← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(مسئلة) (على: للاستعلاء حسا) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون﴾ - (وَمعنى) كأوجبه عَلَيْهِ وَعَلِيهِ دين (فَهِيَ فِي الْإِيجَاب وَالدّين حَقِيقَة فَإِنَّهُ) أَي الْمَذْكُور من الْإِيجَاب وَالدّين (يَعْلُو الْمُكَلف) أما فِي الدّين فَظَاهر، وَأما فِي الْإِيجَاب فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي شغل ذمَّة الْمُكَلف بِحَق مطَالب كَدين الْعباد، وَيحْتَمل إرجاع الضَّمِير إِلَى الدّين أَعم من أَن يكون دين الْحق أَو العَبْد فَيعلم بِهِ الاستعلاء فِي الْإِيجَاب المستلزم دين الْحق (وَيُقَال رَكبه دين) لِأَنَّهُ علاهُ للزومه فِيهِ لَهُ (فَيلْزم فِي عَليّ ألف) لفُلَان لِأَن باللزوم يتَحَقَّق الاستعلاء حَيْثُ يثبت للْمقر لَهُ الْمُطَالبَة (وَالْحَبْس للْمقر، وَهَذَا (مَا لم يصله) أَي قَوْله عَليّ ألف (بمغير وَدِيعَة) أَي بِمَعْنى هُوَ لفظ وَدِيعَة بِالرَّفْع على أَن يكون صفة ألف، أَو النصب على الْحَال فَإِن وَصله بهَا حمل على وجوب الْحِفْظ (لقَرِينَة الْمجَاز) وَهِي وَدِيعَة، وَإِنَّمَا اشْترط وَصله لِأَن الْبَيَان المغير لَا يعْتَبر إِلَّا عِنْد الِاتِّصَال (و) قد مر (فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة) أَي الخالية عَن معنى الْإِسْقَاط (كَالْإِجَارَةِ) فَإِنَّهَا مُعَاوضَة الْمَنَافِع بِالْمَالِ (وَالنِّكَاح) فَإِنَّهُ مُعَاوضَة الْبضْع بِالْمَالِ وَالْبيع فَإِنَّهُ مُعَاوضَة مَال بِمَال، وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا معنى الْإِسْقَاط (مجَاز فِي الالصاق) فِي التَّوْضِيح، وَهُوَ فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة بِمَعْنى الْبَاء إِجْمَاعًا مجَازًا، لِأَن اللُّزُوم يُنَاسب الالصاق، وَهَذَا بَيَان علاقَة الْمجَاز، وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ مجَازًا لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الشَّرْط لَا يُمكن فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ كَونهَا للشّرط بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة عِنْد الْفُقَهَاء لِأَنَّهَا فِي أصل الْوَضع للُزُوم، وَالْجَزَاء لَازم للشّرط نَحْو (احمله على دِرْهَم وَتَزَوَّجت على ألف لمناسبته) أَي الالصاق (اللُّزُوم) إِذْ اللَّازِم ملتصق بالملزوم (وَفِي الطَّلَاق للشّرط عِنْده) أَي أبي حنيفَة (فَفِي طَلقنِي ثَلَاثًا على ألف لَا شَيْء لَهُ) أَي للزَّوْج عَلَيْهَا إِذا أجباها (بِوَاحِدَة) وَإِنَّمَا يَقع عَلَيْهَا طَلْقَة رَجْعِيَّة عِنْده (لعدم انقسام على الشَّرْط الْمَشْرُوط) يَعْنِي لَو كَانَ يَنْقَسِم الْألف على الطلقات الثَّلَاث كَانَ يلْزم فِي مُقَابلَة كل طَلَاق ثلث الْألف لكنه لَيْسَ بمنقسم لِأَنَّهُ مَشْرُوط والمشروط لَا يَنْقَسِم على الشَّرْط اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك وانقسم على الطلقات فَلَزِمَ بالواحدة ثلث الْألف (تقدم بعضه) أَي بعض الْمَشْرُوط وَهُوَ ثلث الْألف (عَلَيْهِ) أَي على الشَّرْط وَهُوَ الطلقات الثَّلَاث، وَقد يُقَال إِن كَون مَجْمُوع الْألف مَشْرُوطًا بِمَجْمُوع الطلقات الثَّلَاث لَا يسْتَلْزم كَون كل جُزْء مِنْهُ مَشْرُوطًا بمجموعها، وَإِذا لم يلْزم فَلَا مَحْذُور فِي تقدم بعض الْمَشْرُوط على الشَّرْط: نعم يُقَال حِينَئِذٍ أَن لُزُوم ثلث الْألف لَا مُوجب لَهُ، لِأَنَّهُ لَا انقسام للمشروط على الشَّرْط ليَكُون فِي مُقَابلَة كل طَلَاق ثلث الْألف كَيفَ ومقصد الزَّوْجَة هُوَ الْبَيْنُونَة

стр. 492

وَبِدُون حُصُول الْمَقْصد لَا ترْضى بِإِعْطَاء شَيْء من الْألف فِي مُقَابلَة شَيْء مِنْهَا (وَعِنْدَهُمَا) على هَهُنَا (للالصاق عوضا) أَي للالصاق الَّذِي يكون بَين الْعِوَضَيْنِ: إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يُفَارق الآخر وَذَلِكَ لِأَن الطَّلَاق على مَال مُعَاوضَة من جَانبهَا، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا الرُّجُوع قبل كَلَام الزَّوْج (فتنقسم الْألف للمعية) الثَّانِيَة بَين الْعِوَضَيْنِ المستلزمة للالصاق الْمُوجبَة للمقابلة بَين أَجْزَائِهَا، لِأَن ثُبُوت الْعِوَضَيْنِ بطرِيق الْمُقَابلَة اتِّفَاقًا (وَلمن يرجحه) أَي قَوْلهمَا أَن يَقُول (أَن الأَصْل فِيمَا علمت مُقَابلَته) بِمَال (العوضية) وَهَذَا مِنْهُ فتعينت، والاتفاق على أَن الْعِوَض تَنْقَسِم أجزاؤه على أَجزَاء المعوض فَتبين مِنْهُ بِوَاحِدَة بِثلث الْألف (وَكَونه) أَي على (مجَازًا فِيهِ) أَي الالصاق (حَقِيقَة فِي الشَّرْط) كَمَا ذكره شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ فَيتَعَيَّن الْحمل على الشَّرْط (مَمْنُوع لفهم اللُّزُوم فيهمَا) أَي الشَّرْط والالصاق: يَعْنِي أَن اللُّزُوم الْمُطلق الَّذِي يتَحَقَّق فِي ضمن كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن فِي كل من الاطلاقين (وَهُوَ) أَي اللُّزُوم هُوَ الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ وَكَونه) أَي على مستعملة حَقِيقَة (فِي معنى يُفِيد اللُّزُوم) فِي الْمُعَاوَضَات (لَا فِيهِ) أَي لِأَنَّهَا مستعملة فِي اللُّزُوم (ابْتِدَاء يصيره) أَي على (مُشْتَركا) بَين هَذَا الْمعِين واللزوم اشتراكا لفظيا: إِذْ كَونه حَقِيقَة فِي اللُّزُوم ثَابت لما ذكر من التبادر، وَالْأَصْل عدم الِاشْتِرَاك وَإِذا تبين كَونهَا حَقِيقَة فِي اللُّزُوم (فمجاز فيهمَا) أَي الالصاق وَالشّرط كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ. مسئلة (من: تقدم مسائلها) فِي بحثي من وَمَا (وَالْغَرَض) هَهُنَا (تَحْقِيق مَعْنَاهَا فكثير من الْفُقَهَاء) كفخر الْإِسْلَام وَصَاحب البديع قَالُوا هِيَ (للتَّبْعِيض) وعلامته إِمْكَان وضع لفظ بعض فِي موضعهَا وَلَيْسَ بمرادف لَهُ، إِذْ الترادف لَا يكون بَين مختلفي الْجِنْس كالاسم والحرف (وَكثير من أَئِمَّة اللُّغَة) كالمبرد وَغَيره ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا (لابتداء الْغَايَة وَرجع مَعَانِيهَا إِلَيْهِ) أَي إِلَى ابْتِدَاء الْغَايَة، وَالْمرَاد بهَا المساقة من إِطْلَاق الِاسْم الْجُزْء على الْكل، إِذْ هِيَ فِي الأَصْل بِمَعْنى النِّهَايَة وَلَيْسَ لَهَا ابْتِدَاء وانتهاء كَذَا فِي التَّلْوِيح (فَالْمَعْنى فِي أكلت من الرَّغِيف ابْتِدَاء أكلي) الرَّغِيف، وَفِي أخذت من الدَّرَاهِم ابْتِدَاء أخذى الدَّرَاهِم (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (معنى تعسفه) لمُخَالفَته الظَّاهِر هُوَ من غير مُوجب (لَا يَصح لِأَن ابْتِدَاء أكلي وأخذى لَا يفهم من التَّرْكِيب وَلَا) هُوَ (مَقْصُود الإفادة) مِنْهُ (بل) الْمَقْصُودَة بالإفادة مِنْهُ (تعلقه) أَي الْفِعْل كَالْأَكْلِ وَالْأَخْذ فيهمَا (بِبَعْض مدخولها) وَهُوَ الرَّغِيف وَالدَّرَاهِم (وَكَيف) يَصح هَذَا (وابتداؤه) أَي وَارِدَة ابْتِدَاء الْفِعْل (مُطلقًا) فِي جَمِيع مواردها غير صَحِيح لِأَنَّهَا (قد تكذب) فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا إِذا ابْتَدَأَ

стр. 493

الْأكل من اللَّحْم ثمَّ أكل بعض الرَّغِيف ثمَّ قَالَ: أكلت من الرَّغِيف، فَإِذا أَرَادَ كَون ابْتِدَاء أكله من الرَّغِيف كَانَ المُرَاد بِهَذَا الِاعْتِبَار كذبا (وتخصيصه) أَي الْفِعْل الْمَقْصد تعْيين ابْتِدَاء بِهِ (بذلك) الْمحل (الجزئي) كالرغيف فِي: أكلت من الرَّغِيف (غير مُفِيد) أَي يُوجب كَون الْكَلَام غير مُفِيد، جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَنه لَا نسلم لُزُوم الْكَذِب فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لجَوَاز أَن يُرَاد تعْيين ابْتِدَاء الْأكل الْمُتَعَلّق بالرغيف، لَا مُطلق الْأكل فِي ذَلِك الْوَقْت ليلزم الْكَذِب وَحَاصِله أَنه حِينَئِذٍ يكون الْمَعْنى ابْتِدَاء أكل الْمُتَعَلّق بالرغيف الرَّغِيف وَلَا فَائِدَة فِيهِ (واستقراء مواقعها يُفِيد أَن متعلقها أَن تعلق بمسافة) حَال كَونه (قطعا لَهَا) أَي لتِلْك الْمسَافَة: يَعْنِي كَونه لبَيَان قطعهَا (كسرت ومشيت أَولا) يكون قطعا لَهَا (كبعت) من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط (وأجرت) الدَّار من شهر كَذَا إِلَى شهر كَذَا (فلابتداء الْغَايَة أَي ذِي الْغَايَة) قصد بِهِ تَفْسِير قَوْلهم لابتداء الْغَايَة، وَقد مر آنِفا (وَهُوَ) أَي ذُو الْغَايَة (ذَلِك الْفِعْل) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ تَفْسِير قَوْلهم لابتداء الْغَايَة، وَقد مر آنِفا (وَهُوَ) أَي ذُو الْغَايَة (ذَلِك الْفِعْل) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ (أَو مُتَعَلّقه) وَهُوَ الْمَكَان أَو الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ (الْمُبين) أَي الَّذِي بَين (منتهاه) بإلى وَنَحْوه، (وَإِن أَفَادَ) الْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ من (تناولا) أَي معِين التَّنَاوُل (كأخذت وأكلت وَأعْطيت فَلَا يصاله) أَي فَمن لَا يصال مَا يتَعَلَّق بِهِ (إِلَى بعض مدخولها فَعلمت تبادر كل من المعنين) أَي الِابْتِدَاء والتبعيض (فِي مَحَله) تبادرا حَاصِلا عَن كلمة من (أَي مَعَ خُصُوص ذَلِك الْفِعْل) على الْوَجْه الَّذِي بَين (فَلم يبْق) بعد هَذَا التبادر (إِلَّا) أحد الْأَمريْنِ: أما (إِظْهَار مُشْتَرك) معنوي بَين الِابْتِدَاء والتبعيض (يكون) من مَوْضُوعا (لَهُ) أَي لذَلِك الْمُشْتَرك (أَو) الِاشْتِرَاك (اللَّفْظِيّ) بَينهمَا (أما) أَنه (حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الآخر بعد استوائهما) أَي الْمَعْنيين (فِي المدلولية والتبادر فِي محليهما فتحكم وانتفى جعلهَا) مَوْضُوعا (للابتداء) فَقَط لعدم صِحَة إِرَادَته فِي كثير من المواقع لما عرفت (ورد التَّبْعِيض إِلَيْهِ) أَي الِابْتِدَاء وَلم يظْهر مُشْتَرك معنوي غَيره أَيْضا (فمشترك) أَي فَإِذن هُوَ مُشْتَرك (لَفْظِي) بَين مَعَانِيهَا، ومعين كل وَاحِد مِنْهَا الْمُتَعَلّق الْخَاص (وَيرد الْبَيَان) أَي كَونهَا للْبَيَان وعلامته صِحَة وضع الَّذِي موضعهَا أَو جعل مدخولها مَعَ ضمير مَرْفُوع قبله صلتها كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ -: إِذْ يَصح الرجس الَّذِي هُوَ الْأَوْثَان (إِلَى التَّبْعِيض بِأَنَّهُ) أَي التَّبْعِيض فِيهِ (أَعم من كَونه تبعيض مدخولها من حَيْثُ هُوَ مُتَعَلق الْفِعْل، أَو كَون مدخولها) فِي نَفسه (بَعْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلق الْفِعْل، فالأوثان بعض الرجس) وَلَا يخفى أَن كلمة من بِمَنْزِلَة لفظ الْبَعْض، وَالْمَفْهُوم من قَوْلنَا: أكلت بعض الرَّغِيف تبعيض الرَّغِيف، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يُرَاد من قَوْله - ﴿من الْأَوْثَان﴾ - تبعيض الْأَوْثَان لَا تبعيض الرجس، وَلَا يَصح تبعيضها بِاعْتِبَار تعلق

стр. 494

الْفِعْل لوُجُوب الاجتناب من الْكل، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرجس بِأَن يُقَال: بعض الْأَوْثَان رِجْس إِذْ الْكل رِجْس بِخِلَاف أَن يُقَال: الْأَوْثَان بعض الرجس، فَإِن فِي إدخالها فِي دَائِرَة الرجس مُبَالغَة فِي ذمها: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: الْمَعْنى على الْقلب. مسئلة (إِلَى: للغاية أَي دَالَّة على أَن مَا بعْدهَا مُنْتَهى حكم مَا قبلهَا، وَقَوله لانْتِهَاء الْغَايَة تساهل) لَا من حَيْثُ أَن الْغَايَة لَا امتداد لَهَا لما ذكر من أَنَّهَا قد تطلق على ذِي الْغَايَة وَلما سَيذكرُ (وَكَذَا) التساهل مَوْجُود وَلم يرْتَفع (بِإِرَادَة المبدأ) بالغاية تحملا بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِذْ تطلق) الْغَايَة (بالاشتراك عرفا بَين مَا ذكرنَا) وَهُوَ الْمُنْتَهى (وَنِهَايَة الشَّيْء من طَرفَيْهِ) بَيَان لنهايته وهما أَوله وَآخره (وَمِنْه) أَي من هَذَا الِاشْتِرَاك الْعرفِيّ نَشأ قَوْلهم (لَا تدخل الغايتان) فِي قَوْله عَليّ من دِرْهَم إِلَى عشرَة حَتَّى تلْزم ثَمَانِيَة كَمَا هُوَ قَول زفر، وَإِنَّمَا لم يحمل على التغليب لِأَنَّهُ مجَاز، ثمَّ علل التساهل بقوله (لِأَن الدّلَالَة بهَا) أَي بإلى (على انْتِهَاء حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (لَا) على (انتهائه) أَي مَا قبلهَا نَفسه فَفِي قَوْلك أكلت السَّمَكَة إِلَى رَأسهَا نصفهَا يظْهر مَا قُلْنَا (وَفِي دُخُوله) أَي مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا. أَرْبَعَة مَذَاهِب. يدْخل مُطلقًا. لَا يدْخل مُطلقًا. يدْخل أَن كَانَ من جنس مَا قبلهَا. وَلَا يدْخل إِن لم يكن. والاشتراك: أَي يدْخل حَقِيقَة وَلَا يدْخل حَقِيقَة، كَذَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (كحتى) أَرَادَ أَن الرَّابِع فِي حَتَّى الِاشْتِرَاك فتعقبه بقوله (وَنقل مَذْهَب الِاشْتِرَاك فِي إِلَى غير مَعْرُوف، وَمذهب يدْخل) بِالْقَرِينَةِ (وَلَا يدْخل بِالْقَرِينَةِ غَيره) أَي غير مَذْهَب الِاشْتِرَاك وَسَيَجِيءُ بَيَانه، فَلَمَّا أَفَادَ أَن الِاشْتِرَاك فِي حَتَّى من حَيْثُ النَّقْل ثَابت دون إِلَى أَرَادَ أَن يبين أَن المرضي عِنْده عدم ثُبُوته فِي شَيْء مِنْهُمَا بِحَسب نفس الْأَمر ومنشأ ذَلِك النَّقْل التباس فَقَالَ (فَلَعَلَّهُ) أَي مَذْهَب يدْخل وَلَا يدْخل بِالْقَرِينَةِ (الْتبس بِهِ) أَي بِمذهب الِاشْتِرَاك فَوضع مَوْضِعه مَذْهَب الِاشْتِرَاك (فَلَا يُفِيد حَتَّى وَإِلَى سوى) شَيْء (أَن مَا بعْدهَا مُنْتَهى الحكم) أَي حكم مَا قبل كل مِنْهُمَا (ودخوله) أَي مَا بعد كل مِنْهُمَا فِي حكم مَا قبله (وَعَدَمه) أَي عدم دُخُول مَا بعد كل فِي حكم مَا قبله إِنَّمَا هُوَ (بِالدَّلِيلِ) على ذَلِك بِحَسب الْمَوَارِد (وَإِلَيْهِ) أَي وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَب (أذهب فيهمَا) أَي فِي حَتَّى وَالِي (وَلَا يُنَافِي) هَذَا الْمَذْهَب (إِلْزَام الدُّخُول فِي حَتَّى) عِنْد عدم الْقَرِينَة كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْمُحَقِّقين (وَعَدَمه) أَي عدم الدُّخُول (فِي إِلَى) عِنْد عدم الْقَرِينَة كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْمُحَقِّقين أَيْضا (لِأَنَّهُ) أَي إِلْزَام الدُّخُول وَعَدَمه، أَو الضَّمِير للشأن (إِيجَاب الْحمل) أَي حمل حَتَّى وَإِلَى على الدُّخُول وَعَدَمه (عِنْد

стр. 495

عدم القرنية) الْمعينَة للدخول أَو عَدمه، فعلى الأول قَوْله إِيجَاب الْحمل خبر إِن، وعَلى الثَّانِي مُبْتَدأ خَبره (للأكثرية فيهمَا) يَعْنِي إِذا لم يكن حَتَّى وَإِلَى مَوْضُوعَيْنِ للدخول وَعَدَمه وَلم تكن الْقَرِينَة الْمعينَة وَالْحمل على مَا هُوَ الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال مُتَعَيّن (حملا على) الِاحْتِمَال (الْأَغْلَب) احْتِرَازًا عَن تَرْجِيح المغلوب الْمَرْجُوح (لَا) إِيجَاب حملهَا على الدُّخُول وَعَدَمه حَال كَونهمَا (مدلولا لَهما) أَي حَتَّى وَإِلَى حَتَّى يُنَافِي الْمَذْهَب الْمُخْتَار (وَالتَّفْصِيل) بَين بِالْفرقِ بَين أَن يكون مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا فَيدْخل، وَأَن لَا يكون فَلَا يدْخل (بِلَا دَلِيل) وَأَشَارَ إِلَى نفي مَا يخال دَلِيلا عَلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَ يلْزم الْجُزْئِيَّة) أَي كَون مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا (الدُّخُول) بِالرَّفْع فَاعِلا ليلزم: أَي لَيْسَ الدُّخُول من لَوَازِم الْجُزْئِيَّة وَلَا عدم الدُّخُول من لَوَازِم عدمهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا) يلْزم (عدمهَا) أَي الْجُزْئِيَّة (عَدمه) أَي الدُّخُول (إِلَّا أَن يثبت استقراؤه) أَي استقراء الدُّخُول وَعَدَمه فِي موارد الِاسْتِعْمَال فَوجه (كَذَلِك) أَي على التَّفْصِيل الْمَذْكُور (فَيحمل) حَتَّى وَإِلَى عَلَيْهِمَا (كَمَا قُلْنَا وَكَذَا) بِلَا دَلِيل (تَفْصِيل، فَخر الْإِسْلَام إِن كَانَت) الْغَايَة (قَائِمَة: أَي مَوْجُودَة قبل التَّكَلُّم غير مفتقرة) فِي الْوُجُود (إِلَى المغيا: أَي مُتَعَلق الْفِعْل) الَّذِي تعلّقت بِهِ من الزَّمَان وَالْمَكَان (لَا الْفِعْل لم تدخل) الْغَايَة فِي حكم المغيا (كإلى هَذَا الْحَائِط) فِي قَوْله: بعنا أَو أجرت من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط (وَاللَّيْل فِي الصَّوْم) أَي فِي - ﴿أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ - فالحائط لَا تدخل فِي حكم البيع وَالْإِجَارَة وَكَذَا اللَّيْل أَي لَا يدْخل فِي الصَّوْم (إِلَّا أَن تنَاولهَا) أَي الْغَايَة (الصَّدْر كالمرافق) فِي - ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ - لِأَن الْيَد اسْم تنَاول الْجَارِحَة من رُءُوس الْأَصَابِع إِلَى الْإِبِط، فَتدخل الْمرَافِق فِي حكم الْغسْل (فَأدْخل) فَخر الْإِسْلَام (فِي) الْغَايَة (الْقَائِمَة الْجُزْء مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ آخرا أَولا (و) كَذَا أَدخل فِيهَا (اللَّيْل) الْمَذْكُور فِي الْآيَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتثْنى من الْقَائِمَة بِنَفسِهَا مَا يتَنَاوَلهُ الصَّدْر والجزء مِمَّا يتَنَاوَلهُ آخرا كَانَ أَولا، والمستنثى دَاخل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا محَالة. وَقد صرح فِي التَّمْثِيل بِدُخُول اللَّيْل فِيهَا (وَغَيره) أَي غير فَخر الْإِسْلَام كصاحب الْمنَار وَصدر الشَّرِيعَة قَالَ (إِن قَامَت) الْغَايَة (لَا) تدخل (كرأس السَّمَكَة وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تقم (فَإِن تنَاولهَا) الصَّدْر (كالمرافق دخلت) الْغَايَة فِي حكم المغيا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَتَنَاوَلهَا الصَّدْر (لَا) تدخل (كالليل) لِأَن مُطلق الصَّوْم ينْصَرف إِلَى الْإِمْسَاك سَاعَة بِدَلِيل مسئلة الْحلف (فأخرجوهما) أَي أخرج غير فَخر الْإِسْلَام الْمرَافِق، وَاللَّيْل عَن الْقَائِمَة لادخالهما فِيمَا يُقَابل الْقَائِمَة، وَلم يذكر المُصَنّف فِي تَفْصِيل فَخر الاسلام حكم مَا يُقَابل الْقَائِمَة اكْتِفَاء بِذكرِهِ فِي تَفْصِيل غَيره: إِذْ لَا خلاف بَينهم فِي أَن غير الْقَائِمَة أَن تنَاوله الصَّدْر دخل وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم فِي الْقَائِمَة، فَغير فَخر الْإِسْلَام

