← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6248

الاتباع لابن أبي العز

ابن أبي العز

Полный текст (72 стр.). Показаны 36–72 · переход к 41.

стр. 36

الشَّافِعِي وَمَالك وَغَيرهم ﵃ وَلَا يَصح التَّرْجِيح لقَوْل أبي حنيفَة ﵀ بِأَن النَّاس محتاجون إِلَى تَقْلِيده فِي القَوْل بِأَن الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج غير دَاخل فِي الْإِيمَان إِلَّا أَن يُقَال إِن من ترك شَيْئا من ذَلِك عَامِدًا فَهُوَ كَافِر فَإِن هَذَا تَرْجِيح فَاسد فَلَا يكون التَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح وَلَو قيل إِنَّه يلْزم من قَوْلكُم أَن يتْرك النَّاس الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَيَقُولُونَ نَحن مُؤمنُونَ لَا يضر إيمَاننَا ترك هَذِه الْعِبَادَات لَكَانَ هَذَا أبلغ فِي التشنيع وَلَكِن مثل هَذَا لَا يرتضيه فَقِيه وللقائل بِأَن الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَن يَقُول لَا نسلم أَن الْإِيمَان يَزُول بِزَوَال عمل من الْأَعْمَال وَإِن كَانَت دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان فَإِن الْإِيمَان أصل لَهُ شعب كَمَا قَالَ ﷺ (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق) مُتَّفق عَلَيْهِ وَهَذِه الشّعب مِنْهَا مَا يَزُول الْإِيمَان بزواله كَشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول الْإِيمَان بزواله كإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والشعب الَّتِي ينشأ بَينهمَا مِنْهَا مَا يقرب من شَهَادَة الوحدانية وَمِنْهَا مَا يقرب من إمَاطَة

стр. 37

الْأَذَى وَالْقَوْل بِأَن الْكل يَنْتَفِي جزئه مغلطة فَإِن أَرَادَ بِهِ قَائِله بِانْتِفَاء الْمَجْمُوع فَهَذَا غلط فَإِن من قطعت يَده مثلا لم يخرج عَن كَونه إنْسَانا وَلَا انْتَفَى وجوده وَإِن كَانَت يَده جُزْء مِنْهُ وَإِن أَرَادَ بِهِ انْتِفَاء الْهَيْئَة الاجتماعية فَمُسلم وَهَذَا هُوَ الَّذِي يعنونه بقَوْلهمْ انْتَفَت صفة الْكَمَال وَيشْهد لهَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ الْأَنْفَال ٢ وَقَوله ﷺ (لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ) وأمثال ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة كَثِيرَة والمنفي فِي مثل هَذَا صفة الْكَمَال فينفي صِحَة الْإِيمَان الْمُطلق لَا مُطلق الْإِيمَان وَإِن أَرَادَ بِهِ انْتِفَاء الِاسْم كَمَا يَنْتَفِي الْعشْرَة بِانْتِفَاء جزئها وَإِن كَانَ الْمَجْمُوع لم ينتف فَهُوَ غلط أَيْضا فَإِن الْإِيمَان من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَاسم الْجِنْس لم ينتف بِانْتِفَاء بعض الْمُسَمّى بِخِلَاف الْعشْرَة فانها اسْم لعدد خَاص وَإِنَّمَا نظيرها انْتِفَاء الْإِيمَان بجحود بعض مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فَإِن الْإِيمَان اسْم خَاص لَهُ فَظهر بِهَذَا أَن قَوْله وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه بالِاتِّفَاقِ غلط وَقَوله وَلَا يخفى ضَرَره وبطلانه بالأحاديث الدَّالَّة على أَن من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله دخل الْجنَّة ش: لَا حجَّة لَهُ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يلْزم من دُخُول الْجنَّة أَن لَا يدْخل النَّار وَلَا دُخُوله النَّار أَن يكون فِيهَا خَالِدا مخلدا وَحَدِيث الشَّفَاعَة الْمُتَّفق على صِحَّته يدل على ذَلِك وَيدل على زِيَادَة

стр. 38

الْإِيمَان ونقصانه فان فِيهِ انه يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من بر أَو شعير من إِيمَان تمّ من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه أدنى من مِثْقَال حَبَّة من إِيمَان وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن وهب بن مُنَبّه أَنه قيل لَهُ أَلَيْسَ لَا إِلَه إِلَّا الله مِفْتَاح الْجنَّة قَالَ بلَى وَلَكِن لَيْسَ مِفْتَاح إِلَّا لَهُ أَسْنَان فَإِن جِئْت بمفتاح لَهُ أَسْنَان فتح لَك وَإِلَّا لم يفتح لَك وَلَا يلْزم من نقص الْإِيمَان بِانْتِفَاء بعض الْأَعْمَال أَو بضعفه فِي نَفسه زَوَاله كَمَا تقدم وَلِهَذَا وَالله أعلم قَالَ الطَّحَاوِيّ وَأَهله فِي أَصله سَوَاء وَيكون نَظِيره الْعقل وَالْبَصَر وَنَحْوهمَا فَإِن كلا مِنْهُمَا أَهله فِي أَصله سَوَاء وَإِن كَانَ الْعُقَلَاء والبصراء متفاوتين وَمن لم يرجح الحكم بِالدَّلِيلِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الِانْتِصَار لتاركي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج ويرجح مَذْهَب من قَالَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُم بِمُجَرَّد التشنيع والتهويل فَإِن ذَلِك يَنْتَهِي إِلَى قَول المرجئة الَّذين قَالُوا لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة وَمِنْهَا قَوْله م: لَوْلَا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لَكَانَ كل من ترك فعلا من الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة آنِفا كَافِرًا إِلَى آخِره

стр. 39

ش: وَقد تكَرر مِنْهُ نَظِير ذَلِك لَوْلَا مَذْهَب أبي حنيفَة لَكَانَ كَذَا وَلَوْلَا مذْهبه لَكَانَ كَذَا وَهُوَ كَلَام سَاقِط لِأَن اعْتِقَاد المعتقد كفر مُسلم أَو بطلَان حق أَو تَحْرِيم حَلَال أَو عكس ذَلِك لَا يُغير الشَّيْء عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ أَلا ترى أَن الْكفَّار لما اعتقدوا فِي الْمَلَائِكَة أَنهم إناث لم يُغير ذَلِك الْمَلَائِكَة عَمَّا هم عَلَيْهِ وَلم يصيروا إِنَاثًا لاعتقاد الْكفَّار الْبَاطِل فيهم وَلَا يُقَال لَوْلَا الْمُسلمُونَ لكَانَتْ الْمَلَائِكَة إِنَاثًا وَلَو لم يخلق أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لما ضرّ دين الْإِسْلَام وَلَيْسَ إِلَى الْعلمَاء من أَمر الدّين إِلَّا التَّبْلِيغ وإيضاح الْمُشكل وَأما أَمر التَّكْفِير والتفسيق والتحليل وَالتَّحْرِيم فَإلَى الله وَرَسُوله وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي الطهارات قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ وَيجوز الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء بِمَاء سخن بالروث والأخثاء وَنَحْوهمَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لم يطهر أحد مِمَّن دخل فَمَا مَاتَ هَذِه الْبِلَاد أبدا وَإِذا لم يتَطَهَّر لم تصح صلَاته فَلَا يجوز لَهُ مس الْمُصحف بِيَدِهِ وَلَا يجوز لَهُ دُخُول الْمَسْجِد وَلَا يجوز لَهُ قِرَاءَة الْقُرْآن وَإِذا زَالَ صلَاته زَالَ إيمَانه وَلَزِمَه مَا ذكرنَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى انْتهى ش: فان مَا نَقله عَن الشَّافِعِي ﵀ غير مُحَرر بل هُوَ غلط لِأَن المَاء المسخن بِالنَّجَاسَةِ إِذا كَانَ بَين المَاء وَبَين دُخان النَّجَاسَة حَائِل حُصَيْن لَا يَتَنَجَّس بالإتفاق وَلَكِن يكره اسْتِعْمَاله فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْحَائِل غير حُصَيْن وَلم بتحقق وُصُول شَيْء إِلَى المَاء وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن دُخان النَّجَاسَة نجس عِنْده وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب مَالك وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب أَحْمد ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنه طَاهِر كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك فِي إِحْدَى

стр. 40

الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَغَيرهم وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا فَلَيْسَتْ هِيَ من مُفْرَدَات أبي حنيفَة كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام المُصَنّف مَعَ عدم تحريره للنَّقْل فِي الْمَسْأَلَة فَلَو عكس التشنيع بِمَا فِي مَذْهَب أبي حنيفَة من التَّشْدِيد فِي المَاء الدَّائِم وَالْقَوْل بِنَجَاسَتِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وبقليل النَّجَاسَة وَإِن لم ير لَهَا فِيهِ أثر مَا لم يكن عشرَة أَذْرع بذلك بِغَيْر نقل شَرْعِي وَلَا هُوَ قَول أبي حنيفَة أَيْضا إِنَّمَا هُوَ اخْتِيَار أَصْحَابه وَفِي هَذَا من الْحَرج مَا لَا يخفى خُصُوصا بالبلاد الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا المُصَنّف وأمثالها لَكَانَ أظهر لَكِن لَا يستحسن مثل هَذَا وَلَو كَانَت من مُفْرَدَات أبي حنيفَة ودليلها قوي وَالنَّاس محتاجون إِلَيْهَا فَمَا من إِمَام إِلَّا وَله مُفْرَدَات مِنْهَا مَا دَلِيله قوي وَالنَّاس محتاجون إِلَيْهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِخِلَاف ذَلِك وَكَذَلِكَ لما استحكم الِافْتِرَاق فِي هَذِه الْأمة نصبوا من كل طَائِفَة قَاضِيا لِئَلَّا يضيع كثير من حُقُوق النَّاس ومصالحهم باقامة عَالم زاهد مقَام رَسُول الله ﷺ وهجر أَقْوَال غَيره من الْعلمَاء وازداد بذلك استحكام التَّفَرُّق وَكَانَ الْوَاجِب النَّهْي عَن التَّفَرُّق لَا تقرره فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَقَوله إِذا زَالَ صلَاته زَالَ إيمَانه وَلُزُوم مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة الأولى مَمْنُوع لما تقدم إِن الزائل صفة الْكَمَال وَإِن القَوْل بِأَن الْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه غلط وتشنيع غير صَحِيح وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي الصَّلَاة قَالَ ابو حنيفَة ﵀ من نوى بِقَلْبِه صَلَاة يُصليهَا جَازَت إِن لم يذكرهَا بِاللِّسَانِ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز مَا لم يكن الذّكر اللساني مُقَارنًا للقلبي وَأكْثر النَّاس عاجزون عَن ذَلِك باعترافهم وَالَّذِي يدعى الْمُقَارنَة يَدعِي مَا يردهُ صَرِيح الْعقل وَذَلِكَ أَن اللِّسَان ترجمان مَا يحضر بِالْقَلْبِ والمترجم عَنهُ سَابق قطعا على أَن الْحُرُوف الملفوظ بهَا فِي

