Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.
стр. 71
الْأَعْمَش أحب إِلَيْكُم عَن أبي وَائِل عَن عبد الله أَو عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن أبراهيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله يَعْنِي وهما شَيخا الْأَعْمَش وسُفْيَان قَالَ فَقُلْنَا الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل أقرب فَقَالَ الْأَعْمَش شيخ وَأَبُو وَائِل شيخ وسُفْيَان عَن أبراهيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه عَن فَقِيه وَحَدِيث يتداوله الْفُقَهَاء خير مِمَّا يتداوله الشُّيُوخ
قلت على أَن قِرَاءَة الْقُرْآن على هَذِه الصُّورَة الَّتِي فعلهَا الشَّيْخ بدار الحَدِيث كرهها مَالك بن أنس الْأَمَام رَحمَه الله تَعَالَى
وَذكر الطرطوشي فِي كتاب الْحَوَادِث قَالَ مَالك لَا يجْتَمع الْقَوْم بقرؤون فِي سُورَة وَاحِدَة كَمَا يَفْعَله أهل الْإسْكَنْدَريَّة هَذَا مَكْرُوه وَلَا يعجبنا لم يكن هَذَا من عمل النَّاس هَذَا مَكْرُوه ومنكر فَلَو قَرَأَ وَاحِد مِنْهُمَا آيَات ثمَّ قَرَأَ الآخر على أثر صَاحبه وَالْآخر كَذَلِك لم يكن بذلك بَأْس هَؤُلَاءِ يعرضون بَعضهم على بعض
قلت وَالَّذِي كره مَالك رَحمَه الله تَعَالَى من ذَلِك مُوَافق لما أخرجه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن الْعَلَاء بن زبير الربيعي قَالَ سَمِعت الضَّحَّاك بن عبد الرَّحْمَن بن عزرب يُنكر هَذِه المدارسة وَيَقُول مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعت وَقد أدْركْت أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَقَالَ الْوَلِيد سَأَلت عَنْهَا عبد الله بن الْعَلَاء فَقَالَ كُنَّا ندرس فِي مجْلِس يحيى بن الْحَرْث فِي مَسْجِد دمشق فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك إِذْ خرج علينا أميرنا الضشحاك بن عبد الرَّحْمَن بن عزرب الْأَشْعَرِيّ من الخضراء مُقبلا علينا مُنْكرا لما نصْنَع فَقَالَ مَا هَذَا وَمَا أَنْتُم فِيهِ فَقُلْنَا نَدْرِي كتاب الله تَعَالَى فَقَالَ أتدرسون كتاب الله إِن هَذَا الشَّيْء مَا رَأَيْته وَلَا سَمِعت أَنه كَانَ قبل ثمَّ دخل الخضار قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم وَكَانَ الضَّحَّاك بن عبد الرَّحْمَن أَمِيرا على دمشق فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 72
٢١
- فصل فِيمَا ابتدع واستميلت بِهِ قُلُوب الْعَوام
وَمِمَّا ابتدع وروى بِهِ واستميلت قُلُوب الْجُهَّال والعوام بِسَبَبِهِ التماوت فِي الْمَشْي وَالْكَلَام حَتَّى صَار ذَلِك شعارا لمن يُرِيد أَن يظنّ فِيهِ التنسك والتورع فَليعلم أَن الدّين خلاف ذَلِك وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه رضى الله عَنْهُم ثمَّ السّلف الصَّالح كَمَا سنورد من أخبارهم فِي ذَلِك وصفاتهم فِي حركاتهم وسكناتهم فَفِي أَحَادِيث صفة النَّبِي ﷺ وشمائله أَنه كَانَ إِذا مَشى ﷺ تقلع كَأَنَّمَا يمشي فِي صبب وَفِي رِوَايَة كَأَنَّمَا ينحدر من سَبَب
وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أنس رضى الله عَنهُ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا مَشى كَأَنَّمَا يتوكاء وَفِيه عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا مَشى كَأَنَّهُ يهوى فِي صبب
قلت معنى يتَوَكَّأ يسْعَى قَالَ الآزهري الإتكاء فِي كَلَام الْعَرَب يكون بِمَعْنى السَّعْي والصبب والصبوب وَاحِد قَالَ الْخطابِيّ وَقَوله يهوى مَعْنَاهُ ينزل يتدلى وَذَلِكَ مشْيَة الْقوي من الرِّجَال قَالَ وَالصَّوَاب إِذا فتحت الصَّاد كَانَ أسما لما يصب على الْإِنْسَان من مَاء وَنَحْوه كالطهور والغسول والفطور وَمن رَوَاهُ يضم الصَّاد فَهُوَ جمع صبب وَهُوَ مَا انحدر من الأَرْض وَقَالَ صَاحب الْمُحكم الصبب من الرمل مَا انصب والصبوب مَا صببت فِيهِ وَالْجمع صبب وَأَرْض صبب وصبوب وَهِي كالهبط والهبوط قَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ وَفِي صفته ﷺ إِذا مَشى تقلع أَي كَانَ قوي المشية وَفِي حَدِيث أبن أبي هَالة إِذا زَالَ زَالَ قلعا الْمَعْنى أَنه كَانَ يرفع رجلَيْهِ من الآرض رفعا بَائِنا يقوه لَا كمن يمشي اختيالا وَيُقَارب خطاه تنعما وَهِي المشية المحموده للرِّجَال وَأما النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ يوصفن بقصر الخطو
قَالَ وقرأت هَذِه الْحُرُوف فِي كتاب غَرِيب الحَدِيث لِابْنِ الْأَنْبَارِي
стр. 73
زَالَ قلعا بِفَتْح الْقَاف وَكسر اللَّام وَكَذَلِكَ قرأته بِخَط الْأَزْهَرِي قَالَ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر كَأَنَّمَا ينحط من صبب والانحدار من الصبب والتكفؤ الى قُدَّام والتقلع من الآرض قريب بعضه من بعض قَالَ أَبُو بكر أَرَادَ أَنه كَانَ يسْتَعْمل التثبت وَلَا يتَبَيَّن مِنْهُ فِي هَذِه الْحَال استعجال ومبادرة شَدِيدَة أَلا ترَاهُ يَقُول يمشي هونا ويخطو تكفأ أَي تمايل فِي الْمَشْي الى قُدَّام كَمَا تتكأ السفينه فِي جريها وَقَالَ أَيْضا والهون الرِّفْق واللين وَمِنْه مَا جَاءَ فِي صفة النَّبِي ﷺ يمشي هونا قَالَ أَبُو بكر بن الانباري مَعْنَاهُ أَنه لتثبته كَانَ يميد فِي مشيته كَمَا يميد الْغُصْن إِذا حركته الرِّيَاح والهون مَعْنَاهُ الترفق والتثبت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾
قلت الْمَحْمُود من ذَلِك ترك العجله المفرطة وَترك التكاسل والتثبط والتماوت وَلَكِن بَين ذَلِك وَفِي كتاب شرح السّنة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا مَشى مَشى مشيا مجتمعا يعرف أَنه لَيْسَ بمشي عَاجز وَلَا كسلان وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد السلمى حَدثنَا عمر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَت الشِّفَاء بنت عبد الله فرأت فتيانا يقصدون فِي الْمَشْي ويتعلمون رويدا فَقَالَت وَمَا هَذَا فَقَالُوا نساك فَقَالَت كَانَ وَالله عمر رضى الله عَنهُ إِذا تكلم اسْمَع وَإِذا مَشى أسْرع وَإِذا ضرب أوجع وَهُوَ الناسك حَقًا
قلت لَعَلَّ هَؤُلَاءِ قد كَانُوا بالغوا فِي ذَلِك مُبَالغَة شَدِيدَة مُجَاوزَة للحد الَّذِي أَمر لُقْمَان ﵇ ابْنه فِي قَوْله ﴿واقصد فِي مشيك واغضض من صَوْتك﴾ كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز عَنهُ وَتلك الْمُجَاوزَة هِيَ الَّتِي ذممناها وَهِي الَّتِي يرتكبها من اشرنا اليه على مَا نشاهده وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مسْهر وَغَيره حَدثنَا مَالك ابْن انس عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن عبد الله
стр. 74
قَالَ لم يكن الْبر يعرف فِي عمر وَلَا ابْنه حَتَّى يَقُولَا أَو يفعلا قَالَ يزِيد بن هَارُون أنباءنا عبد الله ابْن عبد الله بن ابي اويس الْمَدِينِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم قَالَ كَانَ عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عمر رضى الله عَنْهُمَا لَا يعرف فيهمَا الْبر حَتَّى يَقُولَا اَوْ يفعلا قَالَ قلت يَا أَبَا بكر مَا يَعْنِي بذلك لم يَكُونَا مؤتنسين وَلَا متماوتين
وَفِي كتاب الْكَامِل لابي الْعَبَّاس الْمبرد قَالَ ويروي أَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا نظرت الى رجل متماوت فَقَالَت مَا هَذَا فَقَالُوا أحد الْفُقَرَاء فَقَالَت قد كَانَ عمر رضى الله عَنهُ قَارِئًا فَكَانَ إِذا مَشى أسْرع وَإِذا قَالَ أسمع وَإِذا ضرب أوجع قَالَ ويروي أَن عمر رضى الله عَنهُ رأى رجلا مظْهرا للنسك متماوتا فخفقه بِالدرةِ وَقَالَ لَا تمت علينا ديننَا أماتك الله وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل رضى الله عَنهُ حَدثنَا يحيى بن آدم حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد الضَّبِّيّ عَن مُحَمَّد بن سعد الْأنْصَارِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء رضى الله عَنهُ قَالَ استعيذوا بِاللَّه من خشوع النِّفَاق قيل وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ أَن ترى الْجَسَد خَاشِعًا وَالْقلب لَيْسَ بخاشع وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحمَه الله تَعَالَى سَيَأْتِي أَقوام يتخشعون رِيَاء وَسُمْعَة هم كالذئاب الضواري غايتهم الدِّينَار وَالدِّرْهَم من الْحَلَال وَالْحرَام
وَقَالَ الإِمَام ابْن الامام ابو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن الامام ابي حَاتِم الرَّازِيّ فِي كِتَابه فِي فَضَائِل الامام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى سَمِعت أبي يَقُول كَانَ احْمَد بن حَنْبَل إِذا رَأَيْته تعلم أَنه لَا يظْهر النّسك رَأَيْت عَلَيْهِ نعلا لَا تشبه نعل الْقُرَّاء لَهُ رَأس كَبِير معقف وشراكة مُسبل كَأَنَّهُ اشْترى لَهُ من السُّوق وَرَأَيْت عَلَيْهِ ازارا وجبه بر مخططة من اثمار جوز قَالَ عبد الرَّحْمَن أَرَادَ بِهَذَا وَالله أعلم ترك التزني بزِي الْقُرَّاء وإزالته عَن نَفسه مَا يشْتَهر بِهِ
وَفِي كتاب مَنَاقِب الامام احْمَد بن حَنْبَل للشَّيْخ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ عَن الامام ابي عبد الله مُحَمَّد بن أبراهيم البوشنجي قَالَ مَا رَأَيْت أحدا فِي عصر أَحْمد أجمع مِنْهُ ديانَة وصيانة وَأبْعد من التماوت وَفِيه قَالَ الْخلال أخبرنَا
стр. 75
الْمروزِي قَالَ رايت أَبَا عبد الله إِذا كَانَ فِي الْبَيْت كَانَ عَامَّة جُلُوسه متربعا خَاشِعًا فَإِذا كَانَ يرى لم يكن يبين مِنْهُ شدَّة خشوع كَمَا كَانَ دَاخِلا
قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الابرى فِي كتاب مَنَاقِب الامام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَخْبرنِي الزبير بن عبد الْوَاحِد حَدثنِي يُوسُف بن عبد الاحد القمي قَالَ سَمِعت الرّبيع قَالَ سَمِعت الْبُوَيْطِيّ يَقُول احذر كل مستميت فانه ملد قلت هُوَ مفعل من اللدد وَهِي الخصومه فَهِيَ مثل مسعر حَرْب وبابه وَالله أعلم وَمِنْه رجل الد ولدود أَي شَدِيد الْخُصُومَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَالَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَإِذا أعْجبك حسن عمل امريء فَقل اعْمَلُوا فسير الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وَلَا سيتخفك أحد وَقَالَ مُجَاهِد بن مُوسَى حَدثنَا وليد عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر أَنه سمع مُحَمَّد بن أبي عَائِشَة يَقُول كَانَ يُقَال لَا تكن ذَا وَجْهَيْن وَذَا لسانين تظهر للنَّاس انك تخشى الله وقلبك فَاجر قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الْبنانِيّ وَسَأَلَهُ بعض المريدين فَقَالَ لَهُ اوصني فَقَالَ لَهُ كن كَمَا ترى النَّاس وَرَاء النَّاس تكون
قالل المدايني كتب عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ الى عمر بن الْعَاصِ وَهُوَ واليه بِمصْر رفع الى أَنَّك تبْكي بمجلسك فَإِذا جَلَست فَكُن كَسَائِر النَّاس وَلَا تبك
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة مُحرز بن عبد الله قَالَ ابْن الْمُبَارك حَدثنَا اسماعيل ابْن عَيَّاش اخبرني مُحرز أَبُو رَجَاء مولي هِشَام أَنه سمع مَكْحُولًا يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَكُونُوا عبابين وَلَا مداحين وَلَا طعانين وَلَا متماوتين هَذَا مُرْسل وَأخرج فِي ترحمة
стр. 76
ابراهيم بن أدهم رَحمَه الله تَعَالَى باسناده عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ قلت لِابْنِ الْمُبَارك ابراهيم بن أدهم مِمَّن سمع فَقَالَ قد سمع من النَّاس وَلَكِن لَهُ فضل فِي نَفسه صَاحب سرائر وَمَا رَأَيْته يظْهر تسبيحا وَلَا شَيْئا من الْخَيْر وَلَا أكل مَعَ قوم طَعَاما إِلَّا كَانَ آخر من يرفع يدية من الطَّعَام
وَأخرج فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن ابْن الآسود عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه قَالَ ثمَّ لقِيت عبد الرَّحْمَن بن الآسود وَهُوَ يمشي بِجَانِب الْحَائِط فَقلت لَهُ مَالك قَالَ أكره أَن يستقبلني إِنْسَان فيساءلني عَن شَيْء قَالَ فَقلت لَهُ لَكِن عمر كَانَ شَدِيد الوطيء على على الآرض لَهُ صَوت جَهورِي
وَأخرج فِي تَرْجمهُ الآوزاعي عَن الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ كَانَ الْأَمر لَا يتَبَيَّن على الْأَوْزَاعِيّ حَتَّى يتَكَلَّم فَإِذا تكلم جلّ وملآ الْقُلُوب
وَأخرج فِي تَرْجَمَة عبد الله بن الْمُبَارك من حَدِيث الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ الى الْأَصْمَعِي قَالَ سَمِعت ابْن الْمُبَارك يَقُول انه ليعجبني من الْقُرَّاء كل طلق مضحاك فَأَما من تَلقاهُ بالبشر ويلقاك بالعبوس كَأَنَّهُ يمن عَلَيْك بِعِلْمِهِ فَلَا كثر الله فِي الْقُرَّاء مثله وَهَذِه الطلاقة الَّتِي أَشَارَ اليها هِيَ الَّتِي كَانَت تعرف من حسن أَخْلَاق النَّبِي ﷺ وَهِي كَانَت الْغَالِب على أَصْحَابه رضى الله عَنْهُم وسادات الْمُتَقَدِّمين من الْأَئِمَّة الجامعين بَين الْعلم وَالْعَمَل كسعيد بن الْمسيب إِمَام أهل الْمَدِينَة وَسيد التَّابِعين فِي وقته مَعَ خشونته المعروفه فِي أَمر الله تَعَالَى وكعامر الشّعبِيّ من أَئِمَّة الكوفه وَابْن سِيرِين من أَئِمَّة الْبَصْرَة والآوزاعي من أَئِمَّة الشَّام وَاللَّيْث بن سعد من أَئِمَّة أهل مصر وَغَيرهم رضى الله عَنْهُم قد عرف ذَلِك من وقف على أخبارهم ثمَّ هِيَ طَريقَة إمامنا أبي عبد الله الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَطَرِيقه من ارتضيناه من مَشَايِخنَا الَّذين عاصرناهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 77
٢٢
- فصل فِيمَا ابتدع فِي قيام رَمَضَان
وَمِمَّا ابتدع فِي قيام رَمَضَان فِي الْجَمَاعَة قِرَاءَة سُورَة الْأَنْعَام جَمِيعهَا فِي رَكْعَة وَاحِدَة يخصونها بذلك فِي آخر رَكْعَة من التَّرَاوِيح لَيْلَة السَّابِع أَو قبلهَا فعل ذَلِك ابتداعا بعض أَئِمَّة الْمَسَاجِد الْجُهَّال مستشهدا بِحَدِيث لَا أصل لَهُ عِنْد أهل الحَدِيث وَلَا دَلِيل فِيهِ أَيْضا يرْوى مَوْقُوفا على على وَابْن عَبَّاس وَإِنَّمَا ذكره بعض الْمُفَسّرين مَرْفُوعا الى النَّبِي ﷺ فِي فضل سُورَة الإنعام بِإِسْنَاد مظلم عَن أبي معَاذ عَن ابي عصمَة عَن زيد الْعَمى وكل هَؤُلَاءِ ضعفاء عَن أبي نظرة عَن أبن عَبَّاس عَن ابي بن كَعْب رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ نزلت سُورَة الْأَنْعَام جملَة وَاحِدَة يشيعها سَبْعُونَ ألف ملك لَهُم زجل بالتسبيح والتحميد فاغتر بذلك من سَمعه من عوام الْمُصَلِّين وَهَذَا حَدِيث أخرجه أَحْمد بن مُحَمَّد بن ابراهيم الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره وَكم من حَدِيث ضَعِيف فِيهِ
وَقد أخرج فِي أول سُورَة بَرَاءَة مَا هُوَ أبلغ من ذَلِك ومعارض لَهُ فَذكر سَنَده الى عَائِشَة رضى الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول ﷺ مَا نزل على الْقُرْآن إِلَّا آيَة آيَة وحرفا حرفا مَا خلا سُورَة بَرَاءَة وَقل هُوَ الله أحد فَإِنَّهُمَا نزلتا على ومعهما سَبْعُونَ ألف صف من الْمَلَائِكَة
قلت فعلى هَذَا قِرَاءَة سُورَة بَرَاءَة فِي كل رَكْعَة أولى من قِرَاءَة سُورَة الْأَنْعَام لِأَن مَعهَا حِين نزلت سَبْعُونَ ألف صف من الملائكه والأنعام مَعهَا سَبْعُونَ ألف ملك ثمَّ ظَاهر حَدِيث بَرَاءَة أَن الْأَنْعَام لم تنزل جملَة فتعارضا والرجحان لبراءة وَهَذَا نقُوله على وَجه الآلزام وَإِلَّا فالجميع عندنَا بَاطِل وَالله أعلم ثمَّ لَو صَحَّ حَدِيث الانعام لم يكن فِيهِ دلَالَة على اسْتِحْبَاب قرَاءَتهَا فِي كل رَكْعَة وَاحِدَة بل هِيَ من جملَة سور الْقُرْآن فَيُسْتَحَب فِيهَا مَا يسْتَحبّ فِي سَائِر السُّور وَالْأَفْضَل لمن استفتح سُورَة فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا أَن لَا يقطعهَا بل يُتمهَا الى آخرهَا وَهَذِه كَانَت عَادَة السّلف وَلَا جله جَاءَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 78
قَرَأَ سُورَة الْأَعْرَاف فِي صَلَاة الْمغرب وَإِن كَانَ فرقها فِي الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لم يقطع الصَّلَاة إِلَّا على تَمام السُّورَة تَنْزِيلا للْقِرَاءَة فِي رَكْعَات الصَّلَاة كالقراءة الْوَاحِدَة وَمِنْه حَدِيث جَابر فِي الْأَعرَابِي الَّذِي انْصَرف من الصَّلَاة خلف معَاذ فَإِنَّهُ سَمعه أَنه استفتح بِسُورَة الْبَقَرَة فَعلم أَنه لَا يرْكَع حَتَّى يفرغ مِنْهَا فَخرج من الصَّلَاة وشكاه الى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لِمعَاذ أَقرَأ بِسُورَة كَذَا وَسورَة كَذَا من السُّور الْقصار الَّتِي يُمكن اتمامها من غير تَطْوِيل على من خَلفه
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الْبِدْعَة فِيمَن يقْرَأ الانعام كلهَا فِي رَكْعَة وَاحِدَة فِي صَلَاة التَّرَاوِيح على مَا جرت بِهِ الْعَادة لَيْسَ من جِهَة قرَاءَتهَا كلهَا بل من وُجُوه أُخْرَى الأول تَخْصِيصه ذَلِك بِسُورَة الآنعام دون غَيرهَا من السُّور فيوهم ذَلِك أَن هَذَا هُوَ السّنة فِيهَا دون غَيرهَا وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك على مَا تقرر الثَّانِي تَخْصِيص ذَلِك بِصَلَاة التَّرَاوِيح دون غَيرهَا من الصَّلَاة وبالركعة الْأَخِيرَة مِنْهَا دون مَا قبلهَا من الرَّكْعَات الثَّالِث مَا فِيهِ من التَّطْوِيل على الْمَأْمُومين وَلَا سِيمَا من يجهل ذَلِك من عَادَتهم فينشب فِي تِلْكَ الرَّكْعَة فيقلق ويضجر ويتسخط بِالْعبَادَة الرَّابِع مَا فِيهِ من مخفالة السّنة من تقليل الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة عَن الأولى حَتَّى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَجْعَلهَا فِي الظّهْر وَالْعصر على النّصْف من الْقِرَاءَة فِي الأولى وَقد عكس صَاحب هَذِه الْبِدْعَة قَضِيَّة ذَلِك فَإِنَّهُ يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى نَحْو آيَتَيْنِ من أخر سُورَة الْمَائِدَة وَيقْرَأ فِي الثَّانِيَة سُورَة الْأَنْعَام كلهَا بل يقْرَأ فِي تسع عشرَة رَكْعَة نَحْو نصف حزب من الْمَائِدَة وَيقْرَأ فِي الرَّكْعَة الموفيه عشْرين بِنَحْوِ حزب وَنصف حزب وَفِي هَذَا مَا فيهمن الْبِدْعَة وَمُخَالفَة الشَّرِيعَة والتوفيق بِاللَّه
وابتدع بَعضهم أَيْضا جمع آيَات السجدات يقْرَأ بهَا فِي لَيْلَة ختم الْقُرْآن وَصَلَاة التَّرَاوِيح ويسبح بالمأمومين فِي جَمِيعهَا
وابتدع آخَرُونَ سرد جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من آيَات الدُّعَاء فِي آخر رَكْعَة من التَّرَاوِيح بعد قِرَاءَة سُورَة النَّاس فَيطول الرَّكْعَة الثَّانِيَة على الأولى
стр. 79
نَحْو من تطويله بِقِرَاءَة الْأَنْعَام مَعَ اختراعه لهَذِهِ الْبِدْعَة وَكَذَلِكَ الَّذين يجمعُونَ آيَات يخصونها بِالْقِرَاءَةِ ويسمونها آيَات الحرس وَلَا أصل لشَيْء من ذَلِك فَليعلم أَن جَمِيع ذَلِك بِدعَة وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا من الشَّرِيعَة بل هُوَ مِمَّا يُوهم أَنه من الشَّرْع وَلَيْسَ مِنْهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
٢٣
- فصل فِي الْبدع المشعرة بِأَنَّهَا من السّنَن
وَمن الْبدع المشعرة بِأَنَّهَا من السّنَن بعمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعلها مَا يَفْعَله عوام الخطباء وَشبه الْعَوام مِمَّن يدعى الْعلم مِنْهُم من أُمُور نذكرها وَإِن ذَلِك لمقام عَظِيم وارتقاء كريم يُؤمر فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى فِيهِ عَن الْمُنكر ويحذر من أَحْوَال الْمَوْت وَأهل الْمَحْشَر مقَام جد يزهد فِي الدُّنْيَا ويرغب فِي الْآخِرَة وَيكثر فِيهِ المواعظ المتظاهرة فَهُوَ أولى المقامات بإجتناب الْبدع وأحراها بِإِظْهَار السّنَن لمتبعيها