стр. 496

حكم بِعَدَمِ دُخُول الْقَائِمَة مُطلقًا. وَهُوَ اسْتثْنى مِنْهَا مَا تنَاوله الصَّدْر (قيل مبناه) أَي مَبْنِيّ قَول غير فَخر الْإِسْلَام (على تَفْسِيره الْقَائِمَة بِكَوْنِهَا غَايَة قبل التَّكَلُّم) أَي (غَايَة بذاتها لَا يَجْعَلهَا) غَايَة (بِإِدْخَال إِلَى عِنْدهم) أَي غير فَخر الْإِسْلَام ظرف للتفسير، وَلَا شكّ فِي عدم صدق الْقَائِمَة بِهَذَا الْمَعْنى على الْمرَافِق وَاللَّيْل: إِذْ لَا يتَحَقَّق فيهمَا معنى الْغَايَة إِلَّا بجعلهما مَدْخُول إِلَى، بِخِلَاف مَا فسر بِهِ فَخر الْإِسْلَام من كَونهَا مَوْجُودا غير مفتقر إِلَى المغيا فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهِمَا (وَلَا يخفى أَنه) أَي تفسيرهم بِمَا ذكر (مَبْنِيّ على إِرَادَة مُنْتَهى الشَّيْء) الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الْفِعْل على مَا مر (لَا) مُنْتَهى (الحكم) إِذْ مُنْتَهى الشَّيْء هُوَ الَّذِي يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَعنِي الْغَايَة بذاتها والغاية بالجعل، وَأما مُنْتَهى الحكم فَلَا يكون إِلَّا بالجعل (فَخرج اللَّيْل والجزء) الَّذِي هُوَ (غير الْمُنْتَهى) من الْقَائِمَة كالمرافق فَإِنَّهُ لَيْسَ بغاية مَعَ قطع النّظر عَن الْجعل كَمَا أَن اللَّيْل لَيْسَ بغاية للصَّوْم الْمُطلق الصَّادِق على إمْسَاك سَاعَة (واختص) كَونهَا قَائِمَة على تفسيرهم (بِنَحْوِ إِلَى الْحَائِط، وَرَأس السَّمَكَة) مِمَّا هُوَ غَايَة فِي حد ذَاتهَا مَعَ قطع النّظر عَن جعل الْجَاعِل (و) اخْتصَّ كَونهَا قَائِمَة (بالمجموع) أَي بِمَجْمُوع كَونهَا مَوْجُودَة قبل التَّكَلُّم غير مفتقرة إِلَى المغيا (عِنْده) أَي فَخر الْإِسْلَام (فدخلا) أَي الْمرَافِق وَاللَّيْل فِي الْقَائِمَة كَذَا قيل (وَفِيه) أى فِي اخْتِصَاص كَونهَا قَائِمَة بالمجموع (نظر لِأَنَّهُ) أى فَخر الاسلام (أَدخل الْمرَافِق) فِي الْقَائِمَة (مَعَ انْتِفَاء صدق الْمَجْمُوع عَلَيْهَا) أى الْمرَافِق فِي أَنَّهَا مفتقرة إِلَى الْيَد (وَالْحق أَن الِاعْتِبَار) فِي الدُّخُول وَعَدَمه (بالتناول) أَي بتناول صدر الْكَلَام للمغيا والغاية مَعًا (وَعَدَمه) أَي التَّنَاوُل (فَيرجع) الِاعْتِبَار الْمَذْكُور (إِلَى التَّفْصِيل النَّحْوِيّ) إِلَى أَن مَا بعْدهَا إِن كَانَ جُزْءا مِمَّا قبلهَا دخل وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سبق من أَن التَّفْصِيل بِلَا دَلِيل، لِأَن المُرَاد ثمَّة نفي كَون إِلَى مَوْضُوعَة للدخول فِي صُورَة التَّنَاوُل وللخروج فِي غَيرهَا، وَاعْتِبَار التَّنَاوُل هَهُنَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الدُّخُول وَالْخُرُوج يَأْتِي من قبل وَاضع وضع إِلَى بِسَبَب أَنه إِذا كَانَ متناولا فَالظَّاهِر ثُبُوت الحكم لجَمِيع مَا تنَاوله الصَّدْر وَإِلَّا فَالْأَصْل عدم الحكم فِيمَا بعد إِلَى (وَلذَا خطئَ من أَدخل الرَّأْس) من السَّمَكَة (فِي الْقَائِمَة وَحكم بِعَدَمِ دُخُول الْقَائِمَة مُطلقًا) فِي حكم المغيا، وَهُوَ صدر الشَّرِيعَة (وَلم يزدْ التَّفْصِيل إِلَى الْقَائِمَة وَغَيرهَا سوى الشغب) فِي المُرَاد بالقائمة، وَمِمَّا يَقْتَضِيهِ تَفْسِير كل من الْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ بالتسكين تهييج الشَّرّ فِي الأَصْل، وَالْمرَاد هُنَا كَثْرَة القيل والقال (فَعدم دُخُول الْعَاشِر عِنْده) أَي أبي حنيفَة (فِي لَهُ) عَليّ (من دِرْهَم إِلَى عشرَة لعدم تنَاوله) أَي الدِّرْهَم الَّذِي هُوَ صدر الْكَلَام (إِيَّاه) أَي الْعَاشِر فَلَزِمَهُ تِسْعَة (وأدخلاه) أَي الْعَاشِر (بادعاء الضَّرُورَة: إِذْ لَا يقوم) الْعَاشِر غَايَة (بِنَفسِهَا) لعدم وجوده بِدُونِ تِسْعَة قبله فَلم يكن لَهُ

стр. 497

وجود قبل هَذَا الْكَلَام (فَلَا يكون) الْعَاشِر (إِلَّا مَوْجُودَة وَهُوَ) أَي وجودهَا (بِوُجُوبِهَا) فِي الذِّمَّة فَيجب (وَصَارَ) الْعَاشِر (كالمبدأ) وَهُوَ الدِّرْهَم الأول فِي الدُّخُول ضَرُورَة فَلَزِمَهُ عشرَة. (وَقَالَ) أَبُو حنيفَة (المبدأ) أَي دُخُوله (بِالْعرْفِ وَالْإِثْبَات) للْأولِ (لمعروض الثانوية) أَي لأجل إِثْبَات الثَّالِث بِوَصْف الثالثية وهلم جرا (إِلَى العاشرية) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمكن إِثْبَات الثَّانِي مثلا من حَيْثُ هُوَ ثَان فِي الذِّمَّة إِلَّا بِإِثْبَات الأول فِيهَا أَيْضا وَإِلَّا لَكَانَ الثَّابِت فِيهَا وَاحِدًا لَا ثَانِيًا وَهُوَ ظَاهر، وَقَوله وَالْإِثْبَات مُبْتَدأ خَبره (لَا يثبت الْعَاشِر) لعدم احْتِيَاج إِثْبَات التاسعية للتاسع إِلَى العاشرية (ووجوده) أَي الْعَاشِر فِي الْعقل إِنَّمَا هُوَ (لكَونه غَايَة فِي التعقل لتحديد الثَّابِت) أَي لتحديد مَا قصد إثْبَاته فِي الذِّمَّة مِمَّا هُوَ (دونه) أَي دون الْعَاشِرَة وَهُوَ التَّاسِع (وَإِضَافَة كل مَا) أَي عدد كَائِن (قبله) أَي الْعَاشِر (من الثَّانِي إِلَى التَّاسِع يستدعى) ثُبُوت (مَا) أَي عدد كَائِن (قبلهَا) أَي قبل تِلْكَ الْإِضَافَة فالثانوية مثلا مَفْهُوم إضافي إِذا ثَبت معروضها استدعى ثُبُوت الأول، والثالثية تستدعى ثُبُوت الأول وَالثَّانِي، وعَلى هَذَا الْقيَاس (لَا) يستدعى ثُبُوت (مَا بعْدهَا كالعاشر وَلَو استدعاه) أَي لَو فرض أَن الثَّانِي مثلا يستدعى الثَّالِث (كَانَ) ذَلِك الاستدعاء (فِي الْوُجُود) بِحَسب التعقل (لَا فِي ثُبُوت حكمه) أَي حكم الْعدَد الْمُتَقَدّم كالثبوت فِي الذِّمَّة (لَهُ) أَي لما بعده بِأَن يثبت الآخر فِي الذِّمَّة (لِأَنَّهُ) أَي الحكم بِشَيْء (على معروض وصف مضايف) لوصف آخر بِأَن يكون تعقل كل مِنْهُمَا يسْتَلْزم تعقل الآخر (لَا يُوجِبهُ) أَي الحكم بذلك الشَّيْء (على معروض) الْوَصْف (الآخر وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن أوجبه (وَجب قيام الابْن للْحكم بِهِ) أَي بِالْقيامِ (على الْأَب) فَإِن الْأُبُوَّة وصف مضايق للبنوة. وَقد فرض أَن الحكم عل معروض أحد المتضايقين بِشَيْء يُوجب الحكم بِهِ على معروض الآخر، فَيجب أَن يحكم بِكَوْن الابْن قَائِما أَيْضا (وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن الحكم على معروض أحد المتضايفين لَا يُوجب الحكم على معروض الآخر (لم يَقع بطالق ثَانِيَة غير وَاحِدَة) وَإِن كَانَت الثَّانِيَة لَا تتَحَقَّق بِدُونِ وُقُوع الأول لَكِن يُمكن الحكم على ذَات معروض أحد المتضايقين من غير اعْتِبَار اتصافه بِالْوَصْفِ بِدُونِ الحكم على معروض الآخر، وَلَا شكّ أَن الْمَقْصد هَهُنَا إِيقَاع ذَات الطَّلَاق من غير اعْتِبَار وصف الثانوية لعدم إِمْكَان اعْتِبَاره لِأَنَّهُ فرع سبق طَلَاق وَلم يسْبق مِنْهُ لفظ إِطْلَاق، قيل وَلَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا بِاللَّفْظِ (ووقوعهما) أَي الطلقتين عِنْد أبي حنفية (فِي) أَنْت طَالِق (من وَاحِدَة إِلَى ثَلَاث بِوُقُوع الأولى للْعُرْف لَا لذَلِك) أَي التضايق بَينهَا وَبَين الثَّانِيَة (وَلَا لجَرَيَان ذكرهَا) أَي الأولى (لِأَن مجرده) أَي ذكرهَا (لَا يُوجِبهُ) أَي وُقُوعهَا

стр. 498

(إِذا لم تقتضه) أَي وُقُوعهَا (اللُّغَة وَبِهَذَا) الَّذِي يكون مُجَرّد ذكر الشَّيْء لَا يقتضى وُقُوعه: إِذا لم تقتضه اللُّغَة (بعد قَوْلهمَا فِي إِيقَاع الثَّالِثَة) أَي بإيقاع (وَمثله) أَي هَذَا (الْخلاف) الْخلاف (فِي دُخُول الْغَد) حَال كَونه (غَايَة للخيار وَالْيَمِين) فِي: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا على أَنِّي بِالْخِيَارِ إِلَى غَد، وَوَاللَّه لَا أُكَلِّمك إِلَى غَد (فِي رِوَايَة الْحسن) بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (للتناول) أَي تنَاول صدر الْكَلَام الْغَايَة (لِأَن مطلقه) أَي مُطلق كل وَاحِد من ثُبُوت الْخِيَار، وَنفي الْكَلَام بِأَن لَا يتَقَيَّد بغاية مُعينَة (يُوجب الْأَبَد) إِذا أَرَادَ بعض الْأَزْمِنَة دون بعض تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح فيستغرق أَوْقَات الْعُمر (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فيهمَا (لإِسْقَاط مَا بعْدهَا) فَيدْخل الْغَد فِي الْخِيَار وَالْيَمِين فَإِن قلت كَونهَا للإسقاط مُسلم، لِأَن مد الحكم إِلَى مَا بعْدهَا حَاصِل بِدُونِ ذكرهَا، وَلَا يظْهر لذكرها فَائِدَة إِلَّا الْإِسْقَاط، غير أَنه لَا يسْتَلْزم دُخُول مَا بعْدهَا لجَوَاز أَن يَجْعَل دَاخِلا فِي الْإِسْقَاط قُلْنَا أصل التَّنَاوُل لَهَا كَانَ مَعْلُوما بِدُونِ ذكرهَا، فَعِنْدَ الذّكر وَقع التَّرَدُّد فِي بَقَائِهَا على مَا كَانَ وَفِي سُقُوطهَا، وَالْأَصْل هُوَ الْبَقَاء فَتدبر (وَمَا وَقع) فِي نسخ من أصُول فَخر الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ (فِي الْآجَال والأثمان) فِي رِوَايَة الْحسن عَنهُ (غلط لِاتِّفَاق الرِّوَايَة) وَفِي نُسْخَة الشَّارِح الروَاة بدل الرِّوَايَة وَهُوَ الْأَظْهر (على عَدمه) أَي دُخُول الْغَايَة (فِي أجل الدّين وَالثمن وَالْإِجَارَة) كاشتريت هَذَا بِأَلف إِلَى شهر كَذَا، وأجرتك هَذِه الدَّار بِمِائَة إِلَى كَذَا فَلَا يدْخل ذَلِك الشَّهْر فِي الْأَجَل (وَهُوَ) أَي عدم الدُّخُول هُوَ (الظَّاهِر فِي الْيَمين فَلَزِمَهُ) أَي أَبَا حنيفَة (الْفرق) بَين هَذِه وَبَين الْيَمين (فَقيل) فِي الْفرق بَينهمَا ذكر الْغَايَة (فِي الْأَوَّلين) أَي الدّين وَالثمن هُوَ (للترفيه) أَي التَّخْفِيف والتوسعة (وَيصدق) الترفيه (بِالْأَقَلِّ زَمَانا فَلم يَتَنَاوَلهَا) أَي الْكَلَام الْغَايَة (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فيهمَا (للمد) أَي لمد الحكم إِلَيْهَا (وَالْإِجَارَة تمْلِيك مَنْفَعَة) بعوض مَالِي (وَيصدق) تمليكها (كَذَلِك) أَي بِالْأَقَلِّ زَمَانا (وَهُوَ) أَي تمليكها كَذَلِك (غير مُرَاد) لِأَن الْمَقْصد من شرعيتها دفع الْحَاجة وَهِي لَا تحصل بِهَذَا الْإِطْلَاق فَيجب أَن يكون المُرَاد مِقْدَارًا معينا وَهُوَ غير مَعْلُوم (فَكَانَ) المُرَاد مِنْهَا (مَجْهُولا) بِاعْتِبَار الْمدَّة (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فِيهَا (لمده) أَي الحكم (إِلَيْهَا) أَي الْغَايَة (بَيَانا لقدر) مَجْهُول فَلم يدْخل لعدم مَا يقتضى دُخُوله تَحت الحكم (وَقَول شمس الْأَئِمَّة فِي وَجه: الظَّاهِر) فِي عدم دُخُول الْغَد فِي الْيَمين (فِي حُرْمَة الْكَلَام) وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِهِ (فِي مَوضِع الْغَايَة شكّ) مقول قَوْله، وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل عدم الْحُرْمَة للنَّهْي عَن هجران الْمُسلم وَعدم وجوب الْكَفَّارَة بِكَلَامِهِ (وَمَا نسب إِلَيْهِمَا) أَي الصاحبين من أَن الْغَايَة (لَا تدخل) فِي المغيا

стр. 499

(إِلَّا بِدَلِيل، وَلذَا) أَي وَلعدم دُخُولهَا فِيهِ (سيمت غَايَة لِأَن الحكم يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا دخلت الْمرَافِق بِالسنةِ) فعلا، على مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُدِير المَاء على الْمرْفق (وَبحث القَاضِي) وَهُوَ أَنه (إِذا قرن الْكَلَام بغاية أَو اسْتثِْنَاء أَو شَرط لَا يعْتَبر بالمطلق) الْمَذْكُور فِي صدر الْكَلَام بِأَن يحمل على إِطْلَاقه أَولا (لم يخرج) من إِطْلَاقه (بالقيد) أَي الْغَايَة وَالِاسْتِثْنَاء وَالشّرط مَا يَقْتَضِي إِخْرَاجه أحد هَذِه الْمَذْكُورَات (بل) يعْتَبر الْكَلَام (بجملته) ابْتِدَاء يَعْنِي يُؤَخر الحكم إِلَى آخر الْكَلَام فيلاحظ بعد ذكر الْغَايَة وَمَا عطف عَلَيْهِ مَا يبْقى من إِطْلَاقه فَيحكم عَلَيْهِ ابْتِدَاء (فالفعل مَعَ الْغَايَة كَلَام وَاحِد) سيق (للْإِيجَاب) وَإِثْبَات الحكم للمغيا (إِلَيْهَا) أَي الْغَايَة (لَا للْإِيجَاب) أَي لإثباته للمغيا والغاية أَولا (والإسقاط) ثَانِيًا بِأَن يخرج الْغَايَة عَن الحكم بعد دُخُولهَا (فِيهِ فَإِنَّهُ مُنَاقض (وَيجب أَن لَا اعْتِبَار بذلك التَّفْصِيل) الرَّاجِع إِلَى التَّفْصِيل النَّحْوِيّ، فَقَوله وَقَول شمس الْأَئِمَّة مُبْتَدأ عطف عَلَيْهِ كل من قَوْله مَا نسب إِلَيْهَا إِلَى آخِره، وَمن قَوْله: وَبحث القَاضِي إِلَى آخِره، وَقَوله يُوجب إِلَى آخِره خَبره: إِذْ حَاصِل التَّفْصِيل إِدْخَال الْغَايَة فِي بعض الصُّور وإخراجها فِي الْبَعْض وَحَاصِل هَذِه عدم الإدخال مُطلقًا بِنَفس الْكَلَام (بل الإدخال) للغاية مُطلقًا فِي حكم المغيا (بِالدَّلِيلِ) ثمَّ بَين الدَّلِيل بقوله (من وجوب احْتِيَاط) إِذا كَانَ الِاحْتِيَاط فِي الإدخال احْتِرَاز عَن إهمال الحكم الشَّرْعِيّ وَذَلِكَ إِذا لم يكن الأَصْل فِيهِ الْحَظْر (أَو قرينَة) دَالَّة على دُخُولهَا فِي الحكم (وَهُوَ) أَي الدَّلِيل على الإدخال (فِي الْخِيَار كَونه) أَي الْخِيَار شرع (للتروي، وَقد ضرب الشَّرْع لَهُ) أَي للتروي (ثَلَاثَة) من الْأَيَّام بلياليها (حَيْثُ ثَبت) التروي (كَالْبيع) فِي الْمُسْتَدْرك عَن ابْن عمر أَنه قَالَ كَانَ حبَان بن منقذ رجلا ضَعِيفا، وَكَانَ قد أَصَابَته فِي رَأسه مأمومة فَجعل لَهُ رَسُول الله ﷺ الْخِيَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فِيمَا اشْتَرَاهُ، وَعنهُ غير هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْمَعْنى (وَالرِّدَّة) فِي الْمُوَطَّأ عَن عمر أَن رجلا أَتَاهُ من قبل أبي مُوسَى قَالَ رجل ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام فقلناه، فَقَالَ: هلا حبستموه فِي بَيت ثَلَاثَة أَيَّام وأطعمتموه كل يَوْم رغيفا لَعَلَّه يَتُوب، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لم أحضر وَلم آمُر وَلم أَرض (لِأَنَّهَا) أَي الثَّلَاثَة (مَظَنَّة إتقانه) أَي التروي إتقانا (تَاما، فَالظَّاهِر إِدْخَال مَا عين غَايَة) للتروي (دونهَا) أَي ثَلَاثَة أَيَّام: يَعْنِي إِذا كَانَ مَا عين غَايَة للتروي مَعَ مغياها ثَلَاثَة أَيَّام أَو أقل مِنْهَا كَانَ دَاخِلا فِي حكمه فبالضرورة يكون مَا قبل الْغَايَة حِينَئِذٍ دون الثَّلَاثَة (وعَلى هَذَا) التَّحْقِيق (انْتَفَى بِنَاء إِيجَاب) غسل (الْمرَافِق عَلَيْهِ) أَي على تنَاول الصَّدْر إِيَّاهَا: إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الإدخال، وَإِنَّمَا التَّأْثِير للدليل على مَا تبين (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قَالَه بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة من ابتناء

стр. 500

وجوب غسل الْمرَافِق (على اسْتِعْمَالهَا) أَي إِلَى (للمعية) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ - (بعد قَوْلهم: الْيَد) من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْمنْكب) وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا القَوْل إِن صَحَّ (يُوجب الْكل) أَي غسل الْأَيْدِي إِلَى الْمنْكب حِينَئِذٍ (لِأَنَّهُ كاغسل الْقَمِيص وكمه وغايته) أَي غَايَة، ذكر الْمرَافِق حِينَئِذٍ (كأفراد فَرد من الْعَالم) بِحكم الْعَام (إِذْ هُوَ) أَي ذكر الْمرَافِق (تنصيص على بعض مُتَعَلق الحكم) وَهُوَ الْيَد (بتعليق عين ذَلِك الحكم) بذلك الْبَعْض (وَذَلِكَ) أَي وإفراد فَرد من الْعَام بِحكم الْعَام (لَا يخرج غَيره) أَي غير ذَلِك الْفَرد عَن حكم الْعَام فَكَذَا التَّنْصِيص على الْمرَافِق لَا يخرج مَا وَرَاءَهَا عَن وجوب الْغسْل الْمُتَعَلّق بِالْأَيْدِي (وَلَو أخرج) التَّنْصِيص على الْفَرد مِنْهُ غَيره عَن حكمه (كَانَ) إخراجا (بِمَفْهُوم اللقب) وَقد مر تَفْسِيره فِي أَوَائِل الْمقَالة وَهُوَ مَرْدُود فَكَذَا هُنَا (وَمَا قيل) وانتفى أَيْضا مَا ذكره صَاحب الْمُحِيط فِي تَوْجِيه افتراض غسل الْمرَافِق من أَنه (لضَرُورَة غسل الْيَد، إِذْ لَا يتم) غسلهَا (دونه) أَي دون غسل الْمرْفق (لتشابك عظمى الذِّرَاع والعضد) وَعدم إِمْكَان التَّمْيِيز بَينهمَا فَتعين لِلْخُرُوجِ من عُهْدَة افتراض غسل الذِّرَاع بتعين غسل الْمرَافِق، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ لم يتَعَلَّق الْأَمر بِغسْل الذِّرَاع ليجب غسل مَا لَازمه) وَهُوَ طرف عظم الْعَضُد (بل) تعلق وجوب الْغسْل (بِالْيَدِ إِلَى الْمرْفق وَمَا بعد إِلَى لما لم يدْخل) على مَا هُوَ الْمَفْرُوض (لم يدْخل جزآهما) أَي الذِّرَاع والعضد (الملتقيان) فِي الْمرْفق (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيه افتراض غسله من أَنه افْترض لاشتباه المُرَاد بِغسْل الْيَد إِلَى الْمرَافِق (للاجمال وغسله) ﵇ أى الْمرْفق (فالتحق) غسله (بِهِ) أى بِالنَّصِّ الْمُجْمل الْمَذْكُور (بَيَانا) لما هُوَ المُرَاد مِنْهُ، وانما انْتَفَى (لِأَن عدم دلَالَة اللَّفْظ) يعْنى وَأَيْدِيكُمْ الى الْمرَافِق على دُخُول الْمرْفق فِي الْغسْل (لَا يُوجب الْإِجْمَال) فِيمَا هُوَ المُرَاد إِذْ وجوب غسل الْيَد إِلَى الْمرْفق مَنْطُوق والمرفق مسكوت عَنهُ وبالسكوت لَا يلْزم عدم الْوُجُوب كَمَا لَا يلْزم الْوُجُوب، فَالْمُرَاد وجوب غسل مَا فَوق الْمرْفق، وَلَا إِجْمَال فِي هَذَا المُرَاد، وَلَا سِيمَا (وَالْأَصْل الْبَرَاءَة) أَي بَرَاءَة ذمَّة الْمُكَلف عَن الْوُجُوب فَيُؤْخَذ عدم وجوب غسل الْمرَافِق بالاستصحاب (بل) الَّذِي يُوجب الْإِجْمَال (الدّلَالَة المشتبهة) بِأَن يكون الْمَدْلُول مُحْتملا لوجوه شَتَّى وَلم يتَعَيَّن أَحدهَا بِحَيْثُ لَا يدْرك إِلَّا بِبَيَان من قبل الْمُتَكَلّم وَهِي مَقْصُودَة هَهُنَا، وَإِن كَانَ الْأَمر على هَذَا (فَبَقيَ مُجَرّد فعله) ﷺ (دَلِيل السّنة) أَي يدل على مسنونية غسله كَقَوْلِه زفر (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيه افتراضه من أَن الْغَايَة (تدخل) تَارَة كَمَا فِي حفظت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره (وَلَا) تدخل أُخْرَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ - (فَتدخل) من الإدخال بِقَرِينَة قَوْله (احْتِيَاطًا)

