Полный текст (724 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
نبطل وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالشَّكِّ وَمعنى هَذَا أَنا لَا نسقط دَلِيل الْخُصُوص لكَونه مَجْهُولا بِالشَّكِّ وَلَا نخرج مَا وَرَاءه من أَن يكون صِيغَة الْعَام حجَّة فِيهِ بِالشَّكِّ وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْمَخْصُوص مَعْلُوما فَإِنَّهُ من حَيْثُ الصِّيغَة هُوَ نَص على حِدة قَابل للتَّعْلِيل وبالتعليل مَا نَدْرِي مَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ حكم الْخُصُوص مِمَّا تنَاوله صِيغَة الْعَام وَبِاعْتِبَار الحكم لَا يقبل التَّعْلِيل لِأَنَّهُ مُوجب للْحكم على أَنه تبين بِهِ أَن المُرَاد مَا وَرَاءه كالاستثناء وَهَذَا لَا يقبل التَّعْلِيل فاعتبار الصِّيغَة يخرج الْعَام من أَن يكون حجَّة فِيمَا وَرَاء الْمَخْصُوص وَبِاعْتِبَار الحكم يُوجب أَن يكون الْعَام مُوجبا للْحكم قطعا فِيمَا وَرَاء الْمَخْصُوص فَلَا يبطل معنى الْحجَّة بِالشَّكِّ وَلَكِن يتَمَكَّن فِيهِ ضرب شُبْهَة فَإِن مَا يكون ثَابتا من وَجه دون وَجه لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ وَالْحكم إِنَّمَا نثبت بِحَسب الدَّلِيل وَلِهَذَا كَانَ حجَّة مُوجبَة الْعَمَل بهَا وَلَا يكون مُوجبه الْعلم قطعا وَهَذَا بِخِلَاف دَلِيل النّسخ فَإِن عمله فِي رفع الحكم بِاعْتِبَار الْمُعَارضَة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا فِيمَا تنَاوله النَّص بِعَيْنِه فَإِن التَّعْلِيل فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى إِثْبَات الْمُعَارضَة بَين النَّص وَالْعلَّة المستنبطة بِالرَّأْيِ والرأي لَا يكون مُعَارضا للنَّص وَلِهَذَا لَا نشتغل بِالتَّعْلِيلِ فِي إِثْبَات النّسخ فَأَما دَلِيل الْخُصُوص وَإِن كَانَ نصا على حِدة فَإِنَّمَا يُوجب الحكم على الْوَجْه الَّذِي يُوجِبهُ الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ فِي معنى الحكم بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء كَمَا قَررنَا فَلَا يخرج من أَن يكون مُحْتملا للتَّعْلِيل وبطريق التَّعْلِيل تتمكن الشُّبْهَة فِيمَا يبْقى وَرَاء الْمَخْصُوص مِمَّا يكون الْعَام مُوجبا للْحكم فِيهِ وَلِهَذَا جَوَّزنَا تَخْصِيص هَذَا الْعَام بِالْقِيَاسِ لِأَن ثُبُوت الحكم بِهِ فِيمَا وَرَاء الْمَخْصُوص مَعَ شكّ فِي أَصله وَاحْتِمَال فَيجوز أَن يكون الْقيَاس مُعَارضا لَهُ بِخِلَاف خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي أَصله وَإِنَّمَا الِاحْتِمَال فِي طَرِيقه بِاعْتِبَار توهم غلط الرَّاوِي أَو ميله عَن الصدْق إِلَى الْكَذِب فَمن حَيْثُ إِنَّه لَا شكّ فِيهِ مَتى ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ كَانَ أقوى من الْقيَاس فَلَا يصلح أَن يكون الْقيَاس مُعَارضا لَهُ
وَبَيَان هَذِه الْأُصُول من الْفُرُوع أَن من جمع بَين حر وَعبد فباعهما بِثمن وَاحِد أَو بَين ميتَة وذكية أَو بَين خل وخمر لم يجز البيع أصلا لِأَن الْحر وَالْميتَة وَالْخمر لَا يَتَنَاوَلهَا العقد
стр. 142
أصلا فَيكون بَائِعا لما هُوَ مَال مُتَقَوّم مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ من الْألف إِذا قسم عَلَيْهِمَا وَالْبيع بِالْحِصَّةِ لَا ينْعَقد صَحِيحا ابْتِدَاء كَمَا لَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِمَا يَخُصُّهُ من الْألف إِذا قسم على قِيمَته وعَلى قيمَة هَذَا العَبْد الآخر فَبِهَذَا الْفَصْل يتَبَيَّن مَا يكون بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء أَنه يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى حكما وَلَو بَاعَ مِنْهُ عَبْدَيْنِ فَهَلَك أَحدهمَا قبل الْقَبْض أَو اسْتحق أَحدهمَا أَو كَانَ أَحدهمَا مُدبرا أَو مكَاتبا يبْقى العقد صَحِيحا فِي الآخر لِأَن العقد يتناولهما بِاعْتِبَار صفة الْمَالِيَّة والتقوم فيهمَا وَهُوَ الْمُعْتَبر فِي الْمحل لتناول العقد إِيَّاه ثمَّ خرج أَحدهمَا لصيانة حق مُسْتَحقّ إِمَّا للْعَبد فِي نَفسه أَو للْغَيْر أَو لتعذر التَّسْلِيم بهلاكه فَيبقى العقد فِي الآخر صَحِيحا بِحِصَّتِهِ وَهَذَا نَظِير دَلِيل النّسخ فَإِنَّهُ يرفع الحكم الثَّابِت فِي مِقْدَار مَا تنَاوله النَّص الَّذِي هُوَ نَاسخ وَيبقى مَا وَرَاء ذَلِك من حكم الْعَام على مَا كَانَ قبل وُرُود النَّاسِخ
وَنَظِير دَلِيل الْخُصُوص البيع بِشَرْط الْخِيَار فَإِنَّهُ ينْعَقد صَحِيحا بِمَنْزِلَة مَا لَو لم يكن فِيهِ خِيَار وَفِي حق الحكم كَانَ غير مُنْعَقد على معنى أَن الحكم مُتَعَلق بِسُقُوط الْخِيَار على مَا يَأْتِيك بَيَانه فِي مَوْضِعه أَن شَرط الْخِيَار لَا يدْخل فِي أصل السَّبَب وَإِنَّمَا يدْخل على الحكم فَيجب اعْتِبَاره فِي كل جَانب بنظيره حَتَّى إِن بِاعْتِبَار السَّبَب إِذا سقط الْخِيَار اسْتحق المُشْتَرِي بزوائده الْمُتَّصِلَة أَو الْمُنْفَصِلَة وَبِاعْتِبَار الحكم إِذا أعتق المُشْتَرِي وَالْخيَار مَشْرُوط البَائِع ثمَّ سقط الْخِيَار لم ينفذ الْعتْق وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات لَو بَاعَ من رجل عَبْدَيْنِ وَشرط الْخِيَار فِي أَحدهمَا دون الآخر للْبَائِع أَو المُشْتَرِي فَإِن لم يكن ثمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسَمّى لم يجز العقد فِي وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن كَانَ ثمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسَمّى جَازَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن لم يعين الْمَشْرُوط فِيهِ الْخِيَار مِنْهُمَا لم يجز العقد أَيْضا وَإِن عينا ذَلِك جَازَ العقد فِي الآخر وَلزِمَ بِالثّمن الْمُسَمّى لَهُ لِأَن اشْتِرَاط الْخِيَار بِاعْتِبَار الحكم يعْدم العقد فِي الْمَشْرُوط فِيهِ الْخِيَار فَإِذا كَانَ مَجْهُولا كَانَ العقد فِي الآخر ابْتِدَاء فِي الْمَجْهُول وَإِن كَانَ مَعْلُوما وَلم يكن ثمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسَمّى كَانَ العقد فِي الآخر ابْتِدَاء بِالْحِصَّةِ فَلَا ينْعَقد صَحِيحا وَبِاعْتِبَار السَّبَب كَانَ متناولا لَهما بِصفة الصِّحَّة فَإِذا كَانَ الَّذِي لَا خِيَار فِيهِ مِنْهُمَا مَعْلُوما وَكَانَ ثمنه مُسَمّى لزم العقد فِيهِ وَلم يَجْعَل العقد فِي الآخر بِمَنْزِلَة شَرط فَاسد فِي الَّذِي لَا خِيَار فِيهِ بِخِلَاف مَا قَالَه أَبُو حنيفَة ﵀ فِيمَا إِذا بَاعَ حرا وعبدا وسمى ثمن كل وَاحِد مِنْهُمَا لم ينْعَقد البيع فِي العَبْد صَحِيحا
стр. 143
لِأَن اشْتِرَاط قبُول العقد فِي الْحر شَرط فَاسد فقد جعله مَشْرُوطًا فِي قبُوله العقد فِي الْقِنّ حِين جمع بَينهمَا فِي الْإِيجَاب وَالْبيع يبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَأما اشْتِرَاط قبُول العقد فِي الَّذِي فِيهِ الْخِيَار لَا يكون شرطا فَاسِدا لِأَن البيع بِشَرْط الْخِيَار مُنْعَقد شرطا صَحِيحا من حَيْثُ السَّبَب فَكَانَ العقد فِي الآخر لَازِما وَالله أعلم
فصل فِي بَيَان أَلْفَاظ الْعُمُوم
أَلْفَاظ الْعُمُوم قِسْمَانِ عَام بصيغته وَمَعْنَاهُ وَقسم فَرد بصيغته عَام بِمَعْنَاهُ
فَأَما مَا هُوَ عَام بصيغته وَمَعْنَاهُ فَكل لفظ هُوَ للْجمع نَحْو الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْمُسْلِمين وَالْمُشْرِكين وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهَا عَام صِيغَة لِأَن وَاضع اللُّغَة وضع هَذِه الصِّيغَة للْجَمَاعَة قَالَ رجل ورجلان وَرِجَال وَامْرَأَة وَامْرَأَتَانِ وَنسَاء وَهُوَ عَام بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ شَامِل لكل مَا تنَاوله عِنْد الْإِطْلَاق فأدنى مَا يُطلق عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظ الثَّلَاثَة لِأَن أدنى الْجمع الصَّحِيح ثَلَاثَة نَص عَلَيْهِ مُحَمَّد ﵀ فِي السّير الْكَبِير فِي الْأَنْفَال وَغَيرهَا وَمن قَالَ لفُلَان على دَرَاهِم يلْزمه الثَّلَاثَة وَالْمَرْأَة إِذا اخْتلعت من زَوجهَا بِمَا فِي يَدهَا من دَرَاهِم فَإِذا لَيْسَ فِي يَدهَا شَيْء يلْزمهَا ثَلَاثَة دَرَاهِم لِأَن أدنى الْجمع مُتَيَقن بِهِ عِنْد ذكر الصِّيغَة وَفِيمَا زَاد عَلَيْهِ شكّ وَاحْتِمَال فَلَا يجب إِلَّا الْمُتَيَقن فَظن بعض أَصْحَابنَا ﵏ أَن على قَول أبي يُوسُف أدنى الْجمع اثْنَان على قِيَاس مَسْأَلَة الْجُمُعَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن عِنْده الْجمع الصَّحِيح ثَلَاثَة إِلَّا أَنه يَجْعَل الإِمَام من جملَة الْجمع الَّذِي تتأدى بهم الْجُمُعَة على قِيَاس سَائِر الصَّلَوَات فَإِن الإِمَام من جملَة الْجَمَاعَة وَلِهَذَا يقدم الإِمَام إِذا كَانَ خَلفه رجلَانِ فَصَاعِدا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله الشَّرْط فِي الْجُمُعَة الْجَمَاعَة وَالْإِمَام جَمِيعًا فَلَا يكون الإِمَام محسوبا من عدد الْجَمَاعَة فَيشْتَرط ثَلَاثَة سواهُ وَفِي سَائِر الصَّلَوَات الإِمَام لَيْسَ بِشَرْط لأدائها فَيمكن أَن يَجْعَل الإِمَام من جملَة الْجَمَاعَة فَإِذا كَانَ مَعَ الإِمَام رجلَانِ اصطفا خَلفه
وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵏ يَقُولُونَ الْجَمَاعَة هِيَ الْمثنى فَصَاعِدا وَاسْتَدَلُّوا بقوله ﵇ الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة وَلِأَن اسْم الْجَمَاعَة
стр. 144
حَقِيقَة فِيمَا فِيهِ معنى الِاجْتِمَاع وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الِاثْنَيْنِ أَلا ترى أَن فِي الْوَصَايَا والمواريث جعل للمثنى حكم الْجَمَاعَة حَتَّى لَو أوصى لأقرباء فلَان يتَنَاوَل الْمثنى فَصَاعِدا وللاثنين من الْمِيرَاث مَا للثلاث فَصَاعِدا والأخوان يحجبان الْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة﴾ وَفِي كتاب الله تَعَالَى إِطْلَاق عبارَة الْجمع على الْمثنى لقَوْله تَعَالَى ﴿هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَدَاوُد وَسليمَان﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿خصمان بغى بَعْضنَا على بعض﴾ وَكَذَلِكَ فِي اسْتِعْمَال النَّاس فَإِن الِاثْنَيْنِ يَقُولَانِ نَحن فعلنَا كَذَا بِمَنْزِلَة الثَّلَاثَة
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ الْوَاحِد شَيْطَان والاثنان شيطانان وَالثَّلَاثَة ركب ثمَّ يَسْتَقِيم نفي صِيغَة الْجَمَاعَة عَن الْمثنى بِأَن يَقُول مَا فِي الدَّار رجال إِنَّمَا فِيهَا رجلَانِ وَقد بَينا أَن اللَّفْظ إِذا كَانَ حَقِيقَة فِي الشَّيْء لَا يَسْتَقِيم نَفْيه عَنهُ وَإِجْمَاع أهل اللُّغَة يشْهد بذلك فَإِنَّهُم يَقُولُونَ الْكَلَام ثَلَاثَة أَقسَام وحدان وتثنية وَجمع ثمَّ للوحدان أبنية مُخْتَلفَة وَكَذَلِكَ للْجمع وَلَيْسَ ذَلِك للتثنية إِنَّمَا لَهَا عَلامَة مَخْصُوصَة فَعرفنَا أَن الْمثنى غير الْجَمَاعَة وَلما وضعُوا للمثنى لفظا على حِدة فَلَو قُلْنَا بِأَن للمثنى حكم الْجَمَاعَة لَكَانَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع للثَّلَاثَة على خلاف الْمَوْضُوع للمثنى تَكْرَارا مَحْضا وكل لفظ مَوْضُوع لفائدة جَدِيدَة أَلا ترى أَن بعد الثَّلَاث لم يوضع لما زَاد عَلَيْهَا لفظ على حِدة لما كَانَت صِيغَة الْجَمَاعَة تجمعها وَكَذَلِكَ اللَّفْظ الْمُفْرد والتثنية يذكر من غير عدد يُقَال رجل ورجلان (ثمَّ يذكر مَقْرُونا بِالْعدَدِ بعد ذَلِك فَيُقَال ثَلَاثَة رجال وَأَرْبَعَة رجال) وَلَا يُقَال وَاحِد رجل وَلَا اثْنَان رجلَانِ وَتَسْمِيَة الثَّلَاثَة جمَاعَة بِمَعْنى الِاجْتِمَاع كَمَا قَالُوا وَلَكِن اجْتِمَاع بِصفة وَهُوَ اجْتِمَاع لَا يتَحَقَّق أحد الْجَانِبَيْنِ يُقَابله الْمثنى من جَانب آخر فَأَما فِي الِاثْنَيْنِ يتعارض الْإِفْرَاد على التَّسَاوِي من حَيْثُ إِن كل وَاحِد من الْجَانِبَيْنِ فَرد فَعِنْدَ الانضمام يكون اسْم الْمثنى حَقِيقَة فيهمَا لَا اسْم الْجَمَاعَة وَتَأْويل الحَدِيث أَن فِي حكم الاصطفاف خلف الإِمَام الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة فقد بَينا الْمَعْنى فِيهِ فَأَما فِي الْمَوَارِيث فاستحقاق الِاثْنَيْنِ الثُّلثَيْنِ لَيْسَ بِالنَّصِّ الْوَارِد بِعِبَارَة الْجَمَاعَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك﴾ إِنَّمَا ذَلِك للثلاث فِيهِ معنى يُعَارض الْإِفْرَاد على
стр. 145
التَّسَاوِي كَمَا فِي الثَّلَاثَة فَإِن الْفَرد من فَصَاعِدا وَإِنَّمَا اسْتِحْقَاق الِاثْنَيْنِ الثُّلثَيْنِ بِإِشَارَة النَّص فِي قَوْله ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإِن نصيب الابْن مَعَ الِابْنَة الثُّلُثَانِ فَيثبت بِهِ أَن ذَلِك حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَمَا بعده لبَيَان أَنَّهُنَّ وَإِن كن أَكثر من اثْنَتَيْنِ لَا يكون لَهُنَّ إِلَّا الثُّلُثَانِ عِنْد الِانْفِرَاد والحجب بالأخوين عَرفْنَاهُ بِاتِّفَاق الصَّحَابَة ﵃ على مَا رُوِيَ أَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لعُثْمَان ﵁ الْإِخْوَة فِي لِسَان قَوْمك لَا يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ فَقَالَ نعم وَلَكِن لاستحي أَن أخالفهم فِيمَا رَأَوْا
أَلا ترى أَن الْحجب ثَبت بالأخوات الْمُفْردَات بِهَذَا الطَّرِيق فَإِن اسْم الْإِخْوَة لَا يتَنَاوَل الْأَخَوَات الْمُفْردَات على أَن الِاسْم قد يتَنَاوَل الْمثنى مجَازًا لاعْتِبَار معنى الِاجْتِمَاع مُطلقًا فَبِهَذَا الطَّرِيق أثبتنا حكم الْحجب والتوريث للمثنى وَالْوَصِيَّة أُخْت الْمِيرَاث فَيكون مُلْحقًا بِهِ
وَقَول الْمثنى نَحن فعلنَا كَذَا إِخْبَار عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن نَفسه وَعَن غَيره على أَن جعله تبعا لنَفسِهِ مجَازًا وَمثل هَذَا قد يكون من الْوَاحِد أَيْضا يَقُول قد فعلنَا كَذَا وأمرنا بِكَذَا وَهَذَا لَا يدل على أَن اسْم الْجَمَاعَة يتَنَاوَل الْفَرد حَقِيقَة
