Полный текст (50 стр.). Показаны 36–50 · переход к 41.
стр. 36
١٤٥ - وَقَالَ بَعضهم لَا تقلدوا دينكُمْ الرِّجَال إِن آمنُوا آمنتم وَإِن كفرُوا كَفرْتُمْ
١٤٦ - وَكَانَ أَحْمد لَا يُفْتِي فِي طَلَاق السَّكْرَان شَيْئا وَكَانَ يَقُول إِن أحللناه بقول هَذَا حرمناه بقول هَذَا
نُصُوص الإِمَام أبي حنيفَة فِي اتِّبَاع السّنة وتأسيس مذْهبه
١٤٧ - وَقَالَ نعيم بن حَمَّاد سَمِعت أَبَا عصمَة يَقُول سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَمَا جَاءَ عَن أَصْحَابه اخترنا وَمَا كَانَ غير ذَلِك فَنحْن رجال وهم رجال
١٤٨ - وروى مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ أقلد من كَانَ من
стр. 37
الْقُضَاة من الصَّحَابَة كَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي والعبادلة الثَّلَاثَة وَلَا أستجيز خلافهم برأيي إِلَّا ثَلَاثَة نفر
١٤٩ - وَفِي رِوَايَة أقلد جَمِيع الصَّحَابَة وَلَا أستجيز خلافهم بِرَأْي إِلَّا ثَلَاثَة نفر أنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة وَسمرَة بن جُنْدُب
فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أما أنس فاختلط فِي آخر عمره وَكَانَ يُفْتِي من عقله وَأَنا لَا أقلد عقله
وَأما أَبُو هُرَيْرَة فَكَانَ يروي كل مَا سمع من غير أَن يتَأَمَّل فِي الْمَعْنى وَمن غير أَن يعرف النَّاسِخ والمنسوخ
١٥٠ - وَقَالَ ابْن الْمُبَارك سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول إِذا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فعلى الرَّأْس وَإِذا جَاءَ عَن أَصْحَابه نَخْتَار من قَوْلهم وَإِذا جَاءَ عَن التَّابِعين زاحمناهم
١٥١ - وَفِي رِوَايَة قَالَ آخذ بِكِتَاب الله فَإِن لم أجد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم أجد فِي كتاب الله وَسنة رَسُول الله آخذ بقول أَصْحَابه ثمَّ آخذ بقول من شِئْت مِنْهُم وأدع قَول من شِئْت مِنْهُم وَلَا أخرج عَن قَوْلهم إِلَى قَول غَيرهم
فَأَما إِذا انْتهى الْأَمر إِلَى إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وعد رجَالًا من التَّابِعين فقوم اجتهدوا وَأَنا أجتهد كَمَا اجتهدوا
١٥٢ - قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لما بلغه ذَلِك عَن أبي حنيفَة
стр. 38
نتهم رَأينَا لرأيهم وَكَأَنَّهُ سوى بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي أَنهم إِذا اجْتَمعُوا فِي مسالة على قَوْلَيْنِ مثلا لم يجز لنا إِحْدَاث قَول ثَالِث وَجوز أَبُو حنيفَة ذَلِك
وَأما مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَلَا كَلَام فِي أَنه لَا تجوز مُخَالفَته
١٥٣ - فقد وضح ذَلِك من أَقْوَال الْأَئِمَّة إِنَّه مَتى جَاءَ حَدِيث ثَابت صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ فَوَاجِب الْمصير إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ الظَّاهِر مَا لم يُعَارضهُ دَلِيل آخر وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يسع أحد غَيره قَالَ الله ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فنفى الْإِيمَان عَمَّن لم يحكم رَسُوله فِيمَا وَقع التَّنَازُع فِيهِ وَلم يستسلم لقضائه
