Полный текст (428 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
- ﷺ َ - الْبَاب الرَّابِع حَقِيقَة الْكَلَام مَعَ الْمجَاز
... بَاب حوى حَقِيقَة الْكَلَام ... مَعَ الْمجَاز فاستمع نظامي ...
الْحَقِيقَة فعلية من حق الشَّيْء بِمَعْنى ثَبت وَمن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين﴾ وَهِي إِمَّا بِمَعْنى الْفَاعِل أَي الثَّابِت فالتاء فِيهَا للتأنيث أَو بِمَعْنى الْمُثبت من حققت الشَّيْء أحقه بِمَعْنى أثْبته فالتاء فِيهَا للنَّقْل من الوصفية إِلَى الاسمية كالنطحية وَلذَا لَا يُقَال بَهِيمَة نطيحة وَقد نقلت إِلَى اللَّفْظ الْمَوْضُوع بِالْمَعْنَى الاصطلاحي الَّذِي يفِيدهُ قَوْلنَا ... وَعرفت بِالْكَلِمَةِ المستعمله ... فِي الِاصْطِلَاح فَالَّذِي تُوضَع لَهُ ...
عرفهَا أَئِمَّة الْبَيَان وَغَيرهم بِالْكَلِمَةِ المستعملة بِمَا وضعت لَهُ فِي اصْطِلَاح التخاطب فَخرج بِالْأولِ الْمُهْملَة وَمَا وضع وَلم يسْتَعْمل فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز وَخرج بِقَيْد اصْطِلَاح التخاطب الصَّلَاة إِذا استعملها الْمُتَكَلّم باصطلاح الشَّرْع فِي الدُّعَاء فَإِنَّهَا مجَاز بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَدخلت فِي الْحَد بِالنّظرِ إِلَى اسْتِعْمَالهَا بِالْعرْفِ الشَّرْعِيّ فِي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا حَقِيقَة وَلما كَانَت لَهَا أَقسَام أفادها قَوْلنَا
стр. 247
.. أقسامها أَصْلِيَّة عرفية ... تعم أَو تخص والشرعية ...
قسم الْعلمَاء الْحَقِيقَة إِلَى لغوية وَهِي مَا يكون واضعها وَاضع اللُّغَة وضعا أَصْلِيًّا وعرفية وَهِي مَا تغلب فِي الْعرف فِي غير مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ وَهِي قِسْمَانِ إِن لم يتَعَيَّن ناقلها فعرفية عَامَّة ومثلوها بِلَفْظ الدَّابَّة فَإِنَّهَا فِي اللُّغَة بِكُل مَا يدب فخصصها الْعرف الْعَام بذوات الْأَرْبَع أَو تعين ناقلها فَهِيَ الْخَاصَّة وَذَلِكَ كألفاظ اصْطِلَاحَات أهل الْعُلُوم وَغَيرهم كالرفع وتخفض لألقاب الْإِعْرَاب وكل أهل فن لَهُم أَلْفَاظ مصطلحة فالعموم وَالْخُصُوص فِي الْعُرْفِيَّة من حَيْثُ تعين النَّاقِل وَعَدَمه والشرعية هِيَ مَا اسْتُفِيدَ وَضعهَا من الشَّارِع كَالصَّلَاةِ لذات الْأَركان والأذكار وَالزَّكَاة لأخراج جُزْء معِين بِتَعْيِين الشَّارِع من المَال وَمِنْهَا الدِّينِيَّة وَهَذِه مَا نقلت إِلَى أصُول الدّين كالإيمان وَالْفِسْق وَالْمُؤمن وَالْفَاسِق وَنبهَ النّظم عَلَيْهَا بقوله فِيمَا يَأْتِي دينية مِنْهَا للْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَيست بقسم مُسْتَقل بل هِيَ دَاخِلَة فِي الشَّرْعِيَّة وَإِنَّمَا جعلهَا الْمُتَأَخّرُونَ قسما مُسْتقِلّا وَإِلَّا فَهِيَ شَرْعِيَّة والمتقدمون أدمجوها فِيهَا ثمَّ للْحَقِيقَة تَقْسِيم آخر وَهُوَ بِاعْتِبَار تعدد اللَّفْظ وَالْمعْنَى أَو اتحادهما فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقسَام
الأول أَفَادَهُ قَوْلنَا ... دينية مِنْهَا فَإِن تعدّدت ... لفظا وَمعنى فبذا تباينت ...
الضَّمِير للْحَقِيقَة أَي تعدّدت الْحَقِيقَة لفظا وَمعنى أَو الْكَلِمَة الدَّالَّة عَلَيْهَا قرينَة الْكَلَام وَهُوَ أولى لِأَن الْمَعْرُوف عِنْدهم تَقْسِيم الْكَلِمَة إِلَى ذَلِك أَعم من كَونهَا حَقِيقَة أَو مجَازًا وَهُوَ أولى لِأَن الْمَعْرُوف عِنْدهم تَقْسِيم الْكَلِمَة إِلَى ذَلِك أَعم من كَونهَا حَقِيقَة أَو مجَازًا وَذَلِكَ كالإنسان وَالْفرس والسواد وَالْبَيَاض وَتسَمى متباينة لتباينها دلَالَة ولفظا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا فبذا تباينت وَهَذَا الْقسم الأول
стр. 248
وَالثَّانِي وَهُوَ بِاعْتِبَار الِاتِّحَاد لفظا وَمعنى أَفَادَهُ بقوله
مَا لم فَإِن يتحدا فمنفرد
أَي مَا لم يَتَعَدَّد لفظا وَمعنى وَهُوَ يَنْقَسِم أَيْضا فَإِن اتَّحد اللَّفْظ وَالْمعْنَى بِأَن وجد المُرَاد فِي لفظ وَاحِد لَا تعدد فِيهِ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ الْمُنْفَرد فَيدْخل فِيهِ الجزئي الْحَقِيقِيّ كزيد والإضافي كالإنسان بِالنّظرِ إِلَى الْجِنْس فَإِن مَفْهُومه وَاحِد من هَذِه الْجِهَة فالمتواطىء والمشكك لَيْسَ بداخلين تَحت هَذَا الْقسم بل هما قسم مُسْتَقل وَمن النَّاس وَهُوَ الْأَكْثَر من يجعلهما من هَذَا الْقسم المتحد لفظا وَمعنى
الْقسم الثَّالِث قَوْله
وَإِن تعدد لَفظه ويتحد ... مَعْنَاهُ مِنْهَا فَهُوَ بالترادف
مَعْنَاهُ مِنْهَا أَي مَا تعدد لَفظه واتحد مَعْنَاهُ فَهُوَ الْقسم الْمَعْرُوف بالترادف أَي يُسمى بِهِ وَهُوَ معنى قَوْلنَا فِي صدر الْبَيْت الْآتِي يدعى وَهُوَ فِي عرف الْأُصُولِيِّينَ توالي الْأَلْفَاظ المفردة الدَّالَّة على شَيْء وَاحِد بِاعْتِبَار وَاحِد وَذَلِكَ كالإنسان والبشر والأسد وَاللَّيْث وفوائده كَثِيرَة مِنْهَا أَنه قد يضْطَر إِلَى لفظ ليُوَافق القافية والروي وَيحْتَاج إِلَيْهِ فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَغير ذَلِك
وَالْقسم الرَّابِع مَا أَفَادَهُ قَوْله
يدعى واما عَكسه فاستأنف
أَي عكس مَا قبله وَهُوَ مَا اتَّحد لَفظه وتعددت مَعَانِيه بِحَيْثُ لَا يمْنَع تصور مَعْنَاهُ من وجود الشّركَة فِيهِ وَقَوله فاستأنف جَوَاب إِمَّا أَي اسْتَأْنف تقسيمه فَهَذَا تَقْسِيم مُسْتَأْنف وَهُوَ قِسْمَانِ
стр. 249
الأول وَهُوَ المُرَاد من قَوْله ... إِن وضع اللَّفْظ بِأَمْر كلي ... فِيهِ اشتركن فاستمع مَا أملي ...
أَي إِن وضع اللَّفْظ بِتِلْكَ الْمعَانِي بِاعْتِبَار أَمر كلي اشتركن أَي الْمعَانِي فِيهِ ... فَإِنَّهُ مشكك للنَّظَر ... إِن كَانَ بعض مِنْهُ أولى فَانْظُر ...
أَي فَإِنَّهُ يُسمى مشككا إِن تفاوتت أَفْرَاده بأولية أَو أَوْلَوِيَّة كَمَا أَفَادَهُ قَوْلنَا إِن كَانَ بعض مِنْهُ أولى ومثاله قَوْله ... مِثَاله الْمَوْجُود للرحمن ... سُبْحَانَهُ وَلِلْحَدِيثِ الفاني ...
فَإِن لَفْظَة مَوْجُود تطلق عَلَيْهِ تَعَالَى وَتطلق على الْمَخْلُوق الْمُحدث فالباري بهَا أَحَق وَأولى لِأَن مَعْنَاهُ فِي حَقه أقدم وَأتم وَقَوْلنَا إِن كَانَ بعض مِنْهُ أولى يَشْمَل مَا ذكر ويشمل مَا كَانَت الْأَوْلَوِيَّة بِاعْتِبَار الشدَّة والضعف كالبياض يُطلق على الثَّلج والعاج مثلا فَإِنَّهُ أَشد مِنْهُ فِي الثَّلج وَأقوى من العاج وَهَذَا أول الْقسمَيْنِ وَهُوَ المشكك سمي بذلك لِأَنَّهُ أوقع النَّاظر فِي الشَّك هَل هُوَ متواطىء نظرا إِلَى اشْتِرَاك الْأَفْرَاد فِي أصل الْمَعْنى أَو مُشْتَرك نظرا إِلَى التَّفَاوُت الْمَذْكُور
وَالثَّانِي أَفَادَهُ قَوْلنَا ... وَإِن يكن يُطلق بالسويه ... فهوالتواطؤ بِغَيْر مريه ...
أَي وَإِن لم تَتَفَاوَت افراده بالأولوية بل أطلق عَلَيْهَا بِالسَّوِيَّةِ فَإِنَّهُ يُسمى بالمتواطىء وَذَلِكَ كالإنسان فَإِن دلَالَته على أَفْرَاده مُتَسَاوِيَة فَإِن الإنسانية فِي زيد لَيست بِأولى مِنْهَا فِي عَمْرو وَلَا أقدم وَلَا أتم وَيُسمى متواطئا أخذا من التواطؤ وَهُوَ التوافق وَإِذا عرفت هَذَا فَإِنَّهُ دخل تَحت الْقسم الرَّابِع وَهُوَ مَا اتَّحد لَفظه وتعددت مَعَانِيه ثمَّ فِيهِ أَقسَام يفيدها قَوْلنَا
стр. 250
.. أَو تخْتَلف حقائق الْمعَانِي ... فالجنس أولى فتراه الثَّانِي ...
أَي مَا اتَّحد لَفظه وتعددت مَعَانِيه لَا يَخْلُو مَا إِن تخْتَلف حقائق الْمعَانِي الدَّاخِلَة تَحْتَهُ فَهُوَ الْجِنْس فَإِن حَقِيقَته الْمَقُول على الْكَثْرَة الْمُخْتَلفَة الْحَقَائِق فِي جَوَاب مَا هُوَ مِثَاله الْحَيَوَان فَإنَّك إِذا قلت مَا الْفرس وَالْإِنْسَان مثلا كَانَ السُّؤَال عَن تَمام الْمَاهِيّة الْمُشْتَركَة بَينهمَا فَيُقَال فِي جَوَابه حَيَوَان وَهَذَا هُوَ أحد الكليات الْخمس الْمَعْرُوفَة فِي فن الْمنطق
وَالثَّانِي من أَقسَام مَا نَحن بصدده أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله أولى فتراه الثَّانِي أَي وَلَا تخْتَلف حقائق مَا تَحْتَهُ فَهُوَ الْقسم الثَّانِي وَيُسمى نوعا كَمَا يفِيدهُ قَوْلنَا الْآتِي أَعنِي بِهِ النَّوْع وعرفوه بِمَا يُقَال على الْكَثْرَة المتفقة الْحَقِيقَة فِي جَوَاب مَا هُوَ وَذَلِكَ كالإنسان فَإنَّك إِذا قلت مَا زيد وَمَا عَمْرو مثلا كَانَ سؤالا عَن تَمام الْمَاهِيّة الْمُشْتَركَة بَينهمَا فَيُقَال إِنْسَان لِأَنَّهُ النَّوْع الَّذِي طُولِبَ بالسؤال لِأَنَّهُ سُؤال عَن طلب الْحَقِيقَة فَأُجِيب بِمَا يطابقه فتحقيق هَذِه مَوْضِعه علم الْمنطق وَقد عرفت معنى صدر قَوْلنَا ... اعني بِهِ النَّوْع وَبَعض يعكسه ... أَمْثَالهَا وَاضِحَة لَا تلبس ...
وَهَذِه إِشَارَة إِلَى أَن الَّذِي سلف عرف أهل علم الْمنطق وَأما الأصوليون وَهُوَ المُرَاد بِالْبَعْضِ فَإِنَّهُم يعكسون فَيَقُولُونَ للْجِنْس النَّوْع وللنوع الْجِنْس فيجعلوه المندرج جِنْسا والمندرج تَحْتَهُ نوعا وَهَذَا اصْطِلَاح لَا مشاحة فِيهِ وَإِلَى هُنَا تقاسيم الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ الدَّاخِل تَحت قَوْله إِن وضع اللَّفْظ بِأَمْر كلي وَهُوَ من الْقسم الرَّابِع كم عرفت وَهُوَ المتحد لفظا المتعدد معنى وَمَا اتَّحد لَفظه وتعددت مَعَانِيه فَهُوَ الْقسم الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلنَا ... وَإِن وضعت اللَّفْظ للمعاني ... لَكِن لفظ مِنْهُ وضع ثَانِي ...
