← Фатава

Фатава · id 6351

مسائل مهمات تتعلق بفقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات

حسام الدين عفانة

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

هدي الرسول ﵊ في الاعتكاف يقول السائل: كيف كان هدي الرسول ﵊ في الإعتكاف؟ وهل يصح للمسلم أن ينوي الإعتكاف كلما دخل المسجد؟ وما حكم الإعتكاف؟ الجواب: قال العلامة ابن القيم رحمه اله (كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله وتركه مرة فقضاه في شوال. واعتكف مرة في العشر الأول ثم الأوسط ثم العشر الأخير يلتمس ليلية القدر ثم تبين له أنها في العشر الأخير فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه . وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربه وكان إذا اراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله .. وكان يعتكلف كل سنة عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً .. وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه الا لحاجة الأنسان وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها وكان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضه له سريره في معتكفه - .. الخ). زاد المعاد ٢/ ٨٨ - ٩٠. هذا هو هدي الرسول ﷺ في الإعتكاف وعلينا الاقتداء به ﷺ واما حكم الاعتكاف فهو مسنون عند أكثر أهل العلم في العام كله وأوكد الأعتكاف ما كان في العشر الأواخر من رمضان وإذا نذر المسلم الاعتكاف صار الوفاء به فرضاً. وأما زمان الإعتكاف ومدته فجمهور العلماء يرون جواز الإعتكاف مدة يسيرة في المسجد كساعة أو ساعتين ونحو ذلك. قال ابن حزم: (كل اقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب اليه اعتكاف فالاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الأزمان أو كثر اذا لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد ولا وقتاً من وقت عن سويد بن غفلة قال: من جلس في المسجد وهو طاهر فهو عاكف فيه ما لم يحدث وعن عطاء بن أبي رباح عن يعلى بن أمية ﵁ قال: اني لامكث في المسجد ساعة وما أمكث الا لاعتكف، قال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه وان جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف والا فلا) المحلى ٣/ ٤١٢. وينبغي أن يعلم أن الإعتكاف لا بد أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة والجماعة حتى لا يحتاج المعتكف للخروج لهما ولا بد في الاعتكاف ايضاً من النية لقول الرسول ﷺ (إنما الأعمال بالنيات). والمطلوب من المعتكف أن يلبث في المسجد وينشغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار وعليه أن يبتعد عن الخوض في أمور الدنيا. وعليه أن يجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ويجتنب أيضاً المراء والجدال والسباب ويقلل الكلام في أمور الدنيا ولا يتكلم الا بخير ويكره للمعتكف أن يترك الكلام تركاً مطلقاً معتقداً أن ذلك قربة لله لأن ذلك بدعة وقد أمر النبي ﷺ من نذر ترك الكلام أن يتكلم ويجوز للمعتكف أن يأكل ويشرب وينام في المسجد مع وجوب محافظته على نظافة وطهارة المسجد ويجوز له أن يتطيب ويلبس ما شاء من الملابس الحسنة، وإذا نوى المسلم الاعتكاف في العشر الاواخر من رمضان فعليه أن يلبث في المسجد ولا يجوز له الخروج الا لحاجة الناس ويجوز أن يخرج للوضوء والغسل وللأعمال الضرورية لأن الخروج من المسجد يفسد الإعتكاف الا ما ذكرنا.

стр. 37

هدي المصطفى ﷺ يوم العيد يقول السائل: ما هو هدي المصطفى ﷺ في يوم العيد؟ الجواب: كان من هدي رسول الله ﷺ صلاة العيد في مصلى العيد وهو ليس المسجد النبوي وإنما كان أرض خلاء وكان ﵊ يأمر بإخراج النساء يشهدن الصلاة ويسمعن الذكر حتى الحيض منهن فقد جاء في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال لتلبسها أختها جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى (والحيّض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس) رواه مسلم، والعواتف أي الشابات، والحيّض: جمع حائض، ذوات الخدور: ربات البيوت. وكان من هدي المصطفى ﷺ الأغتسال للعيد. وكان يلبس أجمل ثيابه يوم العيد، فإن التجمل باللباس يوم العيد والجمعة واجتماع الناس من الأمور المشروعة الثابتة عن رسول الله ﷺ وكان من هديه ﵊ الخروج ماشياً الى الصلاة فإذا وصل الى المصلى بدأ بالصلاة من غير أذان ولا إقامة فكان يصلي ركعتين فيهما تكبيرات زوائد. وأصح ما ورد في صفة صلاة العيد وعدد التكبيرات الزوائد ما جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة وقال الحافظ العراقي إسناده صالح ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري. ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وخمساً في الثانية بعد القراءة وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة. وأما ما ورد في التكبير ثلاثاً في الأولى قبل القراءة وثلاثاً في الثانية بعد القراءة فإن الحديث فيه ضعيف لا يعول عليه وما تقدم أصح. وكان ﵊ يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورق ق وفي الركعة الثانية سورة القمر. كما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي وقد سأله عمر: ما كان رسول الله يقرأ به في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ "ق والقرآن المجيد، واقتربت اساعة وانشق القمر" رواه مسلم. واحياناً كان يقرأ في الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الغاشية كما في الحديث عن سمرة ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية) رواه أحمد. وبعد انتهائه ﵊ من الصلاة كان يشرع في الخطبة وكان يبدؤها بالحمد لله وليس بالتكبير كما يفعل أكثر الخطباء اليوم. قال العلامة ابن القيم ﵀ (وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير) زاد المعاد ١/ ٤٤٧. وكان ﵊ يكبر كثيراً خلال خطبتي العيد. ومما يجدر ذكره أن التكبير في عيد الأضحى يبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر حتى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، فصح عنهم التكبير من غداة عرفة الى أخر ايام التشريق. ويكون التكبير في أعقاب الصلوات المفروضة وغيرها من الأوقات. قال الإمام الشوكاني (والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب الصلوات المفروضة بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام) نيل الأوطار ٣/ ٣٥٨. وينبغي أن يعلم أن أيام العيد هي أيام ذكر لله تعالى وليست أياماً للتحلل من الأحكام الشرعية كما يظن كثير من الناس قال ﵊ (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله رواه مسلم. وكان ﵊ بعد انتهاء الصلاة والخطبة يأتي النساء فيعظهن ويذكرهن فقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: (شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير آذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن) رواه مسلم. وكان ﵊ يعود من المصلى من طريق غير الطريق الذي سلكه في ذهابه ليكثر الناس الذين يسلم عليهم أو لغير ذلك من الحكم. وبعد رجوعه الى منزله كان يتولى أضحيته بنفسه أو يوكل أحداً بذبحها، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن أو ما تبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتا .. ) رواه مسلم. وأخيراً ينبغي التذكير بصلة الأرحام والإحسان الى الفقراء والمساكين يوم العيد وكذلك فلا بأس بالتهنئة بالعيد والتوسعة على الأهل والأولاد.

