Полный текст (428 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَابْن مَاجَه فَإِنَّهُ خص عُمُومه بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ فمفهومها لَا تؤذهما بِحَبْس وَلَا غَيره وَهَذَا من تَخْصِيص السّنة بِمَفْهُوم الْكتاب وتخصيصها بِمَفْهُوم السّنة فِي الْمُخَالفَة قَوْله ﷺ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره فَإِنَّهُ دَال على أَن جنس المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء وَقد خص عُمُومه بِمَفْهُوم حَدِيث إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا فَإِنَّهُ دلّ بمفهومه على أَن مَا لم يبلغ قُلَّتَيْنِ حمل الْخبث وَأما التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ فَفِيهِ عشرَة أَقْوَال
الأول لِلْجُمْهُورِ أَنه يجوز وَدَلِيله مَا عَرفته فِي غَيره من التخصيصات وَهُوَ أَن الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي وَقد قَامَ الدَّلِيل على الْعَمَل بِهِ فَالْفرق بَين موارده كَمَا وَقع للمخالفين فرق من غير فَارق عِنْد التَّحْقِيق وَاسْتِيفَاء التِّسْعَة الْأَقْوَال فِي المطولات من كتب الْفَنّ وَقد استوفاها فِي الفواصل وَكَذَلِكَ بِالْعقلِ قد قَالَ بِهِ الْجُمْهُور وَسبق بعض أمثلته وَبَعْضهمْ سمى التَّخْصِيص فِي مثل ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ أَن مَا لم تدمره من المشاهدات خص بالحس وَيُسمى مثل ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ أَن تَخْصِيصه بِكَوْنِهِ تَعَالَى لَيْسَ خَالق نَفسه بِالْعقلِ وَهَذَا خلاف لَفْظِي وَوَقع فِيهِ خلاف بِمَعْنى انه لَا يُقَال لَهُ تَخْصِيص بِالْعقلِ بل أَقُول هَذَا من الْعَام الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخُصُوص فَإِن قَوْله ﴿تدمر كل شَيْء﴾ لم يرد بِهِ دُخُول السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَتَّى يحْتَاج إِلَى إخْرَاجهَا بِالْعقلِ فَعَاد النزاع لفظيا
وَاعْلَم أَن هُنَا مسَائِل وَقع فِيهَا الْخلاف هَل يخص بهَا الْعَام أم لَا أَشَرنَا إِلَيْهَا بقولنَا
стр. 317
.. وَالْعَام لَا يقصره عَلَيْهِ ... سَببه ورأي من يرويهِ ...
وَهُوَ إبانة لمسألة عدم قصر الْعَام على سَببه وَهِي من مسَائِل الْخلاف بَين أَئِمَّة الْأُصُول ورأي الْجُمْهُور مَا أَفَادَهُ النَّاظِم من أَنه لَا يقصر على سَببه وَلذَا يَقُولُونَ الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَالْمرَاد بِالْعَام المستقل بِنَفسِهِ فِي الإفادة بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يضم إِلَى مَا قبله وَحَاصِله أَن خطاب الشَّارِع على سَبَب مَخْصُوص وسؤال عَن وَاقعَة مُعينَة إِن كَانَ لَفظه لَا يفْرض مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ مثل أَن يسْأَله الرجل عَن شَيْء معِين قَائِلا أَيحلُّ هَذَا قَالَ نعم أَو لَا فَلَا سَبِيل إِلَى إدعاء الْعُمُوم فِيهِ فَإِن الْعُمُوم فرع اسْتِقْلَال الْكَلَام بِنَفسِهِ بِحَيْثُ يفْرض الِابْتِدَاء بِهِ من غير تَقْدِيم سُؤال فَإِن ذَاك يتَمَسَّك بَعضهم بِاللَّفْظِ وَآخَرُونَ بِالسَّبَبِ فَأَما إِذا كَانَ لَا يثبت الِاسْتِقْلَال من دون تقدم السُّؤَال مُسْتقِلّا فَالْجَوَاب تَتِمَّة لَهُ وكالجزء مِنْهُ فَأَما إِذا كَانَ كَلَام الشَّارِع مُسْتقِلّا وَالسُّؤَال خَاص بِحَيْثُ لَو قدر نطقه بِهِ ابْتِدَاء لَكَانَ ذَلِك شرعا مِنْهُ وافتتاح تأسيس ومثاله فِي السُّؤَال قَوْله ﷺ وَقد سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة خلق المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ شَيْء ومثاله فِي غير السُّؤَال أَنه ﷺ مر بِشَاة لميمونة وَهِي ميتَة فَقَالَ أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَيعم الأول كل مَاء ويعم الثَّانِي كل إهَاب فَهَذَا هُوَ مَوْضُوع الْكَلَام
стр. 318
وَفِي شرح الْعَضُد إِذا كَانَ الْجَواب غير مُسْتَقل فَإِنَّهُ تَابع للسؤال فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والأمثلة مستوفاه فِي المطولات وَهَذِه الْمَسْأَلَة الْخلاف فِيهَا نسب إِلَى الشَّافِعِي فَقَالَ إِنَّه يقصر الْعَام على سَببه وَنقل عَنهُ أَكثر الصَّحَابَة خلاف هَذَا وَهُوَ أَنه يَقُول بقول الْأَكْثَر قَالَ الرَّازِيّ ومعاذ الله ان يَصح هَذَا النَّقْل عَن الشَّافِعِي أَي قصر الْعَامَّة على السَّبَب كَيفَ وَكثير من الْآيَات نزلت فِي أَسبَاب خَاصَّة
وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال أُخْرَى وأحسنها قَول ابْن دَقِيق الْعِيد أَنه كَانَ يَقْتَضِي السِّيَاق وقرائن الْمقَام التَّخْصِيص فِي السَّبَب خص بِهِ الْعَام إِذْ الْوَاجِب اعْتِبَار مَا دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق والقرائن وَإِن لم يقتض الْمقَام التَّخْصِيص فَالْوَاجِب اعْتِبَار الْعَام وَدَلِيل الْجُمْهُور أَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ مَا زَالُوا يستدلون بالعمومات الْوَارِدَة على أَسبَاب فِي غير سَببهَا وَهِي نزلت فِي خَاص كآية الظِّهَار وَآيَة اللّعان وَغير ذَلِك من الْآيَات القرآنية الْوَارِدَة على أَسبَاب خَاصَّة وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة
وَأَيْضًا فَالْعِبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ ووروده على سَبَب لَا يُنَافِيهِ بل ذَلِك بِمَثَابَة الحكم على بعض أَفْرَاد الْعَام بموافق الْعَام وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا ابو ثَوْر وَأَيْضًا لَو أَرَادَ قصره عَلَيْهِ لما أَتَى بِعِبَارَة عَامَّة
قَالَ المنازع لَو كَانَ الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لجَاز تَخْصِيص السَّبَب بِالِاجْتِهَادِ كَغَيْرِهِ من أَفْرَاد الْعَام وَهُوَ لَا يجوز بالِاتِّفَاقِ
стр. 319
وَأجِيب بِالْفرقِ بَين السَّبَب وَغَيره من أَفْرَاد الْعَام بِأَنَّهُ قَطْعِيّ الدُّخُول فِي الْإِرَادَة لوُرُود الْعَام عَلَيْهِ فَكَانَ كالنص الصَّرِيح فِيهِ وَإِلَّا لم يكن جَوَابا عَلَيْهِ فَامْتنعَ التَّخْصِيص بِهِ
وَقَوله وَرَأى من يرويهِ إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة فِيهَا خلاف أَيْضا بَين أَئِمَّة الْأُصُول وَهُوَ تَخْصِيص الْعُمُوم بِرَأْي من يرويهِ صحابيا كَانَ أَو غَيره كَمَا أطلقهُ النّظم وَبَعْضهمْ يَخُصُّهُ بِمَا إِذا كَانَ الرَّاوِي صحابيا وَالْجُمْهُور على مَا يفِيدهُ النّظم من نفي التَّخْصِيص بِرَأْي الرَّاوِي وَخَالف فِي ذَلِك الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة اسْتدلَّ الْجُمْهُور بِأَن الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْعُمُوم وَاجِب وَمذهب الرَّاوِي لَيْسَ بِدَلِيل عِنْدهم فَلَا يخص بِهِ وَإِلَّا لزم ترك الدَّلِيل لغير دَلِيل وَهُوَ غير جَائِز
قَالَ الْمُخَالف عمل الرَّاوِي بِخِلَاف مَا رَوَاهُ دَلِيل على اطِّلَاعه على دَلِيل التَّخْصِيص وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا لمُخَالفَته الدَّلِيل
قُلْنَا الدَّلِيل مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ إِذْ قد يكون دَلِيل التَّخْصِيص عِنْده عَن ظن أَو اجْتِهَاد وظنه واجتهاده لَا يجب علينا اتِّبَاعه فيهمَا وَلذَا كَانَ الصَّحَابَة يُخَالف بَعضهم بَعْضًا فِي الاجتهادات وَلَو كَانَ حجَّة لما جَازَ خِلَافه وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الصَّحَابِيّ فبالأولى أَن لَا يعْمل بِرَأْي غَيره
وَمن المخصصات المنفية قَوْله
كَذَلِك الْعَادة لَا تخص
وَلَا بإضمار على مَا نصوا ... قدر فِي الْمَعْطُوف وَالْعَام مَتى
خص فَفِي الْبَاقِي حَقِيقَة أَتَى
اشْتَمَل النّظم على ثَلَاث مسَائِل خلافية بَين أَئِمَّة الْأُصُول وَالرَّاجِح مَا فِي النّظم غَالِبا
الأولى التَّخْصِيص بِالْعَادَةِ وَالْمرَاد بِالْعَادَةِ الفعلية فَلَا يخص بهَا الْعَام وَذَلِكَ كَأَن يكون من الْعَادة أَن يَأْكُل أهل بَلْدَة طَعَاما مَخْصُوصًا كالبر مثلا فَصَارَت عَادَة فعلية ثمَّ يَأْتِي النَّهْي عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ فَهَذَا لَا يخص بهَا
стр. 320
الْعَام فَقَالُوا لِأَن لفظ الْعَام لم يطْرَأ عَلَيْهِ مَا يَنْقُلهُ عَن مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ وَالْعَادَة إِنَّمَا نشأت من اسْتِعْمَال أكل الْبر وَالدّلَالَة اللُّغَوِيَّة بَاقِيَة على حَالهَا فَهَذِهِ هِيَ المنفية فِي النّظم وَأما الْعَادة القولية فَلَا خلاف أَنه يخصص بهَا كَمَا صرح بِهِ أَئِمَّة الْأُصُول وَذَلِكَ كَأَن يُطلق فِي الْعرف الْعَام لفظ الطَّعَام على بعض أَفْرَاده كالشعير بِحَيْثُ إِذا أطلق الْعَام لم يتَبَادَر مِنْهُ إِلَّا ذَلِك الْفَرد فَهَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة وَهِي مُقَدّمَة على اللُّغَوِيَّة فيخص بهَا وَخَالفهُ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا لَا فرق بَين الفعلية فِي أَنه يخص بهما الْجُمْهُور على الْفرق لما عَرفته
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَوْلنَا وَلَا بإضمار على مَا نصوا إِشَارَة إِلَى مَا نَص عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأُصُول أَنه لَا يخص الْعَام بإضمار قدر فِي الْمَعْطُوف اقْتَضَاهُ الْمقَام فَإِنَّهُ لَا يخص بِهِ الْعَام فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَذَا رَأْي الْجُمْهُور وَخَالفهُ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا يخص بِهِ لوُجُوب الْمُسَاوَاة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مِثَاله حَدِيث أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن عَليّ ﵁ مَرْفُوعا أَلا لَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده قَالُوا فَيقدر فِي الْمَعْطُوف وَهُوَ وَلَا ذُو عهد
