة فِي الْعين إِبَاحَة ملابستها فِي ذَلِك مَا لم يمْنَع مَانع وَقد بسطت هَذَا المبحث فِي أول كتاب الذَّخِيرَة سؤالا وجوابا وتقريرا ٧ - النَّوْع السَّابِع دفع الدّين للْمُسْتَحقّ وَعَلِيهِ دينان أَحدهمَا برهن وَالْآخر بِغَيْر رهن فَإِن ذَلِك الدّفع يصلح سَببا لبراءة الذِّمَّة من دين الرَّهْن وَمن الدّين الآخر فَإِذا نوى الدَّافِع أَحدهمَا رتب الشَّرْع عَلَيْهِ بَرَاءَة ذمَّته مِنْهُ وَإِن كَانَ الْمَنوِي دين الرَّهْن فَلهُ أَخذ الرَّهْن فِي نفس الْأَمر دون الحكم فِي الْقَضَاء ٨ - النَّوْع الثَّامِن صرف السَّبَب لآحد محامله الصَّالح لَهَا كَقَوْلِه عمْرَة طَالِق أَو حرَّة وَله إمرأتان أَو أمتان مسميتان بِهَذَا الِاسْم فَإِن هَذَا اللَّفْظ سَبَب صَالح لتَحْرِيم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَو لعتقهما فَإِذا نَوَاهَا تعيّنت وَمن ذَلِك معاقدة الْوَكِيل لَا تصلح لإِفَادَة الْملك لَهُ ولموكله وَلَا ينْصَرف لمُوكلِه إِلَّا بنية لِأَن الأَصْل وَالْغَالِب معاقدة الْإِنْسَان لنَفسِهِ ٩ - النَّوْع التَّاسِع صُورَة الْجلد سَبَب صَالح لبراءة ذمَّة الإِمَام من إِقَامَة الْحَد وَالتَّعْزِير وَلَا ينْصَرف لأَحَدهمَا فِي حق من وَجب عَلَيْهِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ

стр. 31

- النَّوْع الْعَاشِر الْفِعْل الْمُخْتَلف فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَة وَالْوُجُوب إِذْ وَقع من الْمُقَلّد سَبَب صَالح للتأثيم إِن قلد الْقَائِل بِالتَّحْرِيمِ وَصَالح لتَحْصِيل ثَوَاب الْوَاجِب ان قلد الْقَائِل بِالْوُجُوب وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أحد الْأَمريْنِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ إِذا اسْتَويَا فِي الشُّهْرَة فَإِذا اشْتهر أَحدهمَا وَكَانَ الآخر فِي غَايَة الخفاء أَو دَلِيله فِي غَايَة الضعْف تعين مَا قوي دَلِيله من غير نيه وَقد بسطت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي تَنْقِيح الْفُصُول فِي علم الْأُصُول فِي بَاب الِاجْتِهَاد فَهَذِهِ الْأَنْوَاع السَّبْعَة الْأَخِيرَة النِّيَّة فِيهَا لتمييز الْأَسْبَاب وَفِي الثَّلَاثَة الأولى لتمييز الْأَلْفَاظ وأبواب النِّيَّة كَثِيرَة فِي الشَّرِيعَة والمقتصر على هَذَا الْقدر فَفِيهِ كِفَايَة ال تَّنْبِيه على الْجَواب عَن السُّؤَال الثَّانِي فِي صدر الْكتاب وَمَا يَحْتَاجهُ الْفَقِيه من الْيَقَظَة فِي مثل هَذَا وَغَيره تَنْبِيه كَون النِّيَّة مُمَيزَة لَيْسَ ذَلِك سَبَب وُرُود الشَّرْع بِهِ ذَلِك لَهَا لذاتها وحقيقتها كَمَا أَن جعل الْعلم كاشفا لَيْسَ بِجعْل الشَّرْع لَهُ بل ذَلِك من قبل الْأَسْرَار الربانية وَإِن كَانَت الْحَقَائِق إِنَّمَا وجدت على خصائصها بِالْقُدْرَةِ الإلهية وكما كَانَت النِّيَّة متميزه بذاتها اعْتبر الشَّرْع ذَلِك التَّمْيِيز فِي مَوَاطِن وَلم يعتبره فِي مَوَاطِن وَتلك المواطن الَّتِي اعتبرها الشَّرْع فِيهَا عبادات وَغير عبادات فالتابع لأدلة الشَّرْع هُوَ اعْتِبَارهَا لَا تمييزها فَتَأمل ذَلِك فَهُوَ حسن