стр. 41

النِّيَّة منطبقة إِلَى آخر الزَّمَان وَهِي منقضية منصرمة لَا تتَصَوَّر الْمُقَارنَة بَين أَنْفسهَا فَكيف تتَصَوَّر مقارنتها لما يكون قبلهَا وَإِذا لم تجزىء الصَّلَاة انْتَفَى جُزْء الايمان وَالْكل ينتفى بِانْتِفَاء الْجُزْء كَمَا مر انْتهى ش: فانه لم يقل أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لَا الشَّافِعِي وَلَا غَيره بِاشْتِرَاط التَّلَفُّظ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا النِّيَّة محلهَا الْقلب باتفاقهم إِلَّا أَن بعض الْمُتَأَخر ين أوجب التَّلَفُّظ بهَا وَخرج وَجها فِي مَذْهَب الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ وَهُوَ غلط انْتهى وَهُوَ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع قبله وَلَكِن تنَازع الْعلمَاء هَل يسْتَحبّ التَّلَفُّظ بهَا أَو يُبَاح أَو يكره وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي مُقَارنَة النِّيَّة التَّكْبِير فللعلماء فِيهِ قَولَانِ مشهوران أَحدهمَا لَا يجب وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَغَيرهمَا وَالثَّانِي يجب وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره والمقارنة الْمَشْرُوطَة قد تفسر بِوُقُوع التَّكْبِير عقيب النِّيَّة وَهَذَا مُمكن لَا صعوبة فِيهِ بل عَامَّة النَّاس إِنَّمَا يصلونَ هَكَذَا بل هَذَا أَمر ضَرُورِيّ لَو كلفوا تَركه لعجزوا عَنهُ وتفسر بانبساط أَجزَاء النِّيَّة على أَجزَاء التَّكْبِير بِحَيْثُ يكون أَولهَا مَعَ أَوله وَآخِرهَا مَعَ آخِره وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يَقْتَضِي خلو أول الصَّلَاة عَن النِّيَّة وَقد تفسر بِحُضُور جَمِيع النِّيَّة مَعَ جَمِيع أَجزَاء التَّكْبِير وَقد تنوزع فِي إِمْكَانه فضلا عَن وُجُوبه وَلَو قيل بإمكانه أَن المكبر يَنْبَغِي أَن يتدبر التَّكْبِير ويتصوره فَيكون قلبه مَشْغُولًا بِمَعْنى التَّكْبِير لَا بِمَا يشْغلهُ عَن ذَلِك من استحضار الْمَنوِي وَلِأَن النِّيَّة من الشُّرُوط يتَقَدَّم الْعِبَادَة وَيسْتَمر حكمهَا إِلَى آخرهَا فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يحمل عَلَيْهِ كَلَام الامام الشَّافِعِي ﵁ من اشْتِرَاط الْمُقَارنَة وَهُوَ أَن لَا يكون بَينهَا وَبَين

стр. 42

التَّكْبِير فصل لَا انها تنبسط مَعَ التَّكْبِير مَا شنع بِهِ على الشَّافِعِي ﵀ وانتفى مَا نسبه إِلَيْهِ من الْحَرج قَوْله وَالْكل يَنْتَفِي بانتفائه جزئه كَمَا مر وَقد تقدم التَّنْبِيه على أَنه غلط وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي الصَّلَوَات أَيْضا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ قِرَاءَة الْفَاتِحَة ركن وَكَذَلِكَ كل شدَّة من الشدات الْأَرْبَعَة عشر فَإِن ترك وَاحِدَة مِنْهَا بطلت الصَّلَاة خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ كَانَت أَكثر صَلَاة الْعَالمين بَاطِلَة وَإِذا بطلت الصَّلَاة على الدَّوَام إنتفى جُزْء الْإِيمَان وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزءه كَمَا تقدم انْتهى ش: فَإِن الشَّافِعِي ﵀ لم يقل بِبُطْلَان صَلَاة من أخل بتشديده من الْفَاتِحَة مُطلقًا بل يشْتَرط صِحَة لِسَانه وَهَذَا لَا حرج فِيهِ وَلَا تكون صَلَاة أَكثر الْعَالمين بَاطِلَة عِنْده وَأَيْضًا فَإِن الدَّلِيل مَعَ من شَرط الْفَاتِحَة وَهُوَ مَذْهَب أَكثر أهل الْعلم وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة غَيرهم وَلَيْسَ للشَّافِعِيّ ﵀ بهَا اخْتِصَاص إِنَّمَا شَرط الاتيان بالشدات لتكميل الْفَاتِحَة وَالْقَائِل بالاكتفاء بِآيَة يَقُول لَا بُد أَن يَأْتِي بهَا كلهَا كَمَا نزلت وَلَا يَقُول إِنَّه يَكْتَفِي بِآيَة وَلَو كَانَت قَصِيرَة مَعَ تَخْفيف مَا فِيهَا من التشديدات وَهُوَ يقدر على الْإِتْيَان بِهِ فَلَو قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَة قَصِيرَة وَترك بعض حروفها من غير ضَرُورَة لم يجز صلَاته عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَتَخْفِيف المشدد يلْزم مِنْهُ إِسْقَاط حرف أَو أَكثر واختلال الْمَعْنى فَمن قَرَأَ إهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم من غير تَشْدِيد فقد أخل بِثَلَاثَة أحرف الْألف الْأَخِيرَة من إهدنا وَالْألف وَلَام التَّعْرِيف وَمثله وَلَا الضَّالّين فَتَأَمّله وَقد بنى المُصَنّف كَلَامه فِي هَذِه الْمسَائِل الثَّلَاث الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة على نقل غير مُحَرر وألزم الشَّافِعِي ﵀ مَا لَا يلْزمه وَقد

стр. 43

تكَرر مِنْهُ القَوْل بِأَن الْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه وَهُوَ غلط كَمَا مر وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي الصَّوْم قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا كَانَت نِيَّة الصَّوْم مُقَارنَة لأكْثر النَّهَار جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز مَا لم تكن النِّيَّة من اللَّيْل والحرج فِيهِ مَكْشُوف لَا يقنع فان من أَقَامَ من سَفَره بعد الصُّبْح أَو أَفَاق من الْإِغْمَاء وَنوى الصَّوْم لَا يجوز وَفِي يَوْم الشَّك الْحَرج أَعم وألزم لِأَن النِّيَّة من اللَّيْل عَن الْفَرْض حرَام وَنِيَّة النَّفْل عِنْده لَغْو يعم الْحَرج بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل النَّاس وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من﴾ الْحَج ٧٨ انْتهى ش: فانه لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَوْنِهِ أيسر على وجوب تَقْلِيد قَائِله فِيهِ بل الْعبْرَة للدليل وَهَذَا لَا يشك فِيهِ فَقِيه وَلَو عكس عَلَيْهِ هَذَا التشنيع بِأَن من علم أَن غَدا من رَمَضَان فَلم ينْو الصَّوْم حَتَّى ارْتَفع النَّهَار أَو نوى صَوْم تطوع أَو صوما آخر فَإِنَّهُ يكون تَارِكًا لما وَجب عَلَيْهِ من أَن يقْصد امْتِثَال الْأَمر أَو الصَّوْم الْمَفْرُوض أَو نَحْو ذَلِك وَقد قَالَ ﷺ (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) الحَدِيث فَالْقَوْل بِأَن هَذَا مؤد للْفَرض يُؤجر على صَوْمه هَذَا أجر الْمُؤَدِّي للْفَرض مَعَ كَونه عَاصِيا غير ممتثل لِلْأَمْرِ فِيهِ إِشْكَال بل قَالَ بعض الْأَصْحَاب إِنَّه يخْشَى عَلَيْهِ الْكفْر إِذْ نوى صَوْم غير الْفَرْض فِي غير الْيَوْم الأول من رَمَضَان فان قيل إِن هَذَا يسْقط الْفَرْض من ذمَّته وَيَأْثَم بِتَرْكِهِ نِيَّة الْفَرْض كالمرائي بصومه وَالْجَوَاب إِن الْمرَائِي بصومه إِن أَرَادَ إِسْقَاط الْفَرْض من ذمَّته والرياء فَعَلَيهِ إِثْم الرِّيَاء وَسقط الْفَرْض من ذمَّته لنيته حَتَّى لَو لم يرد إمتثال أَمر ربه بصومه أصلا فالفرض بَاقٍ فِي ذمَّته فَكَانَ هَذَا لَكَانَ أبلغ فِي التشنيع وَلَكِن لَيست هَذِه طَريقَة أهل الْعلم

