Полный текст (1 418 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قيل لَهُم: الْوُجُوب ينعَت بالْحسنِ، كَمَا ينعَت النّدب، فَلم كُنْتُم بِالْحملِ على النّدب أولى من غَيْركُمْ إِذا حملوه على الْوُجُوب؟
[٨٩٧] فَأَما وَجه الرَّد على الْقَائِلين بِالْوُجُوب فيداني وَجه الرَّد على الَّذين سبقوا، فَإنَّا نقُول فعل رَسُول الله ﷺ يَنْقَسِم، فَمِنْهُ الْوَاجِب، وَمِنْه الْمُبَاح، ولندب، وَلَيْسَ فِيمَا يصدر عَنهُ ﷺ مَا يتَضَمَّن إِيجَابا علينا عقلا، فَإِن الْعقل لَا يَقْتَضِي تعين جِهَة على التَّخْصِيص مَعَ تقَابل الجائزات وتماثل الِاحْتِمَالَات، وَلَيْسَ فِي نفس الْفِعْل الصَّادِر مِنْهُ مَا يُوجب الْإِقْدَام على مثله عقلا، وكل مَا يتمسكون بِهِ من الْأَدِلَّة السمعية فَلَا مستروح فِي شَيْء على مَا سنقرر وُجُوه التفصي عَمَّا يعتصمون.
[٨٩٨] شُبْهَة الْقَائِلين بِالْوُجُوب. فَإِن قَالُوا: كل مَا يصدر عَن رَسُول الله ﷺ فنعلم أَنه مصلحَة لَهُ ﷺ وَهُوَ متعبد بِهِ، وَمَا كَانَ مصلحَة لغيره، وَيجب على الْمَرْء تتبع مَصَالِحه.
وَهَذَا واه جدا من أوجه: مِنْهَا: أَن نقُول: من سوغ الصَّغَائِر على الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يسلم مَا ادعيتموه، وَوجه الْمَنْع فِيهِ بَين.
стр. 632
ثمَّ نقُول: لم زعمتم أَن مَا كَانَ مصلحَة فِي حَقه كَانَ مصلحَة فِي حق غَيره؟ ألم تعلمُوا أَن الرتب تتباين، والمصلحة تخْتَلف باخْتلَاف الدَّرَجَات؟
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الصَّلَاة مصلحَة فِي حق الطَّاهِر، مفْسدَة فِي حق الْحَائِض، وَلَو تتبعنا تفَاوت الْأَفْعَال فِي حق الْمُكَلّفين من الْأَحْرَار وَالْعَبِيد لطال، وَفِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا غنية.
ثمَّ نقُول: لَو كَانَ العَبْد يتَمَثَّل أوَامِر سَيّده، ويتجنب مُخَالفَته، فَلَيْسَ من شَرط تَحْقِيق مُوَافقَة ومحاشاة مُخَالفَته أَن يفعل كل مَا يَفْعَله سَيّده، فَبَطل مَا قَالُوهُ وَتبين أَن إِظْهَار الْخلاف إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْأَوَامِر دون الْأَفْعَال.
[٨٩٩] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم - وَهِي عمدتهم - قَالُوا: لَو سَاغَ القَوْل بِأَن اتِّبَاعه فِي أَفعاله لَا يجب سَاغَ مثله فِي أَقْوَاله فَإِنَّهُ لَا فصل بَينهمَا.
قيل لَهُم: هَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة، فَلم جمعتم بَينهمَا؟ فَلَا يرجعُونَ عِنْد التَّحْقِيق إِلَى طائل وَتَحْصِيل. ثمَّ نقُول: بِمَا تنكرون على من يَقُول أَن المعجزات دَالَّة على صدق الرَّسُول ﵈، وَقبُول أَقْوَالهم، وَمَا يصدر عَن رَسُول الله ﷺ من الْأَوَامِر فَإِنَّمَا هُوَ فِيهَا مبلغ وَالْأَمر لله / تَعَالَى. فَفِي رد [١٠١ / ب] أَقْوَاله تسبب إِلَى رد قَضِيَّة المعجزة، وإفصاح برد النُّبُوَّة، وَلَا يتَحَقَّق مثل ذَلِك فِي الْأَفْعَال، فَإِن المعجزة لَا تدل على وجوب اتِّبَاعه فِي جملَة أَفعاله، إِذْ المعجزة لَا تدل إِلَّا على الصدْق، وَالْأَفْعَال لَا صِيغ لَهَا، وايضا فَإِن فعله مُخْتَصّ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء تثبيت مثله فِي حق غَيره، وَأما أَقْوَاله فمتعلقة فِي مقتضاها بالمكلفين، فافترق البابان ثمَّ نقُول: قد بَينا أَن فعله ﷺ على
стр. 633
التَّرَدُّد فنظيره من القَوْل مَا هُوَ على التَّرَدُّد، وَلَو [و] ردَّتْ لَفْظَة مترددة بَين احتمالات لَا سَبِيل إِلَى الْجمع بَينهمَا، واللفظة حَقِيقَة فِي كل وَاحِدَة مِنْهَا فَلَا سَبِيل إِلَى حمل اللَّفْظَة على بَعْضهَا بل يتَوَقَّف فِيهَا إِلَى الْبَيَان، فَهَذِهِ سَبِيل الْأَفْعَال، فَهَذِهِ عمدهم إِذا زَعَمُوا أَن الْوُجُوب الِاتِّبَاع مُسْتَدْرك عقلا.
[٩٠٠] وَأما من ذهب مِنْهُم إِلَى أَن ذَلِك يثبت سمعا فقد اسْتدلَّ بآي من الْكتاب مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ ، قَالُوا: وَهَذَا أَمر، وَالْأَمر على الْوُجُوب.
قُلْنَا: لَا نسلم أَن الْأَمر على الْوُجُوب، وَقد قدمنَا فِي ذَلِك صَدرا من الْكَلَام مغنيا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ لَا نسلم لكم الْعُمُوم لتعمموا ذَلِك فِي افعاله واقواله، على أَنا نقُول: ظَاهر الِاتِّبَاع ينبو عَن الطَّاعَة وَلَا تحقق الطَّاعَة إِلَّا فِي امْتِثَال الْأَوَامِر.
وَالَّذِي يحققه مَا قدمْنَاهُ من قَول الْقَائِلين أَن يمْنَع الْأمة وَهُوَ من اتِّبَاعه، وَلَا يعنون بِهِ أَنه يتصدر إذاتصدر وَيفْعل كل مَا يفعل الْآمِر، فَإِنَّمَا يؤول الِاتِّبَاع والامتثال والانقياد إِلَى امْتِثَال الْأَوَامِر.
[٩٠١] وَمِمَّا استدلوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: (لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة
стр. 634
حَسَنَة ٩، وَهَذَا لَا معتصم فِيهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يتَضَمَّن تثبيت الْوُجُوب على الْخُصُوص، بل فحوى الْآيَة إِلَى اقْتِضَاء النّدب اقْربْ.
[٩٠٢] وَمِمَّا يستدلون بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ءاتكم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ ٦، وَقَوله: ﴿وأطبعوا الله واطيعوا الرَّسُول﴾ .
فَأَما قَوْله: ﴿وَمَا ءاتكم الرَّسُول﴾ فَلَيْسَ فِيهِ مُصَرح بالإفعال فَلم حملتموه عَلَيْهَا؟ وَظَاهر الإيتاء: الْإِعْطَاء دون مَا رمتوه، على أَنه سُبْحَانَهُ قابله بِالنَّهْي فَقَالَ: ﴿وَمَا نهكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَدلَّ أَنه عَنى بالإيتاء: الأومر.
وَأما قَوْله: ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ ، فَلَا حجَّة فِيهِ، وَأَن الطَّاعَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا فِي امْتِثَال الْأَمر، وَالْفِعْل لَا يكون أمرا.
[٩٠٣] وَرُبمَا يستدلون بأخبار أَعْتَصِم فِيهَا الصَّحَابَة ﵃ وَغَيرهم بِأَفْعَال رَسُول الله ﷺ ، مِنْهَا مَا روى أَنه وَاصل الصّيام فواصله بعض الصَّحَابَة فنهاهم رَسُول الله ﷺ ، وَاعْتذر بَان قَالَ: واصلنا لما واصلت.