стр. 32

الْفَصْل الثَّانِي فِيمَا لَا يُمكن أَن يَقع من التَّصَرُّف إِلَّا لله تَعَالَى وَهَذَا الْقسم هُوَ نِيَّة التَّقَرُّب وَقصد الْعِبَادَة لله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ وتعظيمه وإجلاله والخشوع بِالْقَلْبِ لكبريائه وَالْخَوْف من سُلْطَانه والتوكل على إحاطة قدرته وَنَحْو ذَلِك من أَعمال الْقُلُوب الْمُتَعَلّقَة بِاللَّه تَعَالَى فَهَذَا الْقسم لَا يفْتَقر الى نِيَّة لتعينه وتمييزه بِذَاتِهِ تَعَالَى وَالنِّيَّة إِنَّمَا تحْتَاج مَعَ المتردد لتمييز المتردد لأحد جهاته المتردد بَينهَا

стр. 33

الْفَصْل الثَّالِث فِيمَا لَا يُمكن أَن يفعل لله تَعَالَى عِنْد الْبلُوغ على الْخلاف وَهُوَ النّظر الأول الَّذِي هُوَ أول الْوَاجِبَات عِنْد الْبلُوغ على الْخلاف هَل هُوَ أول الوجبات أم لَا وعَلى جَمِيع الْأَقْوَال يَسْتَحِيل فِيهِ أَن يكون وَقع قربه لله تَعَالَى ويقصد بِهِ التَّقَرُّب وَهَا هُنَا ورد السُّؤَال الثَّالِث الْمَذْكُور فِي أول الْكتاب فَقيل كَيفَ يتَعَذَّر التَّقَرُّب بِهِ مَعَ أَن غَايَة النَّاظر ان يشك فِي أَن لَهُ صانعا أوجب عَلَيْهِ النّظر أم لَا وَهل هَذَا النّظر وَاجِب عَلَيْهِ أم لَا وَإِذا كَانَ غَايَته الشَّك وَالشَّكّ لَا يمْنَع من قصد التَّقَرُّب لوُقُوعه فِي الشَّرِيعَة فِي عدَّة مَوَاضِع بِالْإِجْمَاع كمن شكّ هَل صلى أم لَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَيَنْوِي بِتِلْكَ الصَّلَاة الْوَاقِعَة مَعَ الشَّك فِي وُجُوبهَا وينويها قربَة لله تَعَالَى وَكَذَلِكَ من نسى صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة لَا يدْرِي عينهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي خمس صلوَات وَيَنْوِي بهَا التَّقَرُّب مَعَ الشَّك فِي وجوب كل وَاحِدَة مِنْهَا عَلَيْهِ وَقد تقدم بسط هَذَا فِي أول الْكتاب فَعلم الشَّك لَا يُنَافِي التَّقَرُّب فَيكون مَا أجمع عَلَيْهِ النَّاس من ان النّظر الأول لَا يُمكن ان يَنْوِي بِهِ التَّقَرُّب بَاطِل وَالْجَوَاب ان الله تَعَالَى شرع الْأَحْكَام وَشرع لكل حكم سَببا وَقد يكون للسبب الْوَاحِد أَحْكَام كَثِيرَة كَمَا أَن لالتقاء الختانين نَحْو السِّتين حكما بسطتها فِي كتاب الذَّخِيرَة وَقد يكون للْحكم

