← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 6266

تحفة المودود بأحكام المولود - ت الأرنؤوط

ابن القيم

Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْفَصْل الثَّالِث _ فِي أَدِلَّة الِاسْتِحْبَاب فَأَما أهل الحَدِيث قاطبة وفقهاؤهم وَجُمْهُور أهل الْعلم فَقَالُوا هِيَ من سنة رَسُول الله ﷺ وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن سلمَان بن عمار الضَّبِّيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَعَ الْغُلَام عقيقة فأهريقوا عَنهُ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى وَعَن سَمُرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل غُلَام رهينة بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه وَيُسمى فِيهِ ويحلق رَأسه رَوَاهُ أهل السّنَن كلهم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَفِي لفظ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نعق عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن

стр. 37

الْغُلَام شَاتين رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَعَن أم كرز الْكَعْبِيَّة أَنَّهَا سَأَلت الرَّسُول ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْأُنْثَى وَاحِدَة وَلَا يضركم ذكرانا كن أَو إِنَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقَالَ الضَّحَّاك بن مخلد أنبأ أَبُو حَفْص سَالم بن تَمِيم عَن أَبِيه عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام وَلَا تعق عَن الْجَارِيَة فعقوا عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة ذكره الْبَيْهَقِيّ

стр. 38

وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظ النَّسَائِيّ بكبشين كبشين وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول ﷺ أَمر بِتَسْمِيَة الْمَوْلُود يَوْم سابعه وَوضع الْأَذَى عَنهُ والعق قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَعَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ قَالَ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ولد لِأَحَدِنَا غُلَام ذبح شَاة ولطخ رَأسه بدمها فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نذبح شَاة ونحلق رَأسه ونلطخه بزعفران رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وروى ابْن الْمُنْكَدر من حَدِيث يحيى بن يحيى أَنبأَنَا هشيم عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَن أَبَا بكرَة ولد لَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَكَانَ أول مَوْلُود ولد بِالْبَصْرَةِ فَنحر عَنهُ جزورا فأطعم أهل الْبَصْرَة وَأنكر بَعضهم ذَلِك وَقَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ بشاتين عَن الْغُلَام وَعَن الْجَارِيَة بِشَاة وَعَن الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْعَقِيقَة كل غُلَام مُرْتَهن

стр. 39

بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق ويدمى قَالَ أَبُو دَاوُد فَكَانَ قَتَادَة إِذا سُئِلَ عَن الدَّم كَيفَ يصنع بِهِ قَالَ إِذا ذبحت الْعَقِيقَة أخذت مِنْهَا صوفة واستقبلت بهَا أوداجها ثمَّ تُوضَع على يافوخ الصَّبِي حَتَّى يسيل على رَأسه مثل الْخَيط ثمَّ يغسل رَأسه ويحلق قَالَ أَبُو دَاوُد وَهَذَا وهم من همام بن يحيى يَعْنِي ويدمى ثمَّ سَاقه من طَرِيق أُخْرَى قَالَ كل غُلَام رهينة بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق وَيُسمى قَالَ أَبُو دَاوُد وَيُسمى أصح وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَهَذَا الحَدِيث قد سَمعه الْحسن من سَمُرَة فَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن حبيب بن الشَّهِيد قَالَ قَالَ لي ابْن سِيرِين سُئِلَ الْحسن مِمَّن سمع حَدِيث الْعَقِيقَة فَسَأَلته فَقَالَ من سَمُرَة بن جُنْدُب وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ عَن سلمَان بن شُرَحْبِيل حَدثنَا يحيى بن حَمْزَة قَالَ

стр. 40

قلت لعطاء الخرساني مَا مُرْتَهن بعقيقته قَالَ يحرم شَفَاعَة وَلَده وَقَالَ اسحق بن هَانِيء سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث النَّبِي ﷺ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته مَا مَعْنَاهُ قَالَ نعم سنة النَّبِي ﷺ أَن يعق عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة فَإِذا لم يعق عَنهُ فَهُوَ محتبس بعقيقته حَتَّى يعق عَنهُ وَقَالَ الْأَثْرَم قَالَ أَبُو عبد الله مَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث أوكد من هَذَا يَعْنِي فِي الْعَقِيقَة كل غُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ يَعْقُوب بن بختان سُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ مَا أعلم فِيهِ شَيْئا أَشد من هَذَا الحَدِيث الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله وَلَا أحب لمن أمكنه وَقدر أَن لَا يعق عَن وَلَده وَلَا يَدعه لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهُوَ أَشد مَا رُوِيَ فِيهِ وَإِنَّمَا كره النَّبِي ﷺ من ذَلِك الِاسْم وَأما الذّبْح فالنبي ﷺ قد فعل ذَلِك وَقَالَ أَحْمد بن الْقَاسِم قيل لأبي عبد الله الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ فَقَالَ أما وَاجِبَة فَلَا أَدْرِي لَا أَقُول وَاجِبَة ثمَّ قَالَ أَشد شَيْء فِيهِ أَن الرجل مُرْتَهن بعقيقته وَقد قَالَ أَحْمد فِي مَوضِع آخر مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ

стр. 41

وَأما قَوْله ويدمى فقد اخْتلف فِي هَذِه اللَّفْظَة فرواها همام عَن يحيى عَن قَتَادَة فَقَالَ ويدمى وفسرها قَتَادَة بِمَا تقدم حكايته وَخَالفهُ فِي ذَلِك أَكثر أهل الْعلم وَقَالُوا هَذَا من فعل أهل الْجَاهِلِيَّة وَكَرِهَهُ الزُّهْرِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق قَالَ أَحْمد أكره أَن يدمى رَأس الصَّبِي هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَن الْعَقِيقَة أيذبح ويدمى رَأس الصَّبِي أَو الْجَارِيَة فَقَالَ أبي وَلَا يدمى وَقَالَ الْخلال أَخْبرنِي الْعَبَّاس بن أَحْمد أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن تلطيخ رَأس الصَّبِي بِالدَّمِ فَقَالَ لَا أحبه انه من فعل الْجَاهِلِيَّة قيل لَهُ فان هماما كَانَ يَقُول يدميه فَذكر أَبُو عبد الله عَن رجل قَالَ كَانَ يَقُول يُسَمِّيه وَلَا أحب قَول همام فِي هَذَا وَأخْبرنَا أَحْمد بن هَاشم الْأَنْطَاكِي قَالَ قَالَ أَحْمد اخْتلف همام وَسَعِيد فِي الْعَقِيقَة قَالَ أَحدهمَا يدمى وَقَالَ الآخر يُسمى وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَن التدمية سنة قَالَ الْخلال أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام قَالَ حَدثنَا حَنْبَل قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله فِي الصَّبِي يدمى رَأسه قَالَ هَذِه سنة ومذهبه الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ كَافَّة أَصْحَابه الْكَرَاهِيَة قَالَ الْخلال وَأَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام فِي مَوضِع آخر حَدثنَا حَنْبَل قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول يحلق رَأس الصَّبِي وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا صَالح وأنبأ أَحْمد بن مُحَمَّد