стр. 321
لفظ بِكَافِر تَسْوِيَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَكَافِر نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم وتفيد أَن الْمعَاهد لَا يقتل بالذمي لكنه ثَبت الْإِجْمَاع بِأَنَّهُ يقتل الْمعَاهد بالذمي فخصصنا الْكَافِر الَّذِي قدرناه بالحربي أَي جَعَلْنَاهُ خَاصّا بِهِ فَصَارَ معنى الحَدِيث وَلَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر حَرْبِيّ وَهَذَا مرادنا بقولنَا قدر فِي الْمَعْطُوف قَالُوا فَيقدر كَذَلِك فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ضَرُورَة للاشتراك والمساواة بَين المتعاطفين فَيُفِيد الحَدِيث جَوَاز قتل الْمُسلم بالذمي وَهُوَ رَأْي الْحَنَفِيَّة
وَأجِيب عَن الْحَنَفِيَّة بِأَن اللَّازِم من الْمُشَاركَة بَين المتعاطفين هُوَ الْمُشَاركَة فِي الْجُمْلَة إِن اقْتضى الْمقَام مُقَدرا فِي الْمَعْطُوف كَمَا ذكرْتُمْ فَلَا يلْزم تَقْدِيره فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِذْ لَا يشْتَرط اشتراكهما فِي أصل الحكم وَهُوَ هُنَا منع الْقَتْل وَلَا يلْزم من ذَلِك تَقْدِير من جَمِيع مَا يُمكن اضماره منى احدى الجملتين اذ التَّقْدِير خلاف الأَصْل وَيجب أَن يقْتَصر على قدر الْحَاجة فِيهِ وَهَذَا على تَسْلِيم أَنه لَا بُد من تَقْدِير بحربي وَإِلَّا فلك أَن تَقول لَا حَاجَة إِلَى تَقْدِيره بل يبْقى قَوْله وَلَا ذُو عَهده فِي عَهده بِكَافِر عَاما لكل كَافِر ويخص بِالْإِجْمَاع على قتل الْمعَاهد بالذمي
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَوْلنَا وَالْعَام مَتى خص فَفِي الْبَاقِي حَقِيقَة أَتَى وَهِي مَسْأَلَة الْعَام بعد التَّخْصِيص هَل هُوَ حَقِيقَة أَو مجَاز فَإِنَّهُ اخْتلف عُلَمَاء الْأُصُول هَل يكون حَقِيقَة بعد ذَلِك مجَازًا فالنظم أَفَادَ الَّذِي بعده حَقِيقَة وَهَذَا رَأْي الْحَنَابِلَة ومتأخري الشَّافِعِيَّة وَنقل عَن الشَّافِعِي وَعَن طَائِفَة كَثِيرَة من الْمُحَقِّقين
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه مجَاز وَهُوَ قَول أَكثر الزيدية ومحققي الأشعرية وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهم وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ هما المشهوران وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال أخر لَا يظْهر الرَّاجِح مِنْهَا بل هِيَ مرجوحة فَنَذْكُر دَلِيل هذَيْن الْقَوْلَيْنِ
قَالَ الْأَولونَ الْبَاقِي بعد التَّخْصِيص من أَفْرَاد الْعُمُوم وَلَفظ الْعَام
стр. 322
يتَنَاوَلهُ حَقِيقَة وَإِرَادَة وَإِخْرَاج بعض أَفْرَاد الْعَام من الحكم لبَيَان مَا أُرِيد من الْعَام بِقَرِينَة التَّخْصِيص وَلَا يلْزم الْمجَاز من ذَلِك فَمَا كل قرينَة تستلزمه إِذْ قرينَة الْمُشْتَرك تعين الْمَعْنى المُرَاد من مَعَانِيه وَلَا تصيره مجَازًا كَذَلِك الْعَام لَا يخرج بِالْقَرِينَةِ عَن مَوْضُوعه إِذْ الِاسْتِغْرَاق الَّذِي هُوَ مَدْلُول الْعَام بَاقٍ فِي الْمقَام غَايَته أَنه طَرَأَ عَلَيْهِ عدم إِرَادَة الْبَعْض وَأجِيب عَنهُ بِأَن تنَاوله للْبَاقِي لَا يُوجب كَونه حَقِيقَة فِيهِ إِذْ قد اسْتعْمل فِي غير مَا مَوضِع لَهُ فَإِنَّهُ مَوْضُوع للأستغراق وَقد خرج عَنهُ بقصره على بعض أَفْرَاد مَدْلُوله بِالْقَرِينَةِ وَهَذَا حَقِيقَة الْمجَاز قلت وَهَذَا الرَّد ناهض وَلَهُم مقاولات لَا تصير كَلَامهم راجحا
قَالَ أهل القَوْل الثَّانِي الْبَاقِي بعض التَّخْصِيص تَمام المُرَاد والتخصيص هُوَ الْقَرِينَة على تِلْكَ الْإِرَادَة وَمَعْلُوم ان مَدْلُول الْعَام هُوَ جَمِيع أَفْرَاده فَلَو كَانَ حَقِيقَة فِي جَمِيعهَا كَمَا اتفقنا عَلَيْهِ وَحَقِيقَة فِي الْبَعْض مِنْهَا كَمَا قُلْتُمْ لَكَانَ مُشْتَركا وَهُوَ خلاف الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإنَّا نقطع بِأَن الْبَاقِي بعد التَّخْصِيص هُوَ تَمام المُرَاد وَهَذَا هُوَ معنى الْمجَاز لِأَنَّهُ اللَّفْظ الْمَفْهُوم مَعْنَاهُ بِوَاسِطَة الْقَرِينَة المعنية للمراد وَلَا يخفى رُجْحَان هَذَا القَوْل لَا على مَا أَفَادَهُ النّظم لِأَن النّظم إِنَّمَا يَحْكِي قَول الأَصْل
وَاعْلَم أَن من مشاهير مسَائِل الْعَام مَسْأَلَة الْخلاف هَل هُوَ حجَّة بعد التَّخْصِيص أَو لَيْسَ بِحجَّة وَهَذِه أَخّرهَا صَاحب الأَصْل إِلَى بَاب الْمُجْمل والمبين وَذكرهَا النَّاظِم هُنَالك فَيَأْتِي تحقيقها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَوْله ... وَقد جرى التَّخْصِيص فِي الْإِخْبَار ... فِي الْمَذْهَب الْمُهَذّب الْمُخْتَار ...
إِلْمَام بِمَسْأَلَة هَل يجْرِي التَّخْصِيص فِي الْإِخْبَار كَمَا يجْرِي فِي الْإِنْشَاء اتِّفَاقًا فخالفت شرذمة قَليلَة قَالُوا لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْكَذِب وَهَذِه هِيَ شُبْهَة من منع الْمجَاز وَالْحق أَن الْكل جَائِز بل وَاقع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ وَمَعْلُوم أَنَّهَا لم تؤت مَا أُوتِيَ سُلَيْمَان من الْأَشْيَاء وَقَالَ الله
стр. 323
تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء﴾ وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِخْبَار مَخْصُوص كَمَا سبق وَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة فِي بَيَان ضعف هَذِه الْمقَالة
وَقَوله ... وَلم يكن تعَارض فِي الْقطعِي ... مابين عَاميْنِ كَمَا فِي الفرعي ...
إبانة لمسألة تعرض لَهَا صَاحب الْفُصُول وَغَيره من أهل رَأْيه وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا العمومات فِي الْمسَائِل القطعية تكون قَطْعِيَّة الدّلَالَة وَذَلِكَ كعموم آيَات الْوَعْد والوعيد قَالُوا لِأَن الْمَطْلُوب من الْعُمُوم إِمَّا الْعَمَل وَإِمَّا الِاعْتِقَاد فَإِذا كَانَ الْمَطْلُوب الأول كفى فِيهِ الظَّن وَإِذا كَانَ الْمَطْلُوب الثَّانِي فَلَا بُد من أَن يكون قَطْعِيّ الدّلَالَة لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون المُرَاد بِهِ غير ظَاهره من الْعُمُوم للَزِمَ أَن يكون الشَّارِع قد طلب منا الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي الِاعْتِقَاد وَالْجهل وَهُوَ قَبِيح لَا يجوز من الله تَعَالَى بِخِلَاف الْعَمَل فَإِنَّهُ لَا يقبح الْعَمَل بِمَا أَفَادَهُ الدَّلِيل الظني
وَأجِيب بِأَن كَونه قَطْعِيا فِي العمليات يسْتَلْزم عدم تَخْصِيصه لَا بظني إِذْ لَا يُعَارض الظني الْقطعِي وَلَا بقطعي للُزُوم تعَارض القواطع لِأَن الْفَرْض أَن هَذَا الْفرق بَين إِفْرَاد الْعُمُوم دَاخل قطعا تَحْتَهُ فإخراجه من الحكم عَن إِفْرَاد الْعُمُوم يُنَافِي دُخُوله تَحْتَهُ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك إِذا كَانَت دلَالَته ظنية لِأَن دُخُول الْفَرد الْمخْرج عَن الْعُمُوم غير مَقْطُوع بِهِ فَيكْشف التَّخْصِيص عَن عدم دُخُوله وَحِينَئِذٍ فقد ناقضتم أَنفسكُم لأنكم خصصتم عمومات الْوَعْد الْمُطلقَة بالعاصي وعمومات الْوَعيد الْمُطلقَة بالتائب وَلَو كَانَت العمومات فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد قَطْعِيَّة لما جَازَ التَّخْصِيص لما عرفت من حُصُول التَّنَافِي بِدُخُول مَا خص تَحت الْعَام قطعا وَخُرُوجه بالتخصيص فَيكون دَاخِلا خَارِجا
فَإِن قلت التَّخْصِيص كشف لنا عَن عدم دُخُوله قلت الْفَرْض أَن دُخُوله مَقْطُوع بِهِ فقد لزم من هَذِه الْقَاعِدَة تنَاقض الحكم حَيْثُ حكمتم بتخصيص بعض الْمسَائِل العلمية وَهُوَ لَا يجوز فَتعين بطلَان هَذِه الْقَاعِدَة الَّتِي
стр. 324
أنجزت إِلَى مَا لَا يجوز وَتعين الحكم باستواء مدلولات الْعَام فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد وَغَيره وَأَيْضًا فَإِن العمليات لَا بُد من حُصُول الِاعْتِقَاد فِيهَا من كَون الحكم حَلَالا أَو حَرَامًا فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِالدَّلِيلِ حَتَّى يعْتَقد الحكم من تَحْلِيل وَتَحْرِيم وَإِلَّا فَيلْزم اعْتِقَاد الْجَهْل كَمَا فِي العلمية وَهُوَ لَا يجوز وَمن هُنَا علمت أَن تفريقهم بَين العمومين غير صَحِيح
والإلزام الَّذِي قَالُوهُ باعتقاد الْجَهْل مَعَ الدَّلِيل الظني بَاطِل لِأَنَّهُ قد قَامَ الدَّلِيل على الْعَمَل بالأمارات الظنية فَيَكْفِي الِاعْتِقَاد الرَّاجِح فِيمَا أمرنَا بِهِ وَالْعَمَل بِمَا ظهر من الأمارات الظنية
وَأما اشْتِرَاط الْقطع فقد قَامَ مَا قَرَّرْنَاهُ على بُطْلَانه للُزُوم التَّنَاقُض مَعَه كَمَا عرفت إِذا عرفت هَذَا عرفت أَن النَّاظِم لَا يخْتَار مَا نظمه من أَنه لَا يَفِي التَّعَارُض بَين العمومين فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد بِنَاء على أَن الْعُمُوم فِيهَا قَطْعِيّ الدّلَالَة وقرينه أَن المُرَاد مسَائِل الِاعْتِقَاد شهرت الْمَسْأَلَة بَين أهل الْفَنّ
وَقَوله
وَصَحَّ فِي الْخَاص وَفِي الْعَام وَمَا
كَانَ أخيرا مِنْهُمَا قد علما ... كَانَ لَهُ الإعمال لَا مَا جهلا
تَارِيخه فَالْكل حتما أهملا
ضمير صَحَّ للتعارض الْمَنْفِيّ آنِفا أَي أَنه تعَارض الْعَام وَالْخَاص وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعلم تَارِيخ ورودهما أَو يجهل
الأول ذكرت فِيهِ صُورَتَانِ
الأولى مِنْهُمَا أَن يتقاربا أَي يتَّصل أَحدهمَا بِالْآخرِ إِلَّا مَا لَا يعد فاصل كَنَفس وسعال أَو لَا
الثَّانِيَة أَن لايتقاربا وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يتَأَخَّر أَحدهمَا بِمدَّة تتسع للْعَمَل بِالْأولِ اولا فَهَذِهِ الْأَطْرَاف من الْقسم الأول قد شملها قَوْلنَا
стр. 325