وَهَذَا الْقسم الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ وَهُوَ قسيم الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ الَّذِي عَرفته إِذْ هما مَعًا داخلان تَحت مقسم وَاحِد وَهُوَ المتحد لفظا المتعدد معنى كَمَا عرفناك وَلذَا قُلْنَا
стр. 251
فَإِنَّهُ الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ
ودونك الْمجَاز يَا مرضِي ... إِلَى اشْتِرَاك بَينهَا مرعيا
فسمه مُشْتَركا لفظيا
فَقَوله إِن وضعت أَي اللَّفْظ الْوَاحِد كَمَا دلّ قَوْله بِكُل لفظ وَدخل الْمُنْفَرد فِي هَذَا وَخرج بقولنَا للمعاني لِأَن الْمَعْنى فِيهِ مُتحد كَمَا عرفت وَقَوله لكل لفظ مِنْهُ وضع ثَان فصل يخرج بِهِ المشكك والمتواطىء وَقَوله مرعيا إِيضَاح يُرَاد بِهِ أَن الِاشْتِرَاك الْمَقْصُود هُوَ مَا روعي فِي أصل الْوَضع ولوحظ بِخِلَاف الِاشْتِرَاك فِي مُجَرّد اللَّفْظ وَلَيْسَ مِمَّا يُرَاعِي فِي أصل الْوَضع ويستقل بالإفادة
وَمِثَال مَا جمع الْقُيُود لفظ الْعين يُطلق على الباصرة وعَلى الفوارة وعَلى عين الشَّمْس وَعين الذَّهَب وكالقرء للطهر وَالْحيض وعسعس لأقبل وَأدبر فَكل وَاحِد من هَذِه وضع لكل معنى على انْفِرَاده وضعا مُسْتقِلّا من غير اشْتِرَاك بَينهَا فِي أَمر روعي
وللعلماء خلاف فِي وُقُوعه فالجمهور عَلَيْهِ وَخَالف أَئِمَّة وَقَالُوا لَا يَقع قَالُوا لِأَن الْغَرَض من وضع الْأَلْفَاظ فهم الْمَعْنى الْمَقْصُود للمتكلم والاشتراك يخل بذلك فَيكون وَضعه سَببا للمفسدة والواضع حَكِيم لَا يجوز عَلَيْهِ ذَلِك وَأجِيب بِأَن قَرَائِن السِّيَاق وَالْمقَام تحصل غَرَض الْمُتَكَلّم وَمَعَ الْقَرَائِن تذْهب الْمفْسدَة وَلَا نسلم خلو الْمقَام والسياق من قرينَة وَهُوَ وَاقع فِيمَا مثلناه
قَالَ الْمَانِع من وُقُوعه هَذِه الْأَمْثِلَة مَحْمُولَة على أَنَّهَا من بَاب الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَأجِيب بِأَنَّهُ يسْتَعْمل الْقُرْء فِي الْحيض وَالطُّهْر على سَبِيل الْبَدَل من غير تَرْجِيح وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مُشْتَرك وَالْقَوْل بِخِلَاف هَذَا وإطالة الردود قَول بِخِلَاف الظَّاهِر وَأما إِطْلَاق الْمُشْتَرك على جَمِيع مَعَانِيه فَفِيهِ أبحاث فِي مطولات الْفَنّ لَا يَتَّسِع هَذَا الْمُخْتَصر بتطويله بهَا وَالْمَقْصُود من الْحَقِيقَة وأقسامها قد وفى بِهِ مَا أسلفناه نظما ونثرا
وَعند الْفَرَاغ مِنْهُ أَخذنَا فِي الْمجَاز فَقُلْنَا
стр. 252
فصل حوى الْكَلَام فِي الْمجَاز
مُخْتَصرا لمقْتَضى الإيجاز
الْمجَاز لُغَة العبور والانتقال نقل إِلَى مَا ذكر من اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ لعلاقة بِشَرْط الْقَرِينَة لِأَن الْمجَاز بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ طَرِيق إِلَى مَعْنَاهُ الْمُسْتَعْمل فِيهِ ورسمه اصْطِلَاحا أَفَادَهُ قَوْله
ورسمه اللَّفْظ الَّذِي يسْتَعْمل
فِي غير مَوْضُوع لَهُ قد نقلوا ... فِي عرف من يُطلق للعلاقة
قد صَحِبت قرينَة إِطْلَاقه
أَي حَقِيقَة الْمجَاز هُوَ اللَّفْظ الَّذِي يسْتَعْمل فِي غير مَوْضُوع فِي عرف من يُطلقهُ للعلاقة مَعَ قرينه فقولنا اللَّفْظ الَّذِي يسْتَعْمل فِي غير مَوْضُوع خرج بِهِ اللَّفْظ قبل الِاسْتِعْمَال بعد الْوَضع فَإِنَّهُ لَيْسَ بمجاز وَلَا حَقِيقَة والظرف مُتَعَلق بيستعمل فَخرجت الْحَقِيقَة وَقَوله فِي عرف من يُطلق أَي يُطلق اللَّفْظ يدْخل بِهِ الصَّلَاة فِي عرف الشَّرْع إِذا اسْتعْملت فِي الدُّعَاء مجَازًا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ اسْتِعْمَالا فِيمَا وضع لَهُ أَصَالَة فَلَيْسَ بمستعمل فِي عرف من يُطلقهُ اعني الشَّارِع وَخرج بِهِ أَيْضا لفظ الصَّلَاة إِذا اسْتعْملت فِي عرف الشَّرْع وَقَوْلنَا للعلاقة يخرج الْغَلَط نَحْو خُذ هَذَا الْكتاب مُشِيرا بِهِ إِلَى فرس فَإِنَّهُ وَإِن صدق عَلَيْهِ أَنه اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ لَكِن لَيْسَ لعلاقة والعلافة بِالْفَتْح تطلق على الْمعَانِي كعلاقة الْحبّ وبالكسر على الْأَعْيَان كعلاقة السَّيْف وَالْمرَاد بهَا هُنَا تعلق مَا للمعنى الْمجَازِي بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ
وَاعْلَم أَنه لَا بُد لكل مجَاز من علاقَة وقرينة فالعلاقة هِيَ المجوزة للاستعمال والقرينة هِيَ الْمُوجبَة للْحَمْل عَلَيْهِ وَقَوله مَعَ قرينَة أَي مفيدة للمعنى الْمجَازِي صارفة للفظ عَن مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ إِلَى مَعْنَاهُ الْمجَازِي وَبِه تخرج الْكِنَايَة لِأَنَّهَا مستعملة فِي غير مَا وضع اللَّفْظ لَهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ قإن قلت مَا الْفرق بَين قرينَة الْمجَاز وقرينة الْمُشْتَرك قلت الْفرق
стр. 253
وَاضح لِأَن قرينَة الْمُشْتَرك مُعينَة للمعنى المُرَاد من اللَّفْظ الْحَقِيقِيّ وقرينة الْمجَاز صارفة عَن إِرَادَته أَي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ ومقيدة لَهُ إِن قلت تعْيين الْقَرِينَة أحد مَعَاني الْمُشْتَرك صارفة أَيْضا للمعنى الآخر قلت لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهَا إِلَّا التَّعْيِين وَإِن استلزمت الصّرْف فَلَيْسَتْ فِيهِ مَقْصُودَة لأجل الصّرْف بل لأجل التَّعْيِين وَالْحَاصِل أَن الْمُشْتَرك مَوْضُوع للدلالة بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا حصل الْإِيهَام من الِاسْتِعْمَال فَكَانَت قرينته لتعيينه بِخِلَاف قرينَة الْمجَاز فَإِنَّهَا محصلة لأصل الْمَعْنى الْمجَازِي صارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ ثمَّ اعْلَم أَن العلاقة الْمشَار إِلَيْهَا قد تكون المشابهة وَقد تكون غَيرهَا فانقسم بِسَبَبِهَا الْمجَاز قسمَيْنِ مجَاز مُرْسل واستعارة أَشَارَ إِلَى الأول بقوله ... وَإنَّهُ نَوْعَانِ مِنْهَا الْمُرْسل ... كَالْيَدِ للنعمة فِيمَا مثلُوا ...
هَذَا هُوَ النَّوْع الأول وَهُوَ الْمجَاز الْمُرْسل وَهُوَ مَا كَانَت علاقته المصححة لإطلاقه غير المشابهة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي وَلذَا سمي مُرْسلا لإرساله عَن التَّقْيِيد بالمشابهة كَمَا قيد بهَا قسيمه ومثلوه بِإِطْلَاق الْيَد على النِّعْمَة فِي قَوْلهم لفُلَان عِنْدِي يَد بعلاقة هِيَ كَون الْيَد الْجَارِحَة بِمَنْزِلَة الْعلَّة الفاعلية للنعمة من حَيْثُ أَنَّهَا مِنْهَا تصدر وَتصل إِلَى الْمَقْصُود بِالنعْمَةِ كَمَا تصل بِالْيَدِ إِلَى مَا يُرَاد والعلاقة تسمى السَّبَبِيَّة أَو الْمُلَازمَة والعلاقات قد عدت فِي فن الْبَيَان بِلَا زِيَادَة على عشْرين علاقَة وَلَا حَاجَة إِلَى استيفائها هُنَا لِأَن لَهَا فَنًّا آخر هُوَ علم الْبَيَان وَقد اسْتكْمل عَددهَا فِي شرح الْغَايَة الثَّانِي من نَوعه قَوْله ... ثَانِيهمَا يَدعُونَهُ استعاره ... كأنشب الْمَوْت بِهِ أَظْفَاره ...
стр. 254
سموهُ اسْتِعَارَة لانك مَعَ قصدك التَّشْبِيه كَأَنَّك استعرت لَهُ الصّفة الَّتِي أردْت اتصاف الْمُشبه بهَا وَهِي مجَاز لغَوِيّ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَبَعْضهمْ يَجْعَلهَا مجَازًا عقليا وَهِي أَنْوَاع مِنْهَا الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَبهَا مثل النَّاظِم وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم شبه الْمَوْت بالسبع بِجَامِع اغتيال النُّفُوس ورمز إِلَيْهِ بِمَا هُوَ من لَازمه والمثال إِشَارَة إِلَى قَول الشَّاعِر ... وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تَمِيمَة لَا تَنْفَع ...
وَهُوَ الْأَظْفَار وَقَوله أنشبت ترشيح للاستعارة وَإِثْبَات الاظفار اسْتِعَارَة تخييلية وَالْقسم الثَّانِي من الِاسْتِعَارَة الِاسْتِعَارَة المصرحة مثل رَأَيْت أسدا فِي الْحمام فَإِنَّهُ استعير لفظ أَسد الشجاع وَأطلق عَلَيْهِ اسْتِعَارَة وأتى بِالْقَرِينَةِ وَهِي قَوْله فِي الْحمام
وَاعْلَم أَن أهل الْأُصُول يطلقون الْمجَاز على مَا يَشْمَل الْكِنَايَة وَهِي نَحْو فلَان طَوِيل النجاد كِنَايَة عَن طول الْقَامَة وَلَكنهُمْ يحذفون لفظ الْقَرِينَة من تَعْرِيف الْمجَاز فتعريفنا فِي النّظم على رَأْي أهل الْبَيَان فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ الْكِنَايَة قسما مُسْتقِلّا لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز وَقد وَقع التَّقْيِيد بِمَا قيدنَا بِهِ فِي بعض كتب الْأُصُول ثمَّ اعْلَم أَنه قد يُطلق الْمجَاز على مَا يَشْمَل الْمُفْرد والمركب والإسناد وَإِلَيْهِ يُشِير قَوْله ... وَيدخل التَّرْكِيب والإفرادا ... كَمَا ترَاهُ يدْخل الإسنادا ...
أَي وَيَقَع الْمجَاز فِي الْمركب وَحَقِيقَته اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا يشبه بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ نَحْو أَرَاك تقدم رجلا وَتَأَخر أُخْرَى حَيْثُ يُرَاد بِهِ تَشْبِيه المتردد فِي أَمر بِصُورَة من قَامَ يذهب إِلَى حَاجَة فَتَارَة يُرِيد الذّهاب فَيقدم رجلا وَتارَة
стр. 255
لَا يُرِيد فيؤخر أُخْرَى فَاسْتعْمل الْكَلَام من غير تَغْيِير شَيْء مِنْهُ سَوَاء نَقله إِلَى هَذِه الصُّورَة تَشْبِيها بِتِلْكَ الصُّورَة وَتسَمى الِاسْتِعَارَة التمثيلية
وَقَوله والإفراد أَي أَنه يَقع الْمجَاز فِي الْمُفْرد وَتَقَدَّمت أمثلته فَالْمُرَاد من التَّرْكِيب فِي عبارَة النّظم والإفراد الْمركب والمفرد فهما مصدران بِمَعْنى اسْم الْمَفْعُول بِقَرِينَة قَوْله يدْخل الْإِسْنَاد فَإِن الْمجَاز الإسنادي هُوَ مجَاز التَّرْكِيب ومجاز الْإِسْنَاد هُوَ الْمُسَمّى بالمجاز الْعقلِيّ وَحَقِيقَته إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير من قَامَ بِهِ عِنْد الْمُتَكَلّم نَحْو أنبت الرّبيع البقل وَجرى النَّهر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعرف من علم الْبَيَان تفاصيله وَلما عقد الأصوليون مَسْأَلَة معنوية بِأَنَّهُ إِذا دَار اللَّفْظ بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز حمل على الْمجَاز أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِم بقوله ... فَمَا احْتمل الشّركَة والمجازا ... فبالمجاز عِنْدهم قد فازا ...
كلمة مَا شَرْطِيَّة جوابها فبالمجاز وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا إِذا احْتمل اللَّفْظ الشّركَة وَالْمجَاز حمل على الْمجَاز ومثلوه بِلَفْظ النِّكَاح إِذا علم كَونه حَقِيقَة فِي أحد معنييه كالعقد مثلا وَاحْتمل أَنه حَقِيقَة فِي الآخر وَهُوَ الْوَطْء فَيكون مُشْتَركا أَو لَا فَيكون مجَازًا فالحمل على الْمجَاز أولى فَإِن قلت إِن وجدت قرينَة الْمجَاز فَلَا يتَصَوَّر حمله على الْحَقِيقَة وَألا تُوجد فَلَا يتَصَوَّر حمله على الْمجَاز قلت أُجِيب بِأَن المُرَاد مَعَ الْقَرِينَة إِلَّا أَن الْغَرَض أَنه قد علم أَن أَحدهمَا حَقِيقَة وَإِنَّمَا التَّرَدُّد فِي الْمَعْنى الآخر هَل هُوَ حَقِيقَة فَيكون مُشْتَركا أَو لَا فَيكون مجَازًا وَإِنَّمَا تردد اللَّفْظ لجَوَاز أَن الْقَرِينَة قرينَة تعْيين الْمُشْتَرك لأحد أَفْرَاده هَكَذَا قيل وَلَا يَخْلُو عَن تَأمل
стр. 256
إِذا عرفت هَذَا وَقد عرفت أَن كلا من الِاشْتِرَاك وَالْمجَاز يُوقع الْخلَل فِي فهم السَّامع للمراد بسببهما قَالُوا فَيحمل على مَا هُوَ أقرب وَأولى إِلَى تقريب المُرَاد إِلَى الْفَهم وَفِي الْمَسْأَلَة مَعَ تشابهما أَقْوَال وَاسِعَة لَا يَتَّسِع لَهَا هَذَا التَّعْلِيق وَهِي من أبحاث المطولات وَقد طولهَا فِي الفواصل وَقيل بل يحمل على الِاشْتِرَاك قلت بل تَرْجِيح الْمجَاز على الِاشْتِرَاك أولى لِأَنَّهُ من إِلْحَاق الْفَرد الْمُتَنَازع فِيهِ بالأعم الْأَغْلَب فِي الِاسْتِعْمَال فَإِن الْمجَاز أغلب من الِاشْتِرَاك بل قيل إِنَّه غَالب اللُّغَة وَلما كَانَ للمجاز عَلَامَات وخواص يعرفانه ويتميز بهَا عَن الْحَقِيقَة وَقد أعدهَا أَئِمَّة الْأُصُول ببحث الْمجَاز قَالَ النَّاظِم ... خاصته بِأَنَّهُ لَا يطرد ... فِي كل مَا يصلح مِنْهُ أَن يرد ...