стр. 42

ابْن حَازِم حَدثنَا إِسْحَاق كلهم يذكر عَن أبي عبد الله قَالَ الدَّم مَكْرُوه لم يرو إِلَّا فِي حَدِيث سَمُرَة أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل حَدثهمْ أَنه قَالَ لأبي عبد الله فيحلق رَأسه قَالَ نعم قلت فيدمى قَالَ لَا هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة قلت فَحَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن كَيفَ هُوَ ويدمى فَقَالَ أما همام فَيَقُول ويدمى وَأما سعيد فَيَقُول وَيُسمى وَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم قَالَ ابْن أبي عرُوبَة يُسمى وَقَالَ همام ويدمى وَمَا أرَاهُ إِلَّا خطأ وَقد قَالَ أَبُو عبد الله ابْن ماجة فِي سنَنه حَدثنَا يَعْقُوب بن حميد بن كاسب حَدثنَا عبد الله بن وهب حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن أَيُّوب بن مُوسَى أَنه حَدثهُ عَن يزِيد بن عبد الْمُزنِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يعق عَن الْغُلَام وَلَا يمس رَأسه بِدَم وَقد تقدم حَدِيث بُرَيْدَة كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ولد لِأَحَدِنَا غُلَام ذبح شَاة ولطخ رَأسه بدمها فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كُنَّا نذبح شَاة ونحلق رَأسه ونلطخه بزعفران وَقد روى الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن جريج عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ قطنة فِي دم الْعَقِيقَة ويجعلونه على رَأس الصَّبِي فَأمر النَّبِي ﷺ أَن يَجْعَل مَكَان

стр. 43

الدَّم خلوقا قَالَ ابْن الْمُنْذر ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أهريقوا عَلَيْهِ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى وَالدَّم أَذَى فَإِذا كَانَ النَّبِي ﷺ قد أمرنَا بإماطة الْأَذَى عَنهُ وَالدَّم أَذَى وَهُوَ من أكبر الْأَذَى فَغير جَائِز أَن ينجس رَأس الصَّبِي بِالدَّمِ الْفَصْل الرَّابِع فِي الْجَواب عَن حجج من كرهها قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل وَقد حُكيَ عَن بعض من كرهها أَنَّهَا من أَمر الْجَاهِلِيَّة قَالَ هَذَا لقلَّة علمهمْ وَعدم معرفتهم بالأخبار وَالنَّبِيّ ﷺ قد عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن وَفعله أَصْحَابه وَجعلهَا هَؤُلَاءِ من أَمر الْجَاهِلِيَّة والعقيقة سنة عَن رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهُوَ // إِسْنَاد جيد // يرويهِ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ وَقَالَ فِي رِوَايَة

стр. 44

الْأَثْرَم فِي الْعَقِيقَة أَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ مُسندَة وَعَن أَصْحَابه وَعَن التَّابِعين وَقَالَ هَؤُلَاءِ هِيَ من عمل الْجَاهِلِيَّة وَتَبَسم كالمعجب وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ قلت لأبي عبد الله يثبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الْعَقِيقَة شَيْء فَقَالَ أَي وَالله غير حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة قلت لَهُ فَتلك الْأَحَادِيث الَّتِي يعْتَرض فِيهَا فَقَالَ لَيست بِشَيْء لَا يعبأ بهَا وَأما أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا أحب العقوق فسياق الحَدِيث من أَدِلَّة الِاسْتِحْبَاب فان لَفظه هَكَذَا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا أحب العقوق وَكَأَنَّهُ كره الِاسْم فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّمَا نَسْأَلك عَن أَحَدنَا يُولد لَهُ ولد فَقَالَ من أحب مِنْكُم أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَأما حَدِيث أبي رَافع فَلَا يَصح وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي هَذِه الْأَحَادِيث الْمُعَارضَة لأحاديث الْعَقِيقَة لَيست بِشَيْء لَا يعبأ بهَا وَقد استفاضت الْأَحَادِيث بِأَن النَّبِي ﷺ عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن فروى أَبُو أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن

стр. 45

ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا ذكره أَبُو دَاوُد وَقد ذكر جرير بن حَازِم عَن قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كبشين وَذكر يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت عق رَسُول الله ﷺ عَن الْحسن وَالْحُسَيْن يَوْم السَّابِع وَلَو صَحَّ قَوْله لَا تعقي عَنهُ لم يدل ذَلِك على كَرَاهَة الْعَقِيقَة لِأَنَّهُ ﷺ أحب أَن يتَحَمَّل عَنْهَا الْعَقِيقَة فَقَالَ لَهَا لَا تعقي عق هُوَ ﷺ وكفاها الْمُؤْنَة وَأما قَوْلهم إِنَّهَا من فعل أهل الْكتاب فَالَّذِي من فعلهم تَخْصِيص الذّكر بالعقيقة دون الْأُنْثَى كَمَا دلّ عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث فانه قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة الْفَصْل الْخَامِس فِي اشتقاقها وَمن أَي شَيْء أخذت قَالَ أَبُو عَمْرو فَأَما الْعَقِيقَة فِي اللُّغَة فَذكر أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره

стр. 46

أَن أَصْلهَا الشّعْر الَّذِي يكون على رَأس الصَّبِي حِين يُولد وَإِنَّمَا سميت الشَّاة الَّتِي تذبح عَنهُ عقيقة لِأَنَّهُ يحلق عَنهُ ذَلِك الشّعْر عِنْد الذّبْح قَالَ وَلِهَذَا قَالَ أميطوا عَنهُ الْأَذَى يَعْنِي بذلك الشّعْر قَالَ أَبُو عبيد وَهَذَا مِمَّا قلت لَك انهم رُبمَا سموا الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه أَو من سَببه فسميت الشَّاة عقيقة لعقيقة الشّعْر وَكَذَلِكَ كل مَوْلُود من الْبَهَائِم فَإِن الشّعْر الَّذِي يكون عَلَيْهِ حِين يُولد عقيقة وعقة قَالَ زُهَيْر يذكر حمَار وَحش (أذلك أم أقب الْبَطن جأب ... عَلَيْهِ من عقيقته عفاء) قَالَ يَعْنِي صغَار الْوَبر وَقَالَ ابْن الرّقاع يصف حمارا (تحسرت عقة عَنهُ فأنسلها ... واجتاب أُخْرَى جَدِيدا بَعْدَمَا ابتقلا) قَالَ يُرِيد أَنه لما فطم من الرَّضَاع وَأكل البقل ألْقى عقيقته واجتاب أُخْرَى قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْعَقِيقَة والعقة فِي النَّاس والحمر وَلم يسمع فِي غير

стр. 47

ذَلِك انْتهى كَلَام أبي عبيد وَقد أنكر الامام أَحْمد تَفْسِير أبي عبيد هَذَا للعقيقة وَمَا ذكره عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره فِي ذَلِك وَقَالَ إِنَّمَا الْعَقِيقَة الذّبْح نَفسه وَقَالَ وَلَا وَجه لما قَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عَمْرو وَاحْتج بعض الْمُتَأَخِّرين لِأَحْمَد بن حَنْبَل فِي قَوْله هَذَا بِأَن مَا قَالَ أَحْمد من ذَلِك فمعروف فِي اللُّغَة لِأَنَّهُ يُقَال عق إِذا قطع وَمِنْه عق وَالدية إِذا قطعهمَا قَالَ أَبُو عَمْرو وَيشْهد لقَوْل أَحْمد بن حَنْبَل قَول الشَّاعِر (بِلَاد بهَا عق الشَّبَاب تمائمه ... وَأول أَرض مس جلدي ترابها) يُرِيد أَنه لما شب قطعت عَنهُ تمائه وَمثل هَذَا قَول ابْن ميادة (بِلَاد بهَا نيصت عَليّ تمائمي ... وقطعن عني حِين أدركني عَقْلِي) قَالَ أَبُو عَمْرو وَقَول أَحْمد فِي معنى الْعَقِيقَة فِي اللُّغَة أولى من قَول أبي عبيد وَأقرب وأصوب وَالله أعلم انْتهى كَلَام أبي عَمْرو وَقَالَ الْجَوْهَرِي عق عَن وَلَده يعق عقا إِذا ذبح يَوْم أسبوعه وَكَذَلِكَ إِذا حلق عقيقته فَجعل الْعَقِيقَة لأمرين وَهَذَا أولى وَالله أعلم وَأما قَوْله فِي الحَدِيث لَا أحب العقوق فَهُوَ تَنْبِيه على كَرَاهَة مَا تنفر عَنهُ