стр. 635
٩٠٤ -] وَمِنْهَا ماروي انه ﷺ خلع نَعله فَخلع الصحاب نعَالهمْ فَهَذَا يدل على اعْتِقَادهم وجوب الِاتِّبَاع.
وَمِنْهَا: أَنه ﷺ حلق عَام الْحُدَيْبِيَة فازدحم النَّاس على الحلاق اتبَاعا لرَسُول الله ﷺ .
[٩٠٥] وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قبل الْحجر
стр. 636
ثمَّ قَالَ: " أما أَنِّي أعلم أَنَّك حجر لَا تضر، وَلَا تَنْفَع، وَلَوْلَا أَنِّي رايت رَسُول الله ﷺ يقبلك لما استلمتك فاعتصم بِفِعْلِهِ.
[٩٠٦] وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ أَن سَائِلًا سَأَلَ أم سَلمَة ﵂ عَن قبْلَة الصَّائِم فَسَأَلت رَسُول الله / ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : أَلا أخبرتيه أَنِّي اقبل وَأَنا [١٠٢ / أ] صَائِم.
وسئلت عَائِشَة ﵂ عَن وجوب الْغسْل بالتقاء الختانين فأفتت بِالْوُجُوب وَقَالَت: فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا إِلَى غير ذَلِك من الْأَخْبَار.
стр. 637
[٩٠٧] وَالْجَوَاب عَنْهَا من أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول الْأَفْعَال الَّتِي نقلت عَنهُ ﷺ من خَصَائِصه وَمَا لم يُتَابع عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا نقلتموه، ثمَّ نقُول: لم زعمتم أَنهم اتَّبعُوهُ فِي مُوجب هَذِه الْأَخْبَار التزاما واستحبابا، وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم استباحوا، وَبِمَ تنكرون على من يزْعم انهم استباحوا بَعْضهَا وَرَأَوا بَعْضهَا ندبا.
[٩٠٨] ثمَّ نجيب عَن كل مَا تمسكوا بِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا فَأَما حَدِيث الْوِصَال فنهيه ﷺ وتوبيخه لَهُم على اتِّبَاعه أدل الْأَدِلَّة عَلَيْكُم، إِذْ رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ: أيقوى أحدكُم على مَا أقوى؟ الحَدِيث.
وَأما خلع النِّعَال فقد كَانَ فِي الصَّلَاة، وَقد كَانَ سبق مِنْهُ ﷺ أَمر الصَّحَابَة باتباعه فِي الصَّلَاة لما قَالَ: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ".
وَأما الْحلق وتقبيل الْحجر فَلَقَد كَانَ من جملَة الْمَنَاسِك، وَكَانُوا قد سمعُوا لَهُ ﷺ يَقُول: " خُذُوا عني مَنَاسِككُم ".
وَأما حَدِيث عَائِشَة ﵂، وَأم سَلمَة ﵂ فلعلهما
стр. 638
أَيْضا اقتديا بقوله، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْمَنْقُول فِي حَدِيثهمَا لَيْسَ من الْأَفْعَال المختصة برَسُول الله ﷺ بل كَانَ مُتَعَدِّيا إِلَيْهَا وَلذَلِك قايسا النَّاس بحكمهما، على أَنا نقُول كَمَا تمسكتم بِهِ آحَاد لَا يسوغ الِاعْتِصَام بِهِ فِي مسَائِل الْقطع، وَالله اعْلَم.
(١٦٣) القَوْل فِي ذكر الْوُجُوه الَّتِي يَقع عَلَيْهَا افعال رَسُول الله ﷺ
[٩٠٩] إِذا صدر عَن رَسُول الله ﷺ فعل مُطلق، وَلم يعلم بطرِيق من الطّرق أَنه أَرَادَ بِفِعْلِهِ تَبْيِين مُجمل، أوتنبيها على حكم شَرْعِي، فَالْحكم فِيهِ مَا قدمْنَاهُ من الْوَقْف، فَأَما إِذا صدر مِنْهُ الْفِعْل بَيَانا لحكم على [الِابْتِدَاء] ، اَوْ تَخْصِيصًا لعُمُوم أوتبيينا لمجمل فَيجب التَّمَسُّك بِهِ.
[٩١٠] وَنحن الْآن نجمع الطّرق الَّتِي إِذا وَقعت الْأَفْعَال عَلَيْهَا كَانَت بَيَانا، فأقوى الْوُجُوه فِي وَقع الْأَفْعَال بَيَانا وَاجِب الْإِيقَاع فِيهَا وَجْهَان: أَن يُصَرح رَسُول الله ﷺ بِالْأَمر بالاتباع فِيمَا يصدر مِنْهُ من الْأَفْعَال وَذَلِكَ نَحْو قَوْله: " صلوا كَمَا أيتموني اصلي ".
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يجمع الْعلمَاء على أَن الْمَقْصد من الْفِعْل الصَّادِر مِنْهُ بَيَان، فَيعلم أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد بَاطِلا، وَلَيْسَ علينا تتبع مَا انْعَقَد الْإِجْمَاع مِنْهُ.
стр. 639
[٩١١] وَمن الطّرق فِي وُقُوع الْفِعْل بَيَانا أَن يثبت ويستقر على رَسُول الله ﷺ وعَلى أمته حكم، ثمَّ يصدر مِنْهُ ﷺ فعل يُخَالف ذَلِك الحكم وَيعلم أَنه لَيْسَ بساه ويتحقق عندنَا أَنه لَيْسَ بِمحرم، وَأما على منع الصَّغَائِر أَو بِأَن يتَحَقَّق بقرائن الْحَال ذَلِك، فَإِذا ثَبت الْفِعْل على هَذَا / الْوَجْه فيتبين لنا أَن الحكم قد نسخ فِي حَقه ﷺ ، وَلَكِن لَا يتَبَيَّن نسخ الحكم فِي حَقنا بِمُجَرَّد صُدُور الْفِعْل مِنْهُ حَتَّى يتَبَيَّن لنا ذَلِك بِأحد أَمريْن، إِمَّا بالْقَوْل، وَإِمَّا أَن يصدر منا مثل مَا صدر مِنْهُ فيقررنا عَلَيْهِ، فيتبين حِينَئِذٍ النّسخ فِي حَقه وَفِي حق من قَرَّرَهُ على مثل فعله.
[٩١٢] وَمن الْوُجُوه فِي الْبَيَان أَن ترد لَفْظَة عَامَّة مُتَعَلقَة فِي مقتضاها بِهِ ﷺ وَبِغَيْرِهِ، ثمَّ يبدر مِنْهُ فعل كَمَا نعتناه وَظَاهر الْعُمُوم لَا يَقْتَضِيهِ فيتبين لنا تَخْصِيص الْعُمُوم وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ .
فَهَذَا عَام فِي كل من ينْطَلق اسْم السَّارِق عَلَيْهِ، فَإِذا رَأينَا رَسُول الله ﷺ لَا يقطع فِيمَا دون الرّبع دِينَار، مَعَ صُدُور الْفِعْل عَنهُ على غير وَجه النسْيَان، فنعلم أَن ذَلِك غير دَاخل تَحت قَضِيَّة اللَّفْظ، وَإِذا رَأَيْنَاهُ لَا يقطع فِي الثَّمر والكنز فَكَذَلِك.
стр. 640
[٩١٣] وَلَو تقدم لفظ مُجمل مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ ثمَّ أَخذ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحَصاد قدرا فَلَا نعلم أَن فعله بَيَانا لقَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَإنَّا نجوز أَن يكون هَذَا الْفِعْل ثَابتا عَن قَضِيَّة أَمر آخر، ونجوز أَن يكون الْمَأْخُوذ غير الْمَنْطُوق بِهِ مُجملا فِي الْآيَة، فَلَا نقطع القَوْل بِأَن فعله بَيَان فِي هَذِه الصُّورَة حَتَّى ينبهنا عَلَيْهِ بطرِيق من طرق التَّنْبِيه، وَقد يتَصَوَّر أَن يَجْعَل فعله فِي مثل هَذِه الصُّورَة الَّتِي قدمناها بَيَانا، وَذَلِكَ نَحْو مثل أَن يفعل مَا صورناه ويخترم ﷺ ، ونعلم أَنه لَا يخترم مَعَ بَقَاء الالتباس فِي اللَّفْظَة المجملة فأظهر الْأَحْوَال كَون فعله بَيَانا، فقد أَجمعت الْأمة على حمل فعله على [الْبَيَان] فِي مثل هَذِه الصُّورَة، فتتبعنا الْإِجْمَاع وألحقنا ذَلِك بِمَا قدمْنَاهُ فِي صدر الْبَاب، وَلَوْلَا الْإِجْمَاع، فَلَو رددنا إِلَى تَحْقِيق الْبَيَان لما جَعَلْنَاهُ بَيَانا مَعَ مَا فِيهِ من الِاحْتِمَال بيد أَن الْإِجْمَاع يحسم الِاحْتِمَال.