وَمَا كَانَ أخيرا مِنْهُمَا قد علما فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ من جملَة الْأَطْرَاف حَالَة التقارن فَلَيْسَ المُرَاد بالتقارن الْحَقِيقِيّ لِاسْتِحَالَة ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد أَن يتَقَدَّم أَحدهمَا وَيكون مَا اتَّصل بالمتقدم مُتَأَخِّرًا فتشمله عبارَة النّظم وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يجب إِعْمَال الْأَخير مِنْهُمَا وَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْله كَانَ لَهُ الإعمال إِلَّا أَن إعماله قد يكون على جِهَة النّسخ وَقد يكون على جِهَة التَّخْصِيص لِأَنَّهُ يتَصَوَّر فِي أَطْرَاف ثَلَاثَة هِيَ إِمَّا أَن يتقارنا أَو يتَأَخَّر الْخَاص أَو يتَأَخَّر الْعَام
الأول تقارنهما نَحْو أَن يرد اقْتُلُوا الْمُشْركين وَلَا تقتلو أهل الذِّمَّة أَو يعكس فَيحكم بِأَن الْأَخير مَعَ التقارن الْعَام فَهَذَا حكمه أَن يَبْنِي الْخَاص على الْعَام بِمَعْنى أَنه يحكم بتخصيص الْعَام وَلَا يَصح الحكم بالنسخ هُنَا لعدم التَّرَاخِي
الثَّانِي أَن يتَأَخَّر الْخَاص فإمَّا أَن يتَأَخَّر بِمدَّة لَا تتسع للْعَمَل فِيهَا كَأَن يُقَال اقْتُلُوا الْمُشْركين عِنْد انسلاخ الشَّهْر الْفُلَانِيّ ثمَّ يَأْتِي النَّهْي عَن قتل أهل الْكتاب قبل انسلاخه فَهَذَا يخصص بِهِ الْعَام عِنْد الْجُمْهُور وَإِمَّا أَن يتَأَخَّر بِمدَّة تتسع للْعَمَل فِيهَا فَلَا يَخْلُو اما ان يكون قد وَقع كَأَن يَنْسَلِخ الشَّهْر الْفُلَانِيّ وَقد وَقع الْقَتْل ثمَّ يرد النَّهْي فَهَذَا نسخ بِلَا خلاف إِذا كملت شُرُوطه أَو لم يكن قد وَقع كَأَن يَنْسَلِخ الشَّهْر قبل وُقُوع الْقَتْل ثمَّ يرد النَّهْي عَن قتل أهل الذِّمَّة فَهُوَ أَيْضا نَاسخ عِنْد الْجُمْهُور المانعين لتأخير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِذْ وَقت الْحَاجة إِلَى الْبَيَان هُنَا هُوَ عِنْد انسلاخ الشَّهْر
الثَّالِث من الْأَطْرَاف هُوَ أَن يتَأَخَّر الْعَام عَن الْخَاص فإمَّا أَن يتَأَخَّر بِمدَّة لَا تتسع للْعَمَل بالخاص بني الْعَام على الْخَاص وَكَانَ تَخْصِيصًا عِنْد الْجُمْهُور وَإِمَّا أَن يتَأَخَّر بِمدَّة تتسع للْعَمَل بالخاص فَإِنَّهُ عِنْدهم يكون الْعَام نَاسِخا للخاص وَلَا يبْقى لَهُ أثر فِيمَا تنَاوله من مَدْلُول الْعَام وَهَذَا هُوَ ظَاهر كَلَام النّظم حَيْثُ قَالَ كَانَ لَهُ الإعمال فَإِنَّهُ إِنَّمَا لَا يتَحَقَّق إِعْمَال الْعَام
стр. 326
الْمُتَأَخر إِلَّا بِإِبْطَال الْخَاص فِيمَا يتَنَاوَلهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور قَالُوا وَدَلِيله أَن الْخَاص دَلِيل مُسْتَقل وَبعد مُضِيّ الْوَقْت الَّذِي اتَّسع للْعَمَل بمدلوله لم يبْق أَي الْخَاص مُوجبا للْعَمَل بِهِ بعد وُرُود الْعَام لظُهُوره فِي جَمِيع أَفْرَاده ولضعف الْخَاص بعد مُضِيّ وَقت الْعَمَل بِهِ وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه يكون تَخْصِيصًا للْعُمُوم وَهُوَ قَول طَائِفَة مِنْهُم الشَّافِعِي كَمَا قَالَ النَّاظِم ونجل إِدْرِيس إِلَى آخِره وَاسْتَدَلُّوا بِقُوَّة الْخَاص فِي دلَالَة وتقدمه يكون قرينَة على أَنه لم يرد بِالْعَام جَمِيع أَفْرَاده قَالُوا وَإِن كَانَ الْعَمَل بالدليلين أولى من إبِْطَال الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا
قَالُوا أَيْضا فالتخصيص أغلب من النّسخ وَهَذَا القَوْل رَجحه كثير من الْمُتَأَخِّرين وأشرنا إِلَى تَرْجِيحه بقولنَا
ونجل إِدْرِيس يرى أَن يعملا
بِكُل شَيْء فِي الَّذِي تناولا ... تقدم التَّخْصِيص أَو تأخرا
أَو جهل التَّارِيخ هَذَا مَا يرى ... وَأَنه الأولى إِلَى الصَّوَاب
وَاخْتَارَهُ محققوا الْأَصْحَاب
فَفِي حَوَاشِي الْفُصُول أَنه ذكره الْفَقِيه عبد الله بن زيد للْمَذْهَب قَالَ وَهُوَ اخْتِيَار لوالدي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير رَحمَه الله تَعَالَى انْتهى وَنسبه فِي شرح الْغَايَة إِلَى الْمُؤَيد بِاللَّه وَأَنه صرح بِهِ فِي شرح التَّجْرِيد
ثمَّ إِنَّه لَا يخفى أَن بِنَاء الْعَام على الْخَاص إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق فَأَما إِذا كَانَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَا سبق من خلاف إِذْ لَيْسَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِعُمُوم الآخر بِأولى من الْعَكْس
стр. 327
فَلَا بُد من تطلب التَّرْجِيح بَينهمَا مِثَال ذَلِك حَدِيث من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ مَعَ نَهْيه ﷺ عَن قتل النِّسَاء فَإِن الأول خَاص بالمرتدين عَام للذكور وَالْإِنَاث وَالثَّانِي خَاص بِالنسَاء عَام فِي الحربيات والمرتدات قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي حَاشِيَة الْإِلْمَام وَكَأن مُرَادهم بالترجيح التَّرْجِيح الْعَام الَّذِي لَا يخص مَدْلُول الْعَام وَذَلِكَ كالترجيح بِكَثْرَة الروَاة وَسَائِر الْأُمُور الخارجية عَن مَدْلُول الْعَام من حَيْثُ هُوَ انْتهى
هَذَا وَقد سبق تَحْقِيق أَقسَام مَا علم تَارِيخه وَبَقِي الْقسم الَّذِي جعل تَارِيخه فَإِنَّهُ لَا يعرف الْمُتَقَدّم من الْمُتَأَخر فالجمهور أَنَّهُمَا يتعارضان فِي الْقدر الَّذِي تنَاوله الْخَاص فَيجب النّظر فِي التَّرْجِيح بَينهمَا فَإِن ظهر فَالْمُرَاد وَإِلَّا فَالْوَاجِب اطراحهما فِيمَا تَعَارضا فِيهِ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ النّظم بقوله لَا مَا جهلا تَارِيخه فَالْكل حتما أهملا أَي من كل من الْعَام وَالْخَاص بِالْقدرِ الَّذِي تنَاوله الْخَاص وَلَيْسَ المُرَاد أَن يطْرَح الْعَام بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا يُفِيد ظَاهر الْعبارَة وَهَذَا إِذا تَسَاويا لَا لَو ظهر وَجه تَرْجِيح لأَحَدهمَا عمل بالراجح وَهَذَا قَول
стр. 328
الْأَكْثَر وَقيل بل يبْنى الْعَام على الْخَاص وَهَذَا لأبي طَالب ويروى عَن الشَّافِعِيَّة وَعَن الْمَالِكِيَّة وَذَلِكَ لقُوَّة دلَالَة الْخَاص على مَدْلُوله ولإمكان الْعَمَل بالدليلين إِذا جعل الْخَاص مُخَصّصا للْعُمُوم
وَلما بلغنَا فِي قِرَاءَة شرح الْغَايَة الْمَعْرُوف بالهداية إِلَى هَذَا الْموضع وَقد استوفى المباحث هَذِه فِي شرحها أَنْشدني شَيخنَا ﵀ حَال الْقِرَاءَة لنَفسِهِ فِي ضبط صور بِنَاء الْعَام على الْخَاص فَقَالَ
يبْنى الْعُمُوم على الْخُصُوص بِأَرْبَع
صور على القَوْل لأجل فَقل أجل ... مَعَ جهل تَارِيخ وَعند تقارن
وتفارق زَمنا يضيق عَن الْعَمَل ... وَكَذَا بمتسع يكون عُمُومه
مُتَأَخِّرًا وَالْعَكْس نسخ لم يزل
وَلما انْتهى بِنَاء الْكَلَام إِلَى آخر أبحاث الْعَام وَالْخَاص أَخذنَا فِي الْمُطلق والمقيد بقولنَا
فصل حوى الْمُطلق والمقيدا
فَالْأول الْمُفِيد حَيْثُ وردا ... شيوعه فِي جنسه وَالثَّانِي
مَا دلّ مَعَ قيد فَخذ تبياني
فحقيقة الْمُطلق هُوَ اللَّفْظ الْمُفِيد لشيوع جنسه أَي شيوع مَدْلُوله فِي جنسه فالمفيد صفة مَوْصُوف ومحذوف وَالْمرَاد بالشيوع مَدْلُوله فِي جنسه كَون مَدْلُوله حِصَّة مُحْتَملَة لحصص كَثِيرَة مِمَّا ينْدَرج تَحت أَمر مُشْتَرك من غير تعْيين وَهَذَا يُوَافق قَوْلهم إِن الْمَطْلُوب من الْمُطلق هُوَ الجزئي المطابق للماهية لَا كَمَا زَعمه فِي جمع الْجَوَامِع تبعا لغيره أَن الْمَطْلُوب هُوَ الْمَاهِيّة إِذا عرفت هَذَا فَإِنَّهُ خرج بِقَيْد الشُّيُوع الْعلم والمبهمات والمضمرات لما فِيهَا من التَّعْيِين نَحْو زيد وَهَذَا وَالَّذِي وَأَنا فَهَذَا فَائِدَة قَوْله من غير تعْيين إِذْ لولاه لدخل غير الْعلم من المعارف لاحتمالها حصصا كَثِيرَة تندرج تَحت أَمر مُشْتَرك من حَيْثُ الْوَضع وَخرج نَحْو الْأسد وَأُسَامَة فَإِن كلا مِنْهُمَا يدل على
стр. 329
الْحَيَوَان المفترس مَعَ الْإِشَارَة إِلَى تَعْيِينه وَالْفرق بَين الْمُعَرّف بلام الْجِنْس وَعلم الْجِنْس أَن التَّعْيِين اسْتُفِيدَ من اللَّام فِي الأول واستفيد فِي الثَّانِي من جَوْهَر لَفظه وَخرج الْمُعَرّف بلام الْعَهْد الْخَارِجِي وَخرج كل عَام وَلَو نكرَة نَحْو كل رجل وَلَا رجل لِأَن مَدْلُول الْعَام استغراقي وَعُمُوم الْمُطلق بدلي كَمَا عرفت وَهُوَ يُنَافِي الشُّيُوع بالتفسير الْمَذْكُور فَهَذَا رسم الْمُطلق وفوائد قيوده
وَأما الْمُقَيد فَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْلنَا وَالثَّانِي مَا دلّ أَي لفظ دلّ على بعض مَدْلُول الْمُطلق مَعَ قيد زَائِد عَلَيْهِ وَالْمرَاد بالقيد مَا يفهم معنى زَائِدا على مَا فِي الْمُطلق سَوَاء كَانَ معنويا أَو لفظيا فَمثل زيد فِي أكْرم زيدا بعد قَوْلك أكْرم رجلا قد اسْتُفِيدَ مِنْهُ تَقْيِيده بذلك الشَّخْص الدَّال عَلَيْهِ الِاسْم وَمثل رَقَبَة مُؤمنَة بعد قَوْلك أعتق رَقَبَة قد اسْتُفِيدَ من الْمُقَيد الملفوظ بِهِ وَهُوَ مُؤمنَة الْمَعْنى الزَّائِد على الْمُطلق ... وكل مَا فِي الْعَام وَالْخَاص أَتَى ... فَخذه منفيا هُنَا ومثبتا ...
يُرِيد أَن كل مَا مضى من الأبحاث الْعَام وَالْخَاص من مُتَّفق عَلَيْهِ ومختار ومزيف فَإِنَّهُ يَأْتِي هُنَا فَإِن تَقْيِيد الْمُطلق نشيبه بتخصيص الْعَام لكَون التَّقْيِيد كالإخراج بِبَعْض إِفْرَاد الْمُطلق كَمَا أَن التَّخْصِيص لإِخْرَاج بعض إِفْرَاد الْعَام وَإِن كَانَت الصلاحية فِي الْمُطلق على جِهَة الْبَدَل وَفِي الْعَام على جِهَة الشُّمُول والاستغراق فَالْمُرَاد التَّنْبِيه على تشارك الْعَام والمنطلق فِي أَكثر الْأَحْكَام الَّتِي سبقت فِي بَاب الْعَام وَالْخَاص وَإِن كَانَا يفترقان فِي أُمُور كَمَا يَأْتِي وَإِذا عرفت هَذَا فاللمطلق والمقيد حالات فِي النّظر إِلَى الِاتِّحَاد فِي الحكم وَالسَّبَب وَالِاخْتِلَاف فِي أَحدهمَا أَو فيهمَا مَعًا
الْحَالة الأولى اتِّحَاد السَّبَب وَالْحكم إِلَيْهَا اشار قَوْلنَا ... فَإِن يَكُونَا وردا فِي حكم ... يحكم بالتقييد أهل الْعلم ...