стр. 44

وَفِي نِيَّة الصَّوْم يَوْم الشَّك يَنْبَغِي أَن لَا يفرق بَين اقترانها بِأَكْثَرَ النَّهَار أَو بأقله لِأَن الشَّهْر قد لَا يثبت إِلَّا بعد نصف النَّهَار فَإِذا نوى الصَّوْم حِينَئِذٍ فقد أَتَى بِمَا وَسعه وَفِي عدم إِجْزَاء النِّيَّة بِالنَّهَارِ وَالْحَالة هَذِه حرج لَا مُطلقًا وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة ترجح الإكتفاء بِالنِّيَّةِ من النَّهَار لَا مُطلقًا وَبِذَلِك تتفق الْأَدِلَّة وَالله أعلم وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي الزَّكَاة قَالَ ابو حنيفَة ﵀ إِذا دفع الزَّكَاة إِلَى وَاحِد من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ التَّوْبَة ٦٠ جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز إِلَّا إِذا دفع إِلَى ثَلَاثَة أنفس من كل وَاحِد من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة وَقد لَا يُوجد ذَلِك فِي بلد الْمُزَكي فيدركه الْمَوْت والذمة مَشْغُولَة بِالْوَاجِبِ وَقد لَا يوفق للْأَدَاء بعده فَيَنْتَفِي جُزْء الْإِيمَان وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه فَإِن نوزع فِي ذَلِك لم يُنَازع فِي لُزُوم الْحَرج الْبَين الْمَدْفُوع بِالنَّصِّ كَمَا تقدم وَالله أعلم وَقَوله الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي الْحَج قَالَ الشَّافِعِي ﵀ الطَّهَارَة شَرط لصِحَّة الطّواف وَمَسّ الْمَرْأَة ينقضها خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ فيهمَا وَعُمُوم الْبلوى فِي الطّواف بِمَسّ النِّسَاء ظَاهِرَة يشكوه كل من حج قَالَ شَيْخي الْعَلامَة شمس الدّين الْأَصْفَهَانِي ﵀ تَوَضَّأت فِي الطّواف زهاء عشر مَرَّات لأَطُوف على

стр. 45

مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ سَبْعَة أَشْوَاط فَلم أقدر على ذَلِك فقلدت أَبَا حنيفَة ﵀ فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لَكَانَ كل من حضر من الشرق والغرب والجنوب وَالشمَال بِلَا حج وَفِي ذَلِك من الْحَرج فِي هَذِه الْملَّة الحنيفية السهلة السمحة الْبَيْضَاء لَا يجوزه أحد أصلا وَإِذا انْتَفَى الْحَج انْتَفَى جُزْء الْإِيمَان وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه انْتهى ش: فَإِن قَول أبي حنيفَة ﵀ فِي جَوَاز دفع الزَّكَاة إِلَى وَاحِد وَعدم انْتِقَاض الطَّهَارَة بلمس النِّسَاء أقوى دَلِيلا وَلَو رجح بِقُوَّة الدَّلِيل لَكَانَ أولى وَقَوله فِي الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَقد لَا يُوجد ذَلِك فِي الْبَلَد يَعْنِي ثَلَاثَة نفر من كل صنف فيدركه الْمَوْت والذمة مَشْغُولَة فَالْجَوَاب إِن الْإِلْزَام سَاقِط فان الشَّافِعِي ﵀ لم يقل بِوُجُوب الصّرْف إِلَى ثَلَاثَة نفر من كل صنف مُطلقًا بل إِلَى من يُوجد مِنْهُم فَانْتفى التشنيع وَلَو اسْتدلَّ على قُوَّة قَول أبي حنيفَة ﵀ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ لَكَانَ أولى من الِاسْتِدْلَال بِأَنَّهُ أيسر على النَّاس بل هُوَ الْوَاجِب فَإِن التَّرْجِيح بِكَوْنِهِ أيسر لَا يرتضى وَلَكِن الِاسْتِدْلَال بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ لَا يُنَاسب غَرَضه بِهَذِهِ الرسَالَة وَكَذَلِكَ رجح فِي الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة والتاسعة فِي الْمَأْكُول والملبوس وَهُوَ تَرْجِيح ضَعِيف بل سَاقِط وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة فِي الْمَأْكُول قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يجوز أكل خبز فِي فرن أوقد فِيهِ الروث وَنَحْوه وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز وَلَوْلَا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لما حل أكل خبز الديار المصرية إِلَّا فَبِي حَال المخمصة ش: يَعْنِي لكَونه يصل إِلَيْهِ دُخان النَّجَاسَة الَّتِي يُوقد بهَا الْخبز فانه قد تقدم أَن القَوْل بِأَن كَون دُخان النَّجَاسَة طَاهِرا غير مُخْتَصّ بِمذهب

стр. 46

أبي حنيفَة ﵀ بل هُوَ أحد قولي مَالك وَأحمد وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر وَغَيرهم وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ فَانْتفى قَوْله وَلَوْلَا مَذْهَب ابي حنيفَة ﵀ لما حل أكل خبز الديار المصرية إِلَّا فِي حَالَة المخمصة على مَا فِي كَلَامه من سوء التَّعْبِير وَأَيْضًا فَإِن الدُّخان لَا يصل إِلَى الْخبز وَإِنَّمَا يحمى التَّنور ثمَّ يوضع فِيهِ الْخبز بعد بطلَان الدُّخان ودخان الفرن يصعد من جِهَة غير جِهَة الْخبز هَذَا الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة فوصول الدُّخان إِلَى الْخبز نَادِر وَلَو وصل إِلَيْهِ لتغير طعمه أَو لَونه أَو رِيحه فَانْتفى التشنيع وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة فِي الملبوس قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يجوز لبس سَائِر الْجُلُود سوى الْخِنْزِير كالسمور والفنك والسنجاب وَنَحْوهَا وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز فعلى هَذَا الِاخْتِلَاف لَا تجوز الصَّلَاة فِيهَا وَإِذ لم تجز الصَّلَاة فِيهَا انْتَفَى جُزْء من الْإِيمَان وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه كَمَا مر غير مرّة انْتهى ش: فَإِن مَا نَقله عَن الشَّافِعِي ﵀ غير مُحَرر فَإِن جُلُود الميتات كلهَا تطهر بالدباغ على القَوْل بِنَجَاسَتِهِ بعد الْمَوْت فَالصَّحِيح من مذْهبه أَنه لَا ينجس بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا خَالف فِي طَهَارَة جلد الْميتَة بالدباغ أَحْمد من الْمَشْهُور عَنهُ وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك أَيْضا وَلَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ أَن صوف الْميتَة ووبرها وشعرها نجس فَعدم لبس السنجاب وَنَحْوه عِنْده النَّجَاسَة صوفه ووبره وشعره لَا لنجاسة جلده فجلد المدبوغ طَاهِر عِنْد الشَّافِعِي ﵀ دون صوفه وَنَحْوه وَأحمد عكس ذَلِك فِي الْمَشْهُور

стр. 47

فاستثنى صوف مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه وشعره وَنَحْوه وَكَذَلِكَ مَالك ايضا وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ بِطَهَارَة ذَلِك كُله سوى الْخِنْزِير والآدمي على خلاف فِيهِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَرْجِيح مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِالدَّلِيلِ فَإِنَّهُ رَاجِح لَا بِكَوْنِهِ أيسر وَلَا بالتشنيع على مُخَالفَة بِمَا لَا يَصح وَمِنْهَا قَوْله م: فِي الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَيْضا وَكَذَلِكَ الرّكُوب على سرج مَذْهَب أَو مفضض وَالْجُلُوس على مقْعد حَرِير وَهُوَ منَاف لقَوْله ﵊ (أتيتكم بالحنفية السهلة السمحة الْبَيْضَاء) انْتهى ش: فَإِن الدَّلِيل مَعَ من منع من ذَلِك إِلَّا باليسير من الْفضة فِي غير مَوضِع الرّكُوب من السرج وَقد ورد النَّهْي عَن الْجُلُوس على الْحَرِير نصا فِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وان نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَليّ ﵁ قَالَ نهاني رَسُول الله ﷺ عَن الْجُلُوس على المياثر والمياثر شَيْء كَانَت تَصنعهُ النِّسَاء لبعولتهم على الرحل كالقطائف من الأرجوان وَلَا يَصح مُعَارضَة دَلِيل التَّحْرِيم بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكره وَلَا ينفى الْحَرج وَإِنَّمَا يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى وَالرُّكُوب على السرج الْمَذْهَب والمفضض وَالْجُلُوس على المقعد الْحَرِير لَيْسَ كَذَلِك بل أَهله فِي النَّاس قَلِيلُونَ وَلَيْسَ لَهُم إِلَيْهِ ضَرُورَة فَإِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ للتكبر وَالْفَخْر والرفاهية وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة استمالة وُجُوه أهل الدولة إِلَى التعصب مَعَه لنصرة الْمَذْهَب لِأَنَّهُ لم يسْتَدلّ فِي هَذِه الْمسَائِل السِّتَّة عشرَة من السّنة

стр. 48

بِغَيْر هَذَا الحَدِيث وَالْكَلَام فِي ثُبُوته فان مَعْنَاهُ صَحِيح وَلَكِن هَل ورد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ هَذَا اللَّفْظ أم ذكره لم أره مَعَ أَنِّي تتبعته من مظانه فَلم أَقف عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ظَفرت بِمَا ذكره الْخَطِيب عَن سَالم ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزبير عَن جَابر مَرْفُوعا قَالَ (بعثت بالحنفية السمحة أَو السهلة وَمن خَالف سنتي فَلَيْسَ مني) وَمِنْهَا قَوْله م فِي الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ من حمل سِلَاحا غلافه بلغاري أَو علق فِي خياصته كيسا بلغاريا جَازَت صلَاته وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز وَإِذا لم يجز انْتَفَى جُزْء الْإِيمَان على مَا تقدم انْتهى ش: فَإِن هَذَا النَّقْل الَّذِي نَقله عَن الشَّافِعِي غلط غالط فَإِنَّهُ ظن أَن الشَّافِعِي ﵀ يَقُول إِن جلد الْميتَة لَا يطهر بالدباغ وَلَيْسَ كَذَلِك بل لم يسْتَثْن من جُلُود الْميتَة إِلَّا جلد الْخِنْزِير وَالْكَلب كَمَا تقدم