стр. 641
[٩١٤] وَمن طرق الْبَيَان أَن بتمهد لنا فِي أصُول الشَّرِيعَة أَن يُكَرر فعلا من الْأَفْعَال فِي بعض الْعِبَادَات على قصد الشَّرْع بِمَا يبطل الْعِبَادَة، فَإِذا كرر رَسُول الله ﷺ وَقد سبق من تمهيد الأَصْل مَا أومأنا إِلَيْهِ فنعلم أَن مَا كَرَّرَه شَرط الصِّحَّة فِي تِلْكَ الْعِبَادَة، وَبَيَان ذَلِك أَنه ثَبت فِي زمن رَسُول الله ﷺ أَن من ركع فِي رَكْعَة وَاحِدَة ركوعين بطلت صلَاته، ثمَّ رَآهُ يرْكَع ركوعين فِي صَلَاة الخسوف، فَعَلمُوا من ذَلِك أَنه مَشْرُوط فِي صِحَة صَلَاة الْكُسُوف.
(١٦٤) فصل
[٩١٥] اتّفق الأصوليون على أَن رَسُول الله ﷺ إِذا قرر إنْسَانا على فعل فتقريره إِيَّاه يدل على أَنه غير مَحْظُور، وَلَو كَانَ مَحْظُورًا لأنكره، ثمَّ لَا يُمكن بعد ذَلِك قطع القَوْل بِكَوْنِهِ مُبَاحا أَو وَاجِبا أوندبا بل تَجْتَمِع فِيهِ هَذِه الِاحْتِمَالَات، وَلَا يتَبَيَّن من [ ١٠٣ / أ] التَّقْرِير الْمُطلق إِلَّا نفي الْحَظْر، ثمَّ انْتِفَاء الْحَظْر يتخصص بِمن
стр. 642
قَرَّرَهُ وَلَا نقُول أَن ذَلِك يعم فِي كَافَّة الْمُكَلّفين، فَإِن التَّقْرِير لَهُ صِيغَة تعم وتشمل جملَة الْمُكَلّفين، وَلَو كَانَ قد صدر من رَسُول الله ﷺ إِنْكَار، وتنصيص على تَحْرِيم فِي ضروب من الْفِعْل ثمَّ قرر عَلَيْهِ أحدا فتقريره ينبىء عَن نفي التَّحْرِيم وارتفاعه فِي حق من قَرَّرَهُ، وَلكنه لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره كَمَا قدمْنَاهُ إِلَّا أَن ينْعَقد الْإِجْمَاع على أَن التَّحْرِيم إِذا ارْتَفع فِي حق وَاحِد فقد ارْتَفع فِي حق الكافة بِأَن يعلم رَسُول الله ﷺ أهل الْإِجْمَاع أَن هَذَا الحكم فِي ثُبُوته ونفيه يعمكم وَلَا يتخصص بِوَاحِد منم، فَإِذا [قرر] مَعَ ذَلِك وَاحِدًا على مثل الْفِعْل الَّذِي حرمه فَيَقَع هَذَا التَّقْرِير بَيَانا فِي رفع الحكم ونسخه فِي حق الكافة.
[٩١٦] وَمن طَرِيق الْبَيَان أَن يسْأَل رَسُول الله ﷺ عَن بَيَان مُجمل، فيعقب السُّؤَال بِفعل يقْتَرن بِهِ من الْقَرَائِن مَا يضْطَر إِلَى انه ﷺ رام جَوَاب السَّائِل بِفِعْلِهِ فَهَذَا يَقع بَيَانا لَا محَالة وبتنزيل لَا محَالة فعله منزلَة القَوْل.
(١٦٥) فصل
[٩١٧] إِذا صدر عَن رَسُول الله ﷺ فعل وَاقع موقع الْبَيَان كَمَا قدمْنَاهُ فِي مَكَان أَو زمَان فَلَا يتَقَيَّد مُوجب الْبَيَان بِالْمَكَانِ وَلَا بِالزَّمَانِ عِنْد كَافَّة
стр. 643
الْمُحَقِّقين وَذهب شرذمة من المنتمين إِلَى الْأُصُول إِلَى أَن الْفِعْل الْوَاقِع موقع الْبَيَان يتخصص بِالْمَكَانِ وَلَا يتخصص بِالزَّمَانِ. وَأبْعد بَعضهم فَقَالَ: يتخصص بِالزَّمَانِ ايضا فَيُقَال لهَؤُلَاء لَا خلاف أَن القَوْل الصَّادِر عَن رَسُول الله ﷺ المتضمن تَبْيِين الحكم لَا يَقْتَضِي تَخْصِيص الِامْتِثَال بِالْمَكَانِ الَّذِي صدر القَوْل فِيهِ عَن رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا وَقع الْفِعْل موقع الْبَيَان فِي تَحْقِيق نسخ أَو تَخْصِيص، اَوْ جَوَاب سُؤال، وَهُوَ فِي الإنباء عَن الحكم نَازل منزلَة القَوْل.
[٩١٨] فَإِن قيل: الْفِعْل متخصص بِالْمَكَانِ؟
قُلْنَا: فَيلْزم مثل ذَلِك فِي القَوْل، على أَنا لَو رددنا إِلَى نفس الْفِعْل لما فهمنا مِنْهُ اقْتِضَاء حكم وَإِنَّمَا الْمُقْتَضى للْحكم وُقُوعه على وَجه الْبَيَان، وَهُوَ مِمَّا لَا ينعَت بالتخصيص بِالْمَكَانِ، وَالَّذِي يُوضح مَا قُلْنَاهُ إِنَّا نعلم اضطررا أَن من قَالَ لرَسُول الله ﷺ بَين لي التوضىء فَتَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ ، فَلَا يعقل السَّائِل أَن يُوقع الْوضُوء فِي الْمَكَان الَّذِي تَوَضَّأ فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، وَمن أنكر ذَلِك فِي التخاطب ومجاري كَلَام الْبَيَان قطع الْكَلَام عَنهُ.
[٩١٩] ثمَّ نقُول: الْأَمَاكِن والأزمان مِمَّا لَا يدْخل تَحت مقدورات الْمُكَلّفين، وَإِذا ورد فعل وَاقع موقع الْبَيَان مُطلقًا فَيحمل على اقْتِضَاء مَا
стр. 644
يدْخل تَحت الْمَقْدُور، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه ﷺ لَو فعل فعلا فِي تغيم السَّمَاء أَو إصحائها، أَو فعل وَزيد قَائِم، فَلَا يتخصص الجري على مُقْتَضى الْفِعْل بِمَا قَارن فعل رَسُول الله ﷺ من الْأَسْبَاب وفَاقا، فَإِن أَشْيَاء مِمَّا أومأنا إِلَيْهِ لَا تدخل تَحت قبيل المقدورات.
[٩٢٠] ثمَّ نقُول للقائل بتخصيص الْأَزْمِنَة هَذَا الَّذِي ذكرته تنَاقض فَإِنَّهُ لَا يتَحَقَّق العثور على الْمَقْصُود من الْفِعْل لَا بعد الْفَرَاغ مِنْهُ فقد انْقَضى وقته الْمُقَارن لَهُ / فَكيف يتَحَقَّق وُقُوع الِامْتِثَال فِي وَقت الْفِعْل، فَإِن قيل: فِي مثل [١٠٣ / ب] ذَلِك الْوَقْت، قُلْنَا: فَقولُوا يُوقع الْفِعْل فِي مثل ذَلِك الْمَكَان على أَن الْأَوْقَات كلهَا تؤول إِلَى حركات الْفلك، وَهِي مُخْتَلفَة لَا يتَحَقَّق التَّمَاثُل فِيهَا، وَإِن تحقق لَا يَتَقَرَّر التَّمَكُّن من تمكن تماثلها، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
(١٦٦) فصل
[٩٢١] اعْلَم أَنه يجب على الرَّسُول ﷺ تَبْيِين مَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الشَّرَائِع وَلَا يجوز لَهُ الْإِخْلَال بِمَا كلف من الْبَيَان، وكما يجب عَلَيْهِ تَبْيِين الْوَاجِبَات والمفترضات فَكَذَلِك يجب تَبْيِين الْمُبَاحَات والمندوبات، والمحظورات، وتمهيد السَّبِيل إِلَى دَرك أَحْكَام الوقائع الَّتِي لَا تنضبط بِنصب الأمارات، والتفسح للمكلفين فِي طرق الِاعْتِبَار.