стр. 501

هَهُنَا لِأَن الحَدِيث مُتَيَقن فَلَا يَزُول بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَن الحكم إِذا توقف على الدَّلِيل لَا يجب) أَي لَا يثبت (مَعَ عَدمه) أَي عدم الدَّلِيل لِامْتِنَاع ثُبُوت الْمَوْقُوف بِدُونِ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَمن الْمَعْلُوم توقفه والمفروض عدم الدَّلِيل هَهُنَا (وَالِاحْتِيَاط) إِنَّمَا هُوَ (الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ) أَي الْعَمَل بأفواهما (فرع تجاذبهما) بِأَن يتَحَقَّق دَلِيل يجذب الحكم إِلَيْهِ وَدَلِيل آخر يجذب نقيضه إِلَيْهِ جذب الْمُقْتَضى للمقتضى (وَهُوَ) أَي تجاذبهما (مُنْتَفٍ) لعدم وجودهما (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيهه من أَن قَوْله إِلَى الْمرَافِق غَايَة (لمسقطين مُقَدّر) صفة مسقطين لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ خُصُوصِيَّة لفظ مسقطين، بل مَا يعمه وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاغْسِلُوا أَيْدِيكُم حَال كونكم مسقطين الْمنْكب إِلَى الْمرْفق، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر بِلَا ملجئ) إِلَيْهِ، إِذْ الظَّاهِر تعلقه بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل من أَن قَوْله إِلَى الْمرَافِق (مُتَعَلق باغسلوا مَعَ أَن الْمَقْصُود مِنْهُ) أَي من اغسلوا (الْإِسْقَاط) فَهُوَ غَايَة لاغسلوا، لَكِن لأجل إِسْقَاط مَا وَرَاء الْمرَافِق عِنْد حكم الْغسْل، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ (لَا يُوجِبهُ) أَي لَا يُوجب كَون الْمَقْصد مِنْهُ الْإِسْقَاط مَعَ تعلقه باغسلوا (وَكَونه مُتَعَلقا باغسلوا مَعَ أَن الْمَقْصُود مِنْهُ الْإِسْقَاط) على تَقْدِير تَسْلِيمه (لَا يُوجِبهُ) أَي الْإِسْقَاط (عَمَّا وَرَاء الْمرْفق بل) إِنَّمَا يُوجب الْإِسْقَاط (عَمَّا قبله) أَي الْمرْفق تَوْضِيحه أَن الْإِسْقَاط الَّذِي يتضمنه الْغسْل إِنَّمَا هُوَ إِسْقَاط الْوَاجِب فِي الذِّمَّة بأَدَاء الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا فِيمَا قبل الْمرْفق لَا الْإِسْقَاط بِمَعْنى عدم وجوب الْغسْل ابْتِدَاء ليتَحَقَّق فِيمَا فَوْقه (بِاللَّفْظِ مَعَ أَنه) أَي هَذَا التَّوْجِيه (بِلَا قَاعِدَة) أَي لَا ينْدَرج تَحت قَاعِدَة من قَوَاعِد الْعَرَبيَّة (وَالْأَقْرَب) من الْكل أَن يُقَال أَن الحكم بِوُجُوب غسل إِنَّمَا هُوَ (الِاحْتِيَاط لثُبُوت الدُّخُول) أَي دُخُول الْغَايَة فِي حكم المغيا (وَعَدَمه) أَي الدُّخُول (كثيرا وَلم يرو عَنهُ ﷺ قطّ تَركه) أَي غسل الْمرَافِق (فَقَامَتْ قرينَة إِرَادَته) أَي الدُّخُول (من النَّص ظنا فَأوجب) هَذَا الْمَجْمُوع: أَعنِي كَثْرَة الدُّخُول وَعَدَمه مَعَ الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة (للِاحْتِيَاط) بِالْغسْلِ كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن كل وَاحِد من الكثرتين بِمَنْزِلَة دَلِيل، وَكَثْرَة الدُّخُول مَعَ الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة أقوى الدَّلِيلَيْنِ فيطابق مَا سبق أَن الِاحْتِيَاط الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ (إِلَّا أَن مُقْتَضَاهُ) أَي هَذَا الدَّلِيل (وجوب إدخالهما) أَي الْمرْفقين فِي غسل الْيَدَيْنِ (على أصلهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَنَّهُ ثَبت بِدَلِيل ظَنِّي لَا افتراض دخولهما وَلَكِن كَلَامهم صَرِيح فِي الافتراض وَإِن أطلق بَعضهم الْوُجُوب عَلَيْهِ، وَيُؤَيّد الْوُجُوب عدم تكفيرهم الْمُخَالف فِي ذَلِك (أَو يثبت) من الْإِثْبَات على صِيغَة الْمَجْهُول أقيم مقَام فَاعله (استقراء التَّفْصِيل) بَين أَن يكون جُزْءا فَيدْخل وَبَين أَن لَا يكون فَلَا (فَتحمل) الْغَايَة (عَلَيْهِ) أَي على التَّفْصِيل (عِنْد عدم الْقَرِينَة

стр. 502

فِي الْآيَة) فَتدخل افتراضا إِن كَانَ الاستقراء تَاما، وَقَوله أَو يثبت مَعْطُوف على مَا قبله بِحَسب الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: يحكم بِوُجُوبِهِ مِمَّا ذكر أَو ثَبت الاستقراء فَيحكم بِأَقَلّ مِنْهُ. مسئلة (فِي للظرفية) أَي وضع للدلالة على أَن مجرورها ظرف لمتعلقها زَمَانا أَو مَكَانا (حَقِيقَة) ككون المَاء فِي الْكَوْن وَالصَّلَاة فِي يَوْم الْجُمُعَة (فلزما) أَي الظّرْف والمظروف (فِي غصبته) أَي مِنْهُ (ثوبا فِي منديل) أَو الضَّمِير كِنَايَة عَن الْمَغْصُوب وثوبا حَال عَنهُ، وَجه اللُّزُوم أَنه اقر بِغَصب مظروف فِي ظرف وَهُوَ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ غصب الظّرْف (ومجازا كَالدَّارِ فِي يَده و) هُوَ (فِي نعْمَة) جعلت يَده ظرفا للدَّار لاقتداره على التَّصَرُّف فِيهَا اقتدار الْإِنْسَان على مَا فِي يَده، وَالنعْمَة ظرفا لصَاحِبهَا لغمرها وإحاطتها إِيَّاه (وَعم متعلقها) أَي فِي (مدخولها) باستيعابه إِيَّاه حَال كَونهَا (مقدرَة لَا ملفوظة لُغَة) أَي عُمُوما تَقْتَضِيه اللُّغَة (للْفرق) بل وَعرفا (بَين صمت سنة وَفِي سنة) كَانَ الأول يُفِيد اسْتِيعَاب السّنة بِالصَّوْمِ وَهُوَ يصدق بِوُقُوعِهِ فِي بعض يَوْم مِنْهَا (فَلم يصدق قَضَاء فِي نِيَّته آخر النَّهَار فِي) أَنْت (طَالِق غَدا) وَيصدق ديانَة عِنْد الْكل (وَصدق) فِي أَنْت طَالِق (فِي غَد) قَضَاء وديانة فِي نِيَّته آخر النَّهَار عِنْده (خلافًا لَهما) فَإِنَّهُ يصدق عِنْدهمَا ديانَة لَا غير، لِأَنَّهُ وصفهَا بِالطَّلَاق فِي جَمِيع الْغَد كَالْأولِ لِأَن حذفهَا مَعَ إرادتها وإثباتها سَوَاء، فَكَانَ حذفهَا يُفِيد عُمُوم الزَّمَان كَذَلِك إِثْبَاتهَا يفِيدهُ، وَكَذَا يَقع فِي إِثْبَاتهَا عِنْد عدم النِّيَّة فِي أول جُزْء من الْغَد اتِّفَاقًا، فَأجَاب عَن هَذَا بقوله (وَإِنَّمَا يتَعَيَّن أول أَجْزَائِهِ) أَي الْغَد (مَعَ عدمهَا) أَي النِّيَّة (لعدم المزاحم) لسبقه: يَعْنِي أَن وُقُوع متعلقها فِي بعض أَجزَاء الْغَد مَدْلُول قطعا عِنْد ذكرهَا، وكل جُزْء يحْتَمل ذَلِك فاشتركت الْأَجْزَاء فِي هَذَا الِاحْتِمَال، وترجح الْجُزْء الأول لعدم الْمُزَاحمَة: إِذْ الْمُزَاحمَة فرع الْوُجُود وَلم يُوجد فِي يَدَيْهِ سوى الْجُزْء الأول فَيتَعَيَّن (وتنجز نَحْو) أَنْت (طَالِق فِي الدَّار، و) أَنْت طَالِق فِي (الشَّمْس لعدم صلاحيته) أَي كل من الدَّار وَالشَّمْس (للإضافة) أَي إِضَافَة الطَّلَاق إِلَيْهِ لِأَنَّهَا تَعْلِيق معنى، وَالتَّعْلِيق إِنَّمَا يكون بمعدوم على خطر الْوُجُود، وَالْمَكَان الْمعِين وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَوْجُود فَيَقَع فِي الْحَال (إِلَّا أَن يُرَاد) بقوله فِي الدَّار (نَحْو دخولكها) أَي فِي دخولك الدَّار حَال كَون الدُّخُول (مُضَافا) إِلَى الدَّار محذوفا للاختصار (أَو) يرد (الْمحل) أَي اسْتِعْمَال الْمحل، وَهُوَ الدَّار، أَو الشَّمْس (فِي الْحَال) وَهُوَ الدُّخُول مجَازًا (أَو) يُرَاد (اسْتِعْمَالهَا) أَي فِي (فِي الْمُقَارنَة) أَي بمعونة مَعَ لِأَن فِي الظّرْف معنى الْمُقَارنَة للمظروف (كالتعليق) أَي فَهُوَ حِينَئِذٍ كالتعليق (توقفا) لتوقف الطَّلَاق على الْمُقَارنَة كتوقف الْمُعَلق على

стр. 503

الْمُتَعَلّق بِهِ كالتعلق (لَا ترتبا) إِذْ لَا يَتَرَتَّب الطَّلَاق على الْمُقَارنَة كترتبه على الشَّرْط كَمَا زعم الْبَعْض غير أَنه لَا يَقع بِدُونِهَا (فَعَنْهُ) أَي عَن كَونه كالتعليق توقفا لَا ترتبا (لَا تطلق أَجْنَبِيَّة قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق فِي نكاحك) ثمَّ تزَوجهَا كَمَا لَو قَالَ مَعَ نكاحك: أَي إِيجَاب الطَّلَاق الْمُقَارن للنِّكَاح لَغْو بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن تَزَوَّجتك: إِذْ حِينَئِذٍ يكون الطَّلَاق مُرَتبا على النِّكَاح، وَهَكَذَا شَأْن الطَّلَاق يكون بعد النِّكَاح لَا مَعَه، وَحذف الْمُضَاف والتجوز خلاف الظَّاهِر، وَلذَا لم يصدق فِيهِ قَضَاء، وَيصدق ديانَة لاحْتِمَال اللَّفْظ، ثمَّ إِن ظرفية الدَّار وَالشَّمْس للدخول على سَبِيل التَّجَوُّز بتنزيل الْمَعْنى منزلَة الْجِسْم المتمكن، وَمثل هَذَا التَّجَوُّز شَائِع (وَتعلق طَالِق فِي مَشِيئَة الله) أَي تعلق الطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق فِي مَشِيئَة الله كَانَ شَاءَ الله: إِذْ الْمَشِيئَة بِاعْتِبَار تعلقهَا بِالطَّلَاق لَيست من الْأَشْيَاء الثَّابِتَة لِئَلَّا يصلح لكَونهَا فِي معنى التَّعْلِيق كَالدَّارِ وَالشَّمْس (فَلم يَقع) الطَّلَاق (لِأَنَّهُ) أَي وُقُوعه فِي مَشِيئَة الله غيب لَا سَبِيل إِلَى الِاطِّلَاع عَلَيْهِ (لاختصاصها) أَي لاخْتِصَاص الْعلم بِالْمَشِيئَةِ بِاللَّه لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ، وَالْأَصْل عدم الْوُقُوع (وتنجز) الطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق (فِي علم الله لشُمُوله) أَي شُمُول علمه جَمِيع المعلومات لِأَنَّهُ بِكُل شَيْء عليم (فَلَا خطر) فِي التَّعْلِيق بِهِ لما مر من أَن الْخطر إِنَّمَا يكون فِي أَمر يحْتَمل الْوُجُود وَالْعلم (بل) التَّعْلِيق بِهِ (تَعْلِيق بكائن) لَا محَالة لِأَنَّهُ لَا يَصح نَفْيه عَنهُ تَعَالَى بِحَال فَكَانَ تَعْلِيقا بموجود فَكَانَ تنجيزا فَإِن قلت: علم الله على نَوْعَيْنِ على وزان الْعلم التصوري، وَهُوَ مُتَعَلق بِكُل شَيْء مُحِيط بِهِ حَتَّى الْمُمْتَنع، وَعلم على وزان الْعلم التصديقي وَهُوَ لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِمَا هُوَ وَاقع فِي نفس الْأَمر، فَإِن أَرَادَ بقوله فِي علم الله النَّوْع الأول فَالْأَمْر كَمَا ذكرت، وَإِن أَرَادَ النَّوْع الثَّانِي فَلَا نسلم أَن التَّعْلِيق بِهِ تَعْلِيق بكائن لجَوَاز عدم تحقق الْعلم الْمُتَعَلّق بِوُقُوع الطَّلَاق: أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷺ " اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي " وإدخاله حرف الشَّك على الْعلم الْمُتَعَلّق بالخيرية قلت لما أطلق وَلم يُقَيِّدهُ بِمَا يخصصه بِهَذَا النَّوْع من التَّعْلِيق يحمل على مُطلق الْعلم الْمُتَعَلّق بِكُل شَيْء لِأَنَّهُ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى بعض التَّعْلِيل الْمَذْكُور بقوله (وَأورد) على هَذَا الدَّلِيل بِأَنَّهُ يلْزم مثل مَا قُلْتُمْ فِي الْقُدْرَة (فَيجب الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق فِي: أَنْت طَالِق (فِي قدرَة الله للشمول) أَي لشمُول الْقُدْرَة لكل شَيْء كل كَالْعلمِ فالتعليق بِهِ تَعْلِيق بكائن لَا محَالة (أُجِيب) بِبَيَان الْفرق بَين الْعلم وَالْقُدْرَة (بِكَثْرَة إِرَادَة التَّقْدِير) من قدرَة الله، وَهُوَ تعلق الْإِرَادَة بِوُقُوع شَيْء فَهُوَ غير مَعْلُوم الْوُقُوع (فكالمشيئة) أَي فَهِيَ كالمشيئة فِي أَنه لَا يعلم كينونته (وَدفع) هَذَا الْجَواب بِأَنَّهَا (تسْتَعْمل بِمَعْنى الْمَقْدُور) الشَّامِل كل مُمكن (بِكَثْرَة أَيْضا) وَفِيه أَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون مُحْتملا للأمرين فَلَا يتَعَيَّن التَّعْلِيق بكائن وَالْحَاصِل أَن قَوْله أُجِيب إِلَى آخِره منع جَرَيَان الدَّلِيل فِي مَادَّة النَّقْض

стр. 504

فَيجب على الْخصم إِثْبَات الْمُقدمَة الممنوعة، وَقَوله دفع إِلَى آخِره لَا يثبتها (وَأجِيب) عَن هَذَا الدّفع (بِأَن الْمَعْنى بِهِ) أَي بالمقدور (آثَار الْقُدْرَة) على حذف الْمُضَاف (وَلَا أثر للْعلم) حَتَّى يكون الْمَعْنى فِي علم الله آثَار علم الله، فَكيف يكون فِي قدرَة الله مثل فِي علم الله (وَدفع) هَذَا الْجَواب (باتحاد الْحَاصِل من مَقْدُور) الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ الْقُدْرَة بِكَثْرَة (و) الْحَاصِل من (آثَار الْقُدْرَة) وَإِذا كَانَ الْقُدْرَة مستعملة فِي آثَار الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْمَقْدُور (فَلم لم يكن) فِي قدرَة الله بِمَعْنى مَقْدُور الله (كالمعلوم) فِي علم الله فَيَقَع بِهِ الطَّلَاق، ثمَّ حقق المُصَنّف الْمحل بقوله (وَالْوَجْه إِذا كَانَ الْمَعْنى) أَي معنى أَنْت طَالِق فِي قدرَة الله (على التَّعْلِيق) قَوْله وَالْوَجْه مُبْتَدأ وَالْخَبَر (أَن لَا معنى للتعليق بمقدوره) وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة مُعْتَرضَة جَوَابه مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر (إِلَّا أَن يُرَاد وجوده) أَي الْمَقْدُور: إِذْ تَعْلِيق الطَّلَاق بِذَات الْمَقْدُور غير مَعْقُول: إِذْ الْمُتَعَلّق بِهِ مَدْخُول حرف الشَّرْط من حَيْثُ الْمَعْنى، ومدخولها لَا يكون إِلَّا مَعَاني الْأَفْعَال كالوجود والثبوت (فَتطلق فِي الْحَال) لتحَقّق الْمُعَلق بِهِ (أَو) كَانَ الْمَعْنى (على أَن هَذَا الْمَعْنى) الطَّلَاق (ثَابت فِي جملَة مقدوراته فَكَذَلِك) أَي فَتطلق فِي الْحَال (كَمَا قَرَّرَهُ بَعضهم فِي علمه) أَي فِي أَنْت طَالِق فِي علم الله، فَقَالَ الْمَعْنى أَنْت طَالِق فِي مَعْلُوم الله: أَي هَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي جملَة معلوماته فَلَو لم يَقع الطَّلَاق لم يكن فِي معلوماته وَكَذَا لم يُمكن فِي مقدوراته (وَيُجَاب) عَن هَذَا الْوَجْه (بِاخْتِيَار الثَّانِي، و) هُوَ أَي أَن هَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي جملَة مقدوراته، ثمَّ يُقَال (بِالْفرقِ) بَينه وَبَين فِي علمه (بِأَن ثُبُوته) أَي طَلاقهَا (فِي علمه بِثُبُوتِهِ فِي الْوُجُود وَهُوَ) أَي ثُبُوته فِي الْوُجُود (بِوُقُوعِهِ بِخِلَاف ثُبُوته فِي الْقُدْرَة فَإِن مَعْنَاهُ أَنه مَقْدُور، وَلَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا كَونه مَوْجُودا تعلّقت بِهِ الْقُدْرَة) وَكَذَا يُقَال لفاسد الْحَال فِي قدرَة الله صَلَاحه مَعَ عدم تحَققه فِي الْحَال (هَذَا حَقِيقَة الْفرق، وَلَا حَاجَة إِلَى غَيره مِمَّا تقدم) من أَن الْمَعْنى بِأَن الْمَقْدُور أثار الْقُدْرَة إِلَى آخِره، ثمَّ الدّفع باتحاد الْحَاصِل إِلَى آخِره ثمَّ إِرَادَة الْوُجُود على تَقْدِير كَون الْمَعْنى على التَّعْلِيق (وَأَيْضًا الْمَبْنِيّ الْحمل على الْأَكْثَر فِيهِ اسْتِعْمَالا) أَي على الْمَعْنى الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ مثل طَالِق فِي قدرَة الله فِي الْأَغْلَب (فَلَا يُرَاد الثَّانِي) وَهُوَ أَن يُرَاد بِالْقُدْرَةِ التَّقْدِير لندرة الِاسْتِعْمَال فِيهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ ثَانِيًا لِأَنَّهُ ذكر فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة فِي هَذِه المناظرة فِي جَوَاب الْبَعْض (وَلَو تَسَاويا) أَي اسْتِعْمَاله فِي الْمَقْدُور واستعماله فِي التَّقْدِير (لَا يَقع) الطَّلَاق (بِالشَّكِّ) إِذْ على تَقْدِير إِرَادَة التَّقْدِير لَا يَقع، وعَلى تَقْدِير إِرَادَة الْمَقْدُور يَقع، وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا، وَالْأَصْل عدم الطَّلَاق: هَذَا وَذكر فِي الْكَافِي أَنه لَو أَرَادَ حَقِيقَة قدرته تَعَالَى يَقع فِي الْحَال (ولبطلان الظَّرْفِيَّة لزم عشرَة فِي لَهُ) عَليّ (عشرَة فِي عشرَة) لِأَن الشَّيْء لَا يصلح ظرفا لنَفسِهِ، لَا يُقَال يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَن يحمل على مجازه وَهُوَ معنى مَعَ أَو وَاو الْعَطف كَمَا هُوَ قَول زفر

стр. 505

لتَعَدد الْمَعْنى الْمجَازِي، وَعدم تَرْجِيح بعضه على بعض على أَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة (إِلَّا أَن قصد بِهِ الْمَعِيَّة أَو الْعَطف) أَي معنى الْوَاو (فعشرون) أَي فَيلْزم عشرُون (لمناسبة الظَّرْفِيَّة) الَّتِي هِيَ حَقِيقَة فِي (كليهمَا) أَي الْمَعِيَّة والعطف: إِذْ بنية قصد التَّشْدِيد على نَفسه فَلَزِمَهُ (وَمثله) أَي مثل عشرَة فِي عشرَة فِي بطلَان الظَّرْفِيَّة أَنْت (طَالِق وَاحِدَة فِي وَاحِدَة) فَيَقَع وَاحِدَة مَا لم ينْو الْمَعِيَّة أَو الْعَطف، فَإِن نوى أَحدهمَا وَهِي مدخولة وَقع ثِنْتَانِ، وَإِن كَانَت غير مدخولة وَقع وَاحِدَة فِي نِيَّة الْعَطف وثنتان فِي نِيَّة الْمَعِيَّة (وَإِنَّمَا يشكل إِذا أَرَادَ عرف الْحساب) فِي مثل لَهُ عَليّ عشرَة فِي عشرَة حَيْثُ قَالُوا يلْزمه عشرَة (لِأَن مؤد اللَّفْظ حِينَئِذٍ) أَي حِين أَرَادَ عرف الْحساب (كمؤدي عشر عشرات) لِأَن عرفهم تَضْعِيف أحد العددين بِقدر الآخر، وَقد بنى كَلَامه على عرفهم فَصَارَ كَمَا لَو أوقع بلغَة أُخْرَى عَالما بهَا، وَلذَا قَالَ زفر وَبَاقِي الْأَئِمَّة: يلْزمه مائَة حَتَّى لَو ادّعى الْمقر لَهُ الْمِائَة وَأنكر الْمقر حلف أَنه مَا أَدَّاهُ. أدوات الشَّرْط (أَي تَعْلِيق مَضْمُون جملَة على جملَة أُخْرَى تَلِيهَا وَحَاصِله) أَي الشَّرْط بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (ربط خَاص) وَهُوَ جعل الْمُعَلق بِحَيْثُ يَتَرَتَّب على الْمُعَلق بِهِ إِذا تحقق (ونسبتها) أَي نِسْبَة الْجُمْلَة الْمُعَلق عَلَيْهَا (عَلَيْهِ) أَي الشَّرْط فِي قَوْلهم جملَة شَرْطِيَّة (لدلالتها) أَي الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة (عَلَيْهِ) أَي الشَّرْط بانضمام أدوات الشَّرْط إِلَيْهَا (وَيُقَال) لفظ الشَّرْط أَيْضا (لمضمون) الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة (الأولى) فَهُوَ بِالْمَعْنَى الأول صفة الْمُتَكَلّم، وبالمعنى الثَّانِي لَيْسَ صفته (وَمِنْه) أَي من الْمَعْنى الثَّانِي قَوْلهم (الشَّرْط) بِمَعْنى مَضْمُون الْجُمْلَة الأولى (مَعْدُوم) أَي عِنْد التَّعْلِيق: إِذْ لَو كَانَ مَوْجُودا لم يكن الْكَلَام تَعْلِيقا بل تنجيزا (على خطر الْوُجُود) أَي مترددا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون لَا مُسْتَحِيل وَلَا مُتَحَقق (وَإِن أَصْلهَا) أَي أدوات الشَّرْط (لتجردها لَهُ) أَي لدلالتها على مُجَرّد معنى الشَّرْط (وَغَيرهَا) أَي غير إِن من بَقِيَّة الأدوات للشّرط (مَعَ خُصُوص زمَان وَنَحْوه) من مَكَان وَغَيره، وَمَا فِي التَّحْرِير: شرح الْجَامِع الْكَبِير الأَصْل فِي أَلْفَاظ الشَّرْط كلما، وَالْبَاقِي مُلْحق بهَا غَرِيب: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَاشْترط) لُغَة (الْخطر فِي مدخولها) أَي إِن (ومدخول الْأَسْمَاء الجازمة كمتى حَتَّى امْتنع إِن أَو مَتى طلعت الشَّمْس أفعل) كَذَا لِأَن طُلُوع الشَّمْس لَا خطر فِيهِ (إِلَّا لنكتة) من توبيخ أَو تَغْلِيب أَو غير ذَلِك مِمَّا فصل فِي علم الْمعَانِي، وَهَذَا الِامْتِنَاع وَاقع لُغَة (لَا لِأَنَّهُ) أَي الْخطر (شَرط الشَّرْط) لَا يتَحَقَّق حَقِيقَة إِلَّا بِهِ (وَحَاصِله) أَي حَاصِل الْكَلَام فِي إِن والأسماء الجازمة (أَنَّهَا إِنَّمَا وضعت لإِفَادَة التَّعْلِيق كَذَلِك) أَي على