стр. 49

النَّقْل عَنهُ وَلَيْسَ من البلغار من جُلُود الْكلاب وَلَا الْخَنَازِير فَهُوَ ظَاهر عِنْده وَإِنَّمَا يُخَالف فِي ذَلِك مَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن كل مِنْهُمَا وَقَوله وَإِذا لم يجز انْتَفَى جُزْء الْإِيمَان على مَا تقدم كم قد كرر هَذَا التشنيع وَهُوَ سَاقِط كَمَا تقدم وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشر فِي النِّكَاح قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ ينْعَقد نِكَاح الْمُسلمين بِحُضُور شَاهِدين فاسقين وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا ينْعَقد إِلَّا بِحُضُور شَاهِدين عَدْلَيْنِ أَو مستورين فِي رِوَايَة فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة لم ينْعَقد نِكَاح الْمُسلمين بالشهود الجالسين فِي الدكاكين لأَنهم يشركُونَ شركَة الصَّنَائِع ويتناولون الْأُجْرَة بهَا وَذَلِكَ الْإِصْرَار على أكل الْحَرَام كَبِيرَة وتعاطي الْكَبِيرَة فسق ظَاهرا أَو بَاطِنا وحالهم فِي ذَلِك وَاضح لَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة فضلا عَن الدَّلِيل لما مر من انْتِفَاء اقتران الذّكر اللساني بالقلبي وَذَلِكَ مفض إِلَى انْتِفَاء الصَّلَاة الَّتِي هِيَ جُزْء الْإِيمَان على مَا تقدم انْتهى ش: فانه إِن كَانَ مُرَاده أَن مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ ايسر من مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ فَيكون تَقْلِيده وَاجِبا كَمَا قَالَ أَولا فمذهب مَالك ﵀ أيسر من مَذْهَب أبي حنيفَة فلي هَذَا فَإِنَّهُ شَرط الإعلان لَا الْإِشْهَاد وَكَأَنَّهُ لم يبن الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على الْيُسْر وَحده وَإِنَّمَا بناه على أَن الْعَدَالَة لَا تُوجد الْيَوْم مُطلقًا على مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ لِأَنَّهُ يشْتَرط اقتران الذّكر اللساني بالقلبي فِي أول الصَّلَاة يَعْنِي ذكر النِّيَّة بِاللِّسَانِ وَالْقلب كَمَا تقدم من نَقله عَنهُ وَلَا أصل لَهُ وان ذَلِك محَال وانه يلْزم مِنْهُ أَنه لَا يَصح صلَاتهم بِنَفْي إِيمَانهم لانتفى جزئه كَمَا تقدم وكل مُرَتّب على مَا يخيله من مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ وَلَيْسَ بِصَحِيح عَنهُ أَو أَن

стр. 50

الْعَدَالَة منتفية عَن الشُّهُود الجالسين فِي الدكاكين لما ذكره من شركَة الصَّنَائِع وَهَذَا القادح غير صَحِيح فان شركَة الصَّنَائِع جَائِزَة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀ فَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يطعن فِي الشُّهُود بِهَذَا المطعن الَّذِي يَقُول هُوَ بِصِحَّتِهِ إِلَّا أَن يُرِيد بذلك الْإِلْزَام للشَّافِعِيّ ﵀ وَلَا يَصح قَوْله على هَذَا التَّقْدِير أَيْضا لِأَن شركَة الصَّنَائِع مُخْتَلف فِي صِحَّتهَا فَلَا يكون مرتكبها فَاسِقًا إتفاقا ثمَّ إِنَّه طعن فيهم طَعنا مُبْهما وَنفى عَنْهُم الْعَدَالَة نفيا عَاما وَهَذَا مَحْذُور فَالْقَوْل بِأَنَّهُم كلهم فسقة قَول بِلَا علم فانه لَا يعرفهُمْ كلهم قطعا وَإِن كَانَ قد اطلع على فسق بَعضهم فَمثل هَذَا لَا يجْرِي فِيهِ الْقيَاس وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله آمن من النَّاس دينه وَعرضه وَمَاله) وَقَالَ ﷺ (إِذا قَالَ الرجل هلك النَّاس فَهُوَ أهلكهم) وَإِطْلَاق هَذَا الْكَلَام من التنكير والتنطع وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم وَلَو قَالَ انهم يتساهلون فِي الشَّهَادَة أَو نَحْو هَذِه الْعبارَة لَكَانَ أسهل وَلَا شكّ فِي كَثْرَة الدخيل بَينهم وَلِهَذَا كَانَت الْعَادة فِي الشَّام أَن الشُّهُود المرتزقة بِالشَّهَادَةِ لَا يشْهدُونَ فِي اجتهاديات

стр. 51

يدخلهَا التَّأْوِيل والتهم بالجعل تسهل الشَّهَادَة بِغَيْر تحرز بِخِلَاف الحسيات فان الزِّيَادَة فِيهَا صَرِيح لَا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا من يقدم على صَرِيح الزُّور وَهَؤُلَاء أقل من غَيرهم وَقل أَن يسْتَقرّ وَاحِد من هَؤُلَاءِ بل يشْتَهر وَيعرف بَين النَّاس غَالِبا وَقَوله لَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة فضلا عَن الدَّلِيل يفهم مِنْهُ أَنه يرى أَن الدَّلِيل أقوى من الْبَيِّنَة وَهُوَ غير صَحِيح بل النِّيَّة فَوق الدَّلِيل وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر أَيْضا فِي النِّكَاح قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ الْحَامِل لَا تحيض وَأكْثر مُدَّة الْحمل سنتَانِ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ تحيض وَأكْثر مُدَّة الْحمل أَربع سِنِين وَيلْزم من ذَلِك أَن ذَات الإقراء إِذا طلقت لَا تَنْقَضِي عدتهَا إِلَى أَربع سِنِين لجَوَاز أَن تكون حَامِلا فَلَا يكون الْحيض دَالا على بَرَاءَة الرَّحِم حَتَّى يَنْقَضِي أَربع سِنِين على أَنه مُخَالف لقَوْله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ الْبَقَرَة ٢٢٨ إِلَى غير ذَلِك من الْفساد مَا لَا يخفى انْتهى ش: فان هَذَا غير مُخْتَصّ بالشافعي ﵀ بل هُوَ مَذْهَب مَالك قبله وَرِوَايَة عَن أَحْمد ﵀ وَقَول أبي حنيفَة ﵀ انه دم فَسَاد حكمه حكم الْحَدث الدَّائِم غير مُخْتَصّ بِهِ ايضا بل هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَحْمد ﵀ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵀ الْقَدِيم وَإِنَّمَا يلْزم الشَّافِعِي مَا ألزمهُ بِهِ أَن لَو قَالَ إِن الْحَامِل لَا يعلم كَونهَا حَامِلا إِلَّا بِالْوَضْعِ أما إِذا قَالَ إِن الْحَامِل يعلم كَونهَا حَامِلا فِي مُدَّة حملهَا وَإِذا علم أَنَّهَا حَامِل لَا يحْتَسب تِلْكَ الاقراء من الْعدة فَلَا إِشْكَال فقيده أَن مَا ترَاهُ الْحَامِل فِي مُدَّة حملهَا فِي وقته الْمُعْتَبر حيض يسْتَثْنى مِنْهُ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَنه لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَالثَّانِي أَنه لَا يحرم الطَّلَاق فِيهِ فَهُوَ عِنْده حيض إِلَّا فِي هذَيْن الشَّيْئَيْنِ وَالْكَلَام فِي مسَائِل الْعلم يجب أَن يكون بِالتَّأَمُّلِ لَا بالتشنيع وَإِلَّا فالإشكال وَارِد على من قَالَ إِن مَا ترَاهُ الْحَامِل من الدَّم يكون حيضا

стр. 52

وعَلى من قَالَ إِنَّه لَا يكون حيضا إِلَّا أَن يُقَال إِن الْعلم يعلم بغالب الظَّن وغالب الظَّن كالمتحقق بل يُسمى علما كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (فَإِن علمتموهن مؤمنات) الممتحنة ١٠ وَالْحَامِل يعلم حَال كَونهَا حَامِلا فِي مُدَّة حملهَا وَكم قد ترَتّب على ذَلِك من حكم وَبَيَان الأشكال فَإِنَّهُ لَو فرض أَن امْرَأَة استمرت ترى الدَّم فِي مُدَّة حملهَا فِي وقته الْمُعْتَبر فَسَوَاء قُلْنَا أَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لَو تزوجت بعد ثَلَاثَة قُرُوء من هَذَا الدَّم أَن العقد صَحِيح ثمَّ لَو وضعت لأَقل من سِتَّة أشهر من العقد فَبين أَنَّهَا كَانَت حَامِلا حَالَة العقد مَعَ وجود ذَلِك الدَّم الَّذِي صورته صُورَة الْحيض فَإِن قيل إِن مثل هَذَا لَا يَقع كَانَ هَذَا إنكارا لتصوير الْمَسْأَلَة لَا إنكارا للْحكم فِيهَا وكل من الْفَرِيقَيْنِ قد صورها وَلَكِن حكم أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَن حكم ذَلِك حكم الْحيض وَحكم الْفَرِيق الآخر بِأَن حكمه يكون حكم الإستحاضة فَظهر أَن هَذَا التشنيع إِنَّمَا هُوَ على من يَقُول إِن الْحَامِل لَا تعلم قبل الْوَضع سَوَاء قَالَ إِن ذَلِك الدَّم حيض أَو اسْتِحَاضَة وَأما من قَالَ إِن الْحمل يُمكن الْعلم بِهِ فَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ سَوَاء قَالَ إِن مَا ترَاهُ الْحَامِل حيض أَو اسْتِحَاضَة لِأَنَّهُ إِذا علمت الْحَامِل من الْحَائِل بعد جعل الشَّرْع اسْتِبْرَاء الْحَائِل بِحَيْضَة وَلم يَجْعَل اسْتِبْرَاء الْحَامِل بِحَيْضَة بل بِوَضْع الْحمل فَيكون الْحيض دَلِيلا على فرَاغ الرَّحِم ظَاهرا لَا قطعا لِأَنَّهُ لَو كَانَ قَطْعِيا لما تخلف وَالْمَسْأَلَة متجاذبة وَلم يثبت فِي أَكثر مُدَّة الْحمل فِي نَص عَن الشَّارِع وَمَا اسْتندَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة ﵀ فِي تَقْدِيره سنيتين من الْإِبْرَاء الْمَنْسُوب إِلَى عَائِشَة ﵂ لم يثبت وَلِهَذَا لم يقدر أَكثر مُدَّة الْحمل جمَاعَة من السّلف