[٩٢٢] وَقد نقل بعض الْمُتَكَلِّمين أَنه قَالَ: مَا كَانَ وَاجِبا وَجب على الرَّسُول ﷺ بَيَانه، وَمَا كَانَ مَنْدُوبًا كَانَ بَيَانه فِي حق الرَّسُول ﷺ مَنْدُوبًا، وَمَا كَانَ مُبَاحا كَانَ بَيَانه مُبَاحا.
стр. 645
وَهَذَا مَذْهَب أطلق حكايته، وَلم ينْسب إِلَى أحد من أهل الْمذَاهب، وَهُوَ تَصْرِيح بخرق الْإِجْمَاع من وَجْهَيْن اثْنَيْنِ، أَحدهمَا أَن الْأمة أَجمعت أَنه وَجب على الرَّسُول ﷺ تَبْيِين أَحْكَام الشَّرِيعَة، ثمَّ أَجمعُوا على أَن الشَّرِيعَة لَا تَنْحَصِر فِي الْوَاجِبَات وَلَكِن مِنْهَا: الْإِبَاحَة، وَمِنْهَا النّدب، فَإِن زعمتم أَن الْوَاجِب تَبْيِين الْوَاجِبَات فقد خرقتم الْإِجْمَاع.
وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يُقَوي ذَلِك أَن الْمُكَلّفين لَو لم ينبهوا على مَا يحل لَهُم من مكاسبهم ومطالبهم مَا يتعيشون بِهِ أفْضى ذَلِك إِلَى انْقِطَاع الخليقة عَن أَسبَاب المعاش، فقد أجمع الْمُسلمُونَ فِي الْعَصْر الخالية على وجوب الْإِرْشَاد على الرَّسُول ﷺ فِي مثل هَذِه الْحَالة.
[٩٢٣] فَإِن قيل: فَإِذا بَين الْمَحْظُورَات فقد تبين أَن مَا عد هَذَا مُبَاح؟
قُلْنَا: فقد صرحتم أَن تَبْيِين الْمُبَاح حتم من الْوَجْه الَّذِي ذكرتموه، وَبَطل قَوْلكُم أَن تَبْيِين الْمُبَاح مُبَاح، على أَن فِيمَا عدا الْمَحْظُورَات فَردا ينْدب الْمُكَلّفين إِلَيْهَا وَلَا تتصف بِالْإِبَاحَةِ فَلَا يَصح إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَا عدا الْمَحْظُورَات مُبَاح، فَبَطل ذَلِك جملَة وتفصيلا.
[٩٢٤] فَإِن قيل: فَإِذا أوجبتم على الرَّسُول ﷺ بَيَان النَّوَافِل وَالسّنَن فَلَو بَينهَا بِفِعْلِهِ وَجب أَن تحكموا بِأَن فعله يَقع وَاجِبا.
قُلْنَا: هَذَا مقصودنا بِعقد هَذَا الْفَصْل وَهُوَ مَا نقُول بِهِ مَعَ كَافَّة الْمُحَقِّقين. فَيجب عَلَيْهِ الْبَيَان باحد وَجْهَيْن، إِمَّا بالْقَوْل، وَإِمَّا بِالْفِعْلِ، فَإِذا آثر التَّبْيِين بِالْفِعْلِ وَقع الْفِعْل بَيَانا وَاجِبا وَإِن كَانَ لَوْلَا قصد الْبَيَان لَكَانَ
стр. 646
ذَلِك الْفِعْل تَطَوّعا فِي حَقه وَهَذَا كَمَا أَن من لَزِمته كَفَّارَة الْيَمين يتَخَيَّر من خلال ثلَاثه، ثمَّ مَا يصدر عَنهُ مِنْهَا على قصد التَّكْفِير يَقع وَاجِبا، فأحط علما بذلك.
(١٦٧) القَوْل فِي تعَارض الْأَفْعَال بَعْضهَا مَعَ بعض، وتعارض الْأَفْعَال مَعَ الْأَقْوَال
[٩٢٥] اعْلَم، وفقك الله، أَن التَّعَارُض بَين القوليين إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا تنافت مقتضياتهما فِي كل الْوُجُوه، بِأَن يتعلقا بحكمين متنافيين فِي شخص وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة على وَجه يَسْتَحِيل فِي الْمَعْقُول تَقْدِير ثبوتهما جمعا وَلَا يتَحَقَّق التَّعَارُض فِي خبرين مُتَعَلقين بحكمين فِي شَخْصَيْنِ، أَو شخص وَاحِد / فِي وَقْتَيْنِ وحالين. [١٠٤ / أ]
[٩٢٦] فَإِن قيل: ألستم قُلْتُمْ فِي تعَارض العمومين إنَّهُمَا إِذا تقابلا وَأمكن حملهما على وَجه يجمع فِيهِ بَينهمَا فهما متعارضين.
قُلْنَا: إِنَّمَا ذَلِك لِأَن الْوَجْه الَّذِي نقدره لَيْسَ بِأولى من وَجه يُقَابله وَلم يدل على ذَلِك الْوَجْه دَلِيل يرشدنا إِلَيْهِ، فتوقفنا على قَضِيَّة الدَّلِيل، وَلَيْسَ هَذَا من التَّعَارُض الْحَقِيقِيّ فاعلمه، وَلكنه يجوز تَقْدِير التَّعَارُض فِيهِ وَيجوز تَقْدِير حملهَا على وَجه يستعملان فِيهِ غير أَنا لم نجد معتصما فِي ذَلِك توقفنا على تتبع الْأَدِلَّة، فَهَذَا إِذا توقف منان وَلَيْسَ يقطع على التَّعَارُض الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا التَّعَارُض الْحَقِيقِيّ الَّذِي يقطع بِهِ فِي لفظين نصين فِي حكمين متنافيين على وَجه يَسْتَحِيل الْجمع بَينهمَا.
стр. 647
[٩٢٧] ثمَّ اعْلَم أَنا لَا نجوز وُرُود مثل ذَلِك فِي الشَّرْع من غير تَقْدِيم وَتَأْخِير، وناسخ ومنسوخ، فَإِن تَجْوِيز ذَلِك إفصاح بتجويز تَكْلِيف الْمحَال، وَنحن نعتد هَذِه الْأَبْوَاب على منع ذَلِك، فَإِذا اتَّصَلت بِنَا كَمَا نعتناها فَعلم أَن أَحدهمَا نَاسخ وَالثَّانِي مَنْسُوخ، وَإِن نقل آحادا فنعلم إِمَّا النّسخ، وَإِمَّا وُقُوع الْغَلَط فِي أَحدهمَا وَلَا يتَعَيَّن الْعلم بِوَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِدلَالَة عَلَيْهِ.
[٩٢٨] فَإذْ عرفت ذَلِك رَجعْنَا إِلَى مقصودنا فِي الْأَفْعَال، فَأَما الْأَفْعَال الْمُطلقَة الَّتِي لم تقع موقع الْبَيَان من الرَّسُول ﷺ وَهِي الَّتِي نتوقف فِيهَا فَلَا يتَحَقَّق فِيهَا تعَارض، وَلِأَن الْأَفْعَال لَا صِيغ لَهَا، فَلَا يتَصَوَّر تعَارض الذوات، وَالْأَفْعَال المتغايرة الْوَاقِعَة فِي الْأَوْقَات وَلم تقع موقع الْبَيَان، فَيَنْصَرِف التَّعَارُض إِلَى مُوجبَات الْأَحْكَام، وَأما الْأَفْعَال الْوَاقِعَة موقع
стр. 648
الْبَيَان فَإِذا اخْتلف وَاقْتضى كل فعل بَيَان حكم يُخَالف مَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْل الآخر، وتنافيا على الْوَجْه الَّذِي صورناه فِي الْقَوْلَيْنِ [فالتعارض] فِي مُوجب الْفِعْلَيْنِ كالتعارض فِي مُقْتَضى [الْقَوْلَيْنِ] وَلَا يرجع التَّعَارُض إِلَى ذاتي الْفِعْلَيْنِ، بل يرجع إِلَى المتلقى من الْبَيَان المنوط بهما، وَكَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق التَّعَارُض فِي نَفسِي الْقَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق التَّعَارُض فِي الحكم الْمُسْتَفَاد من ظاهرهما، فَاعْلَم ذَلِك فِي تعَارض الْفِعْلَيْنِ.