هَذِه الْعَلامَة الأولى الْخَاصَّة قَالُوا إِن من خَواص الْمجَاز عدم اطراده فِي مَدْلُوله قَالُوا النَّخْلَة فَإِنَّهَا تطلق مجَازًا على إِنْسَان طَوِيل وَلَا تطلق على غَيره مِمَّا فِيهِ طول بِخِلَاف الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا تطرد فِي مدلولها وَأورد عَلَيْهِ ان هَذَا يُوجب أَنه لَا بُد من سَماع آحَاد الْمجَاز كالحقيقة وَقد قرروا أَنه مَوْضُوع وضعا نوعيا وَبِأَن من الْحَقَائِق مَا لَا يطرد فَلَا يكون خَاصّا بالمجاز كالقارورة لَا تطلق إِلَّا على الزجاجة لَا كل مَا يقر وَأَجَابُوا فِي المطولات بأجوبة غير ناهضة والعلامة الثَّانِيَة الْخَاصَّة قَوْله ... وَأَنه يصدق حِين ينفى ... وَغَيره وَالله حسبي وَكفى ...
هَذِه الْخَاصَّة مثلوها بقَوْلهمْ للبليد لَيْسَ بِحِمَار فَإِنَّهُ حَقِيقَة مَعَ أَنه يُطلق عَلَيْهِ ذَلِك مجَازًا وَقَوْلنَا وَغَيره أَي غير مَا ذكر مثل نَص أَئِمَّة اللُّغَة أَن هَذَا اللَّفْظ مجَاز أَو سبق غَيره إِلَى الْفَهم لَوْلَا الْقَرِينَة وَقد بسط فِي مطولات الْفَنّ فَإِنَّمَا ذكر أَئِمَّة الْأُصُول مهمات من قَوَاعِد الْفُنُون كالمنطق وَعلم الْبَيَان وَعند الْفَرَاغ من هَذَا الْفَصْل أَخذ فِي شرح الْخَامِس من الْأَبْوَاب فَقَالَ
стр. 257
- ﷺ َ - الْبَاب الْخَامِس فِي الْأَمر وَالنَّهْي
... فخامس الْأَبْوَاب فِيهِ النشر ... لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي فَأَما الْأَمر ...
هَذَا الْبَاب يذكر فِيهِ الْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا وخامس الْأَبْوَاب مُبْتَدأ أَو فِيهِ النشر خَبره والبحث هُنَا فِي مقامين وهما الْأَمر من جِهَة لَفظه أَي ألف مِيم رَاء فاختلفا فِي ألف مِيم را على أَقْوَال أَولهَا أَنه حَقِيقَة فِي القَوْل الْمَخْصُوص أَي أفعل مجَاز فِي الْفِعْل نَحْو فلَان فِي أَمر عَظِيم وَقَوله ﴿أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله﴾
وَثَانِيهمَا أَنه مُشْتَرك بَينه وَبَين الشَّأْن نَحْو إِن وَرَاء الْمَوْت أمرا عَظِيما وَالْغَرَض نَحْو لأمر مَا جدع قصير أَنفه وعدت لَهُ معَان أخر لَا يهمنا فِي هَذَا الْفَنّ أمرهَا إِذْ المُرَاد هُنَا ثَانِي المقامين وَهُوَ النّظر فِي مَدْلُول الْأَمر ورسمه وحدوده بِاعْتِبَار الْكَلَام النَّفْسِيّ وَبِاعْتِبَار الْكَلَام اللَّفْظِيّ وَلَيْسَ بحث الأصولي إِلَّا عَن اللَّفْظِيّ فَلِذَا رسمه النَّاظِم بقوله ... فَهُوَ كَمَا فِي الأَصْل قَول الْقَائِل ... لغيره لَا زلت خير فَاعل ... افْعَل وَمَا شابهه وشاكله ... مستعليا يُرِيد مَا تنَاوله ...
فَقَوله قَول الْقَائِل جنس يدْخل فِيهِ جَمِيع أَنْوَاع الْكَلَام وَقَوله لغيره
стр. 258
فصل يخرج بِهِ امْر الْقَائِل لنَفسِهِ نَحْو قَوْله ﷺ قومُوا فلأصل لكم وَنَحْو قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْكفَّار فِي خطابهم للْمُؤْمِنين ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَمْر حَقِيقَة بل مجَاز إِذْ من شَرطه الاستعلاء وَلَا يتَصَوَّر من الْأَمر نَفسه
وَقَوله افْعَل وَمَا شاكله فصل يخرج بِهِ طلب الْفِعْل نَحْو أَنا طَالب مِنْك كَذَا وأوجبت عَلَيْك وَدخل فِيمَا شاكله لتفعل وصه ونزال وَنَحْوهَا مِمَّا يدل على الطّلب الإنشائي
وَقَوله مستعليا فصل ثَالِث يخرج بِهِ الالتماس وَهُوَ طلب الشَّيْء مِمَّن يساويك رُتْبَة بِلَا استعلاء وَالدُّعَاء وَهُوَ طلب على جِهَة الخضوع والتذلل ومرادهم بالاستعلاء عد الْآمِر نَفسه عَالِيا سَوَاء كَانَ فِي نفس الْأَمر كَذَلِك أَولا فَيشْمَل أَمر الإعلاء لمن دونه والأدنى لمن فَوْقه وَقد زَاد فِي الْفُصُول فصلا رَابِعا وَهُوَ التحتم بِنَاء على أَن التَّعْرِيف بمدلول الْأَمر لُغَة فَلَا بُد حِينَئِذٍ من قيد التحتم وَمن حذفه كَمَا هُنَا فَهُوَ بِنَاء على أَن أَمر النّدب وَغَيره دَاخل فِي التَّعْرِيف وَيَأْتِي تَحْقِيقه
وَاعْلَم أَن الْحَد قد اشْتَمَل على مسَائِل يذكرهَا أَئِمَّة الْأُصُول مُسْتَقلَّة مُنْفَرِدَة اكتفينا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا فِي ضمن الْحَد إِذْ الْكتاب مُخْتَصر وَأَصله كَذَلِك فلنشر إِلَيْهَا
الأولى قَوْلنَا افْعَل وَمَا شاكله إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة أَن لفظ الْأَمر اسْم لمُطلق اللَّفْظ الدَّال على مطلب الطّلب سَوَاء كَانَ عَرَبيا أَو فارسيا أَو من أَي لُغَة فَإِنَّهُ طلب الْفِعْل بِأَيّ صِيغَة إنشائية وَيحْتَمل أَنه أُرِيد بِمَا شاكله أَي من الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة الدَّالَّة على الطّلب إنْشَاء وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرهَا صَاحب الْمَحْصُول وَالْإِمَام يحيى فِي الْحَاوِي وَقَالَ الْحق إِنَّه مَوْضُوع للفظ الدَّال
стр. 259
على مُطلق الطّلب لَا بِاعْتِبَار كَونه عَرَبيا وَلَا فارسيا فَإِن الْعبارَات الدَّالَّة على الْمعَانِي إِنَّمَا وضعت بإجراء الْمعَانِي الذهنية أَلا ترى إِلَى أوَامِر الله فِي كتبه الْمنزلَة كَيفَ تخْتَلف عباراتها باخْتلَاف اللُّغَة فصيغ الْأَمر الَّتِي فِي التَّنْزِيل لَيْسَ هِيَ الَّتِي فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَوْله مستعليا يُشِير إِلَى الْخلاف فِي الْأَمر هَل يعْتَبر فِي الْعُلُوّ والاستعلاء أَو لَا فِيهِ أَقْوَال
وَالْأول يعْتَبر الاستعلاء وَإِلَيْهِ ذهب جَمَاهِير أَئِمَّة الْأُصُول قَالُوا وَدَلِيله ذمّ الْعُقَلَاء لمن قَالَ لمن هُوَ فَوْقه رُتْبَة افْعَل على جِهَة الاستعلاء ويصفونه بالحمق وَالْجهل وَلَوْلَا كَونه عد نَفسه عَالِيا على الْأَعْلَى مِنْهُ واعتقد ذَلِك وتفرع عَلَيْهِ أمره لَهُ لما ذموه ووصفوه بِالْجَهْلِ والحمق
وَالثَّانِي أَنه يعْتَبر الْعُلُوّ فَقَط وَمَعْنَاهُ كَون الْآمِر أرفع رُتْبَة من الْمَأْمُور وَهَذَا مَذْهَب أَكثر الْمُعْتَزلَة وَنقل عَن جَمَاهِير الْعلمَاء وَأهل اللُّغَة وَاسْتدلَّ لَهُم باستقباح الْعُقَلَاء لقَوْل الْقَائِل أمرت الْأَمِير وَعَدَمه عِنْدهم إِذا قَالَ سَأَلته وطلبته ورد بِأَنَّهُ عَلَيْهِم لَا لَهُم لِأَن الاستقباح دَلِيل أَنه قد وَقع الْأَمر وَلَوْلَا وُقُوعه لما استقبح فَلَو كَانَ الْعُلُوّ شرطا لما كَانَ ذَلِك للأمير أمرا وَإِلَّا لما استقبح مَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْعُلُوّ غير شَرط وَقد أُجِيب عَنهُ
ثالثهما يعتبران مَعًا الْعُلُوّ والاستعلاء وَهُوَ لجَماعَة
وَالرَّابِع عَكسه قَالَه الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول مستدلا بقول فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ ﴿فَمَاذَا تأمرون﴾ مَعَ أَنه أَعلَى رُتْبَة وَقَول عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية ... أَمرتك أمرا حازما فعصيتني ...
стр. 260
وَقَول دُرَيْد بن الصمَّة لمن هم فَوْقه ... أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوى ...