وَقد فعل ذَلِك الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى بِدِمَشْق حِين ولى الخطابة وَجرى فِيمَا يتَعَلَّق بهَا وبالصلاة على وَجه الآصابة وَأظْهر من محَاسِن الشَّرِيعَة مَا ابتهجت بِهِ قُلُوب المتبعين وانقمعت بِهِ أنفس المبتدعين
فَمن الْبدع دق الْخَطِيب الْمُنِير عِنْد صُعُوده فِي ثَلَاث مَرَّات بِأَسْفَل سَيْفه دقا مزعجا فاصل بَين كل ضربتين بِقَلِيل من الزَّمَان وَمِنْهَا تباطؤه فِي الطُّلُوع واستغاله بِالدُّعَاءِ قبل الإقبال على النَّاس وَالسَّلَام عَلَيْهِم وَأما رفع أَيْديهم عِنْد الدُّعَاء فبدعة قديمَة
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان حَدثنَا بَقِيَّة عَن ابي بكر بن عبد الله حبيب بن عبيد الرَّحبِي عَن غُضَيْف بن الْحَرْث التمالي قَالَ بعث الى عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ يَا أَبَا أَسمَاء أَنا قد جَمعنَا النَّاس على أَمريْن قَالَ فَقلت وَمَا هما قَالَ رفع الْأَيْدِي على المنابر يَوْم الْجُمُعَة والقصص بعد الصُّبْح
стр. 80
وَالْعصر فَقَالَ انهما أمثل بدعكم عِنْدِي وَلست مجيبك الى شَيْء مِنْهَا قَالَ لم قَالَ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا أحدث قوم بِدعَة إِلَّا رفع مثلهَا من السّنة فتمسك بِسنة خير من أَحْدَاث بِدعَة وَقد تقدم هَذَا الْأَثر فِي مَوضِع آخر
وَمِنْهَا الِالْتِفَات يَمِينا وَشمَالًا عِنْد قَوْله آمركُم وَأَنَّهَا كم وَعند الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ مَعَ زياديه ارتقاء دَرَجَة من الْمِنْبَر عِنْد ذَلِك ثمَّ نُزُوله عِنْد الْفَرَاغ مِنْهَا وَلَا أصل لشَيْء من ذَلِك بل السّنة الاقبال على النَّاس بِوَجْهِهِ من أول الْخطْبَة الى أَخّرهَا
قَالَ الامام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَيقبل يعْنى الْخَطِيب بِوَجْه قصد وَجهه وَلَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ صَاحب كتاب الْحَاوِي فِي شرح هَذَا الْكَلَام وَلَا يفعل مَا يَفْعَله أَئِمَّة هَذَا الْوَقْت من الِالْتِفَات يَمِينا وَشمَالًا فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ليَكُون مُتبعا لسنته أخذا بِحسن الآدب
قلت ثمَّ انهم يتكلفون رفع الصَّوْت فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فَوق الْمُعْتَاد فِي بَاقِي الْخطْبَة وَهُوَ على مُخَالفَة الشَّرِيعَة وموافق لمَذْهَب الْعَامَّة فِي ذَلِك فانهم يرَوْنَ أزعاج الآعضاء بِرَفْع الصَّوْت فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ جهل فَإِن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ إِنَّمَا هُوَ دُعَاء لَهُ وَجَمِيع الادعية الْمَأْمُور بهَا سنة فِيهَا الاسرار دون الْجَهْر بهَا غَالِبا وَحَيْثُ سنّ الْجَهْر فِي بَعْضهَا لمصْلحَة كدعاء الْقُنُوت لم يكن بِرَفْع الصَّوْت فَأَما الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي الْخطْبَة فلهَا حكم جَمِيع أَلْفَاظ الْخطْبَة من الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَكَانَ النَّبِي ﷺ يرفع صَوته عِنْد الموعظه لِأَنَّهَا مُعظم الْمَقْصُود من الْخطْبَة وَصفه الرَّاوِي بِأَنَّهُ كَانَ مُنْذر جَيش صبحكم ومساكم وَقد أمرنَا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة وَلم يشرع لنا الْجَهْر بهَا وَإِن كَانَت الصَّلَاة جهرية بِالْقِرَاءَةِ
نعم من الْبدع المستحسنة الْمُوَافقَة لقواعد الشَّرِيعَة أَمر النَّاس بالأنصات
стр. 81
قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة وتذكيرهم بِمَا صَحَّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذْ قلت لصاحبك والامام يخْطب أنصت فقد لغوت أَي أنيت بلغو من القَوْل وَإِن كنت فِي صُورَة الْأَمر آمُر بِمَعْرُوف لِأَنَّك مَأْمُور بالأنصات حِينَئِذٍ فَلَيْسَ لَك أَن تَتَكَلَّم بِشَيْء أصلا كَمَا لَو كنت مُصَليا وللغو المطرح من القَوْل وَمَا يَنْبَغِي أَن يلغي وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي الْفِعْل
وَمِنْه الحَدِيث أَيْضا من مس الْحِمصِي فقد لغى يَعْنِي فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ تشاغل بِهِ عَن الْخُشُوع وَحُضُور الْقلب فانظروا حكم الله كَيفَ جعل رَسُول الله ﷺ هَذَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَغوا لوُقُوعه فِي غير مَوْضِعه فَهَذَا كنهيه عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات المكروهه لَهَا وكنهيه ﵇ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَأما تراسل المؤذنين بالآذان يَوْم الْجُمُعَة وآذان الْآحَاد مفترقين صُورَة مختلطة أَصْوَاتهم فَكل ذَلِك بِدعَة مَكْرُوهَة
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كتاب النِّهَايَة وَإِذا أذن الْمُؤَذّن فَلَا يسْتَحبّ أَن يتراسلوا فِي الاذان بل أَن وسع الْوَقْت ترتبوا وَأَن ضَاقَ تبددوا فِي أَطْرَاف الْمَسْجِد واذنوا فَيكون كل وَاحِد مُنْفَردا بآذانه وَيظْهر أثر ذَلِك فِي الاسماع والابلاغ ثمَّ لَا يُقيم فِي الْمَسْجِد إِلَّا وَاحِد وَإِن كثر المؤذنون
قلت يُرِيد بذلك الاذان الأول الَّذِي هُوَ الاعلام بِدُخُول الْوَقْت وَهُوَ الَّذِي يفعل على المنابر وَأما الاذان بَين يَدي الْخَطِيب بعد صُعُوده الْمِنْبَر فَلَا
стр. 82
يَنْبَغِي أَن يكون إِلَّا من وَاحِد لِأَنَّهُ لَا قامة الشعار والأعلام بصعود الْخَطِيب الْمِنْبَر لانصات النَّاس الْحَاضِرين وَالسّنة فِيهِ إِفْرَاد الْمُؤَذّن
قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ رضى الله عَنهُ فِي كتاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهُوَ التَّاسِع من كتاب ربع الْعِبَادَات من كتاب الْأَحْيَاء الثَّالِث فِي الْمُنْكَرَات المؤالفة فَذكر مُنكرَات الْمَسَاجِد ثمَّ قَالَ مِنْهَا تراسل المؤذنين فِي الْأَذَان وتطويلهم مد كَلِمَاته وإسرافهم عَن صوب القبله بِجَمِيعِ الصُّدُور فِي الحيعلتين وانفراد كل وَاحِد بِأَذَان وَلَكِن من غير توقف الى انْقِطَاع أَذَان الآخر بِحَيْثُ يضْطَر بالحاضرين جَوَاب الآذان لتداخل الْأَصْوَات وكل ذَلِك مُنكرَات مكروهه يجب تَعْرِيفهَا وَأَن صدرت عَن معرفَة فَيُسْتَحَب الْمَنْع مِنْهَا والحسنة فِيهَا ثمَّ قَالَ وَمِنْهَا أَن يكون الْخَطِيب لابسا ثوبا أسود يغلب عَلَيْهِ الا بريسم اَوْ ممسكا لسيف مَذْهَب فَهُوَ فَاسق والانكار عَلَيْهِ وَاجِب فاما بِمُجَرَّد السوَاد فَلَيْسَ بمكروه وَلكنه لَيْسَ بمحبوب إِذْ أحب الثِّيَاب الى الله الثِّيَاب الْبيض
قلت وَمنع القَاضِي أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْحَاوِي الترسل فِي الاذان أَيْضا وَقَالَ يُؤذن بعد وَاحِد لِأَن الصَّوْت يخْتَلط بإجتماعهم فَلَا يفهم إِلَّا أَن يكون الْبَلَد كَبِيرا وَالْمَسْجِد وَاسِعًا فَلَا بَأْس أَن يجتمعوا فِي الاذان دَفعه وَاحِدَة كالبصرة لِأَن إجتماع أَصْوَاتهم أبلغ فِي الْأَعْلَام ويتفقوا فِي الاذان إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ كَلمه وَاحِدَة فَإِن اشتراكهم فِي كل كلمة مِنْهَا أبين وَإِذا أختلفوا فِيهِ اخْتَلَط
стр. 83
٢٤ - فصل فِي الْبدع فِي الْجَنَائِز وَفِيمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم فِي الْجَنَائِز بدع كَثِيرَة وَمُخَالفَة لما ثَبت فِي السّنة من ترك الْإِسْرَاع بهَا والقرب مِنْهَا والإنصات فِيهَا وَمن قراءتهم بِالْقُرْآنِ بالآلحان واتباعهم فِي تزيينها والمباهاة بالحاضرين لَهَا وساوس الشَّيْطَان لَا يفكرون فِيمَا هم صائرون اليه من الْمَوْت والمعاد بل ليومهم وحديثهم فِيهَا فِيمَا خَلفه من المَال وَالْأَوْلَاد وَطَرِيقه الْعلمَاء الَّذين يَخْشونَ الله تَعَالَى إِنْكَار ذَلِك من أفعالهم خلافًا لمن حَاله على خلاف حَالهم
روينَا عَن يحيى بن صَالح الوحاظي حَدثنَا حَمَّاد بن شعيت الْكُوفِي عَن مَنْصُور عَن ابراهيم قَالَ كَانَ يُقَال انتشطوا بجنائزكم وَلَا تدبوا كدبيب الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالَ عتبَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن جوشن حَدثنِي أبي قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة فَجعل نَاس من أَهله يَمْشُونَ على أَعْقَابهم ويستقبلون السرير وَيَقُولُونَ رويدا رويدا بَارك الله فِيكُم قَالَ فلحقنا أَبُو بكرَة طَرِيق المربد فَحل بغلته عَلَيْهِم وأهوى اليهم بِالسَّوْطِ وَقَالَ فو الَّذِي كرم وَجه أبي الْقَاسِم ﷺ لقد رايتنا مَعَ النَّبِي ﷺ وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل بهَا
وَفِي رِوَايَة شهِدت جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَخرج زِيَاد يمشي بَين يَدي سَرِيره وَكَانَ نَاس من موَالِيه وَأَهله يَمْشُونَ أما الْجِنَازَة وَيَقُولُونَ رويدا رويدا بَارك الله فِيكُم وَكَانُوا يدبون دبيبا فجَاء أَبُو بكره فَذكر مَا تقدم قَالَ فخلي الْقَوْم وأسرعوا فِي الْمَشْي وأسرع زِيَاد الْمَشْي أخرجه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَأخرجه النَّسَائِيّ لاحافظ وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب السّنَن الْكَبِير
وَفِي رِوَايَة أَن ذَلِك كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ قَالَ وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا ولحقنا أَبُو بكرَة وَقَالَ لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ نَبِي الله ﷺ نرمل رملا
стр. 84
وَقَالَ هِشَام بن عمار حَدثنَا مِسْكين الْمُؤَذّن حَدثنَا عُرْوَة ابْن رُوَيْم أَنه شهد جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن قرط قرأى النَّاس تقدمُوا فابعدوا وتأخروا مثل ذَلِك فَأمر بالجنازة فَوضعت ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا ثمَّ أَمر بهَا فَحلت وَقَالَ بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن يسارها أخرجه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن بن قرط ثمَّ قَالَ كَذَا قَالَ وَلَعَلَّه شهد جَنَازَة شَهِدَهَا عبد الرَّحْمَن وَالله أعلم لعبد الرَّحْمَن بن قرط صَحبه