стр. 38

التهنئة بحلول العيد يقول السائل: كيف تكون التهنئة بحلول العيد؟ الجواب: إن أصل التهنئة مشروع في الجملة فقد ثبت في الحديث الصحيح في قصة توبة كعب بن مالك ﵁ حين تاب الله عليه بعد تخلفه عن غزوة تبوك حيث ورد في قصة توبته (قال سمعت صوت صارخ يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك، أبشر فذهب الناس يبشروننا وانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ (أقصده) يتلقاني الناس فوجا فوجاً يهنئوني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني وكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب:- فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر يخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث في التهنئة بشكل عام وأما التهنئة بالعيد والدعاء فيه فقد ورد في الحديث عن محمد بن زياد قال كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب الرسول ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض يتقبل الله منا ومنك) قال الإمام أحمد بن حنبل إسناده إسناد جيد وجود اسناده أيضاً العلامة ابن التركماني، الجوهر النقي ٣/ ٣١٩. ونقل ابن قدامة عن الأمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله منا ومنك). وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قبل وواثلة بن الأسقع؟ قال نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد، قال: لا) المغني ٢/ ٢٩٥/٢٩٦. وسئل الإمام مالك عن قول الرجل لأخيه يوم العيد تقبل الله منا ومنك يريد الصوم فقال ما أعرفه ولا أنكره، قال ابن حبيب المالكي معناه لا يعرفه سنة ولا ينكره على من يقوله لأنه قول حسن ولأنه دعاء. وقد عقد الأمام البيهقي باباً في سننه الكبرى بعنوان (باب ما روي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك). ثم ساق فيه بعض الأحاديث الواردة ت في ذلك وضعفها وساق فيه أيضاً أثراً عن عمر بن عبد العزيز فقال (عن أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيد تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد علينا ولا ينكر ذلك علينا) سنن البيهقي ٣/ ٣١٩. وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فلا بأس أن يعمل بها في مثل هذا الأمر الذي يعد من فضائل الأعمال وخاصة إذا أضفنا اليها الحديث الذي لم يذكره البيهقي وهو حديث أبي أمامة المذكور سابقاُ، وخلاصة الأمر أنه لا بأس أن يقال في التهنئة بالعيد تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال أو نحولها من العبارات.

стр. 39

المشروع في زيارة القبور يقول السائل: ما هو المشروع في زياردة القبور؟ الجواب: لا شك أن زيارة القبور مشروعة في كل الأوقات لما ورد في الحديث عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة ولتزدكم زيارتها خيراً فمن أراد أن يزور فليزر ولا تفولوا هجراً) رواه مسلم وأبو داوود والنسائي وغيرهم. وفي رواية أخرى (لا تقولوا ما يسخط الرب). فزيارة القبور سنة مشروعة تذكر بالموت وتجعل الإنسان يتعظ ويعتبر ويتذكر أنه سيصير الى ما صار اليه الأموات وهذا يدفعه الى العمل الصالح. وكذلك فإن زيارة القبور فيها نفع للميت بالسلام عليه والدعاء له والاستغفار له. والمشروع للزائر أن يقول: (السلام على أهل الديار المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) رواه مسلم. والمشروع أيضاً في حق الزائر أن يدعو للأموات لما ورد أن النبي ﷺ (كان يخرج الى البقيع فيدعو لأهل البقيع فسألته عائشة عن ذلك فقال إني أمرت أن أدعو لهم) رواه أحمد بسند صحيح. وينبغي لزائر القبور أن يراعي حرمة الأموات فلا يجلس على القبور ولا يطؤها بقدمه وقد حذر الرسول ﷺ من ذلك فقال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص الى جلده خير له من أن يجلس على قبر) رواه مسلم وأبو داوود والنسائي وغيرهم.

стр. 40

زيارة النساء للقبور محظورة يقول السائل: ما حكم زيارة النساء للقبور؟ الجواب: إن زيارة النساء للقبور ممنوعة شرعاً. على القول الراجع من أقوال أهل العلم، لأنه ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حيان. وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان، وهو حديث صحيح. وعن علي ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير ماجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف. وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول اله عليهالصلاة والسلام لعن النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اله: "فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الأخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصاً بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولاً لغيرهم كان هذا اللفظ عاماً وقوله: (لعن الله زوارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان هذا خاصاً ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدماً على العام عند عامة أهل العلم، كذلك لو علم أنه كان بعدها " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/ ٦٠،٣٦١.