أَي إِذا ورد الْمُطلق والمقيد فِي حكم وَاحِد واتحد سببهما فَإِنَّهُ يحكم بالمقيد على الْمُطلق مِثَاله أَن يُقَال فِي الظِّهَار أعتق رَقَبَة ثمَّ يُقَال أعتق رَقَبَة
стр. 330
مُؤمنَة فِي الظِّهَار وَقَوله أهل الْعلم مُرَاده أَكْثَرهم وَإِن كَانَ فِي أصل النّظم أَنه اتِّفَاق وَقد ذكر فِيهِ خلاف النَّادِر والعبارة قاضية فِي أَنه يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد سَوَاء تقارنا أَو تقدم أَحدهمَا أَو تَأَخّر أَو جهل التَّارِيخ
إِذا تقرر هَذَا فَهَذَا الحكم اسْتدلَّ بِهِ الْجُمْهُور بِأَنَّهُ جمع بَين الدَّلِيلَيْنِ إِذْ الْعَمَل بالمقيد عمل بالمطلق فِي ظن الْمُقَيد فَإِنَّهُ تقرر أَن الْمُطلق دَال على أَفْرَاده على جِهَة الْبَدَل فَيصدق الْمُطلق فِي ضمن أَي فَرد مِنْهَا وَيكون الْمُقَيد دَلِيلا على أَنه المُرَاد من الْمَطْلُوب بالمطلق لَا غَيره من الْإِفْرَاد فتحقق كَون الْعَامِل بِهِ عَاملا بالمطلق الَّذِي عينه الْمُقَيد وَلذَا يَقُولُونَ إِنَّه عمل بالمطلق فِي ضمن الْمُقَيد
قَالُوا وَأَيْضًا الْعَمَل بالمقيد خُرُوج عَن الْعهْدَة يَقِينا بِخِلَاف الْعَمَل بالمطلق فقد يكون الْمَطْلُوب هوالمقيد فَلَا يخرج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف بالمطلق فَكَانَ الْعَمَل بالمقيد أحوط بل هُوَ الَّذِي يتَعَيَّن وَلَو كَانَ مَفْهُوم الْمُقَيد لقبا لِأَن دلَالَة الْمُطلق على إِفْرَاده بِدَلِيل وَالْمَطْلُوب هُوَ الجزئي المطابق للماهية فأدنى إِمَارَة تَكْفِي فِي تعْيين ذَلِك الجزئي وَتَعْيِين الْمَطْلُوب بالمطلق وَالْمَنْع من الْعَمَل بِمَفْهُوم اللقب إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا تثبت بِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَيجْعَل دَلِيلا مُسْتقِلّا بِخِلَاف الْعَمَل بِهِ هُنَا فَإِنَّمَا هُوَ على جِهَة أَنه قرينَة مُعينَة لما تقرر من أَن الْمَطْلُوب بالمطلق هُوَ الجزئي المطابق للماهية فَلم يسْتَقلّ بالإفادة ومثاله أعتق رَقَبَة أعتق رَقَبَة أُنْثَى فَإِنَّهَا لما كَانَت الرَّقَبَة شائعة بَين الْأَفْرَاد على جِهَة الْبَدَل وَجَاء التَّقْيِيد بِمَا ذكر أَفَادَ تعْيين مَا أُرِيد بالمطلق وَلذَا جَازَ تَقْيِيد الْمُطلق بِالْعَادَةِ وَلم يجز بهَا التَّخْصِيص مَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِأَدْنَى إِمَارَة فِي تعْيين الْمُطلق وَهَذَا قد صرح بِهِ الْمُحَقق الْمحلي فِي شرح الْجمع هَذَا كُله إِذا اتحدا حكما وسببا وَهِي الْحَالة الأولى لَا إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فَهِيَ الْحَالة الثَّانِيَة فقد أبان حكمه قَوْلنَا
стр. 331
.. لَا إِن أَتَى الحكمان من جِنْسَيْنِ ... إِلَّا قِيَاسا ثمَّ مثل دين ...
أَي لَا إِن اخْتلف الحكمان فَإِنَّهُ لَا يحكم بالتقييد لظُهُور التَّنَافِي بَين الْمُطلق والمقيد من الِاخْتِلَاف فِي الحكم وَهُوَ المُرَاد من قَوْله من جِنْسَيْنِ وَظَاهر عبارَة النّظم أَنه لَا حمل إِذا قد حصل اخْتِلَاف الْحكمَيْنِ سَوَاء اتحدا فِي السَّبَب نَحْو صم يَوْمًا فِي الْكَفَّارَة وَأطْعم طَعَام الْمُلُوك فِي الْكَفَّارَة اَوْ اخْتلفَا نَحْو اهد بَدَنَة عَن الْقرَان وزك بَدَنَة سَائِمَة عَن النّصاب وَقد أَفَادَ فِي المعيار الِاتِّفَاق على أَنه لَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد هُنَا وَمثله فِي الْفُصُول وَعليَّة السُّؤَال إِلَّا أَنه قد قيد هَذَا الاطلاق فِي عبارَة النّظم قَوْله إِلَّا قِيَاسا إِلَى آخِره فَإِنَّهُ لَا يحمل عَلَيْهِ لفظا من حَيْثُ الدّلَالَة بِخِلَاف حمله عَلَيْهِ قِيَاسا فَإِنَّهُ ذكر هَذَا الْمهْدي فِي المعيار إِلَّا أَنه قد اسْتشْكل القَوْل بِالْقِيَاسِ هُنَا أَي مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الحكم لِأَنَّهُ لَا قِيَاس مَعَه إِذْ الْقيَاس إِنَّمَا يكون الْإِلْحَاق فِي الحكم
وَالْحَاصِل أَن كَلَام أهل الْأُصُول مُضْطَرب فِي الالحاق بِالْقِيَاسِ فِي هَذِه الْحَال وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْحَالة الثَّانِيَة الَّتِي أفادها قَوْله ... حكم اخْتِلَاف الْجِنْس فِي الْأَسْبَاب ... هَذَا هُوَ الْمُخْتَار فِي الْكتاب ...
стр. 332
وَهُوَ خبر قَوْله ثمَّ مثل ذين أَي أَن حكم اخْتِلَاف الْجِنْس المتحد فِي الْأَسْبَاب وَإِضَافَة اخْتِلَاف إِلَى الْجِنْس إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار اخْتِلَاف السب وَإِلَّا فالجنس هُنَا مُتحد وَالْإِضَافَة يَكْفِي فِيهَا أدنى مُلَابسَة وقرينة الْمقَام تنادى بالمرام من الْكَلَام وَمِثَال ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي الظِّهَار ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ وَفِي الْقَتْل ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ فالجنس مُتحد وَهُوَ الْكَفَّارَة وَالسَّبَب مُخْتَلف وَهُوَ الْقَتْل وَالظِّهَار فَفِي هَذِه الصُّورَة لَا يحكم بالتقييد إِلَّا على جِهَة الْقيَاس وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور قَالُوا إِذْ الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي فَإِذا ظهر وَجه الْإِلْحَاق بِشُرُوطِهِ عمل بِهِ هُنَا وَعبارَة الأَصْل هَكَذَا لَا فِي فِي حكمين مُخْتَلفين من جِنْسَيْنِ اتِّفَاقًا إِلَّا قِيَاسا وَلَا حَيْثُ اخْتلف السَّبَب واتحد الْجِنْس على الْمُخْتَار اى وَلَا حَيْثُ اخْتلف السَّبَب واتحد الْجِنْس إِلَّا قِيَاسا على الْمُخْتَار فَقَوله على الْمُخْتَار قيد للْحَمْل على الْقيَاس فِي الْحَالَتَيْنِ وَحِينَئِذٍ يكون رَأْيه رَأْي الْجُمْهُور فِي صِحَة الْحمل قِيَاسا فِي هَذِه الْحَالة وَهَذَا هُوَ اولى فِي حل عِبَادَته لِأَنَّهُ اذا اجيز الحكم بالألحاق قِيَاسا مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الحكم كَمَا سبق فبالأولى مَعَ اتِّحَاد الحكم كَمَا فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي نَحن بصددها إِذْ من الْبعيد أَن يَصح الْقيَاس مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الحكم وَلَا يَصح مَعَ الِاتِّحَاد
وَقَوْلنَا هَذَا هُوَ الْمُخْتَار أَي الحكم بِالْقِيَاسِ فِي الْحَالَتَيْنِ وَقد اخْتلف فِي الْمَسْأَلَة على أَقْوَال
الأول أَنه يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي هَذِه الْحَالة سَوَاء وجد الْجَامِع
стр. 333
أم لَا قَالَ أَئِمَّة من الشَّافِعِيَّة إِنَّه ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه
الثَّانِي لَا يحمل عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل من قِيَاس أَو غَيره وَهَذَا قَول الْجُمْهُور من الزيدية والمتكلمين
الثَّالِث للحنفية أَنه لَا يحمل هُنَا الْمُطلق على الْمُقَيد وَلَو وجد الْجَامِع قَالُوا لِأَن أَعمال الدَّلِيلَيْنِ وَاجِب مهما أمكن الْعَمَل فَيعْمل بالمطلق على إِطْلَاقه وبالمقيد على تَقْيِيده بِخِلَاف مَا لَو حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ إبِْطَال الْمُطلق فِي غير مَا دلّ عَلَيْهِ الْقَيْد وَقد أُجِيب عَن دليلهم بِمَا لَا يقوى على رده
وَاسْتدلَّ الْأَولونَ الْقَائِلُونَ بِالْحملِ قِيَاسا بِأَن الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي فَإِذا وجد الْجَامِع كَانَ بِمَثَابَة نَص مُقَيّد للمطلق وَأجِيب بِأَن من شَرط الْقيَاس أَن يكون لإِثْبَات حكم شَرْعِي وَهنا الْمُقَيد بِرَقَبَة مُؤمنَة دلّ على إِجْزَاء الرَّقَبَة المؤمنة وَأما عدم إِجْزَاء غَيرهَا فَهُوَ ثَابت بِالْعدمِ الْأَصْلِيّ لَا بِحكم شَرْعِي فتعدية الحكم بِالْقِيَاسِ لم تكن للْحكم الشَّرْعِيّ بل للعدم الْأَصْلِيّ وَهُوَ عدم إِجْزَاء الْكَافِرَة وَلَا يخفي قُوَّة كَلَام الْحَنَفِيَّة فِي الْمَسْأَلَة
وَلما فرغ الْكَلَام من الْمُطلق والمقيد أردفه بالمجمل والمبين فَقَالَ
стр. 334
- ﷺ َ - الْبَاب السَّابِع فِي الْمُجْمل الْمَذْكُور فِي الْخطاب
... وَقد أَتَى فِي سَابِع الْأَبْوَاب ... الْمُجْمل الْمَذْكُور فِي الْخطاب ...
الْمُجْمل فِي اللُّغَة يُقَال على الْمَجْمُوع وَمِنْه أجمل الْحساب إِذا جمعه وعَلى الْإِبْهَام من أجمل الْأَمر أَي أبهمه وَهَذَا يُنَاسب أَن يكون الْمُجْمل فِي الِاصْطِلَاح مأخوذا مِنْهُ وَقد رسمه النَّاظِم بقوله ... ورسمه مَا لَيْسَ مِنْهُ يفهم ... مفصلا مَا قصد المكلم ...