قَالَ فَهَذِهِ الْأُمُور دَالَّة على عدم اعْتِبَار الْعُلُوّ والاستعلاء وَأجِيب بِأَن الاستعلاء مُعْتَبر لُغَة وَهَذِه الْأَمْثِلَة جَارِيَة على ذَلِك فَإِن فِرْعَوْن مَا خَاطب قومه إِلَّا وَقد عدهم أعلن مِنْهُ رَأيا فِي هَذِه الْحَالة وَأَنه طَالب أَن يأمروه بأمرهم وَكَذَلِكَ عَمْرو مَا خَاطب مُعَاوِيَة إِلَّا مُخَالفَته أمره لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ بِرَأْيهِ وَيطْلب مشورته وَينزل نَفسه منزلَة الْمَأْمُور وَكَذَلِكَ دُرَيْد خَاطب قومه لأَنهم أَخْرجُوهُ ليقتدوا بِرَأْيهِ فَلم يمتثلوا أمره وَقد أَمرُوهُ على نُفُوسهم وَالَّذِي يُقَوي عِنْدِي هُوَ اعْتِبَار الْأَمريْنِ الْعُلُوّ وَهُوَ كَون رُتْبَة الْآمِر أَعلَى من رُتْبَة الْمَأْمُور عِنْده وَلَا بُد من الاستعلاء وَهُوَ عد الْأَمر نَفسه عَالِيا بِالنّظرِ إِلَى الْمَأْمُور فِي اعْتِقَاده لذَلِك واستفعل هُنَا من بَاب واستكبر واستعظم عد نَفسه كَبِيرا عَظِيما وَهُوَ أحد مَعَانِيه فِي كتب التصريف فَقَوْل الْحجَّاج للأمير مثلا افْعَل كَذَا وَقَول الطَّبِيب للخليفة اشرب كَذَا أمرا لَا التماسا اعْتقد استعلاءه عَلَيْهِ وَطلب امتثاله لأَمره وَقَول الرجل لوَلَده افْعَل ولخادمه أَمر لِأَن لَهُ علوا عِنْدهمَا وَالْحَاصِل أَنه لَا بُد من استعلاء الْأَمر فِيمَا يُؤمر بِهِ فَإِن كَانَ لَهُ علو عِنْد الْمَأْمُور فَلَا إِنْكَار لما صدر عَنهُ ويلومه الْعُقَلَاء على عدم امتثاله وَهُوَ الَّذِي شَمله النّظم
وَالْعجب من الْعِرَاقِيّ وَغَيره فِي إبطالهم الاستعلاء مستدلين بِأَن كثيرا من أوَامِر الله فِي غَايَة اللطف وَنِهَايَة الاستجلاب لاقترانها بتذكير نعمه نَحْو قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا﴾ الْآيَة وَنَحْو ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَغَيرهمَا مِمَّا لَا يُحْصى
стр. 261
وَوجه التَّعَجُّب أَن أوَامِر الله كلهَا صادرة عَن الْعُلُوّ رُتْبَة بِلَا ريب وَعَن الاستعلاء فَإِنَّهُ الأحق بذلك إِلَّا أَنه لَا يُقَال فِي تَفْسِيره عد نَفسه عَالِيا واعتقدها كَذَلِك بل بِمَعْنى أَنه أهل لذَلِك الِاسْتِحْقَاق وَأما قرنه أوارمه بتذكير نعمه فَلَيْسَ لِأَنَّهُ وَلَا استعلاء بل ذكر ذَلِك عقب الْأَمر من بَاب بل الْأَمر وَقع بِلَفْظ افعلوا ثمَّ اتبعهُ بِدَلِيل يزيدهم بعثا على طَاعَته وإبانة لمنافع مَا أَمر بِهِ
وَقَول النَّاظِم يُرِيد مَا تنَاوله إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَذَلِكَ أَن صِيغَة افْعَل وَردت للتهديد والالتماس وَالدُّعَاء وَالْأَمر قَالُوا فبماذا يصير الأمرا أمرا فَاخْتلف قي ذَلِك وَالَّذِي اخْتَارَهُ النَّاظِم أَن مرجع الْأَمر إِلَى حُدُوث الصِّيغَة وَإِرَادَة محدثها الْمَأْمُور بِهِ فيعين كَونه أمرا إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ حتما وَيَكْفِي الصِّيغَة فِي كَونه أمرا لِأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ وَفِي المطولات تَطْوِيل قَلِيل التَّحْصِيل لوما اخْتلف الْعلمَاء فِي صِيغَة الْأَمر هَل وضعت للْإِيجَاب أَو لغيره فَأَشَارَ إِلَى ذَلِك قَوْلنَا
وَهُوَ مُفِيد للْوُجُوب شرعا
على الَّذِي تختاره ووضعا
هَذَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ وضع حَقِيقَة للْوُجُوب لُغَة وَبِه وَردت الشَّرِيعَة وَهَذَا قَول الْجُمْهُور وَفِيه إثنا عشر قولا مبسوطة فِي المطولات وَالَّذِي اخترناه هُوَ الْأَقْوَى دَلِيلا كَمَا أَفَادَهُ قَوْله
فالعقلاء تذم من لم يمتثل
أمرا لمَوْلَاهُ وَأَيْضًا نستدل ... بِأَنَّهُ مَا زَالَ هَذَا فِي السّلف
فَكَانَ إِجْمَاعًا تَلقاهُ الْخلف
تَقْرِير الدَّلِيل أَن الْعُقَلَاء من أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ قبل وُرُود الشَّرْع يذمون العَبْد إِذا لم يمتثل أَمر سَيّده ويصفونه بالعصيان وبلغتهم نزل الْقُرْآن ووردت السّنة النَّبَوِيَّة والذم والوصوف بالعصيان إِمَارَة اللُّزُوم والثبوت وَلَا يُرَاد
стр. 262
من الْوُجُوب إِلَّا ذَلِك وَهَذَا دَلِيل عَقْلِي لِأَن إِدْرَاك حسن هَذَا الذَّم عَقْلِي وَإِن اسْتُفِيدَ من موارد اللُّغَة فَلهَذَا نسب الذَّم إِلَى الْعُقَلَاء إِشَارَة إِلَى أَنه عَقْلِي
ثمَّ أَشَرنَا إِلَى الدَّلِيل الشَّرْعِيّ بقولنَا وأيا نستدل أَي وَنَرْجِع بعد إِقَامَة الدَّلِيل الأول إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل الثَّانِي وَهُوَ الشَّرْع وَتَقْرِيره أَنه تكَرر من الصَّحَابَة الِاسْتِدْلَال بأوامر الشَّرْع على الْوُجُوب وتكرره أَمر لَا يُنكره إِلَّا مباهت وشيوعه بَينهم كَذَلِك وَهُوَ المُرَاد من الْإِجْمَاع وَالْقَوْل بِأَنَّهُ إِجْمَاع سكوتي قد سلفت فِيهِ المناقشة وَجَوَابه أَنه يُفِيد الظَّن فِي إِثْبَات هَذَا الأَصْل بِلَا تردد وَلَا فرق بَين إِثْبَات الْأُصُول بِالدَّلِيلِ الظمني والقطعي من حَيْثُ وجوب الْعَمَل وَقد قَرَّرْنَاهُ فِي مَوَاضِع وَالدَّلِيل الْفرق وَهَذَا أَمر مَعْرُوف عِنْد كل عَاقل من متشرع وَغَيره بِأَنَّهُ إِذا أَمر الرجل من لَهُ أمره وَخَالفهُ ذمه كل وَاحِد واستحسنوا تَأْدِيب الْآمِر لمن عَصَاهُ وَهَذَا شَيْء يكَاد أَن يكون فطريا يعرفهُ من يُمَيّز قبل تَكْلِيفه وَاسْتدلَّ بآيَات قرآنية مثل قَوْله تَعَالَى ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ أَي بقولنَا ﴿اسجدوا لآدَم﴾ فإنكاره تَعَالَى على إِبْلِيس وذمه ولعنه وطرده دَلِيل على أَن افْعَل وَنَحْوه إِذا اطلق يفقد الْإِيجَاب وَلما قَرَّرْنَاهُ أَن الْأَمر للْإِيجَاب حَقِيقَة واخترناه أبنا أَنه يسْتَعْمل فِي معَان كَثِيرَة مجَازًا ... وَقد أَتَت صيغته مجَازًا ... فِي غَيره قد تركت إيجازا ...
لما ذكر أَئِمَّة الْأُصُول أَنَّهَا تَأتي صِيغَة الْأَمر لمعان مجازية وتعرضوا فِي المطولات لذكرها حَتَّى بلغ بهَا الْفَاضِل الْبرمَاوِيّ فِي منظومته وَشَرحهَا إِلَى أَكثر من ثَلَاثِينَ نوعا وعد أمثلتها أَشَرنَا إِجْمَالا إِلَيْهَا وَتَركنَا التفاصيل للإيجاز كَمَا قُلْنَا وَلِأَنَّهُ قد علم من الْقَوَاعِد أَن الْمجَاز مَوْضُوع بالنوع فَإِذا وجدت العلاقة والقرينة جَازَ اسْتِعْمَاله فالتعرض لعد أَفْرَاده بعد ذَلِك شغل للأوراق
стр. 263
بتفاصيل الْأَمْثِلَة قد أغنت عَنْهَا الْقَاعِدَة بالِاتِّفَاقِ فَلِذَا لم نتعرض لشَيْء من الْأَمْثِلَة فَإِنَّهَا لَا تهم الأصولي من حَيْثُ إِنَّه باحث عَن الْقَوَاعِد الَّتِي تستنبط مِنْهَا الاحكام إِنَّمَا يهم الأصولي معرفَة مثل هَل هُوَ للتكرار أَو الْمرة كَمَا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... وَمَا على الْمرة والتكرير ... يدل فِيمَا اختير لِلْجُمْهُورِ ...
فَإِنَّهَا مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا فِيمَا إِذا أورد الْأَمر مُطلقًا عَن قيد الْمرة والتكرير فَقيل لَا يدل على مرّة وَلَا تكْرَار بل يدل على مُجَرّد الطّلب من غير دلَالَة على شَيْء زَائِد إِلَّا أَنه لَا يتم الِامْتِثَال وَإِخْرَاج الْمَطْلُوب إِلَى حيّز الْوُجُود إِلَّا بالمرة فَهِيَ من لَوَازِم الِامْتِثَال لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهَا الْأَمر بِلَفْظِهِ وَوَضعه وَهَذَا هُوَ مَا اخْتَارَهُ النَّاظِم وَعَلِيهِ جَمَاهِير أَئِمَّة التَّحْقِيق من الْفرق كلهَا وَلذَا عزاهُ النَّاظِم إِلَى الْجُمْهُور وَالدَّلِيل على الْمُخْتَار أَن الْأَوَامِر الْمُطلقَة الشَّرْعِيَّة ترد تَارَة للتكرار كأوامر الصَّلَاة وَأُخْرَى بالمرة كَالْحَجِّ وَهَكَذَا الْأَوَامِر الْعُرْفِيَّة نَحْو قَوْلك ادخل الدَّار فإه يُرَاد مرّة وَاحِدَة وَنَحْو احفظ الدَّابَّة فَإِن غَرَضه دوَام الْحِفْظ لَهَا فَإِذا تقرر هَذَا فَإِنَّهُ يكون مَوْضُوعا بِالْقدرِ الْمُشْتَرك بَين الْمرة والتكرار وَهُوَ طلب إِيقَاع مُطلق الْفِعْل مَعَ قطع النّظر عَنْهُمَا دفعا للاشتراك إِذا كَانَ حَقِيقَة فيهمَا وللمجاز إِذا كَانَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا إِذْ كل مِنْهُمَا خلاف الأَصْل وَقد أورد عَلَيْهِ أَنه إِذا كَانَ وَضعه لمُطلق الطّلب ثمَّ اسْتعْمل فِي أَحدهمَا كَانَ مجَازًا إِذْ هُوَ خلاف الْمُدَّعِي وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ قد تقرر أَن اسْتِعْمَال الْمُطلق فِي الْمُقَيد لَيْسَ بمجاز وَإِلَّا لزم أَن يكون إِطْلَاق الضمائر وَغَيرهَا من الموضوعات الْكُلية واستعمالها فِي خَاص من الْمجَاز وَلَا قَائِل بِهِ لِأَن
стр. 264
الْوَضع وَإِن كَانَ عَاما فالموضوع لَهُ خَاص فاستعماله فِي بعض أَفْرَاده اسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ وَمن الْأَدِلَّة على الْمُخْتَار أَن الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة إِذا أُرِيد مِنْهَا التّكْرَار قيدها ﷺ كالأوامر الْوَارِدَة فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يقيدها بِذكر كل يَوْم وَلَيْلَة حَيْثُ أُرِيد تكررها وَكَذَلِكَ أهل اللِّسَان من الْعَرَب لَا يفهمون إِلَّا إِيجَاد الْفِعْل أَلا ترى أَنه لما أَمر ﷺ بِإِيجَاب الْحَج سَأَلُوهُ ألعامنا هَذَا نَحْو ذَلِك مِمَّا أقرهم ﷺ وَمِنْهَا وَهُوَ لِابْنِ الْحَاجِب أَن مَدْلُول الصِّيغَة طلب مُطلق الْفِعْل والمرة وَنَحْوهَا خارجان عَن حَقِيقَته فَيجب حُصُول الِامْتِثَال لإيجاد الْحَقِيقَة مَعَ أَيهمَا كَانَت وَلَا يتَقَيَّد بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَإِلَّا كَانَ تحكما وَاعْترض بِأَن الدَّلِيل غير الدَّعْوَى إِذْ لم يَقع النزاع إِلَّا فِي ذَلِك فإيراده المصادرة وَأورد أَيْضا ابْن الْحَاجِب دَلِيلا آخر لِلْجُمْهُورِ وَهُوَ معترض أَيْضا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية فِي ظُهُور كَلَام الْجُمْهُور فَإِنَّهُ أقرب الْأَقْوَال دَلِيلا فَأتى فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال الأول مَا ذَكرْنَاهُ وَالثَّلَاثَة مَعْرُوفَة فِي المطولات ... وَلَا على فَور وَلَا تراخي ... قَالَ بِهَذَا جلة الْأَشْيَاخ ...
عطف على قَوْله وَمَا على الْمرة الخ أَي وَلَا تدل صِيغَة الْأَمر على طلب فعل الْمَأْمُور بِهِ فَوْرًا أَي عقب بُلُوغ صِيغَة الْأَمر إِلَى الْمَأْمُور وَلَا على خِلَافه وَقد اخْتلف فِي ذَلِك فَقَالَ الإِمَام يحيى وَالْمهْدِي والقرشي إِنَّه لَا يدل على غير مُطلق الطّلب يَعْنِي طلب الْفِعْل وَإِلَيْهِ ذهب الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب
وَقَالَت الْمَالِكِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة والحنابلة وَجَمَاعَة من الشَّافِعِيَّة قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَهُوَ الصَّحِيح من مذهبيهم وَإِلَيْهِ ذهب الْهَادِي وَجَمَاعَة من الْآل إِنَّه يدل على الْفَوْر فَيجب فعله فِي أول أَوْقَات الْإِمْكَان بعد سَماع الْأَمر وَفهم المُرَاد بِهِ وَإِن أخر وَجب فعله فِي الْوَقْت الثَّانِي وَكَانَ بِالتَّأْخِيرِ آثِما
стр. 265
وَمن قَالَ إِنَّه للتراخي فَمَعْنَاه أَنه لَا يجب الْفَوْر لَا بِمَعْنى أَنه يجب التَّرَاخِي حَتَّى لَو أَتَى بِهِ فَوْرًا لم يكن ممتثلا قَالَ الْبرمَاوِيّ بعد نَقله هَذَا القَوْل مُقْتَضَاهُ أَنه لَا يكون المبادر ممتثلا أَو يتَوَقَّف فِيهِ وَهَذَا بعيد وَكَلَام أَكثر النقلَة أَن المُرَاد بالتراخي عدم الْفَوْر فَهُوَ رَاجع إِلَى القَوْل الأول إِنَّه لَا يَقْتَضِي فَوْرًا وَلَا تراخيا وَالْأول هُوَ الرَّاجِح من الْأَقْوَال كَمَا أطلقهُ النَّاظِم وَدَلِيله هُوَ مَا تقدم من الدَّلِيل على الْمُخْتَار فِي عدم دلَالَته على التّكْرَار وَحَاصِله أَنه لَا يُفِيد سوى طلب مُطلق الْفِعْل من دون إِشْعَار لمرة وتكرار أَو فَور أَو تراخ وَإِذا اسْتُفِيدَ شَيْء من ذَلِك فبقرائن خارجية وَاسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بالفور وَأَنه لَو جَازَ التَّأْخِير لَكَانَ إِمَّا إِلَى غَايَة مُعينَة وَهَذَا خُرُوج عَن مَحل النزاع إِذْ يصير من الْمُقَيد أَو إِلَى غَايَة محدودة بِظَنّ الْمَأْمُور فَوَات الْأَمر إِن لم يفعل الْمَطْلُوب وَهَذَا قد لَا يَقع لكثير لغَلَبَة الْأَمر وهجوم الْأَجَل فَيُؤَدِّي إِلَى خُرُوج الْوَاجِب عَن مُقْتَضَاهُ وَهُوَ التحتم وَإِمَّا أَن يجوز تَأْخِيره إِلَى غير غَايَة من غير بدل كَانَ تكليفا بِمَا لَا يُطَاق لجَهَالَة الْوَقْت أَو مَعَ بدل وَهُوَ إِمَّا الْعَزْم وَقد عرف فِي الْوَاجِب الموسع أَنه لَا يجب أَو الْوَصِيَّة وَهِي لَا تعم جَمِيع الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة فكثير من الْعِبَادَات لَا تصح الْوَصِيَّة بهَا وَإِذا بَطل كل هَذِه الْأَطْرَاف التَّرَاخِي وَتعين الْفَوْر وَأجِيب بِأَنَّهُ يخْتَار الطّرف الثَّالِث وَلَا يلْزم أَنه من تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لأَنا لم نقل بِوُجُوب التَّأْخِير مَعَ جَهَالَة الْوَقْت حَتَّى يجب التَّعْيِين بل نقُول بِجَوَاز تَأْخِيره وَلَا يلْزم مِنْهُ ذَلِك إِذْ يُمكنهُ امْتِثَال الْأَمر فِي أَي وَقت شَاءَ
قلت وَفِيه تَأمل قيل وَالتَّحْقِيق فِي الْمَسْأَلَة أَنه قد ثَبت أَن الْأَمر للْوُجُوب وَمن شَأْنه الذَّم على تَركه وَالْقَوْل بالتراخي يَقْتَضِي ارْتِفَاع الذَّم إِلَّا فِي حالات نادرة وَهُوَ ظن الْمَوْت وَيلْزم ارْتِفَاع الْوُجُوب عَن أَكثر الْأَوَامِر
стр. 266
وَهُوَ يُنَافِي كَون الْأَمر للْوُجُوب على مَا هُوَ الْمُخْتَار فَالْحق أَنه إِذا ثَبت كَون الْأَمر للْوُجُوب ثَبت أَنه للفور لَا من حَيْثُ الْوَضع بل لكَونه من لوازمه كَمَا قيل فِي دلَالَته على الْمرة لِأَن الْوُجُوب يسْتَلْزم الذَّم بِالتّرْكِ كَمَا يسْتَلْزم الْمَدْح بِالْفِعْلِ وَلَا نسلم ارْتِفَاع الذَّم مَعَ التَّرَاخِي وَإِن لم يحصل ظن الْمَوْت كَمَا يقْضِي بذلك استدلالهم بذم أهل اللِّسَان من لم يمتثل أَمر سَيّده كَذَا أَفَادَهُ بعض محققي الْمُتَأَخِّرين وَأَقُول لَا يخفى أَنه قد يُقَال التّرْك الْمَلْزُوم للذم هُوَ ترك العازم على أَن لَا يفعل مَا أَمر بِهِ وَأما التارك لِأَن وَقت الطّلب لَا يتَعَيَّن بل مسافته الْعُمر فَإِنَّهُ غير مَذْمُوم وَلَا هَذَا هُوَ التّرْك الْمَأْخُوذ فِي رسم الْوَاجِب فيتأمل
وَالْحق أَنه لَا يَخْلُو أَمر عَن الْقَرِينَة الدَّالَّة على أحد الْأَمريْنِ مثل أَمر الْكَافِر أَن يَقُول كلمة التَّوْحِيد وَإِلَّا ضرب عُنُقه فوري بِلَا ريب وَأمره بِإِقَامَة الصَّلَاة إِن كَانَ قبل دُخُول وَقتهَا فَهُوَ أَمر مُقَيّد بِدُخُولِهِ وَإِن كَانَ بعده ففوره فعلهَا فِي آخر وَقتهَا الموسع وَيجْرِي مثله فِي الصَّوْم وَالزَّكَاة فَهَذِهِ كلهَا من الْأَمر الْمُقَيد وَلَيْسَ من مَحل النزاع وَكَذَلِكَ الْحَج على المستطيع من الْمُؤَقت يجب عِنْد دُخُول أَو شهوره مضيق على من لم يبلغ قَضَاء مَنَاسِكه إِلَّا بِسَفَرِهِ من أول يَوْم من شَوَّال موسع لمن لم يُدْرِكهُ وَلَو فِي ثامن الْحجَّة كالمكي فيتضيق فِي الثَّامِن أَو التَّاسِع إِذْ أول مَنَاسِكه لَهُ الْوُقُوف بعد الْإِحْرَام وَهُوَ يُدْرِكهُ فِي التَّاسِع وَقس سَائِر الْأَوَامِر عَلَيْهِ وَلذَا قُلْنَا ... لَكِن لَهُ قَرَائِن تفِيد ...
