Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.
стр. 36
برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَمَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه عَفا لأمته عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ
فصل
وَلَا يَصح عمل من اعمال الشَّرِيعَة الا بنية مُتَّصِلَة باول الشُّرُوع فِيهِ لايحول بَين النِّيَّة وَالدُّخُول فِي الْعَمَل زمَان اصلا برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء﴾ وَقَوله ﷺ
انما الاعمال بِالنِّيَّاتِ وَلكُل امرىء مانوى
وَقد صَحَّ ان اعمال الشَّرِيعَة كلهَا عبَادَة وَدين فَلم يامر الله تَعَالَى بِنَصّ الْقرَان الا ان نؤدى كل ذَلِك بالاخلاص والاخلاص هُوَ الْقَصْد بِالْقَلْبِ الى ذَلِك وَهُوَ النِّيَّة نَفسهَا
فصل
وكل مَا صَحَّ بِيَقِين فلايبطل بِالشَّكِّ فِيهِ سَوَاء الطَّهَارَة وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالْملك وَالْعِتْق والحياة وَالْمَوْت والايمان والشرك وَالتَّمْلِيك وانتقاله وَغير ذَلِك برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَالشَّكّ وَالظَّن شَيْء وَاحِد لَان كليهمَا امْتنَاع من الْيَقِين وان كَانَ الظَّن اميل الى اُحْدُ الْوَجْهَيْنِ الا انه لَيْسَ يَقِينا وَمَا لم يكن يَقِينا فَهُوَ شكّ وَلَا يحل الْقطع بِهِ
стр. 37
فصل وكل عمل فِي الشَّرِيعَة فَهُوَ اما مُعَلّق بِوَقْت مَحْدُود الطَّرفَيْنِ أَو بِوَقْت مَحْدُود المبدأ غير مَحْدُود الآخر فَمَا كَانَ مُعَلّقا بِوَقْت مَحْدُود الطَّرفَيْنِ لم يجز ان يُوفي بِهِ فِي غير وقته وَلَا قبل وقته وَلَا بعده الا بِنَصّ اَوْ اجماع بالمجيء بِهِ فِي غير وقته فَيُوقف عِنْده والا فَلَا كَالصَّلَاةِ وَصِيَام رَمَضَان وَالْحج وَالْأُضْحِيَّة وَنَحْو ذَلِك وَمَا كَانَ مُعَلّقا بِوَقْت مَحْدُود الأول غير مَحْدُود الآخر فَلَا يَجْزِي قبل وقته فاذا وَجب لدُخُول وقته لم يسْقط ابدا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَات وَقَضَاء الْمُسَافِر وَالْمَرِيض وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء والمبقى فِي رَمَضَان وَمَا أشبه ذَلِك
برهَان ذَلِك قَول الله ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تعتدوها﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ َ - من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وبيقين يدْرِي كل ذِي حس أَن من صلى الصَّلَاة قبل وَقتهَا أَو بعد خُرُوج وَقتهَا عَامِدًا أَو صَامَ رَمَضَان قبل وقته أَو بعد خُرُوجه عَامِدًا أَو أدّى الزَّكَاة قبل وَقتهَا أَو حج قبل الْوَقْت أَو بعد الْوَقْت فقد تعدى حُدُود الله فَهُوَ ظَالِم فِي ذَلِك وَعَمله ظلم وَالظُّلم لَا يَجْزِي من الطَّاعَة وَكَذَلِكَ بِلَا شكّ أَنه قد عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمر الله تَعَالَى وَوضع عمله فِي غير مَوْضِعه فَهُوَ مَرْدُود بِلَا شكّ
فصل
وَمَا صَحَّ وُجُوبه غير موقت بِنَصّ أَو اجماع ففلا يسْقط الا بِنَصّ اَوْ اجماع وَمَا لم يحب فَلَا يجب الا بِنَصّ اَوْ اجماع
стр. 38
والبرهان فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فصح أَنه لَا يجب شَيْء الا بِنَصّ اَوْ اجماع فاذا وَجب شَيْء بِنَصّ اَوْ اجماع فَمن ادّعى اسقاطه بِغَيْر نَص اَوْ اجماع فقد عَارض أَمر الله تَعَالَى بِالرَّدِّ من قبل نَفسه فَأمره هُوَ الْمَرْدُود قطعا والمطرح وَأما أَمر الله فمقبول لَازم وَكَذَلِكَ من أَرَادَ الزام شَيْء بِغَيْر نَص أَو اجماع فَهُوَ شَارِع فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله فَهُوَ بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب﴾ هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب
فصل
وَلَا يلْزم الْخَطَأ الا عَاقِلا بَالغا قد بلغه الامر قَالَ الله تَعَالَى ﴿لأولي الْأَلْبَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث فَذكر الصَّبِي حَتَّى يبلغ وَالْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَهَذَا فِي شرائغ أَعمال الْأَبدَان وَأما فِي لَوَازِم الْأَمْوَال فخلاف ذَلِك لِأَن الْحُكَّام هم المخاطبون بأخراجها
فصل
والأستثناء جَائِز من جنس الشَّيْء وَمن غير جنسه قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ وَهَذَا ابْتِدَاء كَلَام وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاء من جملَة يبْقى مِنْهَا أَصْلهَا لِأَن الِاسْتِثْنَاء مَعْرُوف فِي لُغَة الْعَرَب فَلَا يجوز الْمَنْع مِنْهُ بِغَيْر نَص وَلَا أجماع
стр. 39
فصل وكل من روى عَن صَاحب وَلم يسمه فان كَانَ ذَلِك الرَّاوِي مِمَّن لَا يجهل صِحَة قَول مدعي الصحبه من بُطْلَانه فَهُوَ خبر مُسْند تقوم بِهِ حجَّة لِأَن جَمِيع الصَّحَابَة عدُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ فَشهد الله تَعَالَى لجَمِيع الْمُهَاجِرين والانصار بِالصّدقِ والفلاح فقد تَيَقنا عدالتهم