стр. 41

زيارة القبور يوم العيد غير مشروعة يقول السائل: جرت العادة عندنا أن يذهب الناس يوم العيد بعد انتهاء صلاة العيد لزيارة القبور وتخرج النساء كذلك معهم ويوزعون الحلوى والقهوة والشاي ويضعون جريد النخل والزهور على القبور فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن زيارة القبور سنة مشروعة عن الرسول ﷺ فقد ثبت في الحديث قوله ﵊ (كنت نهيتكم عن زيارة القبورألا فزورها فإنها تذكركم بالآخرة) رواه مسلم. ولكن الشرع لم يحدد يوماً معيناً لزيارة القبور لذلك فإن تخصيص يومي العيد بزيارة القبور بدعه مكروهة وقد تكون حاماً إذا رافقتها الأمور المنكرة التي نشاهدها في أيامنا هذه يوم العيد من خروج النساء المتبرجات إلى القبور ووطئها بالأقدام وغير ذلك من الأمور المخالفة لهدي المصطفى ﷺ . وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز تخصيص زمان أو مكان بشيء من العبادة إلا بدليل شرعي. وتخصيص يوم العيد بزيارة القبور مما لم يرد عن الرسول ﷺ فلم يكن من هدي المصطفى ﷺ . ولا صحابته ﵃ زيارة القبور يوم العيد وإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ وإن الخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع. وأما قراءة القران على القبور فأمر غير مشروع أيضاً بل هو بدعة منكرة ما فعلها رسول الله ﷺ ولا نقلت عن صحابته ﵃ ولا يجوز فعل ذلك وعلى المسلم أن يقتدي بالرسول ﷺ وصحابته الأخيار ﵃. والرسول ﷺ علم الصحابة ما يقولون عند زيارتهم للقبور فقد ورد في الحديث عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم. فالمشروع في حق من يزور المقابر أن يسلم على الأموات بهذه الصيغة أو نحوها وأن يدعو ويستغفر لهم وأما قراءة الفاتحة كما يفعله أكثر الناس اليوم وكذا قراءة غيرها من القرآن لا أصل له في الشرع وإن توارثه الناس في بلادنا كابراً عن كابر فإن الحق في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لا فيما يعتاده الناس. قال الشيخ محم رشيد رضا صاحب تفسير المنار (- .. فأعلم أن ما اشتهر وعمّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة) ٨/ ٢٦٨. ومما يدل على عدم مشروعية قراءة القران على القبور قول النبي ﷺ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر فأن لشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم. فهذا يدل على أن القبور ليست محلاً لقراءة القرآن شرعاً فلذلك حض الرسول ﷺ على قراءة القران في البيوت ونهى عن جعل البيوت كالمقابر في عدم قراءة القرآن. وأما خروج النساء الى زيارة القبور في أي يوم من أيام السنة فالأصل فيه الجواز لدخول النساء في عموم قوله ﷺ في الحديث المتقدم (كنت نهيتكم .. ألا فزوروها) ولأن في زيارة القبور وهي التذكرة بالأخرة تشارك النساء فيها الرجال ولثبوت ذلك بأحاديث منها حديث عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها) رواه الحاكم والبيهقي واسناده صحيح قاله الألباني وفي رواية عنها (أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة لقبور) رواه ابن ماجة. وفي الباب أيضاً حديث عائشة عند مسلم وهو حديث طويل لم اذكره لذلك. وأما خروج النساء لزيارة القبور يوم العيد فحكمة كما قلت سابقاً لا يجوز فهو بدعة مكروهة لأنه تخصيص لعبادة بزمان معين بدون دليل وقد يصل إلى درجة التحريم إذا عرفنا حال كثير من النساء اللواتي يخرجن إلى المقابر من التبرج، وإبداء الزينة والإختلاط الفاحش بالرجال فأرى أنه يجب على أولياء أمورهن منعهن من الخروج إلى المقابر وهن على تلك الحال وإن لم يفعلوا فهم آثمون والعياذ بالله. وأما وضع جريد النخل وباقات الزهور أو أكاليل الزهور على القبور فلا يجوز أيضاً فهو أمر محدث ولا يصح الاحتجاج بحديث ابن عباس وهو بما معناه أن النبي ﷺ مرّ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير .. ثم أخذ جريدة فشقها نصفين فوضع كل نصف على قبر وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). فهذا الحديث صحيح ولا شك ولكن لا دلالة على فيه على أن وضع جريدة النخل وأكاليل الزهور على قبور الأموات عامة جائز لما يلي:- أولاً: إن النبي ﷺ أعلمه الله أن الرجلين يعذبان ونحن لا نعرف هل أصحاب القبور يعذبون أم لا؟ ثانياً: إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الأموات لأننا نظن ظن السوء أنهم يعذبون وما يدينا لعلهم ينعمون. ثالثاً: إن وضع الجريد والزهور مخالف لما كان عليه سلف الأمة الصالح الذين هم أعلم بشريعة الله منا. رابعاً: إن وضع جريدج النخل على القبر خاص برسول الله ﷺ قال الخطابي في معالم السنن "أنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما .. إلى أن قال: والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتلاهم وأراهم ذهبوا الى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه" ١/ ٢٧. ويؤيد أن وضع الجريد الخاص بالرسول ﷺ ما ورد في حديث جابر عند مسلم وفيه (أني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين) فهذا دليل على أن رفع العذاب عنهما كان بسبب شفاعة الرسول ﷺ ودعائه لا بسبب نداوة الغصنين. وبناء على ما تقدم لاأنصح أحداً من المسلمين بوضع جريد النخل أو أكاليل الزهور على القبور وأنصح من يفعلون ذلك بأن يتصدقوا بثمن ذلك عن أمواتهم فإن ذلك ينفعهم ويصلهم ثوابه إن شاء الله كما قاله بعض المحققين من العلماء.