١٥٤ - وَقَالَ ﴿وَإِن تطيعوه تهتدوا﴾
فضمن الْهِدَايَة سُبْحَانَهُ فِي طَاعَة رَسُوله وَلم يضمنهَا فِي طَاعَة غَيره
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾
стр. 39
١٥٥ - وأوعد على مُخَالفَته قَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾
١٥٦ - وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾
نُصُوص بعض الْأَئِمَّة الآخرين فِي اتِّبَاع السّنة
١٥٧ - قَالَ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ لَيْسَ من أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 40
وروى أَيْضا عَن مُجَاهِد بِإِسْنَاد آخر
١٥٨ - وروى مَعْنَاهُ عَن الشّعبِيّ
١٥٩ - وَكَذَلِكَ روى شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة
١٦٠ - وروى عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ إِلَّا صَاحب هَذَا الْقَبْر وَأَشَارَ إِلَى قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 41
فصل فِي عناية الشَّافِعِيَّة بمختصر الْمُزنِيّ وَالثنَاء عَلَيْهِ
١٦١ - كَانَ الْعلمَاء من قدماء أَصْحَابنَا يعتنون بمختصر الْمُزنِيّ وبسببه سهل تَصْحِيح مَذْهَب الشَّافِعِي على طلابه فِي ذَلِك الزَّمَان وسَمعه عِنْد الْمُزنِيّ خلق عَظِيم من الغرباء ورحل إِلَيْهِ بِسَبَبِهِ وامتلأت بنسخه الْبلدَانِ حَتَّى أَنه بَلغنِي أَن الْمَرْأَة جهزت للدخول على زَوجهَا حمل فِي جهازها مصحف ونسخة مُخْتَصر الْمُزنِيّ
١٦٢ - ويروى عَن الْمُزنِيّ أَنه قَالَ بقيت فِي تصنيف هَذَا الْمُخْتَصر سِتّ عشرَة سنة وَمَا صليت لله فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة إِلَّا سَأَلت الله الْبركَة لمن تعلمه وَنظر فِيهِ
١٦٣ - وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج يَقُول فِي الْمُخْتَصر
لصيق فُؤَادِي مذ ثَلَاثِينَ حجَّة
وصيقل ذهني والمفرج عَن همي ... عَزِيز على مثلي اضاعة مثله
لما فِيهِ من نسج بديع وَمن نظم
١٦٤ - وعَلى ترتيبه وضعت الْكتب المطولة فِي مَذْهَب الشَّافِعِي
تَرْجِيح الْبَيْهَقِيّ مَذْهَب الشَّافِعِي وَسَببه
١٦٥ - قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ قابلت بِتَوْفِيق الله أَقْوَال كل أحد الْأَئِمَّة بمبلغ علمي من كتاب الله ثمَّ مَا جمعت من السّنَن والْآثَار فِي الْفَرَائِض والنوافل والحلال وَالْحرَام وَالْحُدُود وَالْأَحْكَام فَوجدت الشَّافِعِي أَكْثَرهم اتبَاعا وَأَقْوَاهُمْ احتجاجا وأصحهم قِيَاسا وأوضحهم إرشادا وَذَلِكَ فِيمَا صنف من الْكتب الْقَدِيمَة والجديدة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع بأبين بَيَان وأفصح لِسَان
стр. 42