وان كَانَ الرَّاوِي مِمَّن يُمكن ان يجهل صِحَة قَول مدعي الصُّحْبَة فَهُوَ حَدِيث مُرْسل اذ لَا يُؤمن فَاسق من النَّاس ان يَدعِي لمن لَا يعرف الصحابه أَنه صَاحب وَهُوَ كَاذِب فِي ذَلِك فَأَما اذا روى الرَّاوِي الثِّقَة عَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - خَبرا فَهُوَ حجه لِأَنَّهُنَّ لَا يُمكن ان يخفين عَن اُحْدُ من أهل التَّمْيِيز فِي ذَلِك الْوَقْت
فصل
واذا روى الصاحب حديثنا عَن النَّبِي ﷺ َ - وروى عَن ذَلِك الصاحب أَنه فعل خلافًا لما روى فالفرض الْحق أَخذ رِوَايَته وَترك مَا روى عَنهُ يَعْنِي أَن يُؤْخَذ بِمَا رَوَاهُ لَا بِمَا رَآهُ من فعله أَو فتياه لبراهين أَحدهمَا ان الْفَرْض علينا قبُول نَقله عَن النَّبِي (صلع)
стр. 40
لَا قبُول اخْتِيَاره اذ لَا حجه فِي أحد دون النَّبِي ﷺ َ - وَثَانِيها أَن الصاحب قد ينسى مَا روى فِي ذَلِك الْوَقْت وَرُبمَا ينساه جمله كَمَا نسى عمر قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ حَتَّى قَالَ ﴿مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ َ - وَلَا يَمُوت حَتَّى يكون آخِرنَا﴾ فَلَمَّا ذكر بالاية خر الى الأَرْض وَحَتَّى قَالَ على الْمِنْبَر لَا يزيدن أحدكُم فِي صدقَات النِّسَاء على أَربع مائَة دِرْهَم فَلَمَّا ذكرته امْرَأَة بِالْآيَةِ ذكر وأذعن وَقد يذكر الصاحب مَا روى الا أَنه تَأَول فِيهِ تَأْوِيلا يصرفهُ بِهِ عَن ظَاهره كَمَا تَأَول قدامَة بن مَظْعُون رضى الله عَنهُ قَول الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ الْآيَة
وَثَالِثهَا أَنه لَا يحل لأحد البته أَن يظنّ بالصاحب أَن يكون عِنْده نسخ لما روى فيسكت عَنهُ ويبلغ الينا الْمَنْسُوخ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ وَقد نزههم الله تَعَالَى عَن هَذَا
وَرَابِعهَا ان الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فضمان الله تَعَالَى قد صَحَّ فِي حفظ كل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ َ - فَبَطل أَن يكون عِنْد أحد من الصحابه ﵃ شَيْء عَن النَّبِي ﷺ َ - فَلَا
стр. 41
يبلغهُ والصاحب لَيْسَ مَعْصُوما من الْوَهم فِي اخْتِيَاره وَهُوَ مَعْصُوم من طي الْهَدْي وكتمانه وخامسها ان يُقَال لَا بُد من توهين احدى الرِّوَايَتَيْنِ وتوهين الرِّوَايَة عَن الصاحب فِي خِلَافه لما روى اولى من توهين رِوَايَته عَن النَّبِي ﷺ َ - لِأَن هَذِه هِيَ المفترض علينا قبُولهَا وَأما مَا كَانَ مَوْقُوفا على الصاحب فَلَيْسَ فرضا علينا الطَّاعَة بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَالْقَوْل بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يحْتَمل الا وَجها وَاحِدًا وَاجِب وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ فصح أَنه لَيْسَ سَفِيها وَمثل قَول النَّبِي ﷺ َ - كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام فصح ان كل مُسكر حرَام فَهَذَا الدَّلِيل هُوَ النَّص بِنَفسِهِ
فصل
والمتشابه من الْقُرْآن هُوَ الْحُرُوف الْمُقطعَة والأقسام فَقَط اذ لَا نَص فِي شرحها وَلَا اجماع وَلَيْسَ فِيمَا عدا ذَلِك متشابه على الاطلاق قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَين ذَلِك مُشْتَبهَات لَا يعلمهَا كثير من النَّاس فصح أَنه يعلمهَا بعض النَّاس قَالَ تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾
فصل
وَلَا يلْزم الْفَرْض الا من اطاقه الا ان يَأْتِي نَص أَو اجماع بِأَنَّهُ يلْزمه ويؤديه عَنهُ غَيره فيجزيه قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾
стр. 42
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَلما أَمر النَّبِي ﷺ َ - الْمَرْأَة أَن تحج عَن أَبِيهَا وَهُوَ شيخ زمن لَا يُطيق النقلَة وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَأمر بِقَضَاء الْحَج عَن الْمَيِّت وَقَالَ دين الله أَحَق أَن يقْضى أَو أَحَق بِالْقضَاءِ وَجب الأنقياد لكل ذَلِك فَيَقْضِي الْحَج فَرْضه ونذره عَن الْمَيِّت وَعَن الْحَيّ الْعَاجِز وَيَقْضِي صَوْم النذور وَالْفَرْض عَن الِاسْتِحَاضَة وتقضي الصَّلَاة المنسية والمنوم عَنْهَا وَسَائِر النذور
فصل
وكل مَا صَحَّ أَنه كَانَ فِي عصر النَّبِي ﷺ فَلَا حجَّة فِيهِ حَتَّى نَدْرِي أَنه ﷺ عرفه وَلم يُنكره لِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي سواهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾
فصل
وَالْحجّة لَا تكون الا فِي نَص قُرْآن أَو نَص خبر مُسْند ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَو فِي شَيْء رَآهُ ﵇ فأقره لِأَنَّهُ ﷺ مفترض عَلَيْهِ الْبَيَان قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾
стр. 43
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ والآيات مَا أنزل تَعَالَى من الْقُرْآن وَالْحكمَة مَا أوحى من السّنة