استدراكا من الْأَرْبَعَة المنفية وَالْمعْنَى أَن الْمُخْتَار فِي الْأَمر الْمُطلق
стр. 267
هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ من عدم الدّلَالَة من حَيْثُ هُوَ على أحد الْأَرْبَعَة أَي الْفَوْر والتراخي والمرة والتكرار لَكِن إِذا قيد الْأَمر بِمَا يَقْتَضِي أحد الْأَرْبَعَة عمل بِهِ وقرائن الْكل وَاسِعَة فللتكرار نَحْو التَّعْلِيق على عِلّة نَحْو قَوْله ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التّكْرَار اتِّفَاقًا للْإِجْمَاع على اتِّبَاع الْعلَّة المنصوصة وَذَلِكَ إِذا كَانَت الْعلَّة مُنَاسبَة كالآية بِخِلَاف قَوْله إِن دخلت هِنْد الدَّار فَطلقهَا فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق من الْمَأْمُور مرّة وَاحِدَة فَلَو تكَرر دُخُولهَا وَطَلقهَا فِي كل مرّة لم يَقع اتِّفَاقًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ينْحل الشَّرْط ويرتفع الْأَمر بارتفاع الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يتَكَرَّر لَو أَتَى بِكُل مَا أَو مَتى على رَأْي وَأما الْآيَة فَمُقْتَضى التّكْرَار إِنَّمَا هُوَ مَا علم من الحكم الشَّرْعِيّ أَن الْجَنَابَة توجب التَّطْهِير ثمَّ عطف قَوْله ... وَلَا القضا من ذَاك نستفيد ...
على قَوْله وَمَا على الْمرة وَهَذَا حكم من أَحْكَام الْأَمر الْمُقَيد بِالْوَقْتِ وَالْمرَاد أَن الْقَضَاء للْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقت لَا يُسْتَفَاد من الْأَمر الَّذِي ثَبت بِهِ الحكم بِمَعْنى أَنه إِذا خرج وقته يجب قَضَاؤُهُ بل إِنَّمَا يُسْتَفَاد مِمَّا أَفَادَهُ قَوْلنَا ... لكنه يعلم عِنْد النَّاظر ... وَيُسْتَفَاد من دَلِيل آخر ...
أَي إِن الْقَضَاء يُعلمهُ النَّاظر ويستفيده من دَلِيل غير دَلِيل الْأَدَاء وَعدم استفادته من دَلِيل الْأَدَاء هُوَ رَأْي الْجُمْهُور بل يُسْتَفَاد من دَلِيل آخر من نَص أَو قِيَاس أَو غَيرهمَا وَذَهَبت الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة والرازي وَآخَرُونَ إِلَى استفادته من دَلِيل الْأَدَاء وَاسْتدلَّ الْأَولونَ بِأَن من قَالَ لغيره صم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يدل على صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَلَا غَيرهَا بِشَيْء من الدلالات فإثبات الْقَضَاء بِهِ إِثْبَات لحكم شَرْعِي بِلَا دَلِيل وبطلانه وَاضح أُجِيب بِأَن قَوْله صم يَوْم الْخَمِيس تضمن شَيْئَيْنِ طلب الصّيام وَكَونه يَوْم الْخَمِيس فَإِذا فَاتَ الْوَقْت بَقِي الْأَمر بالصيام فقد تضمنه الْأَمر الأول وَدلّ عَلَيْهِ فَلَا يخرج الْمُكَلف عَن عُهْدَة الطّلب إِلَّا بالإتيان بِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوب
стр. 268
قُلْنَا لَيْسَ الْأَمر بِمُجَرَّد الصَّوْم بل مُقَيّدا بِالْوَقْتِ فَإِذا فَاتَ وقته كَانَ مُوجبا لفواته لاستحالته الِاسْتِدْرَاك الْمُؤَقت الْمَطْلُوب فِيهِ الْفِعْل وَأما مَا قيل إِن هَذَا مَبْنِيّ على أَن الْوَقْت قيد للمطلوب وَلَيْسَ كَذَلِك بل قيد للطلب فَإِنَّهُ كَلَام بَاطِل فَإِن الطّلب لَا بُد وَأَن يتَقَدَّم زَمنا على إِيقَاع الْمَطْلُوب فَمَا معنى تَقْيِيد الطّلب بِيَوْم الْخَمِيس مثلا وَإِن أُرِيد أَن طلب تنجيزه مُقَيّد بِيَوْم الْخَمِيس قُلْنَا هَذَا أول الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ إِذا فَاتَ الْيَوْم الَّذِي طلب تنجيزه فِيهِ فَاتَ الْمَطْلُوب إِذْ قد صَار الْيَوْم جُزْءا مِنْهُ هَذَا فِيمَا إِذا ورد الْأَمر بِغَيْر تكَرر الْعَطف وَأما إِذا تكَرر الْأَمر بِحرف الْعَطف فَهِيَ مَسْأَلَة أُخْرَى أَشَارَ إِلَيْهَا النَّاظِم بقوله ... وَإِن تكرره بِحرف الْعَطف ... أَفَادَ تكريرا بِغَيْر خلف ...
أَي بالِاتِّفَاقِ بَين أَئِمَّة الْأُصُول وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول صل رَكْعَتَيْنِ وصل رَكْعَتَيْنِ وَأما إِذا قيل صل رَكْعَتَيْنِ وصل الرَّكْعَتَيْنِ فهما فِي الأول غيران لاقْتِضَاء الْعَطف الْمُغَايرَة وَلِأَنَّهُ حمل للْكَلَام على التأسيس وَهُوَ أولى من التَّأْكِيد وَلِأَن الشَّيْء لَا يعْطف على نَفسه إِلَّا لتأكيد والتأسيس خير مِنْهُ بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ تعَارض فِيهِ أَمْرَانِ كَون اللَّام للْعهد لتقدم الْمرجع ذكرا فَيَقْتَضِي عدم التغاير وواو الْعَطف تَقْتَضِيه وَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي شرح قَوْلنَا مَا لم تقم قرينَة التَّعْرِيف
وَقَوْلنَا بِغَيْر خلف هَذَا هُوَ الَّذِي نَقله الْأَكْثَر وَنقل صَاحب الْجمع والبرماوي فِي شرح منظومته خلافًا فِي ذَلِك وَمَا ذَكرْنَاهُ فَالْمُرَاد أَنه الأَصْل والمتبادر فَإِذا قَامَت قرينَة على خِلَافه قدم مَا قَامَت عَلَيْهِ نَحْو قَوْلك اسْقِنِي مَاء واسقني مَاء واقتل زيدا واقتل زيدا فَإِن الْقَرِينَة وَهِي اندفاع الْحَاجة إِلَى الشّرْب بِمرَّة وَاحِدَة وَعدم تعدد قتل زيد تقضي بِأَنَّهُ للتَّأْكِيد هَذَا إِذا كَانَ بِحرف الْعَطف أما إِذا كَانَ مَعَ عَدمه فقد أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... أَو كَانَ تكريرا بِغَيْر عاطف ... على الَّذِي يخْتَار ذُو المعارف ...
стр. 269
أَي أَو كَانَ تَكْرِير الْأَمر بِغَيْر حرف عطف أَفَادَ أَيْضا تَكْرِير الْمَأْمُور بِهِ وَهَذَا رَأْي الإِمَام يحيى والرازي قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَنَقله فِي الْمُسْتَوْعب عَن عَامَّة أَصْحَاب الشَّافِعِي لِأَن كل وَاحِد من الْأَمريْنِ مُسْتَقل باقتضاء مَا تضمنه وَهَذَا كُله فِيمَا لم يمْنَع مَانع من الْحمل على التأسيس وَإِلَّا فَالْحكم مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... مَا لم تقم قرينَة التَّعْرِيف ... أَو غَيرهَا فوفها وَاسْتوْفى ...