كَلَام نَفِيس فِي ترك التَّقْلِيد الْأَعْمَى وَاتِّبَاع من شهِدت لَهُ الشَّرِيعَة بالعصمة
١٦٦ - ثمَّ اشْتهر فِي آخر الزَّمَان على مَذْهَب الشَّافِعِي تصانيف الشَّيْخَيْنِ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَأبي حَامِد الْغَزالِيّ فأكب النَّاس على الِاشْتِغَال بهَا وَكثر المتعصبون لَهما حَتَّى صَار المتبحر الْمُرْتَفع عِنْد نَفسه يرى أَن نصوصهما كنصوص الْكتاب وَالسّنة لَا يرى الْخُرُوج عَنْهَا وَإِن أخبر بنصوص غَيرهمَا من أَئِمَّة مذْهبه بِخِلَاف ذَلِك لم يلْتَفت إِلَيْهَا
١٦٧ - وَقد يَقع فِي بعض مصنفاتهما مَا قد خَالف الْمُؤلف فِيهِ صَرِيح حَدِيث صَحِيح أَو سَاق حَدِيثا على خلاف لَفظه أَو نقل إِجْمَاعًا أَو حكما عَن مَذْهَب بعض الْأَئِمَّة وَلَيْسَ كَذَلِك
فَإِن ذكر لذَلِك المتعصب الصَّوَاب فِي مثل ذَلِك نَادَى وَصَاح وزمجر وأخفى الْعَدَاوَة وَكَانَ سَبيله أَن يفرح بوصوله إِلَى مَا لم يكن يعرفهُ وَلَكِن أعماه التَّقْلِيد أصمه عَن سَماع الْعلم الْمُفِيد
بعض شُبُهَات المقلدين وَالرَّدّ عَلَيْهَا
١٦٨ - وَيَقُول المتحذلق مِنْهُم المتصدر فِي منصب لَا يسْتَحقّهُ أما كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة يعْرفُونَ هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الْوَارِد على خلاف نصهم فَيرد حَدِيث رَسُول الله ﷺ بِمثل هَذَا الهذيان الَّذِي لَو فكر فِيهِ أسكته عَنهُ لِأَن خَصمه فِي مثل هَذَا هُوَ الله وَرَسُوله لِأَن الله تَعَالَى افْترض علينا طَاعَة رَسُوله فقد وصلنا إِلَى حَدِيثه فَلَا نرده إِلَى قَول أحد
١٦٩ - ثمَّ إِن فِي ذَلِك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الَّذِي مهده إِمَامه وأسسه
وَذَلِكَ أَن الشَّافِعِي إِنَّمَا تعصب على من كَانَ قبله من الْأَئِمَّة بِمثل ذَلِك من دلالات الْكتاب وَالسّنة مِمَّا ظَنّه خَفِي على من سبقه
стр. 43
وَكَانَ من الْمُمكن أَن يُقَال لَهُ أما كَانَ أُولَئِكَ يعْرفُونَ هَذَا وَأُولَئِكَ المتقدمون أولى بذلك من الْمُتَأَخِّرين فَلَو سمع مثل هَذَا الهذيان لبطلت الْمذَاهب
١٧٠ - بل يَنْبَغِي للطَّالِب أَن يكون ابدا فِي طلب ازدياد علم مَا لم يُعلمهُ من أَي شخص كَانَ
فالحكمة ضَالَّة الْمُؤمن أَيْنَمَا وجدهَا أَخذهَا
وَعَلِيهِ الانصاف وَترك التَّقْلِيد وَاتِّبَاع الدَّلِيل فَكل أحد يُخطئ ويصيب إِلَّا من شهِدت لَهُ الشَّرِيعَة بالعصمة وَهُوَ النَّبِي ﷺ
ذكر رُجُوع الصَّحَابَة عَن آرائهم إِلَى أَحَادِيث النَّبِي ﷺ
١٧١ - قَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب اخْتِلَاف الحَدِيث حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم بن عبد الله بن عمر وَرُبمَا قَالَ عَن أَبِيه وَرُبمَا لم يقلهُ أَن عمر بن الْخطاب نهى عَن التَّطَيُّب قبل زِيَارَة الْبَيْت وَبعد الْجَمْرَة
قَالَ سَالم فَقَالَت عَائِشَة طيبت رَسُول الله ﷺ بيَدي هَاتين لإحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ
قَالَ سَالم وَسنة رَسُول الله أَحَق أَن تتبع
قَالَ الشَّافِعِي فَترك سَالم قَول جده عمر فِي إِمَامَته وَقبل قَول عَائِشَة وَسنة
стр. 44
رَسُول الله ﷺ أَحَق وَذَلِكَ الَّذِي يجب عَلَيْهِ
١٧٢ - وَمَا زَالَ أكَابِر الصَّحَابَة مثل أبي بكر الصّديق وَمن بعده يخفى عَلَيْهِم شَيْء من السّنة كميراث الْجدّة وتوريث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا وَوضع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ فِي الصَّلَاة
خَفِي الأول على أبي بكر
وَالثَّانِي على عمر
وَالثَّالِث على ابْن مَسْعُود
حَتَّى نبههم على ذَلِك غَيرهم وَلذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة
стр. 45
ذكر معرفَة المقلدين بمراتب أئمتهم وجهلهم بمراتب السّلف الصَّالح
١٧٣ - وَمن الْعجب أَن كثيرا مِنْهُم إِذا ورد على مَذْهَبهم أثر عَن بعض أكَابِر الصَّحَابَة يَقُول مبادرا بِلَا حَيَاء وَلَا حشمة مَذْهَب الشَّافِعِي الْجَدِيد أَن قَول الصَّحَابِيّ لَيْسَ بِحجَّة وَيرد قَول أبي بكر وَعمر وَلَا يرد قَول أبي إِسْحَاق وَالْغَزالِيّ
وَمَعَ هَذَا يرَوْنَ مصنفات أبي إِسْحَاق وَغَيره مشحونة بتخطئة الْمُزنِيّ وَغَيره من الأكابر فِي مَا خالفوا فِيهِ مَذْهَبهم فَلَا تراهم يُنكرُونَ شَيْئا من هَذَا
فَإِن اتّفق أَنهم سمعُوا أحدا يَقُول أَخطَأ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي كَذَا بِدَلِيل كَذَا وَكَذَا انزعجوا وغضبوا ويرون أَنه ارْتكب كَبِيرا من الْإِثْم فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرُوا فَالْأَمْر الَّذِي ارْتَكَبهُ أَبُو إِسْحَاق أعظم فَمَا بالهم لَا يُنكرُونَ ذَلِك وَلَا يغضبون مِنْهُ لَوْلَا قلَّة معرفتهم وَكَثْرَة جهلهم بمراتب السّلف
فصل فِي أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أشبه الْمذَاهب بِالدَّلِيلِ إِذا عمل بقوله فِي الرُّجُوع إِلَى السّنة
١٧٤ - قد تقدم أَن الشَّافِعِي بنى مذْهبه بناءا محكما وَذَلِكَ أَنه كَانَ اعْتِمَاده على كتاب الله وَسنة رَسُوله وَالنَّظَر الصَّحِيح من الِاجْتِهَاد الرَّاجِع إِلَى الْكتاب وَالسّنة وترجيح أشبه الْمذَاهب إِلَى الْكتاب وَالسّنة
وَهَذَا هُوَ الأَصْل الصَّحِيح الْقوي الَّذِي يتم الْبناء عَلَيْهِ إِلَّا أَنه قد يعرض لَهُ مَا يعرض لغيره من الْبشر مِمَّن لَيْسَ بمعصوم من الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان فأحالنا تَصْرِيح قَوْله على أَن مَا يَصح من أَقْوَال النَّبِي ﷺ فَهُوَ مذْهبه
فَلم يتْرك لعائب عَيْبا وَلَا لمنتقد من حساده انتقادا فَرضِي الله عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء لَوْلَا الشَّافِعِي لغير أَصْحَاب الرَّأْي مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 46
فصل فِي نصح أهل الْعلم وَبَيَان الْعُلُوم النافعة والضارة