فصح يَقِينا انه ﷺ َ - لَا يدع شَيْئا من الدّين الا يُبينهُ من الْكتاب بِالْكتاب أَو من الْكتاب بِالسنةِ أَو من السّنة بِالسنةِ وَهُوَ ﵇ لَا يقر على مُنكر فاذا علم ﵇ شَيْئا وَلم يُنكره فَهُوَ مُبَاح حَلَال وَلَيْسَ غَيره كَذَلِك لِأَن غَيره يخطيء وينسى وينفي ويتثقف لبَعض الْأَمر
فصل
وَالْحق من الْأَقْوَال كلهَا ف وَاحِد وسائرها خطأ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق واذا كَانَ فِي المسأله أَقْوَال مُتعَدِّدَة محصورة فبطلت كلهَا الا وَاحِدًا فَذَلِك الْوَاحِد هُوَ الْحق بِيَقِين لِأَنَّهُ لم يبْق غَيره وَالْحق لَا يخرج عَن أَقْوَال جَمِيع الْأمة لما ذكرنَا من عصمه الآجماع
فصل
وَلَا يحل الحكم بشريعة نَبِي من قبلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فان ذكرُوا قَول الله تَعَالَى
стр. 44
﴿فبهداهم اقتده﴾ قُلْنَا نعم فِيمَا اتَّفقُوا فِيهِ لَا فِيمَا اخْتلفت فِيهِ شرائعهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا يُقَال لَك إِلَّا مَا قد قيل للرسل من قبلك إِن رَبك لذُو مغْفرَة وَذُو عِقَاب أَلِيم﴾ فَمَا اتَّفقُوا فِيهِ كالتوحيد وَنَحْوه فَهُوَ حق وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ فَلَا يُمكن الْأَخْذ بِجَمِيعِ ذَلِك وَلَا يجوز ان يُؤْخَذ بعض دون بعض لِأَنَّهُ تحكم بِلَا برهَان فان قيل نَأْخُذ بشريعة عِيسَى ﵇ لانه آخِرهم قُلْنَا هَذَا خطأ ببرهانين أَحدهمَا ان الله تَعَالَى منع من هَذَا بقوله ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ فَأخْبرنَا ان الَّذِي الزمنا هُوَ مِلَّة ابراهيم ﷺ َ - وَهِي مِلَّة مُحَمَّد ﷺ َ - قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون﴾ فقد منع من الْأَخْذ بِالتَّوْرَاةِ والانجيل الْمنزل على عِيسَى ﵇ بالزامه ايانا شَرِيعَة ابراهيم ﵇ والبرهان الثَّانِي قَوْله ﷺ َ - فضلت على الْأَنْبِيَاء بست فَذكر مِنْهَا أَن النَّبِي كَانَ يبْعَث الى قومه خَاصَّة وَأَنه ﵊ بعث الى الْأَحْمَر وَالْأسود وَالنَّاس كَافَّة واذ قد صَحَّ هَذَا فقد بَطل ان يلْزمنَا شَرِيعَة أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ حاشي شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ َ - فَقَط لِأَنَّهُ لم يبْعَث الله تَعَالَى الينا أحد من الْأَنْبِيَاء غَيره عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 45
السَّلَام وأنما كَانَ غَيره يبْعَث الى قومه فَقَط لَا الى غير قومه
فصل
وَالْفَرْض ان يحكم على كل مُؤمن وَكَافِر بِأَحْكَام الاسلام أَحبُّوا أم كَرهُوا لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك﴾
فصل فِي الرَّأْي
لَا يحل لأحد الحكم بِالرَّأْيِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - فَاتخذ النَّاس رؤسا جُهَّالًا فأفتوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا أَو كَمَا قَالَ ﵇
وَهَذَا حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره وحدثناه أَبُو بكر حمام بن أَحْمد القَاضِي قَالَ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد التاجي قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن
стр. 46
عبد الْملك بن أَيمن قَالَ أَبُو ثَوْر ابراهيم بن خَالِد قَالَ وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
لَا ينْزع الْعلم من صدر الرِّجَال وَلَكِن ينْزع الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء فاذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رؤسا جُهَّالًا فأفتوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا قَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ لم يزل أَمر بني اسرائيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى نَشأ فيهم أَبنَاء سَبَايَا الْأُمَم فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد رضى الله عَنهُ وَصَحَّ عَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ اتهموا الرَّأْي وَقَالَ سهل بن حنيف اتهموا آراءكم على دينكُمْ وَقَالَ على بن أبي طَالب رضى الله عَنهُ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُفَّيْنِ أَحَق بِالْمَسْحِ وَهَكَذَا جَاءَ عَن غَيرهم من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم
فان ذكرُوا حَدِيث معَاذ
أجتهد رَأْيِي وَلَا آلو فانه حَدِيث بَاطِل لم يروه اُحْدُ الا الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول لَا يدْرِي من هُوَ عَن رجال من أهل حمص لم يسمهم وَمن بَاطِل الْمَقْطُوع بِهِ أَن يَقُول رَسُول الله ﷺ َ - لِمعَاذ
فان لم تَجِد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله وَهُوَ يسمع وَحي الله اليه ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ و ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَمَا كمل بِشَهَادَة الله تَعَالَى فَمن الْبَاطِل أَن لَا يُوجد فِيهِ حكم نازله من النَّوَازِل فَبَطل الرَّأْي فِي الدّين مُطلقًا