стр. 34

الْوَاحِد عدَّة أَسبَاب كإيجاب الْوضُوء بِنَحْوِ عشرَة أَسبَاب وَهل يُوجد حكم بِلَا سَبَب حصل للغزالي فِي الْمُسْتَصْفى فِيهِ تردد وَإِذا تقرر أَن الْأَسْبَاب مَشْرُوعَة فَاعْلَم أَنه من جملَة مَا شرع الشَّارِع من الْأَسْبَاب الشَّك فَجعل الشَّرْع الشَّك سَببا فِي صور ١ - أَحدهَا قَوْله ﵇ من شكّ فِي صلَاته فَلم يدر أصلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا جعلهَا ثَلَاثًا وأتى بِرَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ وَالْقَاعِدَة أَن تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف يدل على عَلَيْهِ ذَلِك الْوَصْف لذَلِك الحكم نَحْو من سَهَا سجد وَمن سرق قطع وَمن زنى جلد

стр. 35

وَهَا هُنَا رتب الشَّرْع إِيجَاب الرَّكْعَة المأتي بهَا بعد الشَّك وَالْأَمر بالسجدتين على الشَّك فَيكون الشَّك هُوَ سَببهَا وَأَيْضًا لَا يُمكن أَن نقُول السُّجُود لأجل الزِّيَادَة لِأَنَّهَا غير مَعْلُومَة وَلَا مظنونه وَلَا للنقصان لِأَنَّهُ غير مَعْلُوم وَلَا مظنون لِأَن التَّقْدِير وُقُوع الشَّك فِي الْعدَد فَتعين إِضَافَة السُّجُود لسَبَب آخر غير الزِّيَادَة ولانقص وَهُوَ الشَّك فَيكون الشَّك هُوَ الْمَنْصُوب سَببا للركعة وَالسُّجُود ٢ - وَثَانِيها إِذا شكّ فِي صَلَاة من يَوْم وَلَيْلَة أَو تَيَقّن نسيانها وَشك فِي عينهَا فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ خمس صلوَات فَنَقُول هَذِه الصَّلَوَات نصب الشَّرْع لَهَا أسبابا عَامَّة وسببا خَاصّا أما الْأَسْبَاب الْعَامَّة فَهِيَ أَوْقَاتهَا من طُلُوع الْفجْر والزوال وَآخر الْقَامَة والغروب فِي الشَّمْس والشفق والتبسب الْخَاص هُوَ الشَّك لَا يجب بِهِ على جَمِيع النَّاس إِلَّا على من عرض لَهُ الشَّك فِي أَحدهَا والتسبت عَلَيْهِ فَيجب عَلَيْهِ بِسَبَب الشَّك فِي وَاحِدَة مِنْهَا جَمِيعًا فسببها الشَّك ٣ - وَثَالِثهَا أَن يشك فِي أُخْته من الرَّضَاع أَو النّسَب مَعَ أجنبيه أَيَّتهمَا أُخْته جعل الشَّرْع الشَّك سَببا لتحريمها عَلَيْهِ ٤ - وَرَابِعهَا من شكّ فِي ثوب نجس مَعَ طَاهِر حرم عَلَيْهِ الصَّلَاة بهما على الْخلاف فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَكِن مَتى قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَقُلْنَا السَّبَب الشَّك وَهُوَ الْمَقْصُود هَا هُنَا من أَن الشَّرْع نصب الشَّك سَببا ٥ - وخامسها إِذا شكّ فِي ميتَة مَعَ مذكاة أَيَّتهمَا المذكاة حرمتا عَلَيْهِ بِسَبَب الشَّك ونظائره كَثِيرَة لَا أطول بهَا إِذا تقرر أَن الشَّرْع نصب الشَّك من جملَة الْأَسْبَاب فالمتقرب فِي صُورَة تِلْكَ الشكوك بالواقعة فِي الشَّرِيعَة قَاطع جازم بِالْوُجُوب عَلَيْهِ لانعقاد الْإِجْمَاع فِي وجوب تِلْكَ الْعِبَادَات عَلَيْهِ إِن كَانَ فِيهَا إِجْمَاع وَإِن لم يكن فِيهَا إِجْمَاع بل دَلِيل وأمارة وَقد تقرر فِي أصُول الْفِقْه