١٧٥ - هَذِه الْفُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا حَسَنَة كَثِيرَة الْفَوَائِد مَجْمُوعَة من عدَّة مصنفات يَنْبَغِي لكل من يعتني بِالْعلمِ النّظر فِيهَا والاطلاع عَلَيْهَا
١٧٦ - وَقد رَأَيْت أَن أختمها بفصل هُوَ أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا وَهُوَ مَا اعتنى ببيانه الإِمَام أَبُو حَامِد ﵀ فِي كتاب الْإِحْيَاء من نصح أهل الْعلم وَبَيَان الْعُلُوم النافعة والتحذير من الْعُلُوم الضارة
١٧٧ - حَيْثُ قَالَ فأدلة الطَّرِيق هم الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَقد شغر مِنْهُم الزَّمَان وَلم يبْق إِلَّا المترسمون وَقد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان واستغواهم الطغيان وَأصْبح كل وَاحِد بعاجل حَظه مشغوفا فَصَارَ يرى الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا حَتَّى ظلّ علم الدّين مندرسا ومنار الْهدى فِي أقطار الأَرْض منطمسا
стр. 47
وَلَقَد خيلوا إِلَى الْخلق أَنه لَا علم إِلَّا فَتْوَى حُكُومَة يَسْتَعِين بهَا الْقُضَاة على فصل الْخِصَام عِنْد تهاوش الطغام
أَو جدل يتذرع بِهِ طَالب المباهاة إِلَى الْغَلَبَة والإفحام
أَو سجع مزخرف يتَوَصَّل بِهِ الْوَاعِظ إِلَى اسْتِدْرَاج الْعَوام
إِذْ لم يرَوا مَا سوى هَذِه الثَّلَاثَة مصيدة لِلْحَرَامِ وشبكة للحطام
فَأَما علم طَرِيق الْآخِرَة وَمَا درج عَلَيْهِ السّلف الصَّالح مِمَّا سَمَّاهُ الله فِي كِتَابه فقها وَحِكْمَة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بَين الْخلق نسيا منسيا
١٧٨ - ثمَّ أثنى على علم الْمُعَامَلَة وَقَالَ هُوَ علم أَحْوَال الْقلب كالصبر وَالشُّكْر وَالْخَوْف والرجاء والرضى والزهد وَالتَّقوى والقناعة والسخاء وَحسن الْخلق والصدق وَالْإِخْلَاص وَمَا يذم كالغل والحقد والحسد والغش وَالْكبر والرياء وَالْبخل والتزين لِلْخلقِ والمداهنة والخيانة وَطول الأمل وَالْقَسْوَة وَقلة الْحيَاء وَقلة الرَّحْمَة فَهَذِهِ وأمثالها من صِفَات الْقلب مغارس الْفَوَاحِش والأخلاق المحمودة منبع الطَّاعَات
١٧٩ - إِلَى أَن قَالَ وَلَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يغتر بقول سُفْيَان تعلمنا الْعلم لغير الله فأبا أَن يكون إِلَّا لله وَكَانَ علمهمْ الْكتاب وَالسّنة
وَإِن الْعلمَاء يتعلمون لغير الله لِأَن مَا يشتغلون بِهِ غير مأمورين بِهِ وَانْظُر إِلَى أَعمار الْأَكْثَرين مِنْهُم واعتبروهم فَإِنَّهُم مَاتُوا وهم هلكى على طلب الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة
١٨٠ - وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ دع الراغبين فِي صحبتك والتعلم مِنْك فَلَيْسَ لَك مِنْهُم مَال وَلَا جمال إخْوَان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السِّرّ إِذا لقوك تملقوا لَك وَإِذا غبت عَنْهُم سلقوك وَمن أَتَاك مِنْهُم كَانَ عَلَيْك رقيبا وَإِذا خرج كَانَ
стр. 48
عَلَيْك خَطِيبًا أهل نفاق ونميمة وغل وحقد وخديعة