стр. 47
فصل
وَلَو صَحَّ لما خلا ذَلِك من أَن يكون خَاصَّة لِمعَاذ لأمر علمه مِنْهُ رَسُول الله ﷺ َ - وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﵇
أعلمكُم بالحلال وَالْحرَام معَاذ فسوغ اليه شرع ذَلِك أَو يكون عَاما لِمعَاذ وَغير معَاذ فان كَانَ خَاصّا لِمعَاذ فَلَا يحل الْأَخْذ بِرَأْي أحد غير معَاذ وَهَذَا مَالا يَقُوله أحد فِي الأَرْض وان كَانَ عَاما لِمعَاذ وغيرمعاذ فَمَا رَأْي اُحْدُ من النَّاس أولى من رأى غَيره فَبَطل الدّين وَصَارَ هملا وَكَانَ لكل اُحْدُ ان يشرع بِرَأْيهِ مَا شَاءَ وَهَذَا كفر مُجَرّد وَأَيْضًا فانه لَا يَخْلُو الرَّأْي من ان يكون مُحْتَاجا اليه فِيمَا جَاءَ فِيهِ النَّص وَهَذَا مَالا يَقُوله اُحْدُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ يجب بِالرَّأْيِ تَحْرِيم الْحَلَال وَتَحْلِيل الْحَرَام وايجاب مَالا يجب واسقاط مَا وَجب وَهَذَا كفر مُجَرّد وان كَانَ انما يحْتَاج اليه فِيمَا لَا نَص فِيهِ فَهَذَا بَاطِل م وَجْهَيْن
أَحدهمَا قَول الله تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فاذ قد صَحَّ يَقِينا بِخَبَر الله تَعَالَى الَّذِي لَا يكذبهُ مُؤمن انه لم يفرط فِي الْكتاب شَيْئا وَأَنه قد بَين فِيهِ كل شَيْء وان الدّين قد كمل وَأَن رَسُول الله ﷺ َ - قد بَين للنَّاس مَا نزل اليهم فقد بَطل يَقِينا بِلَا شكّ ان يكون شَيْء من الدّين لَا نَص فِيهِ وَلَا حكم من الله تَعَالَى وَرَسُوله (صلع)
стр. 48
وَالثَّانِي أَنه حَتَّى لَو وجدنَا هَذَا وَقد اعاذ الله تَعَالَى وَمنع من أَن يُوجد لَكَانَ من شرع فِي هَذَا شَيْئا قد شرع فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَهَذَا حرَام قد منع الْقُرْآن مِنْهُ فَبَطل الرَّأْي وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فان قَالُوا قد قَالَ الصحابه رضى الله عَنْهُم بِالرَّأْيِ قُلْنَا ان وجدْتُم عَن أحد مِنْهُم تَصْحِيحا لقَوْل بِالرَّأْيِ وجدْتُم عَنهُ التبريء مِنْهُ وَقد بَينا هَذَا فِي كتَابنَا الْأَحْكَام لأصول الْأَحْكَام وَفِي رساله النكت غَايَة الْبَيَان وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فصل فِي الْقيَاس
وَلَا يحل الحكم بِالْقِيَاسِ فِي الدّين وَالْقَوْل بِهِ بَاطِل مَقْطُوع على بُطْلَانه عِنْد الله تَعَالَى برهَان ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا فِي ابطال الرَّأْي فان قَالُوا ان القَوْل بِالْقِيَاسِ فِي الْقُرْآن وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَجَزَاء الصَّيْد وَكَذَلِكَ الجروح
قُلْنَا لَهُم لَيْسَ معنى اعتبروا فِي لُغَة الْعَرَب قيسوا وَلَا عرف ذَلِك أحد من أهل اللُّغَة وانما معنى اعتبروا تعجبوا واتعظوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي عجب وموعظة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعْقلُونَ﴾
стр. 49
أَي عجبا
بل فِي هَذِه الْآيَات ابطال الْقيَاس لِأَنَّهُ بعالى اخبر ان اللَّبن حَلَال وَهُوَ خَارج من بَين فرث وَدم حرَام وان ثَمَرَة وَاحِدَة يخرج مِنْهَا رزق حسن حَلَال وسكر حرَام فَبَطل ان يكون للنظيرين حكم وَاحِد وَلَو كَانَ معنى اعتبروا قيسوا للزمنا اخراب بُيُوتنَا كَمَا اخربوا بُيُوتهم واذليس الامر كَذَلِك فَقَوله تَعَالَى اعتبروا ابطال للْقِيَاس وَحَتَّى لَو كَانَ معنى اعتبروا قيسوا وَلم يحْتَمل معنى غَيره لما كَانَ فِي ذَلِك ايجاب مَا يَدعُونَهُ من الْقيَاس لانه يكون حِينَئِذٍ من الْمُجْمل الذى لايفهم من نَصه المُرَاد بِهِ وانما يكون مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَهَذَا الْأَمر لَا يفهم مِنْهُ مَا هِيَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَلَا مَا هُوَ حق الله تَعَالَى فِي مَا حصد مَا لم يعين وَلَا كَيفَ تُؤَدّى الصَّلَاة وَالزَّكَاة حَتَّى جَاءَ بَيَان النَّبِي ﷺ َ - بِكُل ذَلِك فَلَو كَانَ معنى اعتبوا قيسوا وَسلمنَا هَذَا لما علم أحد كَيفَ يكون هَذَا الْقيَاس وَلَا على مَاذَا يقيس وَلَا على الشَّيْء الَّذِي يقيس وَلَا ضطررنا فِي ذَلِك الى بَيَان رَسُول الله ﷺ َ - واذ لم يَأْتِ بذلك كُله بَيَان كَيفَ نعمل فبيقين نَدْرِي أَن الله تَعَالَى لم يكلفنا مَا لَا نَدْرِي كَيفَ هُوَ وَلَا مَا هُوَ وَلَا كلفنا الْبناء على أَقْوَال مُخْتَلفه لَا يقوم بِشَيْء مِنْهَا دَلِيل فَبَطل أَنَّهَا تفهم بِهَذِهِ
стр. 50
ألآية بِيَقِين وضح أَنه لم يرد تَعَالَى قطّ بهَا الْقيَاس بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَأما جَزَاء الصَّيْد فَلَا مدْخل فِيهِ للْقِيَاس أصلا لِأَنَّهُ انما أَمر الله تَعَالَى من قتل صيدا مُتَعَمدا وَهُوَ حرَام ان يجْزِيه بِمثلِهِ من النعم لَا بالصيد فقد شهِدت الْآيَة بابطال الْقيَاس وَأما ﴿كَذَلِك الْخُرُوج﴾ فابطال للْقِيَاس بِلَا شكّ لِأَن اخراج الْمَوْتَى مرّة فِي الْأَبَد يُثمر خلودا فِي النَّار أَو الْجنَّة واخراج النَّبَات من الآرض يكون كل عَام ثمَّ يبطل وكل مَا ذكرُوا من هَذَا وَغَيره لَا يجوز أَن يوخذ مِنْهُ تَحْرِيم بيع التِّين بِالتِّينِ مُتَفَاضلا والى أجل