أَي رسم الْمُجْمل مَا لَيْسَ يفهم مِنْهُ مَا قصد الْمُتَكَلّم فكلمة مَا مُرَاد بهَا اللَّفْظ كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله مَا قصد المكلم وَهَذَا بِنَاء على الْأَغْلَب وَإِلَّا فالإجمال قد يكون فِي الْأَفْعَال كالأقول وَلَك أَن تحمله على مَا يشملهما فيراد بالمكلم من شَأْنه التَّكَلُّم أَعم من أَن يكون بِفِعْلِهِ أَو بقوله وَهَذَا أولى ليشْمل الْأَمريْنِ والإجمال فِي الْأَفْعَال كَأَن يقوم ﷺ من الرَّكْعَة الثَّانِيَة من غير تشهد فَإِنَّهُ مُتَرَدّد بَين أَن يكون على جِهَة الْعمد فَيكون من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو السَّهْو فَلَا يدْخل فِيهَا هَذَا وَقد خرج من الرَّسْم الْمَذْكُور الْمُبين إِذْ يفهم مِنْهُ مَا قصد المكلم على جِهَة التَّفْصِيل وَخرج المهمل بطرِيق الْمَفْهُوم إِذْ قد أَفَادَ توجه النَّفْي إِلَى الْقَيْد أَعنِي مفصلا أَنه يفهم مِنْهُ شَيْء فِي الْجُمْلَة غير مفصل
إِذا تقرر هَذَا فالمجمل قد يكون فِي الْمُفْرد كعين بِنَاء على أَنه لَا يَصح
стр. 335
حمل الْمُشْتَرك على جَمِيع مَعَانِيه وَمن قَالَ يَصح لم يكن عِنْده الْعين مُجملا وَيكون فِي الْمركب ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ ولي النِّكَاح المتولى للْعقد أَو الزَّوْج وَيكون فِي الضَّمِير كَمَا رُوِيَ عَن ابْن الْجَوْزِيّ أَنه سُئِلَ عَن عَليّ ﵇ وَأبي بكر ﵁ أَيهمَا أفضل وَكَانَ على الْمِنْبَر فَقَالَ من كَانَت ابْنَته تَحْتَهُ وَنزل وَقد يكون فِي الصّفة نَحْو زيد طَبِيب ماهر فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنه ماهر فِي الطِّبّ وَيحْتَمل أَنه طَبِيب وَأَنه ماهر وَفرق بَين الْأَمريْنِ فَإِن الأولى تفِيد المهارة فِي الطِّبّ وَالثَّانيَِة أَعم والأمثلة مبسوطة فِي المطولات
وَالْمرَاد معرفَة الضَّابِط فِي الرَّسْم
خِلَافه يَدعُونَهُ مُبينًا
ثمَّ الْبَيَان مَا أَفَادَ مَا عَنى ... من المُرَاد بِالْخِطَابِ الْمُجْمل
وَصَحَّ بِالسَّمْعِ الْبَيَان فاقبل
أَي خلاف الْمُجْمل يسمونه الْمُبين وَهُوَ مَا يفهم مِنْهُ الْمَقْصُود على جِهَة التَّفْصِيل وَهَذَا صَادِق على الْمُبين بِنَفسِهِ نَحْو السَّمَاء وَالْأَرْض ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ وعَلى الْبَيَان بعد الْإِجْمَال وَلما كَانَ الْمَقْصُود هُوَ الآخر صرح بِهِ قَوْله ثمَّ الْبَيَان إِلَى آخر المصراع الأول من الْبَيْت الثَّانِي أَي الْبَيَان شَيْء أَفَادَ مَا عناه الْمُتَكَلّم بِالدَّلِيلِ الْمُجْمل من مُرَاده فَقَوله شَيْء جنس الْحَد وَقَوله أَفَادَ مَا عَنى يدْخل فِيهِ الْمُجْمل على مَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا من أَنه لَا بُد أَن يُفِيد إِفَادَة مَا وَقَوله بِالدَّلِيلِ أخرج الْمحمل وَأما قَوْله وَصَحَّ
стр. 336
بِالسَّمْعِ الْبَيَان أَي صَحَّ بَيَان الْمُجْمل بِالسَّمْعِ كتابا وَسنة وإجماعا وَقِيَاسًا نَحْو ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَإِنَّهُ مُجمل بَينه قَوْله ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره وَهَذَا النَّوْع وَاسع فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَقد يكون بِالسنةِ الفعلية نَحْو قَوْله ﷺ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره وَنَحْو خُذُوا عني مَنَاسِككُم كَمَا فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم قيل وَهُوَ أقوى من الْبَيَان بالْقَوْل كَمَا يدل لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَزَاد فَإِن الله أخبر مُوسَى بن عمرَان ﵇ عَمَّا صنع قومه من بعده فَلم يلق الألواح فَلَمَّا عاين ذَلِك ألْقى الألواح
وَأما الْبَيَان بِالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس فَفِيهِ الْخلاف الَّذِي وَقع فِي جَوَاز التَّخْصِيص بهما وَاعْلَم أَنه إِذا ورد بعد الْمُجْمل قَول وَفعل يفيدان بَيَانه فَإِن علم السَّابِق مِنْهُمَا فَهُوَ الْبَيَان وَالثَّانِي تَأْكِيد فعلا كَانَ أَو قولا وَإِن جهل فأحدهما هُوَ الْمُبين لَا على جِهَة التَّعْيِين لعدم الْعلم بالسابق وَالْآخر حكم التَّأْكِيد هَذَا إِن اتفقَا فَإِن اخْتلفَا أَن يَأْمر ﷺ بعد نزُول الْحَج بِطواف وَيَطوف طوافين فَقيل الْمُبين هُوَ القَوْل تقدم أَو تَأَخّر أَو جِهَة وَهَذَا رَأْي الْجُمْهُور قَالُوا لِأَن القَوْل يدل على الْبَيَان بِنَفسِهِ بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ لَا يدل إِلَّا بِوَاسِطَة انضمام القَوْل إِلَيْهِ فَكَانَ بِالْبَيَانِ أولى من الْفِعْل وَيحمل الثَّانِي على النّدب أَو على أَنه خَاص بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 337
وَاعْلَم أَنه ذكر فِي أصل النّظم أَنه لَا يلْزم أَن تكون شهرته الْبَيَان كشهرة الْمُبين فَلم نذكرهُ هُنَا لِأَنَّهُ قد سبق مَا يفِيدهُ فِي بَاب الْعَام وَالْخَاص حَيْثُ قُلْنَا وَخص بالآحاد مَا تواترا
وَالْحَاصِل أَنه اخْتلف هَل يشْتَرط أَن يكون الْبَيَان أقوى من الْمُبين فَقَالَ الرَّازِيّ لَا يشْتَرط ذَاك فَيجوز بالأدنى فيبين المظنون الْمَعْلُوم قَالَ الْعَضُد بعد كَلَام وَأما الْمُجْمل فَيَكْفِي فِي بَيَانه أدنى دلَالَة وَلَو مرجوحا إِذْ لَا تعَارض انْتهى وَلابْن الْحَاجِب بعض تَخْلِيط
هَذَا وَأما مَسْأَلَة جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة أَو عدم جَوَازه فتأتي الْمَسْأَلَة قَرِيبا
وَلما ذكر أَئِمَّة الْأُصُول مسَائِل وَقع فِيهَا خلاف هَل هِيَ من الْمُجْمل ذَكرنَاهَا هُنَا بقولنَا
والمدح للشَّيْء دَلِيل الْحسنى
لِأَنَّهُ حث على مَا أثنى ... وذمه فِي الْقبْح قَالُوا أوضح
مِمَّا يُفِيد النَّهْي فَهُوَ أقبح
أَي أَن مدح الشَّيْء دَلِيل على أَنه حسن لِأَن فِيهِ حثا وتحريضا على الْعَمَل بِهِ وذم الشَّيْء دَلِيل على أَنه قَبِيح منفر عَنهُ أَشد التنفير من النَّهْي فَإِن النَّهْي قد يكون للكراهة الَّتِي هِيَ دَاخِلَة تَحت الْحسن عِنْد الْأَكْثَر وَهَذَا معنى قَوْله أوضح وَفرع عَلَيْهِ قَوْله فَهُوَ أقبح
وَاعْلَم أَن تَأْخِير هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى هَذَا الْمحل وَقع تبعا لأصل النّظم وَهُوَ تبع الْمهْدي فَإِنَّهُ قَالَ مَا حَاصله إِن الْمَدْح والذم قد يتَرَدَّد بَين تَعْلِيقه بالأشخاص وبالأفعال فَجعل هَذِه الْمَسْأَلَة بعض الْأُصُولِيِّينَ لذَلِك من الْمُجْمل قَالُوا لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ الْآيَة يحْتَمل أَنه جَاءَ بِصفة الَّذين لمُجَرّد التَّعْرِيف بِصفة الرجل المذموم لَا لذمه لما أفادته جملَة الصِّلَة فِي الْآيَة وَهُوَ الْكَنْز كَمَا تَقول الَّذِي يلبس الْبيَاض
стр. 338
أضربه فَيحْتَمل أَن ضربه لأجل لبس الْبيَاض أَو لغيره فَكَذَا هُنَا يحْتَمل أَن الذَّم الْمُسْتَفَاد من الْوَعيد لأجل الْكَنْز أَو لأجل غَيره وَكَذَا فِي ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ يحْتَمل أَن نعيمهم لأجل الْبر وَيحْتَمل لغيره فَصَارَ مُجَرّد الْمَدْح والذم على هَذَا مُجملا لَا يدل على حسن وَلَا قبح للاحتمال الْمَذْكُور وَقَالَ الْجُمْهُور لَيْسَ بمجمل بل الْوَصْف إِذا علق الذَّم أَفَادَ قبحه أَو الْمَدْح أَفَادَ حسنه وَيكون ظَاهرا فِي ذَلِك وَإِن احْتمل أَن يكون لمُجَرّد التَّعْرِيف فاحتمال مَرْجُوح انْتهى
وَقد اعْترض الْمهْدي صَاحب القسطاس وَقَالَ النزاع فِي الْمَسْأَلَة للخصم أَنه لَا عُمُوم فِي مَا علق عَلَيْهِ الْمَدْح والذم حَتَّى يسْتَدلّ بِآيَة الْكَنْز مثلا على وجوب الزَّكَاة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة على جِهَة الْعُمُوم فالاحتمال فِيهَا لعدم تعْيين الْكَنْز الَّذِي علق بِهِ الذَّم فالدليل الَّذِي ينْهض على الْخصم إِنَّمَا هُوَ فِي إفادتها الْعُمُوم وَعدم مُنَافَاة الذَّم والمدح لَهُ
قَالُوا وَلَا إِجْمَال فِيمَا نكرا
من الجموع بل يكون ظَاهرا ... فِيمَا يرى الْأَقَل فِي الْمعَانِي
كَذَلِك التَّحْرِيم للأعيان ... يكون للمعتاد عِنْد الأجزل
وَالْعَام إِن خص فَغير مُجمل
اشْتَمَل على ثَلَاث مسَائِل
الأول فِي أَن الْجمع الْمُنكر نَحْو رجال لَيْسَ بمجمل كَمَا قَالَه الْأَكْثَر من أَئِمَّة الْفَنّ بل إِذا ورد وَجب حمله على المتحقق من مَدْلُوله وَهُوَ أقل مَرَاتِب الْجمع وَهَذَا معنى قَوْله بل يكون ظَاهرا إِلَى آخِره أَي هُوَ ظَاهر فِي أقل الْمعَانِي الدَّاخِلَة تَحت مَدْلُوله فَيحمل عَلَيْهِ وَذهب الْأَقَل إِلَى
стр. 339
أَنه مُجمل قَالُوا لِأَن مَرَاتِب الجموع مُتَفَاوِتَة فَلَيْسَ حمله على بعض مِنْهَا أولى من الآخر فَيكون مُجملا وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ مترددا بَين مراتبها فالترجيح بِحمْلِهِ على مَا هُوَ المتحقق كَاف فِي بَيَان وَجه الْأَوْلَوِيَّة لِلْخُرُوجِ عَن الْإِجْمَال الَّذِي هُوَ خلاف الأَصْل
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَوْله كَذَلِك التَّحْرِيم للأعيان أَي لَا إِجْمَال فِيمَا أَتَى وَمن التَّحْرِيم الْوَاقِع على الْأَعْيَان نَحْو ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور كَمَا أَفَادَهُ قَول الأجزل وَالدَّلِيل أَن من استقرأ اللُّغَة علم أَنه لَيْسَ المُرَاد تَحْرِيم الْعين بل التَّحْرِيم على مَا يُنَاسِبه مِمَّا سيق لَهُ الْخطاب كَالْأَكْلِ فِي الْمَأْكُول وَالشرب فِي المشروب واللبس فِي الملبوس وَالْوَطْء فِي الموطؤ فَإِذا قيل ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ أَو الْخِنْزِير أَو الْخمر أَو الْحَرِير حمل على مَا سبق إِلَيْهِ الْفَهم عرفا من الْوَطْء وَنَحْوه مِمَّا يتَبَادَر فِيمَا ذكر وَهَذَا مُرَاد النّظم بقوله يكون للمعتاد أَي يكون التَّحْرِيم للأعيان للمعتاد عرفا وَخَالف فِي ذَلِك الْأَقَل وَقَالُوا بل هُوَ مُجمل إِذْ تَحْرِيم الْعين غير مُتَصَوّر فَلَا بُد من إِضْمَار شَيْء يكون مُتَعَلقا للتَّحْرِيم وَالْأَفْعَال كَثِيرَة فَإِنَّهُ يحْتَمل تَحْرِيم الْأُم الْوَطْء وَالنَّظَر والاستخدام وَفِي تَحْرِيم الْحَرِير البيع واللبس واللمس وَكَذَلِكَ سَائِر مَا ذكره
قَالُوا وَلَا سَبِيل إِلَى إِضْمَار الْجَمِيع لِأَن مَا يقدر للضَّرُورَة يقْتَصر فِيهِ على مايدفعها فَيتَعَيَّن إِضْمَار الْبَعْض وَلَا دَلِيل على تعْيين شَيْء من المقدرات إِذْ لَيْسَ حمله على وَاحِد مِنْهَا أولى من الآخر فَيتَوَقَّف فِي ذَلِك وَهُوَ معنى الْإِجْمَال وَأجِيب بِالْمَنْعِ من عدم تعين إِضْمَار بعض معِين بل مَا سبق إِلَى الأذهان من الْعرف هُوَ المُرَاد هَذَا تَقْرِير الْمَسْأَلَة
وَاعْلَم أَن من الْأُصُولِيِّينَ من يذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فِي بَاب الْعُمُوم وَهِي الْمُسَمَّاة بِعُمُوم الْمُقْتَضى وَلم يتَقَدَّم ذكرهَا فِي النّظم وَلَا شَرحه فلنشر إِلَيْهَا وَإِلَى الرَّاجِح فِيهَا ونقول تقدم فِي بَاب الْمَنْطُوق أَن الدّلَالَة إِذا توقفت فِي الصدْق أوالصحة على مُقَدّر مَحْذُوف سميت دلَالَة اقْتِضَاء نَحْو ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾
стр. 340
وَرفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَلَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب فالمتقضى اسْم فَاعل هُوَ الْمُحْتَاج للإضمار والمقتضى اسْم مفعول هُوَ ذَلِك الْمَحْذُوف وَحَاصِله إِن قَامَ دَلِيل على أحد المحتملات تعين فِي الْمقَام سَوَاء كَانَ الْمُقدر عَاما أَو خَاصّا وَإِن لم يدل دَلِيل على تَقْدِير شَيْء لَا عَام وَلَا خَاص مَعَ احْتِمَال تعدد المقدرات فَهَل نقدر المحتملات كلهَا وهوالمراد بِعُمُوم الْمُقْتَضى أَو لَا يقدر قَولَانِ للْعُلَمَاء الأول أَنه يحمل على جَمِيع المقدرات وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وهوالمتعين لِلْخُرُوجِ عَن التحكم فيضمر لفظ عَام للمقدرات شَامِل لَهَا وَبِهَذَا ينْدَفع مَا قَالَه الْمُخَالف فِي أَنه يلْزم كَثْرَة الإضمارات بِنَاء مِنْهُ على أَنه يقدر كل مَا يُمكن تَقْدِيره وَاحِدًا وَاحِدًا فَإنَّا نقُول الْمُقدر لفظ وَاحِد يعم جَمِيع التَّصَرُّفَات مثل الِانْتِفَاع فِي تَحْرِيم الْميتَة فَإِنَّهُ يعم الْأكل وَالْبيع وَغير ذَلِك
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَوْله وَالْعَام إِن خص فَغير مُجمل وَهَذِه هِيَ مَسْأَلَة هَل يكون الْعَام بعد تَخْصِيصه حجَّة أَو لَا وفيهَا خلاف منتشر وتفاصيل ولنشر إِلَى مَا هُوَ الْمُخْتَار والأقوى حجَّة فَالْقَوْل الأول أَنه حجَّة إِن خص بِمعين لَا إِن خص بمبهم
وَقد قسم الْإِبْهَام إِلَى قسمَيْنِ إِبْهَام فِي اللَّفْظ نَحْو اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا بَعضهم وإبهام فِي الْمَعْنى نَحْو ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى معِين فِي الْوَاقِع هُوَ مَا يُتْلَى إِذا عرفت هَذَا فَإِنَّهُ
стр. 341
اخْتِيَار الْجُمْهُور من الزيدية وَغَيرهم أَنه إِن خص بِمعين نَحْو اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة فَهُوَ حجَّة وَإِن خص بمبهم نَحْو إِلَّا بَعضهم أَو إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم فَلَيْسَ بِحجَّة لإجماله وَاسْتَدَلُّوا على أَنه حجَّة فِي الْبَاقِي بِمَا عرف من اسْتِدْلَال الصَّحَابَة بِظَاهِر العمومات المخصوصات وشاع بَينهم وذاع فَكَانَ إِجْمَاعًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ متناولا للْبَاقِي بعد إِخْرَاج الْبَعْض وَالْأَصْل بَقَاء تنَاوله على مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه والتخصيص لَا يُوجب نَقله عَن أَصله وتغييره عَمَّا شَمله بل يزِيدهُ قُوَّة وظهورا فَإِنَّهُ إِذا قيل اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة أَفَادَ ثُبُوت الحكم على الْمُشْركين الْمخْرج مِنْهُم أهل الذِّمَّة بعد أَن كَانَ لفظ الْمُشْركين شَامِلًا لأهل الذِّمَّة وَأهل الْحَرْب فازداد تنَاول الْعَام للْبَاقِي قُوَّة
قَالُوا وَأما إِذا خص بمبهم فَإِنَّهُ مَعَ الْإِبْهَام لَا يعلم مَا قصد بالتخصيص فَمَا من فَرد إِلَّا وَهُوَ مُحْتَمل لِأَن يكون هُوَ الْمخْرج فَصَارَ الْبَاقِي مُجملا وَهَذَا صَادِق على الْمُبْهم فِي الْمَعْنى وَفِي اللَّفْظ كَمَا قدمْنَاهُ إِذا تقرر هَذَا فقولنا وَالْعَام إِن خص فَغير مُجمل إِنَّمَا هُوَ رد لقَوْل من يَقُول إِنَّه إِن خص فَإِنَّهُ لَا يبْقى حجَّة سَوَاء خص بِمعين أَو مُبْهَم وَهَذَا يرْوى عَن أبي ثَوْر وَحَكَاهُ الْقفال الشَّاشِي عَن أهل الْعرَاق وَنَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن كثير من الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والمالكية قَالُوا لِأَن لفظ الْعَام مَوْضُوع للاستغراق وَقد صَار بعد التَّخْصِيص للْبَعْض وكل بعض هُوَ فِيهِ مجَاز وَلَا يتَعَيَّن أحد الأبعاض لتَعَدد مجازها إِذْ يحْتَمل أَنه مجَاز فِي كل مَا بَقِي وَفِي كل بعض فَكَانَ مُجملا
стр. 342
وَأجِيب بِأَن ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَت المجازات مُتَسَاوِيَة وَلَا دَلِيل على تعْيين أَحدهَا وَهنا الدَّلِيل قَائِم على أَن الْبَاقِي هُوَ المُرَاد بَقَاء على الأَصْل فيصار إِلَيْهِ
وَأما قَوْله ... وَلَا صَلَاة فِي المبينات ... عد كَذَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ...
فَهَذَا مِمَّا قيل بِأَنَّهُ مُجمل فَرده الْجُمْهُور وَقَالُوا بل هُوَ مُبين أَعنِي قَوْله ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور وَكَذَا قَوْله ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لَيْسَ بمجمل وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْأَرْبَعين عَن مَالك وَإِن كَانَ قد نقل النَّوَوِيّ عَن أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ وَأقرهُ عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي وَقع فِي الشهَاب بِإِسْقَاط إِنَّمَا لَا يَصح لَهُ الْإِسْنَاد وَلكنه قد رَوَاهُ مَالك وَابْن حبَان كَمَا ذكره فِي تَلْخِيص الحبير وَأما بِزِيَادَة إِنَّمَا فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ وَالْمرَاد أَنه قد أَشَارَ فِي النّظم إِلَى إِنَّمَا ورد فِيهِ النَّفْي على الذَّات من الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة مثل لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب لَا صِيَام لمن لَا يبيت الصّيام من اللَّيْل وَغير ذَلِك
стр. 343
من الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لَا إِجْمَال فِيهَا وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء وَهُوَ مَبْنِيّ على إِثْبَات الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة وعَلى أَن الشَّرْعِيّ مَخْصُوص بِالصَّحِيحِ فَيكون التَّقْدِير لَا صَلَاة صَحِيحَة وَلَا صِيَام صَحِيح وَلَا إِجْمَال فِي هَذَا وَلَا يصدق عَلَيْهِ رسمه
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه مُجمل قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يَصح نفي الْوُقُوع لكَونه مشاهدا وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ أَمر آخر وَهُوَ غير مَعْلُوم لنا فَكَانَ مُجملا وَلِأَنَّهُ ظَاهر فِي نفي الْوُجُود وَنفي الحكم فَصَارَ مُجملا وَلِأَنَّهُ مُتَرَدّد بَين نفى الْكَمَال وَنفى الصِّحَّة وَالْعَمَل على أَحدهمَا بِغَيْر دَلِيل تحكم
وَأجِيب بِأَن الْحمل على نفي الصِّحَّة أولى لما عرفت وَلِأَنَّهُ قَالَ ابْن تَيْمِية إِنَّه لَا يعرف نفي الْكَمَال فِي كَلَام الْعَرَب وَأَيْضًا فالإجمال خلاف الأَصْل فَلَا يحمل عَلَيْهِ
وَمِمَّا قيل بإجماله وأشير إِلَى رده مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله ... وَمثله رفع الْخَطَأ وَغَيره ... وَاتبع الْأَمْثَال فِي نَظِيره ...
أَي مثل الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ رفع الْخَطَأ بِصِيغَة الْمصدر مَرْفُوع على خبرية مثله وَهُوَ إِشَارَة إِلَى حَدِيث رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَقَوله وَغَيره إِلَى مَا يماثله من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة نَحْو لَا عهد لمن لَا دين لَهُ وَلَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَا رضَاع بعد الْحَوْلَيْنِ وَهُوَ بَاب وَاسع فِي كَلَام الشَّارِع وَغَيره نَحْو لَا ملك إِلَّا بِالرِّجَالِ وَلَا علم إِلَّا مَا نفع وَلَا كَلَام إِلَّا مَا أَفَادَهُ فالجمهور على أَنه لَا إِجْمَال فِي ذَلِك فَيحمل على مَا يَقْتَضِيهِ الْعرف
стр. 344
شرعا أَو لُغَة إِن ثَبت فِيهِ أَيهمَا فَفِي مثل رفع يقدر فِيهِ الْمُؤَاخَذَة وَنَحْوهَا وَمثله غَيره من الْأَمْثِلَة فَيحمل على مَا يَقْتَضِيهِ الْعرف وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه مُجمل وَهُوَ قَول مَرْجُوح
وَقَوله وَاتبع الْأَمْثَال فِي نَظِيره إِشَارَة إِلَى عدَّة أَمْثِلَة ذكرت فِي مطولات الْفَنّ من ذَلِك قَوْله ﷺ الإثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة قَالُوا فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْجَمَاعَة اللُّغَوِيَّة أَو الشَّرْعِيَّة الَّتِي يحصل الثَّوَاب بهَا وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَالْجُمْهُور على أَنه لَا إِجْمَال فِي ذَلِك بل يحمل على الشَّرْعِيّ لِأَن الشَّارِع بعث لتعريف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا الْمعَانِي اللُّغَوِيَّة والأمثلة كَثِيرَة
وَمن عرف ضَابِط الْمُجْمل والمبين عرف موقع الْأَمْثِلَة من أَي الْقسمَيْنِ هِيَ
وللبيان يحرم التَّأْخِير
عَن وَقت مَا يَحْتَاجهُ الْمَأْمُور ... وَهَكَذَا التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد
هَذَا اتِّفَاق عِنْد من يُفِيد
هَذِه مَسْأَلَة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَهُوَ حُصُول الْوَقْت الَّذِي طلب من الْمُكَلف فِيهِ تَنْجِيز الْفِعْل فَإِنَّهُ يحرم تَأْخِير الْبَيَان للخطاب الْمُجْمل عَنهُ كَمَا يَأْتِي دَلِيله وَمثله التَّخْصِيص للعام وَالتَّقْيِيد للمطلق أَي يحرم التَّأْخِير لَهما عَن وَقت الْحَاجة إِلَى بَيَان مَا أُرِيد بِالْعَام وَالْمُطلق وَهَذَا اتِّفَاق بَين الْعلمَاء كَمَا أَفَادَهُ النّظم قيل إِلَّا عِنْد من جوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع عِنْده تَأْخِيرهَا عَن وَقت الْحَاجة بل يجوز وَإِلَيْهِ أَشَارَ قَوْله عِنْد من يُفِيد تَقْيِيد للاتفاق لأخراج من ذكر وَإِن وَقع فِي أصل النّظم حِكَايَة الْإِجْمَاع مُطلقَة تبعا للْإِمَام الْمهْدي فِي المعيار
стр. 345
وَالدَّلِيل على مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْرِيم أَفَادَهُ قَوْلنَا
لِأَنَّهُ لَو جَازَ كَانَ يلْزم
من ذَاك تَكْلِيف لما لَا يعلم
أَي لَو جَازَ تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لزم مِنْهُ تَكْلِيف مَا لَا يُعلمهُ الْمُكَلف وَهُوَ قَبِيح لَا يجوز من الْحَكِيم
وَجَائِز وفقت للصَّوَاب
تَأْخِيره عَن زمن الْخطاب ... فِي نَهْيه وَأمره لَا فِي الْخَبَر
إِذْ المُرَاد مِنْهُ إفهام الْبشر
الَّذِي سلف تَحْرِيمه هُوَ التَّأْخِير للْبَيَان عَن زمن الْحَاجة أما تَأْخِيره عَن زمن الْخطاب فَفِيهِ أَقْوَال
الأول إِنَّه جَائِز سَوَاء كَانَ الْخطاب مُجملا أَو ظَاهرا أُرِيد بِهِ خلاف ظَاهره كالعام وَالْمُطلق وَهَذَا قَول الْأَكْثَر وَسَوَاء كَانَ أمرا أَو نهيا أَو خَبرا
وَالثَّانِي يجوز تَأْخِيره فِي الْأَمر وَالنَّهْي دون الْخَبَر وَهُوَ الَّذِي أَفَادَهُ النَّاظِم
وَالثَّالِث لَا يجوز مُطلقًا