стр. 53

وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشر فِي الْمُعَامَلَات يثبت الْمُعَامَلَات بِشَهَادَة مَسْتُور الْحَال عِنْد أبي حنيفَة ﵀ خلافًا للشَّافِعِيّ فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة لضاعت أَمْوَال النَّاس وحقوقهم انْتهى ش: فَإِن هَذَا كَلَام لم يحرر تَصْوِير الْمَسْأَلَة فضلا عَن الحكم فِيهَا فَإِن الْعَدَالَة شَرط فِي أَنْوَاع الشَّهَادَات كلهَا بالإتفاق إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة ﵀ يَكْتَفِي بظاهرها فِي الْمُسلم وَيَقُول الأَصْل فِي الْمُسلم الْعَدَالَة وَلَا يسْأَل الْحَاكِم عَنْهَا إِلَّا أَن يطعن الْخصم وَخَالفهُ فِي ذَلِك صَاحِبَاه وَقيل إِن هَذَا اخْتِلَاف عصر وزمان وَالْفَتْوَى على قَوْلهمَا فِي هَذَا الزَّمَان نَص على هَذَا صَاحب الْهِدَايَة وَغَيره وَقَول الصاحبين هُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَإِذا كَانَ الْعَمَل فِي مَذْهَب أبي حنيفَة على قَول الصاحبين لم تبْق الْمَسْأَلَة من مسَائِل النزاع وَإِن كَانَ مُرَاده أَن الْحَاكِم لَو حكم بِشَهَادَة المستور لنفذ حكمه فَهِيَ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشر وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه على مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِن كَانَ مُرَاده القَوْل المستور مَقْبُول فِي الْمُعَامَلَات عِنْد عدم الْمعَارض فَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ وَالله أعلم بل قَول الْفَاسِق مَقْبُول فِي مثل هَذَا بل قَول الْكَافِر وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة فِي البيع قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ وَيجوز بيع المعاطاة وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز وَعَامة النَّاس فِي عَامَّة الْبلدَانِ يبيعون ويشترون بِلَا إِيجَاب وَقبُول فِي النفيس والخسيس فَلَا يثبت لَهُم الْملك فِي المُشْتَرِي فَلَا يجوز الإنتفاع بِهِ وَالِانْتِفَاع بِهِ مصرا عَلَيْهِ فسق لَا محَالة وَفِيه سعي لإِزَالَة الْعَدَالَة من بَين أظهر الْمُسلمين فِي الْأَغْلَب انْتهى ش: فَإِن مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ فِيهَا فِي غَايَة الْقُوَّة وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد وَمَال إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فَلَيْسَتْ هِيَ من مُفْرَدَات أبي حنيفَة رَحمَه الله

стр. 54

وَإِطْلَاق النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة يدل على جَوَاز بيع بالتعاطي فِي النفيس والخسيس وَلَكِن فِي قَول المُصَنّف أَن عَامَّة النَّاس فِي عَامَّة الْبلدَانِ يتباعدان ويشترون معاطاة بِلَا إِيجَاب وَقبُول فِي الخسيس والنفيس نظر فان أَكثر النَّاس يخصون الْأَشْيَاء النفيسة بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول وَلَكِن النُّصُوص مُطلقَة فَمَتَى وجد الرِّضَا يثبت العقد وَإِن لم يُوجد الْإِيجَاب وَالْقَبُول بِاللَّفْظِ وَلَكِن لَا يَقُول الشَّافِعِي إِن من بَاشر بيع المعاطاة يفسق وَلَا أَن ذَلِك يُنَافِي الْعَدَالَة وَلَا يلْزم القَوْل بذلك كَمَا نسبه إِلَيْهِ المُصَنّف فان هَذَا العقد مُخْتَلف فِي بُطْلَانه بَين الْعلمَاء والقائلون بِصِحَّتِهِ هم الْأَكْثَرُونَ فَلَا يكون مرتكبه فَاسِقًا وَلَا يقْدَح ذَلِك عَدَالَته وَقَوله فالإنتفاع بِهِ مصرا عَلَيْهِ عبارَة فَاسِدَة فَإِن صَاحب الْحَال الَّتِي هِيَ قَوْله مصرا عَلَيْهِ غير مَذْكُور وَحذف صَاحب الْحَال لَا يجوز وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشر فِي الْقَضَاء قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا حكم الْحَاكِم بِالشَّاهِدِ المستور نفذ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا ينفذ فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ بطلت المحاكمات فِي عصرنا انْتهى ش: فَإِن الْمُفْتِي بِهِ الْيَوْم عِنْد الْحَنَفِيَّة هُوَ قَول الصاحبين وَهُوَ أَنه لَا يجوز للْقَاضِي أَن يَكْتَفِي بِمُجَرَّد إِسْلَام الشَّاهِد بل لَا بُد من ثُبُوت عَدَالَته عِنْده للنصوص الْوَارِدَة من الْكتاب وَالسّنة من إشتراط صفة الْعَدَالَة فِي الشَّاهِد إِذْ لَيْسَ كل مُسلم عدلا فَلَو قضى القَاضِي بِشَهَادَة من لم يعرف عَدَالَته يكون آثِما لعدم اسْتِيفَائه الشَّرَائِط خُصُوصا إِذا طعن الْخصم فِي عَدَالَة الشُّهُود وَلَا يُمكن الْوُقُوف على حَقِيقَة الْعَدَالَة لِأَن ذَلِك لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى بل يَكْتَفِي بِغَلَبَة الظَّن وَذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِي معرفَة إِسْلَامه وَالظَّن الْغَالِب يُسمى علما قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن﴾

стр. 55

مؤمنات) الممتحنة ١٠ وَكَونه لَو حكم بِشَهَادَة المستور ينفذ حكمه وَإِن كَانَ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على الحكم بهَا فمذهب أبي حنيفَة ﵀ أبلغ من ذَلِك وَهُوَ أَنه لَو حكم بِشَهَادَة الْفَاسِق لنفذ حكمه وَيكون آثِما وَلَا يَنْبَغِي نصر الْمَذْهَب بِمثل هَذِه الْمَسْأَلَة والتشنيع على الْمُخَالف فِيهَا لِئَلَّا يعكس التشنيع وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشر فِي الْإِمَامَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا وَقع من السطان كَبِيرَة أَو أصر على صَغِيرَة لم يَنْعَزِل وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ يَنْعَزِل وَفَسَاد ذَلِك لَا يخفى والتنبيه عَلَيْهِ يُورث تُهْمَة الْإِسْلَام وأمثال ذَلِك من الْمسَائِل كَثِيره يطول ذكرهَا فلنقصر على هَذَا فَمن لَا يستضيء بمصباح لم يستضىء بالصباح فَانْظُر أَيهَا الرفيق الشفيق هَل كَانَ حَال هَذَا الإِمَام مصداقا لقَوْل الشَّافِعِي ﵀ النَّاس عِيَال أبي حنيفَة فِي الْفِقْه اولا لَا أخالك إِلَّا أَن تصدق إِن لم تكن مِمَّن قيل فِيهِ (إِذا لم يكن للمرء عين صَحِيحَة ... فَلَا غرو أَن يرتاب وَالصُّبْح مُسْفِر) وَلَعَلَّ الَّذين يَغُضُّونَ من أبي حنيفَة ﵀ ويغضون من مِقْدَاره ويريدون أَن يخفضوا مَا رفع الله من مناره منابذة للحق الأبلج وزيغ عَن سَوَاء الْمنْهَج لَا يتعدون عَن جَزَاء سنمار حِين بنى الخوانق للنعمان حَيْثُ وضع الصُّور والمباني وأوضح طرق الْأَسْبَاب والمعاني فَأخذُوا بمذهبه فِي الْإِيمَان والطاعات والأركان من الْعِبَادَات وَفِي الْمَأْكُول والملبوس والمعاملات وَفِي الْأَنْكِحَة وَالْقَضَاء والخلافة والشهادات فَلم يَنْتَقِلُوا عَن مذْهبه فِي ذَلِك اينما وجهوا وَلم يفارقوا اقواله حَيْثُمَا سِيرُوا ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك يجحدون فَضله ويدفعون خصله ويذهبون عَن توقيره وإكرامه ويتركون مَا يجب من تَعْظِيمه واحترامه فَهُوَ مَعَهم فِي ذَلِك عَن الْمثل السائر الشّعير يُؤْكَل ويذم ولعمري إِن ذَلِك سَبَب للثَّواب بعد مماته مُضَافا إِلَى مَا لَهُ مِنْهُ من حَال حَيَاته ادخله الله فِي رضوانه وَأَسْكَنَهُ بحبوحة جنانه إِنَّه أغْنى مأمول وَأكْرم مسؤول إنتهى كَلَام المُصَنّف ش: فَقَوله يُورث تُهْمَة الْإِسْلَام فان الْغَزالِيّ ﵀ ذكر فِي الْبَسِيط أَن الْفسق لَا يَنْعَزِل بِهِ الإِمَام الْأَعْظَم إِذْ فِيهِ خطر عَظِيم وَصَرفه