أَي حمل الْأَمر على التكرير إِذا كَانَ بِحرف الْعَطف أَو بِغَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ مُقْتَض فَإِذا عَارضه الْمَانِع وَهُوَ الْقَرِينَة بالتعريف أَو غَيره كالعادة وَالْعقل وَالشَّرْع فَالْحكم هُوَ التَّرْجِيح أَو أَنه لَا يُفِيد التّكْرَار بل يحمل على التَّأْكِيد وَعبارَة النّظم تحْتَمل الْأَمريْنِ وَإِن كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَظْهر بمناسبة التَّصْرِيح بالتكرير فَمَا سبق فالنفي مُتَوَجّه إِلَيْهِ
ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا النَّفْي عَائِد إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ مَعًا وهما فِيمَا كَانَ بعطف أَو بِغَيْرِهِ وَمِثَال مَا قَامَت قرينَة عقلية على عدم التأسيس قَوْلك اقْتُل زيدا اقْتُل زيدا والشرعية أعتق سَعْدا أعتق سَعْدا فَإِن الثَّانِي تَأْكِيد بِلَا خلاف فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل التأسيس هُنَا عقلا وَشرعا وَأما مَا لَا يَسْتَحِيل تكريره فقسموه إِلَى شَيْئَيْنِ
الأول أَن يكون بِحرف الْعَطف وَله صور مَعَ الأولى أَن يتَكَرَّر الْأَمر بِحرف التَّعْرِيف فِي مُتَعَلّقه نَحْو صل رَكْعَتَيْنِ وصل الرَّكْعَتَيْنِ فَهُنَا قد تَعَارضا دلَالَة حرف الْعَطف على التأسيس لإفادته الْمُغَايرَة وَدلَالَة التَّعْرِيف العهدي على التأكيدي وَحِينَئِذٍ فَيرجع إِلَى التَّرْجِيح فَإِن نَظرنَا إِلَى الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة رجحنا دلَالَة التَّعْرِيف فَيكون الثَّانِي تَأْكِيدًا وَإِن اعْتبرنَا تَحْصِيل مَقْصُود الْوَاجِب رجح دلَالَة حرف الْعَطف وَمن هُنَا اخْتلف الْعلمَاء فَقَالَ
стр. 270
الْجُمْهُور إِنَّه للتَّأْكِيد قَالُوا وَقَول من رجح خِلَافه لأجل تَحْصِيل مَقْصُود الْوَاجِب تَرْجِيح للشَّيْء بِنَفسِهِ إِذْ تَحْصِيل مَقْصُود الْوَاجِب هُوَ معنى التأسيس الَّذِي حملوه عَلَيْهِ فَكيف يرجح الشَّيْء بِنَفسِهِ قَالُوا وَأما ترجيحنا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة فَإِنَّهُ دَلِيل مُسْتَقل وَقَالَ الرَّازِيّ بل يحمل على التأسيس وَتوقف أَبُو الْحُسَيْن فِي ذَلِك للتعارض عِنْده
الثَّانِي أَن يكون الأول خَاصّا وَالثَّانِي عَاما نَحْو صم الْجُمُعَة وصم كل يَوْم اقْتُل زيدا الْكَافِر واقتل كل كَافِر
وَالثَّالِث عَكسه وَاخْتلف فِيهِ أَيْضا فَقيل يحمل على التَّأْكِيد لِأَن الْخَاص قد شَمله الْعَام فَلَا يبْقى للْحَمْل على التغاير فَائِدَة وَفَائِدَة الْإِتْيَان بالخاص مُنْفَردا الْعِنَايَة بِشَأْنِهِ والاهتمام بِحكمِهِ كَمَا عرف فِي الْمعَانِي وَقيل بل يكون تأسيسا لاقْتِضَاء عطف الْمُغَايرَة وَلَا فرق بَين الأول وَهَذَا إِلَّا من حَيْثُ إِرَادَة الْخَاص وقصده فِي صِيغَة الْعَام هَل تتناوله أَولا وَإِلَّا فَكل من الْقَوْلَيْنِ قد وَجب مَعَه مَا تضمنه الْأَمْرَانِ وَتوقف أَبُو الْحُسَيْن وَتَابعه الرَّازِيّ فِي الْوَقْف فِي هَذَا الظّرْف وَهَذَا كُله مَعَ حرف الْعَطف وَأما مَعَ عَدمه فَالْحكم ايضا فِيهِ مَا فِي الَّذِي مَعَ حرف الْعَطف من الْخلاف
وَإِن كَانَ الرَّازِيّ هُنَا لَا يتَوَقَّف بِمَا إِذا كَانَ احدهما عَاما وَالْآخر خَاصّا بل حمله على التَّأْكِيد نعم يَأْتِي فِي بِنَاء الْخَاص على الْعَام فِي مبَاحث الْعَام مَا يعْطف عنان القَوْل إِلَى هَذِه الْأَمْثِلَة
وَأما مَسْأَلَة الْأَمر بالمطلق وَهِي مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَأَنه يجب بِوُجُوبِهِ فقد أفادها قَوْلنَا
стр. 271
وَالْأَمر إِن وفا إِلَيْنَا مُطلقًا
من غير شَرط فَاتبع لَك البقا ... محصلا مَا أَنْت مَأْمُور بِهِ
بِشَرْطِهِ الْمَقْدُور فلتنتبه ... فَإِنَّهُ مَا لَا يتم الْوَاجِب
إِلَّا بِهِ فَمثله قد أوجبوا
اعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة ترجمها الأصوليون من الْفَرِيقَيْنِ بقَوْلهمْ مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَكَانَ مَقْدُورًا يجب كوجوبه وفيهَا أَمْرَانِ
الأول إِن الأولى أَن يُقَال مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ يجب بِدَلِيل أَصله فَإِنَّهُ مُرَادهم وَلم تفده عبارتهم
الثَّانِي قَوْلهم وَكَانَ مَقْدُورًا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا من يَقُول بِجَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَلَا يقدر عَلَيْهِ والمعتزلة وَمن على رَأْيهمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَقد نبهنا على هَذَا فِي حَوَاشِي شرح الْغَايَة
هَذَا وَإِنَّمَا عدلنا فِي التَّرْجَمَة إِلَى قَوْلنَا وَالْأَمر إِلَخ من قَوْلهم مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ لِأَن تقييدهم للْوَاجِب بالمطلق حَيْثُ قَالُوا مَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق وفسروا الْإِطْلَاق بِمَا لَا يكون مُقَيّدا بِمَا يتَوَقَّف الْوُجُوب عَلَيْهِ قَالُوا فَخرج بقَوْلهمْ الْمُطلق الْمُقَيد بِمَا يتَوَقَّف الْوُجُوب على نَحْو ذَلِك إِن ملكت النّصاب وَحج إِن اسْتَطَعْت فالتقيد بذلك لَا يَقْتَضِي إِيجَاب تحصل ملك النّصاب وَشرط الِاسْتِطَاعَة فورد عَلَيْهِم أَنه لَا معنى لإِخْرَاج مَا ذكر لِأَنَّهُ لم يدْخل فَإِن الْكَلَام فِيمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ كَمَا هُوَ عنوان التَّرْجَمَة لَا فِيمَا لَا يتم الْوُجُوب إِلَّا بِهِ فَلم يدْخل حَتَّى يخرج بِخِلَاف قَوْلنَا وَالْأَمر فَإِنَّهُ شَامِل لَهما كَمَا لَا يخفى فَيكون للتَّقْيِيد فَائِدَة وَهُوَ قَوْلنَا مُطلقًا وَقَوْلنَا من غير شَرط بَيَان لِمَعْنى مُطلقًا
وَإِذا عرفت هَذَا فَالَّذِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب وَيحصل الِامْتِثَال بِفِعْلِهِ قد يكون جُزْءا من الْمَطْلُوب كالسجود وَالرُّكُوع فِي الْأَمر بِالصَّلَاةِ فهذان يجبان
стр. 272
بِمَا وَجَبت بِهِ اتِّفَاقًا إِذْ هما من ماهيتها وَقد يكون خَارِجا عَنهُ وَذَلِكَ كالسبب وَالشّرط وهما مَحل الْخلاف فَفِيهِ أَقْوَال
الأول الَّذِي أَفَادَهُ النّظم وَهُوَ وجوب الْمُقدمَات الَّتِي لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بهَا بِمَا وَجب بِهِ السَّبَب وَالشّرط اللَّذَان هما الأَصْل فِي الطّلب قَالُوا سَوَاء كَانَ شرطا عقليا أَو عاديا أَو شَرْعِيًّا وَذَلِكَ كَالْوضُوءِ للصَّلَاة بعد الْعلم بِأَنَّهَا لَا تصح إِلَّا بِهِ فَإِذا ورد أَمر بِالصَّلَاةِ ساكتا عَن الْوضُوء وَجب الْوضُوء بإيجابها ثمَّ اخْتلفُوا هَل دلَالَته عَلَيْهِ تضمنية أَو التزامية ذهب إِلَى الأول إِمَام الْحَرَمَيْنِ واستبعد وَإِلَى الثَّانِي الْجُمْهُور وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ النّظم بقوله فَإِنَّهُ مَا لَا يتم إِلَى آخِره وَتَقْرِيره أَن إِيجَاب الشَّيْء يَقْتَضِي الْمَنْع من تَركه وَعدم إِيجَاب مَا لَا يتم حُصُوله على الْوَجْه الْمَطْلُوب إِلَّا بحصوله يَقْتَضِي جَوَاز تَركه وَالْفَرْض أَنه مُمْتَنع هَذَا خلف ودلالته عَلَيْهِ بطرِيق اللُّزُوم إِذْ طلب الْمَشْرُوط الَّذِي لَا يتم إيجاده إِلَّا بِوُجُود الشَّرْط يسْتَلْزم طلب الشَّرْط وَمثله السَّبَب يجْرِي فِيهِ هَذَا التَّقْرِير
الثَّانِي أَنه لَا يجب شَيْء من الْمُقدمَات لِأَن دَلِيل الْإِيجَاب سَاكِت عَنهُ
الثَّالِث يجب السَّبَب دون الشَّرْط وَهُوَ تَفْرِيق بِلَا دَلِيل
الرَّابِع يجب الشَّرْط الشَّرْعِيّ دون غَيره
وَقد أَطَالَ صَاحب الفواصل نَقله أَدِلَّة هَذِه الْأَقْوَال والردود عَلَيْهَا وَقد كُنَّا عِنْد عرضه ﵀ لما يَكْتُبهُ من شَرحه علينا كتبنَا مَا لَفظه
اعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة طَالَتْ من غير طائل وَإِن أثبتها كل إِمَام فَاضل فَإِنَّهُ لَا يخفى أَن كَون الشَّرْط الشَّرْعِيّ لشَيْء شرطا وَالسَّبَب لَهُ سَببا لَا تثبت شرطيته وَلَا سببيته إِلَّا بِدَلِيل مُسْتَقل دَال على الشّرطِيَّة والسببية اتِّفَاقًا وَإِلَّا كَانَ من إِثْبَات مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِذا قَامَ الدَّلِيل على ذَلِك لم نفتقر بعد ذَلِك إِلَى النّظر
стр. 273
فِي أَن دَلِيل الْمَشْرُوط والمسبب يَشْمَلهُ أَو لَا فَإِنَّهُ على تَقْدِير شُمُوله لَهُ لم يدل عَلَيْهِ إِلَّا بأضعف الدلالات وَقد أغنانا الله تَعَالَى بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح المطابقي عَن دَلِيل ضَعِيف لَا يعدل إِلَيْهِ كَمَا لَا يعدل إِلَى التُّرَاب مَعَ وجود المَاء فَإِنَّهُ غَايَة مَا فَصله بحث الأفاضل أَن دَلِيل الْإِيجَاب للْأَصْل يَشْمَلهُ إِيجَاب شَرطه وَسَببه بِدلَالَة الْإِشَارَة واللزوم فَمَا أقل جدوى هَذِه الأبحاث فَإِنَّهُ لَو لم يقم دَلِيل خَارج على الشّرطِيَّة والسببية مَا علمنَا للمطلوب شرطا وَلَا سَببا وَلذَا قَالُوا فِيمَا قدمنَا فِي الشَّرْط الشَّرْعِيّ كَالْوضُوءِ بعد الْعلم بِأَنَّهَا لَا تصح أَي الصَّلَاة إِلَّا بِهِ انْتهى
وَإِذا تكَرر هَذَا فَلَا حَاجَة إِلَى اسْتِيفَاء مَا قيل بل لَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا بالإيجاز فضلا عَن التَّطْوِيل وَقد أقره تلميذنا رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه فِي آخر الْبَحْث كَمَا رقمناه وَهَذِه مَسْأَلَة كَون الْأَمر بالشَّيْء نهيا عَن ضِدّه وَعَكسه وَالْخلاف فيهمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... وَلَا يكون الْأَمر نهيا ذكرا ... عَن ضِدّه وَالنَّهْي لَيْسَ أمرا ...
اخْتلف فِي الْأَمر الْمعِين هَل يكون نهبا عَن ضِدّه الوجودي يعْنى المستلزم للترك لَا التّرْك مُطلقًا وَبِالْعَكْسِ وَلَا يتَوَهَّم أَن الْخلاف فِي لَفْظهمَا فَإِنَّهُ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمَا غيران للْقطع بِالْفرقِ بَين لَا تفعل وَافْعل وَلَا فِي مفهومهما بِمَعْنى أَن صِيغَة لَا تفعل مَوْجُودَة فِي افْعَل للْقطع بالتغاير أَيْضا وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي النَّهْي عَن ضِدّه الوجودي وَيدل عَلَيْهِ مثلا نَحْو لَا تسكن هَل هُوَ فِي قُوَّة تحركه وبعكسه سَوَاء كَانَ لَهُ ضد وَاحِد أَو مُتَعَدد وَلَا ريب انه إِذا قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ قُم وَهُوَ قَاعد فاستمر على قعوده وَقَالَ لم تنه عَن الْقعُود لامه الْعُقَلَاء وعدوه عَاصِيا وعدوا الْوَلَد بذلك إِن أمره أَبوهُ عاقا وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على الَّذِي جَعَلُوهُ قَاضِيا بِأَن الْأَمر فِي الأَصْل للْإِيجَاب فَمَا لاموه وَحسن لومه عِنْد الْعُقَلَاء إِلَّا لِأَن أمره بِالْقيامِ يسْتَلْزم نَهْيه عَن الْقعُود وَلذَا قيدنَا ذَلِك بقولنَا ذكرا فَإِنَّهُ من حَيْثُ الذّكر لَيْسَ هُنَا نهي قطعا وَمَفْهُومه أَنه من حيثية أُخْرَى هِيَ الاستلزام
стр. 274
ثمَّ إِنَّه لَا يعزب عَنْك أَن مَحل الْخلاف فِي الْأَمر الفوري كَمَا صرح بِهِ جمَاعَة من الْمُحَقِّقين فينحصر فِي الْوَاجِب الْمضيق وَلم يُقيد النَّاظِم الْأَمر بالمعين لتبادره وَإِنَّمَا قَيده فِي الشَّرْح بالوجودي ليخرج بِهِ التّرْك مُطلقًا إِذْ لَا خلاف فِي أَن الْأَمر نهي عَن تَركه وَلَا شكّ فِي كَون التّرْك ضدا لَهُ وَلكنه غير مُرَاد فِي الْمقَام بل المُرَاد الضِّدّ الَّذِي يحصل مَعَه ترك الْمَأْمُور من الْأُمُور الوجودية لَا التّرْك مُطلقًا إِذْ لَا بُد من ملاحظته بِلَا خلاف
وَقد أَطَالَ فِي الفواصل بِذكر مَا فِي الْمَسْأَلَة من الْخلاف وَلَا حَاجَة إِلَى تَفْصِيله بعد ظُهُور الْأَقْوَى بدليله وَفِي نجاح المطالب إِن هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة عَن القَوْل بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل لَا على القَوْل بِأَنَّهُ يَصح التَّكْلِيف بِنَفْي الْفِعْل
وَهَذِه إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء وَهِي هَل التَّكْلِيف فِي النَّهْي بِفعل أَو لَا فَقَالَ الْجُمْهُور بِالْأولِ وَإنَّهُ كف النَّفس وَقيل إِنَّه فعل مَا يضاده فَلَا تضرب مَعْنَاهُ إفعل مَا يضاد الضَّرْب وَأما القَوْل بِأَنَّهُ نفي الْفِعْل فَهُوَ عَائِد إِلَى الأول
وَاسْتدلَّ الْأَولونَ بِأَن التَّكْلِيف إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمَا هُوَ مَقْدُور وَنفي الْفِعْل عدم وَهُوَ حَاصِل قبل توجه النَّهْي وَطلب تَحْصِيل الْحَاصِل محَال