وَفِيمَا تلونا من الْآيَات بَيَان أَن المتخاصمين كَانَا اثْنَيْنِ وَيحْتَمل أَن يكون الْحُضُور مَعَهُمَا جمَاعَة وَصِيغَة الْجَمَاعَة تَنْصَرِف إِلَيْهِم جَمِيعًا وعَلى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ فَإِن أَكثر الْأَعْضَاء المنتفع بهَا فِي الْبدن زوج فَمَا يكون فَردا لعظم الْمَنْفَعَة فِيهِ يَجْعَل بِمَنْزِلَة مَا هُوَ زوج فتستقيم الْعبارَة عَن تثنيته بِالْجمعِ وَيبين أَن أدنى الْجمع الصَّحِيح ثَلَاثَة صُورَة أَو معنى وعَلى هَذَا لَو قَالَ إِن اشْتريت عبيدا فعلي كَذَا أَو إِن تزوجت نسَاء فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث إِلَّا بِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدا إِلَّا أَنه إِذا دخل الْألف وَاللَّام فِي هَذِه الصِّيغَة نَجْعَلهَا للْجِنْس مجَازًا لِأَن اللَّام لتعريف الرجل بِعَيْنِه وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن﴾ الْمَعْهُود
стр. 146
فِي الأَصْل فَإِن الرجل يَقُول رَأَيْت رجلا ثمَّ كلمت الرجل أَي ذَلِك الرَّسُول ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ إِنَّه الْوَاحِد فَصَاعِدا وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ إِنَّه الْوَاحِد فَصَاعِدا وَهَذَا لاعْتِبَار صِيغَة الْفَرد وجعلوه بِمَنْزِلَة الْجِنْس بِغَيْر حرف اللَّام كَمَا يكون مَعَ حرف اللَّام الَّذِي هُوَ للْعهد وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو حلف لَا يشرب مَاء يَحْنَث بِشرب الْقَلِيل كَمَا
стр. 147
لَو قَالَ المَاء لِأَن صيغته صِيغَة الْفَرد وَالْمرَاد بِهِ الْجِنْس فَيتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير سَوَاء قرن بِهِ اللَّام أَو لم يقرن لِأَنَّهُ لما خلا عَن معنى الْجَمَاعَة صِيغَة إِذْ لَيْسَ لَهُ وحدان كَانَ جِنْسا فإدخال الْألف وَاللَّام فِيهِ يكون للتَّأْكِيد كَالرّجلِ يَقُول رَأَيْت قوما وافدين وَرَأَيْت الْقَوْم الوافدين على فلَان كَانَ ذَلِك كتأكيد معنى الْجِنْس
ثمَّ اسْم الْجِنْس يتَنَاوَل الْأَدْنَى حَقِيقَة من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا أَنه لَو تصور أَن لَا يبْقى من المَاء إِلَّا ذَلِك الْقَلِيل كَانَ اسْم المَاء لَهُ حَقِيقَة وَلَا يتَغَيَّر ذَلِك بِكَثْرَة الْجِنْس
وَقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا ﵏ إِن الْحَالِف إِنَّمَا يمْنَع نَفسه بِيَمِينِهِ عَمَّا فِي وَسعه وَفِي وَسعه شرب الْقَلِيل من الْجِنْس وَلَيْسَ فِي وَسعه شرب الْجَمِيع فلعلمنا بِأَنَّهُ لم يرد جَمِيع الْجِنْس صرفناه إِلَى أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْجِنْس على احْتِمَال أَن يكون مُرَاده الْكل حَتَّى إِذا نَوَاه لم يَحْنَث قطّ
وَمن هَذَا الْقسم كلمة من فَإِنَّهَا كلمة مُبْهمَة وَهِي عبارَة عَن ذَات من يعقل وَهِي تحْتَمل الْخُصُوص والعموم أَلا ترى أَنه إِذا قيل من فِي الدَّار يَسْتَقِيم فِي جَوَابه فِيهَا فلَان وَفُلَان وَفُلَان وَإِذا قَالَ من أَنْت يَسْتَقِيم فِي جَوَابه أَنا فلَان فَمَتَى وصلت هَذِه الْكَلِمَة بمعهود كَانَت للخصوص وَإِذا وصلت بِغَيْر الْمَعْهُود تحْتَمل الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَالْأَصْل فِيهَا الْعُمُوم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك﴾ وَقَالَ ﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانُوا لَا يبصرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ وَالْمرَاد الْعُمُوم وَقَالَ ﷺ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا قَالَ من شَاءَ من عَبِيدِي الْعتْق فَهُوَ حر فشاؤوا جَمِيعًا عتقوا لِأَن كلمة من تَقْتَضِي الْعُمُوم وَإِنَّمَا أضَاف الْمَشِيئَة إِلَى من دخل تَحت كلمة من فيتعمم بِعُمُومِهِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِذا قَالَ من شِئْت من عَبِيدِي عتقه فَهُوَ حر فشاء عتقهم جَمِيعًا عتقوا أَيْضا لِأَن كلمة من تعم العبيد وَمن لتمييز هَذَا الْجِنْس من سَائِر الْأَجْنَاس بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَإِضَافَة الْمَشِيئَة إِلَى خَاص لَا يُغير الْعُمُوم الثَّابِت بِكَلِمَة من كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ وَلَكِن أَبُو حنيفَة ﵀ قَالَ لَهُ أَن يعتقهم جَمِيعًا إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم لِأَن كلمة من للتعميم وَمن للتَّبْعِيض وَهُوَ الْحَقِيقَة فَإِذا أضَاف الْمَشِيئَة إِلَى خَاص يبْقى معنى الْخُصُوص مُعْتَبرا فِيهِ مَعَ الْعُمُوم فَيتَنَاوَل بَعْضًا عَاما وَذَلِكَ فِي أَن يتناولهم إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم
وَإِنَّمَا رجحنا معنى الْعُمُوم فِيمَا تلونا من الْآيَتَيْنِ بِالْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَة فِيهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿واستغفر لَهُم الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك أدنى أَن﴾
стр. 148
إِلَى الْعَام الدَّاخِل تَحت كلمة من يرجح جَانب الْعُمُوم فِيهِ فَإِذا أضافها ﴿تقر أعينهن﴾ وعَلى احْتِمَال الْخُصُوص فِي هَذِه الْكَلِمَة قَالَ فِي السّير الْكَبِير إِذا قَالَ من دخل مِنْكُم هَذَا الْحصن أَولا فَلهُ من النَّفْل كَذَا فَدخل رجلَانِ مَعًا لم يسْتَحق وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا لِأَن الأول اسْم لفرد سَابق فَإِذا وَصله بِكَلِمَة من وَهُوَ تَصْرِيح بالخصوص يرجح معنى الْخُصُوص فِيهِ فَلَا يسْتَحق النَّفْل إِلَّا وَاحِد دخل سَابِقًا على الْجَمَاعَة
ونظيرها كلمة مَا فَإِنَّهَا تسْتَعْمل فِي ذَات مَا لَا يعقل وَفِي صِفَات مَا يعقل حَتَّى إِذا قيل مَا زيد يَسْتَقِيم فِي جَوَابه عَالم أَو عَاقل وَإِذا قيل مَا فِي الدَّار يَسْتَقِيم فِي جَوَابه فرس وكلب وحمار وَلَا يَسْتَقِيم فِي الْجَواب رجل وَامْرَأَة فَعرفنَا أَنه يسْتَعْمل فِي ذَات مَا لَا يعقل بِمَنْزِلَة كلمة من فِي ذَات من يعقل أَلا ترى أَن فِرْعَوْن عَلَيْهِ اللَّعْنَة حِين قَالَ لمُوسَى ﵇ وَمَا رب الْعَالمين وَقَالَ مُوسَى رب السَّمَوَات وَالْأَرْض أظهر التَّعَجُّب من جَوَابه حَتَّى نسبه إِلَى الْجُنُون يَعْنِي أَنا أسأله عَن الْمَاهِيّة وَهُوَ السُّؤَال عَن ذَات الشَّيْء أجوهر هُوَ أم عرض وَهُوَ يجيبني عَن الْمنية أَلا إِن الله تَعَالَى يتعالى عَمَّا سَأَلَ اللعين وَمن شَأْن الْحَكِيم إِذا سمع لَغوا أَن يعرض عَنهُ ويشتغل بِمَا هُوَ مُفِيد قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ وَقَالُوا لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم﴾ وَهَذَا لَيْسَ جَوَابا عَن اللَّغْو وَلَكِن إِعْرَاض عَنهُ وإتمام لذَلِك الْإِعْرَاض بالاشتغال بِمَا هُوَ مُفِيد وَكَذَلِكَ فعل مُوسَى ﵇ فَإِنَّهُ أظهر الْإِعْرَاض عَن اللَّغْو بالاشتغال بِمَا هُوَ مُفِيد وَهُوَ أَن الصَّانِع جلّ وَعلا إِنَّمَا يعرف بِالتَّأَمُّلِ فِي مصنوعاته وبمعرفة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَفِي هَذَا بَيَان أَن اللعين أَخطَأ فِي طلب طَرِيق الْمعرفَة بالسؤال عَن الْمَاهِيّة
وَقد تَأتي كلمة مَا بِمَعْنى من قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا بناها﴾
стр. 149
مَعْنَاهُ وَمن بناها إِلَّا أَن الْحَقِيقَة فِي كل كلمة مَا بَينا وعَلى هَذَا الأَصْل كَانَ الِاخْتِلَاف فِي قَوْله لامْرَأَته اخْتَارِي من الثَّلَاث مَا شِئْت فَاخْتَارَتْ الثَّلَاث فَإِن عِنْدهمَا تطلق ثَلَاثًا وَعند أبي حنيفَة ﵀ ثِنْتَيْنِ بِمَنْزِلَة قَوْله أعتق من عَبِيدِي من شِئْت ولاحتمال معنى الْعُمُوم فِي كلمة مَا قُلْنَا إِذا قَالَ لأمته إِن كَانَ مَا فِي بَطْنك غُلَاما فَأَنت حرَّة فَولدت غُلَاما وَجَارِيَة إِنَّهَا لَا تعْتق لِأَن الشَّرْط أَن يكون جَمِيع مَا فِي بَطنهَا غُلَاما
وَنَظِير هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ كلمة الَّذِي فَإِنَّهَا مُبْهمَة مستعملة فِيمَا يعقل وَفِيمَا لَا يعقل وفيهَا معنى الْعُمُوم على نَحْو مَا فِي الْكَلِمَتَيْنِ حَتَّى إِذا قَالَ إِن كَانَ الَّذِي فِي بَطْنك غُلَاما كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْله إِن كَانَ فِي بَطْنك غُلَاما
وَكلمَة أَيْن وَحَيْثُ للتعميم فِي الْأَمْكِنَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ وَلِهَذَا لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق أَيْن شِئْت وَحَيْثُ شِئْت يقْتَصر على الْمجْلس لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفظه مَا يُوجب تَعْمِيم الْأَوْقَات
وَأما مَتى كلمة مُبْهمَة لتعميم الْأَوْقَات وَلِهَذَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق مَتى شِئْت لم يتَوَقَّف ذَلِك على الْمجْلس
وَأما كلمة كل فَإِنَّهَا توجب الْإِحَاطَة على وَجه الْإِفْرَاد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَمعنى الْإِفْرَاد أَن كل وَاحِد من المسميات الَّتِي توصل بهَا كلمة كل يصير مَذْكُورا على سَبِيل الِانْفِرَاد كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَه غَيره لِأَن هَذِه الْكَلِمَة صلَة فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى لَا تسْتَعْمل وَحدهَا لخلوها عَن الْفَائِدَة وَهِي تحْتَمل الْخُصُوص نَحْو كلمة من إِلَّا أَن معنى الْعُمُوم فِيهَا يُخَالف معنى الْعُمُوم فِي كلمة من وَلِهَذَا استقام وَصلهَا بِكَلِمَة من قَالَ الله تَعَالَى ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ حَتَّى لَو وصلت باسم نكرَة تَقْتَضِي الْعُمُوم فِي ذَلِك الِاسْم فَأَما إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أعْط كل رجل من هَؤُلَاءِ درهما كَانَت مُوجبَة للْعُمُوم فيهم وَلِهَذَا لَو قَالَ كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق فِي الْمرة الثَّانِيَة لِأَنَّهَا توجب الْعُمُوم فِيمَا وصلت بِهِ من الِاسْم دون الْفِعْل إِلَّا أَن توصل بِمَا فَحِينَئِذٍ مَا يتعقبها الْفِعْل دون الِاسْم لِأَنَّهُ يُقَال كلما ضرب وَلَا يُقَال كلما رجل فَيَقْتَضِي التَّعْمِيم فِيمَا يُوصل بِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ﴾ فَإِذا قَالَ كلما تزوجت امْرَأَة فَتزَوج تطلق كل امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا على الْعُمُوم وَلَو تزوج امْرَأَة
стр. 150
مرَّتَيْنِ لم تطلق امْرَأَة مرَارًا تطلق فِي كل مرّة
وَبَيَان الْفرق بَين كلمة من وَبَين كلمة كل فِيمَا يرجع إِلَى الْخُصُوص بِمَا ذكره مُحَمَّد فِي السّير الْكَبِير إِذا قَالَ من دخل هَذَا الْحصن أَولا فَلهُ كَذَا فَدخل رجلَانِ مَعًا لم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا شَيْء وَلَو قَالَ كل من دخل هَذَا الْحصن أَولا فَلهُ كَذَا فَدخل عشرَة مَعًا اسْتحق كل وَاحِد مِنْهُم النَّفْل تَاما لأجل الْإِحَاطَة فِي كلمة كل على وَجه الْإِفْرَاد وكل وَاحِد من الداخلين كَأَنَّهُ فَرد لَيْسَ مَعَه غَيره وَهُوَ أول من النَّاس من الَّذين لم يدخلُوا فَاسْتحقَّ النَّفْل كَامِلا وَلَو دخل الْعشْرَة على التَّعَاقُب كَانَ النَّفْل للْأولِ خَاصَّة فِي الْفَصْلَيْنِ لاحْتِمَال الْخُصُوص فِي كلمة كل فَإِن الأول اسْم لفرد سَابق وَهَذَا الْوَصْف تحقق فِيهِ دون من دخل بعده
وَكلمَة الْجَمِيع بِمَنْزِلَة كلمة كل فِي أَنَّهَا توجب الْإِحَاطَة وَلَكِن على وَجه الِاجْتِمَاع لَا على وَجه الْإِفْرَاد حَتَّى لَو قَالَ جَمِيع من دخل مِنْكُم الْحصن أَولا فَلهُ كَذَا فَدخل عشرَة مَعًا استحقوا نفلا وَاحِدًا بِخِلَاف قَوْله كل من دخل لِأَن لفظ الْجَمِيع للإحاطة على وَجه الِاجْتِمَاع وهم سَابِقُونَ بِالدُّخُولِ على سَائِر النَّاس وَكلمَة كل للإحاطة على وَجه الْإِفْرَاد فَكل وَاحِد مِنْهُم كالمنفرد بِالدُّخُولِ سَابِقًا على سَائِر النَّاس مِمَّن لم يدْخل وَلَو قَالَ جمَاعَة من أهل الْحَرْب آمنونا على بنينَا ولأحدهم ابْن وَبَنَات وللباقين بَنَات فَقَط ثَبت الْأمان لَهُم جَمِيعًا وَلَو قَالَ آمنُوا كل وَاحِد منا على بنيه فَإِنَّمَا الْأمان لأَوْلَاد الرجل الَّذِي لَهُ ابْن خَاصَّة دون الآخرين لِأَن الْإِحَاطَة فِي الأول على وَجه الِاجْتِمَاع وباختلاط الذّكر الْوَاحِد بجماعتهم بتناولهم اسْم الْبَنِينَ وَفِي الثَّانِي الْإِحَاطَة على سَبِيل الْإِفْرَاد فَإِنَّمَا يتَنَاوَل لفظ الْبَنِينَ أَوْلَاد الرجل الَّذِي لَهُ ابْن دون أَوْلَاد الَّذين لَهُم بَنَات فَقَط وَهَذِه الْكَلِمَات مَوْضُوعَة لِمَعْنى الْعُمُوم لُغَة غير معلولة
وَنَوع آخر مِنْهَا النكرَة فَإِن النكرَة من الِاسْم للخصوص فِي أصل الْوَضع
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا﴾ لِأَن
стр. 151
الْمَقْصُود بِهِ تَسْمِيَة فَرد من الْأَفْرَاد ﴿إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا﴾ وَالْمرَاد رَسُول وَاحِد قَالَ ﷺ فِي خمس من الْإِبِل شَاة وَفِي الْعَادة يُقَال عبد من العبيد وَرجل من الرِّجَال وَلَا يُقَال رجال من الرِّجَال
ثمَّ هَذِه النكرَة عِنْد الْإِطْلَاق لَا تعم عندنَا وَعند الشَّافِعِي ﵀ تكون عَامَّة وَبَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ فَهُوَ يَقُول هَذِه رَقَبَة عَامَّة يدْخل فِيهَا الصَّغِيرَة والكبيرة وَالذكر وَالْأُنْثَى والكافرة والمؤمنة والصحيحة والزمنة وَقد خص مِنْهَا الزمنة والمدبرة بِالْإِجْمَاع فَيجوز تَخْصِيص الْكَافِرَة مِنْهَا بِالْقِيَاسِ على كَفَّارَة الْقَتْل وَنحن نقُول هَذِه رَقَبَة مُطلقَة غير مُقَيّدَة بِوَصْف فالتقييد بِالْوَصْفِ يكون زِيَادَة وَلَا يكون تَخْصِيصًا فَيكون نسخا ورفعا لحكم الْإِطْلَاق إِذْ الْمُقَيد غير الْمُطلق وَبِهَذَا النَّص وَجب عتق رَقَبَة لَا عتق رِقَاب