стр. 42

الأعمال التي ينتفع بها الأموات يقول السائل: ما هي الأمور التي ينتفع بها الإنسان بعد وفاته ويصل ثوابها إليه؟ الجواب: إن مما اتفق عليه علماء الإسلام أن الميت ينتفع بدعاء غيره له، قال الإمام النووي: "أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه اليهم". ويدل على ذلك قوله تعالى: (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان) سورة الحشر الآية ١٠. وكذلك ما ثبت في أحاديث كثيرة من الدعاء للأموات في صلاة الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك كما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وعند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل آمين ولك بمثل) رواه مسلم وغيره. وكذلك ما ثبت في لحديث من قوله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء غلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم وغيره. ومن الأمور التي اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بها ويصل ثوابها له الصدقة عنه، وكذلك فإن المتصدق ينتفع بتلك أيضاً ويدل على ذلك أحاديث وردت عن الرسول ﷺ منها: عن ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره. وحائط المخراف: بستان نخل أو عنب كان لسعد فتصدق به عن أمه. وعن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إن أمي أفتلتت نفسها ـ أي ماتت فجأة ـ ولم توصي وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أبي مات وترك مالاً ولم يوصي فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم وغيره. ومن الأمور التي ينتفع بها الميت قضاء صوم النذر عنه فإذا كان الميت قد نذر صوماً لله تعالى فمات قبل أن يصوم فيجوز لوليه أن يصوم عنه ذلك النذر. ويدل على ذلك الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم. وهذا أرجح أقوال العلماء في الصوم عن الميت أنه يجوز في صوم النذر دون صوم الفريضة وهذا منقول عن عائشة وابن عباس ﵁، أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهراً فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها الى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه؟ قالت: نعم، فدين الله أحق أن يقضى) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ومن الأمور التي تصل الى الميت وينتفع بها الحج والعمرة عنه حج الفريضة أو النافلة أو النذر وكذا العمرة وقد وردت الأحاديث بذلك فمنها: عن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله ﷺ (أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم تجزيء عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. وعن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه البخاري وغيره. وهناك أعمال أخرى ينتفع بها الميت على قول طائفة من أهل العلم كتلاوة القرآن وجعل ثواب التلاوة للميت والأضحية عن الميت.

стр. 43

أفضل الأعمال التي ينتفع بها الأموات من أبنائهم يقول السائل: ما هي أفضل الأعمال التي يستطيع الأبن عملها وينتفع بها الأب بعد وفاته؟ الجواب: إن من أفضل الأعمال التي يستطيع الولد أن يعملها وينتفع بها أبوه الميت الصدقة. فالصدقة عن الميت تنفعه ويصله ثوابها كما هو مذهب جماهير علماء المسلمين ودل على ذلك ما جاء في الحديث (عن عائشة ﵄ أن رجلاً فال لرسول الله ﷺ : إن امي افتلتت نفسها ولم توصي ـ أي ماتت فجأة ـ وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم. ويدل على ذلك أيضاً (ما رواه ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فها ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال نعم، فقال فإني أشهدك أن حائط المخراف صدعة عنها) والمقصود بالحائط: بستان نخل أو عنب. والحديث رواه البخاري وغيره. ومن الأمور التي ينتفع بها الميت الدعاء له عند زيارة القبور أو كان بشكل عام، يقول الله تعالى: " والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" فهذه الآية تدل على انتفاع الأموات باستغفار الأحياء لهم. قال الإمام النووي"أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه"الأذكار ... ص ١٤٠. ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم. وقوله (اللهم اغفر لحينا وميتنا ... ) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح. ومن الأمور التي ينتفع بها الميت على قول بعض العلماء الحج عنه تطوعاً إن كان الميت قد أدى فريضة الحج وكذا قراءة القرآن بأن يجعل القارئ ثواب ما تلى الميت.

стр. 44

يحرم استئجار المقرئين للقراءة على الأموات يقول السائل: ما حكم استئجار المقرئين لقراءة القرآن على روح الميت؟ الجواب: إن استئجار المقرئين لقراءة القرآن على روح الأموات غير جائز شرعاً ومن البدع التي ما أنزل اللهبها من سلطان ودفع المال لهولاء المتاجرين بكتاب الله إنفاق فيما حرم الله وهم يأخذون هذا المال بطريق حرام، والقرآن الكريم ما أنزل للمتاجرة به من هؤلاء الكسالى والعاطلين عن العمل ولا ليتكسب به الدجاجلة والمشعوذون وما أنزل هذا الكتاب الكريم ليقرأ على المقابر أو لافتتاح برامج الإذاعة والتلفاز التي تحارب الله ورسوله ودينه طوال الوقت، إنما أنزل هذا القرآن لنتدبر آياته ولتكون لنا سراجاً منيراً ودستوراً ومنهاجاً لحياة الأمة المسلمة. وهؤلاء الذين يتاجرون بكتاب الله ينطبق عليهم قول بعض السلف (كم من تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه) وهؤلاء المرتزقة يحددون أسعاراً لقراءاتهم وإذا لم يدفع لهم ما يطلبون فإنهم لا يقرؤون وتزداد حرمة هذا الأمر إذا صاحبته أمور منكرة كالأدعية والأذكار التي لا يقرها الشرع الحنيف وكإزعاج الجيران وأهل الحي باستخدام مكبرات الصوت.