стр. 56

يجر فَسَادًا وَفِي الْحَاوِي لَا يَنْعَزِل الإِمَام بِالْفِسْقِ لخوف الْفِتَن فيبدل حَيْثُ لَا فتْنَة إنتهى وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ أَبُو حنيفَة ﵀ وَالله أعلم فانه إِنَّمَا قَالَ لَا يَنْعَزِل لِأَن لَا يَقع الْفِتْنَة وَالْقَائِل من أهل السّنة بِأَنَّهُ يَنْعَزِل بارتكاب الْكَبِيرَة مُرَاده عِنْد أَمن الْفِتْنَة أما عِنْد خوف الْفِتْنَة فَلَا فَإِنَّمَا قَالَ يجوز الْخُرُوج على الْأَئِمَّة إِذْ فسقوا الْخَوَارِج والمعتزلة والرافضة وَأما أهل السّنة فمتفقون على أَنه لَا يجوز الْخُرُوج على الْأَئِمَّة بِسَبَب ارْتِكَاب الْكَبِيرَة إِذا كَانَ الْفساد الْمُرَتّب على الْخُرُوج عَلَيْهِم أعظم من الْفساد الْمُرَتّب على إرتكابهم الْكَبِيرَة فَبَطل تشنيعه على الشَّافِعِي ﵀ وَالله أعلم وَمِنْهَا قَوْله م: وَأما الخاتمة فَفِي التَّعْرِيض بالغرض فِي هَذِه الرسَالَة أَيهَا الْملك أيدك الله وخلد ملكك وأيد دولتك وَنصر أنصارك وخذل أعداءك وَنور بصيرتك أَن تنظر بفكرك الصائب وذهنك الثاقب وخاطرك الْيَقظَان وانتباهك عَجِيب الشَّأْن إِن مثل هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي هُوَ المفند فِي أصُول الشَّرَائِع وفروعها على مَا مر تقريرها فِي الْمسَائِل الْمَذْكُورَة وَعَلِيهِ عَامَّة عُلَمَاء الْعَالم وسلاطينه بِالْهِنْدِ والسند وخراسان وتركستان وَالْعراق ودست قبحاق وبلاد يونان وأذ ربيجان وأمرائهم وغالب أُمَرَاء الديار المصرية فِي الْحَال والماضي مُدَّة دولة التَّرِكَة الَّذين هم بَين أُمَرَاء الْعَالم فِي المواكب كَالْقَمَرِ وَالشَّمْس بَين الْكَوَاكِب هَل يجب تَقْلِيده أَو لَا فان لم تَرَ ذَلِك وَاجِبا لم أتخيل من الْعقل الرجيح والفكر الصَّحِيح أَن لَا تعتقد أَنه أفضل من غَيره وَالله الْمُوفق والمعين والإعتصام بحبله المتين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل

стр. 57

قَالَ فِي الْأُم وَكتب فِي آخِره أَلفه الْفَقِير إِلَى الله الْخَفي مُحَمَّد بن مَحْمُود بن أَحْمد الْحَنَفِيّ غفر الله لَهُم وعاملهم بِلُطْفِهِ الْخَفي سنة سِتّ وَسبعين وَسبع وَمِائَة حامدا ومصليا على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَسلم انْتهى ش: فَإِن هَذَا الْغَرَض الَّذِي عرض بِذكرِهِ بل صرح بِهِ من غَرَض أهل الْأَهْوَاء وَمن فعل أهل الْجَاهِلِيَّة فانه قد غضب لعصبية ودعا إِلَيْهَا وَهَذَا من أَسبَاب التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَقد تقدم ذكر قَوْله ﷺ (لَيْسَ منا من دَعَا إِلَى عصبية وَلَيْسَ منا من قَالَ بعصبية وَلَيْسَ منا من مَاتَ على عصبية) وَفِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ) رَوَاهُ أَبُو حَاتِم فِي صَحِيحه وَذكره النَّوَوِيّ فِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَقَالَ روينَاهُ فِي كتاب الْحجَّة بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ ابو يُوسُف وَالْحسن بن زِيَاد كِلَاهُمَا عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ علمنَا هَذَا رَأْي وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ وَمن جَاءَنَا بِأَحْسَن مِنْهُ قبلناه مِنْهُ وَقَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم حَدثنَا أَشهب بن عبد الْعَزِيز قَالَ كنت عِنْد مَالك فَسئلَ

стр. 58

عَن الْبَتَّةَ فَأخذت الواحي لأكتب مَا قَالَ فَقَالَ لي مَالك لَا تفعل فَعَسَى فِي الْعشي أَقُول أَنَّهَا وَاحِدَة وَقَالَ معز بن عِيسَى الْقَزاز سَمِعت مَالِكًا يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر أخطىء وَأُصِيب فانظروا فِي قولي فَكل مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة فَخُذُوا بِهِ وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة فاتركوه وَقَالَ بشر بن الْوَلِيد قَالَ أَبُو يُوسُف لَا يحل لأحد أَن يَقُول مقالتنا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَا وَصَحَّ عَن الشَّافِعِي ﵀ أَنه قَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَعنهُ فاضربوا بِقَوْلِي الْحَائِط وَتقدم عَن عَليّ ﵁ أَنه كَانَ إِذا أرسل إِلَيْهِ بعض نوابه يسْأَله عَن قَضِيَّة من قضايا الْجد مَعَ الْأُخوة يَأْمر فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ وَيَقُول قطع الْكتاب لِئَلَّا يقلده غَيره بعده من غير اجْتِهَاد ونظائره من كَلَام الْأَئِمَّة كَثِيرَة وَهَذِه كَانَت طَريقَة السّلف ﵏ وَأما المتعصبون فعكسوا الْقَضِيَّة والتعصب على نَوْعَيْنِ فَمن تعصب لوَاحِد معِين غير النَّبِي ﷺ كمالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَرَأى أَن قَول هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعه دون قَول الْأَئِمَّة البَاقِينَ فَهُوَ جَاهِل ضال وَإِن اعْتقد أَنه يجب على النَّاس اتِّبَاعه دون غَيره من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فانه يخْشَى عَلَيْهِ

стр. 59

فَإِن الْأمة قد اجْتمعت على أَنه لَا يجب طَاعَة أحد فِي كل شَيْء إِلَّا رَسُول الله ﷺ بل غَايَة مَا يُقَال إِنَّه يسوغ أَو يَنْبَغِي أَو يجب على الْعَاميّ أَن يُقَلّد وَاحِدًا من الْأَئِمَّة من غير تعْيين زيد أَو عَمْرو وَأما أَن يَقُول قَائِل إِنَّه يجب على الْأمة تَقْلِيد فلَان دون غَيره فَهَذَا هُوَ الْمَحْذُور فَمن تعصب لوَاحِد من الْأَئِمَّة دون البَاقِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من تعصب لوَاحِد من الصَّحَابَة دون البَاقِينَ كالرافضي الَّذِي تعصب لعَلي ﵁ دون الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة فَهَذِهِ طرق أهل الْهوى نسْأَل الله السَّلامَة والعافية وَهَذَا رفض وتشنيع لكنه تشنيع فِي بعض الطوائف وَالْعُلَمَاء لَا فِي تَفْضِيل بعض الصَّحَابَة وَالْوَاجِب على كل مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أَن يكون أصل قَصده تَوْحِيد الله بِعِبَادَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله وَيعلم أَن أفضل النَّاس بعد الرَّسُول هم الصَّحَابَة فَلَا ينتصر لشخص إنتصارا عَاما مُطلقًا إِلَّا لرَسُوله ﷺ وَلَا لطائفة انتصارا عَاما مُطلقًا إِلَّا للصحابة فَإِن الْهدى يَدُور مَعَ الرَّسُول وَمَعَ أَصْحَابه دون أَصْحَاب غَيره فَإِذا اجْمَعُوا لم يجمعوا على خطأ فان الدّين الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله لَيْسَ مُسلما إِلَى عَالم وَاحِد وَأَصْحَابه وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ ذَلِك الشَّخْص نظيرا لرَسُول الله ﷺ وَهُوَ شَبيه بقول الرافضة وأئمة الاسلام أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم ﵃ كل مِنْهُم ذهب إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ عَن اجْتِهَاد وَإِمَّا أَن يُقَال الْمُجْتَهد تَارَة يخطىء وَتارَة يُصِيب وَهَذَا هُوَ الْحق فَمَا اخْتلفُوا فِيهِ على قَوْلَيْنِ أَو أَكثر فأحدهم مُصِيب وَهُوَ صَاحب الأجرين وَمن خَالفه مخطىء وَله أجر على اجْتِهَاده وَخَطأَهُ مغْفُور وَهَذَا فِي كل مَسْأَلَة حصل فِيهَا اخْتِلَاف

стр. 60

وَلَيْسَ الصَّوَاب وَقفا على أحدهم بِعَيْنِه وَالْخَطَأ وَقفا على البَاقِينَ وَمن اعْتقد هَذَا فَليُرَاجع عقله فان هَذِه غَفلَة عَظِيمَة وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَمَا من إِمَام إِلَّا وَقد فَاتَهُ الصَّوَاب وَلَو فِي مَسْأَلَة لِأَنَّهُ غير مَعْصُوم وَمَا يُؤمن من قَلّدهُ فِي مَسْأَلَة قد خَالفه فِيهَا غَيره فَحكم بهَا وَأفْتى أَن تكون تِلْكَ الْمَسْأَلَة هِيَ الَّتِي أَخطَأ فِيهَا إِمَامه فَعَلَيهِ أَن يعرضهَا على الدَّلِيل وَلَا يقْتَصر على مَا قَالَه أَصْحَابه فِي الْكَلَام عَلَيْهَا لاحْتِمَال أَن يكون عِنْد من خَالفه من الدَّلِيل مَا لَيْسَ عِنْدهم لأَنا قد أمرنَا أَن نرد مَا تنازعنا فِيهِ إِلَى الله وَالرَّسُول والإخلال بِهَذَا الْوَاجِب هُوَ الَّذِي أوجب الِافْتِرَاق المذموم وَهَذِه كَانَت طَريقَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم أهل الْقُرُون الثَّلَاثَة المفضلة أَعنِي رد الْمُتَنَازع فِيهِ إِلَى الله وَالرَّسُول وَلم يكن فيهم من يَأْخُذ يَقُول وَاحِد معِين مِنْهُم دون غَيره غير ر سَوَّلَ الله ﷺ وَهِي طَريقَة التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين قَالَ الله فِي الْقُرْآن ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ التَّوْبَة ١٦ وَلَا وليجة أعظم مِمَّن جعل رجلا بِعَيْنِه مُخْتَارًا على كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله ﷺ وَكَلَام سَائِر الْأمة يقدمهُ على ذَلِك كُله ويعرض كتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع الْأمة على قَوْله فَمَا وَافقه مِنْهَا قبله لموافقته لقَوْله وَمَا خَالفه مِنْهَا تلطف فِي رده وتطلب لَهُ وُجُوه الْحِيَل وَقد ذمّ الله تَعَالَى أهل الْكتاب على هَذَا الْوَصْف فَقَالَ ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم﴾ التَّوْبَة ٣١ روى عَن حُذَيْفَة ﵀ وَغَيره أَنه قَالَ لم يعبدوهم من دون الله وَلَكنهُمْ