ثمَّ جَوَاز الْعتْق فِي جَمِيع مَا ذكره بِاعْتِبَار صَلَاحِية الْمحل لما وَجب بِالْأَمر وَهَذِه الصلاحية مَا ثبتَتْ بِهَذَا النَّص فقد كَانَت صَالِحَة للتحرير قبل وجوب الْعتْق بِهَذَا النَّص وَإِنَّمَا الثَّابِت بِهَذَا النَّص الْوُجُوب فَقَط وَلَيْسَ فِيهِ معنى الْعُمُوم كمن نذر أَن يتَصَدَّق بدرهم فَأَي دِرْهَم تصدق بِهِ خرج عَن نَذره لِأَن صَلَاحِية الْمحل للتصدق لم تكن بنذره إِنَّمَا الْوُجُوب بِالنذرِ وَلَيْسَ فِي الْوُجُوب معنى الْعُمُوم وَاشْتِرَاط الْملك فِي الرَّقَبَة لضَرُورَة التَّحْرِير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فَإِن التَّحْرِير لَا يَصح من الْمَرْء إِلَّا فِي ملكه وَاشْتِرَاط صفة السَّلامَة لإِطْلَاق الرَّقَبَة لِأَن الْإِطْلَاق يَقْتَضِي الْكَمَال والزمنة قَائِمَة من وَجه مستهلكة من وَجه فَلَا تكون قَائِمَة مُطلقًا حَتَّى تتناولها اسْم الرَّقَبَة مُطلقًا وَلِهَذَا شَرط كَمَال الرّقّ أَيْضا لِأَن التَّحْرِير مَنْصُوص عَلَيْهِ مُطلقًا وَذَلِكَ إِعْتَاق كَامِل ابْتِدَاء وَفِي الْمُدبر وَأم الْوَلَد هَذَا من وَجه تَعْجِيل لما صَار مُسْتَحقّا لَهما مُؤَجّلا فَلَا يكون إعتاقا مُبْتَدأ مُطلقًا وعَلى هَذَا قُلْنَا الْمُنكر إِذا أُعِيد مُنْكرا فَالثَّانِي غير الأول لِأَن اسْم النكرَة يتَنَاوَل فَردا غير معِين وَفِي صرف الثَّانِي إِلَى مَا يتَنَاوَلهُ الأول نوع تعْيين فَلَا يكون نكرَة مُطلقًا وَهُوَ معنى قَول ابْن عَبَّاس ﵄ لن يغلب عسر يسرين فَإِن الله تَعَالَى ذكر الْيُسْر مُنْكرا وَأَعَادَهُ مُنْكرا وَذكر الْعسر مُعَرفا بِالْألف وَاللَّام وَلَو كَانَ إِطْلَاق اسْم النكرَة يُوجب الْعُمُوم لم يكن الثَّانِي غير الأول بِمَنْزِلَة اسْم الْجِنْس وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة إِذا أقرّ بِمِائَة دِرْهَم فِي موطن وَأشْهد شَاهِدين ثمَّ أقرّ بِمِائَة فِي موطن آخر وَأشْهد شَاهِدين كَانَ الثَّانِي غير الأول وَلَو كتب صكا فِيهِ إِقْرَار بِمِائَة وَأشْهد شَاهِدين فِي مجْلِس ثمَّ شَاهِدين فِي مجْلِس آخر كَانَ المَال وَاحِدًا لِأَنَّهُ حِين أضَاف الْإِقْرَار إِلَى مَا فِي الصَّك صَار الثَّانِي مُعَرفا فَيتَنَاوَل مَا يتَنَاوَلهُ الأول فَقَط كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ وَلَو كَانَ فِي مجْلِس وَاحِد أقرّ مرَّتَيْنِ فَإِن الْعَام إِذا أُعِيد بصيغته فَالثَّانِي
стр. 152
لَا يتَنَاوَل إِلَّا مَا يتَنَاوَلهُ الأول فَالْمَال وَاحِد اسْتِحْسَانًا لِأَن للمجلس تَأْثِيرا فِي جمع الْكَلِمَات المتفرقة وَجعلهَا ككلمة وَاحِدَة فباعتباره يكون الثَّانِي مُعَرفا من وَجه وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي المجلسين كَذَلِك بِاعْتِبَار الْعَادة لِأَن الْإِنْسَان يُكَرر الْإِقْرَار الْوَاحِد بَين يَدي كل فريق من الشُّهُود لِمَعْنى الاستيثاق وَالْمَال مَعَ الشَّك لَا يجب فلاحتمال الْإِعَادَة بطرِيق الْعَادة لم يلْزمه إِلَّا مَال وَاحِد
ثمَّ هَذِه النكرَة تحْتَمل معنى الْعُمُوم إِذا اتَّصل بهَا دَلِيل الْعُمُوم وَذَلِكَ أَنْوَاع مِنْهَا النكرَة فِي مَوضِع النَّفْي فَإِنَّهَا تعم قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ وَالرجل يَقُول مَا رَأَيْت رجلا الْيَوْم فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ نفي هَذَا الْجِنْس على الْعُمُوم وَهَذَا التَّعْمِيم لَيْسَ بِصِيغَة النكرَة بل لمقتضاها وَبِه تبين معنى الْفرق بَين النكرَة فِي الْإِثْبَات والنكرة فِي النَّفْي لِأَن فِي مَوضِع الْإِثْبَات الْمَقْصُود إِثْبَات الْمُنكر وَفِي مَوضِع النَّفْي الْمَقْصُود نفي الْمُنكر فالصيغة فِي الْمَوْضِعَيْنِ تعْمل فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود إِلَّا أَن من ضَرُورَة نفي رُؤْيَة رجل مُنكر نفي رُؤْيَة جنس الرِّجَال فَإِنَّهُ بعد رُؤْيَة رجل وَاحِد لَو قَالَ مَا رَأَيْت الْيَوْم رجلا كَانَ كَاذِبًا أَلا ترى أَنه لَو أخبر بضده فَقَالَ رَأَيْت الْيَوْم رجلا كَانَ صَادِقا وَلَيْسَ من ضَرُورَة إِثْبَات رُؤْيَة رجل وَاحِد إِثْبَات رُؤْيَة غَيره فَهَذَا معنى قَوْلنَا النكرَة فِي النَّفْي تعم وَفِي الْإِثْبَات تخص
وَمِمَّا يدل على الْعُمُوم فِي النكرَة الْألف وَاللَّام إِذا اتصلا بنكرة لَيْسَ فِي جِنْسهَا مَعْهُود قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾
стр. 153
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ لما اتَّصل الْألف وَاللَّام بنكرة لَيْسَ فِي جِنْسهَا مَعْهُود أوجب الْعُمُوم وَلِهَذَا قُلْنَا لَو قَالَ الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق تطلق كل امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا وَلَو قَالَ العَبْد الَّذِي يدْخل الدَّار من عَبِيدِي حر يعْتق كل عبد يدْخل الدَّار وَهَذَا لِأَن الْألف وَاللَّام للمعهود وَلَيْسَ هُنَا مَعْهُود فَيكون بِمَعْنى الْجِنْس مجَازًا كَالرّجلِ يَقُول فلَان يحب الدِّينَار وَمرَاده الْجِنْس وَفِي الْجِنْس معنى الْعُمُوم كَمَا بَينا وعَلى هَذَا لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت الطَّلَاق أَو أَنْت طَالِق الطَّلَاق يحْتَمل معنى الْعُمُوم فِيهِ حَتَّى إِذا نوى الثَّلَاث تقع الثَّلَاث وَلَكِن بِدُونِ النِّيَّة يتَنَاوَل الْوَاحِدَة لِأَنَّهَا أدنى الْجِنْس وَهِي الْمُتَيَقن بهَا وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات لَو وكل وَكيلا بشرَاء الثِّيَاب يَصح التَّوْكِيل بِدُونِ بَيَان الْجِنْس لِأَن عِنْد ذكر الْألف وَاللَّام يصير هَذَا بِمَعْنى الْجِنْس فَيتَنَاوَل الْأَدْنَى بِخِلَاف مَا لَو قَالَ ثيابًا أَو أثوابا فَإِن التَّوْكِيل لَا يكون صَحِيحا لجَهَالَة الْجِنْس فِيمَا يتَنَاوَلهُ التَّوْكِيل
وَمن الدَّلِيل على التَّعْمِيم فِي النكرَة إِلْحَاق وصف عَام بهَا حَتَّى إِذا قَالَ وَالله لَا أكلم إِلَّا رجلا عَالما كَانَ لَهُ أَن يكلم كل عَالم لِأَن الْمُسْتَثْنى نكرَة فِي الْإِثْبَات وَلكنهَا مَوْصُوفَة بِصفة عَامَّة بِخِلَاف مَا لَو قَالَ إِلَّا رجلا فَكلم رجلَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْنَث وَلَو قَالَ لامرأتين لَهُ وَالله لَا أقربكما إِلَّا يَوْمًا فالمستثنى يَوْم وَاحِد وَلَو قَالَ إِلَّا يَوْم أقربكما فِيهِ فَكل يَوْم يقربهما فِيهِ يكون مُسْتَثْنى لَا يَحْنَث بِهِ لِأَنَّهُ وصف النكرَة بِصفة عَامَّة
وَمن جنس النكرَة كلمة أَي فَإِنَّهَا للخصوص بِاعْتِبَار أصل الْوَضع يَقُول أَي رجل أَتَاك وَأي دَار تريدها وَالْمرَاد الْفَرد فَقَط وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾ وَالْمرَاد الْفَرد من المخاطبين بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿يأتيني﴾ فَإِنَّهُ لم يقل يأتوني وعَلى هَذَا لَو قَالَ لرجل أَي عَبِيدِي ضَربته فَهُوَ حر فضربهم لم يعْتق إِلَّا وَاحِد مِنْهُم لِأَن كلمة أَي يتَنَاوَل الْفَرد مِنْهُم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو قَالَ أَي عَبِيدِي ضربك فَهُوَ حر فضربوه عتقوا جَمِيعًا قُلْنَا نعم وَلَكِن كلمة أَي تتَنَاوَل الْفَرد مِمَّا يقرن بِهِ من النكرَة فَإِذا قَالَ ضربك فَإِنَّمَا يتَنَاوَل نكرَة مَوْصُوفَة بِفعل الضَّرْب وَهَذِه الصّفة عَامَّة إِلَى الْمُخَاطب لَا إِلَى النكرَة الَّتِي تتناولها كلمة أَي فَبَقيت نكرَة غير مَوْصُوفَة فَلهَذَا لَا تتَنَاوَل إِلَّا الْوَاحِد مِنْهُم وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى أَي فيتعمم بتعميم
стр. 154
الصّفة فيعتقون جَمِيعًا وَإِذا قَالَ ضَربته فَإِنَّمَا أضَاف الضَّرْب الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن وَالْمرَاد أَحدهمَا بِدَلِيل قَوْله ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَالْمرَاد بِهِ الْعُمُوم لِأَنَّهُ وصف النكرَة بِحسن الْعَمَل وَهِي صفة عَامَّة
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو قَالَ لعبيده أَيّكُم حمل هَذِه الْخَشَبَة فَهُوَ حر فحملوها جَمِيعًا مَعًا والخشبة يُطيق حملهَا وَاحِد لم يعْتق وَاحِد مِنْهُم وَقد وصف النكرَة هُنَا بِصفة عَامَّة وَهُوَ الْحمل قُلْنَا مَا وصف النكرَة بِصفة الْحمل مُطلقًا بل بِحمْل الْخَشَبَة وَإِذا حملوها مَعًا فَكل وَاحِد مِنْهُم إِنَّمَا حمل بَعْضهَا وبوجود بعض الشَّرْط لَا ينزل شَيْء من الْجَزَاء حَتَّى لَو حملوها على التَّعَاقُب عتقوا جَمِيعًا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم حمل الْخَشَبَة والنكرة الموصوفة تكون عَامَّة
فَإِن قيل إِذا كَانَت الْخَشَبَة بِحَيْثُ لَا يُطيق حملهَا وَاحِد مِنْهُم عتقوا جَمِيعًا إِذا حملوها وَإِنَّمَا حمل كل وَاحِد مِنْهُم بَعْضهَا قُلْنَا إِذا كَانَت لَا يُطيق حملهَا وَاحِد فَقَط علمنَا أَنه وصف النكرَة بِأَصْل الْحمل لَا بِحمْل الْخَشَبَة وَإِنَّمَا علمنَا هَذَا من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِنَّمَا يحث العبيد على مَا يتَحَقَّق مِنْهُم دون مَا لَا يتَحَقَّق وَالثَّانِي أَن مَقْصُوده إِذا كَانَت بِحَيْثُ يحملهَا وَاحِد معرفَة جلادتهم وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك بِحمْل الْوَاحِد الْخَشَبَة لَا بِمُطلق الْحمل وَإِذا كَانَت بِحَيْثُ لَا يحملهَا وَاحِد فمقصوده أَن تصير الْخَشَبَة مَحْمُولَة إِلَى مَوضِع حَاجته وَإِنَّمَا يحصل هَذَا بِمُطلق فعل الْحمل من كل وَاحِد مِنْهُم فَهَذَا وَجه الْفرق بَين هَذِه الْفُصُول
فصل
وَأما حكم الْمُشْتَرك فالتوقف فِيهِ إِلَى أَن يظْهر المُرَاد بِالْبَيَانِ على اعْتِقَاد أَن مَا هُوَ المُرَاد حق وَيشْتَرط أَن لَا يتْرك طلب المُرَاد بِهِ إِمَّا بِالتَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَة أَو الْوُقُوف على دَلِيل آخر بِهِ يتَبَيَّن المُرَاد لِأَن كَلَام الْحَكِيم لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة وَإِذا كَانَ الْمُشْتَرك
стр. 155
مَا يحْتَمل مَعَاني على وَجه التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال مَعَ علمنَا أَن المُرَاد وَاحِد مِنْهَا لَا جَمِيعهَا فَإِن الِاشْتِرَاك عبارَة عَن التَّسَاوِي وَذَلِكَ إِمَّا فِي الِاجْتِمَاع فِي التَّنَاوُل أَو فِي احْتِمَال التَّنَاوُل وَقد انْتَفَى معنى التَّسَاوِي فِي التَّنَاوُل فَتعين معنى التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال وَوَجَب اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد لِأَن ذَلِك فَائِدَة كَلَام الْحَكِيم ثمَّ يجب الِاشْتِغَال بِطَلَبِهِ ولطلبه طَرِيقَانِ إِمَّا التَّأَمُّل بالصيغة ليتبين بِهِ المُرَاد أَو طلب دَلِيل آخر يعرف بِهِ المُرَاد وبالوقوف على المُرَاد يَزُول معنى الِاحْتِمَال على التَّسَاوِي فَلهَذَا يجب ذَلِك بِحكم الصِّيغَة الْمُشْتَركَة وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله غصبت من فلَان شَيْئا فَإِن أصل الْإِقْرَار يَصح وَيجب بِهِ حق للْمقر لَهُ على الْمقر إِلَّا أَن فِي اسْم الشَّيْء احْتِمَالا فِي كل مَوْجُود على التَّسَاوِي وَلَكِن بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَة الْكَلَام يعلم أَن مُرَاده المَال لِأَنَّهُ قَالَ غصبت وَحكم الْغَصْب لَا يثبت شرعا إِلَّا فِيمَا هُوَ مَال وَلَكِن لَا يعرف جنس ذَلِك المَال وَلَا مِقْدَاره بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَة الْكَلَام فَيرجع فِيهِ إِلَى بَيَان الْمقر حَتَّى يجْبر على الْبَيَان وَيقبل قَوْله إِذا بَين مَا هُوَ مُحْتَمل
وَأما حكم المؤول فوجوب الْعَمَل بِهِ على حسب وجوب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ إِلَّا أَن وجوب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ ثَابت قطعا وَوُجُوب الْعَمَل بالمؤول ثَابت مَعَ احْتِمَال السَّهْو والغلط فِيهِ فَلَا يكون قطعا بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن طَرِيقه غَالب الرَّأْي وَذَلِكَ لَا يَنْفَكّ عَن احْتِمَال السَّهْو والغلط وَبَيَان هَذَا فِيمَن أَخذ مَاء الْمَطَر فِي إِنَاء فَإِنَّهُ يلْزمه التَّوَضُّؤ بِهِ وَيحكم بِزَوَال الْحَدث بِهِ قطعا وَلَو وجد مَاء فِي مَوضِع فغلب على ظَنّه أَنه طَاهِر يلْزمه التَّوَضُّؤ بِهِ على احْتِمَال السَّهْو والغلط حَتَّى إِذا تبين أَن المَاء نجس يلْزمه إِعَادَة الْوضُوء وَالصَّلَاة وَأكْثر مسَائِل التَّحَرِّي على هَذَا
ﷺ َ - بَاب أَسمَاء صِيغَة الْخطاب فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاء وأحكامها ﷺ َ - هَذِه الْأَسْمَاء أَرْبَعَة الظَّاهِر وَالنَّص والمفسر والمحكم وَلها أضداد أَرْبَعَة الْخَفي والمشكل والمجمل والمتشابه
أما الظَّاهِر فَهُوَ مَا يعرف المُرَاد مِنْهُ بِنَفس السماع من غير تَأمل وَهُوَ الَّذِي يسْبق
стр. 156
إِلَى الْعُقُول والأوهام لظُهُوره مَوْضُوعا فِيمَا هُوَ المُرَاد مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَهَذَا وَنَحْوه ظَاهر يُوقف على المُرَاد مِنْهُ بِسَمَاع الصِّيغَة وَحكمه لُزُوم مُوجبه قطعا عَاما كَانَ أَو خَاصّا
وَأما النَّص فَمَا يزْدَاد وضوحا بِقَرِينَة تقترن بِاللَّفْظِ من الْمُتَكَلّم لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُوجب ذَلِك ظَاهرا بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَة وَزعم بعض الْفُقَهَاء أَن اسْم النَّص لَا يتَنَاوَل إِلَّا الْخَاص وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن اشتقاق هَذِه الْكَلِمَة من قَوْلك نصصت الدَّابَّة إِذا حملتها على سير فَوق السّير الْمُعْتَاد مِنْهَا بِسَبَب باشرته وَمِنْه المنصة فَإِنَّهُ اسْم للعرش الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْعَرُوس فَيَزْدَاد ظهورا بِنَوْع تكلّف فَعرفنَا أَن النَّص مَا يزْدَاد وضوحا لِمَعْنى من الْمُتَكَلّم يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة بِالظَّاهِرِ عَاما كَانَ أَو خَاصّا إِلَّا أَن تِلْكَ الْقَرِينَة لما اخْتصّت بِالنَّصِّ دون الظَّاهِر جعل بَعضهم الِاسْم للخاص فَقَط