стр. 36

ان الاحكام الشَّرْعِيَّة كلهَا معلومه بِسَبَب انْعِقَاد الْإِجْمَاع على أَن كل مُجْتَهد إِذا غلب على ظَنّه حكم فَهُوَ حكم الله تَعَالَى فِي حَقه وَحقّ من قَلّدهُ إِذا اتّصف بِسَبَبِهِ وان كَانَ قَاطعا بِالْوُجُوب عَلَيْهِ فَنَقُول الشكوك الواقعه فِي الشَّرِيعَة الَّتِي وَقع فِيهَا التَّقَرُّب الْمُوجب فِيهَا مَعْلُوم وَهُوَ الله تَعَالَى والموجب مَعْلُوم الْوُجُوب وَهُوَ الْفِعْل وَالسَّبَب الْمُقْتَضِي للْوُجُوب مَعْلُوم وَهُوَ الشَّك وَدَلِيل الْوُجُوب مَعْلُوم وَهُوَ الاجماع فَجَمِيع الْجِهَات معلومه وَالشَّكّ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا بل هُوَ نفس السَّبَب لَا أَنه شكّ فِي السَّبَب وَالْفرق بَينهمَا ضَرُورِيّ وَفِي الْمَسْأَلَة النّظر الْمُوجب مَشْكُوك فِيهِ عِنْد المبتديء للنَّظَر والموجب الَّذِي هُوَ الْفِعْل مَشْكُوك فِي وُجُوبه وَسبب الْوُجُوب مَشْكُوك فِي نَصبه وتعيينه وَدَلِيل الْوُجُوب مَشْكُوك فِي خصوصه فَجَمِيع الْجِهَات مَشْكُوك فِيهَا وَالَّتِي وَقعت فِي الشَّرِيعَة جَمِيعهَا مَعْلُوم فَظهر الْفرق الْعَظِيم وَأمكن الْقَصْد للتقرب الْوَاقِع فِي الشَّرِيعَة دون النّظر الأول وَلم ينْعَقد الْإِجْمَاع فِي تعذر الْقَصْد بالتقرب فِي النّظر الأول إِلَّا على الصَّوَاب وَهُوَ الْمَطْلُوب فَانْدفع السُّؤَال الثَّالِث دفعا بَينا

стр. 37

الْبَاب السَّادِس فِي شُرُوط النِّيَّة وَهِي ثَلَاثَة ١ - الشَّرْط الأول ان تتَعَلَّق بمكتسب للناوي فَإِنَّهَا مخصصة وَتَخْصِيص غير الْمَفْعُول المكتسب للمخصص محَال وَلذَلِك امْتنع نِيَّة الْإِنْسَان لفعل غَيره لِأَنَّهُ غير مكتسب لَهُ وأشكل على هَذَا الشَّرْط نِيَّة الإِمَام للأمامة فَإِن صلَاته حَالَة الأمامة مُسَاوِيَة لصلاته حَالَة الِانْفِرَاد فَهَذِهِ النِّيَّة لَا بُد لَهَا من مُتَعَلق مكتسب وَلَا مكتسب فيشكل وَأجَاب عَنهُ بعض الْعلمَاء بِأَن النِّيَّة يشْتَرط فِيهَا أَن تتَعَلَّق بمكتسب للناوي اسْتِقْلَالا أَو بِمَا يكون تَابعا للمكتسب وَإِن لم يكن مكتسبا كَمَا يتَعَلَّق بِالْوُجُوب فِي صَلَاة الْفَرْض وَالنَّدْب فِي صَلَاة الضُّحَى وَنَحْو ذَلِك وَلَيْسَ الْوُجُوب وَالنَّدْب بمكتسبين للْعَبد فَإِن الإحكام الشَّرْعِيَّة وَاجِبَة الْوُجُود قديمَة صفة الله تَعَالَى وَإِنَّمَا حسن الْقَصْد إِلَيْهَا تبعا للقصد المكتسب فَكَذَلِك الْإِمَامَة وَإِن لم تكن فعلا زَائِدا على الصَّلَاة مكتسبا إِلَّا انها مُتَعَلقَة بمكتسب وتابعة لَهُ فَأمكن الْقَصْد إِلَيْهَا تبعا كالفرض وَالنَّفْل وَنَحْوهمَا وَمن هَذَا الْبَاب الْإِضَافَة الى الْأَسْبَاب فِي الصَّلَوَات وَالْكَفَّارَات وَنَحْوهَا وَلَيْسَت مكتسبة وَإِنَّمَا المكتسب الْفِعْل الْمُرَتّب على السَّبَب وَالسَّبَب قد يكون مكتسبا وَقد لَا يكون مكتسبا وَأما الْإِضَافَة للسبب فنسبة وَإِضَافَة وَالنّسب لَا وجود لَهَا فِي الْأَعْيَان