وبرهان قَاطع فِي كل مَا يوهمون بِهِ من الْقُرْآن والْحَدِيث وَهُوَ أَن قَوْلنَا هُوَ أَن الْحق فِي الدّين انما هُوَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَحَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ قَالُوا هم بِالْقِيَاسِ وأبطلناه نَحن وكل آيَة أتونا بهَا وكل حَدِيث ذَكرُوهُ فَكل ذَلِك حق وكل مَا أَرَادوا هم ان يضيفوه اليه فَهُوَ بَاطِل وَلم يزيدونا على أَكثر من ان كرروا لنا قَوْلهم بِالْقِيَاسِ فَقَط وَفِي هَذَا نازعناهم وَلَا يجوز ان يحتجوا لقَولهم بقَوْلهمْ وانما كَانَ يكون لَهُم حجَّة فِي هَذِه الْأَخْبَار لَو كَانَ فِي شَيْء مِنْهَا قيسوا مَا أشبه النَّص على النَّص الَّذِي يُشبههُ فان لم يَجدوا هَذَا وَلَا سَبِيل الى وجوده ابدا فَلَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء من الْقُرْآن وَالْأَخْبَار لما ذكرنَا من أَن الْقُرْآن وَالْأَخْبَار لما ذكرنَا م أَن الْقُرْآن كُله وصحيح الحَدِيث حق وَأما مَا يُرِيدُونَ هم أضافته الى ذَلِك فَهُوَ بَاطِل وَعنهُ طالبناهم بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يجدونه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
стр. 51
وَمن الْبَرَاهِين فِي ابطال الْقيَاس وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾
فَحرم الله تَعَالَى أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لَا نعلم وَمَا لم يعلمنَا فَلَمَّا لم نجد الله أر بِالْقِيَاسِ وَلَا علمنَا أَيَّاهُ علمنَا أَنه بَاطِل لَا يحل القَوْل بِهِ فِي الدّين
وَأَيْضًا فَأَنَّهُ يُقَال فِي أَي شَيْء يحْتَاج الى الْقيَاس أَفِي مَا جاس بِهِ النَّص وَالْحكم من الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ أم فِيمَا لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا حكم من الله تَعَالَى وَلَا من رَسُوله ﵇ وَلَا سَبِيل الى ثَالِث
فان قَالُوا فِيمَا جَاءَ بِهِ النَّص علم انه بَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْوَاجِب تَحْرِيم مَا أحل الله تَعَالَى بِالْقِيَاسِ وَتَحْلِيل مَا حرم الله تَعَالَى وايجاب مَا لم يُوجِبهُ الله تَعَالَى واسقاط مَا أوجبه الله
وان قَالُوا بل فِيمَا لَا نَص فِيهِ قُلْنَا قد ذمّ الله تَعَالَى هَذَا وَكذب قَائِله فَأَما ذمه ذَلِك فَفِي قَوْله ﴿أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله﴾ وَأما تَكْذِيبه تَعَالَى من قَالَ ذَلِك فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ و ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ و ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ و ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فصح يَقِينا بطلَان الْقيَاس
وَأَيْضًا فان الْقيَاس عِنْد أَهله انما هُوَ ان تحكم لشَيْء
стр. 52
بالحكم فِي مثله لاتِّفَاقهمَا فِي الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم أَو لمشبهه بِهِ فِي بعض صِفَاته فِي قَول بَعضهم فَيُقَال لَهُم أخبرونا عَن هَذِه الْعلَّة الَّتِي ادعيتموها وجعلتموها عِلّة بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل أَو بالايجاب من أخْبركُم بِأَنَّهَا عِلّة الحكم وَمن جعلهَا عِلّة الحكم
فان قَالُوا أَن الله تَعَالَى جعلهاعلة الحكم كذبُوا على الله الا ان ياتوا بِنَصّ مِنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآن اَوْ على لِسَان رَسُول الله ﷺ بانها عِلّة الحكم وهاذا مَالا يجدونه
فان قَالُوا نَحن شرعناها فقد شرعوا من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن
وان قَالُوا قُلْنَا انها عِلّة لغالب الظَّن وَهَذَا هُوَ قَوْلهم قُلْنَا لَهُم فَعلْتُمْ مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْكُم اذ يَقُول ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ واذ يَقُول رَسُول الله (صلع)
اياكم وَالظَّن فان الظَّن اكذب الحَدِيث
قَالَ ابو مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وعللهم مُخْتَلفَة فَمن ايْنَ لَهُم بِأَن هَذِه الْعلَّة هِيَ مُرَاد الله تَعَالَى منا دون ان ينص لفاعلها وَهُوَ تَعَالَى قد حرم علينا القَوْل بِغَيْر علم وَالْقَوْل بِالظَّنِّ وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم فِي قياسهم الشَّيْء لشبهه بِهِ
ونزيدهم بِأَن نقُول لَهُم مَا هَذَا الشّبَه أَفِي جَمِيع صفاتهما أم فِي بَعْضهَا دون بعض
فان قَالُوا فِي جَمِيع صفاتهما فَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْئَانِ يتشابهان فِي جَمِيع صفاتهما وان قَالُوا فِي بعض
стр. 53