وَأجِيب بِأَن الْمَطْلُوب اسْتِمْرَار ذَلِك الْعَدَم وَهُوَ اسْتِمْرَار وَاقِف على اخْتِيَار الْمُكَلف وَلَيْسَ هُوَ الْعَدَم الَّذِي كَانَ قبل توجه النَّهْي بل عدم مَخْصُوص يَصح أَن يتَوَقَّف على الِاخْتِيَار وَيتَعَلَّق بِهِ إِثْر قدرته فَإِن الْمُكَلف قَادر يتَمَكَّن من أَن لَا يفعل فيستمر الْعَدَم أَو يفعل فَلَا يسْتَمر فصح أَن الْعَدَم من هَذِه الْجِهَة إِثْر قدرته إِذْ الِاسْتِمْرَار الْمَوْقُوف على اخْتِيَاره لَيْسَ هُوَ الْعَدَم الَّذِي كَانَ قبل توجه النَّهْي بل هُوَ عدم مَخْصُوص مُتَوَقف على اخْتِيَاره فَلَيْسَ هُوَ عدما مَحْضا وَمن هُنَا تعرف أَنه لَا فرق بَين كَون مَطْلُوب النَّهْي الْكَفّ أَو نفي الْفِعْل إِذْ النَّفْي
стр. 275
المُرَاد هُوَ الْمَوْقُوف على اخْتِيَار الْفَاعِل وَلَا يكون إِلَّا بانتهائه وامتناعه عَنهُ وَقَوله
هَذَا الَّذِي رجح كل فَاضل
إِشَارَة إِلَى مَا سلف وَأَنه الرَّاجِح عِنْد أفاضل النظار
وَلما فرع النَّاظِم من بَاب الْأَمر أَخذ فِي النَّهْي فَقَالَ
فصل وحد النَّهْي قَول الْقَائِل ... لغيره لَا تفعلن مستعليا
قد تبين لَك فَوَائِد الْقُيُود مِمَّا قدمْنَاهُ فِي شرح رسم الْأَمر فَلَا نكرره
يكره مَا عَنهُ نهي مقتضيا
ضمير يكره عَائِد على الْقَائِل وَهُوَ النَّهْي وَهُوَ بَيَان لعِلَّة النَّهْي وَإِنَّهَا كَرَاهَة هَيْئَة إِيقَاع الْمنْهِي عَنهُ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَن فَائِدَته وَكَانَ غير مُحْتَاج إِلَيْهِ قَوْلهم مقتضيا حَال من النَّهْي أَو من لَا تفعلن وَقَوْلنَا
مطلقه الدَّوَام لَا الْمُقَيد
هُوَ فَاعل مقتضيا وَلَا الْمُقَيد عطف على مطلقه وَالْكل إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ
الأول اقْتِضَاء النَّهْي الدَّوَام وَأَنه يُخَالف الْأَمر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ تقدم اخْتِيَار أَن الْأَمر لَا يدل على التّكْرَار والفور بِخِلَاف النَّهْي الْمُطلق فَإِنَّهُ دَال على الدَّوَام الْمُخْتَار وَإِذا دلّ عَلَيْهِ اقْتِضَاء التّكْرَار والفور وَاقْتصر على التَّعْبِير بالدوام لإغنائه عَن التَّصْرِيح بالتكرار فَإِن اقْتِضَاء الدَّوَام يلْزمه إِفَادَة التّكْرَار والفور وَلم يقل دَالا عوضا عَن مقتضيا إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك من ضَرُورَة النَّهْي ولازمه لَا أَنه من صيغته أَلا ترى إِذا قلت لزيد لَا تُسَافِر فقد منعته من إِدْخَاله مَاهِيَّة السّفر فِي الْوُجُود فَلَا يتَحَقَّق امتثاله إِلَّا بِعَدَمِ إِتْيَانه بِجَمِيعِ
стр. 276
مَا يصدق عَلَيْهِ مَاهِيَّة السّفر فَلَو وَقع فِي الْخَارِج أَي فَرد من ذَلِك كَانَ مُخَالفا لمقتضاه نَهْيه وَلَا يخفى أَنه من الدّلَالَة الالتزامية وَهِي عقلية عِنْد الْجُمْهُور وَلذَا قُلْنَا مقتضيا وَلم نقل دَالا من الدّلَالَة اللفظية وَمن جعله مِنْهَا عبر بدالا
فَإِن قيل النَّهْي الْمُطلق يعم الْأَزْمَان والاحوال جَمِيعًا فَلَا يُفِيد الدَّوَام إِذْ الِامْتِنَاع فِي الْجُمْلَة يُحَقّق الِامْتِثَال بصدقه بِأَنَّهُ قد امْتنع عَنهُ وَأما دوَام الِامْتِنَاع فَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ لَو قيد بالدوام قُلْنَا صِيغَة لَا تُسَافِر فِي قُوَّة لَا تُوجد سفرا فَهُوَ فِي معنى النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم كَمَا يَأْتِي
وَقد اسْتدلَّ ابْن الْحَاجِب وَمن تبعه بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهُ لَا يزَال الْعلمَاء يستدلون بِالنَّهْي على التّرْك مَعَ اخْتِلَاف الْأَوْقَات لَا يخصونه بِلَفْظ دون لفظ وشاع بَينهم وذاع وَلم يُنكر فَكَانَ إِجْمَاعًا وَلَوْلَا أَنه يَقْتَضِي الدَّوَام لما صَحَّ ذَلِك
وَاعْلَم أَن هَذَا مُخْتَار الْجُمْهُور للدليل الَّذِي عَرفته وَذهب الْأَقَل إِلَى أَن النَّهْي لَا يَقْتَضِي الدَّوَام إِلَّا بِقَرِينَة ثمَّ اخْتلفُوا أَيْضا فَقيل إِنَّه كالأمر فِي اقْتِضَاء الْمرة وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ قد يُرَاد بِهِ التّكْرَار نَحْو ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى﴾ وَقد يُرَاد بِهِ الْمرة كَمَا يَقُول الطَّبِيب لمريض شرب الدَّوَاء لَا تشرب المَاء وَلَا تَأْكُل اللَّحْم أَي فِي هَذِه السَّاعَة قَالُوا وَالْأَصْل فِي الِاسْتِعْمَال الْحَقِيقَة فَيكون النَّهْي حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك ورد بِأَن مَا ذكرْتُمْ من الْمِثَال إِنَّمَا اقْتضى عدم التّكْرَار وجود الْقَرِينَة فَهُوَ مجَاز وَمَعَ ظُهُور الْقَرِينَة يتَعَيَّن الْحمل عَلَيْهِ وَإِلَّا لامتنع وجود الْمجَاز وَاسْتدلَّ الْجلَال فِي شرح الْفُصُول لِلْقَوْلِ الْمَرْجُوح بِأَن النَّهْي لدفع الْمفْسدَة فِي الْفِعْل والمفاسد كالمصالح تخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمَان وَالْأَحْوَال والأشخاص وَإِلَّا لما جَازَ نسخ المناهي وَلَا تَبْدِيل الشَّرَائِع وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُدعى أَنه يَقْتَضِي الدَّوَام الْبَتَّةَ حَتَّى
стр. 277
يُمكن التبديل والتحويل بل ذَلِك بِحَسب ظَاهره فَلَا يُنَافِيهِ النّسخ لاخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمان بل قد يُقَال هَذَا النّسخ والتبديل دَال على اقْتِضَاء النَّهْي الدَّوَام هَذَا كُله فِي النَّهْي الْمُطلق
وَقَوْلنَا لَا الْمُقَيد إِشَارَة إِلَى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهِي أَن النَّهْي يكون مُطلقًا كَمَا عرفت ومقيدا بِشَرْط أَو صفة وَنَحْو ذَلِك فَإِذا قيد لم يقتض الدَّوَام نَحْو لَا تكرم زيدا إِن كَانَ جَاهِلا وَلَا تهن الْعَالم وَاخْتلف الْعلمَاء أَيْضا هُنَا فَمَال جمَاعَة كَأبي عبد الله الْبَصْرِيّ وَالْمهْدِي فِي المعيار إِلَى هَذَا وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْمُقَيد يُفِيد الدَّوَام أَيْضا إِذْ التَّقْيِيد لَا يُخرجهُ عَن مُقْتَضى وَضعه وَفِي شرح المعيار للمهدي مَا يَقْتَضِي أَنه اخْتَار هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ وَالْأَقْرَب عِنْدِي فِي الْمُطلق أَنه يَقْتَضِي التَّأْبِيد من جِهَة اللفة كَمَا تقدم تَحْقِيقه وَأما الْمُقَيد فَالْأَقْرَب أَن الشَّرْط إِذا تضمن معنى التَّعْلِيم اقْتضى معنى الدَّوَام نَحْو لَا تدخل الْحمام ان لم يكن صعك مئزر فَإنَّا نفهم ان الْعلَّة فِيهِ هُوَ كَرَاهَة كشف الْعَوْرَة فيستمر ذَلِك مهما حصلت الْعلَّة وان لم يفهم معنى التَّعْلِيم نَحْو لَا تدخل الْمَسْجِد إِن كَانَ زيد فِي الدَّار اعْتمد على مَا فهم من مقصد الشارط فَإِن لم يفهم شَيْئا فَالظَّاهِر الدَّوَام كالمطلق إِذْ تَقْدِيره لَا يكن مِنْك إِيجَاد دُخُول الْمَسْجِد وَزيد فِي الدَّار وَهَذَا يَقْتَضِي عُمُوم الْأَوْقَات فَكَذَلِك مَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا التَّفْصِيل عَائِد إِلَى تَصْحِيح مَا قَالَه الْأَكْثَر من أَنه للدوام إِلَّا لقَرِينَة انْتهى وَالَّذِي قَالَه الْجُمْهُور هُوَ الْأَظْهر لِأَن التَّقْيِيد لَا يُخرجهُ عَن الدَّوَام وَأما المثالان الْمَذْكُورَان فَإِن النَّهْي فيهمَا لَا يَقْتَضِي الدَّوَام بل هُوَ مقرون بِوُجُود الْعلَّة الَّتِي عللت عَلَيْهِ
стр. 278
.. وَهُوَ على الْقبْح دَلِيل يوحد ...
هَذِه مَسْأَلَة أَن النَّهْي يدل على قبح الْمنْهِي عَنهُ فكلمة على مُتَعَلقَة بِدَلِيل وَهُوَ معنى أَنه للتَّحْرِيم وَلذَا عبرنا بالقبح لِأَن الْكَلَام فِي مُقْتَضَاهُ لُغَة كَمَا ستعرفه من دَلِيل هَذَا القَوْل بِخِلَاف التَّحْرِيم فَهُوَ شَرْعِي وَإِن كَانَ هُوَ لَا بُد لَهُ لَكِن الْكَلَام فِي مُقْتَضَاهُ لُغَة وَكَونه للقبح هُوَ كَلَام الْجُمْهُور مستدلين بذم الْعُقَلَاء من أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ إِذْ العَبْد خَالف نهي سَيّده وَإِجْمَاع السّلف على الِاسْتِدْلَال للتَّحْرِيم بِمُجَرَّد النَّهْي إِذا تجرد عَن الْقَرَائِن وَتقدم تَحْقِيقه فِي بحث الْأَمر
وَقيل بل النَّهْي حَقِيقَة فِي الْكَرَاهَة توهما من قَائِله أَنه إِنَّمَا يدل على مرجوحية ترك النَّهْي عَنهُ لَا على سَبِيل التحتم وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَجَوَابه أَن الذَّم من خَصَائِص الْقبْح وَالْمَكْرُوه لَا ذمّ على من أَتَاهُ وَلِأَن السَّابِق إِلَى فهم اللِّسَان الْعَرَبِيّ بِحَسب الظَّاهِر عِنْد التجرد عَن الْقَرَائِن هُوَ الْقبْح المستلزم للذم وَمن ثمَّ يسْتَدلّ بِهِ على التَّحْرِيم وَقيل مُشْتَرك بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي رُجْحَان التّرْك فَجعله لأَحَدهمَا دون الآخر تحكم ورد بِمَا سمعته قَرِيبا ... فِي ذَلِك الْمنْهِي لَا الْفساد ... وَاخْتَارَ ذَا جمع من النقاد ...
وَقَوْلنَا فِي ذَلِك الْمنْهِي يتَعَلَّق بيوجد أَي يُوجد الْقبْح فِي الْمنْهِي عَنهُ بِعَيْنِه وَقَوله لَا الْفساد عطف على الْقبْح أَي لَا أَنه دَلِيل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَهَذِه مَسْأَلَة أَن النَّهْي هَل يدل على فَسَاد الْمنْهِي أَو لَا وَهِي مَسْأَلَة خلاف بسيطة التقاسيم والأطراف وَالَّذِي فِي النّظم أَنه عِنْد نقاد الْعلمَاء لَا يدل النَّهْي على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات وَلَا الْمُعَامَلَات وَهَذَا القَوْل ذهب إِلَيْهِ جمَاعَة وَنقل عَن أَكثر أهل الْأُصُول ودليلهم أَنهم قَالُوا معنى الصِّحَّة فِي الْعِبَادَات أَنَّهَا فعلت على وَجه لايجب مَعَه الْقَضَاء وَمعنى الْفساد فِيهَا وجوب قَضَائهَا لفعلها على غير ذَلِك الْوَجْه
стр. 279
وَأما فِي الْمُعَامَلَات فَمَعْنَى الصِّحَّة حُصُول الْملك ونفوذ التَّصَرُّف فِيهَا على جَمِيع الْوُجُوه وَالْفساد بعكس ذَلِك قَالُوا وَمَعْلُوم أَن النَّهْي لَا يدل على شَيْء من تِلْكَ الْأَحْكَام وَإِنَّمَا يدل على كَون الْمنْهِي عَنهُ قبيحا ومكروها ومحظورا وكل هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تَقْتَضِي الْفساد وَأجِيب عَنهُ بسؤال الاستفسار وَهُوَ مَا مرادكم بِنَفْي دلَالَته على الْفساد هِيَ بالمطابقة أَو التضمن فَمُسلم وَإِن أردتم بالالتزام فَمَمْنُوع على أَنكُمْ قد سلمتم أَنه يدل على أَنه مَحْظُور والمحظور مَمْنُوع عَنهُ شرعا وكل مَمْنُوع مِنْهُ غير صَحِيح ضَرُورَة أَن الصَّحِيح مَأْمُور بِهِ لَا مَمْنُوع عَنهُ فالممنوع عَنهُ فَاسد
وَذهب جمَاعَة كَأبي طَالب وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة والمالكية والظاهرية إِلَى أَنه يدل على الْفساد مُطلقًا مستدلين بِأَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ لم يزَالُوا يستدلون بِالنَّهْي على فَسَاد كل مفعول قد نهى عَنهُ الشَّارِع من عبَادَة ومعاملة مستدلين بِأَن الشَّارِع نهى عَنهُ فِي مثل ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ والأنكحة مثل ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ والبيوع لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا تصل حَائِض إِلَّا بخمار وَغير ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُم كَمَا سبق نَظِيره فِي الِاسْتِدْلَال على حجية الْإِجْمَاع وَكَون الْأَمر للْوُجُوب وَبِأَنَّهُ لَو لم يدل على الْفساد لزم من نَفْيه حكمه للنَّفْي يدل عَلَيْهَا النَّهْي وَمن ثُبُوته حكمه للصِّحَّة تدل عَلَيْهَا الصِّحَّة فَمَعَ تَسَاوِي الحكمتين أَو مرجوحية حكمِيَّة النَّهْي يمْتَنع النَّهْي لخلوه عَن الْحِكْمَة لتساقط الحكمتين مَعَ التَّسَاوِي وَسُقُوط الْحِكْمَة المرجوحة
стр. 280
إِلَيْهَا أَيْضا مَعَ الراجحة وَمَعَ رُجْحَان حكم النَّهْي يمْتَنع الصِّحَّة
وَهَذَا القَوْل يظْهر أَنه أرجح من الأول وَمن غَيره من التفاصيل الْمَعْرُوفَة فِي كتب الْأُصُول وَيُؤَيّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ كل عمل لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَمَعْلُوم أَن الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أمره ﷺ فَهُوَ مَرْدُود من عبَادَة ومعاملة وكل مَرْدُود لَا نُفُوذ لحكمه فَهَذَا هُوَ الْحق وَقد تقوم قَرَائِن تصرف عَن الْمُقَرّر فَلَا تنافيه
وَلما انْتهى لنا القَوْل فِي الْبَاب الْخَامِس أَخذنَا فِي الْبَحْث فِي الْبَاب السَّادِس فَقُلْنَا
стр. 281
- ﷺ َ - الْبَاب السَّادِس فِي الْعَام وَالْإِطْلَاق
... سادسها فِي الْعَام وَالْإِطْلَاق ... وضد ذين فَاتبع إِطْلَاق ...