وَأخرج فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن ابْن سُلَيْمَان وَقَالَ هَارُون بن مَعْرُوف حَدثنَا ضَمرَة حَدثنَا رَجَاء بن جميل قَالَ شهِدت رَجَاء بن حَيْوَة فِي جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك بعسقلان فَسمع رجلا يَقُول اسْتَغْفرُوا لَهُ غفر الله لكم فَقَالَ رَجَاء اسْكُتْ دق الله عُنُقك وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ إِذا اتبع جَنَازَة أَكثر الصمات ورؤى عَلَيْهِ الكآبة وَأكْثر حَدِيث النَّفس
وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ كَانُوا إِذا كَانُوا فِي جَنَازَة يعرف ذَلِك فيهم ثَلَاثَة ايام قَالَ وَرَأى أبن مَسْعُود رضى الله عَنهُ رجلا يضْحك فِي جَنَازَة فَقَالَ تضحك لَا أُكَلِّمك أبدا وَعَن سعيد بن الْمسيب رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ فِي مَرضه إيَّايَ وحاديهم هَذَا الَّذِي يَحْدُو لَهُم يَقُول اسْتَغْفرُوا الله غفر الله لكم وَكَرِهَهُ الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير وَاحْمَدْ واسحق وَعَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَنه سمع قَائِلا يَقُول ذَلِك فَقَالَ لَهُ لَا غفر الله لَك وانما كره ذَلِك لما فِيهِ من التشويش على المشيعين الموفقين المفكرين فِي أَحْوَالهم ومعادهم على مَا أشارت اليه هَذِه الْآثَار وَقَالَ وَسُئِلَ سُفْيَان بن عبينة عَن السُّكُوت فِي تشييع الْجِنَازَة وماذا يَجِيء بِهِ يذكر بِهِ أَحْوَال يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ تَلا ﴿وخشعت الْأَصْوَات للرحمن فَلَا تسمع إِلَّا همسا﴾
وَقيل لابراهيم بن ادهم أَلا تتبع الْجِنَازَة قَالَ لَا أجد صاحبا إِنَّمَا صَاحِبي من يَأْخُذ بعضدي انتبه فَانْظُر الى رَأس اخيك كَيفَ يتعبأ عَلَيْهِ السرير
стр. 85
قَالَ قَتَادَة وبلغنا أَن أَبَا الدَّرْدَاء نظر الى رجل يضْحك فِي جَنَازَة فَقَالَ أما كَانَ فِيمَا رَأَيْت من هول الْمَوْت مَا يشغلك عَن الضحك قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك أخبر صَالح الْمزي عَن بديل قَالَ كَانَ مطرف يلقِي الرجل من خَاصَّة إخوانه فِي الْجِنَازَة فَعَسَى أَن يكون كَانَ غَائِبا عَنهُ فَمَا يزِيدهُ على التَّسْلِيم ثمَّ عرض اشتغالا بِمَا هُوَ فِيهِ
وَفِي كتاب الْأَحْيَاء قَالَ كَانَ اسيد بن حضير يَقُول مَا شهِدت جَنَازَة فَحدثت نَفسِي بِشَيْء سوى مَا هُوَ مفعول بِهِ وَمَا هُوَ صائر اليه وَقَالَ الْأَعْمَش كُنَّا نشْهد الْجَنَائِز فَلَا نَدْرِي من نعزي لحزن الْجَمِيع وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ كُنَّا نشْهد الْجِنَازَة فَلَا نرى إِلَّا مقنعا باكيا وَقَالَ أَبُو حَامِد فَهَكَذَا كَانَ خوفهم من الْمَوْت والآن لَا تنظر جمَاعَة يحْضرُون جَنَازَة إِلَّا وَأَكْثَرهم يَضْحَكُونَ ويلهون وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي مِيرَاثه وَمَا خَلفه لوَرثَته وَلَا يتفكر أقرانه وقرابته إِلَّا فِي الْحِيلَة الَّتِي يتَنَاوَل بهَا بعض مَا خَلفه
٢٥
- فصل فِي الْبدع فِي مَنَاسِك الْحَج
وَقد ابتدع فِي مَنَاسِك الْحَج أَشْيَاء فبيحة وَترك سنَن صَحِيحَة سنبن ذَلِك فِي كتاب الْمَنَاسِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد ذكر الشَّيْخ التقي الامام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح رضى الله عَنهُ جملَة مِنْهَا فِي مَنَاسِكه الَّذِي صنفه فَقَالَ بعد ذكر الطّواف وَدخُول الْبَيْت وَقد ابتدع من قريب بعض الفجرة المحتالين فِي الْكَعْبَة المكرمة
стр. 86
أَمريْن باطلين عظم ضررهما على الْعَامَّة أَحدهمَا مَا يذكرُونَ من العروة الوثقى عَمدُوا الى مَوضِع عَال من جِدَار الْبَيْت الْمُقَابل لباب الْبَيْت فَسَموهُ العروة الوثقى وأوقعوا فِي قُلُوب الْعَامَّة أَن من ناله بِيَدِهِ فقد استمسك بالعروة الوثقى فاحوجهم الى أَن يقاسوا بالوصول إِلَيْهَا شدَّة وعناء ويركب بَعضهم فَوق بعض وَرُبمَا صعدت الآنثى فَوق الذّكر وَلَا مست الرِّجَال وَلَا مسوها فلحقهم بذلك أَنْوَاع الضّر دينا وَدُنْيا وَالثَّانِي مِسْمَار فِي وسط الْبَيْت سموهُ سرة الدُّنْيَا وحملوا الْعَامَّة على أَن يكْشف أحدهم عَن سرته وينبطح بهَا على ذَلِك الْموضع حَتَّى يكون وَاضِعا سرته على سرة الدُّنْيَا قَاتل الله وَاضع ذَلِك ومختلقه وَهُوَ الْمُسْتَعَان
وَقَالَ فِي جبل عَرَفَات قد افتتنت الْعَامَّة بِهَذَا الْجَبَل فِي زَمَاننَا واخطؤا فِي أَشْيَاء من أمره مِنْهَا أَنهم جعلُوا الْجَبَل هُوَ الأَصْل فِي الْوَقْت بِعَرَفَات فهم بِذكرِهِ مشغوفون وَعَلِيهِ دون بَاقِي بقاعها يحرصون وَذَلِكَ خطأ مِنْهُم وَإِنَّمَا أفضلهَا موقف رَسُول الله ﷺ عِنْد الصخرات عَن يسَار الْجَبَل
قَالَ وَمِنْهَا إيقاد النيرَان عَلَيْهِ لَيْلَة عَرَفَة واهتمامهم لذَلِك باستصحاب الشمع لَهُ من بِلَادهمْ واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء فِي ذَلِك صعُودًا وهبوطا بالشموع المشتعله الْكَثِيرَة وَقد تزاحم الْمَرْأَة الجميلة بِيَدِهَا الشمع الموقد كاشفة عَن وَجههَا وَهِي ضَلَالَة شابهوا فِيهَا أهل الشّرك فِي مثل ذَلِك الْموقف الْجَلِيل وَإِنَّمَا احدثوا ذَلِك من قريب حِين انقرض أكَابِر الْعلمَاء العاملين الآمرين
стр. 87
بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر وَحين تركُوا سنة رَسُول الله ﷺ بحصولهم بِعَرَفَات قبل دُخُول وَقت الْوُقُوف بانتصاف يَوْم عَرَفَة لكَوْنهم يرحلون فِي الْيَوْم الثَّامِن من مَكَّة الى عَرَفَة رحْلَة وَاحِدَة وَإِنَّمَا سنة رَسُول الله ﷺ السّير فِي الثَّامِن من مَكَّة الى منى وَالْمَبِيت بهَا الى يَوْم عَرَفَة وَتَأْخِير الْوُصُول بِعَرَفَات الى مَا بعد زَوَال الشَّمْس يَوْم عَرَفَة
وَقَالَ أَيْضا من جهالات الْعَامَّة وبدعهم فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ تقربهم بِأَكْل التَّمْر الصيحاني فِي الرَّوْضَة الشَّرِيفَة بَين الْمِنْبَر والقبر وقطعهم من شُعُورهمْ ورميها فِي الْقنْدِيل الْكَبِير الْقَرِيب من التربة النَّبَوِيَّة قَالَ وَلَا يجوز أَن يُطَاف بالقبر وَحكى الامام الْحَلِيمِيّ عَن بعض أهل الْعلم أَنه نهى عَن الصاق الْبَطن وَالظّهْر بجدار الْقَبْر ومسحه بِالْيَدِ وَذكر أَن ذَلِك من الْبدع قَالَ وَمَا قَالَه شَبيه بِالْحَقِّ وَالله أعلم
قَالَ وَمن الْعَامَّة من إِذا حج يَقُول أقدس حجتي وَيذْهب فيزور بَيت الْمُقَدّس وَيرى أَن ذَلِك من تَمام الْحَج وَهُوَ غير صَحِيح وزيارة بَيت الْمُقَدّس مُسْتَحبَّة وَلكنهَا مُسْتَقلَّة وَلَا تعلق لِلْحَجِّ بهَا
قَالَ وَمِنْهُم من يزْعم ان رَسُول الله ﷺ قَالَ من زارني
стр. 88
وزار ابي ابراهيم فِي عَام ضمنت لَهُ على الْجنَّة وَهَذَا بَاطِل لَا يعرف فِي كتاب وزيارة الْخَلِيل صلى الله علية وَسلم مُسْتَحبَّة غير مُنكرَة وَإِنَّمَا الْمُنكر مَا رَوَوْهُ قَالَ وَبَلغنِي عَن بعض أهل الْعلم من اشياخنا أَنه قَالَ مَا سمع بِهَذَا إِلَّا بعد فتح صَلَاح الدّين الْقُدس وَالله أعلم
٢٦
- فصل فِي بدع الْجُمُعَة
وَجَرت عَادَة النَّاس انهم يصلونَ بَين الاذنين يَوْم الْجُمُعَة متنفلين بِرَكْعَتَيْنِ أَو أَربع وَنَحْو ذَلِك الى خُرُوج الامام وَذَلِكَ جَائِز ومباح وَلَيْسَ بمنكر من ٢ جِهَة كَونه صَلَاة وَإِنَّمَا الْمُنكر اعْتِقَاد الْعَامَّة مِنْهُم ومعظم المتفقهة مِنْهُم أَن ذَلِك سنة للْجُمُعَة قبلهَا كَمَا يصلونَ السّنة قبل الظّهْر ويصرحون فِي نيتهم بانها سنة الْجُمُعَة وَيَقُول من هُوَ عِنْد نَفسه مُعْتَمدًا على قَوْله إِن قُلْنَا الْجُمُعَة ظهر مَقْصُورَة فلهَا كالظهر وَإِلَّا فَلَا وكل ذَلِك بمعزل عَن التَّحْقِيق وَالْجُمُعَة لَا سنة لَهَا قبلهَا كالعشاء وَالْمغْرب وَكَذَا الْعَصْر على قَول وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد بَعضهم وَهِي صَلَاة مستقله بِنَفسِهَا حَتَّى قَالَ بعض النَّاس هِيَ الصَّلَاة الْوُسْطَى وَهُوَ الَّذِي يتَرَجَّح فِي ظَنِّي وَالْعلم لما خصها الله تَعَالَى بِهِ من الشَّرَائِط والشعائر ونقرر ذَلِك فِي مَوضِع غير هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالدَّلِيل على أَنه لَا سنة لَهَا قبلهَا أَن المُرَاد من قَوْلنَا الصَّلَاة المسنونة أَنَّهَا منقوله عَن رَسُول الله ﷺ قولا وفعلا وَالصَّلَاة قبل الْجُمُعَة لم يَأْتِ مِنْهَا شَيْء عَن النَّبِي ﷺ يدل على أَنه سنة وَلَا يجوز الْقيَاس فِي شَرْعِيَّة الصَّلَوَات أما بعد الْجُمُعَة فقد نقل فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا
стр. 89
قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ روى عَن على بن ابي طَالب رضى الله عَنهُ أَنه أَمر أَن يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعا قَالَ وَقَالَ عَطاء رَأَيْت ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا صلى بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صلى بعد ذَلِك اربعا
فَإِن قلت فقد روى التِّرْمِذِيّ أَيْضا قَالَ وروى عَن ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ أَنه كَانَ يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة أَرْبعا وَبعدهَا اربعا واليه ذهب النَّوَوِيّ وَابْن الْمُبَارك فَهَذَا يدل على أَن للْجُمُعَة سنة قبلهَا أَربع رَكْعَات كالظهر