وَقَالَ بَعضهم النَّص يكون مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ السِّيَاق لَهُ فَلَا يثبت بِهِ مَا هُوَ مُوجب الظَّاهِر وَلَيْسَ كَذَلِك عندنَا فَإِن الْعبْرَة لعُمُوم الْخطاب لَا لخُصُوص السَّبَب عندنَا على مَا نبينه فَيكون النَّص ظَاهرا لصيغة الْخطاب نصا بِاعْتِبَار الْقَرِينَة الَّتِي كَانَ السِّيَاق لأَجلهَا وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي إِطْلَاق البيع نَص فِي الْفرق بَين البيع والربا بِمَعْنى الْحل وَالْحُرْمَة لِأَن السِّيَاق كَانَ لأَجله لِأَنَّهَا نزلت ردا على الْكَفَرَة فِي دَعوَاهُم الْمُسَاوَاة بَين البيع والربا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ ظَاهر فِي تَجْوِيز نِكَاح مَا يستطيبه الْمَرْء من النِّسَاء نَص فِي بَيَان الْعدَد لِأَن سِيَاق الْآيَة لذَلِك بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ نَص فِي الْأَمر بمراعاة وَقت السّنة عِنْد إِرَادَة الْإِيقَاع لِأَن السِّيَاق كَانَ لأجل ذَلِك ظَاهر فِي الْأَمر بِأَن لَا يزِيد على تَطْلِيقَة وَاحِدَة (فَإِن امْتِثَال هَذِه الصِّيغَة يكون بقوله طلقت وَبِهَذَا اللَّفْظ لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا وَاحِدَة وَالْأَمر مُوجب)
стр. 157
الِامْتِثَال ظَاهرا فَتبين بِهَذَا أَن مُوجب النَّص مَا هُوَ مُوجب الظَّاهِر وَلكنه يزْدَاد على الظَّاهِر فِيمَا يرجع إِلَى الوضوح وَالْبَيَان بِمَعْنى عرف من مُرَاد الْمُتَكَلّم وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة وَيكون النَّص أولى من الظَّاهِر
وَأما الْمُفَسّر فَهُوَ اسْم للمكشوف الَّذِي يعرف المُرَاد بِهِ مكشوفا على وَجه لَا يبْقى مَعَه احْتِمَال التَّأْوِيل فَيكون فَوق الظَّاهِر وَالنَّص لِأَن احْتِمَال التَّأْوِيل قَائِم فيهمَا مُنْقَطع فِي الْمُفَسّر سَوَاء كَانَ ذَلِك مِمَّا يرجع إِلَى صِيغَة الْكَلَام بِأَن لَا يكون مُحْتملا إِلَّا وَجها وَاحِدًا وَلكنه لُغَة عَرَبِيَّة أَو اسْتِعَارَة دقيقة فَيكون مكشوفا بِبَيَان الصِّيغَة أَو يكون بِقَرِينَة من غير الصِّيغَة فيتبين بِهِ المُرَاد بالصيغة لَا لِمَعْنى من الْمُتَكَلّم فَيَنْقَطِع بِهِ احْتِمَال التَّأْوِيل إِن كَانَ خَاصّا وَاحْتِمَال التَّخْصِيص إِن كَانَ عَاما مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فَإِن اسْم الْمَلَائِكَة عَام فِيهِ احْتِمَال الْخُصُوص فبقوله ﴿كلهم﴾ يَنْقَطِع هَذَا الِاحْتِمَال وَيبقى احْتِمَال الْجمع والافتراق فبقوله ﴿أَجْمَعُونَ﴾ يَنْقَطِع احْتِمَال تَأْوِيل الِافْتِرَاق وَتبين أَن الْمُفَسّر حكمه زَائِد على حكم النَّص وَالظَّاهِر فَكَانَ ملزما مُوجبه قطعا على وَجه لَا يبْقى فِيهِ احْتِمَال التَّأْوِيل وَلَكِن يبْقى احْتِمَال النّسخ
وَأما الْمُحكم فَهُوَ زَائِد على مَا قُلْنَا بِاعْتِبَار أَنه لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النّسخ والتبديل وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلك بِنَاء مُحكم أَي مَأْمُون الانتقاض وأحكمت الصِّيغَة أَي أمنت نقضهَا وتبديلها وَقيل بل هُوَ مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل أحكمت فلَانا عَن كَذَا أَي رَددته قَالَ الْقَائِل أبني حنيفَة أحكموا سفهاءكم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا أَي امنعوا وَمِنْه حِكْمَة الْفرس لِأَنَّهَا تَمنعهُ من العثار وَالْفساد فالمحكم مُمْتَنع من احْتِمَال التَّأْوِيل وَمن أَن يرد عَلَيْهِ النّسخ والتبديل وَلِهَذَا سمى الله تَعَالَى المحكمات أم الْكتاب أَي الأَصْل الَّذِي يكون الْمرجع إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة الْأُم للْوَلَد فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْهَا وَسميت مَكَّة أم الْقرى لِأَن النَّاس يرجعُونَ إِلَيْهَا لِلْحَجِّ وَفِي آخر الْأَمر نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فقد علم أَن هَذَا (وصف) دَائِم
стр. 158
والمرجع مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال التَّأْوِيل وَلَا احْتِمَال النّسخ والتبديل وَذَلِكَ لَا يحْتَمل السُّقُوط بِحَال وَإِنَّمَا يظْهر التَّفَاوُت فِي مُوجب هَذِه الْأَسَامِي عِنْد التَّعَارُض وَفَائِدَته ترك الْأَدْنَى بالأعلى وترجيح الْأَقْوَى على الأضعف وَلِهَذَا أَمْثِلَة فِي الْآثَار إِذا تَعَارَضَت نذكرها فِي بَيَان أَقسَام الْأَخْبَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأَمْثَاله من مسَائِل الْفِقْه مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِيمَن تزوج امْرَأَة شهرا فَإِنَّهُ يكون ذَلِك مُتْعَة لَا نِكَاحا لِأَن قَوْله تزوجت نَص للنِّكَاح وَلَكِن احْتِمَال الْمُتْعَة قَائِم فِيهِ وَقَوله شهرا مُفَسّر فِي الْمُتْعَة لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النِّكَاح فَإِن النِّكَاح لَا يحْتَمل التَّوْقِيت بِحَال فَإِذا اجْتمعَا فِي الْكَلَام رجحنا الْمُفَسّر وحملنا النَّص على ذَلِك الْمُفَسّر فَكَانَ مُتْعَة لَا نِكَاحا
وَقَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ الرجل لآخر لي عَلَيْك ألف دِرْهَم فَقَالَ الْحق أَو الصدْق أَو الْيَقِين كَانَ إِقْرَارا وَلَو قَالَ الْبر أَو الصّلاح لَا يكون إِقْرَارا فَإِن قَالَ الْبر الْحق أَو الْبر الصدْق أَو الْبر الْيَقِين كَانَ إِقْرَارا وَلَو قَالَ الصّلاح الْحق أَو الصّلاح الصدْق أَو الصّلاح الْيَقِين يكون ردا لكَلَامه وَلَا يكون إِقْرَارا لِأَن الْحق والصدق وَالْيَقِين صفة للْخَبَر ظَاهرا فَإِذا ذكره فِي مَوضِع الْجَواب كَانَ مَحْمُولا على الْخَبَر الَّذِي هُوَ تَصْدِيق بِاعْتِبَار الظَّاهِر مَعَ احْتِمَال فِيهِ وَهُوَ إِرَادَة ابْتِدَاء الْكَلَام أَي الصدْق أولى بك أَو الْحق أَو الْيَقِين أولى بالاشتغال من دَعْوَى الْبَاطِل فَأَما الْبر فَهُوَ اسْم لجَمِيع أَنْوَاع الْإِحْسَان لَا يخْتَص بالْخبر فَهُوَ وَإِن ذكر فِي مَوضِع الْجَواب يكون بِمَنْزِلَة الْمُجْمل لَا يفهم مِنْهُ الْجَواب عِنْد الِانْفِرَاد فَإِن قرن بِهِ مَا يكون ظَاهره للجواب وَذَلِكَ الصدْق أَو الْحق أَو الْيَقِين حمل ذَلِك الْمُجْمل على هَذَا الْبَيَان الظَّاهِر فَيكون إِقْرَارا فَأَما الصّلاح لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الْخَبَر بل هُوَ مُحكم فِي أَنه ابْتِدَاء كَلَام لَا جَوَاب فَيحمل مَا يقرن بِهِ من الظَّاهِر على هَذَا الْمُحكم وَيجْعَل ذَلِك ردا لكَلَامه وَابْتِدَاء أَمر لَهُ بِاتِّبَاع الصّلاح وَترك دَعْوَى الْبَاطِل
стр. 159
وَأما الْخَفي فَهُوَ اسْم لما اشْتبهَ مَعْنَاهُ وخفي المُرَاد مِنْهُ بِعَارِض فِي الصِّيغَة يمْنَع نيل المُرَاد بهَا إِلَّا بِالطَّلَبِ مَأْخُوذ من قَوْلهم اختفى فلَان إِذا استتر فِي وَطنه وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُوقف عَلَيْهِ بِعَارِض حِيلَة أحدثه إِلَّا بالمبالغة فِي الطّلب من غير أَن يُبدل نَفسه أَو مَوْضِعه وَهُوَ ضد الظَّاهِر وَقد جعل بَعضهم ضد الظَّاهِر الْمُبْهم وَفَسرهُ بِهَذَا الْمَعْنى أَيْضا مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل ليل بهيم إِذا عَم الظلام فِيهِ كل شَيْء حَتَّى لَا يهتدى فِيهِ إِلَّا بِحَدّ التَّأَمُّل
قَالَ ﵁ وَلَكِنِّي اخْتَرْت الأول لِأَن اسْم الْمُبْهم يتَنَاوَل الْمُطلق لُغَة تَقول الْعَرَب فرس بهيم أَي مُطلق اللَّوْن
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أبهموا مَا أبهم الله تَعَالَى أَي أطْلقُوا مَا أطلق الله تَعَالَى وَلَا تقيدوا الْحُرْمَة فِي أُمَّهَات النِّسَاء بِالدُّخُولِ بالبنات
وَبَيَان مَا ذكرنَا من معنى الْخَفي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي السَّارِق الَّذِي لم يخْتَص باسم آخر سوى السّرقَة يعرف بِهِ خَفِي فِي الطرار والنباش فقد اختصا باسم آخر هُوَ سَبَب سرقتهما يعرفان بِهِ فَاشْتَبَهَ الْأَمر أَن اختصاصهما بِهَذَا الِاسْم لنُقْصَان فِي معنى السّرقَة أَو زِيَادَة فِيهَا وَلأَجل ذَلِك اخْتلف الْعلمَاء
قَالَ أَبُو يُوسُف اخْتِصَاص النباش باسم هُوَ سَبَب سَرقته لَا يدل على نُقْصَان فِي سَرقته كالطرار وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله السّرقَة اسْم لأخذ المَال على وَجه مسارقة عين حافظه مَعَ كَونه قَاصِدا إِلَى حفظه باعتراض غَفلَة لَهُ من نوم أَو غَيره والنباش يسارق عين من عَسى يهجم عَلَيْهِ مِمَّن لَيْسَ بحافظ للكفن وَلَا قَاصد إِلَى حفظه فَهُوَ يبين أَن اخْتِصَاصه بِهَذَا الِاسْم لنُقْصَان فِي معنى السّرقَة وَكَذَلِكَ فِي اسْم السّرقَة مَا ينبىء عَن خطر الْمَسْرُوق بِكَوْنِهِ محرزا مَحْفُوظًا وَفِي اسْم النباش مَا يَنْفِي هَذَا الْمَعْنى بل ينبىء عَن ضِدّه من الهوان وَترك الْإِحْرَاز والتعدية فِي مثل هَذَا لإِيجَاب الْعقُوبَة الَّتِي تدرأ بِالشُّبُهَاتِ بَاطِلَة فَأَما الطرار فاختصاصه بذلك الِاسْم لزِيَادَة حذق ولطف مِنْهُ فِي جِنَايَته فَإِنَّهُ يسارق عين من يكون مُقبلا على الْحِفْظ قَاصِدا لذَلِك بفترة تعتريه فِي لَحْظَة فَذَلِك ينبىء عَن مُبَالغَة فِي جِنَايَة السّرقَة وتعدية الحكم بِمثلِهِ مُسْتَقِيم فِي الْحُدُود لِأَنَّهُ إِثْبَات حكم النَّص بطرِيق الأولى بِمَنْزِلَة حُرْمَة الشتم وَالضَّرْب بِالنَّصِّ الْمحرم للتأفيف
стр. 160
ثمَّ حكم الْخَفي اعْتِقَاد الحقية فِي المُرَاد وَوُجُوب الطّلب إِلَى أَن يتَبَيَّن المُرَاد وفوقه الْمُشكل وَهُوَ ضد النَّص مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل أشكل على كَذَا أَي دخل فِي أشكاله وَأَمْثَاله كَمَا يُقَال أحرم أَي دخل فِي الْحرم وأشتى أَي دخل فِي الشتَاء وأشأم أَي دخل الشَّام وَهُوَ اسْم لما يشْتَبه المُرَاد مِنْهُ بِدُخُولِهِ فِي أشكاله على وَجه لَا يعرف المُرَاد إِلَّا بِدَلِيل يتَمَيَّز بِهِ من بَين سَائِر الأشكال والمشكل قريب من الْمُجْمل وَلِهَذَا خَفِي على بَعضهم فَقَالُوا الْمُشكل والمجمل سَوَاء وَلَكِن بَينهمَا فرق فالتمييز بَين الأشكال ليوقف على المُرَاد قد يكون بِدَلِيل آخر وَقد يكون بالمبالغة فِي التَّأَمُّل حَتَّى يظْهر بِهِ الرَّاجِح فيتبين بِهِ المُرَاد فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من الْخَفي وَلكنه فَوْقه فهناك الْحَاجة إِلَى التَّأَمُّل فِي الصِّيغَة وَفِي أشكالها وَحكمه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد ثمَّ الإقبال على الطّلب والتأمل فِيهِ إِلَى أَن يتَبَيَّن المُرَاد فَيعْمل بِهِ
وَأما الْمُجْمل فَهُوَ ضد الْمُفَسّر مَأْخُوذ من الْجُمْلَة وَهُوَ لفظ لَا يفهم المُرَاد مِنْهُ إِلَّا باستفسار من الْمُجْمل وَبَيَان من جِهَته يعرف بِهِ المُرَاد وَذَلِكَ إِمَّا لتوحش فِي معنى الِاسْتِعَارَة أَو فِي صِيغَة عَرَبِيَّة مِمَّا يُسَمِّيه أهل الْأَدَب لُغَة غَرِيبَة والغريب اسْم لمن فَارق وَطنه وَدخل فِي جملَة النَّاس فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُوقف على أَثَره إِلَّا بالاستفسار عَن وَطنه مِمَّن يعلم بِهِ وموجبه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد والتوقف فِيهِ إِلَى أَن يتَبَيَّن بِبَيَان الْمُجْمل ثمَّ استفساره ليبينه بِمَنْزِلَة من ضل عَن الطَّرِيق وَهُوَ يَرْجُو أَن يُدْرِكهُ بالسؤال مِمَّن لَهُ معرفَة بِالطَّرِيقِ أَو بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا ظهر لَهُ مِنْهُ فَيحْتَمل أَن يدْرك بِهِ الطَّرِيق
وَتبين أَن الْمُجْمل فَوق الْمُشكل فَإِن المُرَاد فِي الْمُشكل قَائِم وَالْحَاجة إِلَى تَمْيِيزه من أشكاله وَالْمرَاد فِي الْمُجْمل غير قَائِم وَلَكِن فِيهِ توهم معرفَة المُرَاد بِالْبَيَانِ وَالتَّفْسِير وَذَلِكَ الْبَيَان دَلِيل آخر غير مُتَّصِل بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا أَن يكون لفظ الْمُجْمل فِيهِ غَلَبَة الِاسْتِعْمَال لِمَعْنى فَحِينَئِذٍ يُوقف على المُرَاد بذلك الطَّرِيق بِمَنْزِلَة الْغَرِيب الَّذِي تأهل فِي غير بلدته وَصَارَ مَعْرُوفا فِيهَا فَإِنَّهُ يُوقف على أَثَره بِالطَّلَبِ فِي ذَلِك الْموضع
وَبَيَان مَا ذكرنَا من الْمُجْمل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِنَّهُ مُجمل لِأَن الرِّبَا عبارَة عَن الزِّيَادَة فِي أصل الْوَضع وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد ذَلِك فَإِن البيع مَا شرع إِلَّا للاسترباح وَطلب الزِّيَادَة
стр. 161
وَلَكِن المُرَاد حُرْمَة البيع بِسَبَب فضل خَال عَن الْعِوَض مَشْرُوط فِي العقد وَذَلِكَ فضل مَال أَو فضل حَال على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَمَعْلُوم أَن بِالتَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَة لَا يعرف هَذَا بل بِدَلِيل آخر فَكَانَ مُجملا فِيمَا هُوَ المُرَاد وَكَذَلِكَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة فهما مجملان لِأَن الصِّيغَة فِي أصل الْوَضع للدُّعَاء والنماء وَلَكِن بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال شرعا فِي أَعمال مَخْصُوصَة يُوقف على المُرَاد بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ
وَأما الْمُتَشَابه فَهُوَ اسْم لما انْقَطع رَجَاء معرفَة المُرَاد مِنْهُ لمن اشْتبهَ فِيهِ عَلَيْهِ وَالْحكم فِيهِ اعْتِقَاد الحقية وَالتَّسْلِيم بترك الطّلب والاشتغال بِالْوُقُوفِ على المُرَاد مِنْهُ سمي متشابها عِنْد بَعضهم لاشتباه الصِّيغَة بهَا وتعارض الْمعَانِي فِيهَا وَهَذَا غير صَحِيح فالحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور من المتشابهات عِنْد أهل التَّفْسِير وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْمَعْنى وَلَكِن معرفَة المُرَاد فِيهِ مَا يشبه لَفظه وَمَا يجوز أَن يُوقف على المُرَاد فِيهِ وَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك لانْقِطَاع احْتِمَال معرفَة المُرَاد فِيهِ وَأَنه لَيْسَ لَهُ مُوجب سوى اعْتِقَاد الحقية فِيهِ وَالتَّسْلِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ فالوقف عندنَا فِي هَذَا الْموضع ثمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ ابْتِدَاء بِحرف الْوَاو لحسن نظم الْكَلَام وَبَيَان أَن الراسخ فِي الْعلم من يُؤمن بالمتشابه وَلَا يشْتَغل بِطَلَب المُرَاد فِيهِ بل يقف فِيهِ مُسلما هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ وَهَذَا لِأَن الْمُؤمنِينَ فريقان مبتلي بالإمعان فِي الطّلب لضرب من الْجَهْل فِيهِ ومبتلي عَن الْوُقُوف فِي الطّلب لكَونه مكرما بِنَوْع من الْعلم