стр. 38

عِنْد الْمُحَقِّقين وَمَا لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج فَلَا يَسْتَحِيل إِيقَاعه فِي الْخَارِج فَلَا يكون مكتسبا مَعَ أَنه منوي وَمن هَذَا الْبَاب مَا تقدم من إِضَافَة الْأَسْبَاب الى بعض الْأَحْكَام وَإِضَافَة بعض الْأَلْفَاظ الى بعض مدلولاتها فَإِنَّهَا لَيست بمكتسب بل المكتسب اللَّفْظ وَالسَّبَب وَأما الْإِضَافَة المنوية فَلَا فَهَذِهِ كلهَا نقوش على هَذَا الشَّرْط وتندفع بِأَنَّهَا تبع لمكتسب ٢ - الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون الْمَنوِي بهَا مَعْلُوما أَو مظنون الْوُجُوب فَإِن الْمَشْكُوك تكون النِّيَّة فِيهِ متردده فَلَا ينْعَقد وَلذَلِك لَا يَصح وضوء الْكَافِر وَلَا غسله قبل اعْتِقَاد الاسلام لِأَنَّهُ عِنْده غير مَعْلُوم وَلَا مظنون وَقد تقدم فِي الْبَاب الْخَامِس الْجَواب عَمَّا وَقع فِي الشَّرِيعَة من الْقَصْد للتقرب بالمشكوك وَأَن الْوُجُوب ثمَّة مَعْلُوم لَا مَشْكُوك وَوَقع فِي الْمَذْهَب فروع أخر ١ - أَحدهَا لَو شكّ فِي طَهَارَته وَقُلْنَا لَا يجب عَلَيْهِ الْوضُوء أَو كَانَ شكه غير مُسْتَند الى سَبَب فَتَوَضَّأ فِي الْحَالَتَيْنِ احْتِيَاطًا ثمَّ تَيَقّن الْحَدث فَفِي وجوب الْإِعَادَة عَلَيْهِ قَولَانِ وَأما لَو قُلْنَا بِوُجُوب الْوضُوء عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَعْلُوم فَلَا يرد ٢ - ثَانِيهَا لَو تَوَضَّأ مجددا ثمَّ تَيَقّن الْحَدث فالإجزاء للأشهب وَعَدَمه لسَحْنُون

стр. 39

٢ - وَثَالِثهَا لَو أغفل لمْعَة من الغسله الأولى وَغسل الثَّانِيَة بنية الْفَضِيلَة فَفِي الْإِجْزَاء قَولَانِ ٣ - الشَّرْط الثَّالِث أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة للمنوي لِأَن اول الْعِبَادَات لَو عرى عَن النِّيَّة لَكَانَ أَولهَا مترددا بَين الْقرْبَة وَغَيرهَا وَآخر الصَّلَاة مَبْنِيّ على أَولهَا وَتبع لَهُ بِدَلِيل ان اولها إِذا نوى فرضا أَو نفلا أَو قَضَاء أَو أَدَاء كَانَ آخرهَا كَذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ أَولهَا مترددا كَانَ آخرهَا مترددا هَذَا إِن تَأَخَّرت النِّيَّة فَإِن تقدّمت على أَولهَا وَلم تقارن وَقعت الْعِبَادَة كلهَا مترددة فَإِن مَا لَا يقارن الشَّيْء لَا يخصصه وَلَا يميزه بِدَلِيل جَمِيع المشخصات كالجماد والنبات وَالْحَيَوَان وَجَمِيع الْأَفْعَال وَاسْتثنى من هَذَا الشَّرْط الصَّوْم للْمَشَقَّة فِي الْمُقَارنَة لإتيان أول الصَّوْم حَالَة النّوم غَالِبا وَالزَّكَاة فِي الْوكَالَة على إخْرَاجهَا عونا على الْإِخْلَاص ودفعا لخجل الْفَقِير بِالْأَخْذِ فَتقدم النِّيَّة عِنْد الْوكَالَة ويتأخر الأخراج الْمَنوِي قَالَ صَاحب الطّراز وَجَوَاز ابْن الْقَاسِم تقدم النِّيَّة عندمايأخذ فِي اسباب الطَّهَارَة بذهابه للحمام وَالنّهر بِخِلَاف الصَّلَاة وَخَالفهُ سَحْنُون فِي الْحمام وَوَافَقَهُ فِي النَّهر لِأَن النَّهر لَا يُؤْتى غَالِبا إِلَّا لذَلِك بِخِلَاف الْحمام فَإِنَّهُ يُؤْتى للتنعم والنظافة فَلَا تتَمَيَّز الْعِبَادَة فِيهِ وَقيل بِعَدَمِ الْإِجْزَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ نظرا لتقدم النِّيَّة

стр. 40

الْبَاب السَّابِع فِي اقسام النِّيَّة النِّيَّة قِسْمَانِ فَعَلَيهِ موجوده وحكمية معدومه فَإِذا نوى الْمُكَلف أول الْعِبَادَة فَهَذِهِ نِيَّة فَعَلَيهِ ثمَّ إِذا ذهل عَن النِّيَّة حكم صَاحب الشَّرْع بِأَنَّهُ ناو ومتقرب فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّة الْحكمِيَّة أَي حكم الشَّرْع لصَاحِبهَا بِبَقَاء حكمهَا لَا أَنَّهَا موجوده وَكَذَلِكَ الْإِخْلَاص والأيمان وَالْكفْر والنفاق والرياء وَجَمِيع هَذَا النَّوْع من أَحْوَال الْقُلُوب إِذا شرع فِيهَا واتصف الْقلب بهَا كَانَت فَعَلَيهِ وَإِذا ذهل عَنْهَا حكم صَاحب الشَّرْع بِبَقَاء أَحْكَامهَا لمن كَانَ اتّصف بهَا قبل ذَلِك حَتَّى لَو مَاتَ الأنسان مغمورا بِالْمرضِ حكم صَاحب الشَّرْع لَهُ بالأسلام الْمُتَقَدّم بل بِالْولَايَةِ أَو الصّفة كَيْفيَّة وَجَمِيع المعارف الْمُتَقَدّمَة وَإِن لم يتَلَفَّظ بِالشَّهَادَةِ عِنْد الْمَوْت وَعَكسه حكم لَهُ بالْكفْر والنفاق وَجَمِيع مساوي الْأَخْلَاق وَإِن كَانَ لَا يستحضر مِنْهَا شَيْئا عِنْد الْمَوْت وَلَا يَتَّصِف بهَا بل يَوْم الْقِيَامَة الْأَمر كَذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما فَإِن لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ مَعَ أَن أحدا لَا يكون يَوْم الْقِيَامَة مجرما وَلَا كَافِرًا وَلَا عَاصِيا لظُهُور الْحَقَائِق عِنْد الْمَوْت وَصَارَ الْحق ضَرُورِيًّا وَلم تبْق الْعُقُول متمكنة من الجهالات لقُوَّة الظُّهُور بل مَعْنَاهُ يكون مَحْكُومًا لَهُ بالإجرام كَمَا يحكم لغيره بالأيمان وَاكْتفى صَاحب الشَّرْع بالأيمان وَالْإِخْلَاص وَالنِّيَّة الْحكمِيَّة للمشقه فِي استمرارها بِالْفِعْلِ قَالَ سَنَد لَو عزل زَكَاته بعد وَزنهَا للْمَسَاكِين
следующие страницы →