قلت المُرَاد من صَلَاة عبد الله بن مَسْعُود قبل الْجُمُعَة أَرْبعا أَنه كَانَ يفعل ذَلِك تَطَوّعا الى خُرُوج الإِمَام كَمَا تقدم ذكره فَمن أَيْن لكم أَنه كَانَ يعْتَقد أَنَّهَا سنة الْجُمُعَة وَقد جَاءَ عَن غَيره من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم أَكثر من ذَلِك قَالَ أَبُو بكر بن الْمُنْذر روينَا عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة وَعَن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِي رَكْعَات وَهَذَا دَلِيل على أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُم من بَاب التَّطَوُّع من قبل أنفسهم من غير تَوْقِيف من النَّبِي ﷺ وَكَذَلِكَ اخْتلف الْعدَد الْمَرْوِيّ عَنْهُم وَبَاب التَّطَوُّع مَفْتُوح وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ يَقع مِنْهُم أَو معظمه قبل الآذان وَدخُول وَقت الْجُمُعَة لأَنهم كَانُوا يبكرون وَيصلونَ حَتَّى يخرج الإِمَام وَقد فعلوا مثل ذَلِك فِي صَلَاة الْعِيد وَقد علم قطعا أَن صَلَاة الْعِيد لَا سنة لَهَا وَكَانُوا يصلونَ بعد ارْتِفَاع الشَّمْس فِي الْمصلى وَفِي الْبيُوت ثمَّ يصلونَ الْعِيد روى ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَبَوَّبَ لَهُ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ بَابا فِي سنَنه ثمَّ الدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخرج من بَيته يَوْم الْجُمُعَة فيصعد منبره ثمَّ يُؤذن الْمُؤَذّن فَإِذا فرغ أَخذ النَّبِي ﷺ فِي خطبَته وَلَو كَانَ للْجُمُعَة سنة قبلهَا لأمرهم بعد الآذان بِصَلَاة السّنة وفعلها هُوَ ﷺ وَلم يكن فِي زمن النَّبِي صلى اللهعليه وَسلم غير هَذَا الآذان الَّذِي بَين يَدي الْخَطِيب وعَلى ذَلِك مَذْهَب الْمَالِكِيَّة الى الْآن
فان قلت لَعَلَّه ﷺ صلى السّنة فِي بَيته بعد زَوَال الشَّمْس ثمَّ خرج
стр. 90
قلت لَو جرى ذَلِك لنقله أَزوَاجه رضى الله عَنْهُن كَمَا نقلن سَائِر صلواته فِي بَيته لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَيْفِيَّة تَهَجُّده وقيامة بِاللَّيْلِ وَحَيْثُ لم ينْقل شَيْء من ذَلِك فالآصل عَدمه وَدلّ على أَنه لم يَقع وَأَنه غير مَشْرُوع
وَإِن قلت فَمَا معنى قَول البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي صَحِيحه بَاب الصَّلَاة بعد الْجُمُعَة وَقبلهَا حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي قبل الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ وَبعد الْمغرب رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته وَبعد الْعشَاء رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ
قلت مُرَاده من هَذِه التَّرْجَمَة أَنه هَل ورد فِي الصَّلَاة قبلهَا وَبعدهَا شَيْء ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث أَي أَنه لم يرد إِلَّا بعْدهَا وَلم يرد قبلهَا شَيْء وَالدَّلِيل على أَن هَذَا مُرَاده أَنه قَالَ فِي ابواب الْعِيد بَاب الصَّلَاة قبل الْعِيد وَبعدهَا وَقَالَ أَبُو المعلي سَمِعت سعيدا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْم الْفطر فصلى رَكْعَتَيْنِ لم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا وَمَعَهُ بِلَال رضى الله عَنهُ
قلت فترجم البُخَارِيّ للعيد مثل مَا ترْجم للْجُمُعَة وَلم يذكر للعيد إِلَّا حَدِيثا دَالا على أَنه لَا تسوغ الصَّلَاة قبلهَا وَلَا بعْدهَا فَدلَّ ذَلِك على أَن مُرَاده من الْجُمُعَة مَا ذَكرْنَاهُ فَأن قلت الْجُمُعَة بدل عَن الظّهْر وَقد ذكر فِي الحَدِيث سنة قبل الظّهْر وَبعدهَا فَاكْتفى بذلك وَإِنَّمَا قَالَ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف بَيَانا لموْضِع صَلَاة السّنة بعْدهَا
قلت لَيْسَ كَذَلِك بِدَلِيل أَنه قَالَ فِي بَاب التَّطَوُّع بعد المكتوبه حَدثنَا
стр. 91
يحيى بن سعيد عَن عبد الله أَخْبرنِي نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ صليت مَعَ النَّبِي ﷺ سَجْدَتَيْنِ قبل الظّهْر وسجدتين بعد الْمغرب وسجدتين بعد الْعشَاء وسجدتين بعد الْجُمُعَة وَهَذَا دَلِيل على أَن الْجُمُعَة عِنْدهم غير الظّهْر وَإِلَّا مَا كَانَ يحْتَاج الى ذكرهَا لدخولها تَحت اسْم الظّهْر ثمَّ لم يذكر لَهَا سنة إِلَّا بعْدهَا دلّ على أَنه لَا سنة قبلهَا
فَإِن قلت أَن النَّبِي ﷺ أَمر الدَّاخِل الى الْمَسْجِد وَهُوَ يخْطب أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
قلت هما تَحِيَّة الْمَسْجِد لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بهما فَقَالَ لَهُ قُم قصل رَكْعَتَيْنِ وَوَقع فِي سنَن ابْن ماجة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَجَابِر رضى الله عَنْهُمَا قَالَا جَاءَ سليك الْغَطَفَانِي وَرَسُول الله ﷺ يخْطب فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أصليت رَكْعَتَيْنِ قبل أَن تَجِيء قَالَ لَا قَالَ فصل رَكْعَتَيْنِ وَتجوز فيهمَا قَالَ بعض من صنف فِي عصرنا قَوْله قبل أَن تَجِيء يدل على أَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ سنة للْجُمُعَة فبلها وَلَيْسَت تَحِيَّة الْمَسْجِد كَأَنَّهُ توهم أَن معنى قَوْله قبل أَن تدخل الْمَسْجِد أَي أَنه صلاهما فِي بَيته وَلَيْسَ الْآمِر كَذَلِك فقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَلَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهَا هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ قَوْله قبل أَن تَجِيء وَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ جَاءَ رجل وَالنَّبِيّ ﷺ قَاعد على الْمِنْبَر فَقعدَ سليك قبل أَن يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ يَا سليك قُم فاركع رَكْعَتَيْنِ وَتجوز فيهمَا فَقَوْل النَّبِي ﷺ قُم دَلِيل على أَنه لم يشْعر بِهِ إِلَّا وَهُوَ قد تهَيَّأ للجلوس فَجَلَسَ قبل أَن يُصَلِّي فَكَلمهُ حِينَئِذٍ وَأمره بِالْقيامِ وَجوز أَن يكون صلى الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد أول دُخُوله الى الْمَسْجِد قَرِيبا من الْبَاب ثمَّ اقْترب من رَسُول الله ﷺ ليسمع الخصبة فَسَأَلَهُ أصليت قبل لَا فَقَوله فِيمَا أخرجه ابْن ماجة قبل أَن تَجِيء يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ قبل ان تقرب منى لسَمَاع الْخطْبَة وَلَيْسَ المُرَاد قبل ان تدخل فَإِن صلَاته قبل دُخُول الْمَسْجِد غير مشروعه فَكيف يسْأَله عَنْهَا وَذَلِكَ أَن الْمَأْمُور بِهِ بعد دُخُول وَقت الْجُمُعَة إِنَّمَا هُوَ السَّعْي الى مَكَان الصَّلَاة فَلَا يشْتَغل بِغَيْر ذَلِك وَقبل دُخُول الْوَقْت لَا يَصح فعل السّنة على تَقْدِير أَن تكون مشروعه
стр. 92
وَمن الدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ لم يسْأَل أحدا غير هَذَا الرجل الدَّاخِل عَن كَونه صلى سنة الجمعه أَو لم يصل دلّ على أَن النَّبِي ﷺ لم يعتن بالبحث عَن ذَلِك وَإِنَّمَا لما رَآهُ قد جلس وَلم يفعل مَا هُوَ مَشْرُوع لَهُ من تَحِيَّة الْمَسْجِد بِرَكْعَتَيْنِ أمره بهما ثمَّ قَالَ إِذا جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة والامام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا أَي أَن خطْبَة الامام وَالِاسْتِمَاع لَهَا غير مَانع من تَحِيَّة الْمَسْجِد وَأخرج أَبُو دَاوُد الحَدِيث الَّذِي فِي سنَن ابْن مَاجَه وَهُوَ من حَدِيث ابْن حَفْص بن غياث عَن الآعمش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر وَعَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ جَاءَ سليك العطفاني وَرَسُول الله ﷺ يخْطب فَقَالَ لَهُ أصليت شَيْئا قَالَ لَا قَالَ صل رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا وَلَيْسَ فِي الحَدِيث قبل أَن تَجِيء وَالله أعلم وَذكر صَاحب شرح السّنة أَيْضا رِوَايَة غير معروفه قَالَ وروى عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ قبل الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ
قلت هَذَا غير مَحْفُوظ وَإِنَّمَا هُوَ قبل الظّهْر فَوَهم من قَالَ قبل الْجُمُعَة وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي صلى الله علية وَسلم كَانَ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ وَلم يزدْ على ذَلِك
فان قلت فَفِي سنَن أبي دَاوُد حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا اسماعيل أخبرنَا أَيُّوب عَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يُطِيل الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة وَيُصلي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته وَحدث أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يفعل ذَلِك
قلت أَرَادَ بقوله أَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْجُمُعَة فِي بَيته وَلَا يُصَلِّيهمَا فِي الْمَسْجِد وَذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحبّ وَقد ورد من غير هَذَا الحَدِيث وأرشد الى هَذَا التَّأْوِيل مَا تقدم من الآدلة على أَنه لَا سنة للْجُمُعَة قبلهَا وَأما اطالة ابْن عمر الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة فقد سبق الْكَلَام
стр. 93
عَلَيْهِ وَأَن ذَلِك مِنْهُ وَمن أَمْثَاله تَطَوّعا من عِنْد أنفسهم لأَنهم كَانُوا يبكرون الى حُضُور الْجُمُعَة فيشتغلون بِالصَّلَاةِ ذكر ذَلِك الامام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ فِي كتاب الاحباء قَالَ وَكَانَ يرى فِي الْقرن الأول بعد طُلُوع الْفجْر الطرقات مَمْلُوءَة من النَّاس يَمْشُونَ فِي السرج ويزد حمون فِيهَا الى الْجَامِع قَالَ وَدخل ان مَسْعُود بكرَة فَرَأى ثَلَاثَة نفر قد سَبَقُوهُ بالبكور فَاغْتَمَّ لذَلِك وَجعل يَقُول لنَفسِهِ معاتبا إِيَّاهَا رَابِع أَرْبَعَة وَمَا رَابِع أَرْبَعَة بِبَعِيد وَذكر من آدَاب الْجُمُعَة أَن يقطع الصَّلَاة عِنْد خُرُوج الإِمَام وَيقطع الْكَلَام أَيْضا بل يشْتَغل بِجَوَاب الْمُؤَذّن ثمَّ اسْتِمَاع الْخطْبَة قَالَ وَجَرت عَادَة بعض الْعَوام بسجود عِنْد قيام المؤذنين وَلَا يثبت لَهُ اصل فِي أثر وَلَا خبر لكنه إِن وَافق سُجُود تِلَاوَة فَلَا بَأْس