وَمعنى الِابْتِلَاء من هَذَا الْوَجْه رُبمَا يزِيد على معنى الِابْتِلَاء فِي الْوَجْه الأول فَإِن فِي الِابْتِلَاء بِمُجَرَّد الِاعْتِقَاد مَعَ التَّوَقُّف فِي الطّلب بَيَان أَن مُجَرّد الْعقل لَا يُوجب شَيْئا وَلَا يدْفع شَيْئا فَإِنَّهُ يلْزمه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا لَا مجَال لعقله فِيهِ ليعرف أَن الحكم لله يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى فِي الِابْتِلَاء بِهَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي فِيهَا تفَاوت يَعْنِي الْمُجْمل والمشكل والخفي فَإِن الْكل لَو كَانَ ظَاهرا جليا بَطل معنى الامتحان ونيل الثَّوَاب بالجهد بِالطَّلَبِ وَلَو كَانَ الْكل مُشكلا خفِيا لم يعلم مِنْهُ شَيْء حَقِيقَة فَأثْبت الشَّرْع هَذَا التَّفَاوُت فِي صِيغَة الْخطاب لتحقيق الْقُلُوب إِلَى محبتهم لحاجتهم إِلَى الرُّجُوع إِلَيْهِم وَالْأَخْذ بقَوْلهمْ والاقتداء بهم
وَبَيَان مَا ذكرنَا من معنى الْمُتَشَابه من مسَائِل الْأُصُول أَن رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي الْآخِرَة حق مَعْلُوم ثَابت بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه﴾
стр. 162
معنى الامتحان وَإِظْهَار فَضِيلَة الراسخين فِي الْعلم وتعظيم حرمتهم وَصرف ﴿يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ ثمَّ هُوَ مَوْجُود بِصفة الْكَمَال وَفِي كَونه مرئيا لنَفسِهِ وَلغيره معنى الْكَمَال إِلَّا أَن الْجِهَة مُمْتَنع فَإِن الله تَعَالَى لَا جِهَة لَهُ فَكَانَ متشابها فِيمَا يرجع إِلَى كَيْفيَّة الرُّؤْيَة والجهة مَعَ كَون أصل الرُّؤْيَة ثَابتا بِالنَّصِّ مَعْلُوما كَرَامَة للْمُؤْمِنين فَإِنَّهُم أهل لهَذِهِ الْكَرَامَة والتشابه فِيمَا يرجع إِلَى الْوَصْف لَا يقْدَح فِي الْعلم بِالْأَصْلِ وَلَا يبطل وَكَذَلِكَ الْوَجْه وَالْيَد على مَا نَص الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن مَعْلُوم وَكَيْفِيَّة ذَلِك من الْمُتَشَابه فَلَا يبطل بِهِ الأَصْل الْمَعْلُوم
والمعتزلة خذلهم الله لاشتباه الْكَيْفِيَّة عَلَيْهِم أَنْكَرُوا الأَصْل فَكَانُوا معطلة بإنكارهم صِفَات الله تَعَالَى وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة نَصرهم الله أثبتوا مَا هُوَ الأَصْل الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ وتوقفوا فِيمَا هُوَ الْمُتَشَابه وَهُوَ الْكَيْفِيَّة فَلم يجوزوا الِاشْتِغَال بِطَلَب ذَلِك كَمَا وصف الله تَعَالَى بِهِ الراسخين فِي الْعلم فَقَالَ ﴿يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾
فصل فِي بَيَان الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
الْحَقِيقَة اسْم لكل لفظ هُوَ مَوْضُوع فِي الأَصْل لشَيْء مَعْلُوم مَأْخُوذ من قَوْلك حق يحِق فَهُوَ حق وحاق وحقيق وَلِهَذَا يُسمى أصلا أَيْضا لِأَنَّهُ أصل فِيمَا هُوَ مَوْضُوع لَهُ
وَالْمجَاز اسْم لكل لفظ هُوَ مستعار لشَيْء غير مَا وضع لَهُ مفعل من جَازَ يجوز سمي مجَازًا لتعديه عَن الْموضع الَّذِي وضع فِي الأَصْل لَهُ إِلَى غَيره وَمِنْه قَول الرجل لغيره حبك إيَّايَ مجَاز أَي هُوَ بِاللِّسَانِ دون الْقلب الَّذِي هُوَ مَوضِع الْحبّ فِي الأَصْل وَهَذَا الْوَعْد مِنْك مجَاز أَي الْقَصْد مِنْهُ الترويج دون التَّحْقِيق على مَا عَلَيْهِ وضع الْوَعْد فِي الأَصْل وَلِهَذَا يُسمى مستعارا لِأَن الْمُتَكَلّم بِهِ استعاره وبالاستعمال فِيمَا هُوَ مُرَاده بِمَنْزِلَة من اسْتعَار ثوبا للبس ولبسه وكل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ مَوْجُود فِي كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام النَّبِي ﷺ وَكَلَام النَّاس فِي الْخطب والأشعار وَغير ذَلِك
стр. 163
حَتَّى كَاد الْمجَاز يغلب الْحَقِيقَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَبِه اتَّسع اللِّسَان وَحسن مخاطبات النَّاس بَينهم
وَحكم الْحَقِيقَة وجود مَا وضع لَهُ أمرا كَانَ أَو نهيا خَاصّا كَانَ أَو عَاما وَحكم الْمجَاز وجود مَا استعير لأَجله كَمَا هُوَ حكم الْحَقِيقَة خَاصّا كَانَ أَو عَاما
وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵀ من قَالَ لَا عُمُوم للمجاز وَلِهَذَا قَالُوا إِن قَول رَسُول الله ﷺ لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء لَا يُعَارضهُ حَدِيث ابْن عمر ﵄ لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاع بالصاعين فَإِن المُرَاد بالصاع مَا يُكَال بِهِ وَهُوَ مجَاز لَا عُمُوم لَهُ وبالإجماع المطعوم مُرَاد بِهِ فَيخرج مَا سواهُ من أَن يكون مرَادا ويترجح قَوْله ﵇ لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِي مَوْضِعه فَيثبت الحكم بِهِ عَاما وَاسْتَدَلُّوا لإِثْبَات هَذِه الْقَاعِدَة بِأَن الْمصير إِلَى الْمجَاز لأجل الْحَاجة والضرورة فَأَما الأَصْل هُوَ الْحَقِيقَة فِي كل لفظ لِأَنَّهُ مَوْضُوع لَهُ فِي الأَصْل وَلِهَذَا لَا يُعَارض الْمجَاز الْحَقِيقَة بالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يصير اللَّفْظ فِي المتردد بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي حكم الْمُشْتَرك وَهَذِه الضَّرُورَة ترْتَفع بِدُونِ إِثْبَات حكم الْعُمُوم للمجاز فَكَانَ الْمجَاز فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَنْزِلَة مَا ثَبت بطرِيق الِاقْتِضَاء فَكَمَا لَا تثبت هُنَاكَ صفة الْعُمُوم لِأَن الضَّرُورَة ترْتَفع بِدُونِهِ فَكَذَلِك هَا هُنَا
وَلَكنَّا نقُول الْمجَاز أحد نَوْعي الْكَلَام فَيكون بِمَنْزِلَة نوع آخر فِي احْتِمَال الْعُمُوم وَالْخُصُوص لِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة لَيْسَ بِاعْتِبَار معنى الْحَقِيقَة بل بِاعْتِبَار دَلِيل آخر دلّ عَلَيْهِ فَإِن قَوْلنَا رجل اسْم لخاص فَإِذا قرن بِهِ الْألف وَاللَّام وَلَيْسَ هُنَاكَ مَعْهُود ينْصَرف إِلَيْهِ بِعَيْنِه كَانَ للْجِنْس فَيكون عَاما بِهَذَا الدَّلِيل وَكَذَا كل نكرَة إِذا قرن بهَا الْألف وَاللَّام فِيمَا لَا مَعْهُود فِيهِ يكون عَاما بِهَذَا الدَّلِيل وَقد وجد هَذَا الدَّلِيل فِي الْمجَاز وَالْمحل الَّذِي اسْتعْمل فِيهِ الْمجَاز قَابل للْعُمُوم فَتثبت بِهِ صفة الْعُمُوم بدليله كَمَا ثَبت فِي الْحَقِيقَة وَلِهَذَا جعلنَا قَوْله (وَلَا الصَّاع بالصاعين) عَاما لِأَن الصَّاع نكرَة قرن بهَا الْألف وَاللَّام وَمَا يحويه الصَّاع مَحل لصفة الْعُمُوم وَهَذَا
стр. 164
لِأَن الْمجَاز مستعار ليَكُون قَائِما مقَام الْحَقِيقَة عَاملا عمله وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا بِإِثْبَات صفة الْعُمُوم فِيهِ أَلا ترى أَن الثَّوْب الملبوس بطرِيق الْعَارِية يعْمل عمل الملبوس بطرِيق الْملك فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ دفع الْحر وَالْبرد وَلَو لم يَجْعَل كَذَلِك لَكَانَ الْمُتَكَلّم بالمجاز عَن اخْتِيَار مخلا بالغرض فَيكون مقصرا وَذَلِكَ غير مستحسن فِي الأَصْل وَقد ظهر اسْتِحْسَان النَّاس للمجازات والاستعارات فَوق استحسانهم للفظ الَّذِي هُوَ حَقِيقَة عرفنَا أَنه لَيْسَ فِي هَذِه الِاسْتِعَارَة تَقْصِير فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَأَن للمجاز من الْعَمَل مَا للْحَقِيقَة وَقَوْلهمْ إِن الْمجَاز يكون للضَّرُورَة بَاطِل فَإِن الْمجَاز مَوْجُود فِي كتاب الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ الْعَجز أَو الضَّرُورَة إِلَّا أَن التَّفَاوُت بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي اللُّزُوم والدوام من حَيْثُ إِن الْحَقِيقَة لَا تحْتَمل النَّفْي عَن موضعهَا وَالْمجَاز يحْتَمل ذَلِك وَهُوَ الْعَلامَة فِي معرفَة الْفرق بَينهمَا فَإِن اسْم الْأَب حَقِيقَة للْأَب الْأَدْنَى فَلَا يجوز نَفْيه عَنهُ بِحَال وَهُوَ مجَاز للْجدّ حَتَّى يجوز نَفْيه عَنهُ بِأَن يُقَال إِنَّه جد وَلَيْسَ بأب وَلِهَذَا تترجح الْحَقِيقَة عِنْد التَّعَارُض لِأَنَّهَا ألزم وأدوم وَالْمَطْلُوب بِكُل كلمة عِنْد الْإِطْلَاق مَا هِيَ مَوْضُوعَة لَهُ فِي الأَصْل فيترجح ذَلِك حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز بِمَنْزِلَة الملبوس يتَرَجَّح جِهَة الْملك للابس فِيهِ حَتَّى يقوم دَلِيل الْعَارِية إِلَّا إِذا كَانَت الْحَقِيقَة مهجورة فَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن الْمجَاز لمعْرِفَة الْقَصْد إِلَى تَصْحِيح الْكَلَام وَينزل ذَلِك منزلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء وَلِهَذَا قُلْنَا لَو حلف أَن لَا يَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة أَو من هَذَا الْقدر لَا ينْصَرف يَمِينه إِلَى عينهَا وَإِنَّمَا ينْصَرف إِلَى ثَمَرَة الشَّجَرَة وَمَا يطْبخ فِي الْقدر لِأَن الْحَقِيقَة مهجورة فَيتَعَيَّن الْمجَاز
وَلَو حلف لَا يَأْكُل من هَذِه الشَّاة ينْصَرف يَمِينه إِلَى لَحمهَا لَا إِلَى لَبنهَا وسمنها لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا غير مهجورة فَإِن عين الشَّاة تُؤْكَل فتترجح الْحَقِيقَة على الْمجَاز عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ
وَلَو حلف لَا يَأْكُل من هَذَا الدَّقِيق فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا يَحْنَث إِذا أكل الدَّقِيق بِعَيْنِه لِأَنَّهُ مَأْكُول وَالأَصَح أَنه لَا يَحْنَث لِأَن أكل عين الدَّقِيق مهجور فَيَنْصَرِف يَمِينه إِلَى الْمجَاز وَهُوَ مَا يتَّخذ مِنْهُ الْخبز وَصَارَ دَلِيل الِاسْتِثْنَاء بِهَذَا الدَّلِيل نَحْو دَلِيل الِاسْتِثْنَاء فِيمَن حلف أَن لَا يسكن هَذِه الدَّار وَهُوَ ساكنها فَأخذ فِي النقلَة فِي الْحَال فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَيصير
стр. 165
ذَلِك الْقدر من السُّكْنَى مُسْتَثْنى لمعْرِفَة مَقْصُوده وَهُوَ أَن يمْنَع نَفسه بِيَمِينِهِ عَمَّا فِي وَسعه دون مَا لَيْسَ فِي وَسعه وعَلى هَذَا لَو حلف لَا يُطلق وَقد كَانَ علق الطَّلَاق بِشَرْط قبل هَذِه الْيَمين فَوجدَ الشَّرْط لم يَحْنَث أَو كَانَ حلف بعد الْجرْح أَن لَا يقتل فَمَاتَ الْمَجْرُوح لم يَحْنَث وَيجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء بِمَعْرِِفَة مَقْصُوده
وَمن أَحْكَام الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لفظ وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة على أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مرَادا بِحَال لِأَن الْحَقِيقَة أصل وَالْمجَاز مستعار وَلَا تصور لكَون اللَّفْظ الْوَاحِد مُسْتَعْملا فِي مَوْضُوعه مستعارا فِي مَوضِع آخر سوى مَوْضُوعه فِي حَالَة وَاحِدَة كَمَا لَا تصور لكَون الثَّوْب الْوَاحِد على اللابس ملكا وعارية فِي وَقت وَاحِد وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ المُرَاد الْجِمَاع دون اللَّمْس بِالْيَدِ لِأَن الْجِمَاع مُرَاد بالِاتِّفَاقِ حَتَّى يجوز التَّيَمُّم للْجنب بِهَذَا النَّص وَلَا تَجْتَمِع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز مرَادا بِاللَّفْظِ فَإِذا كَانَ الْمجَاز مرَادا تتنحى الْحَقِيقَة وَلِهَذَا قُلْنَا النَّص الْوَارِد فِي تَحْرِيم الْخمر وَإِيجَاب الْحَد بشربه بِعَيْنِه لَا يتَنَاوَل سَائِر الْأَشْرِبَة المسكرة حَتَّى لَا يجب الْحَد بهَا مَا لم تسكر لِأَن الِاسْم للنيء من مَاء الْعِنَب المشتد حَقِيقَة ولسائر الْأَشْرِبَة المسكرة مجَازًا فَإِذا كَانَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ فِيمَن أوصى لبني فلَان أَو لأَوْلَاد فلَان وَله بنُون لصلبه وَأَوْلَاد الْبَنِينَ فَإِن أَوْلَاد الْبَنِينَ لَا يسْتَحقُّونَ شَيْئا لِأَن الْحَقِيقَة مُرَادة فيتنحى الْمجَاز
وَقَالَ فِي السّير إِذا استأمنوا على آبَائِهِم لَا يدْخل أجدادهم فِي ذَلِك وَإِذا استأمنوا على أمهاتهم لَا تدخل الْجدَّات فِي ذَلِك لِأَن الْحَقِيقَة مُرَادة فيتنحى الْمجَاز وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْجَامِع لَو أَن عَرَبيا لَا وَلَاء عَلَيْهِ أوصى لمواليه وَله معتقون ومعتق المعتقين فَإِن الْوَصِيَّة لمعتقه وَلَيْسَ لمعتق الْمُعْتق شَيْء لِأَن الِاسْم للمعتقين حَقِيقَة بِاعْتِبَار أَنه بَاشر سَبَب إحيائهم بإحداث قُوَّة الْمَالِكِيَّة فيهم بِالْإِعْتَاقِ لِأَن الْحُرِّيَّة حَيَاة وَالرّق تلف حكما فَكَانُوا منسوبين
стр. 166
إِلَيْهِ بِالْوَلَاءِ حَقِيقَة كنسبة الْوَلَد إِلَى أَبِيه وَأما مُعتق الْمُعْتق يُسمى مولى لَهُ مجَازًا لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ الأول جعله بِحَيْثُ يملك اكْتِسَاب سَبَب الْوَلَاء وَهُوَ الْإِعْتَاق فَيكون متسببا فِي الْوَلَاء الثَّانِي من هَذَا الْوَجْه وَيُسمى مولى لَهُ مجَازًا بطرِيق الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة فَإِذا صَارَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز حَتَّى لَو لم يكن لَهُ معتقون فَالْوَصِيَّة لموَالِي الموَالِي لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا غير مُرَادة فَيتَعَيَّن الْمجَاز وَلَو كَانَ لَهُ مُعتق وَاحِد وَالْوَصِيَّة بِلَفْظ الْجَمَاعَة فَاسْتحقَّ هُوَ نصف الثُّلُث كَانَ الْبَاقِي مردودا على الْوَرَثَة وَلَا يكون لموَالِي الموَالِي من ذَلِك شَيْء لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا مُرَادة وَلَو كَانَ للْمُوصي موَالٍ أَعلَى وأسفل لم تصح الْوَصِيَّة لِأَن الِاسْم مُشْتَرك وكل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ يحْتَمل أَن يكون مرَادا إِلَّا أَنه لَا وَجه للْجمع بَينهمَا وَإِثْبَات الْعُمُوم لاخْتِلَاف الْمَعْنى وَالْمَقْصُود فَيبْطل أصل الْوَصِيَّة وَمَعْلُوم أَن التغاير بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَفِي الِاسْم الْمُشْتَرك لَا تغاير بِاعْتِبَار أصل الْوَضع ثمَّ لم يجز هُنَاكَ أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مرَادا بِاللَّفْظِ فِي حَالَة وَاحِدَة فَلِأَن لَا يجوز ذَلِك فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أولى