وَلَا تغتر باجتماعهم عَلَيْك فَمَا غرضهم الْعلم بل الجاه وَالْمَال وَأَن يتخذوك سلما إِلَى أوطارهم وَحِمَارًا إِلَى حاجاتهم إِن قصرت فِي غَرَض من أغراضهم كَانُوا أَشد الْأَعْدَاء عَلَيْك ثمَّ يعدون ترددهم إِلَيْك دَالَّة عَلَيْك ويرونه حَقًا وَاجِبا عَلَيْك ويعرضون لَك أَن تبذل عرضك وَدينك وجاهك لَهُم فتعادي عدوهم وَتَنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لَهُم سَفِيها وَقد كنت فَقِيها وَتَكون لَهُم تَابعا خسيسا بعد أَن كنت متبوعا رَئِيسا وَلذَلِك قيل اعتزال الْعَامَّة مُرُوءَة تَامَّة
١٨١ - وَقد رَأَيْت أَن أختمه من عِبَارَات أهل الْمعرفَة وَالتَّقوى العاملين بِالْعلمِ الَّذِي يُورث الْجوف والهيبة والخشوع والزهد فِي الدُّنْيَا
١٨٢ - روينَا عَن عبد الله بن خبيق الْأَنْطَاكِي وَهُوَ أحد السَّادة الْعباد قَالَ سَأَلت يُوسُف بن أَسْبَاط هَل مَعَ حُذَيْفَة المرعشي علم قَالَ مَعَه الْعلم الْأَكْبَر خوف الله
١٨٣ - ذكر فِي مجْلِس أَحْمد بن حَنْبَل أَمر مَعْرُوف الْكَرْخِي فَقَالَ بعض من حضر هُوَ قَلِيل الْعلم فَقَالَ أَحْمد أمسك عافاك الله وَهل يُرَاد من الْعلم إِلَّا مَا وصل إِلَيْهِ مَعْرُوف
стр. 49
١٨٤ - وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ذهب أبي وَيحيى بن معِين إِلَى مَعْرُوف فَقَالَ ابْن معِين إيش معنى سَجْدَتي السَّهْو فِي الصَّلَاة فَقَالَ مَعْرُوف شرعتا عُقُوبَة للقلب إِذا سَهَا وَهُوَ بَين يَدي الله فَقَالَ لَهُ أبي هَذَا من علمك هَذَا فِي كتبك أَو كتب أَصْحَابك
١٨٥ - وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَتَدْرُونَ مَا فرض الصَّلَاة قطع العلائق وَجمع الْهم والحضور بَين يَدي الله تَعَالَى قيل لَهُ كَيفَ تدخل فِي الصَّلَاة قَالَ بإلقاء سمع وشهود قلب وَحُضُور عقل وَجمع هم وَصِحَّة تيقظ وَحسن إقبال وتدبر فِي ترتيل
١٨٦ - وَقَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ دخلت دمشق على كتبة الحَدِيث فمررت بِحَلقَة قَاسم الجوعي فَرَأَيْت نَفرا جُلُوسًا حوله وَهُوَ يتَكَلَّم عَلَيْهِم فهالني مظهرهم فتقدمت إِلَيْهِم فَسَمعته يَقُول اغتنموا من أهل زمانكم خمْسا إِن حضرتم لم تعرفوا وَإِن غبتم لم تفقدوا وَإِن شهدتم لم تشاوروا وَإِن قُلْتُمْ شَيْئا لم يقبل قَوْلكُم وَإِن عملتم شَيْئا لم تعطوا بِهِ
وأوصيكم بِخمْس أَيْضا إِن ظلمتم لَا تظلموا وَإِن مدحتم لَا تفرحوا وَإِن ذممتم لَا تجزعوا وَإِن كَذبْتُمْ فَلَا تغضبوا وَإِن خانوكم لَا تخونوا قَالَ فَجعلت هَذَا فائدتي من دمشق
стр. 50
١٨٧ - قَالَ المُصَنّف ﵀ فَهَذَا وَأَمْثَاله هُوَ ثَمَرَة علم الْعلمَاء الَّذين يُرِيدُونَ الله تَعَالَى بِطَلَب الْعلم النافع
جعلنَا الله مِنْهُم بمنه وفضله وَكَرمه ووفقنا للسلوك فِي مناهجهم برحمته وإحسانه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مَوْلَانَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ آمين