стр. 649
[٩٢٩] فَأَما تعَارض الْفِعْل وَالْقَوْل فَمَا صَار إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن تعَارض الْفِعْل الْوَاقِع موقع الْبَيَان وَالْقَوْل ينزل منزلَة تعَارض الْقَوْلَيْنِ.
وَذهب بعض أهل الْأُصُول إِلَى ان القَوْل وَالْفِعْل إِذا اجْتمعَا فِي قضيتين متنافيتين فيعتصم بالْقَوْل دون الْفِعْل وَاعْتَلُّوا لذَلِك
стр. 650
جشمة مِنْهَا أَنهم قَالُوا لَو أَخذنَا بِفِعْلِهِ كَانَ ذَلِك إِسْقَاطًا منا لقَوْله، وَلَو تمسكنا بقوله فيتخصص الْفِعْل بِهِ ﷺ فَلَا يكون ذَلِك إِسْقَاطًا للْفِعْل والتمسك بِمَا لَا يتَضَمَّن إسقاطهما وَلَا إِسْقَاط وَاحِد مِنْهُمَا أصلا اأولى من التَّمَسُّك بِمَا يُوجب إِسْقَاط أَحدهمَا من كل وَجه.
قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل فَإِن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي فعل وَاقع موقع الْبَيَان كَمَا أَن القَوْل وَاقع موقع الْبَيَان فَإِذا خصصتم الْفِعْل بِهِ فقد أسقطتم اقْتِضَاء بَيَانه ونزلتموه منزلَة الْفِعْل الْمُطلق، وَإِنَّمَا كلامنا فِي الَّذِي يَقع مُبينًا، فَتبين أَن استرواحهم إِلَى مَا لَا تَحْقِيق لَهُ.
[٩٣٠] فَإِن قَالُوا: القَوْل أولى من الْفِعْل لِأَنَّهُ بَيَانا لنَفسِهِ /
стр. 651
وموضوعه، وَالْفِعْل إِنَّمَا يصير بَيَانا بالْقَوْل أَو بِسَبَب واقتضاء حَال، وَالَّذِي هُوَ بَيَان لنَفسِهِ أولى.
قُلْنَا: هَذَا سَاقِط من الْكَلَام فَإِن الْفِعْل وَإِن كَانَ إِنَّمَا يصير بَيَانا بِغَيْرِهِ فَإِذا صَار بَيَانا بِمَا يَقْتَضِي لَهُ ذَلِك، ينزل فِي الإنباء عَن الْبَيَان منزلَة م ابين بِنَفسِهِ، وَلم يبْق بَينهمَا تزايد فِي هَذِه الرُّتْبَة، وَهَذَا مِمَّا لَا يستريب فِيهِ مُحَقّق، ثمَّ نقُول رب لفظ لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ حَتَّى تقترن بِهِ قَرَائِن دَالَّة فَهَلا قُلْتُمْ إِن القَوْل الَّذِي هُوَ وَصفه لَا يعتصم بِهِ إِذا عَارضه فعل، وَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا التَّفْصِيل، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٩٣١] وَلَا يتمسكون بِشُبْهَة إِلَّا وَهِي تداني مَا أومينا إِلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ إِيضَاح طَرِيق الدَّلِيل فِي الرَّد عَلَيْهِم، إِنَّا نقُول: إِذا وَقع الْفِعْل موقع الْبَيَان فيستقل بِنَفسِهِ وَلَو قدر مُفردا كالقول، فَإِذا اجْتمعَا وَلَا ترجح لأَحَدهمَا على الثَّانِي فِي حكم الْبَيَان الَّذِي فِيهِ التَّعَارُض فَلَا وَجه للتحكم بالتمسك بِأَحَدِهِمَا وَترك الآخر
стр. 652
(١٦٨) بَاب الْكَلَام فِي أَن رَسُول الله ﷺ هَل كَانَ متعبدا بشريعة من قبله من الْأَنْبِيَاء قبل مبعثه؟ وَهل كَانَ متعبدا بشرائعهم بعد المبعث ؟
[٩٣٢] اعْلَم، أسعدك الله، أَن الْبَاب يشْتَمل على طرفين، أحدهم: الْكَلَام فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ قبل أَن يبْعَث وَالثَّانِي: الْكَلَام فِي أَنه بعد مَا ابتعثه الله هَل كَانَ متعبدا بشرائع الْأَنْبِيَاء الَّذين درجوا قبله.
[٩٣٣] فَأَما الْكَلَام فِي الْفَصْل الأول فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه كَانَ على مِلَّة إِبْرَاهِيم ﷺ ، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه
стр. 653
كَانَ على مِلَّة مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِمَا، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه على آخر الْملَل فِي زَمَنه وَهِي مِلَّة عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِمَا أَجْمَعِينَ.
وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى التَّوَقُّف، ثمَّ الواقفية انقسموا فَمنهمْ من قَالَ: يعلم أَنه كَانَ متعبداً وَيجوز أَنه لم يكن قبل المبعث متعبدا بِشَيْء قطعا من الشَّرَائِع قبل المبعث.
стр. 654
[٩٣٤] قَالَ القَاضِي ﵁: وَمَا صَار إِلَيْهِ جَمَاهِير الْمُتَكَلِّمين أَنه لم يكن قبل المبعث متعبدا بِشَيْء قطعا، ثمَّ انقسموا فِي ذَلِك فَذهب طوائف الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنا نستدرك ذَلِك عقلا ونحيل تعبده قبل الشَّرْع.
وَذهب عصبَة أهل الْحق إِلَى أَنه لَو تعبد قبل المبعث [لجَاز] بيد أَنه لم ينْعَقد وَثَبت عَنهُ ذَلِك سمعا، وَهَذَا مَا نرتضيه وننصره.
[٩٣٥] شُبْهَة الْمُخَالفين: فمما استدلوا بِهِ أَن قَالُوا كَانَت دَعْوَة عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ عَامَّة مُخْتَصَّة بِزَمَان دون زمَان، وكل شَرِيعَة ثبتَتْ كَذَلِك متعبد بِهِ إِلَى زمَان والأشخاص،، وَلَا يسوغ ادِّعَاء رفضها عَن شخص بِعَيْنِه قبل ثُبُوت نَاسخ الشَّرْع الْمُتَقَدّم وَلم يكن ثَبت قبل مبعث رَسُول الله ﷺ نَاسِخا لملة عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ، فَيجب دُخُوله ﷺ قبل الابتعاث فِي الدعْوَة الْعَامَّة وَهَذَا أقوى شبه الْمُخَالفين
стр. 655
[١٠٥ / أ] قُلْنَا: لقد عظمتم الظينة وأطنبتم فِيمَا قُلْتُمْ / وَمَا نطقتم إِلَّا بِمَا تنازعون فِيهِ، فَمن أَيْن لكم أَن دَعْوَة عِيسَى كَانَت عَامَّة؟ وَبِمَ تنكرون على من يَقُول أَن دَعوته كَانَت متخصصة بدهور مضبوطة؟ وَمَا الَّذِي أطْلعكُم على مَا قلتموه؟
فَإِن قيل: ظواهر الشَّرَائِع الْعُمُوم، قُلْنَا: فَبِمَ تنكرون على من يَقُول لَا بل ظواهرها الِاخْتِصَاص بالمخاطبين المعاصرين للرسل، وَإِنَّمَا نعدى عَنْهُم بِالدَّلِيلِ فتقابل الدعوتان، وَلزِمَ التَّوَقُّف إِلَى مورد الْبَيَان.