صفاتهما قُلْنَا من أَيْن قُلْتُمْ هَذَا وَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قصد الى الصِّفَات الَّتِى قسمتم عَلَيْهَا وَقصد الى الصِّفَات الَّتِى لم تقيسوا عَلَيْهَا فقاس هُوَ عَلَيْهَا
وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ افرق بَين حكم الشَّيْئَيْنِ وَلَا بُد من افتراقهما فِي بعض الصِّفَات وهاذا مَالا محيص لَهُم مِنْهُ الْبَتَّةَ
فقد صَحَّ ان القَوْل بِالْقِيَاسِ وَالتَّعْلِيل بَاطِل وَكذب وَقَول على الله تَعَالَى بِغَيْر علم وَحرَام لايحل الْبَتَّةَ لانه اما قطع على الله تَعَالَى بِالظَّنِّ الْكَاذِب الْمحرم واما شرع فِي الدّين مالم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وكلا الامرين بَاطِل بِلَا شكّ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فان قَالُوا ان الْعُقُول تَقْتَضِي ان يحكم للشَّيْء بِحكم نَظِيره قُلْنَا لَهُم اما نَظِيره فِي النوعية اَوْ الْجِنْس فَنعم واما فِي مَا اقتحموه بآرئهم مِمَّا لابرهان لَهُم انه مُرَاد الله تَعَالَى فَلَا
وهاكذا نقُول فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ اذا حكم الله فِي الْبر كَانَ ذَلِك فِي كل بر واذا حكم فِي الزَّانِي كَانَ ذَلِك فِي كل زَان وَهَكَذَا فِي كل شَيْء والا فَمَا قَضَت الْعُقُول قطّ وَلَا الشَّرِيعَة فِي ان للتين حكم الْبر وَلَا للجوز حكم التَّمْر بل هَذَا هُوَ الحكم للشَّيْء بِحكم الْجِسْم اَوْ حكم للانسان بِحكم الْحمار فقد اخطأ لَكِن اذا وَجب فِي الْجِسْم الكلى حكم كَانَ ذَلِك فِي كل جسم واذا حكم انسان بِحكم كَانَ ذَلِك فِي كل انسان وَمَا عرف الْعقل قطّ غير هَذَا
فصل
والشريعة كلهَا اما فرض وَهُوَ الْوَاجِب وَاللَّازِم واما حرَام
стр. 54
وَهُوَ المنهى عَنهُ والمحظور واما حَلَال واما تطوع مَنْدُوب اليه واما مُبَاح مُطلق فَوَجَدنَا الله تَعَالَى قد قَالَ ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ وَصَحَّ عَن النبى (صلم) انه قَالَ
ذروني مَا تركتكم فانما هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على انبيائهم فاذا امرتكم بِشَيْء فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم واذا نَهَيْتُكُمْ عَن شئ فاتركوه
فصح بهاذا النَّص ان مَا امرنا الله تَعَالَى بِهِ اَوْ اجماع بانه ندب اَوْ خَاص اَوْ مَنْسُوخ وَمَا نَص الله تَعَالَى بِالنَّهْي عَنهُ اَوْ رَسُوله (صلم) فهوحرام الا ان ياتي نَص اَوْ اجماع انه مَكْرُوه اَوْ خَاص اَوْ مَنْسُوخ ومالم يَأْتِ بِهِ امْر وَلَا نهي فَهُوَ مُبَاح لقَوْله تَعَالَى ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ ويامرنا ﵇ ان لانترك مِنْهُ الا مانهانا عَنهُ وَلَا يلْزمنَا الا مَا استطعنا مِمَّا امرنا بِهِ
وَبِمَا صَحَّ عَنهُ (صلم) من قَوْله
وَسكت عَن اشياء فَهِيَ عَفْو
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ وَإِن تسألوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم عَفا الله عَنْهَا﴾ فَلَا شَيْء فِي الْعَالم مخرج عَن هَذَا الحكم فبطلت الْحَاجة الى الْقيَاس جملَة وَصَحَّ أَنه لَا يحل الحكم بِهِ الْبَتَّةَ فِي الدّين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
стр. 55
وأعلموا أَنه لَا يُوجد أبدا عَن أحد من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم اباحة القَوْل بِالْقِيَاسِ الا فِي الرسَالَة الْمَوْضُوعَة عَن عمر ﵁ وَلَا تصح الْبَتَّةَ لِأَنَّهَا أَنما رَوَاهَا رجلَانِ مَتْرُوكَانِ وَقد جَاءَ عَن عمر ﵁ بأشبه من ذَلِك الطَّرِيق تَحْرِيم الْقيَاس بل قد صَحَّ عَن جَمِيع الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم الاجماع على ابطال الْقيَاس والرأي لأَنهم وَجَمِيع أهل الاسلام يَعْتَقِدُونَ بِلَا شكّ طَاعَة الْقُرْآن وَمَا سنه رَسُول الله ﷺ َ - وَتَحْرِيم الشَّرْع فِي الدّين عَن غير الله تَعَالَى وَهَذَا اجماع مَانع من الرَّأْي وَالْقِيَاس لِأَنَّهُمَا غير الْمَنْصُوص فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فصل
واذا نَص النَّبِي ﷺ َ - على ان حكم كَذَا فِي أَمر كَذَا لم يجز ان يتَعَدَّى بذلك الحكم ذَلِك الشَّيْء الْمَحْكُوم فِيهِ فَمن خَالف ذَلِك فقد تعدى حُدُود الله ونعود بِاللَّه من ذَلِك وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ َ - أما السن فانه عظم وَأما الظفر فانه مدى الْحَبَشَة فَلَا يجوز أَن نتعدى بِهَذَا الحكم السن وَالظفر
فصل فِي دَلِيل الْخطاب وَالْخُصُوص
وَلَا يحل القَوْل بِدَلِيل الْخطاب وَهُوَ أَن يَقُول الْقَائِل اذا جَاءَ نَص من الله تَعَالَى أَو رَسُوله ﵇ على صفة أَو حَال أَو زمَان اَوْ مَكَان وَجب أَن يكون غَيره يخالفة كنصه ﵇ على السَّائِمَة فَوَجَبَ ان يكون غَيره يُخَالِفهُ بِخِلَاف السَّائِمَة فِي الزَّكَاة وكنصه تَعَالَى على انكاح الفتيات الْمُؤْمِنَات لمن لم يجد طولا وخشى الْعَنَت فَوَجَبَ أَن تكون غر الْمُؤْمِنَات بِخِلَاف الْمُؤْمِنَات وكنصه تَعَالَى على وجوب الفارة فِي قتل الْخَطَأ فَوَجَبَ أَن يكون غير الْخَطَأ بِخِلَاف الْخَطَأ وَاعْلَم ان هَذَا الْمَذْهَب وَالْقِيَاس صدان متفاسدان