فَإِن قيل هَذَا الأَصْل لَا يسْتَمر فِي الْمسَائِل فَإِن من حلف أَن لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان يَحْنَث إِذا دَخلهَا مَاشِيا كَانَ أَو رَاكِبًا حافيا كَانَ أَو منتعلا وَحَقِيقَة وضع الْقدَم فِيهَا إِذا كَانَ حافيا
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ يَوْم يقدم فلَان فامرأته كَذَا فَقدم لَيْلًا أَو نَهَارا يَقع الطَّلَاق وَالِاسْم للنهار حَقِيقَة ولليل مجَاز
وَلَو حلف لَا يدْخل دَار فلَان فَدخل دَارا يسكنهَا فلَان عَارِية أَو بِأَجْر يَحْنَث كَمَا لَو دخل دَارا مَمْلُوكَة لَهُ
وَفِي السّير قَالَ لَو استأمن على بنيه يدْخل بنوه وَبَنُو بنيه وَلَو استأمن على موَالِيه وَهُوَ مِمَّن لَا وَلَاء عَلَيْهِ يدْخل فِي الْأمان موَالِيه وموالي موَالِيه فقد جمعتم بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي هَذِه الْفُصُول
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم رَجَب وَنوى بِهِ الْيَمين كَانَ نذرا ويمينا وَاللَّفْظ للنذر حَقِيقَة ولليمين مجَاز
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا حلف أَن لَا يشرب من الْفُرَات فَأخذ المَاء من الْفُرَات فِي كوز فشربه يَحْنَث كَمَا لَو كرع فِي الْفُرَات وَلَو حلف
стр. 167
لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة فَأكل من خبزها يَحْنَث كَمَا لَو أكل عينهَا وَفِي هَذَا جمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي اللَّفْظ فِي حَالَة وَاحِدَة
قُلْنَا جَمِيع هَذِه الْمسَائِل تخرج مُسْتَقِيمًا على مَا ذكرنَا من الأَصْل عِنْد التَّأَمُّل فقد ذكرنَا أَن الْمَقْصُود مُعْتَبر وَأَنه ينزل ذَلِك منزلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء
فَفِي مَسْأَلَة وضع الْقدَم مَقْصُود الْحَالِف الِامْتِنَاع من الدُّخُول فَيصير بِاعْتِبَار مَقْصُوده كَأَنَّهُ حلف لَا يدْخل وَالدُّخُول قد يكون حافيا وَقد يكون منتعلا وَقد يكون رَاكِبًا فَعِنْدَ الدُّخُول حافيا يَحْنَث لَا بِاعْتِبَار حَقِيقَة وضع الْقدَم بل بِاعْتِبَار الدُّخُول الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا يَحْنَث فِي الْمَوَاضِع كلهَا لعُمُوم الْمجَاز لَا لعُمُوم الْحَقِيقَة
وَكَذَلِكَ قَوْله يَوْم يقدم فلَان فالمقصود بِذكر الْيَوْم هُنَا الْوَقْت لِأَنَّهُ قرن بِهِ مَا هُوَ غير ممتد وَلَا يخْتَص ببياض النَّهَار وَالْيَوْم إِنَّمَا يكون عبارَة عَن بَيَاض النَّهَار إِذا قرن بِمَا يَمْتَد ليصير معيارا لَهُ حَتَّى إِذا قَالَ أَمرك بِيَدِك يَوْم يقدم فلَان فَقدم لَيْلًا لَا يصير الْأَمر بِيَدِهَا وَكَذَلِكَ إِذا قرن بِمَا يخْتَص بِالنَّهَارِ كَقَوْلِه لله عَليّ أَن أَصوم الْيَوْم الَّذِي يقدم فِيهِ فلَان فَأَما إِذا قرن بِمَا لَا يَمْتَد وَلَا يخْتَص بِأحد الْوَقْتَيْنِ يكون عبارَة عَن الْوَقْت كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره﴾ وَاسم الْوَقْت يعم اللَّيْل وَالنَّهَار فلعموم الْمجَاز قُلْنَا بِأَنَّهَا تطلق فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى إِذا قَالَ لَيْلَة يقدم فلَان فَقدم نَهَارا لم تطلق لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا مُرَادة فيتنحى الْمجَاز
وَفِي مَسْأَلَة دُخُول دَار فلَان الْمَقْصُود إِضَافَة السُّكْنَى وَذَلِكَ يعم السُّكْنَى بطرِيق الْملك وَالْعَارِية وَإِذا دخل دَارا يسكنهَا فلَان بِالْملكِ إِنَّمَا يَحْنَث لعُمُوم الْمجَاز لَا للْملك حَتَّى لَو كَانَ السَّاكِن فِيهَا غير فلَان لم يَحْنَث وَإِن كَانَت مَمْلُوكَة لفُلَان
وَفِي مَسْأَلَتي السّير قِيَاس واستحسان فِي الْقيَاس يتَنَحَّى الْمجَاز فِي الْأمان كَمَا فِي الْوَصِيَّة وَفِي الِاسْتِحْسَان قَالَ الْمَقْصُود من الْأمان حقن الدَّم وَهُوَ مَبْنِيّ على التَّوَسُّع وَاسم الْأَبْنَاء والموالي من حَيْثُ الظَّاهِر يتَنَاوَل الْفُرُوع إِلَّا أَن الْحَقِيقَة تتقدم على الْمجَاز فِي كَونه مرَادا وَلَكِن مُجَرّد الصُّورَة تبقى شبهته فِي حقن الدَّم كَمَا ثَبت الْأمان بِمُجَرَّد الْإِشَارَة من الْفَارِس إِذا دَعَا الْكَافِر بهَا إِلَى نَفسه لصورة المسالمة وَإِن لم يكن ذَلِك حَقِيقَة
فَإِن قيل لماذا لم تعْتَبر هَذِه الصُّورَة فِي إِثْبَات الْأمان للأجداد والجدات عِنْد
стр. 168
الاستئمان على الْآبَاء والأمهات قُلْنَا لِأَن الْحَقِيقَة إِذا صَارَت مرَادا فاعتبار هَذِه الصُّورَة لثُبُوت الحكم فِي مَحل آخر يكون بطرِيق التّبعِيَّة لَا محَالة وَبَنُو الْبَنِينَ وموالي الموَالِي تلِيق صفة التّبعِيَّة بحالهم فَأَما الأجداد والجدات لَا يكونُونَ تبعا للآباء والأمهات وهم الْأُصُول فَلهَذَا ترك اعْتِبَار الصُّورَة هُنَاكَ فِي إِثْبَات الْأمان لَهُم فَأَما مَسْأَلَة النّذر فقد قيل معنى النّذر هُنَاكَ يثبت بِلَفْظ وَمعنى الْيَمين بِلَفْظ آخر فَإِن قَوْله لله عِنْد إِرَادَة الْيَمين كَقَوْلِه بِاللَّه إِذْ الْبَاء وَاللَّام تتعاقبان قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ دخل آدم الْجنَّة فَللَّه مَا غربت الشَّمْس حَتَّى خرج وَقَوله عَليّ نذر وَنحن إِنَّمَا أَنْكَرْنَا اجْتِمَاع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي لفظ وَاحِد مَعَ أَن تِلْكَ الْكَلِمَة نذر بصيغتها يَمِين بموجبها إِذا أَرَادَ الْيَمين لِأَن مُوجبهَا وجوب الْمَنْذُور بِهِ وَإِيجَاب الْمُبَاح يَمِين كتحريم الْحَلَال الْمُبَاح وَهُوَ نَظِير شِرَاء الْقَرِيب تملك بصيغته وإعتاق بِمُوجبِه
وَأما مَسْأَلَة الشّرْب من الْفُرَات فالحنث عِنْدهَا بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز لِأَن الْمَقْصُود شرب مَاء الْفُرَات وَلَا تَنْقَطِع هَذِه النِّسْبَة بِجعْل المَاء فِي الْإِنَاء وَعند الكرع إِنَّمَا يَحْنَث لِأَنَّهُ شرب مَاء الْفُرَات حَتَّى لَو تحول من الْفُرَات إِلَى نهر آخر لم يَحْنَث إِن شرب مِنْهُ لِأَن النِّسْبَة قد انْقَطَعت عَن الْفُرَات بالتحول إِلَى نهر آخر
وَأَبُو حنيفَة ﵀ اعْتبر الْحَقِيقَة قَالَ الشّرْب من الْفُرَات حَقِيقَة مُعْتَادَة غير مهجورة وَإِنَّمَا يتَنَاوَل هَذَا اللَّفْظ المَاء بطرِيق الْمجَاز عَن قَوْلهم جرى النَّهر أَي المَاء فِيهَا وَإِذا صَارَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة الْحِنْطَة أَبُو حنيفَة اعْتبر الظَّاهِر فَقَالَ عين الْحِنْطَة مَأْكُول وَهُوَ مُرَاد مَقْصُود فيتنحى الْمجَاز وهما جعلا ذكر الْحِنْطَة عبارَة عَمَّا فِي بَاطِنهَا مجَازًا للْعُرْف فَإِنَّهُ يُقَال أهل بَلْدَة كَذَا يَأْكُلُون الْحِنْطَة وَالْمرَاد مَا فِيهَا من عين الْحِنْطَة وَإِنَّمَا يَحْنَث لعُمُوم الْمجَاز وَهُوَ أَنه تنَاول مَا فِيهَا وَهَذَا مَوْجُود فِيمَا إِذا أكل من خبزها فَخرجت الْمسَائِل على هَذَا الْحَرْف وَهُوَ اعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز بِمَعْرِِفَة الْمَقْصُود لَا بِاعْتِبَار الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
стр. 169
قَالَ ﵁ وَقد رَأَيْت بعض الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابنَا ﵏ قَالُوا إِن الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لفظ وَاحِد فِي مَحل وَاحِد وَلَكِن فِي محلين مُخْتَلفين يجوز أَن يجتمعا وَهَذَا قريب بِشَرْط أَن لَا يكون الْمجَاز مزاحما للْحَقِيقَة مدخلًا للْجِنْس على صَاحب الْحَقِيقَة فَإِن الثَّوْب الْوَاحِد على اللابس يجوز أَن يكون نصفه ملكا وَنصفه عَارِية وَقد قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ إِنَّه يتَنَاوَل الْجدَّات وَبَنَات الْبَنَات وَالِاسْم للْأُم حَقِيقَة وللجدات مجَاز وَكَذَلِكَ اسْم الْبَنَات لبنات الصلب حَقِيقَة ولأولاد الْبَنَات مجَاز وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ فَإِنَّهُ مُوجب حُرْمَة مَنْكُوحَة الْجد كَمَا يُوجب حُرْمَة مَنْكُوحَة الْأَب فَعرفنَا أَنه يجوز الْجمع بَينهمَا فِي لفظ وَاحِد وَلَكِن فِي محلين مُخْتَلفين حَتَّى يكون حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَازًا فِي الْمحل الآخر وَهَذَا بِخِلَاف الْمُشْتَرك فالاحتمال هُنَاكَ بِاعْتِبَار مَعَاني مُخْتَلفَة وَلَا تصور لِاجْتِمَاع تِلْكَ الْمعَانِي فِي كلمة وَاحِدَة وَهنا تجمع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي احْتِمَال الصِّيغَة لكل وَاحِد مِنْهُمَا معنى وَاحِدًا وَهُوَ الْأَصَالَة فِي الْآبَاء والأجداد والأمهات والجدات والولاد فِي حق الْأَوْلَاد وَلَكِن بَعْضهَا بِوَاسِطَة وَبَعضهَا بِغَيْر وَاسِطَة فَيكون هَذَا نَظِير مَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ إِنَّه يتَنَاوَل جَمِيع أَجنَاس الأَرْض بِاعْتِبَار معنى يجمع الْكل وَهُوَ التصاعد من الأَرْض وَإِن كَانَ الِاسْم للتراب حَقِيقَة
وَبَيَان الْفرق بَين الْمُشْتَرك وَبَين الْمجَاز مَعَ الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِيمَا قَالَ فِي السّير لَو استأمن لمواليه وَله موَالٍ أَعلَى وأسفل فالأمان لأحد الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الَّذِي آمنهُ وَإِن لم يرد شَيْئا يَأْمَن الْفَرِيقَانِ بِاعْتِبَار أَن الْأمان يتَنَاوَل أَحدهمَا لَا بِاعْتِبَار أَنه يتناولهما لِأَن الِاسْم مُشْتَرك وبمثله لَو كَانَ لَهُ موَالٍ وموالي موَالٍ ثَبت الْأمان لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِاعْتِبَار أَنه يجوز أَن يكون اللَّفْظ الْوَاحِد عَاملا بحقيقته فِي مَوضِع وبمجازه فِي مَوضِع آخر
ثمَّ طَرِيق معرفَة الْحَقِيقَة السماع لِأَن الأَصْل فِيهِ الْوَضع وَلَا يصير ذَلِك مَعْلُوما إِلَّا بِالسَّمَاعِ بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص فِي أَحْكَام الشَّرْع وَطَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهَا السماع فَقَط
стр. 170
وَإِنَّمَا طَرِيق معرفَة الْمجَاز الْوُقُوف على مَذْهَب الْعَرَب فِي الِاسْتِعَارَة دون السماع بِمَنْزِلَة الْقيَاس فِي أَحْكَام الشَّرْع فَإِن طَرِيق تَعديَة حكم النَّص إِلَى الْفُرُوع مَعْلُوم وَهُوَ التَّأَمُّل فِي مَعَاني النَّص وَاخْتِيَار الْوَصْف الْمُؤثر مِنْهَا لتعدية الحكم بهَا إِلَى الْفُرُوع فَإِذا وقف مُجْتَهد على ذَلِك وَأصَاب طَرِيقه كَانَ ذَلِك مسموعا مِنْهُ وَإِن لم يسْبق بِهِ فَكَذَلِك فِي الِاسْتِعَارَة إِذا وقف إِنْسَان على معنى تجوز الِاسْتِعَارَة بِهِ عِنْد الْعَرَب فاستعار بذلك الْمَعْنى وَاسْتعْمل لفظا فِي مَوضِع كَانَ مسموعا مِنْهُ وَإِن لم يسْبق بِهِ وعَلى هَذَا يجْرِي كَلَام البلغاء من الخطباء وَالشعرَاء فِي كل وَقت
فَنَقُول طَرِيق الِاسْتِعَارَة عِنْد الْعَرَب الِاتِّصَال والاتصال بَين الشَّيْئَيْنِ يكون صُورَة أَو معنى فَإِن كل مَوْجُود مُتَصَوّر تكون لَهُ صُورَة وَمعنى فالاتصال لَا يكون إِلَّا بِاعْتِبَار الصُّورَة أَو بِاعْتِبَار الْمَعْنى
فَأَما الِاسْتِعَارَة للاتصال معنى فنحو تَسْمِيَة الْعَرَب الشجاع أسدا للاتصال بَينهمَا فِي معنى الشجَاعَة وَالْقُوَّة والبليد حمارا لاتصال بَينهمَا فِي معنى البلادة والاستعارة للاتصال صُورَة نَحْو تَسْمِيَة الْعَرَب الْمَطَر سَمَاء فَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم يعنون الْمَطَر لِأَنَّهَا تنزل من السَّحَاب وَالْعرب تسمي كل مَا علا فَوْقك سَمَاء وَيكون نزُول الْمَطَر من علو فَسَموهُ سَمَاء مجَازًا للاتصال صُورَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ وَالْغَائِط اسْم للمطمئن من الأَرْض وَسمي الْحَدث بِهِ مجَازًا لِأَن يكون فِي المطمئن من الأَرْض عَادَة وَهَذَا اتِّصَال من حَيْثُ الصُّورَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ وَالْمرَاد الْجِمَاع لِأَن اللَّمْس سَببه صُورَة فَسَماهُ بِهِ مجَازًا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا﴾ وَإِنَّمَا يعصر الْعِنَب وَهُوَ مُشْتَمل على السّفل وَالْمَاء والقشر إِلَّا أَنه بالعصر يصير خمرًا فِي أَوَانه فَسَماهُ بِهِ مجَازًا لاتصال بَينهمَا فِي الذَّات صُورَة فسلكنا فِي الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة والعلل هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِعَارَة وَقُلْنَا يَصح الِاسْتِعَارَة للاتصال سَببا فَإِنَّهُ نَظِير الِاسْتِعَارَة للاتصال صُورَة فِي المحسوسات وللاتصال فِي الْمَعْنى الْمَشْرُوع الَّذِي جَاءَ لأَجله شرع يصلح الِاسْتِعَارَة وَهُوَ نَظِير الِاتِّصَال معنى فِي المحسوسات فَإِنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء
стр. 171
أَن صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة غير مُخْتَصّ بطرِيق اللُّغَة وَأَن الِاتِّصَال فِي الْمعَانِي وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يصلح للاستعارة وَهَذَا لِأَن الِاسْتِعَارَة للقرب والاتصال وَذَلِكَ يتَحَقَّق فِي المحسوس وَغير المحسوس فالأحكام الشَّرْعِيَّة قَائِمَة بمعناها مُتَعَلقَة بأسبابها فَتكون مَوْجُودَة حكما بِمَنْزِلَة الْمَوْجُود حسا فَيتَحَقَّق معنى الْقرب والاتصال فِيهَا وَلِأَن المشروعات إِذا تَأَمَّلت فِي أَسبَابهَا وَجدتهَا دَالَّة على الحكم الْمَطْلُوب بهَا بِاعْتِبَار أصل اللُّغَة فِيمَا تكون معقولة الْمَعْنى وَالْكَلَام فِيهِ وَلَا اسْتِعَارَة فِيمَا لَا يعقل مَعْنَاهُ أَلا ترى أَن البيع مَشْرُوع لإِيجَاب الْملك وموضوع لَهُ أَيْضا فِي اللُّغَة وَقد اتّفق الْعلمَاء فِي جَوَاز اسْتِعَارَة لفظ التَّحْرِير لإيقاع الطَّلَاق بِهِ وَجوز الشَّافِعِي ﵀ اسْتِعَارَة لفظ الطَّلَاق لإيقاع الْعتْق بِهِ وَالْأَئِمَّة من السّلف استعملوا الِاسْتِعَارَة بِهَذَا الطَّرِيق أَيْضا وَكتاب الله تَعَالَى نَاطِق بذلك يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها﴾ فَإِن الله تَعَالَى جعل هبتها نَفسهَا جَوَابا للاستنكاح وَهُوَ طلب النِّكَاح وَلَا خلاف أَن نِكَاح رَسُول الله ﷺ كَانَ ينْعَقد بِلَفْظ الْهِبَة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة لَا على سَبِيل حَقِيقَة الْهِبَة فَإِن الْهِبَة لتمليك المَال فَلَا يكون عَاملا بحقيقتها فِيمَا لَيْسَ بِمَال وَلِأَنَّهَا لَا توجب الْملك إِلَّا بِالْقَبْضِ فِيمَا كَانَت حَقِيقَة فِيهِ فَكيف فِيمَا لَيست بِحَقِيقَة فِيهِ فَعرفنَا أَنَّهَا اسْتِعَارَة قَامَت مقَام النِّكَاح بطرِيق الْمجَاز وَكَذَلِكَ كَانَ يتَعَلَّق بنكاحه حكم الْقسم وَالطَّلَاق وَالْعدة وَإِن كَانَ معقودا بِلَفْظ الْهِبَة فَعرفنَا أَنه كَانَ بطرِيق الِاسْتِعَارَة على معنى أَن اللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره سقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَصَارَ التَّكَلُّم بِهِ كالتكلم بِمَا هُوَ مجَاز عَنهُ