стр. 506

خطر الْوُجُود (وَلذَا) أَي وَلكَون الْخطر لَيْسَ بِشَرْط مُطلقًا (صَحَّ) الشَّرْط (مَعَ ضِدّه) أَي الْخطر (فِي إِذا جَاءَ غَد أكرمك) إِذْ مَجِيء الْغَد مُحَقّق (لوضعها) أَي إِذا (لذَلِك) أَي لإِفَادَة التَّعْلِيق على مَا هُوَ مَقْطُوع بِوُجُودِهِ إِذا كَانَت للشّرط فَلَا تسْتَعْمل فِي غير الْمَقْطُوع (إِلَّا لنكته كإذا جَاءَ زيد) فَإِنَّهُ يُقَال مَعَ عدم الْقطع (تفاؤلا) إِذا كَانَ مَجِيئه مَطْلُوبا وَهُوَ على خطر الْوُجُود وكقول عبد بن قيس: (واستغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى (وَإِذا تصبك) خصَاصَة فَتحمل) (تَنْزِيلا لَهُ) أَي لما هُوَ على الْخطر (محققا) أَي منزلَة الْمُحَقق (لعادة الْوُجُود) لما هُوَ مُعْتَاد فِي عَالم الْكَوْن من رد الْغَائِب وإصابة الخصاص (وتوطينا) للنَّفس على تحمل مشقة الْفقر والفاقة وَالصَّبْر عَلَيْهَا (لدفع الْجزع عِنْده) أَي عِنْد وُقُوعه (وتخصيصهم) أَي الْمَشَايِخ (تَفْرِيع) مسئلة (إِن لم أطلقك فطالق) يُرِيد بتخصيصهم التَّفْرِيع الْمَذْكُور حصرهم الْمُسْتَفَاد من قَوْلهم (لَا تطلق إِلَّا بآخر) جُزْء من (حَيَاة أَحدهمَا) أَي الزَّوْجَيْنِ إِذا لم يطلقهَا من عقيب التَّعْلِيق إِلَى الآخر الْمَذْكُور تعميما فِي الزَّوْجَيْنِ بِنَاء (على) القَوْل (الصَّحِيح فِي مَوتهَا) احْتِرَازًا عَمَّا فِي النَّوَادِر من أَنَّهَا لَا تطلق بآخر حَيَاتهَا لِأَنَّهُ قَادر على تطليقها، وَإِنَّمَا يعجز عَنهُ بموتها فَيَقَع بِمَوْتِهِ لَا بموتها، وَوجه التَّسْوِيَة أَنه إِذا بَقِي من حَيَاة أَحدهمَا مَا لَا يسع التَّطْلِيق بِلَفْظ مَا فَذَلِك الْقدر صَالح لوُقُوع الطَّلَاق، وَإِن لم يصلح للتطليق بِلَفْظ فَيَقَع لتحَقّق الشَّرْط وَهُوَ النَّفْي الْمُسْتَوْعب أَجزَاء الْعُمر المستلزم لليأس من إِيقَاع الطَّلَاق بِلَفْظ مَعَ وجود الْمحل، ثمَّ علل التَّخْصِيص الْمَذْكُور بقوله (للتّنْبِيه على أَنه) أَي شَرط وُقُوع الطَّلَاق (الْعَدَم) أَي عدم التَّطْلِيق الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله إِن لم أطلقك (مُطلقًا) أَي عدما مُسْتَغْرقا جَمِيع أَجزَاء حَيَاة أَحدهمَا سوى النقطة الْأَخِيرَة: إِذْ التَّطْلِيق الَّذِي تضمنه الْفِعْل الْمَذْكُور نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي مستغرقة جَمِيع التطليقات الممكنة فِي الْعُمر، وَقَوله تخصيصهم: مُبْتَدأ خَبره قَوْله (لدفع توهم الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق الْمُعَلق، وَيحْتَمل أَن يكون الْخَبَر قَوْله للتّنْبِيه، وَقَوله لدفع توهم تعليلا لَهُ (بسكوت يَسعهُ) أَي التَّطْلِيق بعد زمَان التَّعْلِيق (كَمَا هُوَ) الحكم (فِي مَتى) لم أطلقك فَأَنت طَالِق لإضافة الطَّلَاق إِلَى زمَان خَال عَن تطليقها إِذْ هُوَ ظرف زمَان، وبمجرد سُكُوته يُوجد الزَّمَان الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيَقَع فَالشَّرْط فِي إِن لم أطلقك الْعَدَم الْمُطلق وَهُوَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْجُزْء الْأَخير، وَفِي مَتى لم أطلقك وجود زمَان خَال عَن التَّطْلِيق: إِذْ هُوَ ظرف يُوجد فِيمَا ذكر فَافْتَرقَا هَكَذَا عبارَة الْمَتْن فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة أُخْرَى مصححة لدفع توهم الْوُقُوع بِالسُّكُوتِ لتحَقّق الْعَدَم بِهِ وَإِلَّا كَانَ الشَّرْط عدما مُقَيّدا بِزَمَان عَدمه فَيَقَع بسكوت يَسعهُ انْتهى، وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى السُّكُوت، وَمعنى قَوْله

стр. 507

وَإِلَّا: أَي لَا يكون الشَّرْط عدما مُطلقًا، وَضمير عَدمه رَاجع إِلَى التَّطْلِيق وَلَا يخفى عَلَيْك مَا فِيهِ مَعَ أَن الأولى تفِيد مَا فِي الثَّانِيَة فِي إيجاز ووضوح (فقد تضمن) هَذَا الْكَلَام (مسئلتها) أَي مَتى (وَمِنْهَا) أَي من أَحْكَامهَا أَنه إِذا قَالَ (أَنْت طَالِق مَتى شِئْت لَا يتَقَيَّد) تَفْوِيض الْمَشِيئَة إِلَيْهَا (بِالْمَجْلِسِ فلهَا مَشِيئَة الطَّلَاق بعده) أَي الْمجْلس لِأَنَّهَا لعُمُوم أَفْرَاد مدخولها بِحَسب عُمُوم الْأَزْمِنَة بِخِلَاف إِن شِئْت. مسئلة (إِذا) وضعت (لزمان) حُدُوث (مَا أضيفت إِلَيْهِ) كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ أَي وَقت غشيانه بدل من اللَّيْل لَا حَال عَنهُ كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب، إِذْ لَيْسَ المُرَاد تَقْيِيد تعلق الْقسم بذلك الْوَقْت (وتستعمل للمجازاة) أَي للشّرط على خلاف أَصْلهَا حَال كَونهَا (دَاخِلَة على مُحَقّق) كَمَا هُوَ الأَصْل فِيهَا (وموهوم) لنكتة كَمَا سبق (وتوهم أَنه) أَي دُخُولهَا على موهوم (مَبْنِيّ حكم فَخر الْإِسْلَام أَنَّهَا حِينَئِذٍ) تدخل على موهوم (حرف) بِمَعْنى أَن (فَدفع) كَونه منشأ لحرفيتها (بِجَوَازِهِ) أَي دُخُولهَا على موهوم (لنكتة) وَهَذَا التَّوَهُّم وَالدَّفْع فِي التَّلْوِيح (وَلَيْسَ) هُوَ مبناه (وَكَلَامه) أَي وَحَاصِل كَلَامه (يجازي بهَا وَلَا) يجازي بهَا (عِنْد الْكُوفِيّين وَإِذا جوزي) بهَا (سقط عَنْهَا الْوَقْت) أَي إِفَادَة الزَّمَان الْمَذْكُور وَصَارَت (كَأَنَّهَا حرف شَرط، ثمَّ قَالَ) فَخر الْإِسْلَام (لَا يَصح طَرِيق أبي حنيفَة إِلَّا أَن يثبت أَنَّهَا قد تكون حرفا بِمَعْنى الشَّرْط) مثل إِن، وَقد ادّعى ذَلِك أهل الْكُوفَة (ثمَّ أثْبته) أَي فَخر الْإِسْلَام كَونهَا حرفا بِمَعْنى الشَّرْط (بِالْبَيْتِ وَإِذا تصبك) خصَاصَة فَتحمل (فلاح أَن الْمَبْنِيّ) أَي مبْنى فَخر الْإِسْلَام أَنَّهَا حرف (كَونهَا إِذن لمُجَرّد الشَّرْط، وَهُوَ) أَي كَونهَا كَذَلِك مَبْنِيّ (صَحِيح) لدعوى حرفيتها (لِأَن مجرده) أَي الشَّرْط (ربط خَاص) وَهُوَ تَعْلِيق مَضْمُون جملَة بِأُخْرَى (وَهُوَ) أَي الرَّبْط الْمَذْكُور (من مَعَاني الْحُرُوف، وَقد تكون الْكَلِمَة حرفا واسما) كالكاف وَقد، بل وفعلا أَيْضا كعلى وَعَن، فَلَا استبعاد فِي كَون إِذا اسْما أَو حرفا (بل الْوَارِد) على فَخر الْإِسْلَام (منع سُقُوطه) أَي الزَّمَان عَنْهَا إِذا كَانَت جازمة (والجزم لَا يستلزمه) أَي سُقُوط الزَّمَان، إِذا لَا مُنَافَاة بَين جازميتها ودلالتها على الزَّمَان (كمتى وَأَخَوَاتهَا وَهُوَ) أَي كَونهَا مجازي بهَا مَعَ دلالتها على الزَّمَان (قَوْلهمَا، وَعَلِيهِ) أَي كَونهَا للشّرط مَعَ دلالتها على الزَّمَان (تفرع الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق (فِي الْحَال عِنْدهمَا فِي إِذا لم أطلقك فطالق و) هِيَ (كَانَ عِنْده) أَي أبي حنيفَة فَلَا تطلق بِمَوْت أَحدهمَا وَهَذَا إِذا لم يكن لَهُ نِيَّة، فَأَما إِذا نوى الْوَقْت أَو الشَّرْط الْمَحْض وَهُوَ

стр. 508

على مَا نوى بالِاتِّفَاقِ ذكره غير وَاحِد. قَالَ الشَّارِح وَتعقبه شَيخنَا المُصَنّف بِأَنَّهُ يجب على قَوْلهمَا إِذا أَرَادَ معنى الشَّرْط أَن لَا يصدقهُ القَاضِي لظُهُوره عِنْدهمَا فِي الظّرْف فأراده الشَّرْط خلاف الظَّاهِر، وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ فَلَا يصدق قَضَاء بل ديانَة فَقَط (والاتفاق على عدم خُرُوج الْأَمر عَنْهَا فِي أَنْت طَالِق إِذا شِئْت) إِذا قَامَت عَن الْمجْلس عَن غير مَشِيئَة (لشك الْخُرُوج بعد تحقق الدُّخُول عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لجَوَاز عدم المجازاة كَقَوْلِه فِي إِذا لم أطلقك) فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ قَالَ: الأَصْل عدم وُقُوع الطَّلَاق فَلَا يَقع عقيب تَعْلِيقه بِالشَّكِّ لجَوَاز سُقُوط الْوَقْت عَنْهَا فَصَارَت كَانَ وَالْحَاصِل أَن الْأَمر صَار بِيَدِهَا بالتفويض ثمَّ على اعْتِبَار أَنَّهَا للشّرط يخرج الْأَمر من يَدهَا وعَلى اعْتِبَار أَنَّهَا للْوَقْت لَا يخرج فَلَا يخرج بِالشَّكِّ. مسئلة (لَو للتعليق فِي الْمَاضِي مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط فِيهِ) أَي فِي الْمَاضِي (فَيمْتَنع لجواب الْمسَاوِي) للشّرط فَلَو كَانَت الشَّمْس طالعة كَانَ النَّهَار مَوْجُودا: يَعْنِي إِذا كَانَ مَضْمُون جَوَاب لَو مُسَاوِيا لمضمون مدخولها فِي التحقق لزم عدم تحَققه لكَون الْمُعَلق بِهِ ملزوما واستلزام انْتِفَاء الْمَلْزُوم إِذا كَانَ اللَّازِم لَا يَنْفَكّ عَن الْمَلْزُوم (فدلالته) أَي لَو (عَلَيْهِ) أَي امْتنَاع الْجَواب دلَالَة (التزامية وَلَا دلَالَة) للو على امْتنَاع الْجَواب (فِي) الْجَواب (الْأَعَمّ) من الشَّرْط (الثَّابِت مَعَه) أَي الشَّرْط (و) مَعَ (ضِدّه) أَي الشَّرْط فالثابت إِلَى آخِره صفة كاشفة للأعم، وَهَذَا تنصيص على أَن لَو لم يوضع لانْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول وَإِلَّا لَكَانَ دلَالَته على كل من الانتفاءين تضمنية، وَإِنَّمَا جَاءَت دلَالَته على امْتنَاع الْجَواب فِي صُورَة الْمُسَاوَاة من قبل خُصُوصِيَّة الْمحل لَا من الْوَضع (كَلَوْ لم يخف الله لم يَعْصِهِ) فَإِن عدم مَعْصِيّة صُهَيْب جَوَاب أَعم من الشَّرْط، إِذْ هُوَ أَمر لَا يَنْفَكّ عَنهُ يدل عَلَيْهِ تحَققه مَعَ فرض عدم الْخَوْف فَإِنَّهُ إِذا لم يعْص مَعَ عدم خوف فَكيف يعْصى مَعَ وجوده فقد ثَبت تحَققه مَعَ عدم الْخَوْف وَمَعَ وجوده، وَهَذَا معنى كَونه أَعم (غير أَنَّهَا) أَي لَو (لما اسْتعْملت) شرطا فِي الْمُسْتَقْبل (كَانَ تجوزا) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وليخش الَّذين (لَو تركُوا من خَلفهم) ذُرِّيَّة ضعافا خَافُوا عَلَيْهِم الضّيَاع، فعلى هَذَا هُوَ خطاب للموصين بِأَن ينْظرُوا للْوَرَثَة فَلَا يُسْرِفُوا فِي الْوَصِيَّة، وللآية وُجُوه أخر ذكرت فِي التَّفْسِير (جعلت لَهُ) أَي الشَّرْط كَانَ (فِي قَوْله لَو دخلت عتقت فتعتق بِهِ) أَي بِالدُّخُولِ (بعده) أَي بعد قَوْله ذَلِك (فَعَن أبي يُوسُف) أَنْت طَالِق (لَو دخلت كَانَ دخلت صونا عَن اللَّغْو عِنْد الْإِمْكَان) أما الصون فَلِأَنَّهَا لَو حملت على حَقِيقَتهَا أَفَادَ الْكَلَام عدم الدُّخُول وَعدم الطَّلَاق وَلَا طائل تَحْتَهُ

стр. 509

وَإِن حمل على مجازها ترَتّب عَلَيْهِ الطَّلَاق على تَقْدِير الدُّخُول فِي الْمُسْتَقْبل، وَقد أمكن حملهَا عَلَيْهِ لتحَقّق هَذَا الِاسْتِعْمَال وَلَو قَالَ لَو دخلت فَأَنت طَالِق وَقع فِي الْحَال عِنْد أبي الْحسن لِأَن جَوَاب لَوْلَا تدخل عَلَيْهِ الْفَاء، وَذكر أَبُو عَاصِم العامري أَنَّهَا لَا تطلق مَا لم تدخل، لِأَنَّهَا لما جعلت بِمَعْنى أَن جَازَ دُخُول الْفَاء فِي جوابها، وعَلى هَذَا مَشى التُّمُرْتَاشِيّ (بِخِلَاف لَوْلَا لِأَنَّهُ لِامْتِنَاع الثَّانِي لوُجُود الأول لَيْسَ غير فَلَا تطلق فِي أَنْت طَالِق لَوْلَا حسنك أَو أَبوك) أَي مَوْجُود (وَإِن زَالَ) الْحسن (وَمَات) الْأَب لِأَن وجودهما عِنْد التَّكَلُّم مَانع من وُقُوع الطَّلَاق. مسئلة (كَيفَ أَصْلهَا سُؤال عَن الْحَال) أَي عَن حَال الشئوكيفيته (ثمَّ اسْتعْملت للْحَال) من غير اعْتِبَار السُّؤَال كَمَا (فِي انْظُر إِلَى كَيفَ تضع) حَكَاهُ قطرب عَن بعض الْعَرَب: أَي حَال صَنعته (وقياسها الشَّرْط جزما) أَي الْقيَاس فِي كَيفَ المتسعملة للْحَال أَن تكون للشّرط حَال كَونهَا جَازِمًا كَانَ اقترنت بِمَا أَولا (كالكوفيين) أَي كَقَوْلِهِم وقطرب لِأَنَّهَا للْحَال وَالْأَحْوَال تكون شُرُوطًا، وَالْأَصْل فِي الشَّرْط الْجَزْم، وَقيل يشْتَرط اقترانها بِمَا وَلم يجوزه سَائِر الْبَصرِيين إِذا شذوذا (وَأما) كَونهَا للشّرط (معنى فاتفاق) لإفادتها الرَّبْط وَقَالُوا إِذا كَانَت للشّرط جزما فَيجب فِيهَا اتِّفَاق فعلى الشَّرْط وَالْجَوَاب لفظا وَمعنى، نَحْو كَيفَ تصنع أصنع فَلَا يجوز كَيفَ تجْلِس أذهب، وَكَذَا لم يجْزم عِنْد الْبَصرِيين لمخالفتها أدوات الشَّرْط: إِذْ هِيَ غير مُقَيّدَة بِهَذَا الشَّرْط (وَمَا قيل لَكِنَّهَا) أَي الْحَال الَّتِي تدل عَلَيْهَا (غير اختيارية كالسقم والكهولة فَلَا يَصح التَّعْلِيق) للجواب (بهَا) أَي بِتِلْكَ الْحَال إِذْ الْمُعَلق بِهِ يكون اختياريا غَالِبا، لِأَن الْمَقْصد من التَّعْلِيق الْمَنْع والحث فِي الْأَغْلَب (إِلَّا إِذا ضمت إِلَيْهَا) كلمة (مَا) إِذْ بانضمامها تصير كلمة أُخْرَى فَلَا يلْزم حِينَئِذٍ فِي مدلولها عدم الِاخْتِيَار، خبر الْمَوْصُول مَحْذُوف: أَي لَيْسَ بِشَيْء أَو نَحوه يدل عَلَيْهِ قَوْله (لَيْسَ بِلَازِم فِي الشَّرْط ضِدّه) أَي ضد الِاخْتِيَار (وَلَا هُوَ): أَي وَلَا غير الِاخْتِيَار بل تَارَة وَتارَة، وَالْمعْنَى لَا ضم كلمة مَا إِلَيْهَا، أَلا ترى (فِي) قَوْلهم (كَيفَ كَانَ تمريض زيد وَكَيف تجْلِس أَجْلِس) فَإِن كَيْفيَّة التمريض وَالْجُلُوس تكون اختيارية وَغير اختيارية كَمَا لَا يخفى، وَالْأول للسؤال وَالثَّانِي للشّرط وَالْحَال، وَلم تنضم كلمة مَا إِلَيْهَا (وعَلى الحالية) أَي وعَلى إِرَادَة الْحَال من كَيفَ بنى (التَّفْرِيع) الْمَذْكُور فِي قَوْله إِن دخلت (فطالق كَيفَ شِئْت) إِذْ هُوَ (تَعْلِيق للْحَال) أَي تَعْلِيق حَال الطَّلَاق وَصفته من الْبَيْنُونَة والرجعية وَنَحْوهمَا (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (بمشيئتها فِي الْمجْلس وَإِذ لَا انفكاك) للطَّلَاق عَن كَيْفيَّة من

стр. 510

كَونه رَجْعِيًا أَو بَائِنا خَفِيفَة أَو غَلِيظَة بِمَال أَو بِلَا مَال إِلَى غير ذَلِك (تعلق الأَصْل) أَي أصل الطَّلَاق (بهَا) أَي بمشيئتها الْمَذْكُورَة فَهُوَ تَعْلِيق للطَّلَاق وكيفيته أَيْضا بِالْمَشِيئَةِ (غير مُتَوَقف) تعلق الأَصْل بمشيئتها (على امْتنَاع قيام الْعرض بِالْعرضِ كَمَا ظن) والظان صدر الشَّرِيعَة فِي التَّوْضِيح فِي أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت يتَعَلَّق بتعلق أصل الطَّلَاق أَيْضا بمشيئتها فعندهما مَا لَا يقبل الْإِشَارَة فحاصله وَأَصله سَوَاء أَظن هَذَا مَبْنِيا على امْتنَاع قيام الْعرض بِالْعرضِ فَإِن الْعرض الأول لَيْسَ محلا للعرض الثَّانِي بل كِلَاهُمَا حالان فِي الْجِسْم فَلَيْسَ أَحدهمَا أولى بِكَوْنِهِ أصلا ومحلا، بل هما سَوَاء لَكِن بِعَدَمِ الانفكاك إِذا تعلق أَحدهمَا بمشيئتها تعلق الآخر (لِأَنَّهُ) أَي قيام الْعرض بِالْعرضِ (بِالْمَعْنَى المُرَاد هُنَا وَهُوَ النَّعْت) أَي اخْتِصَاص الناعت بالمنعوت (غير مُمْتَنع) إِنَّمَا الْمُمْتَنع قِيَامه بِهِ بِمَعْنى حُلُوله فِيهِ على مَا عرف فَلَا يَقع شَيْء مَا لم تشأ، فَإِذا شَاءَت فالتفريع مَا سَيَأْتِي (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة (نقع) وَاحِدَة (رَجْعِيَّة) فِي الْمَدْخُول بهَا إِن لم تكن مسبوقة بِمَا يحصل بانضمامه الْبَيْنُونَة الْمُغَلَّظَة (وَيتَعَلَّق صيرورتها بَائِنَة وَثَلَاثًا) بمشيئتها وَالْحَاصِل أَنَّهَا إِن كَانَت غير مدخولة بَانَتْ فَلَا مَشِيئَة بعد، وَإِن كَانَت مدخولة فالكيفية مفوضة إِلَيْهَا فِي الْمجْلس، لِأَن كَيفَ إِنَّمَا تدل على تَفْوِيض الْأَحْوَال وَالصِّفَات إِلَيْهَا دون الأَصْل، فَفِي الْعتْق وَغير المدخولة لَا مَشِيئَة بعد وُقُوع الأَصْل فَيلْغُو التَّفْوِيض وَفِي المدخولة يكون التَّفْوِيض إِلَيْهَا بِأَن تجعلها بَائِنَة أَو ثَلَاثًا، وَصَحَّ هَذَا التَّفْوِيض لِأَن الطَّلَاق قد يكون رَجْعِيًا فَيصير بَائِنا بِمُضِيِّ الْمدَّة وَقد يكون وَاحِدًا فَيصير ثَلَاثًا بِضَم اثْنَيْنِ إِلَيْهِ، وَلما كَانَ مَدْلُول كَيفَ مُطلق الْحَال وَالصّفة لَا خُصُوص البينونه وَكَونه ثَلَاثًا احْتَاجَ إِلَى بَيَان مَا يخصصهما بالإرادة فَقَالَ (تَخْصِيصًا بِالْعقلِ لما لَا بُد مِنْهُ) يَعْنِي أَن التَّعْلِيق عِنْده لما كَانَ بِاعْتِبَار الْوَصْف دون الأَصْل لزم وُقُوع الأَصْل تنجيزا بِمُجَرَّد قَوْله أَنْت طَالِق قبل أَن يَقُول كَيفَ شِئْت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْد يتَوَقَّف صدر الْكَلَام عَلَيْهِ وَحَيْثُ كَانَ لَا يُوجد الأَصْل إِلَّا مَعَ وصف تعين أدناه محققا لوُجُوده وَهُوَ الرّجْعَة وَأَيْضًا لَا يتَصَوَّر التَّفْوِيض باعتبارها إِذْ التَّصَرُّف الَّذِي يُفَوض إِلَى الْغَيْر مَوْقُوف على فعل الْغَيْر: وَهِي تتَحَقَّق مَعَ الأَصْل فَلَا يصلح للتفويض إِلَّا مَا لَيْسَ بِلَازِم لَهُ وَهِي الْبَيْنُونَة، فاستثنى الرّجْعَة من الْوَصْف الْمُفَوض إِلَيْهَا، وَهَذَا معنى قَوْله تَخْصِيصًا إِلَى آخِره (فَلَزِمَ فِي غير المدخولة الْبَيْنُونَة) إِذْ الرّجْعَة إِنَّمَا تكون فِي الْعدة وَلَا عدَّة لَهَا (فتتعذر الْمَشِيئَة) لِأَن الْمَشِيئَة فرع عدم حُصُول الْبَيْنُونَة بِمُجَرَّد الطَّلَاق، وَقد تحققت بِمُجَرَّدِهِ وَلَا يتَصَوَّر تفويضها اليها بعد تحققها (وَمثله) أَي مثل أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت (أَنْت حر كَيفَ شِئْت) فعندهما لَا يعْتق مَا لم يَشَأْ فِي الْمجْلس، وَعِنْده يعْتق فِي الْحَال وَلَا مَشِيئَة لَهُ.