[٩٣٦] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لم يثبت عندنَا أَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيع ولد آدم صلوَات الله عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا ثَبت الْبعْثَة إِلَى الثقلَيْن فِي حق رَسُول الله ﷺ ثمَّ نقُول نَحن
стр. 656
نجوز أَن تندرس فِي سُقُوط تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَهَكَذَا كَانَ الدّين فِي وَقت رَسُول الله ﷺ إِذْ كَانَت الْأَدْيَان مبدلة، والكتب مُغيرَة، وَلم يبْق من يوثق بهم، حَتَّى قَالَ أهل التواريخ: لم يبْق من يقوم بِالتَّوْرَاةِ بعد عُزَيْر، وَلم يبْق من يقوم بالإنجيل بعد مرخيا.
فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الشَّرِيعَة مُرْتَفعَة فِي زمن الفترة لانحسام أَبْوَاب التَّوَصُّل إِلَى دركها، و: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ .
[٩٣٧] فَإِن قيل: افتجوزون مثل ذَلِك فِي شَرِيعَة النَّبِي ﷺ ؟
قيل: لَا نجوز ذَلِك لإِجْمَاع الْأمة على بَقَاء الدّين إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور، وَلَوْلَا الْإِجْمَاع لجوزناه، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٩٣٨] وَمن عمدهم أَن قَالُوا: كَانَ النَّبِي ﷺ قبل المبعث محافظا على الْعِبَادَات، متسرعا إِلَى القربات، فَكَانَ يحجّ مَعَ الحجيج ويحضر المشاعر والمشاهد ويتجنب الْمُحرمَات ويستبيح من المحللات مَا لم يدْرك حلّه إِلَّا بِالشَّرْعِ كذبح الْبَهَائِم وإتعابها بالركوب ونحوهان وكل مَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة قَاطِعَة على أَنه ﷺ كَانَ يعبد الله على بعض الْأَدْيَان والشرائع.
стр. 657
قُلْنَا: حمله على مَا أوميتم إِلَيْهِ آحَاد لَا يثبت بِمِثْلِهَا الْقطع، وَنحن فِي مَسْأَلَة قَطْعِيَّة على أَن مَا استروحتم إِلَيْهِ من ذبح الْبَهَائِم وَنَحْوهَا فلسنا نسلم أَنَّهَا محظورة عقلا، وَإِنَّمَا بنيتم مَا قلتموه تَقْديرا مِنْكُم أَنَّهَا على الْحَظْر إِلَى أَن تُبَاح بِدلَالَة الشَّرْع، وَأما مَا نقلتموه من حجَّة فَلَيْسَ فِيهِ معتصم إِن صَحَّ، فَإِن الَّذين كَانُوا لَا يَقُولُونَ بِشَيْء من الْملَل، وَلَا يعتصمون بشريعة من الْأَنْبِيَاء من الْعَرَب العاربة مازالوا يتيممون ويتبركون بِالْبَيْتِ الْمحرم لَا عَن مِلَّة اتبعوها وَلَكِن توارثوها صاغرا عَن كَابر، وَهَذَا مَالا سَبِيل إِلَى جَحده فِي درب الْعَرَب.
[٩٣٩] وكل مَا ذَكرْنَاهُ نقدمه لحد النّظر، وَأَن كل مَا قَالُوهُ يَنْقَسِم إِلَى مَالا يَصح وَإِلَى مَا نقل آحادا، وَلَا يسوغ التشبث بِمثلِهِ فِي العقليات.
[٩٤٠] فَإِن قَالُوا: مَا زَالَ واصلا للرحم فِي الْكَلم، متجنبا عَن الْكَبَائِر واللمم، وكل ذَلِك من مخاديل اتِّبَاع شرائع الْأُمَم.
قُلْنَا: هَذَا تحكم مِنْكُم وتوصيل إِلَى مَا يطْلب فِيهِ الْقطع بالمخيل والحسبان فَأَما صلَة الرَّحِم فالطبائع مجبولة عَلَيْهَا. ومنكرو الصَّانِع يغلب ذَلِك فيهم، وَأما توقي الْفَوَاحِش فَلَا يدل على اتِّبَاع الْملَل أَيْضا، فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا.
[٩٤١] وَالدَّلِيل / على مَا ارتضيناه أَن نقُول: قد ثَبت أَنه ﷺ كَانَ يخالط أَصْحَابه ويمازح عثرته وَلم يُؤثر عَنهُ الانتماء إِلَى مَذْهَب والاعتزاء إِلَى مطلبه فِي الشَّرَائِع، وَمثله مِمَّن لَا يخفى فِي الْعَاد ة ذَلِك مِنْهُ مَعَ ظُهُور شَأْنه، ووضوح أمره، وَلَا يبديها، وَلَا يسايل عَنْهَا، وَلما ابتعثه الله لم يُؤثر
стр. 658
عَنهُ ﷺ مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل التنبي، وَكَانَ ينبىء عَن أنبائه قبل الْبعْثَة وَصمت على مِلَّة كَانَ يتبعهَا، وَشَرِيعَة كَانَ يعتقدها، وَكَانَ لَا يسوغ الكتمان، وَيعلم فِي مجاري الْعَادَات أَن مثل ذَلِك لَا يسوغ تَقْدِير خفائه، وَلَو كَانَ مَعَ اسْتِمْرَار الْعَادة وَعدم انخراقها، وجاحد ذَلِك ينزل منزلَة جَاحد لسبيل الضروريات، ومصدق الْمخبر عَن تصور التُّجَّار وغيض الْأَنْهَار، وتقلب الحجار عَن صفاتها إِلَى نعوت التبر والجواهر.
[٩٤٢] وَالَّذِي يعتضد الدّلَالَة بِهِ أَن الشَّرَائِع لَا تثبت عقلا، وَإِنَّمَا تثبت سمعا فَلَا سَبِيل إِلَى تثبيت شرع فِي حَقه عقلا، وَلَو ثَبت سمعا لنقل فِي اطراد الْعَادة، وَلَا يعقل فِي مجاري الْعَادَات انْقِرَاض الدهور والأعصار على مثله وَهُوَ يعْتَقد مِلَّة من الْملَل.
[٩٤٣] فَأَما من زعم أَنه لَا يسوغ أَن يكون متعبدا بِملَّة من الْملَل قبل المبعث عقلا فقد استروح إِلَى مَا لَا طائل تَحْتَهُ، فَقَالَ: لَو قدر ذَلِك لأفضى إِلَى التنفير عَنهُ والحط من قدره وانطلاق أَلْسِنَة العندة من ذَوي الْملَل فِيهِ، فَلَو كَانَ على دين مُوسَى لقالت الْيَهُود: كَانَ مُتَابعًا لنا، فِي هذيان طَوِيل، وَهَذَا واه لَا تَحْقِيق وَرَاءه فَإنَّا لَا نستبعد أَن تثبت فِي زمن النُّبُوَّة صِفَات يناط بهَا نفور الجاحدين، وَإِنَّمَا بدر هَذَا الْكَلَام بِنَاء على الصّلاح والأصلح، وسنستقصي الْكَلَام فِيهِ فِي الديانَات إِن شَاءَ الله فَهَذَا هوالكلام فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ قبل المبعث.
стр. 659
[٩٤٤] فَأَما الْكَلَام فِيمَا كَانَ بعد المبعث فَاعْلَم أَن أحدا لَا يستبعد أَن يثبت فِي حَقه ﷺ وَحقّ مبتعثه مثل الْأَحْكَام الثَّابِتَة فِي الْملَل السَّابِقَة بأوامر تتجدد عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَلَا يستبعد فِي الْعقل أَن يجب على الرَّسُول ﷺ اتِّبَاع الْملَل فِي بعض الْأَحْكَام عقلا، وَقد استبعد ذَلِك بعد المبعث من استبعده قبله، وَبينا أَن بِنَاء هَذَا الْكَلَام على اصل فَاسد فِي التَّعْدِيل والتجوير فَإِذا أحطت علما بِجَوَاز ذَلِك عقلا عرفت جَوَاز ثُبُوت مثل تِلْكَ الْأَحْكَام عقلا وسمعا.
[٩٤٥] فَلَو قَالَ: قَائِل فَإِذا جوزتم إِيجَاب الِاتِّبَاع عَلَيْهِ فَمَا قَضِيَّة الشَّرْع فخبرونا عَنْهَا، قُلْنَا: هَذَا موقع الْخلاف، فَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى انه مُخَاطب مَعَ أمته بِاتِّبَاع الشَّرَائِع السَّابِقَة، وَزَعَمُوا أَن كل مَا نسخ مِنْهَا فقد
стр. 660
ارتفض الحكم فِيهِ وَمَا لم يثبت فِيهِ نسخ فَعَلَيهِ وعَلى أمته الِاتِّبَاع فِيهِ.