ثمَّ لَيْسَ للرسالة أثر فِي معنى الخصوصية بِوُجُوه الْكَلَام فَإِن معنى الخصوصية هُوَ التَّخْفِيف والتوسعة وَمَا كَانَ يلْحقهُ حرج فِي اسْتِعْمَال لفظ النِّكَاح فقد كَانَ أفْصح النَّاس وَهَذِه جملَة لَا خلاف فِيهَا إِلَّا أَن الشَّافِعِي ﵀ قَالَ نِكَاح غَيره لَا ينْعَقد بِهَذَا اللَّفْظ لِأَنَّهُ عقد مَشْرُوع لمقاصد لَا تحصى مِمَّا يرجع إِلَى مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا وَلَفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج يدل على ذَلِك بِاعْتِبَار أَنَّهَا تبتنى على الِاتِّحَاد فالتزويج تلفيق بَين الشَّيْئَيْنِ على وَجه يثبت بِهِ الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْمَقْصُود كزوجي الْخُف ومصراعي بمصالح الْمَعيشَة وَلَيْسَ فِي هذَيْن اللَّفْظَيْنِ مَا يدل على التَّمْلِيك بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَلِهَذَا لَا يثبت ملك الْعين بهما فالألفاظ الْمَوْضُوعَة لإِيجَاب ملك الْعين فِيهَا قُصُور فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ إِلَّا أَن فِي حق رَسُول الله ﷺ كَانَ ينْعَقد نِكَاحه بِهَذَا اللَّفْظ مَعَ قُصُور فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وتوسعة للغات عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿خَالِصَة لَك﴾ وَفِي حق الْبَاب وَالنِّكَاح
стр. 172
بِمَعْنى الضَّم الَّذِي ينبىء عَن الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْقيام غَيره لَا يصلح هَذَا اللَّفْظ لانعقاد النِّكَاح بِهِ لما فِيهِ من الْقُصُور وَهُوَ معنى مَا يَقُولُونَ إِنَّه عقد خَاص شرع بِلَفْظ خَاص
وَنَظِيره الشَّهَادَة فَإِنَّهَا مَشْرُوعَة بِلَفْظ خَاص فَلَا تصلح بِلَفْظ آخر لقُصُور فِيهِ حَتَّى إِذا قَالَ الشَّاهِد أَحْلف لَا يكون شَهَادَة لِأَن لفظ الْحلف مُوجب بِغَيْرِهِ وَلَفظ الشَّهَادَة مُوجب بِنَفسِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَكَذَلِكَ لفظ الْهِبَة لَا تَنْعَقِد بِهِ الْمُعَاوضَة الْمَحْضَة وَهِي البيع ابْتِدَاء وَكَأن ذَلِك لقُصُور فِيهَا وَفِي صفة الْمُعَاوضَة النِّكَاح أبلغ من البيع وعَلى هَذَا الأَصْل لم يجوزوا نقل الْأَخْبَار بِالْمَعْنَى من غير مُرَاعَاة اللَّفْظ وَلَكنَّا نقُول النِّكَاح مُوجب ملك الْمُتْعَة وَهَذِه الْأَلْفَاظ فِي مَحل ملك الْمُتْعَة توجب ملك الْمُتْعَة تبعا لملك الرَّقَبَة فَإِنَّهَا توجب ملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة يُوجب ملك الْمُتْعَة فِي مَحَله فَكَانَ بَينهمَا اتِّصَالًا من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَهُوَ طَرِيق صَالح للاستعارة وَلَا حَاجَة إِلَى النِّيَّة لِأَن هَذَا الْمحل الَّذِي أضيف إِلَيْهِ مُتَعَيّن لهَذَا الْمجَاز وَهُوَ النِّكَاح وَالْحَاجة إِلَى النِّيَّة عِنْد الِاشْتِبَاه للتعيين وَمَا ذكرُوا من مَقَاصِد النِّكَاح فَهِيَ لكَونهَا غير محصورة بِمَنْزِلَة الثَّمَرَة كَمَا هُوَ الْمَطْلُوب من هَذَا العقد فَأَما الْمَقْصُود فإثبات الْملك عَلَيْهَا وَلِهَذَا وَجب الْبَدَل لَهَا عَلَيْهِ فَلَو كَانَ الْمَقْصُود مَا سواهَا من الْمَقَاصِد لم يجب الْبَدَل لَهَا عَلَيْهِ لِأَن تِلْكَ الْمَقَاصِد مُشْتَركَة بَينهمَا وَكَذَلِكَ جعل الطَّلَاق بيد الزَّوْج لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِك فإليه إِزَالَة الْملك وَإِذا ثَبت أَن الْمَقْصُود هُوَ الْملك وَهَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة لإِيجَاب الْملك ثمَّ لما انْعَقَد هَذَا العقد بِلَفْظ غير مَوْضُوع لإِيجَاب مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْملك فَلِأَن
стр. 173
ينْعَقد بِلَفْظ مَوْضُوع لإِيجَاب مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْملك كَانَ أولى وَإِنَّمَا انْعَقَد هَذَا العقد بِلَفْظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج وَإِن لم يوضعا لإِيجَاب الْملك بهما فِي الأَصْل لِأَنَّهُمَا جعلا علما فِي إِثْبَات هَذَا الْملك بهما وَمَا يكون علما لشَيْء بِعَيْنِه فَهُوَ بِمَنْزِلَة النَّص فِيهِ فَيثبت الحكم بِهِ بِعَيْنِه وَلِهَذَا لم ينْعَقد بهما الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لملك الْعين فَأَما الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لإِيجَاب الْملك لَا يَنْتَفِي باسم الْعلم عَن هَذَا الْمحل وَقد تقرر صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة بالاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة فَيثبت هَذَا الْملك بهَا بطرِيق الِاسْتِعَارَة
فَإِن قيل الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة لَا يخْتَص بِأحد الْجَانِبَيْنِ بل يكون من الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ لم يعْتَبر هَذَا الِاتِّصَال والقرب فِي إِثْبَات ملك الرَّقَبَة بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة فَكَذَلِك لَا يعْتَبر هَذَا الِاتِّصَال لإِثْبَات ملك الْمُتْعَة بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوع لإِثْبَات ملك الرَّقَبَة
قُلْنَا الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة نَوْعَانِ أَحدهمَا اتِّصَال الحكم بِالْعِلَّةِ وَذَلِكَ مُعْتَبر فِي صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة من الْجَانِبَيْنِ لِأَن الْعلَّة غير مَطْلُوبَة لعينها بل لثُبُوت الحكم بهَا وَالْحكم لَا يثبت بِدُونِ الْعلَّة فَيتَحَقَّق معنى الْقرب والاتصال لافتقار كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الآخر
وَبَيَان هَذَا فِيمَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ إِن ملكت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصف عبد ثمَّ بَاعه ثمَّ اشْترى النّصْف الثَّانِي لَا يعْتق فَإِن قَالَ عنيت الْملك مُتَفَرقًا كَانَ أَو مجتمعا يدين فِي الْقَضَاء وَفِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَيعتق النّصْف الْبَاقِي فِي ملكه
وَلَو قَالَ إِن اشْتريت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصفه فَبَاعَهُ ثمَّ اشْترى النّصْف الْبَاقِي يعْتق هَذَا النّصْف فَإِن قَالَ عنيت الشِّرَاء مجتمعا يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَلَا يعْتق هَذَا النّصْف وَقيل الشِّرَاء مُوجب للْملك وَالْملك حكم الشِّرَاء فيصلح أَن يكون ذكر الْملك مستعارا عَن ذكر الشِّرَاء إِذا نوى التَّفَرُّق فِيهِ وَيصْلح أَن يكون ذكر الشِّرَاء مستعارا عَن ذكر الْملك إِذا نوى الِاجْتِمَاع فِيهِ حَتَّى يعْمل بنيته من حَيْثُ الدّيانَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَكِن فِيمَا فِيهِ تَخْفيف عَلَيْهِ لَا يدين فِي الْقَضَاء للتُّهمَةِ وَفِيمَا فِيهِ تَشْدِيد عَلَيْهِ يدين لانْتِفَاء التُّهْمَة
وَالنَّوْع الآخر اتِّصَال الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَالْحكم بِالسَّبَبِ فَإِن بِهَذَا الِاتِّصَال تصلح اسْتِعَارَة الأَصْل للفرع وَالسَّبَب للْحكم وَلَا تصلح اسْتِعَارَة الْفَرْع للْأَصْل
стр. 174
وَالْحكم للسبب لِأَن الأَصْل مستغن عَن الْفَرْع وَالْفرع مُحْتَاج إِلَى الأَصْل لِأَنَّهُ تَابع لَهُ فَيصير معنى الِاتِّصَال مُعْتَبرا فِيمَا هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ دون مَا هُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ
وَهُوَ نَظِير الْجُمْلَة النَّاقِصَة إِذا عطفت على الْجُمْلَة الْكَامِلَة فَإِنَّهُ يعْتَبر اتِّصَال الْجُمْلَة النَّاقِصَة بالكاملة فِيمَا يرجع إِلَى إِكْمَال النَّاقِصَة لحاجتها إِلَى ذَلِك حَتَّى يتَوَقَّف أول الْكَلَام على آخِره وَلَا يعْتَبر اتِّصَال النَّاقِص بالكامل فِي حكم الْكَامِل لِأَنَّهُ مُسْتَغْنى عَنهُ فَملك الرَّقَبَة سَبَب ملك الْمُتْعَة بَينهمَا اتِّصَال من هَذَا الْوَجْه فَلهَذَا جَازَ اسْتِعَارَة السَّبَب للْحكم وَلَا يجوز اسْتِعَارَة الحكم للسبب وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع لإِيجَاب ملك الرَّقَبَة يجوز أَن يستعار لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة والموضوع لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة لَا يصلح مستعارا لإِيجَاب ملك الرَّقَبَة وَلِهَذَا الطَّرِيق قُلْنَا إِن لفظ التَّحْرِير عَامل فِي إِيقَاع الطَّلَاق بِهِ مجَازًا لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لإِزَالَة ملك الرَّقَبَة وزوالها سَبَب لزوَال ملك الْمُتْعَة إِلَّا أَنه لَا يعْمل بِدُونِ النِّيَّة لِأَن الْمحل الْمُضَاف إِلَيْهِ غير مُتَعَيّن لهَذَا الْمجَاز بل هُوَ مَحل لحقيقة الْوَصْف بِالْحُرِّيَّةِ فَيحْتَاج إِلَى النِّيَّة ليتعين فِيهَا الِاسْتِعْمَال بطرِيق الْمجَاز وَلَفظ الطَّلَاق لَا يحصل بِهِ الْعتْق لِأَنَّهُ مَوْضُوع لإِزَالَة ملك الْمُتْعَة وَزَوَال ملك الْمُتْعَة لَيْسَ بِسَبَب لزوَال ملك الرَّقَبَة بل هُوَ حكم ذَلِك السَّبَب فَلَا يصلح اسْتِعَارَة الحكم للسبب كَمَا لَا يصلح اسْتِعَارَة الْفَرْع للْأَصْل لكَونه مُسْتَغْنى عَنهُ وَلَكِن الشَّافِعِي ﵀ جوز هَذِه الِاسْتِعَارَة أَيْضا للقرب بَينهمَا من حَيْثُ المشابهة فِي الْمَعْنى وكل وَاحِد مِنْهُمَا إِزَالَة بطرِيق الْإِبْطَال مَبْنِيّ على الْغَلَبَة والسراية غير مُحْتَمل للْفَسْخ مُحْتَمل للتعليق بِالشّرطِ والإيجاب فِي الْمَجْهُول فللمناسبة بَينهمَا فِي هَذَا الْمَعْنى جوز اسْتِعَارَة كل وَاحِد مِنْهُمَا للْآخر وَلَكنَّا نقُول الْمُنَاسبَة فِي الْمَعْنى صَالح للاستعارة لَكِن لَا بِكُل وصف بل بِالْوَصْفِ الَّذِي يخْتَص بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَلا ترى أَنه لَا يُسمى الجبان أسدا وَلَا الشجاع حمارا للمناسبة بَينهمَا من حَيْثُ الحيوانية والوجود وَمَا أشبه ذَلِك وَيُسمى الشجاع أسدا للمناسبة بَينهمَا فِي الْوَصْف الْخَاص وَهُوَ الشجَاعَة وَهَذَا لِأَن اعْتِبَار هَذِه الْمُنَاسبَة بَينهمَا للاستعارة بِمَنْزِلَة اعْتِبَار الْمَعْنى فِي الْمَنْصُوص لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفُرُوع ثمَّ لَا يَسْتَقِيم تَعْلِيل النَّص بِكُل
стр. 175
وصف بل بِوَصْف لَهُ أثر فِي ذَلِك الحكم لِأَنَّهُ لَو جوز التَّعْلِيل بِكُل وصف انْعَدم معنى الِابْتِلَاء أصلا فَكَذَلِك هَهُنَا لَو صححنا الِاسْتِعَارَة للمناسبة فِي أَي معنى كَانَ ارْتَفع معنى الامتحان واستوى الْعَالم وَالْجَاهِل فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا تعْتَبر الْمُنَاسبَة فِي الْوَصْف الْخَاص وَلَا مُنَاسبَة هُنَا فِي الْوَصْف الَّذِي لأَجله وضع كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الأَصْل فالطلاق مَوْضُوع للإطلاق بِرَفْع الْمَانِع من الانطلاق لَا بإحداث قُوَّة الانطلاق فِي الذَّات وَمِنْه إِطْلَاق الْإِبِل وَإِطْلَاق الْأَسير وَالْعتاق لإحداث معنى فِي الذَّات يُوجب الْقُوَّة من قَول الْقَائِل عتق الفرخ إِذا قوي حَتَّى طَار وَفِي ملك الْيَمين الْمَمْلُوك عَاجز عَن الانطلاق لضعف فِي ذَاته وَهُوَ أَنه صَار رَقِيقا مَمْلُوكا مقهورا مُحْتَاجا إِلَى إِحْدَاث قُوَّة فِيهِ يصير بهَا مَالِكًا مستوليا مستبدا بِالتَّصَرُّفِ والمنكوحة مالكة أَمر نَفسهَا وَلكنهَا محبوسة عِنْد الزَّوْج بِالْملكِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهَا فحاجتها إِلَى رفع الْمَانِع وَذَلِكَ يكون بِالطَّلَاق كَمَا يكون بِرَفْع الْقَيْد عَن الْأَسير وبحل العقال عَن الْبَعِير وَلَا مُنَاسبَة بَين رفع الْمَانِع وَبَين إِحْدَاث الْقُوَّة كَمَا لَا مُنَاسبَة بَين رفع الْقَيْد وَبَين الْبُرْء من الْمَرَض فَعرفنَا أَنه لَا وَجه للاستعارة بطرِيق الْمُنَاسبَة بَينهمَا فِي الْمَعْنى وَلَكِن بالاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَالْحكم وَقد بَينا أَن ذَلِك صَالح من أحد الْجَانِبَيْنِ دون الْجَانِب الآخر
فَإِن قيل عنْدكُمْ الْإِجَازَة لَا تَنْعَقِد بِلَفْظ البيع نَص عَلَيْهِ فِي كتاب الصُّلْح حَيْثُ قَالَ بيع السُّكْنَى بَاطِل فَالْبيع سَبَب لملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة سَبَب لملك الْمَنْفَعَة
ثمَّ لم تصح الِاسْتِعَارَة بِهَذَا الطَّرِيق عنْدكُمْ مجَازًا وعَلى عكس هَذَا إِذا قَالَ لغيره أعتق عَبدك عني على ألف دِرْهَم فَقَالَ أعتقت يثبت التَّمَلُّك شِرَاء بِهَذَا الْكَلَام وَالْعِتْق لَيْسَ بِسَبَب للشراء ثمَّ كَانَ عبارَة عَنهُ مجَازًا وَكَذَلِكَ شِرَاء الْقَرِيب إِعْتَاق عنْدكُمْ وَالشِّرَاء لَيْسَ بِسَبَب الْعتْق ثمَّ كَانَ عبارَة عَنهُ
قُلْنَا أما اسْتِعْمَال لفظ البيع فِي الْإِجَارَة فَإِنَّمَا لَا يجوز عندنَا لِانْعِدَامِ الْمحل لَا لِانْعِدَامِ الصلاحية للاستعارة لِأَنَّهُ إِن أضيف لفظ البيع إِلَى رَقَبَة الدَّار وَالْعَبْد فَهُوَ عَامل بحقيقته فِي تمْلِيك الْعين وَإِن أضيف إِلَى
стр. 176
منفعتهما فالمنفعة مَعْدُومَة والمعدوم لَا يكون محلا للتَّمْلِيك وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يَجْعَل كَأَنَّهُ وجد التَّصْرِيح بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ مجَاز عَنهُ