стр. 45

قراءة القرآن على الأموات يقول السائل: أرجو بيان حكم قرآءة القرآن على أرواح الأموات وهل يصل ثواب القراءة اليهم أم لا؟ والجواب: اتفق أهل العلم على أن الميت ينتفع بما عمله من خير في حياته ويدل على ذلك قول النبي ﷺ "إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث اشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم. وكذلك اتفقوا على أن دعاء الحي للميت ينفعه ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان" سورة الحشر آية (١٠). وما ثبت عن الرسول ﷺ من دعائه للأموات في صلاة الجنازة وغيرها كحديث عوف بن مالك قال: صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله .. ) الحديث رواه مسلم. وكذلك اتفقوا على أن صدقة الحي عن الميت تدفع الميت ويدل على ذلك حديث عائشة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عليها؟ قال: نعم) رواه مسلم ومعنى افتلت نفسها أي ماتت فجأة، كما اتفق جمهور العلماء على أن الحج عن الميت ينفعه لما ورد في الحديث عن بريدة أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن امي ماتت ولم تحج أفيجزي أن أحج عنها؟ قال: نعم (رواه مسلم) وكذلك قال طائفة من أهل العلم بأن الميت ينتفع بصوم الحي عنه لما ورد في حديث عائشة أن الرسول ﷺ قال: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه). رواه البخاري ومسلم. هذه هي أهم الأعمال التي ينتفع بها الميت وتصل اليه والتي وردت فيها النصوص الشرعية. وأما قراءة القرآن وجعل ثواب ذلك للميت فمسأله اختلف فيها أهل العلم قال الإمام النووي ﵀: (واختلف العلماء في صول ثواب قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي الى أنه يصل) الأذكار ص ٤٠ وقال الحنفية إن ثواب القرآن يصل الى الميت وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم واختيار الإمام النووي وغيرهم من أهل العلم. وهو الذي اختاره واقول به لأن الأدلة الواردة في انتفاع الميت بعمل الحي في باب العبادات تدل على انتفاع الميت بقراءة القرآن إذ لا فرق بين انتفاعه بالصوم والحج وانتفاعه بقراءة القرآن قال ابن قدامة ﵀: (وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله). المغني ٢/ ٤٢٣ ثم ذكر بعض الأدلة الدالة على انتفاع الميت يعمل الحي وقد سقت بعضها ثم قال: (وهذه أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت فكذلك ما سواها) المغني ٢/ ٤٢٣. وقال العلامة ابن القيم ﵀: (وأما قراءة القرآن واهداؤها له تطوعاً يغير أجرة فهذا يصل اليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحدة منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي ﷺ اليه وقد أرشدهم الى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم اليه ولكانوا يفعلونه. فالجواب أن مورد هذا السؤال أن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والأستغفار قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا الا تفريق بين المتماثلات وأن لم يعترف بوصول تلك الأشياء الى الميت فهو محجوم بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع. وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو انهم لم يكن لهم أوقات على من يقرأ ويهدي الى الموتى ولا كانوا يعرفون ذلك البتة ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم. ثم يقال لهذا القائل لو كلفت أن تفعل عن واحد من السلف أنه قال اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا يشهدوا على الله بأيصال ثوابها الى أمواتهم. فإن قيل إن رسول الله ﷺ أرشدهم الى الصوم والصدقة والحج دون القراءة قيل هو ﷺ لم يبتدنهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له وهذا سأله عن الصدقة فأذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وأمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر .. ) الروح ص ١٤٢ - ١٤٣. وأخيراً يجب التنبيه على أن القراءة التي تصل للميت وينتفع بها هي القراءة بدون أجر وأما إذا استأجر أهل الميت قارئاً يقرأ بأجره فلا يصل ثواب القراءة للميت ولا ينتفع بها ولا يصح الاستئجار على قراءة القرآن في هذه الحالة ولا ثواب في ذلك للقاريء ولا لذوي الميت ولا للميت قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (وأما الاستئجار لنفس القراءة - أي قراءة القرآن - والإهداء فلا يصح ذلك .. فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا .. وأما إذا كان لا يقرأ لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شيء .. ) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٥ - ٣١٦.

стр. 46

مأتم الأربعين يقول السائل: ما حكم إقامة مآتم بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الميت؟ والجواب: إن إقامة المأتم بمناسبة الأربعين من البدع المنكرة المنتشرة في مجتمعنا وهي مخالفة لهدي المصطفى ﷺ ولما في ذلك من تجديد الأحزان على الميت ولما يصاحب ذلك من اضاعة الأموال فيما لا نفع فيه حيث إن بعض الناس قد يتكلفون في اعداد الطعام ويدفعون أموالاً طائلة قد يكون ورثة الميت بحاجة ماسة لها. وهذا الأمر لم يؤثر عن الرسول ﷺ وهو احداث في الدين وتشريع لما لم يأذن به الله ، يقول الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى الأية ٢١.

стр. 47

الكلام في المسجد يقول السائل: ما قولكم في حديث الناس وكلامهم في المساجد وارتفاع أصواتهم فيها؟ الجواب: إن حال كثير من المساجد اليوم محزن نتيجة لجهل كثير من المسلمين بأحكام المساجد وآدابها فترى في المساجد الحلقات التي يعقدها الناس ويدور الحديث فيها عن الأمور الدنيوية وإذا وقف الحديث عند الأمور المباحة فحسن، ولكن كثيراً منهم يتجاوز المباح الى الحرام فيتكلمون في أعراض الناس ويستغيبونهم ونحو ذلك. والاصل أن الجلوس في المسجد عبادة وينبغي للمسلم أن يشغل وقته في المسجد إما بالصلاة أو بالذكر والدعاء أو يقرأ القرآن فإن لم يفعل شيئاً من ذلك فلا يتجاوز الكلام في الأمور المباحة. ولقد أخبر الرسول ﷺ عن زمان يتحلق الناس فيه في المساجد لا هم لهم ولا كلام الا في أمور الدنيا وقد ذمهم على ذلك، فقد ورد في الحديث عن ابن مسعود ان النبي ﷺ قال (يأتي على الناس زمان يحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم) رواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه الألباني. ومن الأمور المخالفة للشرع والتي تشوش على المصلين والتالين والذاكرين ويفعلها الناس في المساجد، البحث عن المفقودات فتسمع هذا يبحث عن نقوده وترى المؤذن يعلن عن وجود نقود أو نحوها ويطلب من صاحبها مراجعته وغير ذلك من الأمور التي نهى عنها الشارع الحكيم فقد ورد في الحديث قوله ﵊ (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا: لا ردّ الله عليك) رواه الترمذي والدارمي وهو حديث صحيح. وفي رواية أخرى (من سمع رجلاً ينشد في مسجد ضالة فليقل لا أداها الله اليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم. وينبغي أن يعلم أن التشويش في المسجد على المصلين والتالين لكتاب الله والذاكرين لا يجوز حتى ولو كان ذلك بقراءة القرآن فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﵊ قال (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الألباني. وقد هم عمر بن الخطاب بتعزيز من يرفعون أصواتهم في المسجد، روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصيني رجل- أي رماني بحصاة- فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟ ومن التشويش الذي يقع الصياح الذي تسمعه من بعض المصلين في آخر المسجد عن إقامة الصلاة لإتمام الصفوف أو الدخول الى داخل المسجد وهذا أمر لا يجوز لأن المسلم يوم الجمعة عليه أن يتقدم الى الصفوف الأولى ولا يترك فراغاً أمامه وهذا هي السنة كما ورد في الحديث من قوله ﵊ في حق القادم الى المسجد يوم الجمعة ( .. ودنا من الأمام) أي اقترب من الإمام ثم إذا أقيمت الصلاة فإن من واجب الإمام أن يأمر بتسوية الصفوف وإكمالها وينبغي على المصلين أن يسمعوا ويطيعوا فيتموا الصفوف ويسدوا الفراغ الموجود في المسجد. وأما أن يأخذ المصلون في آخر المسجد بالصياح واللغط فهذا أمر لا ينبغي ومخالف للهدي النبوي.