стр. 511

الظروف (مسئلة: قبل وَبعد وَمَعَ متقابلات) تقَابل التضاد مَوْضُوعَات (لزمان مُتَقَدم على مَا أضيف) أَحدهَا (إِلَيْهِ ومتأخر ومقارن) معطوفان على مُتَقَدم غير أَنه يقدر لَهما عَن وَمَعَ بدل على (فهما) أَي قبل وَبعد (بإضافتهما إِلَى) اسْم (ظَاهر صفتان لما قبلهمَا، و) بإضافتهما (إِلَى ضَمِيره) أَي الِاسْم الظَّاهِر صفتان (لما بعدهمَا لِأَنَّهُمَا خبران عَنهُ) أَي عَمَّا بعدهمَا، وَالْخَبَر فِي الْمَعْنى وصف للمبتدأ (فَلَزِمَ) طَلْقَة (وَاحِدَة فِي) أَنْت (طَالِق وَاحِدَة قبل وَاحِدَة) فَإِن قيل مُضَاف إِلَى ظَاهر: أَعنِي وَاحِدَة فَيكون صفة لوَاحِدَة الأولى فَلَزِمَ كَونهَا مُتَقَدّمَة على الثَّانِيَة، وَقَوله (لغير المدخولة) حَال عَن قَوْله طَالِق وَاحِدَة الخ: أَي حَال كَونه خطابا لغير المدخولة وَذَلِكَ (لفَوَات الْمَحَلِّيَّة) فَإِن غير المدخولة بِوُقُوع الْوَاحِدَة الأولى بَانَتْ بِلَا عدَّة فَلم تبْق محلا (للمتأخرة) أَي الْمُطلقَة الْمُضَاف إِلَيْهَا قبل (وثنتان فِي) أَنْت طَالِق وَاحِدَة (قبلهَا) وَاحِدَة فَإِن وَاحِدَة الثَّانِيَة مُبْتَدأ خَبَرهَا قبلهَا فَلَزِمَ كَون الْوَاحِدَة الْمَذْكُورَة أَولا مَوْصُوفا بمسبوقيتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَة وَفِي مثله يلْزم الْمُقَارنَة بَينهمَا فِي الزَّمَان (لِأَن الْموقع مَاضِيا) أَي الطَّلَاق الَّذِي وَصفه الْمُطلق بِكَوْنِهِ فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَلم يَقع بِحَسب نفس الْأَمر (يَقع حَالا) لِأَن الْوَاقِع حَالا لَا يُمكن رَفعه إِلَى الْمَاضِي: إِذْ هُوَ لَا يملك الْإِيقَاع فِيهِ وَيملك الْإِيقَاع فِي الْحَال فَيثبت مَا يملكهُ صونا لكَلَام الْعَاقِل عَن اللَّغْو (فيقترنان كمع وَاحِدَة) أَو مَعهَا وَاحِدَة، وَعَن أبي يُوسُف فِي مَعهَا وَاحِدَة تقع وَالصَّحِيح أَنه كمع وَاحِدَة (وعكسهما) أَي عكس الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين (فِي) صُورَتي قبل الحكم فِي أَنْت طَالِق وَاحِدَة (بعد وَاحِدَة و) أَنْت طَالِق وَاحِدَة (بعْدهَا) وَاحِدَة فَتطلق ثِنْتَيْنِ فِي الأولى لإيقاعه وَاحِدَة مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا بعد أُخْرَى وَلَا قدرَة لَهُ على تَقْدِيم مَا لم يسْبق فيفترقان لما ذكر، وَوَاحِدَة فِي الثَّانِيَة لإيقاعه وَاحِدَة مَوْصُوفَة بتعدية أُخْرَى لَهَا فَوَقَعت الأولى وَلم تلحقها الثَّانِيَة لفَوَات الْمَحَلِّيَّة (بِخِلَاف المدخولة) أَي بِخِلَاف مَا إِذا وضعت المدخولة مَوضِع غير المدخولة فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة، وَالْبَاقِي على حَاله (و) بِخِلَاف (الْإِقْرَار) إِذا وضع مَوضِع الطَّلَاق ولوحظ إِضَافَة قبل وَبعد إِلَى الظَّاهِر أَو الْمُضمر (فثنتان) أَي فاللازم ثِنْتَانِ من الطَّلَاق فِي الأولى وَمن الدِّينَار وَنَحْوه فِي الثَّانِيَة (مُطلقًا) فِي جَمِيع الصُّور من غير تَفْصِيل، وَمنع الشَّارِع كَون الحكم فِي الْإِقْرَار هَكَذَا إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى الظَّاهِر، وَنقل عَن الْمَبْسُوط أَنه حِينَئِذٍ يلْزم دِرْهَم وَاحِد فَإِن صَحَّ نَقله يحمل على الْخلاف وَاخْتِلَاف الرِّوَايَة وَالله أعلم.

стр. 512

مسئلة (عِنْد للحضرة) إِمَّا الحسية نَحْو - ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده﴾ - وَأما اللُّغَوِيَّة نَحْو - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْده علم﴾ - وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْمَوْصُوف بالحضور (أَعم من) نَحْو (الدّين) مِمَّا حُضُوره معنوي (و) من نَحْو (الْوَدِيعَة) مِمَّا حُضُوره حسي، وَفسّر الشَّارِح الضَّمِير بِكَوْن المَال حَاضرا عِنْد الْمقر وَلَا يخفى مَا فِيهِ (وَإِنَّمَا تثبت الْوَدِيعَة بإطلاقها) أَي إِطْلَاق عِنْد الْمَذْكُورَة فِي توصيف مَا أقرّ بِهِ من المَال مَعَ أَنَّهَا دَالَّة على مُطلق الْحُضُور الْأَعَمّ مِمَّا ذكر (كعندي) لفُلَان (ألف لأصلية الْبَرَاءَة) أَي لمرجح خَارج عَن مدلولها: وَهُوَ أَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّة الْمقر وَإِثْبَات الْوَدِيعَة مُوَافق لما هُوَ الأَصْل (فتوقف الدّين) أَي ثُبُوته على الْمقر (على ذكره) أَي الدّين (مَعهَا) أَي عِنْد بِأَن يَقُول لَهُ عِنْدِي ألف دِينَار وَلَا يتَوَقَّف ثُبُوت الْوَدِيعَة على ذكرهَا لِأَنَّهَا أدنى مؤدي اللَّفْظ متعينة حَيْثُ لَا معِين لغَيْرهَا. مسئلة (غير) اسْم متوغل فِي الْإِبْهَام (صفة) لما قبلهَا وَهُوَ الأَصْل فِيهِ (فَلَا يُفِيد حَال مَا أضيفت إِلَيْهِ) إِذْ لست بِصفة (كجاء رجل غير زيد، واستثناء) وَهُوَ عَارض عَلَيْهَا (فيفيده) أَي حَال مَا أضيفت إِلَيْهِ (وَيلْزمهُ) أَي غير إِذا كَانَ اسْتثِْنَاء (أَعْرَاب الْمُسْتَثْنى كجاءوا غير زيد) بِنصب غير (أفادت عَدمه) أَي الْمَجِيء (مِنْهُ) أَي زيد، وأعراب الْمُسْتَثْنى فِي مثله النصب لكَون الْكَلَام مُوجبا (فَلهُ) أَي فَفِي قَوْله عَليّ (دِرْهَم غير دانق) بِرَفْع غير (يلْزمه) الدِّرْهَم (تَاما) لِأَن غير حِينَئِذٍ صفة لدرهم، فَالْمَعْنى دِرْهَم مُغَاير للدانق وَهُوَ بِالْفَتْح وَالْكَسْر قيراطان كَذَا فِي الْمغرب (وَبِالنَّصبِ) يلْزمه دِرْهَم (بنقصه) أَي الدانق مِنْهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتثِْنَاء فَالْمَعْنى دِرْهَم إِلَّا دانقا (وَفِي) لَهُ عَليّ (دِينَار غير عشرَة) من الدَّرَاهِم (بِالنّصب كَذَلِك) أَي بِنَقص من الدِّينَار قيمَة عشرَة دَرَاهِم، وَيلْزمهُ الْبَاقِي عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (و) يلْزمه دِينَار (تَامّ عِنْد مُحَمَّد للانقطاع) أَي لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع (لشرطه) أَي مُحَمَّد (فِي الِاتِّصَال الصُّورَة وَالْمعْنَى) أَي التجانس الصُّورِي والمعنوي بَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ والمستثنى وَالدِّرْهَم لَيْسَ بمجانس للدينار صُورَة (واقتصرا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (عَلَيْهِ) أَي التجانس الصُّورِي (وَقد جَمعهمَا) أَي الدِّرْهَم وَالدِّينَار بِاعْتِبَار التجانس الْمَعْنَوِيّ (الثمينة، فَالْمَعْنى مَا قِيمَته دِينَار غير عشرَة) فَكَانَ مُتَّصِلا فَلَزِمَهُ من قيمَة الدِّينَار مَا سوى الْعشْرَة.

стр. 513

الْمقَالة الثَّانِيَة: فِي أَحْوَال الْمَوْضُوع وَقد فسر الْمَوْضُوع وَبَين المُرَاد بأحواله فِي الْمُقدمَة (وَعلمت) هُنَاكَ (إِدْخَال بَعضهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ كصدر الشَّرِيعَة (الْأَحْكَام) فِي الْمَوْضُوع (فَانْكَسَرت) أَي انقسمت انقسام الْكل إِلَى الْأَجْزَاء مُشْتَمِلَة (على خَمْسَة أَبْوَاب). الْبَاب الأول (فِي الْأَحْكَام وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول) فِي الحكم، وَالْحَاكِم، والمحكوم فِيهِ، والمحكوم عَلَيْهِ. الْفَصْل الأول (لفظ الحكم يُقَال للوضعي) أَي للخطاب الوضعي (قَوْله) تَعَالَى بِالْجَرِّ عطف بَيَان للوضعي (النَّفْسِيّ) صفة قَوْله احْتِرَاز عَن اللَّفْظِيّ (جعلته) أَي الشَّيْء الْفُلَانِيّ (مَانِعا) من كَذَا ككشف الْعَوْرَة الْمَانِع من صِحَة الصَّلَاة (أَو) جعلت كَذَا (عَلامَة) دَالَّة (على تعلق الطّلب) لفعل أَو ترك من الْمُكَلف، وَقَوله جعلته إِلَى آخِره مقول القَوْل (كالدلوك والتغير) فَإِن دلوك الشَّمْس، وَهُوَ زَوَالهَا، وَقيل غُرُوبهَا، وَالْأول الصَّحِيح كَمَا نطق بِهِ الْأَحَادِيث عَلامَة على طلب إِقَامَة الصَّلَاة، وتغيرها للغروب عَلامَة على عدم طلب غير الوقتية (أَو) عَلامَة على (الْملك أَو زَوَاله) كَالْبيع فَإِنَّهُ عَلامَة على ملك المُشْتَرِي الْمَبِيع وَالْبَائِع الثّمن، وعَلى زَوَال ملك البَائِع عَن الْمَبِيع، وَزَوَال ملك المُشْتَرِي عَن الثّمن، وكل مِنْهَا يشْتَمل على وضع إلهي فَظهر وَجه التَّسْمِيَة (فَفِي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الحكم) أَي الَّذِي وضع لحكم فَكَانَ ذَلِك الحكم مَوْقُوفا عَلَيْهِ (مَعَ ظُهُور الْمُنَاسبَة) بَينهمَا (الباعثة) لشرعية الحكم عِنْد ذَلِك الْوَضع صفة الْمُنَاسبَة (وضع الْعلية) أَي الْوَضع فِيمَا ذكر وضع الْعلية، فالموضوع عِلّة كَالْقصاصِ للْقَتْل الْعمد الْعدوان، وَسَيَجِيءُ بَيَان الْمُنَاسبَة فِي مبَاحث الْقيَاس (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَينهمَا مُنَاسبَة ظَاهِرَة (فَمَعَ الْإِفْضَاء) أَي مَعَ إفضاء الْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِلَى الحكم (فِي الْجُمْلَة) أَي فِي بعض الصُّور كالنصاب المفضي إِلَى وجوب الزَّكَاة فِي صُورَة السَّبَب (وضع السَّبَب، و) فِي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الحكم الْكَائِن (مَعَه) أَي مَعَ توقف الحكم عَلَيْهِ (جعله) أَي جعل الْمَوْقُوف عَلَيْهِ (دلَالَة عَلَيْهِ) أَي دَالَّة على الحكم (الْعَلامَة) أَي وضع الْعَلامَة مِنْهُ كالأوقات للصَّلَاة (وَفِي اعْتِبَاره) أَي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ (دَاخِلا فِي الْمَفْعُول) أَي فِيمَا يَفْعَله الْمُكَلف سَوَاء كَانَ من أَفعَال الْخَارِج أَو الْقلب أَو الْمركب مِنْهُمَا (وضع

стр. 514

الرُّكْن فَإِن لم ينتف حكم الْمركب) الَّذِي اعْتبر الْمَوْقُوف عَلَيْهِ دَاخِلا فِيهِ (بانتفائه شرعا) أَي انْتِفَاء شَرْعِيًّا (فالزائد) أَي فَهُوَ الرُّكْن الزَّائِد (كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَان على رَأْي) لطائفة من مَشَايِخنَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن انْتَفَى حكم الْمركب بانتفائه شرعا (فَالْأَصْل) أَي فالركن الأَصْل كالقيام حَال الْقُدْرَة فِي الصَّلَاة فَإِن الْإِيمَان لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الاقرار لعذر شرعا، وَلِهَذَا تجرى عَلَيْهِ أَحْكَامه وَإِن انْتَفَى عقلا ضَرُورَة انْتِفَاء الْكل بِانْتِفَاء الْجُزْء، بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا تَنْتفِي بانتفائه (وَغير الدَّاخِل) أَي وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ غير الدَّاخِل فِي الْمَفْعُول (الشَّرْط) وَلما كَانَ التَّعْرِيف الْخَارِج للشّرط من التَّقْسِيم، وَهُوَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ غير الدَّاخِل صَادِقا على بعض أَفْرَاد السَّبَب أَشَارَ إِلَى دفع النَّقْض بقوله (وَقد يُجَامع) الشَّرْط (السَّبَب) بِأَن يكون أَمر وَاحِد يتَوَقَّف عَلَيْهِ الحكم ذَا جِهَتَيْنِ شَرط لَهُ من حيثية، وَسبب من حيثية أُخْرَى (مَعَ اخْتِلَاف النِّسْبَة كوقت الصَّلَاة) فَإِنَّهُ شَرط بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدَائِهَا سَبَب بِالنِّسْبَةِ إِلَى وجوب أمرهَا، وَهَذَا معنى اخْتِلَاف النِّسْبَة وَأَيْضًا يَكْفِي فِي التقسيمات الاعتبارية المباينة بِاعْتِبَار الْحَيْثِيَّة، فَمن حَيْثُ أَنه مفض إِلَى الحكم سَبَب، وَمن حَيْثُ أَنه يتَوَقَّف عَلَيْهِ وَهُوَ غير دَاخل شَرط، ثمَّ لما كَانَ لَهُ كَلَام مُتَعَلق بتحقيق هَذَا الِاجْتِمَاع فِي الْفَصْل الثَّالِث أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (على مَا فِيهِ مِمَّا سَيذكرُ و) يُقَال الحكم (على أثر الْعلَّة) أَيْضا (كَنَفس الْملك) وَأَنه أثر للْبيع، وَقد يعبر عَنهُ بأثر فعل الْمُكَلف (و) يُقَال أَيْضا على (معلوله) أَي أثر الْعلَّة مثل (إِبَاحَة الِانْتِفَاع) بالمملوك بِالْبيعِ فَإِنَّهَا معلولة للْملك الَّذِي هُوَ أثر البيع (و) يُقَال أَيْضا (على وصف الْفِعْل) سَوَاء كَانَ (أثرا للخطاب الَّذِي هُوَ الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم (كالوجوب وَالْحُرْمَة) فَإِنَّهُمَا صفتان لفعل الْمُكَلف أثران للْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم (أَولا) مَعْطُوف على أثرا للخطاب أَو غير أثر لَهُ (كالنافذ وَاللَّازِم) وَالْمَوْقُوف كعقد الْفُضُولِيّ الْمَوْقُوف على إجَازَة من لَهُ التَّصَرُّف (وَغير اللَّازِم كالوقف عِنْده) أَي أبي حنيفَة إِذا لم يحكم بلزومه قَاض يرى ذَلِك فَإِن كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات وصف لتصرف الْمُكَلف وَلَيْسَ أثرا للخطاب. وَفِي التَّلْوِيح: التَّحْقِيق أَن إِطْلَاق الحكم على خطاب الشَّارِع، وعَلى أَثَره، وعَلى الْأَثر الْمُرَتّب على الْعُقُود والفسوخ إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الِاشْتِرَاك انْتهى: أَي اللَّفْظِيّ (وَيُقَال) الحكم أَيْضا (على) الْخطاب (التكليفي خطابه تَعَالَى) بِالْجَرِّ عطف بَيَان للتكليفي (الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين) حَال كَونه (طلبا أَو تخييرا) أَفعَال الْمُكَلف تعم الجارحية والقلبية، وَاحْترز بِقَيْد الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين عَن غَيره كالمتعلق بِذَات الله وَصِفَاته وَغَيرهمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الِاعْتِقَاد (فالتكليفي) إِطْلَاقه على مَا يعم الطلبي والتخيري (تَغْلِيب) إِذْ لَا تَكْلِيف فِي الْإِبَاحَة. قَالَ الشَّارِح: بل وَلَا فِي النّدب وَالْكَرَاهَة التنزيهية عِنْد الْجُمْهُور كَمَا سَيَأْتِي (وَلَو أُرِيد) التَّكْلِيف (بِاعْتِبَار

стр. 515

الِاعْتِقَاد) لَا بِاعْتِبَار الْعَمَل بِأَن يقْصد بِالْخِطَابِ أَن يعْتَقد الْمُكَلف مَضْمُون مُتَعَلّقه، ويؤمن بِهِ على مَا ذكره بعض الْأُصُولِيِّينَ فِي تَأْوِيل إِدْخَال نَحْو الْإِبَاحَة فِي التكليفى فَإِن العَبْد قد كلف باعتقاد إِبَاحَة الْمُبَاح وَندب الْمَنْدُوب (فَلَا تَخْيِير) أَي لَا يذكر فِي التَّعْرِيف حِينَئِذٍ: إِذْ لَا تَخْيِير فِي طلب الِاعْتِقَاد (وَهُوَ) أَي ذكر الطّلب (أوجه من قَوْلهم بالاقتضاء) بدل طلبا) إِذْ كَانَ) الْخطاب (نَفسه) أَي الِاقْتِضَاء، فَيصير الْمَعْنى خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين بِالْخِطَابِ كَذَا فسره الشَّارِح، وَفِي التَّلْوِيح الْخطاب فِي اللُّغَة تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام، نقل إِلَى مَا يَقع بِهِ التخاطب، وَهُوَ هَهُنَا الْكَلَام النَّفْسِيّ الأزلي، وَفِي معنى الِاقْتِضَاء طلب الْفِعْل مِنْهُ مَعَ الْمَنْع عَن التّرْك وَهُوَ الْإِيجَاب أَو بِدُونِهِ وَهُوَ النّدب أَو طلب التّرْك مَعَ الْمَنْع عَن الْفِعْل: وَهُوَ التَّحْرِيم أَو بِدُونِهِ: وَهُوَ الْكَرَاهَة انْتهى، فَلَيْسَ الْخطاب نفس الِاقْتِضَاء بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ وَلَا بِالْمَعْنَى الْمَنْقُول إِلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر، وَأما بِمَعْنى الْكَلَام النَّفْسِيّ فَهُوَ صفة أزلية بسيطة وحدانية، بِاعْتِبَار بعض تعلقاته اقْتِضَاء وَبَعضهَا تَخْيِير وَبَعضهَا أَخْبَار إِلَى غير ذَلِك، وَحِينَئِذٍ لَا فرق بَينه وَبَين الطّلب، وَكَأن مُرَاد المُصَنّف الأوجهية بِاعْتِبَار كلمة الْبَاء المنبئة عَن الْمُغَايرَة بِالذَّاتِ بَين الْخطاب والاقتضاء وَالله أعلم (وَالْأَوْجه دُخُول) الْخطاب (الوضعي فِي الْجِنْس) وَهُوَ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (إِذا أُرِيد الْأَعَمّ) أَي تَعْرِيف الْأَعَمّ بِحَيْثُ يَشْمَل النَّوْعَيْنِ (وَيُزَاد) فِي التَّعْرِيف على مَا سبق (أَو وضعا، لَا) يلْتَفت إِلَى (مَا قيل) من أَنه (لَا) يُزَاد وضعا لإدخاله فَإِنَّهُ دَاخل فِيهِ بِدُونِهِ (لِأَن وضع السَّبَب الِاقْتِضَاء) للْفِعْل (عِنْده) أَي السَّبَب، فَمَعْنَى كَون الدلوك سَببا أَو دَلِيلا للصَّلَاة وجوب الْإِتْيَان بهَا عِنْده وَهُوَ الِاقْتِضَاء، وَمعنى جعل النَّجَاسَة مَانِعَة من الصَّلَاة حرمتهَا مَعهَا وجوازها دونهَا وَهُوَ التَّخْيِير، وعَلى هَذَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ الإِمَام الرَّازِيّ وَاخْتَارَهُ السبكى وَأَشَارَ إِلَى تَوْجِيهه فِي الشَّرْح العضدي وَلم يرفضه المُصَنّف (لتقدم وَضعه) أَي السَّبَب (على هَذَا الِاقْتِضَاء) لِأَنَّهُ عِنْد تحقق الدلوك لَا عِنْد وَضعه سَببا (ولمخالفة نَحْو نفس الْملك وَوصف الْفِعْل) مِمَّا هُوَ من خطاب الْوَضع، وَلَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء، فَإِن كَون نَحْوهمَا من خطاب الْوَضع يدل على خلاف مَا قيل، أما كَون الْملك مِنْهُ فَلِأَنَّهُ جعل أثرا للْبيع وَنَحْوه وسببا لإباحة الِانْتِفَاع، وَأما وصف الْفِعْل كالنفوذ واللزوم فَهُوَ أَيْضا بِوَضْع الشَّارِع (وإخراجه) أَي الوضعي من الْجِنْس (اصْطِلَاحا) أَي من حَيْثُ الِاصْطِلَاح بِأَن يعْتَبر فِي الْخطاب الْمَذْكُور اصْطِلَاحا قيد يخرج خطاب الْوَضع (إِن لم يقبل المشاحة) إِذْ لَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح (يقبل قُصُور ملحظ وَضعه) أَي الِاصْطِلَاح، يَعْنِي يُقَال لصَاحب الِاصْطِلَاح هَب أَنَّك فِي سَعَة من وضع اللَّفْظ لما شِئْت غير أَنه لَا يَنْبَغِي مِنْك اخْتِيَار الْمَرْجُوح على الرَّاجِح من غير ضَرُورَة فِي وضعك (وَالْخطاب) مَحْمُول (على