[٩٤٦] وَأما الَّذِي نرتضيه أَنه مَا أوجب على رَسُول الله ﷺ ابْتَاعَ الْأَوَّلين وَإِنَّمَا أوجب عَلَيْهِ مَا أوجب بأوامر متجددة ثمَّ مِمَّا أوجب عَلَيْهِ مَا وَقع مماثلا لأحكام الشَّرَائِع السَّابِقَة، وَمِنْهَا مَا وَقع مُخَالفا لَهَا.
[٩٤٧] وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى التَّوَقُّف.
стр. 661
[٩٤٨] فاستدل من صَار إِلَى انه مَأْمُور بِاتِّبَاع السالفين بآي من [١٠٦ / أ] كتاب الله تَعَالَى مِنْهَا / قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿شرع لكم من الدّين مَا وَحَتَّى بِهِ نوحًا﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النبنوت﴾ وَهُوَ ﷺ من زمرتهم، فَدلَّ ظَاهر الْآيَة على حكمه بِالتَّوْرَاةِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه﴾
وَمِمَّا استروحوا إِلَيْهِ قَوْله: ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ الْآيَة، قَالُوا: حكم ﷺ بمضمون الْآيَة، وَإِن لم تكن مصرحة بتخصيص ذَلِك
стр. 662
الحكم بشريعة بل هِيَ مَبْنِيَّة عَن أَحْكَام الْكتب السَّابِقَة، وَمِمَّا استدلوا بِهِ قصَّة الْيَهُودِيين الَّذين رجمهما رَسُول الله ﷺ ، وراجع فِي أَمرهمَا التَّوْرَاة.
وَمِمَّا يستدلون بِهِ أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿فبهداهم اقتده﴾
فَنَقُول: لَا معتصم لكم فِي شَيْء مِمَّا ذكرتموه أما قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن ابتع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾
فَهَذَا حد الْأَدِلَّة عَلَيْكُم، فَإِنَّهُ جدد عَلَيْهِ الْأَمر، وَنحن لَا نستبعد أَن يثبت فِي حَقه بِأَمْر مُجَدد مثل مَا ثَبت فِي حق من تقدمه.
[٩٤٩] فَإِن قيل: فَلم سَمَّاهُ اتبَاعا؟
قُلْنَا: لم نأمل الفعلان وتشاكلا أَتْبَاعه بالاتباع وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان يتبع فلَانا فِي سجيته، وَالْمرَاد بِهِ أَنه يفعل مثل فعله، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنه
стр. 663
لم ينْقل عَنهُ ﷺ أَنه كَانَ يتبع شرائع إِبْرَاهِيم، ويتحسس عَن أَحْكَامه وموجبات مِلَّته، وَلَو كَانَ الْمُضِيّ بالاتباع فِي الْآيَة مَا قلتموه لبذل كنه مجهوده فِي العثور على مِلَّة جده صلوَات الله عَلَيْهِمَا.
ثمَّ نقُول: إِنَّمَا الْمُضِيّ بالاتباع مَا صَار إِلَيْهِ اهل التَّفْسِير وأئمة التَّأْوِيل، وَهُوَ تجنب الْإِشْرَاك وإيثار التَّوْحِيد وَهُوَ الْمُضِيّ بقوله تَعَالَى: ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا سفه تنفسه﴾ .
[٩٥٠] فَإِن قَالُوا: الستم تَقولُونَ أَن معرفَة الرب جلت قدرته لَا تجب عقلا؟ وَإِنَّمَا تجب سمعا؟ فَإِذا ثَبت وجوب الِاتِّبَاع فِي معرفَة الله تَعَالَى فَهُوَ الْمَقْصد.
قُلْنَا: مَا أوجب الله تَعَالَى على نبيه التَّوْحِيد إِلَّا ابْتِدَاء، ثمَّ نبه على أَنه كلفه مثل مَا كلف من قبله وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي الِاتِّبَاع، وبقريب من ذَلِك نتكلم عَن قَوْله: ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾
стр. 664
[٩٥١] وَأقوى مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي إبِْطَال استدلالاتهم أَنه ﷺ مَا بحث عَن دين نوح قطّ، وَلَو كَانَ مَأْمُورا بأتباع شَرِيعَته لبحث عنهاه ثمَّ الْمَعْنى بِالْوَصِيَّةِ النَّهْي عَن الْإِشْرَاك كَمَا قدمْنَاهُ.
[٩٥٢] وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ ، فَالْمُرَاد بِهِ افْعَل مثل فعلهم واعتقد فِي التَّوْحِيد مثل مَا اعتقدوه، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هِيَ أَنه جمع الْأَنْبِيَاء فِي هَذِه الْجُمْلَة، وَنحن نعلم جَمِيعًا أَنهم لَا يَجْتَمعُونَ فِي قَضِيَّة الشَّرِيعَة، وَالَّذِي اجْتَمعُوا عَلَيْهِ هُوَ التَّوْحِيد وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى.
[٩٥٣] فَإِن قيل: فلئن استقام لكم ذَلِك فِي هَذِه الْآيَة الَّتِي صيغتها تَعْمِيم فِي أَحْوَال الْأَنْبِيَاء، فَلَا يَسْتَقِيم فِي الْآيَة المنطوية على
стр. 665
تَخْصِيص إِبْرَاهِيم بالاتباع وَنحن نعلم أَن التَّوْحِيد لَا يتخصص بِهِ، فَتعين حمل هَذِه الْآيَة على الشَّرِيعَة الَّتِي اخْتصّت بإبراهيم صلوَات الله عَلَيْهِ.
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنه كَمَا خصص إِبْرَاهِيم فَكَذَلِك خصص نوحًا وَنحن نعلم [١٠٦ / ب] اخْتِلَاف ملتيهما، واستحالة الْجمع بَينهمَا جملَة، فَدلَّ ذَلِك على أَنه لم / يرد اتِّبَاع الشَّرِيعَة على أَنه إِنَّمَا يخصص من خصص بِالذكر تكريما لَهُ وتعظيما وتشريفا، وَهَذَا كَقَوْلِه : ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثقهم ومنك وَمن نوح﴾ مَعَ اندارجهما فِي اسْم النَّبِيين، ونظائر ذَلِك يكثر فِي الْكتاب الْعَزِيز.
[٩٥٤] وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿يحكم بهَا النَّبِيُّونَ﴾ ، فَلم يستتب الِاسْتِدْلَال بهَا إِلَّا مَعَ تَسْلِيم القَوْل بِالْعُمُومِ، وَإِذا نازعناهم فِي ذَلِك سقط استدلالهم على أَنه بصدد التَّخْصِيص بالأدلة القاطعة.
[٩٥٥] وَأما قَوْلهم: أَن الْقصاص فِي الْأَطْرَاف مَنْصُوص فِي قَوْله:
стр. 666
﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا﴾ ، وَهُوَ إِخْبَار عَن كتب الْأَوَّلين، قُلْنَا: فِي الْقرَان ظواهر دَالَّة على ثُبُوت الْقصاص على الْجُمْلَة.
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الْقصاص﴾
وَقَوله: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وجزؤا سَيِّئَة سَيِّئَة﴾ .
فَلَعَلَّهُ ﷺ قَالَ مَا قَالَ عَن بعض هَذِه الظَّوَاهِر، أَو دلَالَة تثبت لَدَيْهِ من اجْتِهَاد أَو وَحي خصص بِهِ وإلهام، وطرق مدارك الْحُكَّام شَتَّى.
[٩٥٦] وَأما قصَّة الْيَهُودِيين فَمَا رجم رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِدِينِهِ، وَأما بَحثه عَن التَّوْرَاة فَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْيَهُود زعمت أَن التَّوْرَاة لَيْسَ فِيهَا رجم، وَلذَلِك فضحهم رَسُول الله ﷺ ليتبين لضعفاءهم تلبيس أَحْبَارهم عَلَيْهِم فِي تَغْيِير لقب رَسُول الله ﷺ ، فَهَذَا وَجه الِانْفِصَال عَمَّا استروحوا إِلَيْهِ.