стр. 61

أحلُّوا لَهُم وحرموا عَلَيْهِم فاتبعوهم وَهَذَا الْمَعْنى قَالَه رَسُول الله ﷺ لعدي بن حَاتِم وَحَدِيثه فِي الْمسند وَالتِّرْمِذِيّ مطولا وهم قصدُوا تَعْظِيم الْمَسِيح وَأَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ بِجَهْل فأشركوا بهم وأعرضوا عَن اتباعهم فِيمَا أمروهم بِهِ وَنَهَوْهُمْ عَنهُ وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا وَكَذَلِكَ الغلاة فِي بعض الصَّحَابَة أَو الْأَئِمَّة أَو الْمَشَايِخ يقصدون تعظيمهم لَكِن بِجَهْل فانهم ينزلونهم منزلَة الرَّسُول وَإِن لم يسموهم رسلًا وَلَكنهُمْ يعاملونهم مُعَاملَة الرَّسُول بل قد يُفْضِي بهم إِلَى إنزالهم منزلَة الربوبية وهم لَا يَشْعُرُونَ لجلهلم والمحبة مَعَ التَّعْظِيم هِيَ الْعباد ة قَالَ ﷺ (تعس عبد الدِّينَار تعس عبد الدِّرْهَم) الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر ﵀ يُقَال لمن قَالَ بالتقليد لم قلت بِهِ وخالفت السّلف فِي ذَلِك فَإِنَّهُم لم يقلدوا فَإِن قَالَ قلدت لِأَن كتاب الله لَا علم لي بتأويله وَسنة رَسُول الله لم أحصها وَالَّذِي قلدته قد علم ذَلِك فقلدت من هُوَ أعلم مني

стр. 62

قيل لَهُ أما الْعلمَاء إِذا أَجمعُوا على شَيْء من تَأْوِيل الْكتاب أَو حِكَايَة سنة عَن رَسُول الله ﷺ أَو اجْتمع رَأْيهمْ على شَيْء فَهُوَ الْحق لَا شكّ فِيهِ وَلَكِن قد اخْتلفُوا فِيمَا قلدت فِيهِ بَعضهم دون بعض فَمَا حجتك فِيمَا قلدت فِيهِ بَعضهم دون بعض وَكلهمْ عَالم وَلَعَلَّ الَّذِي رغبت عَن قَوْله أعلم من الَّذِي ذهبت إِلَى مذْهبه فَإِن قَالَ قلدته لأبي أعلم أَنه صَوَاب قيل لَهُ علمت ذَلِك بِدَلِيل من كتاب الله أَو سنة رَسُوله أَو اجماع فَإِن قَالَ نعم أبطل التَّقْلِيد وطولب بِمَا ادَّعَاهُ من الدَّلِيل وَإِن قَالَ قلدته لِأَنَّهُ أعلم مني قيل لَهُ فقلد كل من هُوَ أعلم مِنْك فَإنَّك تَجِد من ذَلِك خلقا كثيرا وَلَا تخص من قلدته إِذْ علتك فِيهِ أنأنه أَنه أعلم مِنْك فَإِن قَالَ قلدته لِأَنَّهُ أعلم النَّاس قيل لَهُ فَهُوَ إِذا أعلم من الصَّحَابَة وَكفى بقول مثل هَذَا قبحا فَإِن قَالَ أَنا أقلد بعض الصَّحَابَة قيل لَهُ فَمَا حجتك فِي ترك من لم تقلده مِنْهُم وَلَعَلَّ من تركت قَوْله مِنْهُم أفضل مِمَّن أخذت بقوله على أَن القَوْل لَا يَصح لفضل قَائِله وَإِنَّمَا يَصح بِدلَالَة الدَّلِيل عَلَيْهِ وَقد ذكر ابْن مزين عَن عِيسَى بن دِينَار

стр. 63

عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك قَالَ لَيْسَ كلما قَالَ رجل قولا وَإِن كَانَ لَهُ فضل يتبع عَلَيْهِ فَإِن قَالَ وَقلة علمي يحملني على التَّقْلِيد قيل لَهُ أما من قلد فِيمَا ينزل بِهِ من أَحْكَام شَرِيعَته عَالما رُبمَا يتَّفق لَهُ على علمه فيصدر فِي ذَلِك عَمَّا يُخبرهُ فمعذور لِأَنَّهُ قد أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَأدّى مَا لزمَه فِيمَا نزل بِهِ لجهله وَلَا بُد لَهُ من تَقْلِيد عَالم فِيمَا جَهله لإِجْمَاع الْمُسلمين أَن المكفوف يُقَلّد من يَثِق بِخَبَرِهِ فِي الْقبْلَة لِأَنَّهُ لَا يقدر على أَكثر من ذَلِك وَلَكِن من كَانَت هَذِه حَاله هَل يجوز لَهُ الْفَتْوَى فِي شرائع دين الله فَيحمل غَيره على إِبَاحَة الْفروج وإراقة الدِّمَاء واسترقاق الرّقاب وَإِزَالَة الْأَمْلَاك وتصييرها إِلَى غير من كَانَت فِي يَده بقول لَا يعرف صِحَّته وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ مقرّ أَن قَائِله يخطىء ويصيب وَأَن مخالفه فِي ذَلِك رُبمَا كَانَ الْمُصِيب فِيمَا يُخَالِفهُ فِيهِ فَإِن أجَاز الْفَتْوَى لمن جهل الأَصْل وَالْمعْنَى بِحِفْظ الْفُرُوع لزمَه أَن يُجِيزهُ للعامة وَكفى بِهَذَا جهلا وردا لِلْقُرْآنِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ الاسراء ٣٦ وَقَالَ ﴿أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٢٨ وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن مَا لم يتَبَيَّن وَلم يتَيَقَّن فَلَيْسَ بِعلم وَإِنَّمَا هُوَ ظن وَالظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا انْتهى

стр. 64

وَقَالَ أَبُو عمر أَيْضا وَغَيره قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لكميل بن زِيَاد النَّخعِيّ وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور يَا كميل احفظ مَا أَقُول لَك الْقُلُوب أوعية فَخَيرهَا أوعاها النَّاس ثَلَاثَة عَالم رباني ومتعلم على سَبِيل نجاة وهمج رعاع أَتبَاع كل ناعق يميلون مَعَ كل ريح لم يستضيئوا بِنور الْعلم وَلم يلجؤوا إِلَى ركن وثيق يَا كميل الْعلم خير من المَال الْعلم يحرصك وَأَنت تحرص المَال الْعلم يزكو على الْعَمَل وَالْمَال تنقصه النَّفَقَة الْعلم حَاكم وَالْمَال مَحْكُوم عَلَيْهِ مَاتَ خزان المَال وهم أَحيَاء وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فِي الْقُلُوب مَوْجُودَة آه آه إِن هَا هُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدره علما لَو اصبت لَهُ حَملَة ثمَّ قَالَ بلَى اصبته لقنا غير مَأْمُون عَلَيْهِ يسْتَعْمل آلَة الدّين للدنيا ويستظهر بنعم الله على عباده وبحججه على كِتَابه أَو منقادا لأهل الْحق لَا بَصِيرَة لَهُ فِي أحنائه ينقدح الشَّك فِي

стр. 65

قلبه بِأول غارض أَلا لَا ذَا وَلَا زَالَ أَو منهوما باللذات سَلس القياد للشهوات أَو مغرما جمع الْأَمْوَال والادخار أقرب شَيْء شبها بهما الْأَنْعَام السَّائِمَة كَذَلِك يَمُوت الْعلم بِمَوْت حامليه اللَّهُمَّ بلَى لن تخلوا الأَرْض من قَائِم لله بِحجَّة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أُولَئِكَ هم الأقلون عددا الأعظمون عِنْد الله قدرا هجم بهم الْعلم على حَقِيقَة الْأَمر فاستلانوا مَا استوعره المترفون وأنسوا بِمَا استوحش مِنْهُ الجاهلون صحبوا الدُّنْيَا بأبدان أرواحها معلقَة بِالْمحل الْأَعْلَى آه آه شوقا إِلَى رُؤْيَتهمْ فَفِي هَذَا الحَدِيث إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ قسم حَملَة الْعلم المذمومين ثَلَاثَة اصناف المبتدع الْفَاجِر الَّذِي لَيْسَ عِنْده أَمَانَة وَلَا إِيمَان يبطر الْحق الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكتاب ويغمط الْخلق يُجَادِل فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُ إِن فِي صدوره إِلَّا كبر مَا هُوَ ببالغه وَالثَّانِي الْمُقَلّد المنقاد بِلَا بَصِيرَة ويقين وَالثَّالِث مُتبع الشَّهَوَات الْبَدَنِيَّة والمالية ثمَّ ذكر خلفاء الرُّسُل القائمين بحجج الله وبيناته وهم المتبعون للدليل حَيْثُ كَانَ الْعَامِلُونَ بِهِ فَذكر أَنهم قَلِيلُونَ فِي الْوُجُود

стр. 66

وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء) أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة ابْن مَسْعُود ﵁ وَزَاد فِيهِ الَّذين يصلحون مَا أفسد النَّاس بعدِي من سنتي فنسأل الله الْعَظِيم أَن يجعلنا مِنْهُم إِنَّه على كل شَيْء قدير وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال على تَقْلِيد أحد بِكَثْرَة من اتبعهُ خُصُوصا على قَاعِدَة أبي حنيفَة ﵀ فَإِن من أَصله لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الشُّهُود فَلَو تنَازع اثْنَان عينا وَأقَام أَحدهمَا شَاهِدين وَأقَام الآخر عشرَة شُهُود قضى بهَا بَينهمَا عِنْده وَلَا يرجح صَاحب الشُّهُود الْكَثِيرَة مَعَ أَن كَثْرَة الِاتِّبَاع المقلدين دون الشُّهُود بدرجات فَإِن المقلدين الْمَحْض إِن يتبعُون إِ لَا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس ﴿وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ النَّجْم ٢٣ وَكَيف يُقَال عَن رجل من الْأمة كَائِنا من كَانَ إِنَّه يجب الْأَخْذ بقوله كُله دون سَائِر الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم ويعرض على قَوْله نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فَإِن وافقته عضد بهَا وَلم تكن هِيَ الْعُمْدَة وَإِن خالفته تحيل بأنواع الْحِيَل فِي ردهَا إِلَى قَوْله والإعراض عَن تدبرها وَقيل هَذِه من الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله وَهَذِه بِدعَة من الْبدع