стр. 56
لِأَن الْقيَاس هُوَ ان يحكم للمسكوت عَنهُ بِحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وكلا المذهبين بَاطِل لِأَنَّهَا تعدى لحدود اله وَتقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ وانما الْحق ان تُؤْخَذ الْأَوَامِر كَمَا وَردت وان لَا يحكم لما لَيْسَ فِيهَا بِمثل حكمهَا لَكِن يطْلب الحكم فِي ذَلِك من نَص آخر فَلم يفرط الله تَعَالَى فِي الْكتاب شَيْئا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْخُصُوص فَهُوَ بَاطِل وَهُوَ ضد الْقيَاس وَدَلِيل الْخطاب لِأَن الْقيَاس ادخال الْمَسْكُوت عَنهُ فِي حكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَدَلِيل الْخطاب اخراج الْمَسْكُوت عَنهُ عَن حكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عَن حكم نَفسه وَهَذَا ايضا لَا يحل
وكل هَذِه الْأَقْوَال افتراء على اله تَعَالَى وحاش لله تَعَالَى ان يُرِيد ان يخرج بعض مَا نَص لنا على حكمه عَن الْجُمْلَة الَّتِي نَصهَا لنا وَلَا يبين ذَلِك فصح ضَرُورَة ان النَّص اذا ورد فالفرض ان يُؤْخَذ كَمَا هُوَ وَلَا يخص مِنْهُ شَيْء الا بِنَصّ آخر اَوْ اجماع وَلَا يُضَاف اليه مَا لَيْسَ فِيهِ نَص آخر اَوْ اجماع فَهَذِهِ هِيَ طَاعَة الله تَعَالَى والأمان من مَعْصِيَته وَالْحجّة الْقَائِمَة لنا يَوْم الْقِيَامَة فليحذر كل امريء على نَفسه ان يحرم مَا لم يُخبرهُ الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله ﷺ أَنه منهى عَنهُ اَوْ يسْقط وجوب مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ أَو رَسُوله ﷺ فيلقي الله تَعَالَى عَاصِيا لَهُ مُخَالفا أمره شَارِعا فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله قَائِلا على الله مَا لَا علم لَهُ بِهِ وقائلا على رَسُوله ﷺ مَا لم يقل لِئَلَّا يتبوأ معقده من النَّار اَوْ حَاكما عَلَيْهِ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أكذب
стр. 57
الحَدِيث وَالَّذِي لَا يُغني من الْحق شَيْئا ونعوذ بِاللَّه تَعَالَى من الْبلَاء
فصل
واذا أَمر الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ َ - بِأَمْر فَهُوَ لَازم لكل مُسلم الا اذا صَحَّ أَن يَأْتِي نَص اَوْ اجماع مُتَيَقن بتخصيصه بذلك برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ فَقَوله تَعَالَى ﴿عَن أمره﴾ يَقْتَضِي أَن الْأَمر الْمُضَاف اليه هُوَ كَانَ الْآمِر بِهِ فَلَا تَخْصِيص لِلْآيَةِ الا ببرهان
فصل فِي التَّقْلِيد
والتقليد حرَام وَلَا يحل لأحد ان يَأْخُذ بقول أحد بِلَا برهَان برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى مادحا لقوم لم يقلدوا ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فَلَا يزهد أمرء فِي ثَنَاء الله تَعَالَى بِأَنَّهُ قد هداه وانه من اولى الْأَلْبَاب وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَلم يبح الله تَعَالَى
стр. 58
الرَّد الى اُحْدُ عِنْد التَّنَازُع دون الْقُرْآن وَسنة نبيه ﵊ وَقد صَحَّ اجماع جَمِيع الصحابه رضى الله عَنْهُم اولهم عَن آخِرهم واجماع جَمِيع التَّابِعين اولهم عَن آخِرهم على الِامْتِنَاع وَالْمَنْع من ان يقْصد مِنْهُم اُحْدُ الى قَول انسان مِنْهُم اَوْ مِمَّن قبلهم فَيَأْخذهُ كُله فَليعلم من أَخذ بِجَمِيعِ قَول ابي حنيفه اَوْ جَمِيع قَول مَالك اَوْ جَمِيع قَول الشَّافِعِي اَوْ جَمِيع قَول احْمَد بن حَنْبَل رضى الله عَنْهُم مِمَّن يتَمَكَّن من النّظر وَلم يتْرك من اتبعهُ مِنْهُم الى غَيره انه قد خَالف اجماع الأمه كلهَا عَن آخرهَا وَاتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه المنزله وَأَيْضًا فان هَؤُلَاءِ الأفاضل قد نهوا عَن تقليدهم وتقليد غَيرهم فقد خالفهم من قلدهم وايضا فَمَا الَّذِي جعل رجلا من هَؤُلَاءِ أَو من غَيرهم اولى بِأَن يُقَلّد من أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب اَوْ على بن ابي طَالب اَوْ بن عَبَّاس اَوْ عَائِشَة ام الْمُؤمنِينَ فَلَو سَاغَ التَّقْلِيد لَكَانَ هَؤُلَاءِ اولى بِأَن يتبعوا من أبي حنيفه وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمن ادّعى من المنتسبين الى هَؤُلَاءِ أَنه لَيْسَ مُقَلدًا فَهُوَ نَفسه اول عَالم بِأَنَّهُ كَاذِب ثمَّ سَائِر من سَمعه لأَنا نرَاهُ ينصر كل قَوْله بلغته لذَلِك الَّذِي انْتَمَى اليه وان لم يعرفهَا قبل ذَلِك وَهَذَا هُوَ التَّقْلِيد بِعَيْنِه
فصل
قَالَ ابو مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى والعامي والعالم فِي ذَلِك سَوَاء وعَلى كل اُحْدُ حَظه الَّذِي يقدر عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد برهَان ذَلِك اننا ذكرنَا آنِفا النُّصُوص فِي ذَلِك وَلم يخص الله تَعَالَى عاميا من عَالم وَمَا كَانَ رَبك نسيا فان ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ قيل لَهُم لَيْسَ