стр. 48

الْقُلُوب من الْأَسْمَاء وَكَانَ رَسُول الله ﷺ شَدِيد الْكَرَاهَة لذَلِك جدا حَتَّى كَانَ يُغير الِاسْم الْقَبِيح بالْحسنِ وَيتْرك النُّزُول فِي الأَرْض القبيحة الِاسْم والمرور بَين الجبلين الْقَبِيح اسمهما وَكَانَ يحب الِاسْم الْحسن والفأل الْحسن وَفِي الْمُوَطَّأ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للقحة من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا اسْمك فَقَالَ لَهُ الرجل مرّة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اجْلِسْ ثمَّ قَالَ من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل آخر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا اسْمك فَقَالَ حَرْب فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اجْلِسْ ثمَّ قَالَ من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ لَهُ ﷺ مَا اسْمك فَقَالَ يعِيش فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ احلب رَوَاهُ مُرْسلا فِي موطئِهِ وأسنده ابْن وهب فِي جَامعه فَقَالَ حَدثنِي ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث ابْن يزِيد عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن يعِيش الْغِفَارِيّ قَالَ دَعَا النَّبِي ﷺ يَوْمًا بِنَاقَة فَقَالَ من يحلبها فَقَامَ رجل فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ مرّة قَالَ اقعد فَقَامَ آخر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ جَمْرَة قَالَ اقعد ثمَّ قَامَ رجل فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ يعِيش قَالَ احلبها

стр. 49

قَالَ أَبُو عمر هَذَا من بَاب الفأل الْحسن لَا من بَاب الطَّيرَة وَعِنْدِي فِيهِ وَجه آخر وَهُوَ أَن بَين الِاسْم والمسمى علاقَة ورابطة تناسبه وقلما يتَخَلَّف ذَلِك فالألفاظ قوالب للمعاني والأسماء أَقْوَال المسميات (وَقل إِن أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِن فَكرت فِي لقبه) فقبح الِاسْم عنوان قبح الْمُسَمّى كَمَا أَن قبح الْوَجْه عنوان قبح الْبَاطِن وَمن هَاهُنَا وَالله أعلم أَخذ عَمْرو بن الْخطاب ﵁ مَا ذكره مَالك أَنه قَالَ لرجل مَا اسْمك فَقَالَ جَمْرَة فَقَالَ ابْن من قَالَ ابْن شهَاب قَالَ مِمَّن قَالَ من الحرقة قَالَ أَيْن مسكنك قَالَ بحرة النَّار قَالَ بأيتها قَالَ بِذَات لظى فَقَالَ عمر أدْرك أهلك فقد احترقوا فَكَانَ كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَقد ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة من حَدِيث بُرَيْدَة كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يتطير فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني أسلم فلقي النَّبِي ﷺ لَيْلًا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر

стр. 50

وَقَالَ يَا أَبَا بكر برد أمرنَا وَصلح ثمَّ قَالَ مِمَّن قلت من أسلم قَالَ لأبي بكر الْآن سلمنَا ثمَّ قَالَ مِمَّن قَالَ من سهم قَالَ خرج سهمك وَلما رأى سُهَيْل بن عَمْرو مُقبلا يَوْم صلح الْحُدَيْبِيَة قَالَ سهل أَمر كم وانْتهى فِي مسيره إِلَى جبلين فَسَأَلَ عَن اسمهما فَقَالَ مخز وفاضح فَعدل عَنْهُمَا وَلم يسْلك بَينهمَا وَغير اسْم عاصية بجميلة وَاسم أَصْرَم بزرعة قَالَ أَبُو دَاوُد فِي السّنَن وَغير النَّبِي ﷺ اسْم الْعَاصِ وعزيز وعتلة وَشَيْطَان وَالْحكم وغراب وشهاب فَسَماهُ هشاما وسمى حَربًا أسلم وسمى المضطجع المنبعث وَأَرْض عفرَة سَمَّاهَا خضرَة وَشعب الضَّلَالَة سَمَّاهُ شعب الْهدى وَبَنُو الزِّينَة سماهم بني الرشدة وَهَذَا بَاب عَجِيب من أَبْوَاب الدّين وَهُوَ الْعُدُول عَن الِاسْم الَّذِي تستقبحه

стр. 51

الْعُقُول وتنفر مِنْهُ النُّفُوس إِلَى الِاسْم الَّذِي هُوَ أحسن مِنْهُ والنفوس إِلَيْهِ أميل وَكَانَ النَّبِي ﷺ شَدِيد الاعتناء بذلك حَتَّى قَالَ لَا يقل أحدكُم خبثت نَفسِي وَلَكِن ليقل لقست نَفسِي فَلَمَّا كَانَ اسْم الْعَقِيقَة بَينه وَبَين العقوق تناسب وتشابه كرهه ﷺ وَقَالَ إِن الله لَا يحب العقوق ثمَّ قَالَ من ولد لَهُ مَوْلُود فَأحب إِن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل الْفَصْل السَّادِس - هَل تكره تَسْمِيَتهَا عقيقة اخْتلفت فِيهِ - فَكرِهت ذَلِك طَائِفَة وَاحْتَجُّوا بِأَن رَسُول الله ﷺ كره الِاسْم فَلَا يَنْبَغِي أَن يُطلق على هَذِه الذَّبِيحَة الِاسْم الَّذِي كرهه قَالُوا فَالْوَاجِب بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث أَن يُقَال لَهَا نسيكة وَلَا يُقَال لَهَا عقيقية وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَا يكره ذَلِك وَرَأَوا إِبَاحَته وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث سَمُرَة الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَبِحَدِيث سلمَان بن عَامر مَعَ الْغُلَام عقيقته فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين لفظ الْعَقِيقَة فَدلَّ على الْإِبَاحَة لَا على الْكَرَاهَة قَالَ أَبُو عمر فَدلَّ ذَلِك على الْكَرَاهَة فِي الِاسْم وعَلى هَذَا كتب الْفُقَهَاء فِي كل الْأَمْصَار لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْعَقِيقَة لَا النسيكة قَالَ على أَن حَدِيث مَالك هَذَا

стр. 52

لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِالْكَرَاهَةِ وَكَذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده إِنَّمَا فيهمَا كَأَنَّهُ كره الِاسْم وَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل قلت وَنَظِير هَذَا اخْتلَافهمْ فِي تَسْمِيَة الْعشَاء بالعتمة وَفِيه رِوَايَتَانِ عَن الامام أَحْمد وَالتَّحْقِيق فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَرَاهَة هجر الِاسْم الْمَشْرُوع من الْعشَاء والنسيكة والاستبدال بِهِ اسْم الْعَقِيقَة وَالْعَتَمَة فَأَما إِذا كَانَ الْمُسْتَعْمل هُوَ الِاسْم الشَّرْعِيّ وَلم يهجر وَأطلق الِاسْم الآخر أَحْيَانًا فَلَا بَأْس بذلك وعَلى هَذَا تتفق الْأَحَادِيث وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْفَصْل السَّابِع - فِي ذكر الْخلاف فِي وُجُوبهَا واستحبابها وحجج الطَّائِفَتَيْنِ قَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلفُوا فِي وجوب الْعَقِيقَة فَقَالَت طَائِفَة وَاجِبَة لِأَن النَّبِي ﷺ أَمر بذلك وَأمره على الْفَرْض روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي رجل لم يعق عَنهُ قَالَ يعق عَن نَفسه وَكَانَ لَا يرى على الْجَارِيَة عقيقة قَالَ وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة أَن النَّاس يعرضون على الْعَقِيقَة يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يعرضون على الصَّلَوَات الْخمس قَالَ اسحاق بن رَاهَوَيْه حَدثنَا يعلى بن عبيد قَالَ حَدثنَا صَالح بن حبَان عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن النَّاس يعرضون يَوْم الْقِيَامَة على الْعَقِيقَة كَمَا يعرضون على الصَّلَوَات الْخمس فَقلت لِابْنِ بُرَيْدَة وَمَا الْعَقِيقَة قَالَ الْمَوْلُود يُولد فِي الاسلام يَنْبَغِي أَن يعق عَنهُ

стр. 53

وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد الْعَقِيقَة من أَمر الْمُسلمين الَّذين كَانُوا يكْرهُونَ تَركه قَالَ وروينا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ الْعَقِيقَة عَن الْغُلَام وَاجِبَة يَوْم سابعه وَقَالَ أَبُو عمر وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي وُجُوبهَا فَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى أَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة فرضا مِنْهُم دَاوُد وَغَيره قَالُوا إِن رَسُول الله ﷺ أَمر وَعمل بهَا قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَمَعَ الْغُلَام عقيقته وَقَالَ عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن الْغُلَام شَاتَان وَنَحْو هَذَا من الْأَحَادِيث وَكَانَ بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ يُوجِبهَا ويشبهها بِالصَّلَاةِ وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَن الْغُلَام يَوْم سابعه فَإِن لم يعق عَنهُ عق عَن نَفسه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد يعق عَن الْمَوْلُود أَيَّام سابعه فِي أَيهَا شاؤوا فَإِن لم يتهيأ لَهُم الْعَقِيقَة فِي سابعه فَلَا بَأْس أَن يعق عَنهُ بعد ذَلِك وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يعق عَنهُ بعد سَبْعَة أَيَّام فَكَانَ اللَّيْث بن سعد يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة فِي السَّبْعَة الْأَيَّام وَكَانَ مَالك يَقُول هِيَ سنة وَاجِبَة يجب الْعَمَل بهَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر والطبري هَذَا كَلَام أبي عمر قلت وَالسّنة والواجبة هِنْد أَصْحَاب مَالك مَا تَأَكد اسْتِحْبَابه وَكره تَركه فيسمونه وَاجِبا وجوب السّنَن وَلِهَذَا قَالُوا غسل الْجُمُعَة سنة وَاجِبَة وَالْأُضْحِيَّة سنة وَاجِبَة والعقيقة سنة وَاجِبَة وَقد حكى أَصْحَاب أَحْمد عَنهُ فِي وُجُوبهَا

стр. 54

رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ عَنهُ نَص صَرِيح فِي الْوُجُوب وَنحن نذْكر نصوصه قَالَ الْخلال فِي الْجَامِع ذكر اسْتِحْبَاب الْعَقِيقَة وَأَنَّهَا غير غير وَاجِبَة أخبرنَا سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة مَا هِيَ قَالَ الذَّبِيحَة وَأنكر قَول الَّذِي يَقُول هِيَ حلق الرَّأْس أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل حَدثهمْ قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَلَكِن من أحب أَن ينْسك فلينسك قَالَ وَسَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة أتوجبها قَالَ لَا ثمَّ ذكر عَن أَحْمد بن الْقَاسِم أَن أَبَا عبد الله قيل لَهُ فِي الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ قَالَ أما وَاجِبَة فَلَا أَدْرِي وَلَا أَقُول وَاجِبَة ثمَّ قَالَ أَشد شَيْء فِيهِ أَن الرجل مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ الْأَثْرَم قلت لأبي عبد الله الْعَقِيقَة وَاجِبَة قَالَ لَا وَأَشد شَيْء رُوِيَ فِيهَا حَدِيث الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته هُوَ أَشدّهَا وَقَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا أحب لمن أمكنه وَقدر أَن لَا يعق عَن وَلَده وَلَا يَدعه لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته فَهُوَ أَشد مَا رُوِيَ فِي الْعَقِيقَة

стр. 55

وَقَالَ الْحَارِث سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ عَن الْغَنِيّ وَالْفَقِير إِذا ولد لَهُ أَن يعق عَنهُ قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ كل غُلَام رهينة بعقيقته حَتَّى يذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق رَأسه هَذِه سنة رَسُول الله ﷺ وآني لأحب أَن تحيى هَذِه السّنة أَرْجُو أَن يخلف الله عَلَيْهِ وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث النَّبِي ﷺ مَا مَعْنَاهُ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته قَالَ نعم سنة النَّبِي ﷺ أَن يعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة فَإِذا لم يعق عَنهُ فَهُوَ محتبس بعقيقته حَتَّى يعق عَنهُ وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد قيل لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فان لم تكن عِنْده قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَقَالَ الْحَارِث قيل لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فان لم يكن عِنْده يَعْنِي مَا يعق قَالَ إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَقَالَ صَالح قلت لأبي يُولد للرجل وَلَيْسَ عِنْده مَا يعق أحب إِلَيْك أَن يستقرض ويعق عَنهُ أم يُؤَخر ذَلِك حَتَّى يوسر فَقَالَ أَشد مَا سَمِعت

стр. 56

فِي الْعَقِيقَة حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ كل غُلَام رهينة بعقيقته وَإِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يعجل الله لَهُ الْخلف لِأَنَّهُ أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله ﷺ وَاتبع مَا جَاءَ بِهِ فَهَذِهِ نصوصه كَمَا ترى وَلَكِن أَصْحَابه فرعوا على القَوْل بِالْوُجُوب ثَلَاثَة فروع أَحدهَا هَل هِيَ وَاجِبَة على الصَّبِي فِي مَاله أَو على أَبِيه الثَّانِي هَل تجب الشَّاة على الذّكر أَو الشاتان الثَّالِث إِذا لم يعق عَنهُ أَبوهُ هَل تسْقط أَو يجب أَن يعق عَن نَفسه إِذا بلغ فَأَما الْفَرْع الأول فحكموا فِيهِ وَجْهَيْن أَحدهمَا يجب على الْأَب وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد الشالنجي سَأَلت أَحْمد عَن الرجل يُخبرهُ وَالِده أَنه لم يعق عَنهُ هَل يعق عَن نَفسه قَالَ ذَلِك على الْأَب وَالثَّانِي فِي مَال الصَّبِي وَحجَّة من أوجبهَا على الْأَب أَنه هُوَ الْمَأْمُور بهَا كَمَا تقدم وَاحْتج من أوجبهَا على الصَّبِي بقوله الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهَذَا الحَدِيث يحْتَج بِهِ الطائفتان فان أَوله الْإِخْبَار عَن ارتهان الْغُلَام بالعقيقة وَآخره الْأَمر بِأَن يراق عَنهُ الدَّم قَالَ الموجبون وَيدل على الْوُجُوب قَوْله عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَهَذَا يدل على الْوُجُوب لِأَن الْمَعْنى يجزىء عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن الْغُلَام شَاتَان

стр. 57

وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث البُخَارِيّ عَن سلمَان بن عَامر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَعَ الْغُلَام عقيقته فأهريقوا عَنهُ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى قَالُوا وَهَذَا يدل على الْوُجُوب من وَجْهَيْن أَحدهمَا قَوْله مَعَ الْغُلَام عقيقته وَهَذَا لَيْسَ إِخْبَارًا عَن الْوَاقِع بل عَن الْوَاجِب ثمَّ أَمرهم أَن يخرجُوا عَنهُ هَذَا الَّذِي مَعَه فَقَالَ أهريقوا عَنهُ دَمًا قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا حَدِيث عَمْرو ابْن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِتَسْمِيَة الْمَوْلُود يَوْم سابعه وَوضع الْأَذَى عَنهُ والعق قَالُوا وروى التِّرْمِذِيّ حَدثنَا يحيى ابْن خلف حَدثنَا بشر بن الْمفضل حَدثنَا عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن يُوسُف بن مَاهك أَنهم دخلُوا على حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن فَسَأَلُوهَا عَن الْعَقِيقَة فَأَخْبَرتهمْ أَن عَائِشَة ﵂ أخْبرتهَا أَن رَسُول الله ﷺ أَمرهم عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح

стр. 58

وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عبد الله ابْن عُثْمَان بن خثيم عَن يُوسُف بن مَاهك عَن حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة قَالَ أَبُو بكر حَدثنَا يَعْقُوب بن حميد بن كاسب حَدثنَا عبد الله بن وهب قَالَ حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن أَيُّوب بن مُوسَى أَنه حَدثهُ أَن يزِيد بن عبد الْمُزنِيّ حَدثهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يعق عَن الْغُلَام وَلَا يمس رَأسه بِدَم قَالُوا وَهَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر قَالَ أَبُو بكر وَحدثنَا ابْن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن ابراهيم قَالَ كَانَ يُؤمر بالعقيقة وَلَو بعصفور فصل قَالَ الْقَائِلُونَ بالاستحباب لَو كَانَت وَاجِبَة لَكَانَ وُجُوبهَا مَعْلُوما من الدّين

стр. 59

لِأَن ذَلِك مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وتعم بِهِ الْبلوى فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يبين وُجُوبهَا للْأمة بَيَانا عَاما كَافِيا تقوم بِهِ الْحجَّة وَيَنْقَطِع مَعَه الْعذر قَالُوا وَقد علقها بمحبة فاعلها فَقَالَ من ولد لَهُ ولد فَأحب أَن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل قَالُوا وَفعله ﷺ لَهَا لَا يدل على الْوُجُوب وَإِنَّمَا يدل على الِاسْتِحْبَاب قَالُوا وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا يحب الله العقوق كَأَنَّهُ كره الِاسْم وَقَالَ من ولد لَهُ ولد وَأحب أَن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَهَذَا مُرْسل وَقد رَوَاهُ مرّة عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ أرَاهُ عَن جده وروى مَالك عَن زيد بن أسلم عَن رجل من بني ضَمرَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا أحب العقوق وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كره الِاسْم وَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَإِذا انْضَمَّ إِلَى الأول قَوِيا قلت وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب قد جوده عبد الرَّزَّاق فَقَالَ أخبرنَا دَاوُد بن قيس قَالَ سَمِعت عَمْرو بن شُعَيْب يحدث عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَذكر الحَدِيث

стр. 60

الْفَصْل الثَّامِن - فِي الْوَقْت الَّذِي تسْتَحب فِيهِ الْعَقِيقَة قَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْمسَائِل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول الْعَقِيقَة تذبح يَوْم السَّابِع وَقَالَ صَالح بن أَحْمد قَالَ أبي فِي الْعَقِيقَة تذبح يَوْم السَّابِع فَإِن لم يفعل فَفِي أَربع عشرَة فَإِن لم يفعل فَفِي إِحْدَى وَعشْرين وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ قلت لأبي عبد الله مَتى يعق عَنهُ قَالَ أما عَائِشَة فَتَقول سَبْعَة أَيَّام وَأَرْبَعَة عشرَة ولأحد وَعشْرين وَقَالَ أَبُو طَالب قَالَ أَحْمد تذبح الْعَقِيقَة لأحد وَعشْرين يَوْمًا انْتهى وَالْحجّة على ذَلِك حَدِيث سَمُرَة الْمُتَقَدّم الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع وَيُسمى قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح وَقَالَ عبد الله ابْن وهب أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَمْرو عَن ابْن جريج عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة قَالَت عق رَسُول الله ﷺ عَن حسن وحسين يَوْم السَّابِع وسماهما وَأمر أَن يماط عَن رؤوسهما الْأَذَى وَقَالَ أَبُو بكر بن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ قَالَ حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ حَدثنَا أَبُو زُهَيْر عبد الرَّحْمَن بن مغراء حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحاق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أمرنَا رَسُول الله

стр. 61

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سَابِع الْمَوْلُود بِتَسْمِيَة وعقيقته وَوضع الْأَذَى عَنهُ وَهَذَا قَول عَامَّة أهل الْعلم وَنحن نحكي مَا بلغنَا من أَقْوَالهم وَأَرْفَع من رُوِيَ عَنهُ ذَلِك عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ كَمَا حَكَاهُ احْمَد عَنْهَا فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ وَكَذَلِكَ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة يعق عَنهُ يَوْم سابعه وَقَالَ أَبُو عمر وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَن الْغُلَام يَوْم سابعه فَإِن لم يعق عَنهُ عق عَن نَفسه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد يعق عَن الْمَوْلُود فِي أَيَّام سابعه فان لم يتهيأ لَهُم الْعَقِيقَة فِي سابعه فَلَا بَأْس أَن يعق عَنهُ بعد ذَلِك وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يعق عَنهُ بعد سَبْعَة أَيَّام قَالَ أَبُو عمر وَكَانَ اللَّيْث يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة فِي السَّبْعَة الْأَيَّام وَقَالَ عَطاء إِن اخطأ هم أَمر الْعَقِيقَة يَوْم السَّابِع أَحْبَبْت أَن يُؤَخِّرهُ إِلَى الْيَوْم السَّابِع الآخر وَكَذَلِكَ قَالَ احْمَد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ وَلم يزدْ مَالك على السَّابِع الثَّانِي وَقَالَ ابْن وهب لَا بَأْس أَن يعق عَنهُ فِي السَّابِع الثَّالِث وَهُوَ قَول عَائِشَة وَعَطَاء وَاحْمَدْ وَإِسْحَاق قَالَ مَالك وَلَا يعد الْيَوْم الَّذِي ولد فِيهِ إِلَّا أَن يُولد قبل الْفجْر من لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم وَالظَّاهِر أَن التَّقْيِيد بذلك اسْتِحْبَاب وَإِلَّا فَلَو ذبح عَنهُ فِي الرَّابِع أَو الثَّامِن أَو الْعَاشِر أَو مَا بعده أَجْزَأت وَالِاعْتِبَار بِالذبْحِ لَا بِيَوْم الطَّبْخ وَالْأكل الْفَصْل التَّاسِع فِي بَيَان أَن الْعَقِيقَة افضل من التَّصَدُّق بِثمنِهَا وَلَو زَاد قَالَ الْخلال بَاب مَا يسْتَحبّ من الْعَقِيقَة وفضلها على الصَّدَقَة اُخْبُرْنَا

стр. 62

سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث قَالَ سُئِلَ أَبُو عبد الله وَأَنا اسْمَع عَن الْعَقِيقَة أحب إِلَيْك أَو يدْفع ثمنهَا للْمَسَاكِين قَالَ الْعَقِيقَة وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحَارِث وَقد سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَقَالَ لَهُ صَالح ابْنه الرجل يُولد لَهُ وَلَيْسَ عِنْده مَا يعق أحب إِلَيْك أَن يستقرض ويعق عَنهُ أم يُؤَخر ذَلِك حَتَّى يوسر قَالَ أَشد مَا سمعنَا فِي الْعَقِيقَة حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ كل غُلَام رهينة بعقيقته وَإِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يعجل الله الْخلف لِأَنَّهُ أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله ﷺ وَاتبع مَا جَاءَ عَنهُ انْتهى وَهَذَا لِأَنَّهُ سنة ونسيكة مَشْرُوعَة بِسَبَب تجدّد نعْمَة الله على الْوَالِدين وفيهَا سر بديع موروث عَن فدَاء إِسْمَاعِيل بالكبش الَّذِي ذبح عَنهُ وفداه الله بِهِ فَصَارَ سنة فِي أَوْلَاده بعده أَن يفْدي أحدهم عِنْد وِلَادَته بِذبح وَلَا يستنكر أَن يكون هَذَا حرْزا لَهُ من الشَّيْطَان بعد وِلَادَته كَمَا كَانَ ذكر اسْم الله عِنْد وَضعه فِي الرَّحِم حرْزا لَهُ من ضَرَر الشَّيْطَان وَلِهَذَا قل من يتْرك أَبَوَاهُ الْعَقِيقَة عَنهُ إِلَّا وَهُوَ فِي تخبيط من الشَّيْطَان وأسرار الشَّرْع أعظم من

стр. 63

هَذَا وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب أَن الذّكر وَالْأُنْثَى يَشْتَرِكَانِ فِي مَشْرُوعِيَّة الْعَقِيقَة وَإِن تفاضلا فِي قدرهَا وَأما أهل الْكتاب فَلَيْسَتْ الْعَقِيقَة عِنْدهم للْأُنْثَى وَإِنَّمَا هِيَ للذّكر خَاصَّة وَقد ذهب إِلَى ذَلِك بعض السّلف قَالَ أَبُو بكر بن الْمُنْذر وَفِي هَذَا الْبَاب قَول ثَالِث قَالَه الْحسن وَقَتَادَة كَانَا لَا يريان عَن الْجَارِيَة عقيقة وَهَذَا قَول ضَعِيف لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَالسّنة تخَالفه من وُجُوه كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الَّذِي بعد هَذَا فَكَانَ الذّبْح فِي مَوْضِعه أفضل من الصَّدَقَة بِثمنِهِ وَلَو زَاد كالهدايا وَالْأَضَاحِي فَإِن نفس الذّبْح وإراقة الدَّم مَقْصُود فَإِنَّهُ عبَادَة مقرونة بِالصَّلَاةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ وَقَالَ ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾ الْأَنْعَام ١٦٢ فَفِي كل مِلَّة صَلَاة ونسيكة لَا يقوم غَيرهمَا مقامهما وَلِهَذَا لَو تصدق عَن دم الْمُتْعَة وَالْقرَان بأضعاف أَضْعَاف الْقيمَة لم يقم مقَامه وَكَذَلِكَ الْأُضْحِية وَالله أعلم الْفَصْل الْعَاشِر فِي تفاضل الذّكر وَالْأُنْثَى فِيهَا وَاخْتِلَاف النَّاس فِي ذَلِك وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَة الأولى الْعَقِيقَة سنة عَن الْجَارِيَة كَمَا هِيَ سنة عَن الْغُلَام هَذَا قَول جُمْهُور أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَقد تقدم مَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان عَن الْجَارِيَة

стр. 64

عقيقة وَلَعَلَّهُمَا تمسكا بقوله مَعَ الْغُلَام عقيقته وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحسن وَقَتَادَة من حَدِيث سَمُرَة والغلام اسْم الذّكر دون الْأُنْثَى وَيرد هَذَا القَوْل حَدِيث أم كرز أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة لَا يضر كم ذكرانا كن أم إِنَاثًا وَهُوَ حَدِيث صَحِيح صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَحَدِيث عَائِشَة أمرنَا ﷺ أَن نعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقد تقدم إِسْنَاده وَقَالَ أَبُو عَاصِم حَدثنَا سَالم بن تَمِيم عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام وَلَا تعق عَن الْجَارِيَة فعقوا عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هَذَا الطَّرِيق وَقَالَ مَالك يذبح عَن الْغُلَام شَاة وَاحِدَة وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَالذكر وَالْأُنْثَى فِي ذَلِك سَوَاء وَاحْتج لهَذَا القَوْل بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه حَدثنَا أَبُو معمر حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول ﷺ عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا

стр. 65

كَبْشًا كَبْشًا قَالَ أَبُو عمر وروى جَعْفَر عَن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن فَاطِمَة ذبحت عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا قَالَ وَكَانَ عبد الله بن عمر يعق عَن الغلمان والجواري من وَلَده شَاة شَاة وَبِه قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن ﵃ أَجْمَعِينَ كَقَوْل مَالك سَوَاء قَالَ أَبُو عمر وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة ثمَّ ذكر طرف حَدِيث أم كرز وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده يرفعهُ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَلَا تعَارض بَين أَحَادِيث التَّفْضِيل بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَبَين حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي عقيقة الْحسن وَالْحُسَيْن فَإِن حَدِيثه قد رُوِيَ بلفظين أَحدهمَا أَنه عق عَنْهُمَا كَبْشًا كَبْشًا وَالثَّانِي أَنه عق عَنْهُمَا كبشين وَلَعَلَّ الرَّاوِي أَرَادَ كبشين عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فاقتصر على قَوْله كبشين ثمَّ رُوِيَ بِالْمَعْنَى كَبْشًا كَبْشًا وذبحت أمهما عَنْهُمَا كبشين وَالْحَدِيثَانِ كَذَلِك رويا فَكَانَ أحد الكبشين من النَّبِي ﷺ وَالثَّانِي من فَاطِمَة واتفقت جَمِيع الْأَحَادِيث

стр. 66

وَهَذِه قَاعِدَة الشَّرِيعَة فَإِن الله سُبْحَانَهُ فَاضل بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَجعل الْأُنْثَى على النّصْف من الذّكر فِي الْمَوَارِيث والديات والشهادات وَالْعِتْق والعقيقة كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيّمَا امرىء مُسلم أعتق مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يجزىء كل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ وَأَيّمَا امرىء مُسلم أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار يجزىء كل عُضْو مِنْهُمَا عضوا مِنْهُ وَفِي مُسْند الامام أَحْمد من حَدِيث مرّة بن كَعْب السّلمِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَيّمَا رجل أعتق رجلا مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يجزىء بِكُل عُضْو من أَعْضَائِهِ عضوا من أَعْضَائِهِ وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة كَانَت فكاكها من النَّار يجزىء بِكُل عُضْو من أعضائها عضوا من أعضائها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السّنَن فجرت المفاضلة فِي الْعَقِيقَة هَذَا المجرى لَو لم يكن فِيهَا سنة كَيفَ وَالسّنَن الثَّابِتَة صَرِيحَة بالتفضيل

стр. 67

الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي ذكر الْغَرَض من الْعَقِيقَة وَحكمهَا وفوائدها قَالَ الْخلال فِي جَامعه بَاب ذكر الْغَرَض فِي الْعَقِيقَة وَمَا يؤمل لإحياء السّنة من الْخلف ثمَّ ذكر رِوَايَة الْحَارِث أَنه قَالَ لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فَإِن لم يكن عِنْده مَا يعق قَالَ إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَمن رِوَايَة صَالح عَن أَبِيه إِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يَجْعَل الله لَهُ الْخلف أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله ﷺ وَاتبع مَا جَاءَ عَنهُ وَمن فوائدها أَنَّهَا قرْبَان يقرب بِهِ عَن الْمَوْلُود فِي أول أَوْقَات خُرُوجه إِلَى الدُّنْيَا والمولود ينْتَفع بذلك غَايَة الِانْتِفَاع كَمَا ينْتَفع بِالدُّعَاءِ لَهُ وإحضاره مَوَاضِع الْمَنَاسِك وَالْإِحْرَام عَنهُ وَغير ذَلِك وَمن فوائدها أَنَّهَا تفك رهان الْمَوْلُود فَإِنَّهُ مُرْتَهن بعقيقته قَالَ الامام أَحْمد مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح مُرْتَهن بعقيقته قَالَ يحرم شَفَاعَة وَلَده وَمن فوائدها أَنَّهَا فديَة يفدى بهَا الْمَوْلُود كَمَا فدى الله سُبْحَانَهُ إِسْمَاعِيل الذَّبِيح بالكبش وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يفعلونها ويسمونها عقيقة ويلطخون رَأس الصَّبِي بدمها فَأقر رَسُول الله ﷺ الذّبْح وأبطل اسْم العقوق ولطخ رَأس الصَّبِي بدمها فَقَالَ لَا أحب العقوق وَقَالَ لَا يمس رَأس

стр. 68

الْمَوْلُود بِدَم وَأخْبر ﷺ أَن مَا يذبح عَن الْمَوْلُود إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يكون على سَبِيل النّسك كالأضحية وَالْهَدْي فَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل فَجَعلهَا على سَبِيل الْأُضْحِية الَّتِي جعلهَا الله نسكا وَفِدَاء لإسماعيل ﵇ وقربه إِلَى الله وَغير مستبعد فِي حِكْمَة الله فِي شَرعه وَقدره أَن يكون سَببا لحسن إنبات الْوَلَد ودوام سَلَامَته وَطول حَيَاته فِي حفظه من ضَرَر الشَّيْطَان حَتَّى يكون كل عُضْو مِنْهَا فدَاء كل عُضْو مِنْهُ وَلِهَذَا يسْتَحبّ أَن يُقَال عَلَيْهَا مَا يُقَال على الْأُضْحِية قَالَ أَبُو طَالب سَأَلت أَبَا عبد الله إِذا أَرَادَ الرجل أَن يعق كَيفَ يَقُول قَالَ يَقُول باسم الله ويذبح على النِّيَّة كَمَا يُضحي بنيته يَقُول هَذِه عقيقة فلَان بن فلَان وَلِهَذَا يَقُول فِيهَا اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك وَيسْتَحب فِيهَا مَا يسْتَحبّ فِي الْأُضْحِية من الصَّدَقَة وتفريق اللَّحْم فالذبيحة عَن الْوَلَد فِيهَا معنى القربان والشكران وَالْفِدَاء وَالصَّدَََقَة وإطعام الطَّعَام عِنْد حوادث السرُور الْعِظَام شكرا لله وَإِظْهَار لنعمته الَّتِي هِيَ غَايَة الْمَقْصُود من النِّكَاح فَإِذا شرع الْإِطْعَام للنِّكَاح الَّذِي هُوَ وَسِيلَة إِلَى حُصُول هَذِه النِّعْمَة فَلِأَن يشرع عِنْد الْغَايَة الْمَطْلُوبَة أولى وَأَحْرَى وَشرع بِوَصْف الذّبْح المتضمن لما ذَكرْنَاهُ من الحكم فَلَا أحسن وَلَا أحلى فِي الْقُلُوب من مثل هَذِه الشَّرِيعَة فِي الْمَوْلُود وعَلى نَحْو هَذَا جرت سنة الولائم

стр. 69

فِي المناكح وَغَيرهَا فَإِنَّهَا إِظْهَار للفرح وَالسُّرُور بِإِقَامَة شرائع الْإِسْلَام وَخُرُوج نسمه مسلمة يكاثر بهَا رَسُول الله ﷺ الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة تعبدا لله ويراغم عدوه وَلما أقرّ رَسُول الله ﷺ الْعَقِيقَة فِي الْإِسْلَام وأكد أمرهَا وَأخْبر أَن الْغُلَام مُرْتَهن بهَا نَهَاهُم أَن يجْعَلُوا على رَأس الصَّبِي من الدَّم شَيْئا وَسن لَهُم أَن يجْعَلُوا عَلَيْهِ شَيْئا من الزَّعْفَرَان لأَنهم فِي الْجَاهِلِيَّة إِنَّمَا كَانُوا يلطخون رَأس الْمَوْلُود بِدَم الْعَقِيقَة تبركا بِهِ فَإِن دم الذَّبِيحَة كَانَ مُبَارَكًا عِنْدهم حَتَّى كَانُوا يلطخون مِنْهُ آلِهَتهم تَعْظِيمًا لَهَا وإكراما فَأمر بترك ذَلِك لما فِيهِ من التَّشَبُّه بالمشركين وعوضوا عَنهُ بِمَا هُوَ أَنْفَع لِلْأَبَوَيْنِ وللمولود وللمساكين وَهُوَ حلق رَأس الطِّفْل وَالتَّصَدُّق بزنة شعره ذَهَبا أَو فضَّة وَسن لَهُم أَن يلطخوا الرَّأْس بالزعفران الطّيب الرَّائِحَة الْحسن اللَّوْن بَدَلا عَن الدَّم الْخَبيث الرَّائِحَة النَّجس الْعين والزعفران من أطيب الطّيب وألطفه وَأحسنه لونا وَكَانَ حلق رَأسه إمَاطَة الْأَذَى عَنهُ وَإِزَالَة الشّعْر الضَّعِيف ليخلفه شعر أقوى وَأمكن مِنْهُ وأنفع للرأس وَمَعَ مَا فِيهِ من التَّخْفِيف عَن الصَّبِي وَفتح مسام الرَّأْس ليخرج البخار مِنْهَا بيسر وسهولة وَفِي ذَلِك تَقْوِيَة بَصَره وَشمه وسَمعه وَشرع فِي الْمَذْبُوح عَن الذّكر أَن يكون شَاتين إِظْهَار لشرفه وَإِبَاحَة

стр. 70

لمحله الَّذِي فَضله الله بِهِ على الْأُنْثَى كَمَا فَضله فِي الْمِيرَاث وَالدية وَالشَّهَادَة وَشرع أَن تكون الشاتان مكافئتين قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد مستويتان أَو متقاربتان وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ مثلان فِي رِوَايَة جَعْفَر بن الْحَارِث تشبه إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لِأَن كل شَاة مِنْهُمَا كَانَت بَدَلا وَفِدَاء وَجعلت الشاتان مكافئتين فِي الْجِنْس وَالسّن فجعلتا كالشاة الْوَاحِدَة وَالْمعْنَى أَن الْفِدَاء لَو وَقع بِالشَّاة الْوَاحِدَة لَكَانَ يَنْبَغِي أَن تكون فاضلة كَامِلَة فَلَمَّا وَقع بالشاتين لم يُؤمن أَن يتجوز فِي إِحْدَاهمَا ويهون أمرهَا إِذْ كَانَ قد حصل الْفِدَاء بالواحدة وَالْأُخْرَى كَأَنَّهَا تتمه غير مَقْصُود فشرع أَن تَكُونَا متكافئتين دفعا لهَذَا التَّوَهُّم وَفِي هَذَا تَنْبِيه على تَهْذِيب الْعَقِيقَة من الْعُيُوب الَّتِي لَا يَصح بهَا القربان من الْأَضَاحِي وَغَيرهَا وَمِنْهَا فك رهان الْمَوْلُود فَإِنَّهُ مُرْتَهن بعقيقته كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَقد اخْتلف فِي معنى هَذَا الْحَبْس والارتهان فَقَالَت طَائِفَة هُوَ مَحْبُوس مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ كَمَا قَالَ عَطاء وَتَبعهُ عَلَيْهِ الامام أَحْمد وَفِيه نظر لَا يخفى فَإِن شَفَاعَة الْوَلَد فِي الْوَالِد لَيست بِأولى من الْعَكْس وَكَونه والدا لَهُ لَيْسَ للشفاعة فِيهِ وَكَذَا سَائِر الْقرَابَات والارحام وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا﴾

стр. 71

) لُقْمَان ٣٣ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ الْبَقَرَة ٤٨ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ الْبَقَرَة ٢٥٤ فَلَا يشفع أحد لأحد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى فإذنه سُبْحَانَهُ فِي الشَّفَاعَة مَوْقُوف على عمل الْمَشْفُوع لَهُ من توحيده وإخلاصه وَمن الشافع من قربه عِنْد الله ومنزلته لَيست مُسْتَحقَّة بِقرَابَة وَلَا بنوة وَلَا أبوة وَقد قَالَ سيد الشفعاء وأوجههم عِنْد الله لِعَمِّهِ ولعمته وَابْنَته لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا وَفِي رِوَايَة لَا أملك لكم من الله شَيْئا وَقَالَ فِي شَفَاعَته الْعُظْمَى لما يسْجد بَين يَدي ربه ويشفع فَيحد لي حدا فَأخْرجهُمْ من النَّار وأدخلهم الْجنَّة فشفاعته فِي حد مَحْدُود يحدهم الله سُبْحَانَهُ لَهُ لَا يجاوزهم شَفَاعَته فَمن أَيْن يُقَال إِن الْوَلَد يشفع لوالده فَإِذا لم يعق عَنهُ حبس عَن الشَّفَاعَة لَهُ وَلَا يُقَال لمن لم يشفع لغيره إِنَّه مُرْتَهن وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل على ذَلِك

стр. 72

وَالله سُبْحَانَهُ يخبر عَن ارتهان العَبْد بِكَسْبِهِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ المدثر ٣٨ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا﴾ الْأَنْعَام ٧٠ فالمرتهن هُوَ الْمَحْبُوس إِمَّا بِفعل مِنْهُ أَو فعل من غَيره وَأما من لم يشفع لغيره فَلَا يُقَال لَهُ مُرْتَهن على الْإِطْلَاق بل الْمُرْتَهن هُوَ الْمَحْبُوس عَن أَمر كَانَ بصدد نيله وحصوله وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون بِسَبَب مِنْهُ بل يحصل ذَلِك تَارَة بِفِعْلِهِ وَتارَة بِفعل غَيره وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ النسيكة عَن الْوَلَد سَببا لفك رهانه من الشَّيْطَان الَّذِي يعلق بِهِ من حِين خُرُوجه إِلَى الدُّنْيَا وَطعن فِي خاصرته فَكَانَت الْعَقِيقَة فدَاء وتخليصا لَهُ من حبس الشَّيْطَان لَهُ وسجنه فِي أسره وَمنعه لَهُ من سَعْيه فِي مصَالح آخرته الَّتِي إِلَيْهَا معاده فَكَأَنَّهُ مَحْبُوس لذبح الشَّيْطَان لَهُ بالسكين الَّتِي أعدهَا لأتباعه وأوليائه وَأقسم لرَبه أَنه ليستأصلن ذُرِّيَّة آدم إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَهُوَ بالمرصاد للمولود من حِين يخرج إِلَى الدُّنْيَا فحين يخرج يبتدره عدوه ويضمه إِلَيْهِ ويحرص على أَن يَجعله فِي قَبضته وَتَحْت أسره وَمن جملَة أوليائه وَحزبه فَهُوَ أحرص شَيْء على هَذَا وَأكْثر المولودين من أقطاعه وجنده كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد﴾ الْإِسْرَاء ٦٤ وَقَالَ ﴿وَلَقَد صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه﴾

стр. 73

سبأ ٢٠ فَكَانَ الْمَوْلُود بصدد هَذَا الارتهان فشرع الله سُبْحَانَهُ للْوَالِدين أَن يفكا رهانه بِذبح يكون فدَاه فَإِذا لم يذبح عَنهُ بَقِي مرتهنا بِهِ فَلهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته فأريقوا عَنهُ الدَّم وأميطوا عَنهُ الْأَذَى فَأمر بإراقة الدَّم عَنهُ الَّذِي يخلص بِهِ من الارتهان وَلَو كَانَ الارتهان يتَعَلَّق بالأبوين لقَالَ فأريقوا عَنْكُم الدَّم لتخلص إِلَيْكُم شَفَاعَة أَوْلَادكُم فَلَمَّا أَمر بِإِزَالَة الْأَذَى الظَّاهِر عَنهُ وإراقة الدَّم الَّذِي يزِيل الْأَذَى الْبَاطِن بارتهانه علم أَن ذَلِك تَخْلِيص للمولود من الْأَذَى الْبَاطِن وَالظَّاهِر وَالله أعلم بمراده وَرَسُوله الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي اسْتِحْبَاب طبخها دون إِخْرَاج لَحمهَا نيئا قَالَ الْخلال فِي جَامعه بَاب مَا يسْتَحبّ من ذبح الْعَقِيقَة أَخْبرنِي عبد الْملك الْمَيْمُونِيّ أَنه قَالَ لأبي عبد الله الْعَقِيقَة تطبخ قَالَ نعم وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ حَدثنَا الْأَثْرَم أَن أَبَا عبد الله قَالَ فِي الْعَقِيقَة تطبخ جداول وَأَخْبرنِي أَبُو دَاوُد أَنه قَالَ لأبي عبد الله تطبخ الْعَقِيقَة قَالَ نعم قيل لَهُ إِنَّه يشْتَد عَلَيْهِم طبخه قَالَ يتحملون ذَلِك

стр. 74

وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل بن زِيَاد حَدثهمْ أَن أَبَا عبد الله قيل لَهُ فِي الْعَقِيقَة تطبخ بِمَاء وملح قَالَ يسْتَحبّ ذَلِك قيل لَهُ فَإِن طبخت بِشَيْء آخر قَالَ مَا ضرّ ذَلِك وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذا طبخها فقد كفى الْمَسَاكِين وَالْجِيرَان مُؤنَة الطَّبْخ وَهُوَ زِيَادَة فِي الْإِحْسَان وشكر هَذِه النِّعْمَة ويتمتع الْجِيرَان وَالْأَوْلَاد وَالْمَسَاكِين بهَا هنيئة مكفية الْمُؤْنَة فَإِن من أهدي لَهُ لحم مطبوخ مُهَيَّأ للْأَكْل مُطيب كَانَ فرحه وسروره بِهِ أتم من فرحه بِلَحْم نيء يحْتَاج إِلَى كلفة وتعب فَلهَذَا قَالَ الإِمَام أَحْمد يتحملون ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الْأَطْعِمَة الْمُعْتَادَة الَّتِي تجْرِي مجْرى الشكران كلهَا سَبِيلهَا الطَّبْخ وَلها أَسمَاء مُتعَدِّدَة ١ _ فالقرى طَعَام الضيفان ٢ _ والمأدبة طَعَام الدعْوَة ٣ _ والتحفة طَعَام الزائر ٤ _ والوليمة طَعَام الْعرس ٥ _ والخرس طَعَام الْولادَة ٦ _ والعقيقة الذّبْح عَنهُ يَوْم حلق رَأسه فِي السَّابِع ٧ _ والغديرة طَعَام الْخِتَان ٨ _ والوضيمة طَعَام المأتم ٩ _ والنقيعة طَعَام القادم من سَفَره ١٠ _ والوكيرة طَعَام الْفَرَاغ من الْبناء فَكَانَ الْإِطْعَام عِنْد هَذِه الْأَشْيَاء أحسن من تَفْرِيق اللَّحْم

стр. 75

الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي كَرَاهَة كسر عظامها قَالَ الْخلال فِي جَامعه بَاب كَرَاهَة كسر عظم الْعَقِيقَة وَأَن تقطع آرابا أَخْبرنِي عبد الْملك بن عبد الحميد أَنه سمع أَبَا عبد الله يَقُول فِي الْعَقِيقَة لَا يكسر عظمها وَلَكِن يقطع كل عظم من مفصله فَلَا تكسر الْعِظَام أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ قلت لأبي كَيفَ يصنع بالعقيقة قَالَ تفصل أعضاؤها وَلَا يكسر لَهَا عظم ثمَّ ذكر عَن صَالح وحنبل وَالْفضل بن زِيَاد وَأبي الْحَارِث وَأبي طَالب أَن أَبَا عبد الله قَالَ فِي الْعَقِيقَة تفصل تَفْصِيلًا وَلَا يكسر لَهَا عظم وتفصل جداول وَقد ذكر أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْمَرَاسِيل عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْعَقِيقَة الَّتِي عقتها فَاطِمَة عَن الْحسن وَالْحُسَيْن أَن ابْعَثُوا إِلَى الْقَابِلَة مِنْهَا بِرَجُل وكلوا وأطعموا وَلَا تكسروا مِنْهَا عظما وَذكر الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْوَارِث عَن عَامر الْأَحول عَن عَطاء
следующие страницы →