стр. 516

ظَاهره) بِنَاء (على تَفْسِيره) اصْطِلَاحا (بالْكلَام الَّذِي بِحَيْثُ يُوَجه إِلَى المتهيء لفهمه) وَهَذِه الْحَيْثِيَّة إِنَّمَا تحصل للْكَلَام إِذا تمّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَلم يبْق سوى التَّوْجِيه نَحْو المستعدّ لفهمه وَإِنَّمَا حمل على ظَاهره الْمَذْكُور (لِأَن النَّفْسِيّ) الَّذِي أُرِيد بِلَفْظ الْخطاب هَهُنَا متصف (بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة فِي الْأَزَل وَكَونه) أَي الْخطاب (تَوْجِيه الْكَلَام) نَحْو الْغَيْر للإفهام معنى (لغَوِيّ) وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا (وَالْخلاف فِي خطاب الْمَعْدُوم) فِي الْأَزَل لَفْظِي، يَعْنِي أَن الْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ بِحَسب اللَّفْظ لَا بِحَسب الْمَعْنى فذهاب كل مِنْهُمَا إِلَى مَا يُخَالف الآخر صُورَة (مَبْنِيّ عَلَيْهِ) أَي على تَفْسِير الْخطاب (فالمانع) كَونه تَعَالَى مُخَاطبا فِي الْأَزَل (يُرِيد) بِالْخِطَابِ الْخطاب (الشفاهي) المستلزم لحضور الْمُخَاطب عِنْده، من المشافهة (التنجيزي) صفة مُؤَكدَة للشفاهي، أَصله من نجز الْكَلَام إِذا انْقَطع فَإِن الْكَلَام الشفاهي الْمُقَارن للإفهام يَنْقَطِع، بِخِلَاف مَا يهيأ لَهُ وَلم يَقع بِهِ بعد فالمعدوم لَا يتَصَوَّر فِيهِ المشافهة والتنجيز (إِذا كَانَ مَعْنَاهُ) أَي الْخطاب عِنْده (تَوْجِيه) الْكَلَام وَهُوَ صَحِيح، إِذْ لَيْسَ موجها إِلَيْهِ فِي الْأَزَل (والمثبت) كَونه مُخَاطبا (يُرِيد الْكَلَام) المتصف (بالحيثية) الْمَذْكُورَة (وَمَعْنَاهُ) أَي حَقِيقَة هَذَا المُرَاد ومآله (قيام طلب) أَي طلب فعل أَو ترك بِذَات الطَّالِب مثلا، فَمثله كل معنى كَلَام هيء للإفهام إنشائيا كَانَ أَو خبريا وَلم يُوجد الْمُخَاطب بِهِ بعد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مِمَّن سيوجد ويتهيأ) لفهمه، وَلَا اسْتِحَالَة فِي طلب كَذَا من الْمَعْدُوم إِذْ لم يطْلب مِنْهُ فِي حَال عَدمه، بل طلب مِنْهُ أَن يَفْعَله بعد الْوُجُود والاستعداد وَحين يُوجد ويتهيأ لفهمه يتَعَلَّق بِهِ تعلقا آخر، وَهَذَا التَّعْلِيق حَادث فَإِن قلت فَمَا فَائِدَة التَّعَلُّق الأول قلت ظُهُور الْأَثر فِي أَوَانه وَالْكَلَام كَمَال لَا يَنْفَكّ عَنهُ الذَّات فِي الْأَزَل وَهُوَ أَمر وجداني يتكثر بِاعْتِبَار تعلقاته وتنوعات اعتباراته من الخبرية والإنشائية والماضوية والاستقبالية إِلَى غير ذَلِك فَظهر أَن الْخلاف لَفْظِي إِذْ لم يتحد مورد الْإِيجَاب وَالسَّلب فَإِن قلت بل الْخلاف معنوي إِذْ لم يثبت الْخصم صفة كَذَا قلت هَذَا خلاف آخر، إِنَّمَا الْكَلَام فِي الْخلاف الَّذِي بَينا عدم توارد الْإِيجَاب وَالسَّلب فِيهِ على نِسْبَة وَاحِدَة (وَاعْتِرَاض الْمُعْتَزلَة) على التَّعْرِيف الْمَذْكُور لمُطلق الحكم (بِأَن الْخطاب قديم عنْدكُمْ وَالْحكم حَادث) كَقَوْلِنَا (حرم شربه) أَي النيء من مَاء الْعِنَب إِذا اشتدّ (بعد أَن لم يكن حَرَامًا) فالحرمة الثَّابِتَة لَهُ المسبوقة بِالْعدمِ لَا شُبْهَة فِي حُدُوثه (مَدْفُوع بِأَن المُرَاد) أَي بقولنَا حرم بعد أَن لم يكن حَرَامًا (تعلق تَحْرِيمه) الْقَدِيم فالموصوف بالحدوث التَّعَلُّق (وَهُوَ) أَي التَّعَلُّق (حَادث، والتعلق يُقَال) على سَبِيل الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ (بِهِ) أَي بِهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ التَّعَلُّق الْحَادِث (وَيكون الْكَلَام) أَي وَبِمَعْنى كَون الْكَلَام (لَهُ معلقات) على صِيغَة الْمَفْعُول (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (أزلي) وَهَذَا الْكَوْن الأزلي إِجْمَال ينْدَرج تَحْتَهُ تعلقات كَثِيرَة

стр. 517

كتحريم هَذَا، وَإِيجَاب هَذَا إِلَى غير ذَلِك وكل مِنْهُمَا قديم وَعند بروز أَثَره فِي الْوُجُود يحدث تعلق آخر (وباعتباره) أَي هَذَا الْمَعْنى (أورد وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) على تَعْرِيف مُطلق الحكم، إِذْ لم يذكر فِيهِ بالاقتضاء أَو التَّخْيِير كَمَا فعل الْغَزالِيّ لصدقه عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خطاب مُتَعَلق بِفعل الْمُكَلف لِأَن مِمَّا يعلمونه أفعالهم مَعَ أَنه لَيْسَ بِحكم فَلَا يكون مَانِعا، وَأما كَونه لَيْسَ بِحكم فَظَاهر (فاحترس عَنهُ) أَي فاحترز عَن مثل مَا ذكر من موادّ النَّقْض (بالاقتضاء إِلَى آخِره) إِذْ لَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء وَلَا تَخْيِير بل هُوَ إِخْبَار عَن أفعالهم (وَأجِيب أَيْضا) عَن هَذَا الْإِيرَاد (بمراعاة الْحَيْثِيَّة) فِي الْمُكَلّفين (أَي من حَيْثُ أَنهم مكلفون) وَالْخطاب لم يتَعَلَّق فِي هَذِه الْآيَة بأفعالهم من حَيْثُ أَنَّهَا أَفعَال الْمُكَلّفين، بل من حَيْثُ أَفعَال المخلوقين (وعَلى هَذَا) الْجَواب (فبالاقتضاء الخ لبَيَان وَاقع الْأَقْسَام) أَي لبَيَان مَا وجد من أَقسَام الْخطاب، لَا للِاحْتِرَاز لِأَن مَا يقْصد الِاحْتِرَاز مِنْهُ قد خرج بِقَيْد الْحَيْثِيَّة (فَيسلم حد الْغَزالِيّ الْمَتْرُوك مِنْهُ ذَلِك) أَي بالاقتضاء إِلَى آخِره عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور بمراعاة الْحَيْثِيَّة (وَأورد) أَيْضا عَن التَّعْرِيف الْمَذْكُور الحكم (الْمُتَعَلّق بِفعل الصَّبِي من مندوبية صلَاته وَصِحَّة بَيْعه) إِذا كَانَ مُمَيّزا مَأْذُونا، إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (وَوُجُوب الْحُقُوق الْمَالِيَّة فِي ذمَّته) أَي الصَّبِي (وَقَوْلهمْ) فِي جَوَاب هَذَا الْإِيرَاد (التَّعَلُّق) أَي تعلق الْخطاب فِي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة لَيْسَ بِفعل الصَّبِي بل (بِفعل وليه) فَيجب على وليه أَدَاء الْحُقُوق من مَاله، وَكَذَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ وَصِحَّة بَيْعه مَنُوط بِإِذن لَهُ فِي البيع (دفع بِأَنَّهُ) أَي التَّعَلُّق بِفعل الْوَلِيّ (حكم آخر) مُرَتّب على الحكم الْمُتَعَلّق بِالصَّبِيِّ، وَهَذَا فِي الْمَالِيَّة، وَأما فِي الْبَدَنِيَّة فَفِي الْأَمر بِالصَّلَاةِ فَانْدفع مَا ذكر، وَأما فِي صِحَة البيع وَالصَّلَاة وَالصَّوْم فَلَا يتَعَلَّق بِفعل الْوَلِيّ خطاب (فَيجب أَن يُقَال) مَكَان الْمُكَلّفين (الْعباد) ذكره صدر الشَّرِيعَة (وَأجِيب) أَيْضا عَن الْإِيرَاد (بِمَنْع تعلق حكم بِهِ) أَي بِفعل الصَّبِي فَلم يطْلب مِنْهُ صَلَاة وَلَا صَوْم وَلَا ندبا (وَالصِّحَّة وَالْفساد) حكمان (عقليان) لَا شرعيان (للاستقلال) أَي لاستقلال الْعقل (بفهم مُطَابقَة الْأَمر) أَي مُوَافقَة الْفِعْل أَمر الشَّارِع وَهُوَ معنى الصِّحَّة (وَعدمهَا) أَي الْمُطَابقَة (فِي الْمَفْعُول) أَي فِيمَا يَفْعَله الْعباد صَبيا كَانَ أَو غَيره والظرف مُتَعَلق بالمعطوف والمعطوف عَلَيْهِ وَعدم الْمُطَابقَة معنى الْبطلَان، وَهَذَا تفسيرهما عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَعند الْفُقَهَاء إِيقَاع الْفِعْل على وَجه ينْدَفع بِهِ الْقَضَاء وَلَا ينْدَفع (وَإِن استعقبا) أَي الصِّحَّة وَالْفساد العقليان (حكما) شَرْعِيًّا إِذا اعتبرا فِي فعل الْمُكَلف وَهُوَ الْأَجْزَاء وَإِسْقَاط مَا فِي الذِّمَّة فِي صِحَة نَحْو: الصَّلَاة وَالصَّوْم وَعدم الْأَجْزَاء فِي إفساده وترتب الْأَثر فِي الْمُعَامَلَات كَالْبيع وَالْإِجَارَة (أَو) هما حكمان (وضعيان) وضع الشَّارِع الصِّحَّة للأجزاء فِي الْعِبَادَة ولترتب الْأَثر فِي الْمُعَامَلَة

стр. 518

وَالْفساد لما يقابلهما (وَكَون صلَاته) أَي الصَّبِي (مَنْدُوبَة) مَعْنَاهُ (أَمر وليه بأَمْره) أَي بِأَن يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ لقَوْله ﷺ " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين وَإِذا بلغ عشر سِنِين فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا " (لَا خطاب الصَّبِي بهَا ندبا) لِأَن الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ أمرا بذلك الشَّيْء على مَا هُوَ الْمُخْتَار، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ على غير الْمُخْتَار أَيْضا يتم الْمُدَّعِي لِأَن ذَلِك الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ الْمَأْمُور بِالْأَمر الثَّانِي أَهلا للتكليف (وترتب الثَّوَاب لَهُ) أَي للصَّبِيّ على فعلهَا (ظَاهر) إِذْ الثَّوَاب لَيْسَ من لَوَازِم التَّكْلِيف، بل من فَضله تَعَالَى فَإِن الله لَا يضيع أجر من أحسن عملا، وَالصَّبِيّ محسن فِي عمله (وَالْحكم الثَّابِت بِمَا سوى الْكتاب) من السّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (دَاخل) فِي حكمه تَعَالَى (لِأَنَّهُ) أَي الحكم الثَّابِت بأحدها (خطابه تَعَالَى، وَالثَّلَاثَة) الْمَذْكُورَة (كاشفة) عَنهُ (وَبِهَذَا الْقدر) من الْكَشْف (قيل) هِيَ (مثبتة) للْحكم (وتركهم عد نظم الْقُرْآن مِنْهُ) أَي الكاشف (سد لطريق التحريف) أَي وَلم يقل لنظم الْكتاب أَنه كاشف مَعَ أَنه فِي الْكَشْف مثلهَا سدا لطريق التحريف وَالنَّفْي بِأَن يُقَال لَيْسَ كَلَامه بل هُوَ كاشف عَنهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن هَذَا الْمَانِع (فَهُوَ) أَي نظم الْقُرْآن (الكاشف عَن) الْخطاب (النَّفْسِيّ) الْقَائِم (بِالذَّاتِ) الْمُقَدّس، أَو هُوَ احْتِرَاز عَن النَّفْسِيّ لَا بِالذَّاتِ، وَهُوَ النّظم فَإِنَّهُ نَفسِي بِاعْتِبَار دلَالَته على النَّفْسِيّ بِالذَّاتِ (ثمَّ قيل) التَّعْرِيف (الصَّحِيح) خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق (بِفعل الْمُكَلف ليدْخل خصوصيته ﷺ أَي ليدْخل فِي التَّعْرِيف خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل أَو ترك مَخْصُوص بِهِ ﷺ : إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه خطاب يتَعَلَّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين، وَكَذَا الْخطاب الْمُتَعَلّق بِصِحَّة شَهَادَة خُزَيْمَة وَحده (وَلَا يُفِيد) الْعُدُول عَن الْمُكَلّفين إِلَى الْمُكَلف ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي الْمُكَلف (كالمكلفين عُمُوما) أَي مثله فِي الْعُمُوم: إِذْ لَا فرق بَين الْجمع الْمحلي بلام الِاسْتِغْرَاق والمفرد الْمحلي بهَا، لِأَن اللَّام تبطل الجمعية، ويستغرق أَفْرَاد الْجِنْس كالمفرد، ثمَّ احْتَرز عَن إِفَادَة الْعُمُوم، فَقيل مُكَلّف بِغَيْر لَام الِاسْتِغْرَاق (وَيدْفَع) أصل الِاعْتِرَاض (بِأَن صدق عُمُوم الْمُكَلّفين) فِي خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلّفين (لَا يتَوَقَّف على صُدُور كل فعل) مِمَّا تعلق بِهِ الْخطاب (من كل مُكَلّف، بل لَو انقسمت الْآحَاد) من الْأَفْعَال (على الْآحَاد) من الْمُكَلّفين لاقتضى تقَابل الْجمع بِالْجمعِ توزيع الْآحَاد على الْآحَاد (صدق) الْعُمُوم (أَيْضا) فَيصدق التَّعْرِيف على الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل مَخْصُوص بمكلف خَاص: هَذَا وَيجوز أَن يكون من قبيل: فلَان يركب الْخَيل وَإِن لم يركب إِلَّا وَاحِد مِنْهَا، فَالْمُرَاد تعلقه بِجِنْس فعل الْمُكَلف (ثمَّ الِاقْتِضَاء إِن كَانَ حتما لفعل غير كف) للنَّفس عَن فعل وَذَلِكَ بِعَدَمِ تَجْوِيز الطَّالِب ترك ذَلِك الْفِعْل، قيد الْفِعْل بِكَوْنِهِ غير كف، لِأَنَّهُ

стр. 519

لَو كَانَ كفا لَكَانَ تَحْرِيمًا (فالإيجاب) أَي فِي هَذَا الِاقْتِضَاء (وَهُوَ) الْإِيجَاب، وَقد عرفت أَن الِاقْتِضَاء هُوَ نفس الْكَلَام الْمَذْكُور (هُوَ) أَي الْإِيجَاب (نفس الْأَمر النَّفْسِيّ، وَيُسمى وجوبا أَيْضا بِاعْتِبَار نسبته إِلَى الْفِعْل) يَعْنِي أَن الْإِيجَاب وَالْوُجُوب متحدان بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ، بِاعْتِبَار الْقيام بِذَاتِهِ تَعَالَى إِيجَاب، وَبِاعْتِبَار تعلقه بِفعل العَبْد وجوب (وَهُوَ) أَي الْوُجُوب بِهَذَا الْمَعْنى (غير) المُرَاد فِي (الْإِطْلَاق الْمُتَقَدّم) فَإِن الْمَذْكُور ثمَّة أَن الْوُجُوب يُقَال لأثر الْخطاب وَهُوَ صفة فعل الْمُكَلف لَا نفس الْإِيجَاب بِاعْتِبَار نسبته إِلَى الْفِعْل، وَأورد عَلَيْهِ أَنه يُقَال أوجب الْفِعْل فَوَجَبَ، فالإيجاب صفة الْمُوجب، وَالْوُجُوب مترتب عَلَيْهِ صفة لمتعلق فعله، فَلَا اتِّحَاد، وَقَرِيب من هَذَا مَا قيل: من أَن الْإِيجَاب من مقولة الْفِعْل، وَالْوُجُوب من مقولة الانفعال، وَقد يُقَال إِن القَوْل بالاتحاد على سَبِيل الْمُسَامحَة، أَو لَيْسَ المُرَاد بهما مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُمَا: بل أَمر وَاحِد لَهُ اعتباران بِالْقِيَاسِ إِلَى الْأَمر والمأمور بِهِ بِكُل اعْتِبَار لَهُ اسْم وَالله أعلم. (أَو) كَانَ (تَرْجِيحا) لفعل غير مُكَلّف (فالندب، أَو لكف حتما) صرح بحتما مَعَ أَنه كَانَ يفهم بِمُوجب الْعَطف لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بالْعَطْف مُجَرّد التَّشْرِيك فِي الطّلب (فالتحريم) أَي فَهَذَا الِاقْتِضَاء التَّحْرِيم (وَالْحُرْمَة) المتحدان بِالذَّاتِ المختلفان (بِالِاعْتِبَارِ غير مَا تقدم) أَي المُرَاد بِالْحُرْمَةِ هُنَا غير مَا تقدم أَن المُرَاد ثمَّة أثر الْخطاب صفة للكف، وَهَهُنَا نفس التَّحْرِيم (وَظهر مَا قدمنَا من فَسَاد تعريفهم الْأَمر وَالنَّهْي النفسيين بتركهم) لفظ (حتما) فِي تعريفي الْأَمر وَالنَّهْي النفسيين بِطَلَب صلَة التَّعْرِيف الخ أَي طلب فعل غير كف من غير ذكر حتما، وَمن غير استعلاء، وَيفْسد التّرْك الْمَذْكُور طردهما أَي طرد تَعْرِيف الْأَمر الإيجابي النَّفْسِيّ لصدقه على الندبي، وتعريف النَّهْي النَّفْسِيّ التحريمي لصدقه على الكرهي (وَكَذَا) ظهر مِمَّا ذكر الْفساد (بترك الاستعلاء فِي التَّقْسِيم) أَي تَقْسِيم الطّلب إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي، وَالدُّعَاء والالتماس، وَاعْتِبَار الاستعلاء إِنَّمَا هُوَ فِي الْقسم الَّذِي هُوَ مقسم الْأَوَامِر والنواهي، وَفَسَاد التَّقْسِيم بِاعْتِبَار عدم امتياز الْقسم الْمَذْكُور عَن قسميه، فَإِذا لم يعْتَبر فِي جَانب الْأَمر وَالنَّهْي الاستعلاء صدق تعريفاهما المستنبطان من التَّقْسِيم على نظيريهما من الدُّعَاء والالتماس على مَا سيشير إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ظهر هَذَا الْفساد من اعْتِبَار الحتم لكَون الاستعلاء نَظِير الحتم فِي أَن تَركه مَحل للطرد، والذهن ينْتَقل من أحد النظيرين إِلَى الآخر (لِأَنَّهُ) أَي التَّقْسِيم (يخرج التَّعْرِيف) لِأَن التَّقْسِيم عبارَة عَن ضم الْقُيُود الْمُخَالفَة إِلَى الْمقسم بِحَيْثُ يحصل بانضمام كل قيد قسم فالمجموع الْمركب من الْمقسم وَذَلِكَ الْقَيْد تَعْرِيف لذَلِك الْقسم، وَقيد الاستعلاء لَا بُد مِنْهُ فِي الْأَمر وَالنَّهْي لما عرفت (هَذَا) الَّذِي ذكرنَا فِي تَحْقِيق ماهيتي الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ (بِاعْتِبَار نفسهما) وبحسب حَالهمَا فِي حدّ ذاتهما فِي نفس الْأَمر،

стр. 520

وَأما بِحَسب اطلاعنا عَلَيْهِمَا فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أما بِاعْتِبَار الِاتِّصَال) إِلَيْنَا بالألفاظ الدَّالَّة عَلَيْهِمَا (فَكَذَلِك عِنْد غير الْحَنَفِيَّة) أَي تَفْسِير الْإِيجَاب بِطَلَب الْفِعْل غير الْكَفّ من غير مُلَاحظَة حَال الدَّال، وَهَكَذَا فِي التَّحْرِيم (وَأما هم) أَي الْحَنَفِيَّة فلاحظوا ذَلِك فَقَالُوا (فَإِن ثَبت الطّلب الْجَازِم بقطعي) متْنا وَدلَالَة من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع (فالافتراض) إِن كَانَ الْمَطْلُوب غير كف (وَالتَّحْرِيم) إِن كَانَ كفا (أَو) ثَبت الطّلب الْجَازِم (بظني) دلَالَة من كتاب أَو دلَالَة، أَو ثبوتا من سنة أَو إِجْمَاع (فالإيجاب) فِي غير الْكَفّ (وَكَرَاهَة التَّحْرِيم) فِي الْكَفّ (ويشار كانهما) أَي الْإِيجَاب وَكَرَاهَة التَّحْرِيم الافتراض وَالتَّحْرِيم (فِي اسْتِحْقَاق الْعقَاب بِالتّرْكِ) لما هُوَ الْمَطْلُوب مِنْهُ (وَعنهُ) أَي عَن التشارك فِي الِاسْتِحْقَاق. (قَالَ مُحَمَّد كل مَكْرُوه حرَام) مرِيدا بِهِ (نوعا من التَّجَوُّز) فِي لفظ حرَام بِاعْتِبَار التشارك الْمَذْكُور (وَقَالا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (على الْحَقِيقَة) الْمَكْرُوه (إِلَى الْحَرَام أقرب) مِنْهُ إِلَى الْمحل، وَإِنَّمَا قُلْنَا نوعا من التَّجَوُّز (للْقطع بِأَن مُحَمَّدًا لَا يكفر جَاحد الْوُجُوب وَالْمَكْرُوه) كَمَا يكفر جَاحد الْفَرْض وَالْحرَام (فَلَا اخْتِلَاف) بَينه وَبَينهمَا فِي الْمَعْنى (كَمَا يظنّ). مسئلة (أَكثر الْمُتَكَلِّمين) ذَهَبُوا إِلَى أَنه (لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل) كسبي سَوَاء كَانَ فعل الْجَوَارِح أَو الْقلب (وَهُوَ) أَي الْفِعْل الْمُكَلف بِهِ (فِي النَّهْي كف النَّفس عَن الْمنْهِي) جَوَاب سُؤال وَهُوَ أَن الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي عدم الْإِتْيَان بالمنهي عَنهُ وَهُوَ أَمر أُصَلِّي حَاصِل وَلَيْسَ بِفعل وَحَاصِل الْجَواب أَن الْمُكَلف بِهِ لَيْسَ الْعَدَم الْأَصْلِيّ، بل هُوَ كف النَّفس عَن ميلها إِلَى الْمنْهِي عَنهُ، والكف فعل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ويستلزم) كَون الْفِعْل الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي كف النَّفس (سبق الداعية) أَي دَاعِيَة النَّفس إِلَى الْمنْهِي عَنهُ (فَلَا تَكْلِيف قبلهَا) أَي الداعية (تنجيزا) إِذْ لَو طلب مِنْهُ مُنجزا كف النَّفس عَن فعل لَيْسَ لَهَا دَاعِيَة لزم التَّكَلُّف بِمَا لَا يُطَاق: إِذْ لَا يتَصَوَّر كف النَّفس عَن شَيْء لم ترده وَلم تمل إِلَيْهِ فَإِذن يكون نَحْو: لَا تقربُوا الزِّنَا تَعْلِيق الْكَفّ أَي إِذا طلبته نَفسك فكفها عَنهُ، فَظهر فَائِدَة قَوْله تنجيزا فَإِن قيل لزم حِينَئِذٍ فَوَات فَضِيلَة امْتِثَال نهي شرب الْخمر لأبي بكر ﵁ لما قيل من أَنه لم تطلب نَفسه الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام قُلْنَا لَا نقض فِيهِ مَعَ وجود مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِيهِ، وَهُوَ هَذَا النَّوْع من الْعِصْمَة (وَكثير من الْمُعْتَزلَة) مِنْهُم أَبُو هَاشم قَالُوا: الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي (عَدمه) أَي الْفِعْل (لنا لَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور) كَمَا سَيَأْتِي (والعدم غَيره) أَي غير مَقْدُور

стр. 521

(إِذْ لَيْسَ) الْعَدَم (أَثَرهَا) أَي الْقُدْرَة (وَلَا استمراره) أَي وَلَا اسْتِمْرَار الْعَدَم أثر الْقُدْرَة، لِأَن الْعَدَم نفي مَحْض، وَلما نظر فِي هَذَا ابْن الْحَاجِب وَغَيره وَقرر فِي الشَّرْح العضدي بِأَنا لَا نسلم أَن اسْتِمْرَار الْعَدَم لَا يصلح أثر للقدرة إِذْ يُمكنهُ أَن لَا يفعل فيستمر، وَأَيْضًا يَكْفِي فِي طرف النَّفْي أثرا أَنه لم يَشَأْ فَلم يفعل، وَذَلِكَ لِأَن الْفَاء المتوسطة بَين عدم الْمَشِيئَة وَعدم الْفِعْل تدل على ترَتّب الثَّانِي على الأول، والمترتب على الشَّيْء أثر لَهُ، وَفِيه نظر: إِذْ الترتب إِنَّمَا يسْتَلْزم المعلولية، وكل مَعْلُول لَا يلْزم أَن يكون أثر الْعلية: أَلا ترى أَن الْمَشْرُوط مَعْلُول الشَّرْط، وَلَا يُقَال أَنه أثر لَهُ. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَحَاصِله أَنا لَا نفسر الْقَادِر بِالَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك بل بِالَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن لم يَشَأْ لم يفعل، فَدخل فِي الْمَقْدُور عدم الْفِعْل إِذْ ترَتّب على عدم الْمَشِيئَة وَكَانَ الْفِعْل مِمَّا يَصح ترتبه على الْمَشِيئَة، وَتخرج العدميات الَّتِي لَيست كَذَلِك: أَشَارَ المُصَنّف إِلَيْهِ ورده، فَقَالَ (وَتَفْسِير الْقَادِر بِمن إِن شَاءَ فعل، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَشَأْ (لم يفعل، لَا) بِمن إِن شَاءَ فعل (وَإِن شَاءَ ترك، وَكَونه لم يَشَأْ فَلم يفعل) كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّفْسِير الأول بِإِدْخَال الْفَاء الدَّاخِلَة على ترَتّب مدخولها على مَا قبله الموهمة كَون الْعَدَم أثرا لعدم الْمَشِيئَة (لَا يُوجب اسْتِمْرَار) الْعَدَم (الْأَصْلِيّ أثر الْقُدْرَة بِهِ) أَي الْمُكَلف: أَي يُوجب كَون الِاسْتِمْرَار الْمَذْكُور أثرا لَهَا (فَيكون ممتثلا للنَّهْي) فَقَوله تَفْسِير الْقَادِر مُبْتَدأ عطف عَلَيْهِ كَونه إِلَى آخِره، وَقَوله لَا يُوجب خَبره (بل عدم مَشِيئَة الْفِعْل أصلا) بِأَن لم يتَعَلَّق بِهِ مَشِيئَة لَا وجودا وَلَا عدما (صُورَة عدم الشُّعُور بالتكلف) يَعْنِي أَنَّك بدلت إِن شَاءَ ترك فِي تَفْسِير الْقَادِر بِأَن لم يَشَأْ لم يفعل ليصير عدم الْفِعْل مَقْدُورًا للمكلف، وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمت: إِذْ الْمُكَلف لَا يَخْلُو من أَن يكون لَهُ شُعُور بِالنَّهْي أَو لَا، وعَلى الثَّانِي جعل اسْتِمْرَار الْعَدَم الْأَصْلِيّ أثر الْقُدْرَة، وامتثالا للنَّهْي مِمَّا لَا يرتضيه عَاقل: إِذْ الِامْتِثَال للنَّهْي فرع الشُّعُور بِهِ، وَأثر قدرَة الْفَاعِل الْمُخْتَار يجب أَن يكون مشعورا بِهِ إِذا كَانَ مَقْصُود الْحُصُول بِهِ، وَأما على الأول فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَأما مَعَه) أَي مَعَ الشُّعُور بِالنَّهْي (فَلَيْسَ الثَّابِت) من حَيْثُ قصد الِامْتِثَال اللَّازِم للشعور بِهِ بِمُوجب الْإِيمَان (إِلَّا مَشِيئَة عدم الْفِعْل وَإِن عبر عَنهُ) أَي عَن مَشِيئَة عدم الْفِعْل، والتذكير لكَونه مصدرا (بِعَدَمِ مَشِيئَته) أَي الْفِعْل تسامحا (فَيتَحَقَّق التّرْك) حِينَئِذٍ فَلَا فَائِدَة فِي الْعُدُول عَن الأول إِلَى الثَّانِي (وَهُوَ) أَي التّرْك (فعل إِذا طلبته) النَّفس (ويثاب) الْمُكَلف (على هَذَا الْعَزْم) الَّذِي هُوَ مَشِيئَة عدم الْفِعْل إِن كَانَ لله من غير طلب النَّفس إِيَّاه (لَا) يُثَاب (على امْتِثَال النَّهْي) حِينَئِذٍ (إِذْ لم يُوجد) الِامْتِثَال بِمُجَرَّد الْعَزْم بل عِنْد الطّلب والكف وَأَيْضًا لَا نسلم الْفرق بَين التفسيرين بِأَن يصير الِاسْتِمْرَار على الأول مَقْدُورًا دون الثَّانِي، إِذْ

стр. 522

لم يعْتَبر فِي شَيْء مِنْهَا تحقق الْمَشِيئَة بل يَكْفِي فَرضهَا، والمكلف الَّذِي لَا شُعُور لَهُ بالمنهي عَنهُ، وبعدمه يصدق عَلَيْهِ إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْتِمْرَار الْمَذْكُور وَالْفِعْل وَالتّرْك ملحوظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلق الْعَدَم المستمر فَتدبر. مسئلة (الْقُدْرَة شَرط التَّكْلِيف بِالْعقلِ) أَي بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ (عِنْد الْحَنَفِيَّة والمعتزلة لقبح التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق) مثلا (عقلا واستحالة نِسْبَة الْقَبِيح) اللَّازِمَة للتكليف بِمَا لَا يُطَاق (إِلَيْهِ تَعَالَى) وَهَذَا الدَّلِيل يُفِيد كَونهَا شَرط جَوَاز التَّكْلِيف، وَيلْزم مِنْهُ كَونهَا شَرط وُقُوعه بِالطَّرِيقِ الأولي، (و) شَرطه (بِالشَّرْعِ) أَي بِالدَّلِيلِ السمعي عِنْد الأشاعرة، وَالدَّلِيل (للأشاعرة) قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله﴾ الْآيَة) أَي نفسا إِلَّا وسعهَا وَلَا يخفى أَنه يُفِيد كَونهَا شرطا للوقوع: إِذْ مَدْلُول قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا يُكَلف الله﴾ - عدم وُقُوع التَّكْلِيف، لَا عدم جَوَازه، وسيشير إِلَيْهِ (فِي الْمُمكن) لذاته ظرف لاشْتِرَاط الْقُدْرَة بِالشَّرْعِ عِنْد الأشاعرة: إِذْ فِي اشْتِرَاطهَا بِالشَّرْعِ فِي غير الْمُمكن لذاته خلاف كَمَا سَيذكرُهُ (كحمل جبل) بدل من الْمُمكن، أَو مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف لَا يُكَلف بِهِ عقلا عِنْد الْأَوَّلين، وَشرعا عِنْد الأشاعرة: يَعْنِي لم يَقع التَّكْلِيف بِهِ (وَلَو كلف بِهِ حسن) عِنْد الأشاعرة (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة فرع (مسئلة التحسين والتقبيح) فَمن جَعلهمَا عقليين حكم بِعَدَمِ جَوَاز التَّكْلِيف بِمثل حمل الْجَبَل: إِذْ الْعقل يحكم بقبحه، وَمن لم يجعلهما عقليين حسن عِنْده ذَلِك لقَوْله تَعَالَى - ﴿يفعل الله مَا يَشَاء﴾ -، ونظائره (وَاخْتلفُوا) أَي الأشاعرة (فِي الْمحَال لذاته) كالجمع بَين النقيضين (فَقيل عدم جَوَازه) أَي التَّكْلِيف بالمحال لذاته (شَرْعِي لِلْآيَةِ) الْمَذْكُورَة (فَلَو كلف الْجمع بَين الضدين) كالحركة والسكون فِي زمَان وَاحِد لجسم وَاحِد (جَازَ). قَالَ الشَّارِح عقلا، وَيرد عَلَيْهِ أَن الْعقل لَا يحكم بِالْجَوَازِ وَعَدَمه عِنْد الْأَشْعَرِيّ فَالظَّاهِر أَن المُرَاد شرعا، إِذْ على تَقْدِير فرض التَّكْلِيف - ﴿لَا يسئل عَمَّا يفعل﴾ -، وكل مَا يَفْعَله حسن شرعا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مُرَاده بِالْجَوَازِ عقلا أَن الْعقل لَا يحكم بقبحه: إِذْ لَا حكم لَهُ فِي التحسين والتقبيح (وَنسب) هَذَا القَوْل (للأشعري) أَي إِلَيْهِ (وَقيل) عدم جَوَازه (عَقْلِي لملزومية الطّلب تصور الْمَطْلُوب) يَعْنِي أَن التَّكْلِيف بِفعل طلب لَهُ، وَطلب الْفِعْل يسْتَلْزم أَن يتَصَوَّر الطَّالِب وُقُوعه لَا يُقَال لَا حجر فِي التَّصَوُّر، فَيجوز أَن يتَصَوَّر وُقُوع الْمحَال لِأَن المُرَاد تصَوره، على وَجه يجوز وُقُوعه فِي الْخَارِج لَا على سَبِيل فرض الْمحَال كَمَا سيشير إِلَيْهِ (على وَجه المطلوبية) أَي تصورا على وَجه تعلق الطّلب بِهِ على ذَلِك الْوَجْه (فيتصور) الْمَطْلُوب للطَّالِب

стр. 523

(مثبتا) إِذْ هُوَ مَطْلُوبه من حَيْثُ الثُّبُوت والوقوع (وَهُوَ) أَي تصور الْمحَال مثبتا (تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم) فَإِنَّهُ إِذا فرض أَرْبَعَة مَوْصُوفَة بنقيض لازمها الَّذِي هُوَ الزَّوْجِيَّة تحقق تصور الْمَلْزُوم الَّذِي هُوَ الْأَرْبَعَة مَوْصُوفا لكَونه ملزوما لنقيض اللَّازِم: أما ملزوميتها فبحسب نفس الْأَمر، وَأما ملزوميتها للنقيض فبمقتضى الْفَرْض، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وتصور أَرْبَعَة لَيْسَ زوجا) فِي الْمَآل (تصور أَرْبَعَة لَيست أَرْبَعَة) إِذْ الزَّوْجِيَّة لَازِمَة لَهَا، وَانْتِفَاء اللَّازِم يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَلْزُوم (ونوقض) هَذَا الدَّلِيل (بِلُزُوم امْتنَاع الحكم بامتناعه) أَي الْمُمْتَنع صلَة للْحكم (خَارِجا) ظرف للامتناع: يَعْنِي كَمَا أَن تصور الْمحَال مثبتا مُسْتَلْزم لما ذكرْتُمْ كَذَلِك الحكم بامتناع الْمُمْتَنع فِي الْخَارِج مُسْتَلْزم لَهُ (لِأَنَّهُ) أى الحكم بامتناع خَارِجا (فرع تصَوره) أى الْمُمْتَنع (خَارِجا) فالممتنع لَازمه عدم التحقق فِي الْخَارِج، وَإِذا تصورته مثبتا لزم تصور وُقُوعه فِيهِ، والوقوع فِيهِ نقيض اللاوقوع فِيهِ فَلَزِمَ تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم (أُجِيب) عَن النَّقْض الْمَذْكُور (بِأَن اللَّازِم) للْحكم بالامتناع على الْمُمْتَنع (تصَوره) أَي تصور الْمُمْتَنع الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مُطلقًا (لَا) تصَوره (بِقَيْد إثْبَاته) بِأَن يجوز الْعقل ثُبُوته فِي الْخَارِج ملزوما للوازمه كَمَا يلْزم عِنْد طلب الْفِعْل (وَهُوَ) أَي تصَوره بِقَيْد الْإِثْبَات (الْمُمْتَنع) لَا تصَوره مُطلقًا (فيتصور) الْحَاكِم (الْجمع بَين المختلفات) الْغَيْر المتضادة كالحلاوة وَالْبَيَاض فِي الحكم بِأَن الضدين لَا يَجْتَمِعَانِ (وبنفيه) أَي الِاجْتِمَاع (عَنْهُمَا) أَي الضدين وَالْحَاصِل أَن الَّذِي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج، وَأَنت قصدت الحكم عَلَيْهِ بِنَفْي الْوُجُود مثلا لَا يحْتَاج إِلَى تصور مورد النَّفْي على وَجه يجوز ثُبُوته فِي الْخَارِج بل يَكْفِيك تصَوره على وَجه الْفَرْض، فَإِذا قصدت أَن تحكم على الضدين بِنَفْي الِاجْتِمَاع تتَصَوَّر لَهما اجتماعا كاجتماع المختلفات الْغَيْر المتضادة، ثمَّ تنفيه (وَهُوَ) أَي تصور الْجمع بَينهمَا على الْوَجْه الْمَذْكُور (كَاف) فِي الحكم الْمَذْكُور (بِخِلَاف مَا) أَي تصور (يستدعيه طلب إثْبَاته) أَي الْفِعْل (فِي الْخَارِج) فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من تصَوره بِقَيْد الْإِثْبَات، وَقد عرفت مَعْنَاهُ: هَذَا كَلَام الْقَوْم فِي هَذَا الْمقَام، ثمَّ أَفَادَ مَا هُوَ التَّحْقِيق عِنْده بقوله (وَالْحق أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ إِمْكَان كلفتك الْجمع بَينهمَا) أَي الضدين: يَعْنِي أَن كَلَامهم يَسْتَدْعِي عدم إِمْكَان التَّكْلِيف بالمحال لملزومية الطّلب إِلَى آخِره، وَالْعلم الضَّرُورِيّ يحكم بإمكانه فاستدلالهم هَذَا مصادم للْعلم الضَّرُورِيّ فَلَا يعْتَبر (وَهُوَ) أَي وُقُوع مُتَعَلق هَذَا الْإِمْكَان (أما فرع قَوْله) تَعَالَى (النَّفْسِيّ ذَلِك) أَي معنى كلفتك الْجمع بَينهمَا على رَأْي من يثبت الْكَلَام النَّفس لَهُ (أَو) فرع (الْعلم) بِمَعْنى هَذَا على رَأْي من لم يثنه (فَإِن استدعى) هَذَا التَّكْلِيف (قدرا من التعقل) للطَّالِب أَو للمكلف: يَعْنِي تصور الْمَطْلُوب على وَجه المطلوبية مثبتا وَإِلَّا فَأصل التحقق

стр. 524

لَا شُبْهَة فِيهِ فَلَا يُنَاسب كلمة الشَّك، وَحِينَئِذٍ قَوْله (فقد تحقق) لَك الْقدر غير مُسْتَقِيم: إِذْ تَجْوِيز وُقُوع الْمحَال محَال، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن الحكم بالتحقق على تَقْدِير الاستدعاء يسْتَلْزم الحكم بِهِ مُطلقًا غير أَنه لَا يَسْتَقِيم حِينَئِذٍ قَوْله (وَلَا حَاجَة لنا إِلَى تَحْقِيقه) أَي تصَوره مثبتا بِحَيْثُ يجوز الْعقل وُقُوعه وَلَا مخلص إِلَّا بِالْتِزَام حمله كلمة الشَّك على خلاف الظَّاهِر، وَإِرَادَة قدر مَا من التعقل وَالله أعلم (وَأَيْضًا يُمكن تصور الثُّبُوت بَين الخلافين فيكلف بِهِ) أَي بالثبوت (بَين الضدين) مَعْطُوف على قَوْله وَالْحق وَحَاصِله أَي الْمَنْع توقف التَّكْلِيف بِالْجمعِ بَين الضدين على تصَوره وَاقعا، بل يَكْفِي فِيهِ تصور الِاجْتِمَاع كَمَا يَكْفِي فِي الحكم على مَا ذكر (وَحَدِيث تصور المستحيل) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله وَهُوَ تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم إِلَى آخِره (بِمَا فِيهِ) أَي مَعَ مَا فِيهِ من الْبَحْث المفاد بقوله وَأجِيب إِلَى آخِره (لَا وُقُوع لَهُ بعد مَا ذكرنَا) من أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ إِمْكَان كلفتك الْجمع بَينهمَا (وَلَا خلاف فِي وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لغيره كَمَا) أَي كالفعل الَّذِي (علم) الله (سُبْحَانَهُ عدم كَونه) أَي تحَققه فِي الْخَارِج، وَمَعَ هَذَا كلف بِهِ، وَلما استدلوا بِهَذَا التَّكْلِيف على جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال لذاته وَكَانَ ذَلِك غير موجه أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَالْوَجْه أَنه) أَي مَا علم الله سُبْحَانَهُ عدم كَونه (لم يَتَّصِف بالاستحالة) الَّتِي هِيَ مَحل النزاع (لذَلِك) أَي لعلمه سُبْحَانَهُ بِعَدَمِ كَونه (لِاسْتِحَالَة اجتماعه) أَي اجْتِمَاع كَونه محالا (مَعَ الْإِمْكَان) الثَّانِي الْمَوْجُود فِيهِ اتِّفَاقًا (بل هُوَ) أَي مَا علم سُبْحَانَهُ عدم كَونه (مُمكن مَقْطُوع بِعَدَمِ وُقُوعه فاستدل الْمُجِيز) لوُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته (بِهِ) أَي بِوُقُوع التَّكْلِيف بالممكن الْمَقْطُوع بِعَدَمِ وُقُوعه كَلَام وَقع (فِي غير مَحل النزاع، و) مَعَ كَونه كلَاما فِي غير مَحل النزاع (يَقْتَضِي وُقُوع تَكْلِيف المستحيل لنَفسِهِ اتِّفَاقًا) فَلَا وَجه لجعله دَلِيلا على جَوَاز وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لذاته وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يفرق بَين الْمحَال لغيره والمحال لذاته ويجعله محالا لذاته، وَمَا علم سُبْحَانَهُ عدم كَونه قد كلف بِهِ اتِّفَاقًا لزم من هَذَا الِاتِّفَاق على وُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته (والاتفاق) بَين الأشاعرة (على نَفْيه) أَي وُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته كغيرهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الِاتِّفَاق مِنْهُم على نَفْيه (ناقضوا الْآيَة) أَي لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لدلالته على نفي الْوُقُوع صَرِيحًا (وَالْخلاف فِي جَوَازه) لَا غير (وَكَذَا استدلالهم) على جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال لذاته (بِأَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل) فَقبل الْفِعْل لَا قدرَة لَهُ وصدور الْفِعْل من غير قدرَة محَال، وَقد كلف بِالْفِعْلِ قبله اتِّفَاقًا كَلَام فِي غير مَحل النزاع وَيَقْتَضِي الِاتِّفَاق على وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال وَقَوله (وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ تَعَالَى) لإِفَادَة أَن الْمَعِيَّة لَا تضر لكَون الْفِعْل يُوجد بتأثير قدرَة الْخَالِق من غير تَأْثِير لقدرة الْمَخْلُوق وَمن غير مدخلية لَهَا فَلَيْسَتْ من أَجزَاء الْعلَّة فليزم تقدمها غير أَنه لَو فرض مدخليتها أَيْضا لم يلْزم

стр. 525

تقدمها زَمَانا، وَالْمرَاد معيتها زَمَانا، فَالْوَجْه أَن يَجْعَل دَلِيلا مُسْتقِلّا كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَأما فَائِدَة إِثْبَات هَذِه الْقُدْرَة فَسَيَأْتِي بَيَانهَا (وَمِنْه) أَي وَمِمَّا ذكر من أَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل وَأَن الْفِعْل مَخْلُوق لَهُ تَعَالَى، وَمن هَذَا الِاسْتِدْلَال (ألزم الْأَشْعَرِيّ القَوْل بِهِ) أَي بتكليف الْمحَال وَإِلَّا فَهُوَ لم يُصَرح بِهِ (وَيلْزم) أَيْضا من هَذَا الِاسْتِدْلَال (كَون كل مَا كلف بِهِ محَال لذاته) قَالَ الشَّارِح: أَي فَهُوَ محَال لذاته، وَالْوَجْه الظَّاهِر محالا انْتهى وَلَا يخفى سماجة هَذَا التَّأْوِيل فَالْوَجْه أَن يُقَال سقط الْألف عَن الْقَلَم سَهوا، وَإِنَّمَا يلْزم ذَلِك لِأَن كَون الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل مُوجب للاستحالة الذاتية على رَأْيه، وَهَذَا مَوْجُود فِي كل تَكْلِيف (وَقَوْلهمْ) أَي المجيزين لوُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لذاته (وَقع) التَّكْلِيف بِهِ إِذا (كلف أَبُو لَهب) أَي كلفه الله تَعَالَى (بالتصديق بِمَا أخبر) بِهِ النَّبِي ﷺ إِجْمَاعًا (وَأخْبر) أَي أخبرهُ الله تَعَالَى وَالنَّبِيّ ﷺ (أَنه) أَي أَبَا لَهب (لَا يصدقهُ) التزاما لإخباره بِأَنَّهُ من أهل النَّار بقوله - ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ - (وَهُوَ) أَي تَكْلِيفه بالتصديق بِمَا أخبر على الْعُمُوم لَا بِخُصُوص هَذَا الْأَخْبَار (تَكْلِيف بِأَن يصدقهُ فِي أَنه لَا يصدقهُ وَهُوَ) أَي تَصْدِيقه فِي أَنه لَا يصدقهُ (محَال لنَفسِهِ) لِأَن تحَققه يسْتَلْزم عدم تحَققه إِذْ مُتَعَلّقه عدم التَّصْدِيق الْمُطلق الَّذِي هُوَ من أَفْرَاده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لاستلزام تَصْدِيقه عدم تَصْدِيقه) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر الْإِضْمَار بِأَن يَقُول عَدمه، لَكِن لما كَانَ لُزُوم عَدمه فِي ضمن عدم التَّصْدِيق مُطلقًا أَشَارَ إِلَيْهِ بِوَضْع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر بِأَن يَقُول عَدمه وَيرد عَلَيْهِ أَن المستلزم لعدم التَّصْدِيق وَتحقّق مَضْمُون مُتَعَلّقه فِي الْخَارِج، لَا فِي ذهن الْمُصدق والتصديق الْمَذْكُور إِنَّمَا يسْتَلْزم تحقق الْمَضْمُون فِي الذِّهْن لَا فِي الْخَارِج، فغاية الْأَمر لُزُوم كَون التَّصْدِيق لما فِي نفس الْأَمر وَيُجَاب بِأَن الْمُكَلف بِهِ التَّصْدِيق اليقيني الْمُطلق لما فِي نفس الْأَمر قطعا، وَأَيْضًا كَيفَ يصدق بِعَدَمِ تَصْدِيقه إِيَّاه مُطلقًا حَال كَونه مُصدقا إِيَّاه فِي أَنه لَا يصدقهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يجوز أَن لَا يكون عَالما بِعِلْمِهِ (غلط) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْلهم، لم يُصَرح بِوَجْه الْغَلَط لِكَثْرَة وجوهه مَعَ الِاعْتِمَاد على مَا يفهم بطرِيق الْإِشَارَة: مِنْهَا أَنه مَبْنِيّ على أَنه تَعَالَى أخبر بِأَنَّهُ لَا يصدق وَجعل هَذَا الْخَبَر بِخُصُوصِهِ مُتَعَلق إيمَانه وَلم يثبت شَيْء مِنْهُمَا، أما الأول فَلِأَن صلية النَّار يحْتَمل أَن يكون بالارتداد بعد التَّصْدِيق فَلَا ينتهض حجَّة، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يجب أَن يكون كل مَا أخبر بِهِ مُطلقًا للْإيمَان تَفْصِيلًا، وَمِنْهَا أَنه لَو سلم تَكْلِيفه بالتصديق الْمَذْكُور لم يكن محالا لذاته إِذْ لَا يسْتَلْزم تحَققه عدم تحَققه إِلَّا بِشُبْهَة كَونه مطابقا للْوَاقِع، وَهَذَا الْكَوْن خَارج عَن ذَاته فَلَا يسْتَلْزم تحَققه لذاته عدم تحَققه فَلَا يكون محالا لذاته (بل هُوَ) أَي تَكْلِيف أبي لَهب بالتصديق تَكْلِيف (بِمَا علم الله عدم وُقُوعه فَهُوَ) محَال (لغيره) وَهُوَ تعلق الْعلم

стр. 526

الأزلي بِعَدَمِ تَصْدِيقه فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل انقلابه جهلا سَوَاء (كلف) أَبُو لَهب (بتصديقه) ﷺ (قبل علمه) أَي أبي لَهب بِأَنَّهُ تعلق علم لله بِعَدَمِ صدقه (أَو) كلف (بعده) أَي بعد علمه بذلك، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فَلِأَن علم أبي لَهب بِأَن تَصْدِيقه مَعْلُوم الْعَدَم عِنْد الله لَا يَجعله محالا لذاته بل لَا يَجعله مُضْطَرّا فِي عدم التَّصْدِيق كَمَا حقق فِي مَحَله (فَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل لَهُم (تشكيك بعد) النَّص (الْقَاطِع) فِي أَنه لم يَقع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله﴾ الْآيَة فَهُوَ) أَي التَّكْلِيف بالمحال لذاته (مَعْلُوم الْبطلَان). قَالَ الشَّارِح عقلا غير وَاقع شرعا انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن المُصَنّف لم يثبت بُطْلَانه عقلا فَارْجِع إِلَى قَوْله وَالْحق الخ. مسئلة (نقل عَن الْأَشْعَرِيّ بَقَاء التَّكْلِيف) بِالْفِعْلِ أَي كَونه مَطْلُوبا من الْمُكَلف (حَال) مُبَاشرَة ذَلِك (الْفِعْل) كَمَا كَانَ قبل الْمُبَاشرَة لَهُ (واستبعد) هَذَا مِنْهُ (بِأَنَّهُ) أَي الْأَشْعَرِيّ (إِن أَرَادَ) بِبَقَائِهِ فِي هَذَا الْحَال (أَن تعلقه) أَي التَّكْلِيف (لنَفسِهِ) أَي لذاته لِأَن حَقِيقَته الطّلب الْمُضَاف إِلَى الْمَطْلُوب، وَهَذِه الْإِضَافَة والتعلق لَا يَنْفَكّ عَن حَقِيقَته. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ لَو انْقَطع التَّكْلِيف بعد الْفِعْل لزم أَن يتَعَدَّى الطّلب الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى وَهُوَ محَال، لِأَن صِفَاته كَمَا هِيَ أزلية أبدية، وَجَوَابه أَن الْكَلَام فِي الْأَزَل كَسَائِر صِفَاته وَاحِد لَا تعدد فِيهِ، وَكَونه أمرا أَو نهيا من الْعَوَارِض الَّتِي تتجدد لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلّقه، فَلَا يلْزم من انْتِفَاء الطّلب انْتِفَاء كَلَامه الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى (فَحق) أَي فَهَذَا الْمَعْنى حق (لَكِن يشكل عَلَيْهِ) أَي على هَذَا المُرَاد (انْقِطَاعه بعده) أَي بعد صُدُور الْفِعْل (اتِّفَاقًا) وَذَلِكَ التَّعَلُّق الَّذِي يَقْتَضِيهِ الذَّات لَا يَنْفَكّ عَنْهَا مَا دَامَت الذَّات بَاقِيَة، وَعدم انْقِطَاعه بعده خلاف الْإِجْمَاع (أَو) أَرَادَ بذلك (تَنْجِيز التَّكْلِيف) أَي إِرَادَة إِيقَاعه مُنجزا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من عباراته (فَبَاطِل) أَي فَهَذَا المُرَاد بَاطِل (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ) أَي التَّكْلِيف بِهَذَا الْمَعْنى حَال الْفِعْل تَكْلِيف (بإيجاد الْمَوْجُود) هَذَا كَلَامهم، وَتعقبه المُصَنّف بقوله (وَلَيْسَ) الْأَمر كَذَلِك (لِأَن ذَلِك) أَي التَّكْلِيف بإيجاد الْمَوْجُود إِنَّمَا يكون (بعده) أَي الْفِعْل (وكلامنا) فِي التَّكْلِيف بِهِ (حَال هَذَا الإيجاد، وَمَا يُقَال إِحَالَة للصورة) أَي لأجل إِحَالَة صُورَة هَذِه المسئلة، وَبَيَان كَونهَا محالا (الْفِعْل إِن كَانَ آنيا) أَي دفعي الْوُجُود لَا زمانيا تدريجيا ممتدا على طبق أَجزَاء الزَّمَان: قَوْله الْفِعْل إِلَى آخِره بدل من الْمَوْصُول أَو ضَمِيره (لم يتَصَوَّر لَهُ) أَي لذَلِك الْفِعْل (بَقَاء) إِذا الْمَفْرُوض أَن حُدُوثه ووجوده لَيْسَ إِلَّا فِي آن وَاحِد (يكون مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْبَقَاء (التَّكْلِيف، وَإِن) كَانَ (طَويلا)

стр. 527

كَالصَّوْمِ (أَو ذَا أَفعَال) كَالصَّلَاةِ (فحال فعله) أَي فَفِي حَال إِيقَاعه (انْقَضى) ذَلِك الْفِعْل شَيْئا فَشَيْئًا) إِذْ هُوَ حِينَئِذٍ غير قار الذَّات لم تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود لأجزاء الْحَرَكَة وَالزَّمَان (فالمنقضي سقط تَكْلِيفه) فَلَا بَقَاء لَهُ (وَمَا لم يُوجد) من أَجْزَائِهِ (بَقِي) التَّكْلِيف فِي حَقه، وَهَذَا الْبَقَاء كالبقاء قبل الشُّرُوع فِي الْفِعْل فَلَيْسَ من مَحل النزاع (لَا يُفِيد) خبر مَا يُقَال (ذَلِك) أَي إِحَالَة الصُّورَة (لِأَن الْمُمكن آنيا) كَانَ (أَو زمانيا) لَا بُد لَهُ من حَال عدم وَحَال بروز) من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود (وَإِن لم يدْرك) مِقْدَار زمَان بروزه (لسرعته وَحَال تقرر وجوده، والبقاء إِنَّمَا هُوَ مَحْكُوم بِهِ للتكليف لَا للْفِعْل) ثمَّ فسر بَقَاء التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ بقوله (أَي التَّكْلِيف السَّابِق على الْفِعْل يبْقى مَعَ الْحَالة الثَّانِيَة) من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة (وَإِن سبقت) الْحَالة الثَّانِيَة (اللحظة) فِي السرعة، واللحظة فِي الأَصْل: النظرة بمؤخر الْعين، وَالْمرَاد هَهُنَا طرفَة الْعين وَالْحَاصِل أَن التَّكْلِيف بَاقٍ بعد الْحَالة الأولى قبل الثَّانِيَة، وَلَو كَانَ مَا دون طرفَة الْعين (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّحْقِيق على هَذَا الْوَجْه (صَحِيح) مَبْنِيّ على أصُول الْأَشْعَرِيّ وَغَيره من أهل الْحق فَيكون كالمنصوص عَلَيْهِ مِنْهُم (وَيكون نصا من الْأَشْعَرِيّ) على (أَن التَّكْلِيف سبقه) أَي الْفِعْل بِاعْتِبَار تقرر وجوده (لَا) أَنه (مَعَ الْمُبَاشرَة) للْفِعْل (كَمَا نسب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ) أَي مَا نسب إِلَيْهِ من أَن التَّكْلِيف مَعَه (بَاطِل وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْأَمر كَذَلِك، بل كَانَ مَعَ الْمُبَاشرَة (انْتَفَت الْمعْصِيَة) إِذْ الْمعْصِيَة تَقْتَضِي عدم سبق التَّكْلِيف والمكلف لَا يَخْلُو من أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا أَنه يَأْتِي بالمأمور بِهِ أَو لَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا مَعْصِيّة: أما على الأول فَظَاهر، وَأما على الثَّانِي فَلِأَن انْتِفَاء الْمُبَاشرَة يسْتَلْزم انْتِفَاء التَّكْلِيف حِينَئِذٍ (وَنسب هَذَا الْخبط) إِلَى الْأَشْعَرِيّ نِسْبَة ناشئة (عَن) قَوْله (أَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل) فَلَا قدرَة قبل الْفِعْل وَبعده (وَلَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ) فِي الْبُرْهَان: والذهاب إِلَّا أَن التَّكْلِيف عِنْد الْفِعْل (مَذْهَب لَا يرتضيه لنَفسِهِ عَاقل) إِذْ هُوَ خارق للاجماع، لِأَن الْقَاعِد فِي الْحَال قعوده مُكَلّف بِالْقيامِ إِلَى الصَّلَاة بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام وَأَيْضًا التَّكْلِيف طلب والطلب يَسْتَدْعِي مَطْلُوبا وَعدم حُصُوله وَقت الطّلب (وينفي) هَذَا أَيْضا (تَكْلِيف الْكَافِر بِالْإِيمَان قبله) أَي الْإِيمَان وَهُوَ ظَاهر (وَالتَّحْقِيق أَن الْقُدْرَة صفة لَهَا صَلَاحِية التَّأْثِير) فِي المعدومات الممكنة بالإيجاد (و) الْقُدْرَة (الَّتِي يُقَام بهَا) الْفِعْل (جزئي حَقِيقِيّ مِنْهَا) أَي من الْقُدْرَة الْكُلية الْمَذْكُورَة فَإِن قلت الْمَذْكُورَة قَائِمَة بالشخص فِي الْخَارِج وكل مَا يقوم بِهِ جزئي حَقِيقِيّ قلت هُوَ كَذَلِك، لَكِن قطع النّظر عَن تعينها الْحَاصِل بِسَبَب خُصُوصِيَّة الْمحل وَحكم بكليتها الْمَفْهُوم الْكُلِّي الْقَائِم بِالْفِعْلِ (والمتقدم والمتأخر) بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الجزئي الْحَقِيقِيّ من الجزئيات الصادرة فِي الإيجادات المتعاقبة (الْأَمْثَال) وَلَيْسَ بَينهمَا اتِّحَاد (فَالشَّرْط)

стр. 528

للتكليف (مثل سَابق) على الْمثل الْمُقَارن للْفِعْل (وَقد علمت) من قَوْلنَا الْقُدْرَة صفة لَهَا صَلَاحِية التَّأْثِير (أَن الصلاحية لَازِمَة لماهيتها) أَي الْقُدْرَة (فتلزم) الصلاحية الْمَذْكُورَة (كل فَرد) من أفرادها ضَرُورَة عدم تخلفه اللَّازِم عَن أَفْرَاد الْمَلْزُوم (وَذَلِكَ) الْمثل السَّابِق (مَدْلُول عَلَيْهِ بسلامة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه فَلِذَا فَسرهَا) أَي الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ شَرط الْفِعْل (الْحَنَفِيَّة بِهِ) أَي بِمَا ذكر من سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات (وَأما دَفعه) أَي قَول الْأَشْعَرِيّ من الْمُعْتَزلَة (بِأَن عِنْد الْمُبَاشرَة) للْفِعْل (مَعَ الداعية) إِلَيْهِ (وَالْقُدْرَة) عَلَيْهِ (يجب) الْفِعْل (فَلَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة) لعدم التَّمَكُّن من التّرْك وَلَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور، وَفِيه أَن قَوْله وَالْقُدْرَة مَعْطُوف على الداعية، فليزم مقارنتها مَعَ الْمُبَاشرَة فَمَا معنى قَوْله لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة فَتَأمل (فمدفوع بِأَنَّهُ) أَي وجوب الْفِعْل حِينَئِذٍ (وجوب) تَأْثِير (عَن اخْتِيَار سَابق فِي الْفِعْل وَعدم) للْفِعْل السَّابِق (مَعَ إِمْكَان) للْفِعْل وَالتّرْك (مصحح للتكليف حِينَئِذٍ وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع بجيد (لِأَن الْوُجُوب لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْفِعْلِ) على التَّمام، وَإِنَّمَا قَالَ (فِي التَّحْقِيق) إِشَارَة إِلَى مَا اشْتهر من أَن كل مُمكن محفوف بوجوبين: وجوب سَابق نظرا إِلَى علته التَّامَّة لكَون الْأَسْبَاب العادية مُؤثرَة فِي نفس الْأَمر، وجوب لَاحق للوجود أَو بعد الْوُجُود لَا يَنْفِي إِمْكَان عدم ذَلِك الْوُجُود من الأَصْل بِأَن يبْقى إِمْكَان عدم بَقَائِهِ كَلَام ظاهري (وَالْقُدْرَة) للْعَبد (لَا يُقَام بهَا الْفِعْل عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة والأشاعرة، وَمعنى الْإِقَامَة بهَا كَونهَا مُؤثرَة فِيهِ (بل تصاحبه) أَي تقارن الْقُدْرَة الْفِعْل كَمَا قارنته لسَائِر الْأَسْبَاب العادية (إِذْ لَا يُقَام) الْفِعْل (إِلَّا بقدرته تَعَالَى، وَلَا تَأْثِير أصلا لقدرة العَبْد فِيهِ) أَي الْفِعْل (فَلَيْسَ شَرط التَّكْلِيف إِلَّا مَا ذكرنَا) من سَلامَة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه (وَلَا يَسْتَدْعِي) مَا ذكر من الشَّرْط وَغَيره (الْمَعِيَّة) أَي كَون التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل بتأثير قدرته تَعَالَى من غير مدخلية للْعَبد يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَإِن عِنْده) أَي عِنْد مَا ذكر من سَلامَة الْآلَات وَصِحَّة الْأَسْبَاب (يخلق بقدرته) تَعَالَى (عَادَة) بِمَعْنى أَن عَادَته جرت بِأَنَّهُ يخلق أَفعَال الْعباد مَقْرُونا بذلك، فحاصل الِاشْتِرَاط التلازم لَا التَّوَقُّف (عِنْد الْعَزْم) أَي عزم العَبْد على الْفِعْل (المصمم) صفة مُؤَكدَة للعزم والظرف الثَّانِي بدل من الأول بدل الاشتمال أَو الْبَعْض، ثمَّ لما أَفَادَ عدم جودة الدّفع الْمَذْكُور بِاعْتِبَار تَأَخّر الْوُجُوب الْمَذْكُور عَن الْفِعْل أَرَادَ أَن يُفِيد أَن الِاخْتِيَار السَّابِق الَّذِي حكم بِكَوْنِهِ منشأ للْوُجُوب الْمَذْكُور إِنَّمَا يعْتَبر لِأَن يكون فعل الْمُكَلف امتثالا وَإِذا اعْتَبرهُ سَابِقًا على التَّكْلِيف لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ذَلِك الْقَصْد فَقَالَ (وَأَيْضًا سبق الِاخْتِيَار التَّكْلِيف بسبق مَا قارنه) أَي التَّكْلِيف وَهُوَ مُبَاشرَة الْفِعْل كَمَا يفِيدهُ القَوْل بِأَن التَّكْلِيف عِنْد الْمُبَاشرَة (لَا يُوجب وُقُوع) وجوب (الْفِعْل امتثالا لِأَنَّهُ) أَي الِامْتِثَال إِنَّمَا

стр. 529

يتَحَقَّق (بِاخْتِيَارِهِ) أَي الْمُكَلف (بعد علمه بالتكليف) وَهُوَ مُنْتَفٍ حَيْثُ كَانَ الْفِعْل مُقَارنًا للتكليف. (تَنْبِيه: قسم الْحَنَفِيَّة الْقُدْرَة إِلَى مُمكنَة) على صِيغَة الْفَاعِل فِي التَّلْوِيح، وَهُوَ شَرط لوُجُوب أَدَاء كل وَاجِب فضلا من الله لَا لنَفس الْوُجُوب لِأَنَّهُ قد يَنْفَكّ عَن وجوب الْأَدَاء فَلَا حَاجَة إِلَى الْقُدْرَة إِذْ هُوَ ثَابت بِالسَّبَبِ والأهلية (وَهِي السَّابِقَة) أَي الَّتِي سبق ذكرهَا أَو السَّابِقَة فِي التحقق على الْفِعْل: أَي سَلامَة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه (وميسرة) على صِيغَة الْفَاعِل أَيْضا وَهِي مَا يُوجب يسر الْأَدَاء على العَبْد بعد مَا ثَبت الْإِمْكَان بِالْقُدْرَةِ الممكنة، فِي التَّوْضِيح فالممكنة أدنى مَا يتَمَكَّن بِهِ الْمَأْمُور من أَدَاء الْمَأْمُور بِهِ من غير حرج غَالِبا، وَإِنَّمَا قيدنَا بِهَذَا لأَنهم جعلُوا الزَّاد وَالرَّاحِلَة دَاخِلَة من الممكنة، وَالْمُصَنّف أَرَادَ تقسيمها فَقَالَ (وَالْأولَى) أَي الممكنة (إِن كَانَ الْفِعْل) يتَحَقَّق (مَعهَا) إِذا اتّصف الْمَأْمُور (بالعزم) على ذَلِك الْفِعْل (غَالِبا) أَي فِي غَالب الْأَوْقَات قَيده بذلك إِذْ قد يعزم مَعَ الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَا يَقع: أَي الْمَعْنى غَالِبا على الظَّن كوقت الصَّلَاة قبل التَّعْلِيق على مَا فسر بِهِ الشَّارِح (فَالْوَاجِب) عِنْد هَذَا الْقسم من الْقُدْرَة (الْأَدَاء) أَي إِيقَاع الْفِعْل فِي وقته الْمعِين لَهُ شرعا (عينا) أَي الْأَدَاء بِعَيْنِه لَا قَضَاء (فَإِن لم) يؤد (بِلَا تَقْصِير) مِنْهُ فِي ترك الْأَدَاء (حَتَّى انْقَضى وقته) أَي الْأَدَاء لم (يَأْثَم وانتقل الْوُجُوب إِلَى قَضَائِهِ) أَي ذَلِك الْفِعْل (إِن كَانَ لَهُ) أَي لذَلِك الْفِعْل (ثمَّة خلف، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ خلف (فَلَا قَضَاء وَلَا إِثْم أَو) إِن لم يؤد (بتقصير) مِنْهُ (أَثم على الْحَالين) أَي فِيمَا لَهُ خلف وَمَا لَا خلف لَهُ كَصَلَاة الْعِيدَيْنِ (وَإِن لم يكن) الْفِعْل مَعهَا (غَالِبا) قيد للنَّفْي لَا للمنفي (وَجب الْأَدَاء لخلفه) أَي الْمَقْصد من إِيجَاب الْأَدَاء على الْمَأْمُور مَعَ عدم تحققها غَالِبا لَيْسَ إِلَّا وجوب الْقَضَاء الَّذِي هُوَ خلف الْأَدَاء (لَا لعَينه) أَي الْأَدَاء (كالأهلية) أَي كصيرورة الْمُكَلف أَهلا للْوُجُوب (فِي الْجُزْء الْأَخير من الْوَقْت) فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْأَدَاء لَا لعَينه لعدم سَعَة الْوَقْت إِيَّاه بِحَسب الْغَالِب الْمُعْتَاد، فَلَا يرد عَلَيْهِ إِمْكَان الامتداد والبسط فِي ذَلِك الْجُزْء كَمَا حكى عَن سُلَيْمَان ﵇ (خلافًا لزفَر لاعتباره إِيَّاهَا) أَي الْأَهْلِيَّة (قبله) أَي قبل الْجُزْء الْأَخير (عِنْدَمَا يَسعهُ) أَي الْأَدَاء وَالشَّافِعِيّ مَا يسع رَكْعَة فَيَقُول يجب الْقَضَاء ابْتِدَاء من غير وجوب الْأَدَاء إِذا أحدث الْأَهْلِيَّة فِي الْجُزْء الْأَخير، وَعلل الْمَذْهَب بقوله (لِأَنَّهُ لَا قطع بالأخير) أَي الْجُزْء الَّذِي يظنّ أَنه الْأَخير لَا قطع بِكَوْنِهِ أخيرا (لَا مَكَان الامتداد) وَهُوَ الْمُسَمّى يبسط الزَّمَان وعَلى تَقْدِير أَن يَمْتَد ذَلِك الْجُزْء لم يكن جُزْءا أخيرا، فَأَي جُزْء كَانَ مَعَه سَلامَة الْآلَات يجب عِنْده الْأَدَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الْأَخير بِنَاء على الْإِمْكَان الْمَذْكُور (وَلَا يشْتَرط بَقَاؤُهَا) أَي الْقُدْرَة الممكنة (للْقَضَاء) كالأداء فَيجب

стр. 530

الْقَضَاء وَإِن كَانَ فِي وَقت عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ (لِأَن اشْتِرَاطهَا) للْأَدَاء (لاتجاه التَّكْلِيف وَقد تحققت) الْقُدْرَة على الْأَدَاء عِنْد توجه الْخطاب (وَوُجُوب الْقَضَاء بَقَاء ذَلِك الْوُجُوب) وَشرط حُدُوث الشَّيْء لَا يسْتَلْزم وجوده عِنْد بَقَاء ذَلِك الشَّيْء (لِاتِّحَاد سَببهَا) أَي الْأَدَاء وَالْقَضَاء (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فَلم يتَكَرَّر) الْوُجُوب (لتكرر) الْقُدْرَة توضيحة أَن شَرط وجوب الْأَدَاء وَسَببه إِذا تحقق صَار الْفِعْل مَطْلُوبا من الْمُكَلف وجوبا على سَبِيل الْأَدَاء مَا دَامَ الْوَقْت مَوْجُودا وَبعد مضيه لَا يرْتَفع طلبه غير أَنه قبل مضيه كَانَ مَطْلُوبا على سَبِيل الْأَدَاء وَبعده على سَبِيل الْقَضَاء فَأصل الطّلب بَاقٍ على حَاله وَلَا يحدث بعده وجوب آخر، لِأَن تعدد الحكم يسْتَلْزم تعدد السَّبَب، وَحَيْثُ لم يتَكَرَّر الْوُجُوب لم تَتَكَرَّر الْقُدْرَة عِنْد حُدُوث الْوُجُوب (فوجوب الصَّلَوَات الْكَثِيرَة) قَضَاء (فِي آخر نفس) من الْحَيَاة (عين وُجُوبهَا) أَدَاء (المستكمل لشرطه) من سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات (لكنه) أَي الَّذِي أخر إِلَى آخر نفس (قصر) حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَنْهَا (وَأَيْضًا لَو لم يجب) الْقَضَاء (إِلَّا بقدرة متجددة لم يَأْثَم بترك) للْقَضَاء (بِلَا عذر) يَعْنِي لَو شَرط فِي وجوب الْقَضَاء وجود الْقُدْرَة فِي وَقت يُمكن الْقَضَاء فِيهِ لزم أَن لَا يَأْثَم بترك الْقَضَاء بِلَا عذر إِذا أدْرك ذَلِك الْوَقْت وَهُوَ غير قَادر، فَالْمُرَاد بالعذر الْمَنْفِيّ مَا عدا عدم الْقُدْرَة (وَذَلِكَ) أَي عدم الْإِثْم بِالتّرْكِ (يبطل معنى وُجُوبهَا، قَضَاء) يرد عَلَيْهِ أَن من يشْتَرط بَقَاء الْقُدْرَة فِي وجوب الْقَضَاء لَا يُبَالِي من بطلَان معنى وُجُوبهَا قَضَاء: اللَّهُمَّ أَلا أَن يُرَاد بطلَان معنى وُجُوبهَا مُطلقًا إِذا ترك الْأَدَاء بِعُذْر وَلم يقدر بعد فَالْمُرَاد بِمَعْنى الْوُجُوب لُزُوم الْإِثْم عِنْد التّرْك فَتَأمل، فعلى عدم اشْتِرَاط الْقُدْرَة فِي وجوب الْقَضَاء يلْزم تَخْصِيص النَّص الدَّال على عدم التَّكْلِيف بِغَيْر الوسع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيخص لَا بكلف الله الْآيَة الْأَدَاء كَمَا أوجبته) أَي ذَلِك التَّخْصِيص (نُصُوص قَضَاء الصَّوْم) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ - (وَالصَّلَاة) كَقَوْلِه ﷺ " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " (الْمُوجبَة) صفة النُّصُوص (الْإِثْم بِتَرْكِهِ) أَي الْقَضَاء بِلَا عذر (المستلزم لتَعَلُّقه) أَي الْوُجُوب بِالْقضَاءِ (فِي آخر نفس) والمعين يخص لَا يُكَلف الخ تَخْصِيصًا كَائِنا على طبق مَا اقتضته هَذِه النُّصُوص، ثمَّ اسْتدلَّ على إِيجَابهَا الْإِثْم بِالتّرْكِ الْمَذْكُور بقوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَأْثَم بِالتّرْكِ بِلَا عذر (انْتَفَى إِيجَابهَا) أَي نُصُوص الْقَضَاء (الْقَضَاء) لانْتِفَاء لَازِمَة وَهُوَ الْإِثْم بِالتّرْكِ بِلَا عذر (وَأَيْضًا الْإِجْمَاع على التأثيم) بِالتّرْكِ بِلَا عذر (إِجْمَاع عَلَيْهِ) أَي تَخْصِيص الْآيَة كَمَا ذكر استلزاما (وَمن الممكنة الزَّاد وَالرَّاحِلَة) أَي ملكهمَا ذاتا أَو مَنْفَعَة بِالْإِجَارَة بِحَيْثُ يتَوَصَّل بهما إِلَى الْحَج (لِلْحَجِّ) إِذْ لَا يتَمَكَّن مِنْهُ أَكثر النَّاس بِدُونِ الْحَرج إِلَّا بهما (وَالْمَال) أَي ملك
следующие страницы →