стр. 67

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد) وَفِي رِوَايَة من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ اقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون فَأَنِّي أكره الْخلاف حَتَّى يكون النَّاس جمَاعَة وأرجوا أَن أَمُوت كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي أخرجه البُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَدخلت على أنس ﵁ وَهُوَ يبكي فَقلت مَا يبكيك قَالَ لَا أعرف شَيْئا مِمَّا أدْركْت إِلَّا هَذِه الصَّلَاة وَهَذِه الصَّلَاة قد ضيعت أخرجه البُخَارِيّ وَإِذا كَانَ هَذَا من ذَلِك الزَّمَان فالتغيير أَكثر أَكثر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَالْوَاجِب على من طلب الْعلم النافع أَن يحفظ كتاب الله ويتدبره وَكَذَلِكَ من السّنة مَا تيَسّر لَهُ ويطلع مِنْهَا ويتروى وَيَأْخُذ مَعَه من اللُّغَة والنحو مَا يصلح بِهِ كَلَامه ويستعين بِهِ على فهم الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام السّلف الصَّالح فِي مَعَانِيهَا ثمَّ ينظر فِي كَلَام عَامَّة الْعلمَاء الصَّحَابَة ثمَّ من بعدهمْ مَا تيَسّر لَهُ من ذَلِك من غير تَخْصِيص فَمَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ لَا يتعداه وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ نظر فِي أدلتهم بِغَيْر هوى وَلَا عصبية ثمَّ بعد ذَلِك ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾ الْكَهْف ١٧

стр. 68

وَفِي أَيَّام الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف جرى بَين أهل الْمذَاهب مَا أوجب أَن كتاب القَاضِي الْفَاضِل عَن السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى أَخِيه الْملك الْعَادِل وَهُوَ بِمصْر انْتهى إِلَيْنَا أَن بالديار المصرية وبالحضرة الْعلية جمَاعَة من الْفُقَهَاء قد اعتضدوا بِجَمَاعَة من أَرْبَاب السيوف وبسطوا ألسنتهم بالمنكر من القَوْل غير الْمَعْرُوف وأشاروا من العصبية مَا أطاعوا فِيهِ القوى الغضبية وأحيوا بهَا مَا أَمَاتَهُ الله من الحمية الْجَاهِلِيَّة وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول وَكفى بقوله حجَّة على من كَانَ سميعا مُطيعًا ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ آل عمرَان ١٠٣ وَلَا يزَال التعصب للمذاهب يمْلَأ الْقُلُوب بالشحناء يشحنها وَقد نهى الله عَن المجادلة لأهل الْخلاف فَكيف بِأَهْل الْوِفَاق إِلَّا أَن يُقَال أحْسنهَا وَمَا علمنَا أَن فِي ذَلِك نِيَّة تتَّخذ وَلَا مصلحَة تُوجد وَلَا هِدَايَة تعتقد بدراسة تفقد بل نَار عَدَاوَة توقد وقلما اثمرت المشاجرة إِلَّا خلافًا فليوغر الْمجْلس بكف الْأَلْسِنَة الخائضة وعقل الأعنة الراكضة فَإِن اقنع تلطفه المرضي وَإِلَّا كَانَت همنه الرائضة وَمن عَاد بعد الزّجر أبعد عَن مستقره وازعج وليسع الْخلف مَا وَسعه السّلف من الْأَدَب وليعلم العَبْد أَنه يكْتب كتابا إِلَى الله فليكف فِيمَا كتب وَإِلَى من كتب انْتهى وَقد قيل إِن سَبَب استحكام هَذَا الِافْتِرَاق شُرُوط الواقفين فِي الْمدَارِس فَإِنَّهُم لما شرطُوا أَن تكون هَذِه الْمدرسَة على الطَّائِفَة الْفُلَانِيَّة

стр. 69

وَهَذِه الْمدرسَة على الطَّائِفَة الْفُلَانِيَّة تمسكت كل طَائِفَة بِمَا ذهبت إِلَيْهِ واعرضت عَن غَيره لِئَلَّا يحرم ذَلِك الْوَقْف وانضم إِلَى ذَلِك شُبْهَة صِحَة هَذِه الشُّرُوط وأمثالها وَالْقَوْل بِأَن شَرط الْوَاقِف كنص الشَّارِع فَلَمَّا انضمت الشُّبْهَة إِلَى الشَّهْوَة استحكم الدَّاء وغالب الواقفين جهال إِنَّمَا يحملهم على تعْيين تِلْكَ الطَّائِفَة الَّتِي عينهَا كل مِنْهُم مُجَرّد العصبية لتِلْك الطَّائِفَة وإمامها وأصل مقصودهم صَحِيح وَهُوَ إحْيَاء علم الشَّرِيعَة فَيُصْبِح تخصيصهم الْعلمَاء بذلك الْوَقْف وَيبْطل تخصيصهم الطَّائِفَة الْفُلَانِيَّة مِنْهُم لِأَن الْوَاجِب عرض شُرُوط الواقفين على الشَّرِيعَة فَمَا وافقها قبل وَإِلَّا رد كَمَا قَالَ ﷺ (مَا بَال أَقوام يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله وكل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَلَو كَانَ مائَة شَرط) الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ وَإِن كَانَ سَبَب الحَدِيث اشْتِرَاط الْوَلَاء لغير من اعْتِقْ فَالْعِبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب فَإِن قيل هَذَا الشَّرْط غير مُخَالف لكتاب الله قيل إِن لم تفهم مُخَالفَته لكتاب الله مِمَّا تقدم فَلَا يُفِيد الْبَحْث وَلَو جِئْنَا بِكُل آيَة مَعَ أَن من عرف مَذْهَب الإِمَام فقد وفى بِمَا شَرطه الْوَاقِف وَإِن لم يقلده فِي بعض أَقْوَاله لما ظهر لَهُ من الدَّلِيل فَإِن الانتساب الْكَامِل إِلَى الإِمَام لمن عرف مذْهبه بدليله لَا لمن عرفه نقلا بِغَيْر دَلِيل وَلَا لمن قَلّدهُ بِغَيْر معرفَة إِذْ لَيْسَ مُرَاد الواقفين من قلد الإِمَام مَعَ جَهله بِالدَّلِيلِ وَمن عرف الدَّلِيل لَا بُد أَن يظْهر لَهُ ضعفه فِي بعض الْمسَائِل ولبسط هَذَا الْمَعْنى مَوضِع يَلِيق بِهِ

стр. 70

ثمَّ بعد ذَلِك زَاد تمكن الِافْتِرَاق بتولية قَاض من كل طَائِفَة مُعينَة وضاعت حُقُوق كَثِيرَة بِسَبَب ذَلِك وَلِهَذَا أخرج الله الحكم الْعَام عَن أَيْديهم وَدخل فِيهِ من أَمر الامارة والسياسة مَا يحفظه بِهِ الْحق تَارَة ويضيع أُخْرَى وَيحصل بِهِ الْعدوان تَارَة وَالْعدْل أُخْرَى وَلَا تقوم مصَالح النَّاس بِالْعَمَلِ بقول إِمَام معِين لَا يعدل عَن قَوْله إِلَى قَول غَيره أبدا وَكَانَ النَّهْي عَن الِافْتِرَاق حِين رَأَوْهُمْ افْتَرَقُوا أولى من تقديرهم على الإفتراق وَفعل مَا هُوَ باعث لَهُم على الْإِصْرَار على الإفتراق وَلم يكن هَذَا فِي صدر الْإِسْلَام وَإِنَّمَا حدث هَذَا أَعنِي تَوْلِيَة قَاض من كل طَائِفَة بِسنة أَربع وَسِتِّينَ وست مائَة فِي أَيَّام الْملك الظَّاهِر بيبرس

стр. 71

وَزَاد تمكن الإفتراق أَيْضا بتولية إِمَام راتب من كل مَذْهَب عِنْد الْبَيْت الْحَرَام وبالجامع الْأمَوِي ولازم كل إِمَام الصَّلَاة على صفة لَا يتعداها وَإِنَّمَا شرعت صَلَاة الْخَوْف مَعَ الْفِعْل الْمنَافِي للصَّلَاة لتَكون الْجَمَاعَة وَكفى بمشروعية صَلَاة الْخَوْف دَلِيلا على إبِْطَال تَرْتِيب أَكثر من إِمَام وَاحِد فِي كل مَسْجِد وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره وَهَذَا زمَان الغربة الَّتِي أخبر عَنْهَا رَسُول الله ﷺ (رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم) الْحَشْر ١٠

стр. 72

وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيد الْخلق وَنَبِي الْحق نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ قَالَ نَاسخ الرسَالَة فِي آخِره تمت النُّسْخَة بعون الله وَحسن توفيقه وَقت الْعشَاء لَيْلَة الْجُمُعَة فِي التَّارِيخ التَّاسِع عشر مضى من شهر شَوَّال سنة ألف وَمِائَتَيْنِ وَخمْس وَخمسين من هِجْرَة النَّبِي الْعَرَبِيّ عَلَيْهِ وعَلى آله أفضل التَّحِيَّات بيد العَبْد المذنب الخاطىء الضَّعِيف عبد الرَّحْمَن ولد عبد اللَّطِيف غفر الله لَهما ولوالديهما وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين آمين ثمَّ آمين وَقَالَ فِي أَولهَا قد شرعت بِكِتَابَة نُسْخَة الِاتِّبَاع وَقت الظّهْر فِي تَارِيخ الثَّالِث عشر مضى من شهر شَوَّال سنة ألف وَمِائَتَيْنِ وَخمْس وَخمسين من هِجْرَة النَّبِي الْعَرَبِيّ الْمَكِّيّ الْقرشِي عَلَيْهِ وعَلى آله من الصَّلَوَات أفضلهَا وَمن التَّحِيَّات أكملها تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات