Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مُقَدّمَة الْمُؤلف
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة نَاصِر السّنة شهَاب الدّين
أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن اسماعيل بن ابراهيم الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ الْحَمد لله هادي الورى طرق الْهدى وزاجرهم عَن أَسبَاب التَّهْلُكَة والردى وَصلَاته وَسَلَامه على عبَادَة الَّذين اصْطفى من ملك وَنَبِي مرتضى وَعبد صَالح أتبع مَا شرعة فاهتدى وإياه نسْأَل بمنه وفضله أَن ينفعنا بِالْعلمِ وَأَن يجعلنا من أَهله وَأَن يوفقنا للْعَمَل بِمَا علمنَا وَتعلم مَا جهلنا وَإِلَيْهِ نرغب فِي أَن يعيذنا من أَتبَاع الْهوى وركوب مَالا يرتضى وَأَن نشرع فِي دينه مالم يشرع أَو أَن نقُول عَلَيْهِ مالم يَصح أَو يسمع وَأَن يعصمنا فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال من تَزْيِين الشَّيْطَان لنا سوء الْأَعْمَال وَأَن يَقِينا زلَّة الْعَالم وَأَن يُبصرنَا بعيوننا فَمَا خلق من الْعَيْب بسالم وَأَن يرشدنا لقبُول نصح الناصح وسلوك الطَّرِيق والواضح فَمَا أسعد من ذكر فَتذكر وبصر بعيوبه فتبصر وَصلى الله على من بَعثه بِالدّينِ القويم والصراط الْمُسْتَقيم فأكمل بِهِ الدّين وأوضح بِهِ الْحق المستبين مُحَمَّد بن عبد الله أبي الْقَاسِم الْمُصْطَفى الْأمين صَلَاة الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ ورضى الله عَن الآئمة التَّابِعين وَالْعُلَمَاء من بعدهمْ العاملين الَّذين بلغُوا الينا سنته وشرحوا لنا هَدِيَّة وطريقته وأصلوا لنا أصولا ترجع إِلَيْهَا فيمَ أشكل علينا ونستضيء بهَا مَا استبهم علينا وميزوا مَا نقلوا إِلَيْنَا عَنهُ من بَين مَا يجب الرُّجُوع اليه من ذَلِك وَمَا يطْرَح وَمَا يوضع عَلَيْهِ مِمَّا قد تبين أمره واتضح فَالْوَاجِب على الْعَالم فِيمَا يرد عَلَيْهِ من الوقائع وَمَا يسْأَل عَنهُ من الشَّرَائِع الرُّجُوع الى مادل عَلَيْهِ كتاب الله الْمنزل وَمَا صَحَّ عَن نبيه الْمُرْسل وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من الصَّدْر الاول
стр. 2
فَمَا وَافق ذَلِك أذن فِيهِ وَأمر وَمَا خَالفه نهى عَنهُ وزجر فَيكون قد آمن بذلك وَاتبع وَلَا يستحسن فَإِن من اسْتحْسنَ فقد شرع
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون قَالَ حَدثنِي عبد الله بن اسحق الْجَعْفَرِي قَالَ كَانَ عبد الله بن الْحسن يكثر الْجُلُوس الى ربيعَة قَالَ فتذاكروا يَوْمًا السّنَن فَقَالَ رجل كَانَ فِي الْمجْلس لَيْسَ الْعَمَل على هَذَا فَقَالَ عبد الله أَرَأَيْت ان كثر الْجُهَّال حَتَّى يَكُونُوا هم الْحُكَّام فهم الْحجَّة على السّنة فَقَالَ ربيعَة أشهد أَن هَذَا الْكَلَام أَبنَاء الْأَنْبِيَاء
وَبعد هَذَا كتاب جمعته محذرا من الْبدع زاجرا لمن وفْق لذَلِك وارتدع ممتثلا بِهِ قَول رب الْعَالمين وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ وسميته الْبَاعِث على إِنْكَار الْبدع والحوادث فَمَا على الْعَالم إِلَّا نشر علمه وَالله يهدي من يَشَاء الى مراسم حكمه وَمَا أحسن مَا روى عَن الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت سُفْيَان بن عيبنة قَالَ إِن الْعَالم لَا يمارى وَلَا يُدَارِي ينشر حكمه الله تَعَالَى فان قبلت حمد الله وَإِن ردَّتْ حمد الله
قلت ثمَّ كَانَ من الْعَجَائِب والغرائب أَن وَقع فِي زَمَاننَا نزاع فِي بِدعَة صَلَاة الرغائب واحتيج بذلك الى التصنيف الْمُشْتَمل على ذمّ الْمُخَالف والتعفيف فحملتني الأنفة للْعلم وَالْحمية لصدق على تَمْيِيز الْبَاطِل من الْحق فألفت هَذَا الْجُزْء الْمَوْصُوف بالإنصاف فِيمَا وَقع فِي صَلَاة الرغائب من الإختلال وأضفت الى ذَلِك بَيَان الْبدع فِي غَيره مِمَّا يُنَاسِبه وضممت اليه مَا يُقَارِبه رغبه فِي تَعْلِيل المحن من مُخَالفَة السّنَن وقمعا للطائفة المبتدعة ورفعا لمنار المتشرعة وَالله الْكَرِيم أسَال ذَا الْجلَال الْأَكْمَل وَالعطَاء الأجزل أَن يسْلك بِنَا السَّبِيل الأعدل وَالطَّرِيق الأمثل فَهُوَ المؤمل لإجابة دُعَاء من أمل
стр. 3
فصل فِي تحذير النَّبِي ﷺ أَصْحَابه وَمن بعدهمْ من الْبدع ومحدثات الْأُمُور
وَقد حذر النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَمن بعدهمْ أهل زمانهم الْبدع ومحدثات الْأُمُور وَأمرُوهُمْ بالأتباع الَّذِي فِيهِ النجَاة من كل مَحْذُور وَجَاء فِي كتاب الله تَعَالَى من الْأَمر بالأتباع بِمَا لَا يرْتَفع مَعَه التّرْك قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَهَذَا نَص فِيمَا نَحن فِيهِ وَقد روينَا عَن أبي الْحجَّاج بن جُبَير الْمَكِّيّ وَهُوَ من كبار التَّابِعين وَإِمَام الْمُفَسّرين قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا السبل﴾ قَالَ الْبدع والشبهات
وَقَالَ ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ قَالَ إمامنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ادريس الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الرسَالَة يَعْنِي وَالله أعلم الى مَا قَالَ الله وَالرَّسُول
وروينا عَن أبي عبد الله مَيْمُون بن مهْرَان الحرومي وَهُوَ من فُقَهَاء التَّابِعين قَالَ فِي هَذِه الْآيَة الرَّد الى الله الرَّد الى كِتَابه وَالرَّدّ الى رَسُوله إِذا قبض الى سنته
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمه قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب بأخذون بسنته ويقتدون بأَمْره وَفِي رِوَايَة يَهْتَدُونَ
стр. 4
بهدية ويستنون بسنته ثمَّ أَنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل
وَفِيه عَن جَابر بن عبد الله رضى الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول فِي خطبَته خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثه بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو بكر البهيقي فِي كتاب الإعتقاد بِلَفْظ أصدق الحَدِيث كتاب الله وَأحسن الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَزَاد وكل ضَلَالَة فِي النَّار
وَأخْبرنَا أَبُو النجي الحريمي أخبرنَا ابو الْوَقْت عبد الأول أخبرنَا أَبُو الْحسن الداؤدي أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْحَمَوِيّ أخبرنَا أَبُو عمرَان السَّمرقَنْدِي أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ أخبرنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن زيد حَدثنَا عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ قَالَ خطّ لنا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا خطا ثمَّ قَالَ هَذَا سَبِيل الله ثمَّ خطّ خُطُوطًا عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله ثمَّ قَالَ هَذِه سبل على كل سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ ثمَّ تلى وَإِن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فابتعوه وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله
وَبِه الى الدَّارمِيّ أخبرنَا أَبُو عَاصِم أخبرنَا ثَوْر بن يزِيد حَدثنَا خَالِد بن معدان عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عَمْرو عَن عرباض بن ساريا رضى الله عَنهُ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْفجْر ثمَّ وعظنا موعظة بليغة ذرفت مِنْهَا الْعُيُون ووجلت مِنْهَا الْقُلُوب فَقَالَ قَائِل يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا فَقَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن
стр. 5
كَانَ عبدا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم بعدِي فسيرى إختلافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عُضْو عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم والمحدثنات فَإِن كل محدثة بدعه قَالَ أَبُو عَاصِم مرّة وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة أخرجه أَبُو دَاوُود وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أبي دَاوُود من ابراهيم بن سعد عَن أَبِيه سعد بن أبراهيم عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحدث فِي أمرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَفِي رِوَايَة من صنع أمرا على غير أمرنَا فَهُوَ رد أَي مَرْدُود على فَاعله
وَقَالَ الدَّارمِيّ أخبرنَا مَرْوَان بن مُحَمَّد أخبرنَا سعيد عَن ربيعَة بن زيد قَالَ قَالَ معَاذ بن جبل رضى الله عَنهُ يفتح الْقُرْآن على النَّاس حَتَّى يقرأه الصَّبِي وَالْمَرْأَة وَالرجل فَيَقُول الرجل قد قَرَأت الْقُرْآن فَلم أتبع وَالله لأقومن بِهِ فيهم لعَلي أتبع فَيقوم بِهِ فيهم فَلَا يتبع فَيَقُول قد قَرَأت الْقُرْآن فَلم اتبع بِهِ وَقد قُمْت بِهِ فَلم أتبع لأختصرن فِي بَيْتِي مَسْجِدا لعَلي أتبع فيختصر فِي بَيته مَسْجِدا فَلَا يتبع فَيَقُول قد قَرَأت الْقُرْآن فَلم أتبع وَقمت بِهِ فيهم فَلم أتبع وَقد اختصرت فِي بَيْتِي فِي مَسْجِدا فَلم أتبع وَالله لأتينهم بِحَدِيث لَا يجدونه فِي كتاب الله وَلم يسمعوه عَن رَسُول الله ﷺ لعَلي أتبع قَالَ معَاذ فأياكم وَمَا جَاءَ بِهِ فَإِن مَا جَاءَ بِهِ ضَلَالَة وَأخرج أَبُو دوواد هَذَا الْأَثر بِلَفْظ آخر فَقَالَ قَالَ معَاذ إِن من وَرَائِكُمْ فتن يكثر فِيهَا المَال وَيفتح فِيهَا الْقُرْآن حَتَّى يَأْخُذهُ الْمُؤمن وَالْمُنَافِق وَالرجل وَالْمَرْأَة وَالصَّغِير وَالْكَبِير وَالْعَبْد وَالْحر فيوشك أَن يَقُول قَائِل مَا للنَّاس لَا يتبعوني وَقد قَرَأت الْقُرْآن مَا هم بمتبعي حَتَّى ابتدع لَهُم غَيره فأياكم وَمَا ابتدع فَإِنَّمَا إبتدع ضَلَالَة وأحذروا زيغة الْحَكِيم فَإِن الشَّيْطَان قد يَقُول كلمة الضلال على لِسَان الْحَكِيم وَقد يَقُول الْمُنَافِق كلمة الْحق
стр. 6
قَالَ الدَّارمِيّ أخبرنَا الحكم بن الْمُبَارك أخبرنَا عمر بن يحيى قَالَ سَمِعت أبي يحدث عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا نجلس على بَاب عبد الله بن مَسْعُود قبل صَلَاة الْغَدَاة فَإِذا خرج مشينا مَعَه الى الْمَسْجِد فجاءنا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ أخرج عَلَيْكُم أَبُو عبد الرَّحْمَن بعد قُلْنَا لَا فَجَلَسَ مَعنا حَتَّى خرج فَلَمَّا خرج قمنا اليه جَمِيعًا فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَنِّي رَأَيْت فِي الْمَسْجِد آنِفا أمرا أنكرته وَلم أر وَالْحَمْد لله إِلَّا خيرا قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ إِن عِشْت فستراه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَسْجِد قوما حلقا جُلُوسًا ينتظرون الصَّلَاة فِي كل حَلقَة رجل وَفِي أَيْديهم حَصى فَيَقُول كبروا مائَة فيكبرون مائَة فَيَقُول هللوا مائَة فيهللون مائَة فَيَقُول سبحوا مائَة فيسبحون مائَة قَالَ فَمَاذَا قلت لَهُم قَالَ مَا قلت لَهُم شَيْئا انتظارك رَأْيك اَوْ انْتِظَار أَمرك قَالَ أَفلا أَمرتهم أَن يعدوا سيآتهم وضمنت لَهُم أَن لَا يضيع من حسناتهم شَيْء ثمَّ مضى ومضينا مَعَه حَتَّى أَنِّي حَلقَة من تِلْكَ الْحلق فَوقف عَلَيْهِم فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي آراكم تَصْنَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن حَصى نعد بِهِ التَّكْبِير والنهليل وَالتَّسْبِيح والتحميد قَالَ فعدوا سَيِّئَاتكُمْ فَأَنا ضَامِن أَن لَا يضيع من حسناتكم شَيْء وَيحكم يَا أمة مُحَمَّد مَا أسْرع هلكتكم هَؤُلَاءِ أصحابة متوافرون وَهَذِه ثِيَابه لم قبل وآنيته لم تكسر وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ انكم لعلى مِلَّة هِيَ أهْدى من مِلَّة مُحَمَّد أَو مفتتحوا بَاب ضَلَالَة قَالُوا وَالله يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا أردنَا إِلَّا الْخَيْر قَالَ وَكم من مُرِيد للخير لن يُصِيبهُ أَن رَسُول الله ﷺ حَدثنَا أَن قوما يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم وأيم الله لَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرهم مِنْكُم ثمَّ تولى عَنْهُم فَقَالَ عَمْرو بن سَلمَة رَأينَا عَامَّة اولئك يطاعنونا يَوْم النَّهر وان مَعَ الْخَوَارِج
أخبرنَا يعلي حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب عَن عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ عبد الله أتبعوا وَلَا تبتدعوا فقد كفيتم
أخبرنَا مُوسَى بن خَالِد حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة
стр. 7
وَمَالك بن الْحَرْث عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله قَالَ الْقَصْد فِي السّنة خير من الِاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة
أخبرنَا أَبُو الْمُغيرَة أخبرنَا الآوزاعي عَن يحيى بن أبي قلَابَة قَالَ عبد الله بن مَسْعُود تعلمُوا الْعلم قبل أَن يقبض وَقَبضه ذهَاب أَهله أَلا وَإِيَّاكُم والتنطع والتعمق والبدع وَعَلَيْكُم بالعتيق
أخبرنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن حَفْص بن غياث حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ عبد الله أَيهَا النَّاس إِنَّكُم ستحدثون وَيحدث لكم فَإِذا رَأَيْتُمْ محدثة فَعَلَيْكُم بِالْأَمر الأول قَالَ حَفْص كنت أسْند هَذَا عَن حبيب عَن أبي عبد الرَّحْمَن ثمَّ دخلني مِنْهُ شكّ
أخبرنَا أَبُو النُّعْمَان حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن بَيَان بن بشر عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ دخل أَبُو بكر رضى الله عَنهُ على أمْرَأَة من أحمس يُقَال لَهَا زَيْنَب فرآها لَا تَتَكَلَّم قَالُوا نَوَت حجَّة مصمتة فَقَالَ لَهَا تكلمي فإ هَذَا لَا يحل هَذَا من عمل الْجَاهِلِيَّة
أخبرنَا مُحَمَّد ابْن عُيَيْنَة أخبرنَا عَليّ بن مسْهر عَن أبي اسحق عَن الشّعبِيّ عَن زِيَاد بن حدير قَالَ قَالَ لي عمر هَل تعرف مَا يهدم الأسلام قلت لَا قَالَ يهدمه زلَّة الْعَالم وجدال الْمُنَافِق بِالْكتاب وَحكم الْأَئِمَّة المضلين
أخبرنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي اللَّيْث حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب عَن عمر بن الْأَشَج ان عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ قَالَ أَنه سَيَأْتِي نَاس يجادلونكم بشبهات الْقُرْآن فخذوهم بالسنن فَإِن اصحاب السّنَن أعلم بِكِتَاب الله تَعَالَى
أخبرنَا أَبُو نعيم حَدثنَا زَمعَة بن صَالح عَن عُثْمَان بن حَاضر الْأَزْدِيّ
стр. 8
دخلت على ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا فَقلت أوصني فَقَالَ نعم عَلَيْك بتقوى الله تَعَالَى والاستقامة اتبع وَلَا تبتدع
وَأخرج الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ ﵀ فِي كتاب السّنَن الْكَبِير بِسَنَدِهِ الى ابْن عَبَّاس ان ابغض الْأُمُور الى الله تَعَالَى الْبدع وان من الْبدع الإعتكاف فِي الْمَسَاجِد الَّتِي فِي الدّور
وَفِي سنَن ابي دَاوُد عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضى الله عَنْهُمَا كل عبَادَة لَا يتعبدها أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَا تعبدوها فان الأول لم يدع للْآخر مقَالا فَاتَّقُوا الله يَا معشر الْقُرَّاء وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ
وَفِي كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى أوصيكم بتقوى الله تَعَالَى والأقتصاد فِي أمره وَاتِّبَاع سنة رَسُول الله ﷺ وَترك مَا أحدث المحدثون بعد
قَالَ الدِّرَامِي أخبرنَا الْحُسَيْن بن مَنْصُور حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن مبارك عَن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ سنتكم وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ بَينهمَا بَين الغالي والجافي فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رحمكم الله فان أهل السّنة كَانُوا أقل النَّاس فِيمَا بَقِي الَّذين لم يذهبوا مَعَ أهل الأتراف فِي اترافهم وَلَا مَعَ أهل الْبدع فِي بدعهم وصبروا على سنتهمْ حَتَّى لقوا رَبهم فَكَذَلِك إِن شَاءَ الله فكونوا
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبينة عَن أبي اسحق الْفَزارِيّ عَن لَيْث بن أَيُّوب عَن ابْن سير بن قَالَ مَا أَخذ رجل ببدعة فراجع سنة
قَالَ أَحْمد بن عَليّ بن سعيد القَاضِي حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد أخبرنَا مبارك عَن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عمل قَلِيل فِي سنة خير من عمل كثير فِي بدعه حَدثنَا ابْن أبي اسرائيل حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام عَن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ لَا يقبل الله لصَاحب بِدعَة صوما وَلَا صَلَاة وَلَا حجَّة وَلَا عمْرَة حَتَّى يَدعهَا
стр. 9
حَدثنَا أبن أبي إِسْرَائِيل قَالَ حسان بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا مُحَمَّد بن مُسلم قَالَ من وقر صَاحب بِدعَة فقد أعَان على هدم الْإِسْلَام قَالَ أَبُو معشر سَأَلت إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هَذِه الْأَهْوَاء فَقَالَ مَا جعل الله فِي شَيْء مِنْهَا مِثْقَال ذرة من خير مَا هِيَ إِلَّا نَزعَة من الشَّيْطَان عَلَيْك بِالْأَمر الأول
أخبرنَا غير وَاحِد إجَازَة عَن الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي وابي الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَا أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الْحُسَيْن بن زَكَرِيَّا الطريثيثي المقريء قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن بن مَنْصُور الطَّبَرِيّ فِي كتاب شرح الْحجَج أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِإِسْنَادِهِ أَن عبد الْملك ابْن مَرْوَان سَأَلَ غُضَيْف بن الْحَرْث عَن الْقَصَص وَرفع الْأَيْدِي على المنابر فَقَالَ غُضَيْف انهما لمن أَمْثَال مَا أحدثتم وَإِنِّي لَا اجيبك إِلَيْهِمَا لِأَنِّي حدثت ان رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أمة تحدث فِي دينهَا بِدعَة إِلَّا أضاعت مثلهَا من السّنة والتمسك بِالسنةِ أحب الى من أَن أحدث بِدعَة وَفِيه عَن شبابه قَالَ حَدثنَا هِشَام بن الْغَاز عَن نَافِع عَن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ كل بِدعَة ضَلَالَة وَإِن رَآهَا النَّاس حَسَنَة
٢
- فصل فِي إِنْكَار الْمُنكر وإحياء السّنَن وإماتة الْبدع
وَمن اتِّبَاع سنة رَسُول الله ﷺ وَسنة خلفائه الرَّاشِدين رضى الله عَنْهُم إِنْكَار الْمُنكر وإحياء السّنَن وإماتة الْبدع فَفِي ذَلِك أفضل أجر وأجمل ذكر
فَفِي حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ عَن أَبِيه عَن جده رضى الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَحْيَا سنة من سنتي قد أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الْأجر مثل من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لَا يرضاها الله وَلَا رسلوه كَانَ عَلَيْهِ من الْإِثْم مثل آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئا أخرجه ابْن ماجة والتزمذي وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن
стр. 10
وَأخرج الدَّارمِيّ وَأَبُو دَاوُد نَحوه من حَدِيث أبي هريره فَقَالَ الدَّارمِيّ أخبرنَا الْوَلِيد بن شُجَاع حَدثنَا اسماعيل بن جَعْفَر عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن ابْن يَعْقُوب مولى الْخِرْقَة عَن أبي هريره رضى الله عَنهُ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ من دعى الى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه لَا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئا وَمن دعى الى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ من الْإِثْم مثل آثام من تبعه لَا ينقص ذَلِك من آثامهم شَيْئا
أخبرنَا عَليّ بن حجر أخبرنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن عِيسَى الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ عَن أبي ذَر رضى الله عَنهُ أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن لَا تغلبُوا على ثَلَاث أَن تأمروا بِالْمَعْرُوفِ واتنهوا عَن الْمُنكر وتعلموا النَّاس السّنَن
أخبرنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أبي أَسمَاء عَن ثَوْبَان رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا أَخَاف على أمتِي الْأَئِمَّة المضلين
أخبرنَا مُحَمَّد بن الصَّلْت حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن أَخ لعدي ابْن أَرْطَاة عَن ابي الدَّرْدَاء رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الآئمة المضلون
وَأخرج الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمدْخل من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَائِم بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي لَهُ أجر مائَة شَهِيد جعلنَا الله من القائمين بسنته عِنْد فَسَاد أمته وأعاننا على ردع من ابتدع وأصر وتذكير من سَهَا وَاسْتمرّ وَالْأَمر بالاتباع لمن أنكر واجتنب ومساعدته فِي فعل مَا وَجب خلافًا لمن أنكر حَقه وَجحد وعارضه فِيمَا لَهُ قصد وسلك طَرِيقه من أسر خلاف مَا أعلن وسبيل الَّذين يجادلون فِي الْحق بَعْدَمَا تبين اتبَاعا للهوى وَقد خَابَ من افترى وقصدنا بذلك امْتِثَال أَمر الْمُصْطَفى ﷺ فِيمَا أَمر بِهِ من النَّصِيحَة والنصرة
стр. 11
الصَّحِيحَة فقد صَحَّ عَنهُ من حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الدّين النَّصِيحَة ثَلَاث مَرَّات قَالُوا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه ولرسله ولأئمة الْمُؤمنِينَ وعامتهم
وَمن حَدِيث ثَوْبَان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق طاهرين لَا يضرهم من خذلهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله وَمن حَدِيث أنس رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما مَا قيل يَا رَسُول الله نصرته مَظْلُوما فَكيف أنصره طالما فَقَالَ تكفه عَن الظُّلم فَذَلِك نصرك إِيَّاه
٣ - فصل فِي معنى وأصل الْبِدْعَة
وَقد صنف الإِمَام الشَّيْخ الزَّاهِد أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْوَلِيد الفِهري الطرطوشي ﵀ كتابا ذكر فِيهِ جملا من بدع الْأُمُور ومحدثاتها الَّتِي لَيْسَ لَهَا أصل فِي كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا غَيره وَهُوَ كتاب حسن مشحون بالفوائد على صغره أخبرنَا بِهِ شَيخنَا العلامه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي قِرَاءَة مني عَلَيْهِ قَالَ أَنبأَنَا بِهِ الإِمَام أَبُو الطَّاهِر أسماعيل بن مكي بن عَوْف مفتي الأسكندرية عَنهُ وسننقل مِنْهُ الى هَذَا الْكتاب جمله من قوائده فِي موَاضعهَا
وَذكر فِي أَوله فصلا فِي معنى لفظ الْبِدْعَة قَالَ فَإِن قيل مَا معنى أصل الْبِدْعَة قُلْنَا أصل هَذِه الْكَلِمَة من الآختراع وَهُوَ الشَّيْء يحدث من غير أصل سبق وَلَا مِثَال احتذى وَلَا ألف مثله وَمِنْه قَوْلهم أبدع الله الْخلق أَي خلقهمْ ابْتِدَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْبَقَرَة آيَة ١١٧ وَقَوله ﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل﴾ الْأَحْقَاف آيَة ٩ أَي لم أكن أول رَسُول الى أهل الآض قَالَ وَهَذَا الأسم يدْخل فِيمَا تخترع الْقُلُوب وَفِيمَا تنطق بِهِ الْأَلْسِنَة وَفِيمَا
стр. 12
تَفْعَلهُ الْجَوَارِح وَالدَّلِيل على هَذَا مَا سَنذكرُهُ فِي أَعْيَان الْحَوَادِث من تَسْمِيَة الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم وكافة الْعلمَاء بدعا للأقوال وَالْأَفْعَال
قلت وَقد غلب لفظ الْبِدْعَة على الْحَدث الْمَكْرُوه فِي الدّين مهما أطلق هَذَا اللَّفْظ وَمثله لفظ المبتدع لَا يكَاد يسْتَعْمل إِلَّا فِي الذَّم وَأما من حَيْثُ أصل الِاشْتِقَاق فَإِنَّهُ يُقَال ذَلِك فِي الْمَدْح والذم المُرَاد أَنه شَيْء مخترع على غير مِثَال سبق وَلِهَذَا يُقَال فِي الشَّيْء الْفَائِق جمالا وجوده مَا هُوَ إِلَّا بِدعَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي كتاب صِحَاح اللُّغَة والبديع والمبتدع ايضا والبدعة الْحَدث فِي الدّين بعد الْإِكْمَال
قلت وَهُوَ مَا لم يكن فِي عصر النَّبِي ﷺ مِمَّا فعله أَو أقرّ عَلَيْهِ أَو علم مَعَ قَوَاعِد شَرِيعَته الْإِذْن فِيهِ وَعدم النكير عَلَيْهِ نَحْو مَا سنشرحه فِي الْفَصْل الْآتِي عقيب هَذَا الْفَصْل وَفِي معنى ذَلِك مَا كَانَ فِي عصر الصحابه رضى الله عَنْهُم مِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ قولا أَو فعلا أَو تقريرا وَكَذَلِكَ مَا اخْتلفُوا فِيهِ فَإِن أختلافهم فِيهِ رَحمَه مهما كَانَ للِاجْتِهَاد والتردد مساغ وَلَيْسَ لغَيرهم إِلَّا إلاتباع دون الإبتداع وَمَا أحسن مَا قَالَه إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ عَلَيْهِ مَا أَعْطَاكُم الله خيرا أخبيء عَنْهُم وهم أَصْحَاب رَسُوله وَخيرته من خلقه أَشَارَ بذلك الى ترك الغلو فِي الدّين والى الِاقْتِدَاء بالسلف الصَّالِحين وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾
فَكل من فعل أمرا موهما أَنه مَشْرُوع وَلَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ غال فِي دينه
стр. 13
مُبْتَدع فِيهِ قَائِل على الله غير الْحق بِلِسَان مقاله أَو لِسَان حَاله (ومثاله) مَا رَوَاهُ مَالك بن أنس فِي الْمُوَطَّأ عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن ربيعَة بن عبد الله بن الْهُذيْل أَنه رأى رجلا مُجَردا بالعراق فَسَأَلَ عَنهُ النَّاس فَقيل أَنه أَمر بهديه أَن يُقَلّد فَلذَلِك تجرد قَالَ ربيعَة فَلَقِيت عبد الله بن الزبير فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ بِدعَة وَرب الْكَعْبَة
قلت قوصف ذَلِك عبد الله بِأَنَّهُ بِدعَة لما كَانَ موهما أَنه من الدّين لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن التجرد مَشْرُوع فِي الْإِحْرَام بنسك الْحَج وَالْعمْرَة فَإِذا فعل فِي غير ذَلِك أوهم من لَا يعلم من الْعَوام أَنه مَشْرُوع فِي هَذِه الْحَالة الْأُخْرَى لِأَنَّهُ قد ثَبت شرعته فِي صُورَة فَرُبمَا يقْتَدى بِهِ فيتفاقم الْأَمر فِي أنتشار ذَلِك ويعسر الْفِطَام عَنهُ كَمَا قد وَقع فِي غَيره من الْبدع على مَا يَأْتِي فِي كتاب الْجَامِع لأبي بكر الْخلال
حَدثنَا مُوسَى بن مُحَمَّد الزبيرِي ثَنَا الزبير ثَنَا مُحَمَّد بن الضَّحَّاك وَغَيره أَن رجلا جَاءَ الى مَالك بن أنس فَقَالَ من أَيْن احرم فَقَالَ من الْمِيقَات الَّذِي وَقت رَسُول الله ﷺ وَأحرم مِنْهُ فَقَالَ الرجل فَإِن أَحرمت من أبعد مِنْهُ فَقَالَ مَالك لَا أرى ذَلِك فَقَالَ مَا تكره من ذَلِك قَالَ أكره عَلَيْك الْفِتْنَة قَالَ وَأي فتْنَة فِي ازدياد الْخَيْر فَقَالَ مَالك فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ سُورَة النُّور أَيَّة ٦٣ وَأي فتْنَة أكبر من من أَنَّك خصصت بِفضل لم يخْتَص بِهِ رَسُول الله ﷺ وَفِي رِوَايَة أَن رجلا قَالَ لمَالِك بن أنس من أَيْن أحرم قَالَ من حَيْثُ أحرم رَسُول الله ﷺ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَارًا قَالَ فَإِن زِدْت على ذَلِك قَالَ فَلَا تفعل فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك الْفِتْنَة قَالَ وَمَا فِي هَذِه من الْفِتْنَة إِنَّمَا هِيَ أَمْيَال أزيدها قَالَ فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ الْآيَة قَالَ وَأي فتْنَة فِي هَذَا قَالَ مَالك وَأي فتْنَة أعظم من أَن ترى
стр. 14
أَن اختيارك لنَفسك خير من اخْتِيَار الله وَرَسُوله وَحَيْثُ جَاءَ الْأَمر بِلُزُوم الْجَمَاعَة فَالْمُرَاد بِهِ لُزُوم الْحق واتباعة وان كَانَ المتمسك بِالْحَقِّ قَلِيلا والمخالف كثيرا لِأَن الْحق الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ الْجَمَاعَة الأولى من النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه رضى الله عَنْهُم وَلَا نظر الى كَثْرَة أهل الْبَاطِل بعدهمْ
قَالَ عمر بن مَيْمُون الأودي صَحِبت معَاذًا بِالْيمن فَمَا فارقته حَتَّى واريته بِالتُّرَابِ بِالشَّام ثمَّ صَحِبت بعده أفقه النَّاس عبد الله بن مَسْعُود فَسَمعته يَقُول عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِن يَد الله على الْجَمَاعَة ثمَّ سمعته يَوْمًا من الْأَيَّام وَهُوَ يَقُول سيلى عَلَيْكُم وُلَاة يؤخرون الصَّلَاة عَن مواقيتها فصلوا الصَّلَاة لميقاتها فَهِيَ الْفَرِيضَة وصل مَعَهم فَإِنَّهَا لَك نَافِلَة قَالَ قلت يَا أَصْحَاب مُحَمَّد مَا أدرى مَا تحدثون قَالَ وَمَا ذَاك قلت تَأْمُرنِي بِالْجَمَاعَة وتحضني عَلَيْهَا ثمَّ تَقول لي صل الصَّلَاة وَحدك وَهِي الْفَرِيضَة وصل مَعَ الْجَمَاعَة وَهِي نَافِلَة قَالَ يَا عَمْرو بن مَيْمُون قد كنت أَظُنك من أفقه أهل هَذِه الْقرْيَة تَدْرِي مَا الْجَمَاعَة قلت لَا قَالَ ان جُمْهُور النَّاس فارقوا الْجَمَاعَة وَأَن الْجَمَاعَة مَا وَافق الْحق وَأَن كنت وَحدك وَفِي رِوَايَة فَقَالَ ابْن مَسْعُود وَضرب على فَخذي وَيحك أَن جُمْهُور النَّاس فارقوا الْجَمَاعَة وَأَن الْجَمَاعَة مَا وَافق طَاعَة الله تَعَالَى قَالَ نعيم ابْن حَمَّاد يَعْنِي إِذا فَسدتْ الْجَمَاعَة فَعَلَيْك بِمَا كَانَت عَلَيْهِ الْجَمَاعَة قبل أَن تفْسد وَأَن كنت وَحدك فَإنَّك أَنْت الْجَمَاعَة حِينَئِذٍ أخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْمدْخل
٤ - فصل فِي تَقْسِيم الْحَوَادِث الى بدع مستحسنة والى بدع مستقبحة
ثمَّ الْحَوَادِث منقسمة الى بدع مستحسنة والى بدع مستقبحة قَالَ حَرْمَلَة ابْن يحيى سَمِعت الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الْبِدْعَة بدعتان بِدعَة محمودة وبدعة مذمومة فَمَا وَافق السّنة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالف السّنة فَهُوَ مَذْمُوم وَاحْتج
стр. 15
يَقُول عمر رضى الله عَنهُ فِي قيام رَمَضَان نعمت الْبِدْعَة وَقَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى المحدثات من الْأُمُور ضَرْبَان أَحدهمَا مَا أحدث يُخَالف كتابا أَو سنة أَو اجماعا أَو أثرا فَهَذِهِ الْبِدْعَة الضَّلَالَة وَالثَّانِي مَا أحدث من الْخَيْر لَا خلاف فِيهِ لوَاحِد من هَذَا فَهِيَ محدثة غير مذمومة وَقد قَالَ عمر رضى الله عَنهُ فِي قيام شهر رَمَضَان نعمت الْبِدْعَة هَذِه يَعْنِي إِنَّهَا محدثة لم تكن وَإِذا كَانَت فَلَيْسَ فِيهَا رد لما مضى
قلت وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ حث على قيام شهر رَمَضَان وَفعله ﷺ فِي الْمَسْجِد واقتدى فِيهِ بعض الصَّحَابَة لَيْلَة بعد أُخْرَى ثمَّ ترك النَّبِي ﷺ ذَلِك بِأَنَّهُ خشى أَن يفْرض عَلَيْهِم فَلَمَّا قبض النَّبِي ﷺ أَمن ذَلِك فاتفق الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم على فعل قيام رَمَضَان فِي الْمَسْجِد جمَاعَة لما فِيهِ من أَحيَاء هَذَا الشعار الَّذِي أَمر بِهِ الشَّارِع وَفعله وحث عَلَيْهِ وَرغب فِيهِ وَالله أعلم
فالبدع الْحَسَنَة مُتَّفق على جَوَاز فعلهَا والآستحباب لَهَا ورجاء الثَّوَاب لمن حسنت نِيَّته فِيهَا وَهِي كل مُبْتَدع مُوَافق لقواعد الشَّرِيعَة غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا وَلَا يلْزم من فعله مَحْذُور شَرْعِي وَذَلِكَ نَحْو بِنَاء المنابر والربط والمدارس وخانات السَّبِيل وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْبر الَّتِي لم تعد فِي الصَّدْر الأول فَإِنَّهُ مُوَافق لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة من اصطناع الْمَعْرُوف والمعاونة على الْبر وَالتَّقوى
وَمن أحسن مَا ابتدع فِي زَمَاننَا من هَذَا الْقَبِيل مَا كَانَ يفعل بِمَدِينَة اربل جبرها الله تَعَالَى كل عَام فِي الْيَوْم الْمُوَافق ليَوْم مولد النَّبِي ﷺ من الصَّدقَات وَالْمَعْرُوف واظهار الزِّينَة وَالسُّرُور فان ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الاحسان الى الْفُقَرَاء مشْعر بمحبة النَّبِي ﷺ وتعظيمه وجلالته فِي قلب فَاعله وشكرا لله تَعَالَى على مَا من بِهِ من ايجاد رَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة
стр. 16
للْعَالمين ﷺ وعَلى جَمِيع الْمُرْسلين وَكَانَ أول من فعل ذَلِك يالموصل الشَّيْخ عمر بن مُحَمَّد الملا أحد الصَّالِحين الْمَشْهُورين وَبِه اقْتدى فِي ذَلِك صَاحب أربل وَغَيره رَحِمهم الله تَعَالَى
وَمِمَّا يعد أَيْضا من الْبدع الْحَسَنَة التصانيف فِي جَمِيع الْعُلُوم النافعة الشَّرْعِيَّة على اخْتِلَاف فنونها وَتَقْرِير قواعدها وتقيسمها وتقريرها وَتَعْلِيمهَا وَكَثْرَة التفريعات وَفرض الْمسَائِل الَّتِي لم تقع وَتَحْقِيق الْأَجْوِبَة فِيهَا وَتَفْسِير الْكتاب الْعَزِيز وأخبار النُّبُوَّة وَالْكَلَام على الاسانيد والمتون وتتبع كَلَام الْعَرَب نثره ونظمه وَتَدْوِين كل ذَلِك واستخراج عُلُوم جمة مِنْهُ كالنحو والمعاني وَالْبَيَان والآوزان فَذَلِك وَمَا شا كُله مَعْلُوم حَسَنَة ظَاهره فَائِدَته معِين على معرفَة أَحْكَام الله تَعَالَى وَفهم مَعَاني كِتَابه وَسنة رَسُول الله ﷺ وكل ذَلِك مَأْمُور بِهِ وَلَا يلْزم من فعله مَحْذُور شَرْعِي
وَقد قَالَ الامام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح قَوْله ﷺ كل محدثة بِدعَة هَذَا خَاص فِي بعض الْأُمُور دون بعض وَهِي شَيْء أحدث على غير مِثَال أصل من أصُول الدّين وعَلى غير عِبَادَته وَقِيَاسه وَأما مَا كَانَ مِنْهَا مَبْنِيا على قَوَاعِد الْأُصُول ومردودا اليها فَلَيْسَ بِدعَة وَلَا ضَلَالَة وَالله أعلم
قلت وَمن هَذَا الْبَاب اقراره ﷺ بِلَالًا رضى الله عَنهُ على صلَاته رَكْعَتَيْنِ بعد كل وضوء وان كَانَ هُوَ ﷺ لم يشرع خُصُوصِيَّة ذَلِك بقول وَلَا فعل وَذَلِكَ لِأَن بَاب التَّطَوُّع بِالصَّلَاةِ مَفْتُوح إِلَّا
стр. 17
فِي الْأَوْقَات المكروهه وَمن ذَلِك اقراره ﷺ الصَّحَابِيّ الآخر على مُلَازمَة قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ دون غَيرهَا من السُّور
وَأما الْبدع المستقبحة فَهِيَ الَّتِي أردنَا نَفيهَا بِهَذَا الْكتاب وانكارها وَهِي كل مَا كَانَ مُخَالفا للشريعة أَو مُلْتَزما لمخالفتها وَذَلِكَ منقسم الى محرم ومكروه وَيخْتَلف ذَلِك بإختلاف الوقائع وبحسب مَا بِهِ من مُخَالفَة الشَّرِيعَة تَارَة يَنْتَهِي ذَلِك الى مَا يُوجب التَّحْرِيم وَتارَة لَا يتَجَاوَز صفة كَرَاهَة التَّنْزِيه وكل فَقِيه موفق يتَمَكَّن بعون الله من التَّمْيِيز بَين الْقسمَيْنِ مهما رسخت قدمه فِي إيمانة وَعلمه
٥ - فصل فِي تَقْسِيم الْبدع المستقبحة
ثمَّ هَذِه الْبدع المستقبحة والمحدثات تَنْقَسِم قسمَيْنِ قسم تعرف الْعَامَّة والخاصة أَنه بِدعَة إِمَّا مُحرمَة وَإِمَّا مَكْرُوهَة وَقسم يَظُنّهُ معظمهم إِلَّا من عصم عبادات وقربا وطاعات وسننا
فاما فالقسم الأول فَلَا نطيل بِذكرِهِ إِذْ قد كفينا مُؤنَة الْكَلَام فِيهِ لاعتراف فَاعله انه لَيْسَ من الدّين لَكِن نبين من هَذَا الْقسم مِمَّا وَقع فِيهِ جمَاعَة من جهال الْعَوام النابذين لشريعة الاسلام التاركين الْأَئِمَّة الدّين وَالْفُقَهَاء وَهُوَ مَا يَفْعَله طوائف من المنتمين الى الْفقر الَّذِي حَقِيقَته الإفتقار من الآيمان من مؤاخاة النِّسَاء الْأَجَانِب وَالْخلْوَة بِهن واعتقادهم فِي مَشَايِخ لَهُم ضَالِّينَ ممضلين يَأْكُلُون فِي نَهَار رَمَضَان من غير عذر ويتركون الصَّلَاة ويخامرون النجسات غير مكترثين لذَلِك فهم داخلون تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله﴾ الشورى آيَة ٢١
وبهذه الطّرق وأمثالها كَانَ مبادىء ظُهُور الْكفْر من عبَادَة الْأَصْنَام وَغَيرهَا وَمن هَذَا الْقسم أَيْضا مَا قد عَم الإبتلاء بِهِ من تَزْيِين الشَّيْطَان للعامة
стр. 18
تخليق الْحِيطَان والعمد وسرح مَوَاضِع مخصومة فِي كل بلد يحْكى لَهُم حاك أَنه رأى فِي مَنَامه بهَا أحدا مِمَّن اشْتهر بالصلاح وَالْولَايَة فيفعلون ذَلِك ويحافظون عَلَيْهِ مَعَ تضييعهم فَرَائض الله تَعَالَى وسننه ويظنون أَنهم متقربون بذلك ثمَّ يتجاوزون هَذَا الى أَن يعظم وَقع تِلْكَ الْأَمَاكِن فِي قُلُوبهم فيعظمونها ويرجون الشِّفَاء لمرضاهم وَقَضَاء حوائجهم بِالنذرِ لَهُم وَهِي من بَين عُيُون وَشَجر وحائط وَحجر
وَفِي مَدِينَة دمشق صانها الله تَعَالَى من ذَلِك مَوَاضِع مُتعَدِّدَة كعوينة الْحمى خَارج بَاب توما والعمود المخلق دَاخل بَاب الصَّغِير والشجرة الملعونة الْيَابِسَة خَارج بَاب النَّصْر فِي نفس قَارِعَة الطَّرِيق سهل الله قطعهَا واجتثاثها من أَصْلهَا فَمَا أشببها بِذَات أنواط الْوَارِدَة فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَق وسُفْيَان بن عبينة عَن الزُّهْرِيّ عَن سِنَان بن سِنَان عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ الى حنين وَكَانَت لقريش شَجَرَة خضراء عظيمه يأتونها كل سنة فيعلقون عَلَيْهَا سِلَاحهمْ ويعكفون عِنْدهَا ويذبحون لَهَا وَفِي رِوَايَة خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ قبل حنين وَنحن حديثو عهد بِكفْر وللمشركين سِدْرَة يعكفون عِنْدهَا وينوطون بهَا أسلحتهم يُقَال لَهَا ذَات أنواط فمررنا بسدرة فَقُلْنَا يَا رَسُول الله وَفِي الرِّوَايَة الأولى وَكَانَت تسمى ذَات نواط فمررنا بسدرة بشجرة عَظِيمَة خضراء فتنادينا من جنبتي الطَّرِيق وَنحن نسير الى حنين يَا رَسُول الله أجعَل لنا ذَات أنواط كَمَا لَهُم ذَات أنواط فَقَالَ النَّبِي ﷺ الله أكبر هَذَا كَمَا قَالَ فوم مُوسَى لمُوسَى اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلهه قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون لتزكبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ أخرجه التزمذي بِلَفْظ آخر وَالْمعْنَى وَاحِد وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر الطرطوسي رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُتَقَدّم ذكره فانظروا رحمكم الله أَيْنَمَا وجدْتُم سِدْرَة أَو شَجَرَة يقصدها النَّاس ويعظمون من
стр. 19
شَأْنهَا ويرجون الْبُرْء والشفاء من قبلهَا وينوطون بهَا المسامير والخرق فاقطعوها فَهِيَ ذَات أنواط
قلت وَلَقَد أعجبني مَا صنعه الشَّيْخ أَبُو اسحق الجبيناني رَحمَه الله تَعَالَى أحد الصَّالِحين بِبِلَاد إفريقية فِي الْمِائَة الرَّابِعَة حكى عَنهُ صَاحبه الصَّالح أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس الْمُؤَدب أَنه كَانَ الى جَانِبه عين تسمى عين العافيه كَانَت الْعَامَّة قد افتتنوا بهَا ياتونها من الْآفَاق من تعذر عَلَيْهَا نِكَاح أَو ولد قَالَت امضوا بِي الى الْعَافِيَة فتعرف بهَا الْفِتْنَة قَالَ أَبُو عبد الله فانا فِي السحر ذَات لَيْلَة اذ سَمِعت أَذَان اسحق نَحْوهَا فَخرجت فَوَجَدته قد هدمها وَأذن الصُّبْح عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي هدمتها لَك فَلَا ترفع لَهَا رَأْسا قَالَ فَمَا رفع لَهَا رَأس الى الْآن
قلت وادهى من ذَلِك وَأمر إقدامهم على قطع الطَّرِيق السابلة يختزون فِي اُحْدُ الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الْقَدِيمَة العادية الَّتِي هِيَ من بِنَاء الْجِنّ فِي زمن نَبِي الله سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ وَمن بِنَاء ذِي القرنين وَقيل فِيهَا غير ذَلِك مَا يُؤذن بالتقدم على مَا نَقَلْنَاهُ فِي كتاب تَارِيخ مَدِينَة دمشق حرسها الله تَعَالَى وَهُوَ الْبَاب الشمالي ذكر لَهُم بعض من لَا يَثِق بِهِ فِي شهور سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَنه رأى مناما يَقْتَضِي أَن ذَلِك الْمَكَان دفن فِيهِ بعض أهل الْبَيْت وَقد اخبرني عَنهُ ثِقَة أَنه اعْترف لَهُ انه افتعل ذَلِك فَقطعُوا طَرِيق الْمَارَّة فِيهِ وَجعلُوا الْبَاب بِكَمَالِهِ أصل مَسْجِد مفصوب وَقد كَانَ الطَّرِيق يضيق بسالكيه فتضاعف الضّيق والحرج على من دخل وَمن خرج ضاعف الله عَذَاب من تسبب فِي بنائِهِ واجزل ثَوَاب من أعَان على هَدمه وَإِزَالَة اعتدائه اتبَاعا لسنة النَّبِي ﷺ فِي هدم مَسْجِد الضرار المرصد لأعدائه من الْكفَّار فَلَنْ ينظر الشَّرْع الى كَونه مَسْجِدا وهدمه لما قصد بِهِ من السوء والردى
стр. 20
وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ التَّوْبَة آيَة ١٠٨
أسأَل الله الْكَرِيم معافاته من كل مَا يُخَالف رِضَاهُ وَألا يجعلنا مِمَّن أضلّهُ فَاتخذ إلهه هَوَاهُ
٦ - فصل فِي الْقسم الثَّانِي من الْبدع المشتبه أمره على النَّاس
وَأما الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَظُنّهُ مُعظم النَّاس طَاعَة وقربة الى الله تَعَالَى وَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك أَو تَركه أفضل من فعله فَهَذَا الَّذِي وضعت هَذَا الْكتاب لأَجله وَهُوَ مَا قد أَمر الشَّرْع بِهِ فِي صُورَة من الصُّور من زمَان مَخْصُوص أَو مَكَان معِين كَالصَّوْمِ بِالنَّهَارِ وَالطّواف بِالْكَعْبَةِ أَو أَمر بِهِ شخص دون غَيره كَالَّذي اخْتصَّ النَّبِي ﷺ من الْمُبَاحَات والتخفيفات فيقيس الْجَاهِل نَفسه عَلَيْهِ فيفعله وَهُوَ مَنْهِيّ عَن ذَلِك ويقيس الصُّور بَعْضهَا على بعض وَلَا يفرق بَين الْأَزْمِنَة والأمكنة وَيَقَع ذَلِك من بَعضهم بِسَبَب الْحِرْص على ألآثار من إِيقَاع الْعِبَادَات والقرب والطاعات فيحمهلم ذَلِك الْحِرْص على فعلهَا فِي أَوْقَات وأماكن نَهَاهُم الشَّرْع عَن اتِّخَاذ تِلْكَ الطَّاعَات فِيهَا
وَمِنْهَا مَا هُوَ محرم وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوه ويورطهم الْجَهْل وتزيين الشَّيْطَان فِي أَن يَقُولُوا هَذِه طَاعَة قد ثبتَتْ فِي غير هَذِه الآوقات فَنحْن نفعلها أبدا
стр. 21
فَإِن الله تَعَالَى لَا يعاقبنا على طَاعَة قد أمرنَا بهَا وحثنا عَلَيْهَا أَو ندبنا الى الأستكثار مِنْهَا وَهَذَا مثل صلَاتهم فِي الْأَوْقَات المكروهه للصَّلَاة وَهِي خَمْسَة أَوْقَات أَو سِتَّة عِنْد الْفُقَهَاء ثَبت نهي الشَّرْع عَن الصَّلَاة فِيهَا وكصومهم فِي الْأَيَّام الْمنْهِي عَن الصَّوْم فِيهَا كَصَوْم الْعِيد وَيَوْم الشَّك وَأَيَّام منى التَّشْرِيق وكوصالهم فِي الصّيام الَّذِي هُوَ من خَصَائِص الْمُصْطَفى ﷺ وَقد اشْتَدَّ نكيره ﷺ على من تعاطى ذَلِك فَهَؤُلَاءِ وأمثالهم يَتَقَرَّبُون الى الله بِمَا لم يشرعه بل نهى عَنهُ ﴿وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون أَلا إِنَّهُم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة آيَة ١١ ١٢
وَمَا أحسن مَا قَالَ ولي الله أَبُو سُفْيَان الدَّارَانِي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لمن ألهم شَيْئا من الْخيرَات أَن يعْمل بِهِ حَتَّى يسمعهُ من الْأَثر فَإِذا سَمعه من الْأَثر عمل بِهِ ﵀ حِين وَافق مَا فِي قلبه وَقَالَ أَيْضا رَحمَه الله تَعَالَى رُبمَا يَقع فِي قلبِي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبلها إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ الإِمَام أَبُو حَامِد العزالي رَحْمَة الله فِي كتاب الْأَحْيَاء من توجه عَلَيْهِ رد وديعه فِي الْحَال فَقَامَ وَتحرم بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أقرب الى الله تَعَالَى عصى بِهِ فَلَا يَكْفِي فِي كَون الشَّخْص مُطيعًا كَون فعله من جنس الطَّاعَات مَا لم يراع فِيهِ الْوَقْت وَالشّرط وَالتَّرْتِيب واغتر بعض الْجُهَّال المتعلمين مِنْهُم بقوله ﴿واسجد واقترب﴾ سُورَة العلق آيَة ١٩ وَظن أَن هَذَا يَقْتَضِي عُمُوم السُّجُود فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَأَن كل سُجُود على الْإِطْلَاق يحصل بِهِ التَّقَرُّب من الله تَعَالَى وَهُوَ قرب الْكَرَامَة واتعضد بِمَا جَاءَ قبل ذَلِك من التَّعَجُّب والآنكار فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَرَأَيْت الَّذِي ينْهَى عبدا إِذا صلى﴾ سُورَة العلق آيَة ٩ ١٠ وغفل عَن السُّجُود المقرب الى الله تَعَالَى هُوَ السُّجُود الْمَأْذُون فِيهِ وَهُوَ الْمَشْرُوع لَا كل سُجُود من حَيْثُ الصُّورَة والأنكار وَقع فِي الْآيَة وَوَقع على مَا يُنْهِي عَن الصَّلَاة الْمَأْذُون فِيهَا وَهِي المشروعه فَتلك لَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينْهَى عَنْهَا
стр. 22
أما إِذا صلى العَبْد صَلَاة قد علمنَا نهي الشَّارِع عَنْهَا فَإِنَّهُ يجب على كل أحد علم بِهِ نَهْيه عَنْهَا فَإِن الشَّارِع هُوَ الَّذِي نَهَاهُ وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الصَّلَاة بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس وَبعد صَلَاة الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا
وَقَالَ عقبَة بن عَامر ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله ﷺ ينهانا أَن نصلي فِيهِنَّ وَأَن نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا حِين تطلع الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل الشَّمْس وَحين تضيف للغروب حَتَّى تغرب أخرجه مُسلم
وَفِيه من حَدِيث أبي هريره رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة زَاد بعض الروَاة وَلَيْسَ فِي كتاب مُسلم قيل يَا رَسُول الله وَلَا رَكْعَتي الْفجْر قَالَ وَلَا رَكْعَتي الْفجْر وَفِي رِوَايَة أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أَي سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار تَأْمُرنِي أَن لَا أُصَلِّي فِيهَا فَقَالَ نعم إِذا صليت الصُّبْح فاقصر عَن الصَّلَاة الحَدِيث وَهُوَ فِي السّنَن الْكَبِير وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهى عَنْهَا ويواصل وَينْهى عَن الْوِصَال
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره أَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ كَانَ ينْهَى عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر وَيضْرب النَّاس عَلَيْهِمَا وَقَالَ أَيْضا كنت أُصَلِّي وَأخذ الْمُؤَذّن فِي الْإِقَامَة فجذبني النَّبِي ﷺ وَقَالَ اتصلي الصُّبْح أَرْبعا وَعَن أبن عمر ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَنه رأى رجلا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ فِي مقَامه فَدفعهُ وَفِي رِوَايَة أَنه أبْصر رجلا يصلى الرَّكْعَتَيْنِ والمؤذن يُقيم فَحَصَبه وَقَالَ أتصلى الصُّبْح أَرْبعا اخرجهن الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح هَذَا اللَّفْظ مَرْفُوعا من حَدِيث عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة
стр. 23
قَالَ الْبَيْهَقِيّ روينَا عَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ أَنه كَانَ إِذا رأى رجلا يُصَلِّي وَهُوَ يسمع الْإِقَامَة ضربه
قلت أَيجوزُ لمُسلم أَن يسمع هَذِه الْأَحَادِيث والإثار ثمَّ يَقُول أَن النَّبِي ﷺ نهى النَّاس عَن الصَّلَاة من حَيْثُ هِيَ صَلَاة وَأَن عمر وَابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا داخلان تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿أَرَأَيْت الَّذِي ينْهَى عبدا إِذا صلى﴾ سُورَة العلق ٩ ١٠ وَأَن يُقَال لَهما جَوَابا عَن نهيهما ﴿كلا لَا تطعه واسجد واقترب﴾ سُورَة العلق آيَة ١٩ فَكَذَلِك كل من نهى عَن مَا نهى عَنهُ الشَّرْع لَا يَقُول لَهُ ذَلِك وَلَا يستحسنه من قَائِله ويسطره متبجحا بِهِ إِلَّا جَاهِل محرف لكتاب الله تَعَالَى مبدل لكَلَامه قد سلبه الله تَعَالَى لَذَّة فهم مُرَاده من وحيه
إِن كَانَ هَذَا من أوضح الْمَوَاضِع فَكيف بِمَا يذقْ مَعَانِيه وتلطف اشاراته ورده على الناهي عَن ذَلِك ممتثلا بقوله تَعَالَى ﴿كلا لَا تطعه﴾ يتَضَمَّن الرَّد على الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي نهى وَأمر بانكار الْمُنكر وَالله حسيب من افترى اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّن يدْخل فِي عُمُوم مَا روى عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا وَمَرْفُوعًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي وَغَيرهمَا رضى الله عَنْهُم يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين
٧ - فصل فِيمَا اشْتهر من الْبدع فِي بِلَاد الْإِسْلَام
وَمن هَذَا الْقسم الثَّانِي أُمُور اشتهرت فِي مُعظم بِلَاد الْإِسْلَام وَعظم وقعها عِنْد الْعَوام وَوضعت فِيهَا أَحَادِيث كذب فِيهَا على الله وعَلى رَسُوله ﷺ واعتقد بِسَبَب تِلْكَ الْأَحَادِيث فِيهَا مَا لم يعْتَقد فِيمَا افترضه الله تَعَالَى واقترنت فِيهَا مفاسد كَثِيرَة وَأدّى التَّمَادِي فِي ذَلِك الى أُمُور مُنكرَة غير يسيرَة ترك الاحتفال بهَا أَولا فتفاهم أمرهَا فسومح بهَا فتطاير شررها وطهر شَرها وأشدها فِي ذَلِك ثَلَاثَة أُمُور وَهِي التَّعْرِيف والألفية وَصَلَاة الْغَائِب
стр. 24
أما التَّعْرِيف الْمُحدث فعبارة عَن اجْتِمَاع النَّاس عَشِيَّة يَوْم عَرَفَة فِي غير عَرَفَة فعلول مَا يَفْعَله الْحَاج يَوْم عَرَفَة من الدُّعَاء وَالثنَاء وَهَذَا أحدث قَدِيما واشتهر فِي الأفاق شرقا وغربا واستفحل أمره بِبَيْت الْمُقَدّس وَخرج الْأَمر فِيهِ الى مَا لَا يحل اعْتِقَاده وسنذكره
أخبرنَا أَبُو الْحسن ثَنَا أَبُو طَاهِر أخبرنَا أَبُو بكر الطرطوشي قَالَ ابْن وهب سَأَلت مَالِكًا عَن الْجُلُوس يَوْم عَرَفَة يجلس أهل الْبَلَد فِي مَسْجِدهمْ وَيَدْعُو الامام رجَالًا يدعونَ الله تَعَالَى للنَّاس الى غرُوب الشَّمْس فَقَالَ مَالك مَا نَعْرِف هَذَا وَإِن النَّاس عندنَا الْيَوْم يَفْعَلُونَهُ قَالَ ابْن وهب سَمِعت مَالِكًا يسْأَل عَن جُلُوس النَّاس فِي الْمَسْجِد عَشِيَّة عَرَفَة بعد الْعَصْر واجتماعهم للدُّعَاء فَقَالَ لَيْسَ هَذَا من أَمر النَّاس وَإِنَّمَا مَفَاتِيح هَذِه الْأَشْيَاء من الْبدع قَالَ ماللكك رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْعُتْبِيَّة وأكره ان يجلس أهل الافاق يَوْم عَرَفَة فِي الْمَسَاجِد للدُّعَاء وَمن اجْتمع اليه النَّاس للدُّعَاء فلينصرف ومقامه فِي منزله أحب الي فاذا حضرت الصَّلَاة رَجَعَ فصلى فِي الْمَسْجِد
وروى مُحَمَّد بن وضاح أَن النَّاس اجْتَمعُوا بعد الْعَصْر من يَوْم عَرَفَة فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ يدعونَ فَخرج نَافِع مولى ابْن عمر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الَّذين أَنْتُم فِيهِ دعة وَلَيْسَت بِسنة أدْركْت النَّاس وَلَا يصنعون هَذَا قَالَ مَالك بن أنس وَلَقَد رَأَيْت رجَالًا مِمَّن اقْتدى بهم يتخلفون عَشِيَّة عَرَفَة فِي بُيُوتهم قَالَ وَلَا أحب للرجل الَّذِي قد علم يَعْنِي الْعَالم أَن يقْعد فِي الْمَسْجِد تِلْكَ العشية إِذا أَرَادوا أَن يقتدوا بِهِ وليقعد فِي بَيته
قَالَ الْحَارِث بن مِسْكين كنت أرى اللَّيْث بن سعد ينْصَرف بعد الْعَصْر يَوْم عَرَفَة فَلَا يرجع الى قرب الْمغرب وَقَالَ ابراهيم النَّخعِيّ الإجتماع يَوْم عَرَفَة أَمر مُحدث وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي إِن اسْتَطَعْت أَن تَخْلُو عَشِيَّة عَرَفَة بِنَفْسِك فافعل وَكَانَ أَبُو وَائِل لَا يَأْتِي الْمَسْجِد عَشِيَّة عَرَفَة
قَالَ الطرطوشي فاعلموا رحمكم الله أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة علمُوا أَن أفضل
стр. 25
الدُّعَاء يَوْم عَرَفَة وَلَكِن علمُوا أَن ذَلِك بموطن عَرَفَة لَا فِي غَيرهَا وَلَا منعُوا من خلى بِنَفسِهِ فحضرته نِيَّة صَادِقَة أَن يَدْعُو الله تَعَالَى وَإِنَّمَا كَرهُوا الْحَوَادِث فِي الدّين وَأَن يظنّ الْعَوام أَن من سنة يَوْم عَرَفَة الإجتماع بِسَائِر الْآفَاق وَالدُّعَاء فيتداعى الْأَمر الى أَن يدْخل فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ قَالَ وَقد كنت بِبَيْت الْمُقَدّس فَإِذا كَانَ يَوْم عَرَفَة حشر أهل السوَاد وَكثير من أهل الْبَلَد فيقفون فِي الْمَسْجِد مستقبلي الْقبْلَة مُرْتَفعَة أَصْوَاتهم بِالدُّعَاءِ وَكَأَنَّهُ موطن عَرَفَة وَكنت أسمع هُنَاكَ سَمَاعا فاشيا مِنْهُم امن وقف بِبَيْت الْمُقَدّس أَربع وفقات فَإِنَّهَا تعدل حجَّة ثمَّ يجعلونه ذَرِيعَة الى اسقاط الْحَج الى بَيت الله الْحَرَام
قلت وَقد بَلغنِي أَن مِنْهُم من يطوف بقبة الصَّخْرَة تشبها بِالطّوافِ بِالْكَعْبَةِ وَلَا سِيمَا فِي السنين الَّتِي انْقَطع فِيهَا طَرِيق الْحَاج واخرج الْحَافِظ ابو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة بن الريان قَالَ خرجت مَعَ سهل بن عبد الْعَزِيز الى أَخِيه عمر ابْن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى حِين اسْتخْلف فَحَضَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْم عَرَفَة صلى عمر الْعَصْر فَلَمَّا فرغ انْصَرف الى منزله فَلم يخرج الى الْمغرب وَلم يقْعد للنَّاس
وَجَاء عَن الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ أول من جمع النَّاس فِي هَذَا الْمَسْجِد يَوْم عَرَفَة ابْن عَبَّاس يَعْنِي مَسْجِد الْبَصْرَة وَفِي رِوَايَة أول من عرف ابْن عَبَّاس وَقَالَ الحكم أول من عرف بِالْكُوفَةِ مُصعب بن الزبير وَقَالَ ابْن عوَانَة رَأَيْت الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم عَرَفَة بعد الْعَصْر جلس فَدَعَا وَذكر الله تَعَالَى فَاجْتمع النَّاس وَفِي وَرَايَة رَأَيْت الْحسن خرج يَوْم عَرَفَة من الْمَقْصُورَة بعد الْعَصْر فَقعدَ وَعرف قَالَ عَليّ بن الْجَعْد حَدثنَا شُعْبَة قَالَ سَأَلت الحكم وَحَمَّاد عَن اجْتِمَاع النَّاس يَوْم عَرَفَة فِي الْمَسَاجِد فَقَالَا وَهُوَ مُحدث وَأخْبرنَا عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ هُوَ مُحدث اُخْبُرْنَا قَتَادَة عَن الْحسن قَالَ أول من صنع ذَلِك ابْن عَبَّاس
قلت فان ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا حَضرته نِيَّة فَقعدَ فَدَعَا وَكَذَلِكَ
стр. 26
الْحسن من غير قصد الجمعية ومضاهاه لأهل عَرَفَة وإيهام الْعَوام إِن هَذَا شعار من شَعَائِر الدّين وَالْمُنكر إِنَّمَا هُوَ مَا اتّصف بذلك وَالله أعلم على أَن تَعْرِيف ابْن عَبَّاس قد صَار على صُورَة أُخْرَى غير مستنكر ذكر مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي غَرِيبَة قَالَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ان الْحسن ذكره فَقَالَ كَانَ أول من عرف بِالْبَصْرَةِ صعد الْمِنْبَر فَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وفسرهما حرفا حرفا
قلت فتعريف ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا كَانَ على هَذَا الْوَجْه فسر للنَّاس الْقُرْآن فَإِنَّمَا اجْتَمعُوا لاستماع الْعلم وَكَانَ ذَلِك عَشِيَّة عَرَفَة فَقيل عرف ابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ لِاجْتِمَاع النَّاس لَهُ كاجتماعهم الْموقف وَقد وضحت ذَلِك أَيْضا فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا فِي كتاب التَّارِيخ الْكَبِير وعَلى الْجُمْلَة فَأمر التَّعْرِيف قريب إِلَّا إِذا جر مفْسدَة كَمَا ذكره الطرطوشي فِي التَّعْرِيف بِبَيْت الْمُقَدّس (وَقد قَالَ الْأَثْرَم) سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن التَّعْرِيف فِي الْأَمْصَار يَجْتَمعُونَ يَوْم عَرَفَة فَقَالَ أَرْجُو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس قد فعله غير وَاحِد الْحسن وَبكر وثابت وَمُحَمّد بن وَاسع كَانُوا يشْهدُونَ الْمَسْجِد يَوْم عَرَفَة
وَفِي رِوَايَة قَالَ أَحْمد لَا بَأْس بِهِ إِنَّمَا هُوَ دُعَاء وَذكر لله فَقيل لَهُ تَفْعَلهُ أَنْت قَالَ أما أَنا فَلَا ذكره الشَّيْخ من موفق الدّين فِي كِتَابه الْمُغنِي
٨ - فصل فِي بِدعَة النّصْف من شعْبَان
فَأَما الألفية فَصَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سميت بذلك لِأَنَّهَا يقْرَأ فِيهَا قل هُوَ الله أحد ألف مرّة لِأَنَّهَا مائَة رَكْعَة فِي كل رَكْعَة يقْرَأ الْفَاتِحَة مرّة وَبعدهَا سُورَة الْإِخْلَاص عشر مَرَّات وَهِي صَلَاة طَوِيلَة مستثقلة لم يَأْتِ فِيهَا خير وَلَا أثر إِلَّا ضَعِيف أَو مَوْضُوع وللعوام بهَا افتتان عَظِيم وَالْتزم بِسَبَبِهَا كَثْرَة الوقيد فِي جَمِيع مَسَاجِد الْبِلَاد الَّتِي تصلي فِيهَا وَيسْتَمر ذَلِك كُله وَيجْرِي فِيهِ الفسوق والعصيان واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء وَمن الْفِتَن الْمُخْتَلفَة مَا شهرته تغني عَن
стр. 27
وَصفه للمتعبدين من الْعَوام فِيهَا اعْتِقَاد متين وزين الشَّيْطَان لَهُم جعلهَا من أجل شَعَائِر الْمُسلمين
وَأَصلهَا مَا حَكَاهُ الطرطوشي فِي كِتَابه وَأَخْبرنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي قَالَ لم يكن عندنَا بَيت الْمُقَدّس قطّ صَلَاة الرغائب هَذِه الَّتِي تصلي فِي رَجَب وَشَعْبَان وَأول مَا حدثت عندنَا فِي سنة ٤٤٨ هـ ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة قدم علينا فِي بَيت الْمُقَدّس رجل من نابلس يعرف بِابْن أبي الْحَمْرَاء وَكَانَ حسن التِّلَاوَة فَقَامَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فاحرم خَلفه رجل ثمَّ انضاف اليهما ثَالِث ورابع فَمَا خَتمهَا إِلَّا وهم جمَاعَة كَثِيرَة ثمَّ جَاءَ فِي الْعَام الْقَابِل فصلى مَعَه خلق كثير وشاعت فِي الْمَسْجِد وانتشرت الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وبيوت النَّاس ومنازلهم ثمَّ اسْتَقَرَّتْ كَأَنَّهَا سنة الى يَوْمنَا هَذَا قلت فَأَنا رَأَيْتُك تصليها فِي جمَاعَة قَالَ نعم واستغفر الله مِنْهَا قَالَ وَأما صَلَاة رَجَب فَم تحدث عندنَا بِبَيْت الْمُقَدّس إِلَّا بعد سنة ٤٨٠ هـ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَمَا كُنَّا رأيناها وَلَا سمعنَا بهَا قبل ذَلِك أخبرناه الشَّيْخ قَالَ أَنا الْفَقِيه أَبُو الطَّاهِر قَالَ أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر الطرطوشي فَذكره قلت أَبُو مُحَمَّد هَذَا أَظُنهُ عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْمَقْدِسِي روى عَنهُ مكي بن عبد السَّلَام الزميلي الشَّهِيد وَوَصفه بالشيخ الثِّقَة وَالله أعلم قَالَ أَبُو بكر وروى ابْن وضاح عَن زيد بن اسْلَمْ قَالَ مَا ادركنا أحدا من مشيختنا وَلَا فقهائنا يلتفتون الى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَلَا يلتفتون الى حَدِيث مَكْحُول وَلَا يرَوْنَ لَهَا فضلا على سواهَا قَالَ وَقيل لِابْنِ ابي مليكَة أَن زِيَاد النميري يَقُول أَن أجر لَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَأَجر لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لَو سمعته وَبِيَدِي عَصا لضربته قَالَ وَكَانَ زِيَاد قاسيا وَأَنا الْحَافِظ أَبُو الْخطاب بن دحيه قَالَ فِي كتاب أَدَاء مَا وَجب وَقد روى النَّاس الأغفال فِي صَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان احاديث مَوْضُوعه وَوَاحِد مَقْطُوع وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعه فَوق طاقتهم من صَلَاة مائَة رَكْعَة فِي كل رَكْعَة الْحَمد لله مرّة وَقل هُوَ الله أحد
стр. 28
عشر مَرَّات فينصرفون وَقد غلبهم النّوم فتفوتهم صَلَاة الصُّبْح الَّتِي ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله
وَقَالَ فِي كتاب مَا جَاءَ فِي شهر شعْبَان من تأليفه أَيْضا قَالَ أهل التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح لَيْسَ فِي حَدِيث لَيْلَة النّصْف من شعْبَان حَدِيث يَصح فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حَدِيثا مَوْضُوعا يَسُوقهُ فِي معرض الْخَيْر فاستعمال الْخَيْر يَنْبَغِي أَن يكون مَشْرُوعا من النَّبِي ﷺ فَإِذا صَحَّ أَنه كذب خرج من المشروعيه وَكَانَ مستعمله من خدم الشَّيْطَان لاستعماله حَدِيثا على رَسُول الله ﷺ لم ينزل الله بِهِ من سُلْطَان ثمَّ قَالَ وَمِمَّا أحدثه المبتدعون وَخَرجُوا بِهِ عَمَّا رسمه المتشرعون وجروا فِيهِ على سنَن الْمَجُوس وَاتَّخذُوا دينهم لهوا وَلَعِبًا الوقيد لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَلم يَصح فِيهَا شَيْء عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا نطق بِالصَّلَاةِ فِيهَا والإيقاد وَصدق من الروَاة وَمَا احدثه المتلاعب بالشريعة المحمدية رَاغِب فِي دين الْمَجُوسِيَّة لِأَن النَّار معبودهم وَأول مَا حدث ذَلِك فِي زمن البرامكة فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام وَهُوَ جعلهم الإيقاد فِي شعْبَان كَأَنَّهُ فِي سنَن الْإِيمَان ومقصودهم عبَادَة النيرَان وَإِقَامَة دينهم وَهُوَ اخسر الْأَدْيَان حَتَّى إِذا صلى المسلون وركعوا وسجدوا وَكَانَ ذَلِك الى النَّار الَّتِي أوقدوا وَمَضَت على ذَلِك سنُون وإعصار تبِعت بعد ذَلِك فَيْء سَائِر الْأَمْصَار هَذَا مَعَ مَا يجْتَمع فِي تِلْكَ الليله من الرِّجَال وَالنِّسَاء واختلاطهم فَالْوَاجِب على السُّلْطَان مَنعهم وعَلى الْعَالم ردعهم وَإِنَّمَا شرف شعْبَان لِأَنَّهُ رَسُول الله ﷺ كَانَ يَصُومهُ فقد صَحَّ الحَدِيث فِي صِيَامه ﷺ شعْبَان كُله أَو أَكْثَره وَالله أعلم
قلت من جملَة الْأَحَادِيث الَّتِي رووها فِي لَيْلَة النّصْف مَا أخرجه أبن
стр. 29
ماجة فِي سنَنه عَن عَليّ رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلَتهَا وصوموا يَوْمهَا
وَعَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ أَن الله ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان الى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لاكثر من عدد شعر غنم بني كلب
وَعَن ابي مُوسَى رضى الله عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله ليطلع فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لجَمِيع خلقه إِلَّا الْمُشرك أَو مُشَاحِن
وكل ذَلِك باسانيد ضِعَاف فَالْأول أبن ابي سبره عَن ابراهيم بن مُحَمَّد وَفِي الثَّانِي الْحجَّاج بن ارطأة وَفِي الثَّالِث ابْن لَهِيعَة وَالله أعلم وَذكر الْحَافِظ ابو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات الْكَبِير الَّذِي أَنبأَنَا بِهِ أَبُو الْقَاسِم القَاضِي أَنبأَنَا أَبُو عبد الله الفراوي أخبرنَا الْبَيْهَقِيّ قَالَ بَاب القَوْل وَالدُّعَاء لَيْلَة الْبَرَاءَة فَذكر حديثين عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَقد أخرج حَدِيث عَائِشَة التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَطعن فِيهِ قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه بَاب لَيْلَة النّصْف من شعْبَان ذكر أَبُو عِيسَى فِي ذَلِك حَدِيث الْحجَّاج بن ارطاة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة وَطعن البُخَارِيّ فِيهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْحجَّاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير وَلم يسمع يحيى من عُرْوَة فَالْحَدِيث مَقْطُوع فِي وضعين وَأَيْضًا فَإِن الْحجَّاج لَيْسَ بِحجَّة قَالَ وَلَيْسَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان حَدِيث سَاوَى سَمَاعه ثمَّ قَالَ كسوفا قمريا فَاجْتمع الْخلق للكسوف وَاتفقَ لَهُم مَعَ الْكُسُوف تِلْكَ الليله واتصلت لَهُم الليلتان فَمَا رَأَيْت مُنْكرا فط كَانَ أجمع مِنْهُ وَلَا أجمل
وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات الْكَبِير الَّذِي أنبأ بِهِ أَبُو الْقَاسِم القَاضِي أَنبأَنَا أَو عبد الله الفراوي أخبرنَا الْبَيْهَقِيّ قَالَ بَاب الدُّعَاء وَالْقَوْل لَيْلَة الْبَرَاءَة فَذكر حديثين عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ صلى ليلتئذ وَقَالَ فِي هَذِه اللَّيْلَة يكْتب كل مَوْلُود وهالك من بنى آدم وفيهَا ترفع أَعْمَالهم
стр. 30
وتنزل أَرْزَاقهم وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ان لله فِي هَذِه اللَّيْلَة عُتَقَاء من النَّار بِعَدَد شعر غنم كلب ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد بعض من يجهل وَكَذَلِكَ فِيمَا قبله وَإِذا أنضم أَحدهمَا الى الآخر أَخذ بعض الْقُوَّة وَالله أعلم
قلت وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيَان صَلَاة مخصوصه وَإِنَّمَا هُوَ مشْعر بفضيلة هَذِه اللَّيْلَة وَقيام اللَّيْلَة مُسْتَحبّ فِي جَمِيع ليَالِي السّنة وَكَانَ على النَّبِي ﷺ وَاجِبا فَهَذِهِ اللَّيْلَة بعض من اللَّيَالِي الَّتِي كَانَ يُصليهَا ويحيها وَإِنَّمَا الْمَحْذُور الْمُنكر تَخْصِيص بعض اللَّيَالِي بِصَلَاة مخصوصه على صفة مخصوصه وَإِظْهَار ذَلِك على مثل مَا ثَبت من شرائع الْإِسْلَام كَصَلَاة الْجُمُعَة والعيد وَصَلَاة التَّرَاوِيح فيتداولها النَّاس وينشأ أصل وَضعهَا ويربى الصغار عَلَيْهَا قد ألفوا أباءهم مخافظين عَلَيْهَا محافظتهم على الْفَرَائِض بل أَشد مُحَافظَة ومهتمين لإِظْهَار هَذَا الشعار بالزينة والوقيد والنفقات كاهتمامهم بعيدي الْإِسْلَام بل أَشد على مَا هُوَ مَعْرُوف من فعل الْعَوام وَفِي هَذَا خلطوا ضِيَاء الْحق بظلام الْبَاطِل وَعَسَى بِوَضْع الْكَاذِب وَفعل الْجَاهِل وَقَول الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة الْبَرَاءَة أَي لَيْلَة نصف شعْبَان والبراءة مصدر بَرِيء ن كَذَا يُشِير الى الْبَرَاءَة من النَّار أَو من الذُّنُوب على مَا سبق من الْأَحَادِيث
وأنبأنا غير وَاحِد عَن الشَّيْخ ابي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ قَالَ فِي كتاب الْأَحَادِيث الموضوعات صَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان مِنْهَا الصَّلَاة المتداولة بَين النَّاس رويت من طَرِيق على وَابْن عمر وابي جَعْفَر الباقر مَقْطُوعَة الْإِسْنَاد ثمَّ ذكر أَسَانِيد الطّرق الثَّلَاثَة وَمتْن حَدِيث على رضى الله عَنهُ من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَقل هُوَ الله اُحْدُ عشر مَرَّات فَذكر من فَضله وأجره وَمتْن حَدِيث ابْن عمر وابي جَعْفَر الباقر بِنَحْوِهِ
стр. 31
لكنهما أخصر مِنْهُ ثمَّ قَالَ أَبُو الْفرج هَذَا الحَدِيث لَا يشك فِي أَنه مَوْضُوع وَجُمْهُور رُوَاته فِي الطّرق الثَّلَاثَهْ مَجَاهِيل وَفِيهِمْ ضعفاء بِمرَّة والْحَدِيث محَال قطعا قَالَ وَقد رَأينَا كثيرا مِمَّن يُصَلِّي هَذِه الصَّلَاة ويتفق قصر اللَّيْل فينامون عقيبها فتفوتهم صَلَاة الْفجْر ويصبحون كسَالَى قَالَ وَقد جعلهَا جهلة أَئِمَّة الْمَسَاجِد مَعَ صَلَاة الرغائب وَنَحْوهَا من الصَّلَوَات شبكة لجمع الْعَوام وَطلب الرسَالَة الْمُتَقَدّم وَمَا لَا يذكرهَا الْقصاص مجَالِسهمْ وكل ذَلِك عَن الْحق بمعزل
قلت فَهَذَا كُله فَسَاد ناشيء من جِهَة المتنسكين المضلين فَكيف بِمَا يَقع من فَسَاد الفسقة المتمردين وإحياء تِلْكَ اللَّيْلَة بأنواع من الْمعاصِي الطاهرة والباطنة وَكله بِسَبَب الوقيد الْخَارِج عَن الْمُعْتَاد الَّذِي يظنّ انه قربه وَإِنَّمَا هُوَ إِعَانَة على معاصي الله تَعَالَى وَإِظْهَار الْمُنكر وتقوية لشعار أهل الْبدع وَلم يَأْتِ فِي الشَّرِيعَة اسْتِحْبَاب زِيَادَة فِي الوقيد على قدر الْحَاجة فِي مَوضِع مَا أصلا وَمَا يَفْعَله عوام الْحجَّاج يَوْم عَرَفَة بجبال عرفاتو لَيْلَة يَوْم النَّحْر بالمشعر الْحَرَام فَهُوَ من هَذَا الْقَبِيل يجب إِنْكَاره وَوَصفه بِأَنَّهُ بِدعَة ومنكر وَخلاف الشَّرِيعَة المطهرة على مَا ياتي بَيَانه وَالله أعلم