وَلَو قَالَ أجرتك مَنَافِع هَذِه الدَّار لَا يَصح أَيْضا وَإِنَّمَا يَصح إِذا قَالَ أجرتك الدَّار بِاعْتِبَار إِقَامَة الْعين الْمُضَاف إِلَيْهِ العقد مقَام الْمَنْفَعَة وَلَفظ البيع مَتى أضيف إِلَى الْعين كَانَ عَاملا فِي حَقِيقَته حَتَّى لَو قَالَ الْحر لغيره بِعْتُك نَفسِي شهرا بِعشْرَة يجوز ذَلِك على وَجه الِاسْتِعَارَة عَن الْإِجَارَة لِأَن عين الْحر لَيْسَ بِمحل لما وضع لَهُ البيع حَقِيقَة وَأهل الْمَدِينَة يسمون الْإِجَارَة بيعا فَتجوز هَهُنَا الِاسْتِعَارَة للاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَأما قَوْله أعتق عَبدك عني فَمن يَقُول إِن ذَلِك مجَاز عَن الشِّرَاء فقد أَخطَأ خطأ فَاحِشا وَكَيف يكون ذَلِك مجَازًا عَنهُ وَهُوَ عَامل بحقيقته وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يسْقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَفِي الْموضع الَّذِي لَا يثبت حَقِيقَة الْعتْق بِأَن يكون الْقَائِل صَبيا أَو عبدا مَأْذُونا لَا يثبت الشِّرَاء فَعرفنَا أَن ثُبُوت الشِّرَاء هُنَاكَ بطرِيق الِاقْتِضَاء للْحَاجة إِلَى تَحْصِيل الْمَقْصُود الَّذِي صرحنا بِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاق عَنهُ فَإِن من شَرطه ثُبُوت الْملك لَهُ فِي الْمحل والمقتضى لَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء وَكَذَلِكَ شِرَاء الْقَرِيب عندنَا لَيْسَ بِإِعْتَاق مجَازًا وَكَيف يكون ذَلِك وَهُوَ عَامل بحقيقته وَهُوَ ثُبُوت الْملك بِهِ وَلَا يجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي مَحل وَاحِد بل بطرِيق أَن الشِّرَاء مُوجب ملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة متمم عِلّة الْعتْق فِي هَذَا الْمحل فَيصير الحكم وَهُوَ الْعتْق مُضَافا إِلَى السَّبَب الْمُوجب لما تتمّ بِهِ الْعلَّة بطرِيق أَنه بِمَنْزِلَة عِلّة الْعلَّة فَأَما أَن يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا
وَمن أَحْكَام هَذَا الْفَصْل أَن اللَّفْظ مَتى كَانَ لَهُ حَقِيقَة مستعملة ومجاز مُتَعَارَف فعلى قَول أبي حنيفَة مطلقه يتَنَاوَل الْحَقِيقَة المستعملة دون الْمجَاز وعَلى قَوْلهمَا مطلقه يتناولهما بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز
وَبَيَانه فِيمَا قُلْنَا إِذا حلف لَا يشرب من الْفُرَات أَو لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة يبتني على أصل وَهُوَ أَن الْمجَاز عِنْدهمَا خلف عَن الْحَقِيقَة فِي إِيجَاب الحكم فَهُوَ الْمَقْصُود لَا نفس الْعبارَة وَبِاعْتِبَار الحكم يتَرَجَّح عُمُوم الْمجَاز على الْحَقِيقَة فَإِن الحكم بِهِ يثبت فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعند أبي حنيفَة الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي التَّكَلُّم بِهِ لَا فِي الحكم لِأَنَّهُ تصرف من الْمُتَكَلّم فِي عِبَارَته من حَيْثُ إِنَّه يَجْعَل عِبَارَته قَائِمَة مقَام عبارَة ثمَّ الحكم يثبت بِهِ أصلا بطرِيق أَنه
стр. 177
يَجْعَل كالمتكلم بِمَا كَانَ الْمجَاز عبارَة عَنهُ لَا أَنه خلف عَن الحكم وَإِذا كَانَ الْمجَاز خلفا فِي التَّكَلُّم لَا يثبت الْمُزَاحمَة بَين الأَصْل وَالْخلف فَيجْعَل اللَّفْظ عَاملا فِي حَقِيقَته عِنْد الْإِمْكَان وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى إعماله بطرِيق الْمجَاز فِي الْموضع الَّذِي يتَعَذَّر إعماله فِي حَقِيقَته
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ إِذا قَالَ لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا مِنْهُ هَذَا ابْني يعْتق عَلَيْهِ وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا يعْتق لِأَن صَرِيح كَلَامه محَال وَالْمجَاز عِنْدهمَا خلف عَن الْحَقِيقَة فِي إِيجَاب الحكم فَفِي كل مَوضِع يصلح أَن يكون السَّبَب منعقدا لإِيجَاب الحكم الْأَصْلِيّ يصلح أَن يكون منعقدا لإِيجَاب مَا هُوَ خلف عَن الأَصْل وَفِي كل مَوضِع لَا يُوجد فِي السَّبَب صَلَاحِية الِانْعِقَاد للْحكم الْأَصْلِيّ لَا ينْعَقد مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ فَإِن قَوْله لامس السَّمَاء يصلح منعقدا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْبر من حَيْثُ إِن السَّمَاء غير ممسوسة فيصلح أَن يكون منعقدا لإِيجَاب الْخلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة وَالْيَمِين الْغمُوس لَا تصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْبر فَلَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة فَهُنَا أَيْضا هَذَا اللَّفْظ فِي مَعْرُوف النّسَب الَّذِي يُولد مثله لمثله يصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ ثُبُوت النّسَب إِلَّا أَنه امْتنع إعماله (للْحكم) لثُبُوت نسبه من الْغَيْر فَيكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْعتْق وفيمن هُوَ أكبر سنا مِنْهُ لَا يصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل فَلَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَلِهَذَا لَا تصير أم الْغُلَام أم الْوَلَد لَهُ هُنَا وَفِي مَعْرُوف النّسَب تصير أم ولد لَهُ على مَا نَص فِي كتاب الدَّعْوَى وعَلى هَذَا جعلنَا بيع الْحرَّة نِكَاحا لِأَن هُنَاكَ الْمَانِع من الحكم الَّذِي هُوَ أصل فِي هَذَا الْمحل شَرْعِي وَهُوَ تَأَكد الْحُرِّيَّة على وَجه لَا يحْتَمل الْإِبْطَال لَا بِاعْتِبَار أَن السَّبَب لَيْسَ بِصَالح لإِثْبَات الحكم الْأَصْلِيّ بِهِ فِي هَذَا الْمحل فَيكون منعقدا لإِثْبَات مَا هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ ملك الْمُتْعَة وَلَكِن أَبُو حنيفَة يَقُول الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي التَّكَلُّم لَا فِي الحكم كَمَا قَررنَا فَالشَّرْط فِيهِ أَن يكون الْكَلَام صَالحا وصلاحيته بِكَوْنِهِ مُبْتَدأ وخبرا بِصِيغَة الْإِيجَاب وَهُوَ مَوْجُود هُنَا فَيكون عَاملا فِي إِيجَاب الحكم الَّذِي يقبله هَذَا الْمحل بطرِيق الْمجَاز على معنى أَنه سَبَب للتحرير فَإِن من ملك وَلَده يعْتق عَلَيْهِ
стр. 178
وَيصير معتقا لَهُ إِذا اكْتسب سَبَب تملكه فاللفظ مَتى صَار عبارَة عَن غَيره مجَازًا للاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة يسْقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَبِاعْتِبَار مجازه مَا صَادف إِلَّا محلا صَالحا وَلما تبين أَنه خلف فِي التَّكَلُّم لَا فِي الحكم كَانَ عمله كعمل الِاسْتِثْنَاء وَالِاسْتِثْنَاء صَحِيح على أَن يكون عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَإِن لم يُصَادف أصل الْكَلَام محلا صَالحا لَهُ بِاعْتِبَار أَنه تصرف من الْمُتَكَلّم فِي كَلَامه حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق ألفا إِلَّا تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين لم تقع إِلَّا وَاحِدَة نَص عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقى وَمَعْلُوم أَن الْمحل غير صَالح لما صرح بِهِ وَمَعَ ذَلِك كَانَ الِاسْتِثْنَاء صَحِيحا لِأَنَّهُ تصرف من الْمُتَكَلّم فِي كَلَامه فَهُنَا كَذَلِك
ثمَّ فِيهِ طَرِيقَانِ لأبي حنيفَة أَحدهمَا أَنه بِمَنْزِلَة التَّحْرِير ابْتِدَاء بِاعْتِبَار أَنه ذكر كلَاما هُوَ سَبَب للتحرير فِي ملكه وَهُوَ الْبُنُوَّة فَيصير محررا (بِهِ) ابْتِدَاء مجَازًا وَلِهَذَا لَا تصير الْأُم أم ولد لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لتحرير الْغُلَام ابْتِدَاء تَأْثِير فِي إِيجَاب أُميَّة الْوَلَد (لأمه) وَلِأَنَّهُ لَا يملك إِيجَاب ذَلِك الْحق لَهَا بعبارته على الْحَقِيقَة ابْتِدَاء بل بِفعل هُوَ استيلاد وَلِهَذَا قَالَ فِي كتاب الدَّعْوَى لَو ورث رجلَانِ مَمْلُوكا ثمَّ ادّعى أَحدهمَا أَنه ابْنه يصير ضَامِنا لشَرِيكه قيمَة نصِيبه إِذا كَانَ مُوسِرًا بِاعْتِبَار أَن ذَلِك كالتحرير الْمُبْتَدَأ مِنْهُ وعَلى الطَّرِيق الآخر يَجْعَل هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ مجَازًا كَأَنَّهُ قَالَ عتق عَليّ من حِين ملكته فَإِن مَا صرح بِهِ وَهُوَ الْبُنُوَّة سَبَب لذَلِك وَهنا هُوَ الْأَصَح فقد قَالَ فِي كتاب الْإِكْرَاه إِذا أكره على أَن يَقُول هَذَا ابْني لَا يعْتق عَلَيْهِ وَالْإِكْرَاه إِنَّمَا يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ لَا صِحَة التَّحْرِير ابْتِدَاء وَوُجُوب الضَّمَان فِي مَسْأَلَة الدَّعْوَى بِهَذَا الطَّرِيق أَيْضا فَإِنَّهُ لَو قَالَ عتق عَليّ من حِين ملكته كَانَ ضَامِنا لشَرِيكه أَيْضا وعَلى هَذَا الطَّرِيق نقُول الْجَارِيَة تصير أم ولد لَهُ لِأَن كَلَامه كَمَا جعل إِقْرَارا بِالْحُرِّيَّةِ للْوَلَد جعل إِقْرَارا بأمية الْوَلَد للْأُم فَإِن مَا تكلم بِهِ سَبَب مُوجب هَذَا الْحق لَهَا فِي ملكه كَمَا هُوَ مُوجب حَقِيقَة الْحُرِّيَّة للْوَلَد وَبِهَذَا الطَّرِيق فِي مَعْرُوف النّسَب يثبت الْعتْق لَا بِالطَّرِيقِ
стр. 179
الَّذِي قَالَا فَإِنَّهُ مكذب شرعا فِي الحكم الْأَصْلِيّ والمكذب فِي كَلَامه شرعا كالمكذب حَقِيقَة فِي إهدار كَلَامه أَلا ترى أَنه لَو أكره على أَن يَقُول لعَبْدِهِ هَذَا ابْني لَا يعْتق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مكذب شرعا بِدَلِيل الْإِكْرَاه إِلَّا أَن دَلِيل التَّكْذِيب هُنَاكَ عَامل فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز جَمِيعًا وَهنا دَلِيل التَّكْذِيب وَهُوَ ثُبُوت نسبه من الْغَيْر عَامل فِي الْحَقِيقَة دون الْمجَاز وَهُوَ الْإِقْرَار بحريَّته من حِين ملكه وَلِهَذَا قُلْنَا لَو قَالَ لزوجته وَهِي مَعْرُوفَة النّسَب من غَيره هَذِه ابْنَتي لَا تقع الْفرْقَة بَينهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَام مُوجب بطرِيق الْإِقْرَار فِي ملكه إِنَّمَا مُوجبه إِثْبَات النّسَب وَقد صَار مُكَذبا فِيهِ شرعا فَصَارَ أصل كَلَامه لَغوا
وَبَيَان هَذَا أَن التّبعِيَّة لَا توجب الْفرْقَة وَلكنهَا تنَافِي النِّكَاح أصلا وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يَجْعَل قَائِما مقَام ذَلِك اللَّفْظ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا تَزَوَّجتهَا أَو مَا كَانَ بيني وَبَينهَا نِكَاح قطّ وَذَلِكَ لَا يُوجب الْفرْقَة وَكَذَلِكَ لَا يثبت بِهِ حرمتهَا عَلَيْهِ على وَجه يَنْتَفِي بِهِ النِّكَاح لِأَن فِي حكم الْحُرْمَة هَذَا الْإِقْرَار عَلَيْهَا لَا على نَفسه وَالْعين هِيَ الَّتِي تتصف بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ مكذب شرعا فِي إِقْرَاره على غَيره
وَلَا يدْخل على هَذَا مَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ يَا ابْني لِأَن النداء لاستحضار الْمُنَادِي بصورته لَا بِمَعْنَاهُ وَإِنَّمَا صَار هَذَا اللَّفْظ مجَازًا بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ كَمَا بَينا فَأَما إِذا قَالَ يَا حر أَو يَا عَتيق فإعمال ذَلِك اللَّفْظ بِاعْتِبَار أَنه علم لإِسْقَاط الرّقّ بِهِ لَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى فِيهِ فَكَانَ عَاملا على أَي وَجه أَضَافَهُ إِلَى الْمَمْلُوك وَالله أعلم
فصل فِي بَيَان الصَّرِيح وَالْكِنَايَة
الصَّرِيح هُوَ كل لفظ مَكْشُوف الْمَعْنى وَالْمرَاد حَقِيقَة كَانَ أَو مجَازًا يُقَال فلَان صرح بِكَذَا أَي أظهر مَا فِي قلبه لغيره من مَحْبُوب أَو مَكْرُوه بأبلغ مَا أمكنه من الْعبارَة وَمِنْه سمي الْقصر صرحا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا﴾ وَالْكِنَايَة بِخِلَاف ذَلِك وَهُوَ مَا يكون المُرَاد بِهِ مَسْتُورا إِلَى أَن يتَبَيَّن بِالدَّلِيلِ مَأْخُوذ من قَوْلهم كنيت وكنوت وَلِهَذَا كَانَ الصَّرِيح مَا يكون مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ وَقد تكون الْكِنَايَة مَا لَا يكون مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ فَإِن الْحَرْف الْوَاحِد يجوز أَن
стр. 180
يكون كِنَايَة نَحْو هَاء الغائبة وكاف المخاطبة يَقُول الرجل هُوَ يفعل كَذَا وَهَذَا الْهَاء لَا يُمَيّز اسْما من اسْم فَتكون هَذِه الْكِنَايَة من الصَّرِيح بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك من الْمُفَسّر وَكَذَلِكَ كل اسْم هُوَ ضمير نَحْو أَنا وَأَنت وَنحن فَهُوَ كِنَايَة وكل مَا يكون مُتَرَدّد الْمَعْنى فِي نَفسه فَهُوَ كِنَايَة وَالْمجَاز قبل أَن يصير متعارفا بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة أَيْضا لما فِيهِ من التَّرَدُّد وَمِنْه أخذت الكنية فَإِنَّهَا غير الِاسْم
وَالِاسْم الصَّرِيح لكل شخص مَا جعل علما لَهُ ثمَّ يكنى بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَلَده فَيكون ذَلِك تعريفا لَهُ بِالْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مَعْرُوف بِالنّسَبِ إِلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء وَلَكِن لما كَانَ معرفَة المُرَاد مِنْهُ بِغَيْرِهِ سمي كنية وعَلى هَذَا الاستعارات والتعريضات فِي الْكَلَام بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة فَإِن الْعَرَب تكني الحبشي بِأبي الْبَيْضَاء والضرير بِأبي العيناء وَلَيْسَ بَينهمَا اتِّصَال بل بَينهمَا مضادة وَقد ذكرنَا أَن الْمجَاز حَده الِاتِّصَال بَينه وَبَين مَا جعل مجَازًا عَنهُ
عرفنَا أَن الْكِنَايَة غير الْمجَاز وَلَكنهُمْ يكنون بالشَّيْء عَن الشَّيْء على وَجه السخرية أَو على وَجه التفاؤل فيكنون عَمَّا يذم بِمَا يمدح بِهِ على سَبِيل التفاؤل كَمَا يذكرُونَ صِيغَة الْأَمر على وَجه الزّجر والتهديد ويقولن تربت يداك على وَجه التعطف فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حد الْكِنَايَة غير حد الْمجَاز
ثمَّ حكم الصَّرِيح ثُبُوت مُوجبه بِنَفسِهِ من غير حَاجَة إِلَى عَزِيمَة وَذَلِكَ نَحْو لفظ الطَّلَاق وَالْعتاق فَإِنَّهُ صَرِيح فعلى أَي وَجه أضيف إِلَى الْمحل من نِدَاء أَو وصف أَو خبر كَانَ مُوجبا للْحكم حَتَّى إِذا قَالَ يَا حر أَو يَا طَالِق أَو أَنْت حر أَو أَنْت طَالِق أَو قد حررتك أَو قد طَلقتك يكون إيقاعا نوى أَو لم ينْو لِأَن عينه قَائِم مقَام مَعْنَاهُ فِي إِيجَاب الحكم لكَونه صَرِيحًا فِيهِ
وَحكم الْكِنَايَة أَن الحكم بهَا لَا يثبت
следующие страницы →