فان قلت دَلِيل ان للْجُمُعَة سنة قبلهَا مَا أخرجه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يزِيد ابْن ماجة فِي سنَنه فَقَالَ بَاب الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة حَدثنَا مُحَمَّد بن يحي حَدثنَا يزِيد ابْن عبد ربه حَدثنَا بَقِيَّة عَن مُبشر بن عبيد عَن حجاج بن ارطأة عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يرْكَع من قبل الْجُمُعَة اربعا لَا يفصل فِي شَيْء مِنْهُنَّ
قلت فِي سنَن ابْن مَاجَه من جملَة الْأَحَادِيث الضِّعَاف والموضوعات كَالَّذي ذكره فِي فضل بَلْدَة قزوين وَلَيْسَ لعطية الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي كِتَابه غير هَذَا الحَدِيث وَهَذَا إِسْنَاد لَا تقوم بِهِ حجَّة لضعف رِجَاله فَكيف يُعَارض مَا تقدم من الآدلة الصَّحِيحَة على خِلَافه فبقية ضَعِيف ومبشر ومنكر الحَدِيث وَالْحجاج بن ارطأة لَا يحْتَج بِهِ وعطية قَالَ البُخَارِيّ كَانَ هشيم يتَكَلَّم فِيهِ وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل سَمِعت أبي يَقُول شيخ يُقَال لَهُ مُبشر بن عبيد كَانَ يكون بحمص أَظُنهُ كوفيا روى عَنهُ بَقِيَّة وَأَبُو الْمُغيرَة أَحَادِيث مَوْضُوعَة كذب وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مُبشر بن عبيد مَتْرُوك الحَدِيث أَحَادِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ لَا يحْتَج بِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْحجَّاج بن ارطأة فِي غير مَا وضع من سنَنه وَقَالَ مُبشر بن عبيد الْحِمصِي مَنْسُوب الى وضع الحَدِيث
стр. 94
قلت وَلَعَلَّ الحَدِيث انْقَلب على أحد هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء لعدم ضبطهم واتقانهم ٢ فَقَالَ قبل الْجُمُعَة وَإِنَّمَا هُوَ بعد الْجُمُعَة فَيكون مُوَافقا لما ثَبت فِي الصَّحِيح وَقد قَالَ الامام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى نَحوا من هَذَا القَوْل فِي رِوَايَة عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ ان النَّبِي (صلع) قسم يَوْم خَيْبَر للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم كَأَنَّهُ سمع نَافِعًا يَقُول للْفرس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما فَقَالَ الْفَارِس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما يَعْنِي فَيكون مُوَافقا لرِوَايَة أَخِيه عبيد الله بن عمر قَالَ وَلَيْسَ يشك أحد من أهل الْعلم فِي تقدمه عبيد الله بن عمر على أَخِيه فِي الْحِفْظ نقل ذَلِك عَن الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب السّنَن الْكَبِير فَهَذَا وَجه الْكَلَام على الحَدِيث الَّذِي فِي سنَن ابْن مَاجَه وَلم يكن لنا فِي تَأْوِيله بعد بَيَان ضعفه حَاجَة وَالله أعلم وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ دَائِما الي يَوْم الدّين آمين
تمّ الْكتاب وَالْحَمْد الله
стр. 95
كلمة جليلة من عَالم جليل فِي هَذِه الْأَيَّام
قد رَأَيْت أَن الْحق بِهَذِهِ الرسَالَة الَّتِي هِيَ فِي الْبدع سؤالين هامين أجَاب عَنْهُمَا عَالم جليل الْقدر يعرف الْعَالم كُله قدره إِجَابَة نافعة إِن شَاءَ الله تَعَالَى تهم الْمُسلمين وَتصْلح من شَأْنهمْ وهما أَيْضا فِي التحذير من الْبدع الْحَادِثَة فِي هَذِه الْأَيَّام
وهذين السؤالين قد أرسلا ضمن عدَّة اسئلة وجهت لهَذَا الْعَالم وَهُوَ سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن باز رييس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وهما منشورين فِي عَام ١٣٩٧ هـ فِي رِسَالَة لَطِيفَة توزع مجَّانا فَأجَاب عَنْهُمَا كالآتي
стр. 96
السُّؤَال الأول
الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه وَمن اهْتَدَى بهداه أما بعد فقد تكَرر السُّؤَال من كثير عَن حكم الاحتفال بمولد النَّبِي ﷺ وَالْقِيَام لَهُ فِي أثْنَاء ذَلِك وإلقاء السَّلَام وَغير ذَلِك مِمَّا يفعل فِي المولد
وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَا يجوز الاحتفال بمولد الرَّسُول ﷺ وَلَا غَيره لِأَن ذَلِك من الْبدع المحدثة فِي الدّين لِأَن الرَّسُول ﷺ لم يَفْعَله وَلَا خلفاؤه الراشدون وَلَا غَيرهم من الصَّحَابَة رضوَان الله على الْجَمِيع وَلَا التابعون لَهُم بِإِحْسَان فِي الْقُرُون المفضلة وهم أعلم النَّاس بِالسنةِ وأكمل حبا لرَسُول الله ﷺ ومتابعة لشرعة مِمَّن بعدهمْ
وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد أَي مَرْدُود عَلَيْهِ وَقَالَ فِي حَدِيث آخر عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة
فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين تحذير شَدِيد من إِحْدَاث الْبدع وَالْعَمَل بهَا وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا﴾
стр. 97
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾
والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وإحداث مثل هَذِه الموالد يفهم مِنْهُ أَن الله سُبْحَانَهُ لم يكمل الدّين لهَذِهِ الْأمة وَأَن الرَّسُول ﵊ لم يبلغ مَا يَنْبَغِي للْأمة أَن تعْمل بِهِ حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ فأحدثوا فِي شرع الله مَا لم يَأْذَن بِهِ راعمين أَن ذَلِك مِمَّا يقربهُمْ الى الله وَهَذَا بِلَا شكّ فِيهِ خطر عَظِيم وَاعْتِرَاض على الله سُبْحَانَهُ وعَلى رَسُوله ﷺ وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لِعِبَادِهِ الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة
وَالرَّسُول ﷺ قد بلغ الْبَلَاغ الْمُبين وَلم يتْرك طَرِيقا يُوصل الى الْجنَّة ويباعد من النَّار إِلَّا بَينه للْأمة كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو رضى الله عَنْهُمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بعث الله من نَبِي إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وَيُنْذرهُمْ شَرّ مَا يُعلمهُ لَهُم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَمَعْلُوم أَن نَبينَا ﷺ هُوَ أفضل الآنبياء وخاتمهم وأكملهم بلاغا وَنصحا فَلَو كَانَ الاحتفال بالموالد من الدّين الَّذِي يراضاه الله سُبْحَانَهُ لنَبيه الرَّسُول ﷺ للْأمة أَو فعله فِي حَيَاته أَو فعله أَصْحَابه رضى الله عَنْهُم فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَنه لَيْسَ من الْإِسْلَام فِي شَيْء بل هُوَ من المحدثات الَّتِي حذر الرَّسُول ﷺ مِنْهَا أمته كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي الْحَدِيثين السَّابِقين وَقد جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا أَحَادِيث أُخْرَى مثل قَوْله صلى الله
стр. 98
عَلَيْهِ وَسلم فِي خطْبَة الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ الإِمَام مُسلم فِي صَحِيحه
والآيات والآحاديث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَقد صرح جمَاعَة من الْعلمَاء فإنكار الموالد والتحذير مِنْهَا عملا بالأدلة الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا وَخَالف بعض الْمُتَأَخِّرين فأجازها إِذا لم تشْتَمل على شَيْء من المنتكرات كالغلو فِي رَسُول الله وكاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال الْآلَات الملاهي وَغير ذَلِك مِمَّا يُنكره الشَّرْع المطهر وظنوا أَنَّهَا من الْبدع الْحَسَنَة وَالْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس الى كتاب الله وَسنة رَسُوله مُحَمَّد ﷺ
كَمَا قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ وَقد رددنا هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي الأحتفال بالموالد الى كتاب الله فوجدناه يَأْمُرنَا بِاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ ة يحذرنا عَمَّا نهى عَنهُ ويخبرنا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَلَيْسَ هَذَا الإحتفال مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَيكون لَيْسَ من الدّين الَّذِي أكمله الله لنا وأمرنا بِاتِّبَاع الرَّسُول فِيهِ وَقد رددنا ذَلِك أيا الى سنة الرَّسُول ﷺ فَلم نجد فِيهَا أَنه فعله وَلَا أَمر بِهِ وَلَا فعله أَصْحَابه رضى الله عَنْهُم
فَعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ من الدّين بل هُوَ من الْبدع المحدثة وَمن التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أعيادهم وَبِذَلِك يَتَّضِح لكل من لَهُ أدنى
стр. 99
بَصِيرَة ورغبة فِي الْحق وإنصاف فِي طلبه أَن الإحتفال بالموالد لَيْسَ من دين الْإِسْلَام بل هُوَ من الْبدع المحدثات الَّتِي أَمر الله وَرَسُوله ﷺ بِتَرْكِهَا والحذر مِنْهَا وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يغتر بِكَثْرَة م يَفْعَله من النَّاس فِي سَائِر الاقطار فَإِن الْحق لَا يعرف بِكَثْرَة الفاعلين وَإِنَّمَا يعرف بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله﴾ الْآيَة
ثمَّ إِن غَالب هَذِه الإحتفالات بالمواد مَعَ كَونهَا بِدعَة لَا تَخْلُو من اشتمالها على مُنكرَات أُخْرَى كاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال الآغاني وَالْمَعَازِف وَشرب المسكرات والمخدرات وَغير ذَلِك من الشرور وَقد يَقع فِيهَا مَا هُوَ أعظم من ذَلِك وَهُوَ الشّرك الْأَكْبَر وَذَلِكَ بالغلو فِي رَسُول الله ﷺ أَو غَيره من الْأَوْلِيَاء ودعائه والاستغاثة بِهِ وَطَلَبه المدد واعتقاد أَنه يعلم الْغَيْب وَنَحْو ذَلِك م الْأُمُور الكفرية الَّتِي يتعاطاها الْكثير من النَّاس حِين احتفالهم بمولد النَّبِي ﷺ وَغَيره مِمَّن يسمونهم بالأولياء
وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والغلو فِي الدينفإنما أهلك من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقَالَ عَلَيْهِ االصلاة وَالسَّلَام
لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم أَنما أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر رضى الله عَنهُ