стр. 48

الاستماع لقراءة القران الكريم يقول السائل: هل الاستماع والانصات لقارئ القرآن الكريم، إذا كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد واجب لقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)؟ الجواب: يرى كثير من أهل العلم أن هذه الآية الكريمة " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصوا لعلكم ترحمون) سورة الأعراف /٢٠٤. قد نزلت في الصلاة، وهذا يدل على أن الإستماع لقراءة القرآن يكون واجباً حال قراءة الإمام للقرآن في الصلاة سواء كانت فرضاً أو نفلاً، ونقل ابن جرير الطبري شيخ المفسرين، أن هذه الأية نزلت في الصلاة عن جماعة من السلف، فقد روى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما تزلت هذه الآية (وإذا قرئ القرآن). أمروا بالإنصات. وروي مثل ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والزهري وعطاء وعبيد بن عمير وعن سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وابراهيم النخعي وقتادة وغيرهم. وهذا أرجح أقوال العلم في سبب نزول هذه الآية وبناء عليه يكون الإستماع واجباً لقراءة الإمام في الصلاة. وأما الاستماع والإنصات لقراءة القارئ خارج الصلاة، سواء كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد أو كان يقرأ من المسجل فمندوبه، قال ابن عبد البر: "في قول الله : "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، مع إجماع أهل العلم أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له وينصت "فتح المالك بترتيب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك ٢/ ١٢٦. وذكر ابن عبد البر في الإستذكار وفي التمهيد خبر أبي عياض عن أبي هريرة قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)) وقال إبراهيم بن مسلم: "فقلت لأبي عياض: لقد كنت أظن أن لا ينبغي لأحد يسمع القرآن ألا يسمع، قال: إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، فأما في الصلاة غير المكتوبة فإن شئت سمعت وإن شئت مضيت ولم تسمع " الإستذكار ٤/ ٢٣٠. وقال ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوال العلماء في تأويل الاية السابقة:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه في الخطبة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) واجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الإستماع والإنصات لها مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ وانه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والأنصات لسماعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكر من قوله: (إذا قرأ الأمام فأنصتوا). فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان مؤتماً سامعاً قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ " تفسير الطبري ٦/ ١٦٦. وروى الطبري بإسناده عن سعيد بن جبير أن الأية (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)، قال:" الانصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام في الصلاة" تفسير الطبري ٦/ ١٦٦. وعلق القرطبي على قول سعيد بن جبير بعد أن نقله بقوله: " وهو الصحيح لأنه يجمع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات "تفسير القرطبيي ٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤ ثم نقل القرطبي عن النقاش قوله: " أجمع أهل التفسير أن هذا الإستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة". وحكى ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الإستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة وذلك أن إيجابهما على كل من يسمع أحداً يقرأ فيه حرج عظيم لأنه يقتضي أن يترك له المشتغل بالعلم علمه والمشتغل بالحكم حكمه، والمتبايعان مساومتهما وتعاقدهما، وكل ذي شغل شغله "تفسير المنار ٩/ ٥٥٢ - ٥٥٣. وقال العز بن عبد السلام: " الإستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الأداب المشروعة المحثوث عليها، والإنشغال عن ذلك بالتحدث بما لا يكون أفضل من الإستماع سوء أدب على الشرع " فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٨٥ - ٥٨٦. وقال جلال الدين السيوطي: " يسن الإستماع لقراءة القرآن، وترك اللغط والحديث بحضور القراءة، قال تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون). الاتقان ١/ ١٤٥. ومما يدل على أن الإستماع لقراءة القرآن خارج الصلاة والخطبة مندوب ما ورد من الأدلة في جواز الكلام خارج الصلاة والخطبة. ومما ينبغي التنبيه عليه، ان ترك الإستماع والإنصات للقرآن والإنشغال بالأحاديث المختلفة مكروه كرهية شديدة، وتكون الكراهة أشد إذا كان المتحدثون بأمور الدنيا قرب قارئ القرآن، وأما إذا كان المجلس فيه كثير من الناس يستمعون وينصتون، فتنحى بعضهم وتحدثوا بصوت منخفض من غير تشويش على الاخرين فالخطب هين ويسير. ولا يعني قولنا إن الاستماع لقارئ القرآن في المسجد أو الإذاعة أو من المسجل مندوب أن يتساهل الناس في الإستماع لكلام الله، فينبغي لكل مسلم أن يحرص على الإستماع والإنصات لقراءة القرآن وأن يتأدب في مجلس قراءة القرآن. كما وينبغي التنبيه أن بعض القراء يستئون في قرائتهم للقرآن الكريم، ويشوشون على عباد الله، كالقراء الذين يقرآون في المآتم عبر مكبرات الصوت، فإن ذلك حرام شرعاً، وكذلك القراء الذين يقرأون عبر مكبرات الصوت قبل صلاة الجمعة وقبل الآذان للصلوات الخمس، فكل ذلك من البدع المخالفة للشرع لأن هؤلاء وأولئك يشوشون على عباد الله، وخاصة يوم الجمعة، فإن الوقت قبل صلاة الجمعة هو وقت للتنقل والدعاء وللذكر والاستغفار، ولا ينبغي لأحد أن يشوش على عباد الله في قراءة القرآن، ولا بالدروس ولا بالمواعظ، وأنما كل مسلم يقرأ إن رغب أو يصلي أو يدعو أو يستغفر لوحده. وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه الإمام مالك، وقال الشيخ الألباني: سنده صحيح.