وَقد أنكر الإِمَام الطرطوشي على أهل القيروان اجْتِمَاعهم لَيْلَة الْخَتْم فِي صَلَاة التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان وَنصب المنابر وَبَين أَنه بِدعَة ومنكر وان مَالِكًا رَحْمَة الله تَعَالَى كرهه ثمَّ قَالَ فَإِن قيل إِنَّه يَأْثَم فَاعل ذَلِك فَالْجَوَاب أَن يُقَال إِن كَانَ ذَلِك على وَجه السَّلامَة من اللَّغط وَلم يكن إِلَّا الرِّجَال وَالنِّسَاء منفردين بَعضهم عَن بعض يَسْتَمِعُون الذّكر وَلم تنتهك فِيهِ شَعَائِر الرَّحْمَن فَهَذِهِ الْبِدْعَة الَّتِي كره مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَأما إِن كَانَ على الْوَجْه الَّذِي يجْرِي فِي هَذَا الزَّمَان من اخْتِلَاط الرِّجَال وَالنِّسَاء ومضامة أجسامهم وَمن احمة فِي قلبه مرض من أهل الريب ومعانقة بَعضهم لبَعض كَمَا حكى لنا أَن رجلا وجد يطَأ امْرَأَة وهم وقُوف فِي زحام النَّاس قَالَ وحكت لنا أمْرَأَة أَن رجلا وَاقعهَا فَمَا حَال
стр. 32
بَينهمَا إِلَّا الثِّيَاب وأمثال ذَلِك من الْفسق واللغط فَهَذَا فسق فيفسق الَّذِي يكون سَببا لِاجْتِمَاعِهِمْ
فَإِن قبل أَلَيْسَ روى عبد الرَّزَّاق فِي التَّفْسِير أَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يخْتم الْقُرْآن جمع أَهله قُلْنَا هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيته وَيجمع أَهله عِنْد الْخَتْم فَأَيْنَ هَذَا من نصبكم المنابر وتلفيق الْخطب على رُؤُوس الأشهاد فيختلط الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان والغوغاء وتكثر الزعقات والصياح ويختلط الْأَمر وَيذْهب بهاء الْإِسْلَام أَو قَالَ الْإِيمَان وَقَالَ قبل ذَلِك عِنْد إِنْكَاره تطيب الْمَرْأَة عِنْد خُرُوجهَا الى الْمَسْجِد وَأعظم من ذَلِك يُوجد الْيَوْم فِي هَذَا الْخَتْم من اخْتِلَاط الرِّجَال بِالنسَاء وازد حامهم وتلاصق أجساد بَعضهم بِبَعْض حَتَّى بَلغنِي أَن رجلا ضم امْرَأَة من خلفهَا فغيب بهَا فِي مزدحم النَّاس وَجَاءَت إِلَيْنَا امْرَأَة تَشْكُو فَقَالَت حضرت عِنْد الْوَاعِظ فِي الْمَسْجِد الْجَامِع فاحتضنني رجل من خَلْفي والتزمني فِي مزحم النَّاس فَمَا جال بَينه وَبَين ذَلِك منَّة إِلَّا الثِّيَاب فأقسمت أَن لَا تحضره أبدا
قلت وكل من حضر لَيْلَة نصف شعْبَان عندنَا بِدِمَشْق فِي الْبِلَاد المضاهية لَهَا يعلم أَنه يَقع فِيهَا تِلْكَ اللَّيْلَة من الفسوق والمعاصي وَكَثْرَة اللَّغط والخطف وَالسَّرِقَة وتنجيس مَوَاضِع الْعِبَادَات وَأَنَّهَا تهان بيُوت الله تَعَالَى أَكثر مِمَّا ذكره الإِمَام أَبُو بكر فِي ختم الْقُرْآن وَالله الْمُسْتَعَان فَكل ذَلِك سَببه الِاجْتِمَاع للتفرج على كَثْرَة الوقيد سَببهَا تِلْكَ الصَّلَاة المبتدعة الْمُنكرَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وَقد رويت صَلَاة نصف شعْبَان على وَجْهَيْن آخَرين مَوْضُوعَيْنِ أَيْضا ذكرهمَا أَبُو الْفرج فِي كِتَابه
стр. 33
الأول عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من صلى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان اثنى عشر رَكْعَة يقْرَأ فِي كل رَكْعَة قل هُوَ الله أحد ثَلَاثِينَ مرّة لم يخرج حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة ويشفع فِي عشرَة من أهل بَيته كلهم وَجَبت لَهُم النَّار
وَالثَّانِي عَن عَليّ رضى الله عَنهُ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة ثمَّ جلس فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة وَقل هُوَ الله أحد أَربع عشرَة مرّة وَقل أعوذ بِرَبّ الفلق أَربع عشرَة مرّة وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس أَربع عشرَة مرّة وَآيَة الْكُرْسِيّ أَربع عشرَة مرّة وَلَقَد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم الْآيَة وَقَالَ من صنع هَكَذَا كَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة وكصيام عشْرين سنة مقبوله فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ مَاضِيَة وَصِيَام سِتِّينَ سنة مستقبله
قَالَ أَبُو الْفرج الأول وَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَفِيه جمَاعَة مَجْهُولُونَ وَقَالَ فِي الثَّانِي وَهَذَا مَوْضُوع أَيْضا وَإِسْنَاده مظلم وَكَانَ وَاضعه يكْتب من الْأَسْمَاء مَا يَقع لَهُ وَيذكر قوما يعْرفُونَ قَالَ وَقد رويت صلوَات آخر مَوْضُوعَة فَلم أر التَّطْوِيل بِذكر مَا لَا يخفي بُطْلَانه
٩ - فصل فِي صَلَاة الرغائب
وَأما صَلَاة الرغائب فَالْمَشْهُور بَين النَّاس الْيَوْم أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تصلي بَين العشائين لَيْلَة أَو جُمُعَة فِي شهر رَجَب وَقد سبق فِيمَا حَكَاهُ الإِمَام أَبُو بكر الطرطوشي زمَان حدوثها وظهورها وَسبق فِي الْحِكَايَة أَيْضا أَن صَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَانَت تسمى صَلَاة الرغائب والرغائب جمع رَغْبَة وَهِي الْعَطاء الْكثير قَالَ الشَّاعِر أَنْشدني الْجَوْهَرِي عجز هَذَا الْبَيْت انشدني الْجَوْهَرِي عجز هَذَا الْبَيْت وَمَتى تصبك خصَاصَة فارج الْغنى وَإِلَى الَّذِي يعْطى الرغائب فارغب
стр. 34
قَالَ الهروى فِي كتاب الغريبين الَّذِي أَنبأَنَا بِهِ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم أَنبأَنَا زَاهِر بن طَاهِر أَنبأَنَا أَبُو عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن الْقَاسِم المليحي الْهَرَوِيّ وَأَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي بِسَمَاع المليحي وإجازة الصَّابُونِي من مصنفة قَالَ وَحَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن لَا تدع رَكْعَتي الْفجْر فَإِن فيهمَا الرغائب قَالَ شمر الرغائب مَا يرغب فِيهِ الْوَاحِدَة رغيبة يَعْنِي الثَّوَاب الْعَظِيم
قلت فَكَأَنَّهَا سميت بذلك لأجل العطايا الْحَاصِلَة لمصيلها بزعم وَاضع الحَدِيث فِيهَا وَهُوَ مَا أخبرنَا بِهِ غير وَاحِد عَن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم سَمَاعا مِنْهُ قَالَ أَنا أَبُو الْفَتْح نصر بن مُحَمَّد الْفَقِيه حَدثنَا الْفَقِيه أَبُو الْفَتْح نصر بن إِبْرَاهِيم الزَّاهِد أَنا أَبُو سعد أَحْمد بن مظفر الْهَمدَانِي حَدثنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ أَنا أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الْهَمدَانِي بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سعيد الْبَصْرِيّ حَدثنِي أبي حَدثنَا خلف بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَذكر الحَدِيث فِي فضل صَوْم رَجَب ثمَّ قَالَ لَا تغفلوا عَن لَيْلَة أول جُمُعَة فِيهِ فانها لَيْلَة تسميها الْمَلَائِكَة الرغائب مَا من اُحْدُ يَصُوم أول خَمِيس فِي رَجَب ثمَّ يُصَلِّي فِيهَا بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة اثْنَي عشر رَكْعَة فَذكر صفة الصَّلَاة ثمَّ قَالَ إِلَّا غفر الله لَهُ ذنُوبه الحَدِيث قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم تفرد بِهِ خلف عَن حميد وَلم أكتبه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن سعيد عَنهُ أَنبأَنَا بِهِ ابو الْقَاسِم القَاضِي وَغَيره عَالِيا
قَالُوا حَدثنَا الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم بن هندة أَنبأَنَا عَليّ بن عبد الله بن جَهْضَم الصُّوفِي حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن سعيد فَذكره وَابْن جَهْضَم هَذَا هُوَ الهمذاني أَبُو الْحسن المداس فِي اسناد الْحَافِظ أبي الْقَاسِم وَكَانَ يتهم ذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه عَن أبي الْفضل بن جبرون قَالَ وَمن ذكر أَنه مَاتَ سنة أَرْبَعَة عشر يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله بن جَهْضَم بِمَكَّة صَاحب كتاب بهجة الْأَسْرَار وَقد تكلم فِيهِ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفرج
стр. 35
هَذَا الحَدِيث مَوْضُوع على رَسُول الله ﷺ وَقد اتهموا بِهِ جَهْضَم فنسبوه الى الْكَذِب وَسمعت شَيخنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ يَقُول رِجَاله مَجْهُولُونَ وَقد فتشت عَلَيْهِم فِي جَمِيع الْكتب فَمَا وَجَدتهمْ قَالَ أَبُو الْفرج وَلَقَد أبدع من وَضعهَا أَي غلا فِي بدعته فانه يحْتَاج من يُصليهَا الى أَن يَصُوم وَرُبمَا كَانَ النَّهَار شَدِيد الْحر فَإِذا صَامَ لم يتَمَكَّن من الْأكل حَتَّى يُصَلِّي الْمغرب ثمَّ يقف فِيهَا وَيَقَع فِي ذَلِك التَّسْبِيح الطَّوِيل وَالسُّجُود الطَّوِيل فَيَتَأَذَّى غَايَة الْأَذَى قَالَ وَأَنِّي لأغار لرمضان ولصلاة التَّرَاوِيح كَيفَ روجها بِهَذِهِ بل هَذِه عِنْد الْعَوام أعظم وَأحلى فَإِنَّهُ يحضرها من لَا يحضر الْجَمَاعَات
قلت وَلَعَلَّ سَببه مَا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث الْمَوْضُوع من عَظِيم الصَّوَاب وتكفير الذُّنُوب بِهَذِهِ الصَّلَاة فيتكل الْعَامَّة عَلَيْهَا ويهملون القرائض وَوَاضِع هَذَا الحَدِيث اسْتعْمل فِيهِ ايضا من الالفاظ مَا كَانَ يدل على وَضعه ظَاهر أَو هُوَ قَوْله يُصَلِّي بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة أَرَادَ بَين الْعشَاء وَالْمغْرب فَهَذَا بعيد من لفظ النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ قد صَحَّ عَنهُ أَنه نهى أَن يُقَال للمقرب الْعشَاء وَنهى ان يُقَال للعشاء الْعَتَمَة وَهَذَا وَجه حسن وَالله أعلم
قَالَ الْحَافِظ أبوالخطاب أما صَلَاة الرغائب فاتهم بوضعها على بن عبد الله ابْن جَهْضَم وَضعهَا على رجال مجهولين لم يوجدوا فِي جَمِيع الْكتب رَوَاهَا عَنهُ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم الْأَصْبَهَانِيّ أبي عبد الله مُحَمَّد بن اسحق ابْن مندة قَالَ وَكَذَلِكَ عمل الْحُسَيْن بن ابراهيم حَدِيثا مَوْضُوعا على رجال مجهولين لَا يعْرفُونَ والصقه بانس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَرَجَب أَربع عشر رَكْعَة للْحَدِيث قَالَ وَهُوَ حَدِيث أطول من طَوِيل جمع من الْكَذِب والزور غير قَلِيل
قلت وَمَا ذكره هَذَا الْحَافِظ أَبُو الْخطاب رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَمر صَلَاتي رَجَب وَشَعْبَان هُوَ كَانَ سَبَب تبطيلهما فِي بِلَاد مصر بِأَمْر سلطانها الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ كَانَ ماثلا الى إِظْهَار السّنَن وَأَمَانَة الْبدع
стр. 36
١٠
- فصل فِي الْجَواب على فَتْوَى
وَقد وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الفتاوي بِدِمَشْق قبل سنة ٦٢٠ هـ عشْرين وسِتمِائَة صورتهَا مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء الْأَئِمَّة رضى الله عَنْهُم فِي الصَّلَاة المدعوة بِصَلَاة الرغائب هَل هِيَ بِدعَة فِي الْجَمَاعَات أم لَا وَهل ورد فِيهَا حَدِيث صَحِيح أم لَا فَأجَاب فِيهَا الشَّيْخ الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو عَمْرو بن الصّلاح بَارك الله فه بِجَوَاب نقلته من خطه صورته حَدِيثهَا مَوْضُوع على رَسُول الله ﷺ وَهِي بِدعَة حدثت بعد أَرْبَعمِائَة سنة من الْهِجْرَة ظَهرت بِالشَّام وانتشرت فِي سَائِر الْبِلَاد وَلَا بَأْس بِأَن يصلها الأنسان بِنَاء على أَن الْأَحْيَاء فِيمَا بَين العشائين مُسْتَحبّ كل لَيْلَة وَلَا بَأْس بِالْجَمَاعَة فِي النَّوَافِل مُطلقًا أما أَن تتَّخذ الْجَمَاعَة فِيهَا سنة وتتخذ هَذِه الصَّلَاة من شَعَائِر الدّين الطاهرة فَهَذِهِ من الْبدع الْمُنكرَة وَلَكِن مَا أسْرع النَّاس الى الْبدع وَالله أعلم
وَوَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة مرّة ثَانِيَة صورتهَا مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء أَئِمَّة الدّين فِيمَن يُنكر على من يُصَلِّي فِي لَيْلَة الرغائب وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَيَقُول أَن الزَّيْت الَّذِي يشعل فِيهَا حرَام وتفريط وَيَقُول أَن ذَلِك بِدعَة وَا لَهما فضل وَلَا ورد فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فِيهَا فضل وَلَا شرف فَهَل هُوَ على الصَّوَاب أَو على الْخَطَأ أفتونا رضى الله عَنْكُم
فَأجَاب أَيْضا أما الصَّلَاة المعروفه فِي لَيْلَة الرغائب فَهِيَ بِدعَة وحديثها الْمَرْوِيّ مَوْضُوع وَمَا حدثت إِلَّا بعد أَرْبَعمِائَة سنة من الْهِجْرَة وَلَيْسَ لليلتها تَفْضِيل على أشباهها من ليَالِي الْجمع وَأما لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فلهَا فضيله واحياؤها بِالْعبَادَة مُسْتَحبّ وَلَكِن على الِانْفِرَاد من غير جمَاعَة واتخاذ النَّاس لَهَا وَلَيْلَة الرغائب موسما وشعارا بِدعَة مُنكرَة وَمَا يزيدونه فيهمَا على الْحَاجة وَالْعَادَة من الوقيد وَنَحْوه فَغير مُوَافق للشريعة والألفيه الَّتِي تصلي فِي لَيْلَة النّصْف لَا أصل لَهَا وَلَا أشباهها وَمن الْعجب حرص النَّاس على المبتدع فِي هَاتين
стр. 37
الليلتين وتقصيرهم فِي المؤكدات الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وَالله الْمُسْتَعَان وَالله أعلم
وقرأت فِي تأليف آخر لَهُ جُمُعَة فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فصلا حسنا فِي هَذَا قَالَ هَذِه الصَّلَاة شاعت بَين النَّاس بعد الْمِائَة الرَّابِعَة وَلم تكن تعرف وَقد قيل أَن منشأها من بَيت الْمُقَدّس صيانه الله تَعَالَى والْحَدِيث الْوَارِد بهَا بِعَينهَا وخصوصها ضَعِيف سَاقِط الْإِسْنَاد عِنْد أهل الحَدِيث ثمَّ مِنْهُم من يَقُول هُوَ مَوْضُوع وَذَلِكَ الَّذِي نظنه وَمِنْهُم من يقْتَصر على وَصفه بالضعف قَالَ وَلَا تستفاد لَهُ صِحَة من ذكر رزين بن مُعَاوِيَة أَيَّاهُ فِي كِتَابه فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَلَا من ذكر صَاحب الْأَحْيَاء لَهُ فِيهِ واعتماده عَلَيْهِ لِكَثْرَة مَا فيهمَا من الحَدِيث الضَّعِيف وإيراد رزين لَهُ فِي مثل كِتَابه من الْعجب
١١ - فصل فِي الْعَالم جهاده دفع الْبدع والمنكرات وإحياء السّنة وإمانة الْبدع وَلَو كَانَ ذَلِك بِالرُّجُوعِ عَن الْفَتْوَى الأولى
وَاتفقَ أَن ولي الخطابه والامامة بِجَامِع دمشق حرسها الله فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَحَق النَّاس بهَا يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الْمُفْتِي نَاصِر السّنة مظهر الْحق أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام ايده الله بحراسته وَقواهُ على طَاعَته فَجرى فِي إحْيَاء السّنَن وأماتة الْبدع على عَادَته فَلَمَّا قرب دُخُول شهر رَجَب أظهر النَّاس أَمر صَلَاة الرغائب وَأَنَّهَا بِدعَة مُنكرَة وَأَن حَدِيثهَا كذب على رَسُول الله ﷺ وخطب بذلك على الْمِنْبَر يَوْم جُمُعَة وَأعلم النَّاس أَنه لَا يصلها ونهاهم عَن صلَاتهَا وَوضع فِي ذَلِك جُزْءا لطيفا سَمَّاهُ التَّرْهِيب عَن صَلَاة الرغائب حذر النَّاس فِيهِ من ركُوب الْبدع والتقرب الى الله تَعَالَى بِمَا لم يشرع وَأَرَادَ فطام النَّاس عَنْهَا قولا وفعلا فشق ذَلِك على الْعَوام وَكثير من المتميزين الطَّعَام اغتروا مِنْهُم بِمُجَرَّد كَونهَا صَلَاة فَهِيَ طَاعَة وقربة فلماذا يُنْهِي عَنْهَا وركونا الى ذَلِك
стр. 38
الحَدِيث الْبَاطِل وشق على سُلْطَان الْبَلَد واتباعة أبطالها فصنف لَهُم بعض مفتي الْبَلَد جُزْء فِي تقريرها بتحسين حَالهَا والحاقها بالبدع الْحَسَنَة من جِهَة كَونهَا صَلَاة ودام نقض رد الْجُزْء فِي تصنيفه هَذَا فَرد عَلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد أحسن رد وَبَين أَنه هُوَ الَّذِي أفتى فِيمَا نقدم بالفتيين الْمُقدم ذكرهمَا فَخَالف مَا كَانَ أفتى بِهِ أَولا وَجَاء بِمَا وَافق هوى السُّلْطَان وعوام الزَّمَان وَهُوَ من الْعلمَاء الصَّالِحين وَالْأَئِمَّة المفتيين وَلَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبقض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبك بَصيرًا
وسنورد مَا أعْتَمد عَلَيْهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْحق ابلج وَاضح لمن أنصف وَقد ضرب لَهُ مثل فِي تصنيفه الثَّانِي المناقض لما كَانَ أفتى بِهِ أَولا بِمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَول عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فِي حَدِيث الأفك يَوْم رد سعد بن عبَادَة على أسيد بن الْحضير رضى الله عَنْهُمَا قَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَكَانَ يَعْنِي سعد بن عبَادَة ذَلِك رجلا صَالحا وَلَكِن أَخَذته الحمية وَقد اعتذر عَن ذَلِك بِأَنَّهُ تغير إجتهاده وَقَالَ الإجتهاد يخْتَلف على مَا قد عرف فَلم تلْتَفت الى عذره لما علم المناوأة بَين الرجلَيْن فَلم تحمل الْمُخَالفَة إِلَّا على ذَلِك ثمَّ إِنِّي قلت نَحن نَأْخُذ بإجتهاده الأول الْمُوَافق للدليل وفتوى غَيره ونرد إجتهاده الثَّانِي الْمُنْفَرد هُوَ بِهِ لَا سِيمَا وإجتهاده الأول كَانَ فِي حَالَة اجْتِمَاع الْكَلِمَة بَين الرجلَيْن وَالثَّانِي فِي حَال الْفرْقَة بَينهمَا فرأيه فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيه فِي الفرقه
وَقد سبقنَا الى هَذَا الْكَلَام رجل جليل من كبار التَّابِعين قَالَه لَا فضل أهل زَمَانه يؤمئذ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان حَدثنَا حَمَّاد حَدثنَا يَعْقُوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة قَالَ قَالَ على رضى الله عَنهُ اجْتمع رَأْيِي وَرَأى عمر على أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن قَالَ ثمَّ رَأَيْت بعد أَن تبَاع فِي دين سَيِّدهَا وَأَن يعْتق من نصيب وَلَدهَا فَقلت رَأْيك وَرَأى عمر فِي الْجَمَاعَة احب الينا من رَأْيك فِي الْفرْقَة وَقَالَ حَدثنَا أَبُو نعيم حَدِيث
стр. 39
الْقَاسِم بن الْفضل قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ يَعْنِي ابْن جَعْفَر قَالَ قلت زعم أهل الْكُوفَة أَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ رَأْيك وَرَأى عمر اذا اجْتمعَا أحب الى من رَأْيك أذا انْفَرَدت فَقَالَ رجل من بني هَاشم أَو كَانَ ذَلِك فَقَالَ مُحَمَّد قد كَانَ ذَلِك أخرجهُمَا البيهق الْحَافِظ فِي كتاب الْمدْخل وَغَيره
وَأخرج فِي كتاب السّنَن الْكَبِير من حَدِيث جرير عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة السلمان قَالَ كَانَ عَليّ رضى الله عَنهُ يُعْطِيهِ يُعْطي الْجد الْأُخوة الثُّلُث وَكَانَ عمر ﵁ يُعْطِيهِ السُّدس وَكتب عمر الى عبد ٢ الله رضى الله عَنْهُمَا أَنا نَخَاف أَن نَكُون قد أجحفنا بالجد فأعطه الثُّلُث فَلَمَّا قدم على هَهُنَا أعطَاهُ السُّدس فَقَالَ عُبَيْدَة فرأيهما فِي الْجَمَاعَة أحب الى من رأى احدهما فِي الْفرْقَة
١٢ - فصل فِي دَلِيل الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي دفع بِدعَة صَلَاة الرغائب
اعْتمد الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي إِنْكَاره وَالْمَنْع مِنْهَا على أَدِلَّة بعد بَيَان بطلَان حَدِيثهَا مِنْهَا أَن قَالَ وَمِمَّا يدل على ابتداع هَذِه الصَّلَاة أَن الْعلمَاء الَّذين هم مِمَّن دونو الْكتب فِي الشَّرِيعَة مَعَ شدَّة حرصهم على تَعْلِيم النَّاس الْفَرَائِض وَالسّنَن لم ينْقل عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه ذكر هَذِه الصَّلَاة وَلَا دونهَا فِي كِتَابه وَلَا تعرض لَهَا فِي مَجْلِسه وَالْعَادَة تحيل أَن يكون مثل هَذِه سنة وتغيب عَن هَؤُلَاءِ الَّذين هم أَعْلَام الدّين وقدوة الْمُؤمنِينَ وهم الَّذين إِلَيْهِم الرُّجُوع فِي جَمِيع الْأَحْكَام من الْفَرَائِض وَالسّنَن والحلال وَالْحرَام
قلت وَفِي هَذَا أوضح دَلِيل على انه لَا أصل لهَذِهِ الصَّلَاة بخصوصيتها من حَيْثُ الشَّرِيعَة والخصم الْمُخَالف مُسلم هَذَا لكنه يدعى جَوَاز الْفِعْل لدُخُول هَذِه الصَّلَاة تَحت مُطلق الْأَمر الْوَارِد فِي الْكتاب وَالسّنة بِمُطلق الصَّلَاة فَهِيَ
стр. 40
مُسْتَحبَّة بعمومات نُصُوص الشَّرِيعَة مِنْهَا الصَّلَاة نور وَخير أَعمالكُم الصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك فَصَارَت كَسَائِر التطوعات الَّتِي ينشئها الانسان من قبل نَفسه
وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن يُقَال لَيست صَلَاة الرغائب من هَذَا الْقَبِيل لِأَن الصَّلَاة الَّتِي أخبر النَّبِي ﷺ عَنْهَا أَنَّهَا نور وَأَنَّهَا خير مَوْضُوع هِيَ الَّتِي لَا تخَالف الشَّرِيعَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَهَذِه الصَّلَاة مُخَالفَة للشَّرْع من وُجُوه ثَلَاثَة أتسع القَوْل فِيهَا بِحَيْثُ ذكرنَا كل وَجه مَعَ مَا يتَّصل بِهِ ويتبعه فِي فصل
الْوَجْه الأول الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه الْحَافِظ أَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج فِي صَحِيحه عَن أبي كريب عَن الْحُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي وَلَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم وَأخرجه أَيْضا أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي سنته الْكَبِير فَقَالَ أخبرنَا الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا حَدثنَا حُسَيْن فَذكره قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم وَلَا يجوز تَخْصِيص لَيْلَة الْجُمُعَة بِصَلَاة زَائِدَة على سَائِر اللَّيَالِي وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث
قلت إِن كَانَ النَّهْي للتَّحْرِيم فَالْأَمْر على مَا ذكر قان الصَّلَاة غير منعقدة فَهُوَ كالنهي عَن صَوْم يومي الْعِيدَيْنِ وَإِن كَانَ النَّهْي التنزية فَيَنْبَغِي أَن يكون انْعِقَاد الصَّلَاة وَجْهَيْن كالوجهين فِي الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَالظَّاهِر عدم الِانْعِقَاد فانها لَو انْعَقَدت لصحت وترتب عَلَيْهَا ثَوَاب وَلَو صحت لكَانَتْ عبَادَة وَالْعِبَادَة مَأْمُور بهَا والامر بالشَّيْء وَالنَّهْي عَنهُ مقصودان يتناقضان وَلَيْسَ هَذَا كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فان النَّهْي عَنْهَا غير مَقْصُود فِي نَفسه وَهَذَا تَعْلِيل صَاحب النِّهَايَة عَلَيْهِ قَول النَّبِي ﷺ لجويرية رضى الله عَنْهَا وَقد صَامت يَوْم الْجُمُعَة أفطري رَوَاهُ البُخَارِيّ
следующие страницы →