وَجه القَوْل الثَّانِي وَهُوَ التَّفْصِيل أَن الْخطاب فِي الْأَمر وَالنَّهْي إِذا وَقع من دون بَيَان سَوَاء كَانَ بمجمل أَو ظَاهر أُرِيد بِهِ خِلَافه لم يحصل مِنْهُمَا اعْتِقَاد جهل بِخِلَاف الْخَبَر فَلَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب بِهِ لِأَنَّهُ إِذا وَقع بِظَاهِر وَالْمرَاد خِلَافه اوقع سامعه فِي اعْتِقَاد الْجَهْل وَإِذا كَانَ بمجمل لزم الْعَبَث لعدم الْفَائِدَة بالإخبار فِي الْمُجْمل وَلَيْسَ المُرَاد من الْخَبَر إِلَّا إفهام السَّامع وإفادته فَهَذَا هُوَ الدَّلِيل لأهل التَّفْصِيل وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن اعْتِقَاد الْجَهْل مُشْتَرك الْإِلْزَام فَإِنَّهُ لَا بُد فِي الْأَمر وَالنَّهْي من اعْتِقَاد وجوب الْعَمَل أَو التّرْك وَفِيه أَقْوَال أخر وتفاصيل فِي مطولات الْفَنّ لَا يحتملها الِاخْتِصَار وَقد اسْتدلَّ لمن قَالَ بِجَوَاز تَأَخره عَن وَقت الْخطاب مُطلقًا بِأَنَّهُ قد وَقع والوقوع
стр. 346
فرع الْجَوَاز وَذَلِكَ كآية الْخمس فَإِنَّهُ تَأَخّر بَيَان ذَوي الْقُرْبَى حَتَّى وَقع الْبَيَان بِأَنَّهُم بَنو هَاشم وَبَنُو عبد المطلب وكآية السّرقَة فَإِن ظَاهر عُمُوم الْقطع لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَعُمُوم السّرقَة فِي قَلِيل وَكثير حَتَّى وَردت السّنة بِبَيَان الْأَمريْنِ هَذَا كُله فِي الظَّاهِر وَكَذَلِكَ فِي الْمُجْمل كالأمر بِالصَّلَاةِ وَالْحج وَإِذا عرفت أَنه يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب فالبحث عَنهُ وَاجِب كَمَا أَفَادَهُ قَوْله
والبحث عَن وَاجِب فِي الْعَمَل فَلَا يجوز أَن يعْمل بِظَاهِر الْعَام وَلَا الْمُطلق وَلَا غَيرهمَا قبل الْبَحْث عَن تَخْصِيص الْعَام وَتَقْيِيد الْمُطلق وَهَذَا قد تقدم فِي بحث الْعَام وَذكرنَا هُنَالك بِأَن هَذَا الحكم يخْتَص بِالْعَام لِكَثْرَة المخصصات حَتَّى إِنَّهَا صيرت ظَاهِرَة مرجوحا فَلَا يعْمل بِهِ إِلَّا بعد الْبَحْث عَن مخصصه بِخِلَاف الْمُطلق
وَلما تمّ المُرَاد بَيَانه من الْكَلَام على الْمُجْمل والمبين أَخذ النَّاظِم فِي الْكَلَام على الظَّاهِر والمؤول فَقَالَ
فصل وللظاهر والمؤول ... رسمان فَالظَّاهِر حَيْثُ يُطلق
على خلاف النَّص وَهُوَ يصدق ... أَيْضا على مُقَابل للمجمل
يُرِيد أَن للظَّاهِر والمؤول رسمين عِنْد أَئِمَّة الْفَنّ
أما رسم الظَّاهِر وَله إطلاقان
الأول أَنه يُطلق على مَا يُقَابل النَّص ورسمه عَلَيْهِ مَا يدل على الْمَعْنى الْمَقْصُود الرَّاجِح بِنَفسِهِ مَعَ احْتِمَاله لِمَعْنى مَرْجُوح وَهَذَا هُوَ الرَّسْم الأول وَهُوَ مُرَاده بقوله حَيْثُ يُطلق على خلاف النَّص وعَلى هَذَا الْمَعْنى فَإِن النَّص قسيم للظَّاهِر وَقد خرج من هَذَا الرَّسْم المؤول فَإِن الْمَعْنى الرَّاجِح
стр. 347
الْمُتَبَادر مِنْهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُود وَخرج الْمجَاز أَيْضا على مُقْتَضى كَلَام النَّاظِم فَإِنَّهُ جعله من المؤول وَكَذَا الْعَام الْمَخْصُوص إِذْ كل مِنْهُمَا لم يدل على الْمَعْنى الْمَقْصُود بِنَفسِهِ بل بعد الْبَيَان بِالْقَرِينَةِ والتخصيص
وَالثَّانِي من إطلاقيه أَنه يُطلق على مَا يُقَابل الْمُجْمل كَمَا أَفَادَهُ قَوْله وَهُوَ يصدق أَيْضا فَالظَّاهِر على هَذَا هُوَ مَا اتضحت دلَالَته فَيكون على هَذَا النَّص قسما من أقسامه وَيدخل فِي المؤول وَالْمجَاز والعموم وَالْخُصُوص وَقد رسم على هَذَا الْمَعْنى بِأَنَّهُ مَا يفهم مِنْهُ المُرَاد تَفْصِيلًا وَلَا شكّ فِي دُخُول النَّص على هَذَا إِلَّا أَنه يخرج مِنْهُ المؤول وَغَيره مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَظَاهر إِطْلَاقهم دُخُول مَدْلُول الْأَلْفَاظ سَوَاء الْمُجْمل تَحت هَذَا الْإِطْلَاق لَكِن بالرسم الأول أَعنِي مَا اتضحت دلَالَته فَيكون أولى فهذان الرسمان للظَّاهِر بِاعْتِبَار إطلاقيه
وَأَشَارَ إِلَى رسم المؤول بقوله
وَبعد ذَا فالرسم للمؤول
بِمَا بِهِ يَعْنِي خلاف الظَّاهِر
هُوَ مُشْتَقّ من آل يؤول إِذا رَجَعَ فَهُوَ مؤول لرجوعه بالتأويل إِلَى الْمَعْنى المُرَاد مِنْهُ ورسمه مَا بِهِ يَعْنِي أَي يُرَاد خلاف الظَّاهِر أَي ظَاهره فالتعريف عوض عَن الضَّمِير وَبِهَذَا يعرف أَنه على هَذَا قسيم للظَّاهِر بِالْإِطْلَاقِ الأول وَلذَا أَتَى برسمه زِيَادَة فِي الْإِيضَاح وَإِلَّا فَإِن كثيرا من أهل الْأُصُول لَا يعرفهُ إِمَّا اكْتِفَاء بتعريف التَّأْوِيل أَو لوضوحه بطرِيق الْمُقَابلَة بَينه وَبَين الظَّاهِر
وَالصرْف للفظ عَن الظَّوَاهِر ... إِلَى الْمجَاز أَو بِأَن يقصر مَا
يفِيدهُ اللَّفْظ إِذا مَا عمما ... وَفِيهِمَا قرينَة للصرف
فَذَلِك التَّأْوِيل فِي ذَا الْعرف
قد عرفت أَن التَّأْوِيل صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره بِقَرِينَة فَقَوله وَالصرْف مُبْتَدأ وَقَوله فَذَلِك التَّأْوِيل خَبره وَدخُول الْفَاء فِيهِ من بَاب قَوْله وقائله
стр. 348
قَولَانِ فأنكح فَتَاتهمْ وَقَوله إِلَى الْمجَاز إِلَى آخِره بَيَان لقسمي التَّأْوِيل وَصرح بقوله أَو بِأَن يقصر إِلَخ بِنَاء على مَا سبق من أَن الْبَاقِي من الْعَام بعد تَخْصِيصه حَقِيقَة وعَلى هَذَا فالعمومات المخصصات والمطلقات المقيدات من قسم المؤول كَمَا تَقْتَضِيه عبارَة النَّاظِم وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَئِمَّة الْأُصُول من رسمهم المؤول وَكَذَا المجازات
وَلما كَانَ التَّأْوِيل يخْتَلف فِي الوضوح والخفاء والقرب والبعد بِاعْتِبَار قرائنه والأدلة الصارفة لظاهره انقسم إِلَى أَقسَام أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْله
وَهُوَ قريب وبعيد حَسْبَمَا
يقْضِي الدَّلِيل فاختلاف الْعلمَاء ... فِيهِ على مَا يَقْتَضِي وَمَا أَتَى
تعسفا فَالْمُرَاد حتما ثبتا
أَي أَنه يَنْقَسِم التَّأْوِيل إِلَى قريب وبعيد حَسْبَمَا يقْضِي بِهِ الدَّلِيل فقد يَكْتَفِي فِي بعض الْحَالَات بِأَدْنَى دَلِيل فِي صرفه ورده عَن ظَاهره فَهَذَا هُوَ الْقَلِيل وَقد يحْتَاج إِلَى كَثْرَة مُخَالفَة فِي الظَّاهِر وتطلب المرجحات فَهَذَا هُوَ الْبعيد فَلذَلِك تَجِد الْعلمَاء يَخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيل الْأَدِلَّة وردهَا عَن ظَاهرهَا إِلَى الْقَوَاعِد بِحَسب مَا يظْهر لكل وَاحِد من الْقَرَائِن وَقد يَأْتِي قسم ثَالِث فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ مَا فِيهِ تكلّف وتعسف وَيَأْتِي شَيْء من ذَلِك وَإِذا عرفت هَذَا فقد عد الْعلمَاء أَمْثِلَة من الثَّلَاثَة الْأَنْوَاع قَالُوا فَمن الْقَرِيب تَأْوِيل آيَات الصِّفَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهَا فَإِن الدَّلِيل الْعقلِيّ والشرعي قَائِم على عدم إِرَادَة ظَاهرهَا فينفق الْخلف وَالسَّلَف على منع حملهَا على ظَاهرهَا إِذا خَالف التَّنْزِيه ذكر هَذَا الْبرمَاوِيّ فِي شرح منظومته وَمثله فِي شرح الْغَايَة إِلَّا أَن فِي كَونه إِجْمَاعًا وَأَنه مَذْهَب السّلف تأملا فَإِن الْمَنْقُول عَن السّلف هُوَ مَا ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾
стр. 349
(آل عمرَان ٧) وَلَا يلتفتون إِلَى مَا عدا ذَلِك قَالَ المقبلي رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْأَرْوَاح وَهَذَا هُوَ الْحق وَهُوَ الْقدر الضَّرُورِيّ وَمَا عداهُ دَعْوَى وتكلف بِمَا لَا يَعْنِي يحْتَمل الْمَنْع عقلا وَيدخل تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ وَنَحْوهَا فِي منع التقول على الله تَعَالَى بِلَا سُلْطَان انْتهى
وَقد عد من الْقَرِيب أَمْثِلَة كَمَا عد من الْبعيد أَمْثِلَة اقتصرنا على بعض من الْأَمريْنِ فَمن الْبعيد تَأْوِيل الْحَنَفِيَّة لحَدِيث أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا فنكاحها بَاطِل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره فَقَالُوا المُرَاد بهَا الصَّغِيرَة وَالْأمة وَوجه بعده أَن الصَّغِيرَة لَا يُقَال لَهَا امْرَأَة
وعدوا من الْبعيد تأويلهم وَكثير من الزيدية قَوْله تَعَالَى ﴿فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ بإطعام طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا قَالُوا لِأَن الْقَصْد دفع الْحَاجة وحاجة سِتِّينَ مِسْكينا فِي يَوْم وَاحِد كحاجة وَاحِد فِي سِتِّينَ يَوْمًا فَيصح إِعْطَاء وَاحِد فِي سِتِّينَ يَوْمًا وَوجه بعده أَن تَقْدِير الْمُضَاف خلاف الظَّاهِر وَهَذِه الْعلَّة المستنبطة لَا تقوى قرينَة على ذَلِك
وَأما الْقسم الثَّالِث فَلهُ أَيْضا أَمْثِلَة كَثِيرَة مَرْدُودَة كتأويل الباطنية قَوْله تَعَالَى ﴿وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي﴾ بِأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وتأويلهم قَوْله تَعَالَى ﴿أتأتون الذكران من الْعَالمين﴾ بعلماء الظَّاهِر وإتيانهم لأخذ فتواهم وَأخذ الْعلم عَنْهُم وَمِنْه تَأْوِيل الْخَوَارِج لقَوْله تَعَالَى ﴿حيران لَهُ أَصْحَاب يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى﴾ بعلي بن أبي طَالب وأنفسهم وَأَنَّهُمْ الَّذين يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى والأمثلة وَاسِعَة من أهل الضلالات والابتداع وَتَأْويل ابْن عَرَبِيّ الملحد وَأَتْبَاعه الْعَذَاب بالعذوبة وَنَحْوهَا من ضلالاته
стр. 350
وَقد ذكر قسم رَابِع سموهُ متوسطا وأمثلته لَا تخفى وَالْمَقْصُود معرفَة الْقَوَاعِد لَا تعداد الْأَمْثِلَة فَمن عرفهَا عرف مَا تحتهَا من الْأَمْثِلَة
стр. 351
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّامِن فِي النّسخ
قَالَ
والنسخ عد ثامن الْأَبْوَاب
النّسخ لُغَة يُطلق على الْإِزَالَة نَحْو نسخت الشَّمْس الظل وعَلى النَّقْل والتحويل نَحْو نسخت الْكتاب
وَفِي الِاصْطِلَاح قيل إِنَّه بَيَان لانْتِهَاء مُدَّة الحكم وَقيل رفع الحكم وعَلى هَذَا وَقع تَعْرِيف النَّاظِم بقوله
ورسمه عِنْد أولي الْأَلْبَاب ... إِزَالَة لمثل حكم شَرْعِي
بِمَا ترَاخى من دَلِيل سَمْعِي
أَي رسم النّسخ عِنْد ذَوي الْعُقُول هُوَ إزلة لمثل حكم شَرْعِي بِدَلِيل متراخ سَمْعِي وَقَالَ لمثل وَلم يقل عينه لِأَن إِزَالَة الْعين فِيمَا نسخ بعد فعلهمَا محَال بل الْمَنْسُوخ هُوَ مثله
وَقَوله شَرْعِي لإِخْرَاج الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة الثَّابِتَة قبل وُرُود الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَإِن ارتفاعها بهَا لَيْسَ بنسخ اصطلاحي وَقَوله بِمَا ترَاخى من دَلِيل سَمْعِي لإِخْرَاج إِزَالَة الحكم بِمَوْت أَو جُنُون فَإِنَّهُ لَا يعد نسخا اصْطِلَاحا وَقَيده بالتراخي لإِخْرَاج نَحْو صل إِلَى أَن تغيب الشَّمْس فَإِن ارْتِفَاع الحكم مُسْتَفَاد
стр. 352
من التَّقْيِيد بالغاية وَهُوَ مُتَّصِل بِالدَّلِيلِ لَيْسَ فِيهِ تراخ عَنهُ وَكَذَا غَيره من المخصصات الَّتِي لَا تراخي فِيهَا وَإِن كَانَ قد قيل إِنَّه لَا إِزَالَة فِي التَّخْصِيص مثلا فَلَيْسَ بداخل فَإِن الْمُخَصّص للدَّفْع والنسخ للرفع والإزالة فَفِيهِ تَأمل
وَقَوله بِدَلِيل وَلم يقل بِحكم لِأَنَّهُ قد يكون النّسخ إِلَى غير بدل
وَقَوله من دَلِيل سَمْعِي شَامِل للْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَيَأْتِي أَنه لَا ينْسَخ بهما وَقد شَمل التَّعْرِيف أَنْوَاع السّنة الثَّلَاثَة
وَلما كَانَ قد خَالف فِي النّسخ جمَاعَة من غلاة الإمامية أَشَارَ إِلَى رد كَلَامهم بقوله ... وَجَائِز ذَلِك فِيمَا اخْتَارُوا ... وَإِن يكن مَا قدم الْإِشْعَار ...