أَي سادس أَبْوَاب الْكتاب المنظوم فِي مسَائِل الْعَام وَالْإِطْلَاق أَي الْمُطلق الْآتِي بَحثه وَقَوله وضد ذين أَي خلاف الْعَام وَهُوَ الْخَاص وَخلاف الْإِطْلَاق وَهُوَ التَّقْيِيد فقد افاد النّظم أَن فِي الْبَاب اربعة أبحاث
الْعَام وَهُوَ اسْم فَاعل من عَم الشَّيْء يعم عُمُوما فَهُوَ عَام والعموم فِي اللُّغَة شُمُول أَمر لمتعدد فَهُوَ أَمر معنوي وَبحث الأصولي عَن الْأَمر الَّذِي اسْتُفِيدَ مِنْهُ الْعُمُوم وَهُوَ الْعَام وَلذَا أَتَى بِهِ النَّاظِم وعرفه بقوله ... فالعام مَا استغرق صَالحا لَهُ ... من غير حصر قد عزا مَدْلُوله ...
فكلمة مَا جنس الْحَد وَعدل عَن قَول الأَصْل لفظ للْإِشَارَة إِلَى ان الْعُمُوم يكون أَيْضا من عوارض الْمعَانِي وَقَوْلنَا استغرق صَالحا لَهُ أَي تنَاول مَا يصلح لَهُ دفْعَة كَمَا يشْعر بِهِ لفظ الِاسْتِغْرَاق الدَّال على الشُّمُول والإحاطة بِجَمِيعِ مَا يصلح لَهُ فالتقييد بِدَفْعِهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الأصوليون فِي تَعْرِيف الْعَام قد أَفَادَهُ التَّعْبِير باستغرق وَوَجهه أَن قَوْله مَا استغرق يشْعر مَا يُطلق عَلَيْهِ
стр. 282
وَيصْلح لَهُ فالنكرة فِي الْإِثْبَات مُفْردَة ومثناة وجمعا وَاسم الْجمع كقوم ومراتب الْأَعْدَاد كعشرة لَا استغراق فِيهَا كلهَا لما تصلح لَهُ على جِهَة الْإِحَاطَة بل على سَبِيل الْبَدَلِيَّة كَرجل يتَنَاوَل كل فَرد على الْبَدَلِيَّة فَلَمَّا قُلْنَا استغرق مَا يصلح لَهُ خرج مَا ذكر وَعلم أَنه لَا يكون الِاسْتِغْرَاق إِلَّا دفْعَة
فَإِن قلت نَحْو الْمُسلمين وَالرِّجَال معرفين بلام الِاسْتِغْرَاق عمومها بِالنّظرِ إِلَى تنَاول كل جمَاعَة لَا الْآحَاد فَلَا يتناولان كل فَرد فَرد فَلَا يتم دخولهما فِي التَّعْرِيف وهما من أَلْفَاظ الْعَام قلت الْحق أَن التَّعْرِيف الاستغراقي فِي الدَّاخِل على الْجمع قد سلبه معنى الجمعية كَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّة التَّفْسِير وَكثير من الْمُحَقِّقين فَهُوَ كَالرّجلِ مُعَرفا بهَا يدل على كل فَرد فَرد
وَقَوْلنَا من غير حصر فصل آخر لإِخْرَاج اللَّفْظ الْمُشْتَرك إِذا اسْتعْمل فِي جَمِيع مَعَانِيه فَإِنَّهَا محصورة وَفِيه نزاع وَاخْتِلَاف ومرادنا من غير حصر يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ لَا فِي الْوَاقِع فَإِنَّهُ قد يكون الْعَام محصورا كالسماء وَالْأَرْض وعلماء الْبَلَد
وَاعْلَم أَنه اشْتهر بَين عُلَمَاء الْأُصُول إِشْكَال أوردهُ الْقَرَافِيّ حَاصله أَن دلَالَة الْعَام على كل فَرد فَرد من أَفْرَاده كَمَا قُلْتُمْ مُشكل لانحصار الدلالات بِالثلَاثِ وَدلَالَة الْمُشْركين فِي ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ مثلا على زيد الْمُشرك لَا تصلح أَن تكون من أَي الدلالات الثَّلَاث أما الْمُطَابقَة فَظَاهر لِأَن زيدا الْمُشرك لَيْسَ تَمام مَا وضع لَهُ لفظ الْعَام والتضمن دلَالَة اللَّفْظ على جُزْء مَعْنَاهُ والجزء لَا يصدق إِلَّا إِذا كَانَ الْمُسَمّى كلا وَقد تقدم أَن دلَالَة الْعَام على سَبِيل الْعُمُوم والاستغراق لكل فَرد فَلَيْسَ هُوَ بِكُل والالتزام الدّلَالَة على أَمر خَارج وَزيد الْمُشرك لَيْسَ بِخَارِج عَن معنى الْعَام بل دَاخل قَالَ فَأَما أَن
стр. 283
يبطل حصر الدلالات اللفظية فِي الثَّلَاث وَإِمَّا أَن لَا يكون الْعَام دَالا على شَيْء من أَفْرَاده فَلَا يتم أَنه دَال على كل فَرد فَرد كَمَا هُوَ الْمُدعى
وَقد اضْطربَ الْأَئِمَّة فِي حلّه بِمَا هُوَ مودوع فِي كتب الْأُصُول
وَالَّذِي يظْهر لي وَإِن لم يتَنَبَّه لَهُ أحد هُوَ أَن هَذَا الْإِشْكَال وَإِن أَطَالَ الْأَئِمَّة فِيهِ الْمقَال يفْتَقر إِلَى تَأمله فَإِنَّهُ قَالَ الْقَرَافِيّ الَّذِي أوردهُ إِنَّه لَا يدل لفظ اقْتُلُوا الْمُشْركين على قتل زيد الْمُشرك إِلَى آخر كَلَامه جَوَابه أَن يُقَال إِن أردْت أَن لفظ الْمُشْركين لَا يدل على قتل زيد بِأَيّ الثَّلَاث فَهَذَا مُسلم وَلَا شكّ فِيهِ وَلَا إِشْكَال بِهِ وَإِن أردْت أَنه لَا يدل على الْمُشْركين فَهَذَا لَا يَقُوله من يفهم الدلالات ضَرُورَة أَنه من إِفْرَاد جمعه وَأَنه يدل عَلَيْهِ تضمنا لِأَنَّهُ جَزَاء الْمَوْضُوع لَهُ لفظ جمعه
وَإِذا عرفت هَذَا فزيد الْمُشرك مَا أَمر بقتْله لكَونه زيدا وَلَا دلّ لفظ الْمَأْمُور بِقَتْلِهِم عَلَيْهِ بل دلّ اللَّفْظ على الْأَمر بقتل الْمُشْركين وَاتفقَ أَنه عرف أحد أَفْرَاده فِي الْخَارِج بِأَنَّهُ زيد فكونه زيدا لسنا مأمورين بقتْله وَلَا دلّ عَلَيْهِ الْأَمر وَلَا توجه إِلَيْهِ الْخطاب إِلَيْنَا بقتْله بل وَلَا هُوَ من إِفْرَاد الْعَام الَّذِي صدر بحث الْإِشْكَال بِهِ بل فَرده الَّذِي دخل تَحْتَهُ وَوَقع الْأَمر بِالْقَتْلِ عَلَيْهِ هُوَ الْمُشرك فاتفقا أَنه زيد كاتفاق أَنه أَحْمَر وأسود فَإنَّا نَقْتُلهُ لكَونه مُشْركًا مدلولا لما أوقع عَلَيْهِ الْأَمر وَتعلق بِهِ الْخطاب لَا لكَونه أَحْمَر مثلا وَإِذا تحققت هَذَا علمت أَن أصُول السُّؤَال مغالطي وَأَن المجيبين لم يفتضوا بكارته وَأَجَابُوا على
стр. 284
تَسْلِيم الْإِشْكَال وَمَا عرفُوا أَنه رَكبه السَّائِل على حق وباطل فَقَالَ لَا يَد على قتل زيد الْمُشرك قُلْنَا ذكر زيد بَاطِل وإدخاله هُنَا لَغْو من السَّائِل وقولك الْمُشرك لَا يعلق بِهِ السُّؤَال وَلَا يناط على عَاتِقه هَذَا الْإِشْكَال فَلْيتَأَمَّل وَإِن خَفِي على الْمُحَقِّقين من الرِّجَال فبيد الله الإفضال هَذَا وَفِي جمع الْجَوَامِع ان مَدْلُوله كُلية أَي مَحْكُوم فِيهِ على كل فَرد مُطَابقَة إِثْبَاتًا أَو سلبا لَا كل أَو مَحْكُوم فِيهِ على مَجْمُوع الْأَفْرَاد من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع وَلَا كلي وَلَا مَحْكُوم فِيهِ على الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ أَي من غير نظر إِلَى الْإِفْرَاد قَالَ ودلالته على أصل الْمَعْنى قَطْعِيَّة وعَلى كل فَرد بِخُصُوصِهِ ظنية انْتهى ... خلاف هَذَا الْخَاص والتخصيص ... إِخْرَاج بعض مِنْهُ وَالْمَنْصُوص ...
أَي خلاف قَوْلنَا مَا استغرق صَالحا لَهُ الْخَاص وَهُوَ مَا لَا يسْتَغْرق صَالحا لَهُ لحصر وَقَوْلنَا والتخصيص مُبْتَدأ خَبره إِخْرَاج بعض مِنْهُ وَالْمَنْصُوص مُبْتَدأ يَأْتِي خَبره
وَالْعم انه تبع النّظم المنظوم فِي رسم الْخَاص وَهُوَ تبع المعيار وَقد أورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا ينطبق على الْمَحْدُود إِذْ الْخَاص قد يكون عَاما فِي نَفسه نَحْو لَا تقتلُوا أهل الذِّمَّة فَإِنَّهُ تخصص ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وجزئيا نَحْو اقْتُلُوا الْقَوْم إِلَّا زيدا والرسم لما ذكرنَا لَا يصدق على شَيْء مِنْهَا وَلَك أَن تَقول عبارَة النّظم صَحِيحَة فَإِن الْخَاص خلاف الْعَام وَلَيْسَ لفظ هَذَا عَائِد إِلَى رسم الْعَام نَفسه بل المُرَاد خِلَافه فِي اسْمه ورسمه وَهُوَ مَا أخرج من الْعَام كَمَا أشعر بِهِ قَوْلنَا والتخصيص إِخْرَاج بعض مِنْهُ أَي من الْعَام وَالْمرَاد إِخْرَاجه عَمَّا يَقْتَضِيهِ ظَاهر اللَّفْظ من تنَاول إِرَادَة الْمُتَكَلّم بِهِ وَالْحكم عَلَيْهِ لَا إِخْرَاجه عَن الحكم نَفسه والإرادة فِي أَن الْخَاص لم يدْخل تحتهما من حَيْثُ الْإِرَادَة وَالْحكم
стр. 285
بِحَسب الظَّاهِر حَتَّى يخرج وَلَا إِخْرَاجه عَن الدّلَالَة فَإِنَّهَا كَون اللَّفْظ بِحَسب الظَّاهِر إِذا أطلق وَفهم مِنْهُ الْمَعْنى وَهَذَا حَاصِل مَعَ التَّخْصِيص فَفِي التَّحْقِيق لَيْسَ هُنَاكَ إِخْرَاج وَأَن التَّعْلِيل بِهِ مجَاز عَن عدم الدُّخُول وَصَارَ فِي الْعرف حَقِيقَة بشيوعه وَقَوْلنَا مِنْهُ إِشَارَة بِحرف التَّبْعِيض إِلَى أَنه لَا يجوز التَّخْصِيص حَتَّى لَا يبْقى شَيْء من إِفْرَاد الْعَام وَيَأْتِي تَحْقِيقه وَقَوْلنَا وَالْمَنْصُوص تقدم أَنه مُبْتَدأ مُرَاد بِهِ الَّذِي نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الْأُصُول من أَلْفَاظ الْعُمُوم وَهُوَ مَا يفِيدهُ خَبره أَعنِي قَوْلنَا ... فِي الأَصْل من أَلْفَاظه مَا تسمع ... كل جَمِيع ثمَّ سِتّ تتبع ...
أَي الَّذِي نَص عَلَيْهِ من أَلْفَاظ الْعُمُوم فِي أصل المنظوم هِيَ مَا تسمعه من ذَلِك فِي النّظم أَولهَا لفظ كل فَهُوَ مَرْفُوع بدل من قَوْلنَا مَا تسمع فَلفظ كل يُفِيد الْعُمُوم وَهِي تُضَاف إِلَى نكرَة نَحْو ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ وَإِلَى معرفَة نَحْو اشْتريت كل الدَّار مُفردا أَو جمعا نَحْو كل الرِّجَال أكْرمهم وَهَذَا فِيمَا كَانَت متبوعة وتفيده تَابِعَة نَحْو ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ وَمثلهَا جَمِيع فِي إفادتها الْعُمُوم تَابِعَة ومتبوعة إِلَّا أَنَّهَا لَا تُضَاف إِلَى نكرَة وَقَوْلنَا سِتّ تتبع أَي سِتّ كَلِمَات بَينهَا قَوْلنَا ... أَسمَاء الِاسْتِفْهَام وَالشّرط كمن ... خَافَ الْمعَاد لم يذقْ طعم الوسن ...
следующие страницы →