стр. 49

التكبير عند ختم المصحف يقول السائل: ما حكم التكبير عند ختم المصحف من سورة الضحى إلى سورة الناس؟ الجواب: إن التكبير المشار إليه في السؤال لم يثبت عن الرسول ﷺ بسند صحيح ولم يقل به أكثر القراء لذلك فلا ينبغي لأحد أن يفعله لأنه ليس من السنة. ونقل التكبير من سورة الضحى إلى آخر المصحف البزي عن إبن كثير عن مجاهد ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال ابن مفلح: (وهذا حديث غريب رواية أحمد ين محمد بن عبد الله البزي وهو ثبت في القراءة، ضعيف في الحديث وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر .. ) الأداب الشرعية٢/ ٣١٠. وفضل شيخ الإسلام ابن تيمية أن لا يكبر القارئ فقد أجاب على سؤال بأن جماعة قرأوا القرآن فاذا وصلوا إلى الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ففعلهم ذلك هو الأفضل أم لا؟ فأجاب: الحمد لله نعم إذا قرأوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو الأفضل بل المشروع المسنون فان هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا في أوائل السور ولا في أواخرها) مجموع الفتاى ١٣/ ٤١٧. زكاة أموال التجارة

стр. 50

يقول السائل: كيف يزكي التجار تجارتهم ؟ الجواب: إذا حلّ الشهر الذي يؤدي التاجر فيه زكاة أمواله فإنه يقوم بحصر أمواله من التجارة والتي تشمل البضائع الموجودة لديه والتي لم تبع بعد وكذلك أموله السائلة وماله من ديون على الناس إذا كانت مضمونة فيقوم البضائع الموجودة لديه بسعرها الحاضر ويضم إلى ذلك أرباحه ومدخراته وديونه المضمونة الأداء ويخصم ما عليه من دين إن كان هناك دين ثم يخرج زكاة الباقي بنسبة ٢,٥% أي ربع العشر. وينبغي التنبيه على أن الأجهزة والمعدات لا تدخل في الزكاة فمثلاً إذا كانت لديه ثلاجات أو خزائن أو مبنى أو سيارة لخدمة المحل أو نحو ذلك فلا تحسب من ضمن مال الزكاة وإنما الزكاة على الأموال السائلة وهي الأموال المعدة للبيع لما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب قال (كان رسول ﷺ وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعد للبيع) رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه ابن عبد البر. كما وأن تقويم البضائع والسلع يكون بناء على سعرها الحالي الذي تباع به وقت التقويم وهذا قول أكثر الفقهاء. ويجوز للتاجر أن يخرج زكاة تجارته من أعيان تلك التجارة كتاجر المواد الغذائية فيجوز له أن يخرجها مما عنده من أرز أو طحين أو سكر وغيرها، ويجوز له أيضاً أن يخرج مما وجب عليه نقداً.

стр. 51

زكاة الزيتون يقول السائل: كيف تخرج زكاة الزيتون؟ وإذا عصر الزيتون فهل تخرج من الزيت؟ وما هو النصاب الشرعي في تلك؟ وهل يجوز إخراج النقود بدلاً من الزيت والزيتون؟ الجواب: قال أكثر أهل العلم بوجوب الزكاة في الزيتون إذا تحققت شروط وجوب الزكاة فيه وهذا القول هو الراجح إن شاء الله وهو الذي تؤيده عمومات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وتشهد له حكمة الشريعة الإسلامية وعدلها وهو المنقول عن ابن عباس ﵂ وعن الزهري والأوزاعي والليث والثوري والحنفية في القول المعتمد عندهم والمالكية وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو قول الشافعي في القديم. يقول الله (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده) الأنعام الآية ١٤١. وورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال) فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلاً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البخاري وأصحاب السنن. فإذا قطف المزارع الزيتون وبلغ نصاباً وهو المذكور في قوله ﷺ (ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة) متفق عليه والخمسة أو سق تساوي في زماننا هذا (٦٥٣) كيلو غرام على وجه التقريب فتجب الزكاة فيه ومقدار الواجب هو العشر أي (١٠%) إذا كان يسقي بماء السماء كما هو الواقع بالنسبة لمعظم أشجار الزيتون في بلادنا حيث يعتمد المزارعون في سقيها على الأمطار. وأما إذا كانت تسقى بعض السنة بوسائل الري المعروفة الآن فيكون مقدار الواجب هو نصف العشر أي (٥%)، وأما إذا كانت تشقى بعض السنة بماء المطر وبعضها الآخر بوسائل الري المعروفة ففيها ثلاثة أرباع العشر (٧,٥%). ويجوز للمزارع أن يخرج المقدار الواجب من زكاة الزيتون حباً إن أراد أو زيتاً. وينبغي أن يكون ما يخرجه هو الأنفع للفقراء والمحتاجين والأيسر على المزارعين والمعروف اليوم أن كثيراً من المزارعين يعصرون الزيتون فيخرجون من الزيت المقدار الواجب بعد أن يكون الحب قد بلغ نصاباً كما ذكرت. ويجوز للمزارع أن يدفع قيمة المقدار الواجب من الزكاة نقداً ولا بأس في ذلك كما هو مذهب الحنفية والقول المشهور عند المالكية وهو رواية في مذهب الحنابلة ومنقول عن الثوري وعمر بن عبد العزيز من فقهاء السلف. وقد يكون اخراج القيمة أنفع للفقراء والمحتاجين من اخراج الأعيان. ويجب على المزارع ألا يبخس المستحقين للزكاة حقهم فيقدر القيمة بما عليه السعر في السوق يوم اخراج الزكاة. كما وأن على المزارع أن يبادر إلى إخراج الزكاة بمجرد انتهائه من قطف الزيتون حباً أوعصره زيتاً.

стр. 52

صرف الزكاة للزوج الفقير تقول السائلة: هل يجوز للزوجة أن تصرف زكاة أموالها لزوجها الفقير؟ الجواب: نعم يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها الفقير وهذا قول جمهور أهل العلم ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله، فإن كان يجزيء عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه انت قالت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: أئت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على زوجيهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن. قالت فدخل بلال فسأله قال له: من هما؟ فقال امرأة من الأنصار وزينب فقال: أي الزيانب؟ فقال: امرأة' عبد الله فقال: لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه.