هما مَسْأَلَتَانِ
الأولى جَوَاز النّسخ وَاسْتدلَّ على جَوَازه بِوُقُوعِهِ لم تتبع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَمن ذَلِك وجوب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء نسخ بِإِيجَاب رَمَضَان وَوُجُوب قتال الْوَاحِد الْعشْرَة من الْكفَّار ثمَّ نسخ بإيجابه عَلَيْهِ للاثنين وَوُجُوب الْوَصِيَّة للْوَارِث نسخ بِآيَة الْمَوَارِيث وَغير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده وَقد صنفت فِيهِ كتب مُسْتَقلَّة فالمنكر للنسخ من الْمُسلمين إِمَّا جَاهِل أَو مُخَالف فِي الْعبارَة وَإِنَّمَا يعرف فِيهَا الْخلاف للْيَهُود
وَاسْتدلَّ لمن نَفَاهُ من الْمُسلمين بِأَنَّهُ إِمَّا أَن يكون الحكم مُقَيّدا إِلَى غَايَة فَلَا ينْسَخ لعدم تحقق الرّفْع فِيهِ أَو لحكمة ظَهرت بعد أَن لم تكن فَهُوَ جهل أَولا لحكمه فَهُوَ سفه وبدا وَأجِيب عَن الأول بِأَنَّهُ عَاد الْخلاف لفظيا فَإنَّا لَا نعني بِزَوَال الحكم إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى علمنَا وَإِلَّا فَهُوَ مُقَيّد فِي علم الشَّارِع إِلَى غَايَة أبرزها عِنْد نسخه الحكم وَعَن الثَّانِي أَنه قد تقرر عِنْد الْكل أَن الْأَحْكَام كلهَا منوطة بالحكم والمصالح إِلَّا أَنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأزمان والأشخاص فَالْحكم الْمَنْسُوخ كَانَ لحكمة انْتَهَت فِي علم الشَّارِع إِلَى
стр. 353
زمن نسخه ثمَّ خلفهَا حِكْمَة أُخْرَى تَقْتَضِي حكما آخرا فَلَا سفه وَلَا بدا وَالْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَنه يجوز النّسخ وَإِن لم يتَقَدَّم بِهِ إِشْعَار وَهَذَا رَأْي الْجُمْهُور وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَا يجوز إِلَّا إِذا تقدم بِهِ إِشْعَار نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا يتم دَعْوَى الْإِشْعَار فِي كل حكم حكم الله بِنَفسِهِ ... وَنسخ مَا قيد بالتأبيد ... وَغير إِبْدَال لذِي الْمُفِيد ...
عطف على قَوْله وَجَائِز أَي وَجَائِز نسخ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ نسخ الحكم الَّذِي قيد بالتأيد والنسخ لحكم لَا إِلَى بدل وهما مَسْأَلَتَانِ اخْتلف الْعلمَاء فيهمَا اخْتِلَافا كثيرا
فَالْأولى مثلوها بِنَحْوِ أَن يَقُول صُومُوا رَمَضَان أبدا فالجمهور قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يجوز نسخه وَاسْتَدَلُّوا بِأَن التَّقْيِيد بالتأبيد لَيْسَ نصا صَرِيحًا فِي الدَّوَام غَايَته أَنه ظَاهر فِيهِ وَهُوَ لانيا فِي النّسخ كَمَا قُلْنَا فِي صِيغ الْعُمُوم أَن ظَاهرهَا الِاسْتِغْرَاق مَعَ جَوَاز إِخْرَاج بعض أفرادها فَكَذَا هُنَا يجوز إِخْرَاج بعض الْأَزْمِنَة وَإِن كَانَ التَّقْيِيد بالأبد ظَاهرا فِي الدَّوَام
قَالَ الْمَانِع صِحَة الْأَقَل التَّقْيِيد بالأبد يُنَافِي النّسخ لِأَن التَّقْيِيد بِهِ يدل على الدَّوَام والنسخ يدل على الْقطع وانتهاء الحكم وَكَون الشَّيْء دَائِما مُنْقَطِعًا تنَاقض لَا يجوز على الْحَكِيم
وَأجِيب بِأَنَّهُ بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر لفظ الْأَبَد مُسلم وَلَا يضر كمنافاة التَّخْصِيص لظَاهِر الْعُمُوم وَلِأَن لفظ الْأَبَد يسْتَعْمل فِي الزَّمن الطَّوِيل كَمَا نَص عَلَيْهِ أهل اللُّغَة وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ الْأَبَد نصا صَرِيحًا يدل على أَنه للاستمرار فِي نفس الْأَمر وَحَقِيقَة الْخطاب فَلَا يُنَافِيهِ النّسخ وَفِي المطولات تقاسيم فِي الْمَسْأَلَة وإطالة وَهِي قَليلَة الجدوى فَلَا نشتغل بهَا
стр. 354
تَنْبِيه بقولنَا صُومُوا إِشَارَة إِلَى أَن الْخلاف فِي نسخ الْإِنْشَاء وَأما نسخ الْأَخْبَار فقد اخْتلف فِي جَوَاز نسخه فَقيل لَا يجوز وتفصيل الْبَحْث أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يكون مِمَّا يتَغَيَّر مَدْلُوله كالإخبار بِإِيمَان زيد وكفره أَو مِمَّا لَا يتَغَيَّر نَحْو الْعَالم حَادث والباري مَوْجُود وَالنَّار محرقة فالنسخ هُنَا يكون بأمرين
الأول أَن يَأْمر الشَّارِع بالإخبار بحدوث الْعَالم أَو بِإِيمَان زيد ثمَّ ينْهَى عَن الْإِخْبَار بذلك فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف
وَهل يجوز النّسخ إِلَى الْإِخْبَار بنقيض مَا ذكر مَنعه من قَالَ بالتحسين والتقبيح لِأَنَّهُ أَمر بِالْكَذِبِ وَجوزهُ نفاتهما وَالتَّحْقِيق أَنه لَا يَقع النّسخ فِي الْخَبَر إِلَّا بتأويله بالانشاء وَحِينَئِذٍ فَلَا خلاف
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مَا أَشَارَ النّظم إِلَيْهِ قَوْله إِلَى غير بدل وَأَنه قَول من لَهُم الإفادة وهم الْجُمْهُور وَقَالُوا يجوز إِلَى غير بدل بل قد وَقع وَخَالف فِيهِ طَائِفَة وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنه لَو لم يجز لم يَقع وَقد وَقع كفسخ وَخَالف وجوب الصَّدَقَة فَإِنَّهَا نُسْخَة لَا إِلَى بدل اسْتدلَّ الْمَانِع بقوله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ الْآيَة فَإِنَّهُ أخبر تَعَالَى أَنه يَأْتِي بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا فَدلَّ على أَنه لَا ينْسَخ إِلَّا إِلَى بدل هُوَ خير من الْمَنْسُوخ أَو مثله وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِلَفْظ خير مِنْهَا لَا يحكم خير وَلَيْسَ الْخلاف فِي اللَّفْظ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الحكم وَلَا تدل عَلَيْهِ الْآيَة
قلت وَلَا يخفى أَن اللَّفْظ الَّذِي يُبدل بِهِ الْمَنْسُوخ لَا بُد أَن يكون دَال على حكم أَقَله ندب تِلَاوَته وقراءته وَأما آيَة نسخ الصَّدَقَة الَّتِي اسْتدلَّ بهَا الْجُمْهُور فَإِنَّهُ قد أُجِيب بِأَن الْحَث على الصَّدَقَة وَالتَّرْغِيب فِيهَا ثَابت بِدَلِيل عَام فَلَو أَرَادَ المناجي تَقْدِيم الصَّدَقَة بَين يَدي نَجوَاهُ لَكَانَ دَاخِلا لذَلِك الدَّلِيل الْعَام غَايَته
стр. 355
أَنه وَقع النّسخ من وجوب التَّصَدُّق إِلَى نَدبه وَهُوَ حكم فَالظَّاهِر فِي الْمَسْأَلَة مَعَ الْأَقَل ... كَذَا أخف الحكم بالأشق ... كالعكس فَاتبع مَا إِلَيْك ألقِي ...
أَي وَكَذَا يجوز نسخ الحكم الأخف بالأشق وَعَكسه الأشق بالأخف فنسخ الأشق بالأخف كوجوب مصابرة وَاحِد لعشرة إِلَى وجوب مصابرته للاثنين وَنسخ عدَّة الْوَفَاة بالحول إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَكَذَا بالمساوى كنسخ الِاسْتِقْبَال هَذَانِ لَا خلاف فيهمَا وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الطّرف الأول وَهُوَ نسخ الأخف بالأشق فالجمهور على جَوَازه ووقوعه وَخَالف فِيهِ بعض الظَّاهِرِيَّة وعزي إِلَى الشَّافِعِي وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنه قد وَقع وَلَا مَانع عَنهُ فِي الْحِكْمَة وَذَلِكَ فِي نسخ صَوْم عَاشُورَاء برمضان وَاسْتدلَّ الْمَانِع بقوله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾
قَالَ والنسخ إِلَى الأثقل لَيْسَ بِيَسِير وَلَا تَخْفيف وَأجِيب بِأَنَّهُ قد وَقع ذَلِك فَيتَعَيَّن حمل الْآيَة على أَن المُرَاد باليسر وَالتَّخْفِيف فِي الشَّرِيعَة من أَصْلهَا فَإِنَّهَا الحنيفية السمحة السهلة الخالية عَن الأغلال والآصار وَإِن وَقع فِيهَا نسخ أخف بأثقل فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْيُسْر وَالتَّخْفِيف فِي الْجُمْلَة
قَوْله ... وَنسخ مَا يُتْلَى بِدُونِ الحكم ... وَالْعَكْس أَو كليهمَا عَن علم ...
هَذِه مَسْأَلَة نسخ التِّلَاوَة دون الحكم وَالْعَكْس نسخ الحكم دون التِّلَاوَة أَو الْكل فَهِيَ ثَلَاث صور كلهَا فِي الْكتاب الْعَزِيز وَفِي كل سُورَة خلاف وَالْحق مَعَ الْجُمْهُور كَمَا فِي النّظم لوُقُوعه فِي الثَّلَاثَة الْأَقْسَام
أما الأول فكحديث عمر الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِي وَغَيره لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب الله لكتبتها الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا
следующие страницы →