وَمن الْعَجَائِب والغرائب أَن الْكثير من النَّاس ينشط ويجتهد فِي حُضُور هَذِه الإحتفالات المبتدعة ويدافع عَنْهَا ويتخلف عَمَّا أوجب الله عَلَيْهِ من حُضُور الْجمع وَالْجَمَاعَات وَلَا يرفع بذلك رَأْسا وَلَا يرى أَنه أَتَى
стр. 100
مُنكر عَظِيما وَلَا شكّ أَن ذَلِك من ضعف الْإِيمَان وَقلة البصيرة وَكَثْرَة ماران على الْقُلُوب من صنوف الذُّنُوب والمعاصي نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا ولسائر الْمُسلمين
وَمن ذَلِك أَن بَعضهم يظنّ أَن رَسُول الله ﷺ يحضر المولد وَلِهَذَا يقومُونَ لَهُ محيين ومرحبين وَهَذَا من أعظم الْبَاطِل وأقبح الْجَهْل فَإِن الرَّسُول ﷺ لَا يخرج من قَبره قبل يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يتَّصل بِأحد من النَّاس وَلَا يحضر اجتماعاتهم بل هُوَ مُقيم فِي قَبره الى يَوْم القيامه وروحه فِي أَعلَى عليين عِنْد ربه فِي دَار الْكَرَامَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾
وَقَالَ النَّبِي ﷺ أَنا أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم القيامه وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع عَلَيْهِ من ربه افضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة والْحَدِيث الشريف وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن النَّبِي ﷺ وَغَيره من الْأَمْوَات إِنَّمَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمُسلمين لَيْسَ فِيهِ نزاع بَينهم فَيَنْبَغِي لكل مُسلم التنبه لهَذِهِ الْأُمُور والحذر مِمَّا أحدثه الْجُهَّال وأشباههم من الْبدع والخرافات الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ
أما الصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله ﷺ فَهِيَ من أفضل القربات وَمن الْأَعْمَال الصَّالِحَات كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾
وَقَالَ النَّبِي ﷺ من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَهِي مشروعه فِي جَمِيع الْأَوْقَات ومتأكدة فِي آخر كل صَلَاة
стр. 101
بل وَاجِبَة عِنْد جمع من أهل الْعلم فِي التَّشَهُّد الْأَخير من كل صَلَاة وَسنة مُؤَكدَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا بعد الآذان وَعند ذكره ﵊ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة وليلتها كَمَا دلّت على ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة
وَالله الْمَسْئُول أَن يوفقنا وَسَائِر الْمُسلمين للفقه فِي دينه والثبات عَلَيْهِ وَأَن يمن على الْجَمِيع يلزوم السّنة والحذر من الْبِدْعَة إِنَّه جواد كريم وَصلى الله وَسلم على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه
стр. 102
السُّؤَال الثَّانِي
من عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز الى من يطلع عَلَيْهِ من الْمُسلمين حفظهم الله بِالْإِسْلَامِ وإياهم من شَرّ مفتريات الجهلة الطغام آمين
سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد فقد أصلعت على كلمة منسوبع الى الشَّيْخ أَحْمد خَادِم الْحرم النَّبَوِيّ الشريف بعنوان هَذِه وَصِيَّة من الْمَدِينَة المنورة عَن الشَّيْخ أَحْمد خَادِم الْحرم النَّبَوِيّ الشريف قَالَ فِيهَا كنت ساهرا لَيْلَة الْجُمُعَة أتلو الْقُرْآن الْكَرِيم وَبعد تِلَاوَة قِرَاءَة أَسمَاء الله الْحسنى فَلَمَّا فرغت من ذَلِك تهيأت للنوم فَرَأَيْت صَاحب الطلعة البهية رَسُول الله (صلع) الَّذِي أُتِي بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحْكَام الشَّرِيفَة رَحمَه بالعاملين سيدنَا مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ يَا شيخ أَحْمد قلت لبيْك يَا رَسُول الله يَا أكْرم خلق الله فَقَالَ لي أَنا خجلان من أَفعَال النَّاس القبيحة وَلم أقدر أَن أقابل رَبِّي وَلَا الْمَلَائِكَة لِأَن من الْجُمُعَة الى الْجُمُعَة مَاتَ مائَة وَسِتُّونَ ألفا على غير دين الأسلام ثمَّ ذكر بعض مَا وَقع فِيهِ النَّاس من الْمعاصِي
ثمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْوَصِيَّة رَحْمَة بهم من الْعَزِيز الْجَبَّار ثمَّ ذكر بعض أَشْرَاط السَّاعَة الى أَن قَالَ فَأخْبرهُم يَا شيخ أَحْمد بِهَذِهِ الْوَصِيَّة لِأَنَّهَا منقوله بقلم الْقدر من الوح الْمَحْفُوظ وَمن يَكْتُبهَا ويرسلها من بلد الى بلد وَمن مَحل الى مَحل بنى لَهُ قصر فِي الْجنَّة وَمن لم يَكْتُبهَا ويرسلها حرمت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة وَمن كتبهَا وَكَانَ فَقِيرا أغناه الله أَو كَانَ مديونا قضى الله دينه أَو عَلَيْهِ ذَنْب غفر الله لَهُ ولوالديه ببركة هَذِه الْوَصِيَّة وَمن لم يَكْتُبهَا من عباد الله أسود وَجهه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ وَالله الْعَظِيم ثَلَاثًا هَذِه ححقيقة وَإِن كنت كَاذِبًا أخرج من الدُّنْيَا على غير الأسلام وَمن يصدق بهَا ينجو من عَذَاب النَّار وَمن كذب بهَا كفر
стр. 103
هَذِه خُلَاصَة مَا فِي هَذِه الْوَصِيَّة المكذوبة على رَسُول الله ﷺ وَلَقَد سمعنَا هَذِه الْوَصِيَّة المكذوبة مَرَّات كَثِيرَة مُنْذُ سنوات مُتعَدِّدَة تنشر بَين النَّاس فِيمَا بَين وَقت وَآخر وتروج بَين الْكثير من الْعَامَّة وَفِي ألفاظها اخْتِلَاف وكاذبها يَقُول إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَحَمله هَذِه الْوَصِيَّة وَفِي هَذِه النشرة الْأَخِيرَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لَك أَيهَا القاريء زعم المفتري فِيهَا أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَحَمله هَذِه الْوَصِيَّة حَتَّى تهَيَّأ للنوم لَا فِي النّوم فالمعنة أَنه رَآهُ يقظة زعم هَذَا المفتري فِي هَذِه الْوَصِيَّة أَشْيَاء كَثِيرَة هِيَ من أوضح الْكَذِب وَأبين الْبَاطِل سأنبك عَلَيْهَا قَرِيبا فِي هَذِه الْكَلِمَة أَن شَاءَ الله وَلَقَد نبهت عَلَيْهَا فِي السنوات الْمَاضِيَة وبينت للنَّاس أَنَّهَا من أوضح الْكَذِب وَأبين الْبَاطِل
فَلَمَّا أطلعت على هَذِه النشرة الْأَخِيرَة ترددت فِي الْكِتَابَة عَنْهَا لظُهُور بُطْلَانهَا وَعظم جرْأَة مفتريها على الْكَذِب وَمَا كنت أَظن أَن بُطْلَانهَا يروج على من لَهُ أدنى بَصِيرَة أَو فطْرَة سليمَة وَلَكِن أَخْبرنِي كثير من الإخوان أَنَّهَا قد راجت على كثير من النَّاس وتداولوها بَينهم وصدقها بَعضهم فَمن أجل ذَلِك رَأَيْت أَنه يتَعَيَّن على أمثالي الْكِتَابَة عَنْهَا لبَيَان بُطْلَانهَا وَأَنَّهَا مفتراة على رَسُول الله ﷺ حَتَّى لَا يغتر بهَا أحد وَمن تأملها من ذَوي الْعلم والأيمان أَو ذَوي الْفطْرَة السليمة وَالْعقل الصَّحِيح عرف أَنَّهَا كذب وإفتراء من وُجُوه كَثِيرَة وَلَقَد سَأَلت بعض أقَارِب الشَّيْخ أَحْمد المنسوبه إِلَيْهِ هَذِه الْفِرْيَة عَن هَذِه الْوَصِيَّة فَأَجَابَنِي بِأَنَّهَا مكذوبه على الشَّيْخ أَحْمد وَأَنه لم يقلها أصلا وَالشَّيْخ أَحْمد الْمَذْكُور قد مَاتَ من مُدَّة وَلَو فَرضنَا أَن الشَّيْخ أخمد الْمَذْكُور أَو من هُوَ أكبر مِنْهُ زعم أَنه رأى النَّبِي (صلع) فِي النّوم أَو الْيَقَظَة وأوصاه بِهَذِهِ الْوَصِيَّة لعلمنا يَقِينا أَنه كَاذِب أَو أَن الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِك شَيْطَان وَلَيْسَ هُوَ الرَّسُول ﷺ لوجوه كَثِيرَة
مِنْهَا أَن الرَّسُول ﷺ لَا يرى فِي الثقظة بعد وَفَاته
стр. 104
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن زعم من جهلة الصوفيه أَنه يرى النَّبِي ﷺ فِي الْيَقَظَة أَو أَنه يحضر المولد اَوْ مَا شابه ذَلِك فقد غلط أقبح غلط وَلبس عَلَيْهِ غَايَة التلبيس وَوَقع فِي خطأ عَظِيم وَخَالف الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع أهل الْعلم لِأَن الْمَوْتَى إِنَّمَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ الله ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن بعث الْأَمْوَات يكون يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي الدُّنْيَا وَمن صال خلاف ذَلِك فَهُوَ كَاذِب كذبا بَينا أَو غالط ملبس عَلَيْهِ لم يعرف الْحق الَّذِي عرفه السّلف الصَّالح ودرج عَلَيْهِ أَصْحَاب الرَّسُول ﷺ وأتباعهم بِإِحْسَان
الْوَجْه الثَّانِي أَن الرَّسُول ﷺ لَا يَقُول خلاف الْحق لَا فِي حَيَاته وَلَا فِي وَفَاته وَهَذِه والصية تخَالف شريعتة مُخَالفَة ظَاهِرَة من وُجُوه كَثِيرَة كَمَا يَأْتِي وَهُوَ ﷺ قد يرى فِي النّوم وَمن رَآهُ فِي الْمَنَام على صورته الشريفه فقد رَآهُ لِأَن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صورته كَمَا جَاءَ بذلك الحَدِيث الصَّحِيح الشريف
وَلَكِن الشَّأْن كل الشَّأْن فِي إِيمَان الرَّائِي وَصدقَة وعدالته وَضَبطه وديانته وأمانه وَهل رأى النَّبِي (صلع) فِي صورته أَو فِي غَيرهَا وَلَو جَاءَ على النَّبِي ﷺ حَدِيث قَالَه فِي حَيَاته من غير طَرِيق الثقاة الْعُدُول الضابطين لم يعْتَمد عَلَيْهِ وَلم يححتج بِهِ أَو جَاءَ من طَرِيق الثقاة الضابطين وَلكنه يُخَالف رِوَايَة من هُوَ أحفظ مِنْهُم وأوثق مُخَالفَة لَا يُمكن مَعهَا الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ لَكَانَ أَحدهمَا مَنْسُوخا لَا يعْمل بِهِ وَالثَّانِي نَاسخ يعْمل بِهِ حَيْثُ أمكن ذَلِك بِشُرُوطِهِ وَإِذا لم يكن ذَلِك وَلم يُمكن الْجمع وَجب أَن تطرح رِوَايَة من هُوَ أقل حفظا وَأدنى عَدَالَة وَالْحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا شَاذَّة لَا يعْمل بهَا
стр. 105
فَكيف بِوَصِيَّة لَا يعرف صَاحبهَا الَّذِي نقلهَا عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا تعرف عَدَالَته وأمانته فَهِيَ وَالْحَالة هَذِه ححقيقه بِأَن تطرح وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَإِن لم يكن فِيهَا شَيْء يُخَالف الشَّرْع