[٩٥٧] وَالدَّلِيل على صِحَة مَا صرنا إِلَيْهِ أَن نقُول: إِجْمَاع الْمُسلمين حجَّة قَاطِعَة وسنثبته على منكريه، وَقد تتبعنا الْأَعْصَار فَلم نجد أهل الْعَصْر الأول يراجعون أَحْكَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى وقضايا التَّوْرَاة، وَكَذَلِكَ لم نجد التَّابِعين، وتابعي التَّابِعين يفزعون فِي المعضلات وَلَا المشكدات إِلَى التَّوْرَاة وَغَيرهَا من الْكتب مَعَ تقَابل الأمارات، وَثُبُوت الْإِشْكَال، حَتَّى كَانُوا يجتزون بِقِيَاس الشّبَه وطرق التَّرْجِيح والتلويح، فَلَو كُنَّا مخاطبين بشرائع من قبلنَا
стр. 667
لبحث الْعلمَاء عَنْهَا كَمَا بحثوا عَن سَائِر مصَادر الشَّرِيعَة ومواردها.
[٩٥٨] فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا لم يبحثوا عَن الْكتب السالفة لِأَنَّهُ لم يكن إِلَيْهَا سَبِيل مُسْتَقِيم فَإِنَّهَا كَانَت مبدلة مُغيرَة، وَلم يبْق من نقلتها من يوثق بهم.
قيل: الْجمع بَين هَذَا السُّؤَال وَبَين الْمصير إِلَى الْأَخْذ بشرع من قبلنَا تَصْرِيح بالتناقض فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يُكَلف شرعا ويحسم السَّبِيل إِلَى إِدْرَاكه، فَإِن ذَلِك يلْتَحق بتكليف الْمحَال.
[٩٥٩] فَإِن قيل: مَا كلفنا من شرع من قبلنَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُوحى إِلَى رَسُول الله ﷺ ، ويتبين لَهُ مَضْمُون الْكتب السالفة، وَلم يبْق لنا مرجع إِلَى الْكتب بعد أَن اسْتَأْثر الله بِرَسُولِهِ ﷺ ، وَانْقِطَاع طرق الْإِعْلَام بِالْوَحْي والإلهام.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه إِحَالَة جَهَالَة على جَهَالَة، وَذَلِكَ أَنه ﷺ مَا أسْند حكما من الْأَحْكَام إِلَى الشَّرَائِع السالفة، على أَنه ﷺ كَانَ يعتصم عَن الكتمان وخائنة الْأَعْين، فَلَو كَانَ مَا قَالُوهُ سديدا لأشبه أَن يعلمنَا رَسُول الله ﷺ أَنه أوجب عَلَيْهِ اتِّبَاع الْكتب والشرائع السالفة، فَلَمَّا نقل الْأَوَامِر [١٠٧ / أ] الْمُجَرَّدَة وَلم يسندها إِلَى سَائِر الْملَل ثَبت أَن الشَّرِيعَة تقررت بتجدد اتِّصَال الْأَوَامِر بالمكلفين على أَنا نقُول للخصوم وَقد سلمتم مُعظم الْمَسْأَلَة لما قُلْتُمْ إننا لَا نكلف إِلَّا التَّوَصُّل إِلَى حكم من قبلنَا، وَمَا نقل عَنهُ ﷺ من الْأَحْكَام غير مُسندَة إِلَى الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة، فَلَا نقُول من أَحْكَام الْأَوَائِل مَا نقلت فِي حَادِثَة بأننا مخاطبون فِيهَا بشرع من قبلنَا، ثمَّ نقُول من أَحْكَام الْأَوَائِل مَا نقلت إِلَيْنَا تواترا نقلا يَقع بِهِ الْعلم، فَهَلا أَخذ أهل الْأَعْصَار بِهِ؟ أَو نقُول من أهل
стр. 668
الْكتاب من أسلم وَحسن إِسْلَامه وَبلغ من الْأَمَانَة والثقة أَعلَى الرُّتْبَة كَعبد الله بن سَلام وَكَعب وَغَيرهمَا، فَهَلا رَجَعَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى قَوْلهمَا فِي الْأَخْبَار عَن التَّوْرَاة؟
فَإِن قيل: لِأَنَّهَا كَانَت مُغيرَة.
قُلْنَا: فَهَلا وثقوا بقوله فِي نقل مَا لَيْسَ بمبدل؟
ثمَّ الْأَخْبَار تَنْقَسِم إِلَى الصَّحِيح والسقيم، وَلَا يُوجب انقسامها رد أَخْبَار الثِّقَات، وَإِن كُنَّا نعلم أَن مَا يقدر من التَّدْلِيس، والتلبيس، وضروب التحريف، وضروب الْمُتُون بَعْضهَا بِبَعْض، وَوضع الْأَخْبَار على رَسُول الله ﷺ أَكثر من التحريف فِي الْكتب، ثمَّ لم يُوجب رد أَخْبَار الثِّقَات، وَإِن كُنَّا نعلم، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٩٦٠] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَن يبْنى هَذَا الطّرف على الطّرف الأول وَهُوَ أَنه ﷺ لم يكن متعبدا بشرائع من قبله قبل المبعث، ثمَّ إِذا ثَبت ذَلِك فيترتب عَلَيْهِ لَا محَالة أَن الْأَحْكَام لم تثبت بعد المبعث إِلَّا باتصال الْأَوَامِر على التَّجْدِيد.
стр. 669
[٩٦١] وَقد أَوْمَأ الْعلمَاء إِلَى طرق فِي الِاسْتِدْلَال لَا تقوى، وَنحن نؤمي إِلَيْهَا. مِنْهَا: التَّمَسُّك بِمَا رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ لِمعَاذ: بِمَ تحكم يَا معَاذ؟ فَقَالَ: بِكِتَاب الله، ثمَّ قَالَ: فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فبسنة رَسُول الله ﷺ ، فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: أجتهد رَأْيِي، فصوبه رَسُول الله ﷺ وَأثْنى عَلَيْهِ خيرا، وَلم يذكر معَاذ فِي ذكر كتب الْأَوَّلين، وَهَذَا من أَخْبَار الْآحَاد وَفِي التَّمَسُّك بِهِ نظر.
[٩٦٢] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَن قَالُوا: اتّفق الْأمة على أَن جملَة الْأَحْكَام الثَّابِتَة بعد مبعث الرَّسُول الله ﷺ مُضَافَة إِلَى شَرِيعَته، وَكلهَا تقدم مِنْهَا. فَلَو كَانَ مِنْهَا مَا يتبع فِيهِ من سبق لوَجَبَ إِضَافَة ذَلِك الْقدر إِلَى شرع من قبلنَا وَهَذَا فِيهِ نظر، وللخصم أَن يَقُول: إِنَّمَا أضيف الْكل إِلَيْهِ ﷺ لِأَنَّهُ أَحْيَاهَا وَبَينهَا على فَتْرَة، ودروس من الْحق، والتمسك بِالْإِضَافَة تمسك بِمُجَرَّد اسْم هُوَ عرضة التَّأْوِيل.
[٩٦٣] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ ، وَزَعَمُوا أَن هَذَا يدل على أختصاصه بجملة الشَّرِيعَة، وَفِي هَذَا نظر أَيْضا فَإِن اخْتِصَاصه بِبَعْض الْأَحْكَام يتَحَقَّق فِيهِ مَضْمُون الْآيَة، وَلَيْسَ من شَرط انطلاق اسْم الشَّرِيعَة أَن يتَنَاوَل كل الْأَحْكَام وَالْأَخْبَار.
стр. 670
(١٦٩) القَوْل فِي حد الْخَبَر وَحَقِيقَته
[٩٦٤] اعْلَم، وفقك الله، أَن الْأَخْبَار من أعظم أصُول الشَّرَائِع، وينتمي إِلَيْهَا مُعظم الْكَلَام فِي الْملَل، وتصرفات الْخلق، فَأول مَا نبدأ بِذكرِهِ فِيهَا الإنباء عَن حد الْخَبَر وَحَقِيقَته.
فَإِن قَالَ قَائِل: [مَا] حَقِيقَة الْخَبَر.؟
قيل: هُوَ الَّذِي يَتَّصِف / بِكَوْنِهِ صدقا أَو كذبا. أَو هُوَ الَّذِي يدْخلهُ [١٠٧ / ب] الصدْق أَو الْكَذِب.
وأرباب اللُّغَات، وَكثير من طوائف الْأُصُولِيِّينَ يطلقون مَا ذَكرْنَاهُ
следующие страницы →