стр. 59
أهل الذّكر وَاحِدًا بِعَيْنِه فالكذب على الله لَا يجوز وانما نسْأَل اهل الذّكر ليخبرونا بِمَا عِنْدهم من أوَامِر الله تَعَالَى الْوَارِدَة على لِسَان رَسُوله ﷺ َ - لَا عَن شرع يشرعونه لنا
وَأَيْضًا فَنَقُول لمن أجَاز التَّقْلِيد للعامي أخبرنَا من تقلد فان قَالَ عَالم مصر فلنا فان كَانَ فِي مصر عالمان مُخْتَلِفَانِ كَيفَ يصنع ايأخذ أَيهمَا شَاءَ فَهَذَا دين جَدِيد وحاش لله ان يكون حكمان مُخْتَلِفَانِ فِي مسئلة وَاحِدَة حرَام حَلَال مَعًا من عِنْد الله تَعَالَى
ثن الْعجب كُله ان يكون فرض للعامي الَّذِي مقَامه بالأندلس تَقْلِيد مَالك وباليمن تَقْلِيد الشَّافِعِي وبخراسان تَقْلِيد ابي حنيفه وفتاويهم متضادة أَهَذا دين الله تَعَالَى مِنْهُ فو الله مَا أَمر الله تَعَالَى بِهَذَا قطّ بل الدّين وَاحِد وَحكم الله تَعَالَى قد بَين لنا ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَلَكِن الْعَاميّ وَالْأسود المجلوب من غانة وَمن هُوَ مثلهم اذا اسْلَمْ فقد عرف بِلَا شكّ مَا الاسلام الَّذِي دخل فِيهِ وانه اقر بِاللَّه انه الا لَهُ الا اله غَيره وان مُحَمَّدًا رَسُول الله اليه وانه قد دخل فِي الدّين الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ َ - وَهَذَا مَالا يخفي على أحد أسلم الْآن
فَكيف من شدا من الْفَهم شَيْئا واذ لَا شكّ فِي هَذَا فاسائل انما يسْأَل عَمَّا الزمه الله تَعَالَى فِي الدّين الَّذِي دخل فِيهِ بِلَا شكّ
стр. 60
واذ ذَلِك كَذَلِك فقد فرض الله عَلَيْهِ ان يَقُول للمفتي اذا أفتاه أكذا أَمر الله تَعَالَى أَو رَسُوله ﷺ َ - فان قَالَ لَهُ الْمُفْتِي نعم لزمَه الْقبُول وان قَالَ لَهُ لَا اوسكت اَوْ انتهره اَوْ ذكر لَهُ قَول انسان غير النَّبِي ﷺ َ - فاذا زَاد فهمه فقد زَاد اجْتِهَاده وَعَلِيهِ ان يسْأَل أصح هَذَا عَن النَّبِي ﷺ َ - أم لَا فان زَاد فهمه يسْأَل عَن الْمسند والمرسل والثقة وَغير الثقه فان زَاد سَأَلَ عَن الْأَقَاوِيل وَحجَّة كل قَائِل ويفضي ذَلِك الى التدرج فِي مَرَاتِب الْعلم نسْأَل الله تَعَالَى ان يجعلنا من أَهلهَا آمين أَمِين رب الْعَالمين
فصل
وانما افْترض الله تَعَالَى علينا اتِّبَاع رَسُوله مُحَمَّد ﷺ َ - فَمن اتبعهُ وَأقر بِهِ مُصدقا بِقَلْبِه وَلسَانه فقد وفْق وَهُوَ مُؤمن حَقًا باستدلال كَانَ اَوْ بِغَيْر اسْتِدْلَال اذ لم يُكَلف الله تَعَالَى قطّ غير ذَلِك وَلَا أمرنَا بِدُعَاء الى غير ذَلِك وَلَا دَعَا الْخُلَفَاء والصالحون الى غير ذَلِك
فَمن روى لَهُ حَدِيث لم يَصح عَن النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ لَا يدْرِي أَنه غير صَحِيح فَهُوَ مأجور أجرا وَاحِدًا لقَوْله ﷺ اذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر واذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ أَو كَمَا قَالَ ﷺ وكل من أَخذ بمسئلة فقد حكم بقبولها واجتهد فِي ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْمُجْتَهد لَا غَيره لِأَن الِاجْتِهَاد انما هُوَ انفاد الْجهد فِي طلب الحكم فِي الدّين فِي الْقُرْآن وَالسّنة والاجماع حَيْثُ أَمر الله تَعَالَى بِأخذ احكامة لَا من غير هَذِه الْوُجُوه فَمن أصَاب فِي ذَلِك فَلهُ أَجْرَانِ وَمن أَخطَأ فَلهُ أخر وَاحِد وَلَا أَثم عَلَيْهِ
فصل
وَأما من قلد دون النَّبِي ﷺ َ - فان صَادف أَمر
стр. 61
النَّبِي ﷺ َ - بِهِ فَهُوَ عَاص لله تَعَالَى آثم بتقليده وَلَا سَلَامه وَلَا أجر لَهُ على مُوَافَقَته للحق وَمَا يدْرِي كَيفَ هَذَا فَأَنَّهُ لم يقْصد الى الْحق وان أَخطَأ فِيهِ أَثم اثمان اثم تَقْلِيده واثم خِلَافه للحق وَلَا أجر لَهُ الْبَتَّةَ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
فصل
وَمن لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة فمعذور وَأما من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة فَلَا عذر لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾
-
- فصل
وَمن عرف مسئلة وَاحِدَة فَصَاعِدا على حَقّهَا من الْقُرْآن وَالسّنة جَازَ لَهُ ان يُفْتِي بهَا وَمن علم جُمْهُور الدّين كَذَلِك وَمن خفى عَلَيْهِ وَلَو مسئلة تحل لَهُ الْفتيا فِيمَا علم وَلَا يحل الْفتيا فِيمَا لم يعلم وَلَو لم يفت الا من احاط بِالدّينِ كُله علما لما حل لأحد أَن يُفْتِي بعد رَسُول الله ﷺ َ - ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ ﴿حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ تمّ كتاب النبذة الكافية فِي أصُول الدّين فِي آخر الاصل علقه العَبْد الْفَقِير الى الله تَعَالَى احْمَد بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَبَّاس الحسباني غفر الله لَهُ والوالديه وللمسلمين أجمعين فِي سنة ٧٨٧ هـ