فَكيف إِذا كَانَت الوصيه مُشْتَمِلَة على أُمُور كَثِيرَة تدل على بُطْلَانهَا وَأَنَّهَا مكذوبه على رَسُول الله ﷺ ومتضمنة لتشريع دين لم يَأْذَن بِهِ الله وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ من قَالَ على مَا لم أقل فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَقد قَالَ مفتري هَذِه الْوَصِيَّة على رَسُول الله ﷺ مَا لم يقل وَكذب عَلَيْهِ كذبا صَرِيحًا خطيرا فَمَا أحراه بِهَذَا الْوَعيد الْعَظِيم وَمَا أحقه بِهِ إِن لم يُبَادر بِالتَّوْبَةِ وينشر للنَّاس أَنه قد كذب هَذِه الْوَصِيَّة على رَسُول الله ﷺ لِأَن من نشر بَاطِلا بَين النَّاس وَنسبه الى الدّين لم تصح تَوْبَته مِنْهُ إِلَّا بإعلانها وإظهارها حَتَّى يعلم النَّاس رُجُوعه عَن كذبه وتكذيبه لنَفسِهِ لقَوْل الله ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾
فأوضح الله فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَن من كتم شَيْئا من الْحق لم تصح تَوْبَته من ذَلِك إِلَّا بعد الْإِصْلَاح والتبين وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لِعِبَادِهِ الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة ببعث رَسُول الله ﷺ وَمَا أوحى الله أليه من الشَّرْع الْكَامِل وَلم يقبضهُ إِلَيْهِ إِلَّا بعد الْإِكْمَال والتبيين كَمَا قَالَ ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي﴾ الْآيَة
ومفتري هَذِه الْوَصِيَّة قد جَاءَ فِي الْقرن الرَّابِع عشر يُرِيد أَن يلبس على النَّاس دينهم ويشرع لَهُم دينا جَدِيدا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ دُخُول الْجنَّة لمن أَخذ بتشريعه
стр. 106
وحرمان الْجنَّة وَدخُول النَّار لمن لم يَأْخُذ بتشريعه وَيُرِيد أَن يَجْعَل هَذِه الْوَصِيَّة الَّتِي أفتراها أعظم من الْقُرْآن وَأفضل حَيْثُ أفترى فِيهَا أَن من كتبهَا وأرسلها من بلد الى بلد أَو من مَحل الى مَحل بنى لَهُ قصر فِي الْجنَّة وَمن لم يَكْتُبهَا ويرسلها حرمت عَلَيْهِ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ يَوْم الْقِيَامَة
وَهَذَا من أقبح الْكَذِب وَمن أوضح الدَّلَائِل على كذب هَذِه الْوَصِيَّة وَقلة حَيَاء مفتريها وَعظم جرأته على الْكَذِب لِأَن من كتب الْقُرْآن الْكَرِيم وأرسله من بلد الى بلد أَو من مَحل لم يحصل لَهُ هَذَا الْفضل إِذا لم يعْمل بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم فَكيف يحصل لكاتب هَذِه الْفِرْيَة وناقلها من بلد الى بلد وَمن لم يكْتب الْقُرْآن وَلم يُرْسِلهُ من بلد الى بلد لم يحرم شَفَاعَة النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ مُؤمنا بِهِ تَابعا لشريعته وَهَذِه الْفِرْيَة الْوَاحِدَة فِي هَذِه الْوَصِيَّة تَكْفِي وَحدهَا للدلالة على بُطْلَانهَا وَكذب ناشرها ووقاحته وغباوته وَبعده عَن معرفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ من الْهدى
وَفِي هَذِه الْوَصِيَّة سوى مَا ذكر أُمُور أُخْرَى كلهَا تدل على بُطْلَانهَا وكذبها وَلَو أقسم مفتريها ألف قسم أَو أَكثر على صِحَّتهَا وَلَو دَعَا على نَفسه بأعظم الْعَذَاب وَأَشد النكال على أَنه صَادِق لم يكن صَادِقا وَلم تكن صَحِيحه بل هِيَ وَالله ثمَّ وَالله من أعظم الْكَذِب وأقبح وأقبح الْبَاطِل وَنحن نشْهد الله سُبْحَانَهُ وَمن حَضَرنَا من الْمَلَائِكَة وَمن أطلع على هَذِه الْكِتَابَة من الْمُسلمين شَهَادَة نلقي بهَا رَبنَا أَن هَذِه الْوَصِيَّة كذب وافتراء على رَسُول الله ﷺ أخزى الله من كتببها وعامله بِمَا يسْتَحق
وَيدل على كذبهَا وبطلانها سوى مَا تقدم أُمُور كَثِيرَة الأول مِنْهَا قوه فِيهَا لِأَن من الْجُمُعَة الى الْجُمُعَة مَاتَ مائَة وَسِتُّونَ ألفا على غير دين الْإِسْلَام لِأَن هَذَا من علم الْغَيْب وَالرَّسُول ﷺ قد أنقطع عَنهُ الْوَحْي بعد وَفَاته وَهُوَ فِي حَيَاته لَا يعلم الْغَيْب فَكيف بعد وَفَاته لقَوْل الله سُبْحَانَهُ
стр. 107
﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يذاد رجال عَن حَوْضِي يَوْم الْقِيَامَة فَأَقُول يَا رب أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَال لي إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك فَأَقُول كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توقيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد
الثَّانِي من الْأُمُور الدَّالَّة على بطلَان هَذِه الْوَصِيَّة وَأَنَّهَا كذب قَوْله فِيهَا وَمن كبتها وَكَانَ فَقِيرا أغناه الله أَو مديونا قضى الله دينه أَو عَلَيْهِ ذَنْب غفر الله لَهُ ولوالديه ببركة هَذِه الْوَصِيَّة الى أَخّرهُ وَهَذَا من أعظم الْكَذِب وأوضح الدَّلَائِل على كذب مفتريها وَقلة حيائه من الله وَمن عباده لِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة لَا تحصل بِمُجَرَّد كتب الْقُرْآن الْكَرِيم فَكيف تحصل لمن كتب هَذِه الْوَصِيَّة الباطله وَإِنَّمَا يُرِيد هَذَا الْخَبيث التلبيس على النَّاس وتعليقهم بِهَذِهِ الْوَصِيَّة حَتَّى يكتبوها ويتعلقوا بِهَذَا الْفضل المزعوم وَيَدْعُو الْأَسْبَاب الَّتِي شرعها الله لِعِبَادِهِ وَجعلهَا موصلة الى الْغنى وَقَضَاء الدّين ومغفرة الذُّنُوب فنعوذ بِاللَّه من أَسبَاب الخذلان وَطَاعَة الْهوى والشيطان
الْأَمر الثَّالِث من الْأُمُور الدَّالَّة على بطلَان هَذِه الْوَصِيَّة فوله فِيهَا وَمن لم يَكْتُبهَا من عباد الله أسود وَجهه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَذَا أَيْضا من أقبح الْكَذِب وَمن أبين الْأَدِلَّة على بطلَان هَذِه الْوَصِيَّة الَّتِي جَاءَ بهَا أَن من لم يَكْتُبهَا يسود وَجهه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن كتبهَا كَانَ غَنِيا بعد الْفقر وسليما من الدّين بعد تراكمه عَلَيْهِ ومغفورا لَهُ مَا جناه من الذُّنُوب سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم
стр. 108
وَأَن الْأَدِلَّة وَالْوَاقِع يَشْهَدَانِ يكذب هَذَا المفتري وَعظم جرأته على الله وَقلة حيائة من الله وَمن النَّاس فَهَؤُلَاءِ أُمَم كَثِيرَة لم يكتبوها فَلم تسود وُجُوههم وَهَاهُنَا جم غفير لَا يحصهم إِلَّا الله قد كتبوها مَرَّات كَثِيرَة فَلم يقْض دينهم وَلم يزل فَقرهمْ فنعوذ بِاللَّه من زيغ الْقُلُوب ورين الذُّنُوب وَهَذِه صِفَات وجزاءات لم يَأْتِ بهَا الشَّرْع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وَهُوَ الْقُرْآن الْكَرِيم فَكيف تحصل لمن كتب وثية مكذوبة مُشْتَمِلَة على أَنْوَاع من الْبَاطِل وجمل كَثِيرَة من أَنْوَاع الْكفْر سُبْحَانَ الله مَا أحلمه على من اجترأ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ
الْأَمر الرَّابِع من الْأُمُور الدَّالَّة على أَن هَذِه الْوَصِيَّة من أبطل الْبَاطِل وأوضح الْكَذِب قَوْله فِيهَا وَمن يصدق بهَا ينجو من غذاب النَّار وَمن كذب بهَا كفر وَهَذَا أَيْضا من أعظم الجرأة على الْكَذِب وَمن أقبح الْبَاطِل يَدْعُو هَذَا المفتري جَمِيع النَّاس الى أَن يصدقُوا بفريته وَيَزْعُم أَنهم بذلك ينجون من عَذَاب النَّار وَأَن من كذب بهَا يكفر لقد أعظم وَالله هَذَا الْكذَّاب على الله الْفِرْيَة وَقَالَ وَالله غير الْحق إِن من صدق بهَا هُوَ الَّذِي يسْتَحق أَن يكون كَافِرًا لَا من كذب بهَا لِأَنَّهَا فِرْيَة وباطل وَكذب لَا أساس لَهُ من الصِّحَّة
وَنحن نشْهد الله على انها كذب وَأَن مفتريها كَذَّاب يُرِيد أَن يشرع للنَّاس مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَيدخل فِي دينهم مَا لَيْسَ مِنْهُ وَالله قد أكمل الدّين وأتمه لهَذِهِ الأمه من قبل هَذِه الْفِرْيَة بأَرْبعَة عشر قرنا فأنتبهوا أيا الْقُرَّاء والإخوان
وَإِيَّاكُم والتصديق بأمثال هَذِه المفتريات وَأَن يكون لَهَا رواج فِيمَا بَيْنكُم فَإِن الْحق عَلَيْهِ نور لَا يلتبس على طَالبه فأطلبوا الْحق بدليله وأسألوا أهل الْعلم عَمَّا أشكل عَلَيْكُم وَلَا تغتروا بِحلف الْكَذَّابين فقد حلف إِبْلِيس اللعين لأبويكم على أَنه لَهما من الناصحين وَهُوَ أعظم الخائنين وأكذب الْكَذَّابين كَمَا حكى الله عَنهُ ذَلِك فِي سُورَة الْأَعْرَاف حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾
стр. 109
فأحذروه وأحذروه وَأَتْبَاعه من المفترين فكم لَهُ وَلَهُم من الْإِيمَان الكاذبه والعهود الغدرة والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل عصمنى الله وَإِيَّاكُم وَسَائِر الْمُسلمين من شَرّ الشَّيَاطِين وَفتن المضلين وزيغ الزائغين وتلبيس أَعدَاء الله المبطلين الَّذين يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويلبسوا على النَّاس دينهم وَالله متم نوره وناصر دينه وَلَو كره أَعدَاء الله من الشَّيَاطِين وأتباعهم من الْكفَّار والملحدين
وَأما مَا ذكره هَذَا المفترى من ظُهُور الْمُنْكَرَات فَهُوَ أَمر وَاقع وَالْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة قد حذرا مِنْهَا غَايَة التحذير وَفِيهِمَا الْهِدَايَة والكفاية ونسأل الله أَن يصلح أَحْوَال الْمُسلمين وَأَن يمن عَلَيْهِم بإتباع الْحق والآستقامة عَلَيْهِ والتوبه الى الله سُبْحَانَهُ من سَائِر الذُّنُوب فَإِنَّهُ التواب الرَّحِيم والقادر على كل شَيْء
وَأما مَا ذكر عَن شُرُوط السَّاعَة فقد أوضحت الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة مَا يكون من أَشْرَاط السَّاعَة وَأَشَارَ الْقُرْآن الْكَرِيم الى بعض ذَلِك فَمن أَرَادَ أَن يعلم ذَلِك وجده فِي مَحَله من كتب السّنة ومؤلفات أهل الْعلم وَالْإِيمَان وَلَيْسَ بِالنَّاسِ حَاجَة الى بَيَان مثل هَذَا المفترى وتلبيسه ومزجه الححق بِالْبَاطِلِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله وَسلم على عَبده وَرَسُوله الصَّادِق الْأمين وعَلى آله أَصْحَابه وَأَتْبَاعه بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين أنْتَهى الْكتاب وَالْحَمْد لله