стр. 53

يجوز إخراج النقود في زكاة الفطر يقول السائل: ما حكم إخراج النقود في صدقة الفطر؟ وما هو وقت وجوبها؟ وهل يجوز تعجيلها؟ ولمن تعطى؟ الجواب: صدقة الفطر أو زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد ثبتت بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها: حديث ابن عمر قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد الحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﷺ قال (كنا نعطيها في زمان النبي صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد الحر والذكور والأنثى والصغير والكبير من المسمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﷺ قال (كنا نعيطيها في زمان النبي صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب فلما جاء معاوية وجاءت السمراء- أي القمح الشامي- قال: أرى مداً من هذه يعدل مدين) رواه البخاري. وجمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة يرون وجوب إخراج الأعيان في صدقة الفطر كالتمر والشعير والزبيب أو من غالب قوت الناس ولا يجيزون إخراج القيمة أي إخراج النقود. ومذهب الحنفية جواز إخراج القيمة ونقل هذت القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا هو القول الراجح إن شاء الله لما يلي: أولاً: إن الأصل في الصدقة المال لقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة وأطلق على ما يقتنى من الأعيان مجازاً وبيان رسول الله ﷺ المنصوص عليه إنما هو للتيسير ورفع الحرج لا لتقييد الواجب وحصر المقصود. ثانياً: إن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ماورد عن طاووس قال معاذ باليمن: أنتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر الأثر عن معاذ ونصه (وقال طاووس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن أئتوني بعرض ثياب خميص أو ليبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله بالمدينة) واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/ ٥٤. ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قادة إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي ﷺ على ذلك على جوازه ومشروعيته. ثالثاً: إن النبي ﷺ غاير بين القدر الواجب من الاعيان المنصوص عليها مع تساويها في كفاية الحاجة فجعل من التمر والشعير صاعاً ومن البر نصف صاع وذلك لكونه أكثر ثمناً في عصره فدل على أنه ﵊ اعتبر القيمة. ورواية نصف الصاع من البر ثبتت عن الرسول ﷺ من طرق كثيرة ولا يسلم ضعفها كما قال بعض المحدثين. رابعاً: إن المقصود من صدقة الفطر إغناء الفقراء وسد حاجتهم وهذا المقصود يتحقق بالنقود أكثر من تحققه بالأعيان وخاصة في زماننا هذا لأن نفع النقود للفقراء أكثر بكثير من نفع القمح أو الأرز لهم ولأن الفقير يستطيع بالمال أن يقضي حاجاته وحاجات أولاده وأسرته ومن المشاهد في بعض بلاد المسلمين أن الفقراء يبيعون الأعيان (القمح والأرز) إلى التجار بأبخس الأثمان نظراً لحاجتهم إلى النقود. خامساً: قال الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله "أن النبي ﷺ لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره وإنما أراد بذلك التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل أو لا يوجد عنده منها شيء وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب أو الإقط، لهذا كان اخراج الطعام أيسر على المعطي وأنفع للأخذ ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا (الإقط) وهو اللبن المجفف المنزوع زبده فكل إنسان يخرج من الميسور لديه. ثم إن القدرة الشرائية للنقود تتغير من زمن لآخر ومن بلد لآخر ومن مال لآخر فلو قدر الواجب في زكاة الفطر بالنقود لكان قابلاً للارتفاع والإنخفاض حسب قدرة النقود على حين يمثل الصاع من الطعام إشباع حاجة بشرية محددة لا تختلف فإذا جعل الصاع هو الأصل في التقدير فأن هذا أقرب إلى العدل وأبعد عن التقلب". وهناك أدلة أخرى كثيرة تدل على رجحان مذهب الحنفية القائلين بجواز إخراج القيمة في صدقة الفطر ومن أراد الإستزادة فليراجع كتاب الإمام المحدث أحمد بن محمد الغماري بعنوان (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال). وأما بقية الأسئلة فنقول في الجواب عنها: إن وقت وجوب صدقة الفطر هو غروب شمس أخر يوم من رمضان عند الجمهور وطلوع فجر يوم العيد عند الحنفية. هذا وقت الوجوب وقد أجازوا تقديمها عن وقت الوجوب وهو الأصلح والأنفع للفقراء فعند الحنفية يجوز تعجيلها من أول العام وعند الشافعية يجوز تعجيلها من أول رمضان وعند المالكية والحنابلة يجوز تقديمها بيوم أو يومين لقول ابن عمر (كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري. وهذا قول حسن وثبت من فعل جماعة من الصحابة تعجيلها بيوم أو يومين أو ثلاثة حتى يتمكن الفقير من شراء ما يلزمه قبل يوم العيد. وتصرف صدقة الفطر للفقراء والمساكين والمحتاجين فقط ولا تصرف في مصارف الزكاة الثمانية على الراجح من أقوال أهل العلم

стр. 54

مضى العيد ولم يخرج زكاة الفطر ما حكم شخص لم يخرج زكاة الفطر حتى مضى العيد؟ والجواب: أن صدقة الفطر واجبة ومؤقته بوقت محدد وهو قبل صلاة العيد. فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وقد أورد ابن عيينه في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمه قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) - سورة الأعلى الآيتان ١٤ - ١٥. فإذا قامت صلاة العيد ولم يخرج صدقة الفطر فقد أتى مكروها كما قال جمهور الفقهاء وأما أن اخرها حتى انقضاء يوم العيد فأكثر الفقهاء على أن ذلك التأخير حرام ولكنها لا تسقط بل تبقى دينا في ذمته حتى يخرجها. قال بعض أهل العلم أن تأخيرها عن يوم العيد حرام بالاتفاق لأنها زكاة واجبة فوجب أن يكون في تأخيرها اثم كما في اخراج الصلاة عن وقتها نيل الأوطار ٤/ ٢٠٧. ويدل على ذلك حديث ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات- رواه أبو داود وأبن ماجة والحاكم وصححه. قال ابن حزم: فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله لمن هي له فهي دين لهم وحق من حقوقهم وقد وجب اخراجها من ماله وحرم عليه امساكها في ماله فوجب عليه أداؤها أبدا وبالله تعالى التوفيق ويسقط بذلك حقهم ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت لا يقد على جبره الا بالاستغفار والندامة - المحلى ٤/ ٢٦٦.