Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
"قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) " إنما: أداة حصر، فالأعمال محصورة بنياتها، فوجود العمل وجوده حقيقة العمل الشرعية مرتبطة بالنية، قد توجد صورة العمل، لكن هذا الوجود لا قيمة له؛ لأن العبرة بالوجود الشرعي، ولذا قال النبي ﵊ للمسيء: ((صل فإنك لم تصل)) لقائل أن يقول: صلى ركع وسجد وقام وقرأ، لكن نقول: لا، هذه الصلاة لا قيمة لها، وإن وجدت صورتها، العبرة بالحقيقة الشرعية، فالأعمال الشرعية وجودها الشرعي بالنيات، بنياتها، ويختلف أهل العلم في تقدير متعلق الجار والمجرور، فمنهم من يقدر الصحة، ومنهم من يقدر الكمال، لكنهم لا يختلفون في اشتراط النية لصحة المقاصد، وإن اختلفوا في اشتراطها بالنسبة للوسائل، الصلاة لا يصححها أحد من أهل العلم بغير نية، لكن يوجد من يصحح الوضوء بغير نية لأنه وسيلة، وعامة أهل العلم على أن الوضوء عبادة تشترط لها النية داخلة في الحديث، والذي لا يشترط النية في الوضوء يشترطها للتيمم مع أنه وسيلة، بل بدلاً عن وسيلة، فاشتراط النية والصدق فيها والإخلاص لله -جل وعلا- أمر معلوم عند أهل العلم، وبه يقول الكافة، إذا أنضاف إلى هذا الشرط الشرطُ الثاني الذي يدل عليه الحديث الثاني وهو أن يكون العمل موافقاً لما جاء عن النبي ﵊، ويأتي ذكره في الحديث الثاني.
стр. 1577
((إنما الأعمال)) الأعمال: الأصل أن (أل) هذه جنسية، يصلح أن يكون مكانها (كل) كل الأعمال "إنما كل الأعمال أو جميع الأعمال بالنيات" أو يكون المقصود بها العهد، وهي الأعمال المعهودة الشرعية صحتها بالنية، الذي يقدر اللام جنسية يطرد قوله في الأعمال الشرعية وغير الشرعية، فالشرعية تشترط النية لصحتها، وغير الشرعية تشترط النية لترتب الثواب عليها فتكون الجنسية، جميع الأعمال تفتقر إلى نية، فإن كان العمل شرعي مما يتقرب به إلى الله -جل وعلا- توقفت صحته على النية، وإن كان العمل عادي من أمور الدنيا توقف ثوابه على النية وإن صح بغير نية، فالذي يطلب العلم الشرعي والعلم الشرعي المبني على الوحيين عبادة لا يصح إلا بنية خالصة لله -جل وعلا-، وإذا دخلت هذه النية لا شك أن المتعلم في هذه الحالة على خطر، وإذا انعدمت هذه النية وتعلم لينال بذلك الدنيا أو الشرف أو ليقال: صار من الثلاثة الذي هم أول من تسعر بهم النار -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن انظر إلى الطبيب والمهندس هذه من أمور الدنيا لا يشترط في صحة العمل نية، فلو طلبه للدنيا طبيب ليرتزق، مهندس يقصد بذلك الدنيا ليعيش، مزارع كذلك، صانع كذلك، لكن من الذي يرتب الثواب على هذه الأعمال النية، إذا طلب هذا العلم أو هذا العمل بنية خالصة صالحة أثيب عليه وإلا خرج منه كفافاً.
((وإنما لكل امرئ ما نوى)) عرفنا أن صحة الأعمال وترتب الثواب على الأعمال إنما هو بالنيات ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) ليس له من العمل غير ما نواه، فهذه منطوق هذه الجملة يؤكد مفهوم الجملة الأولى، فإذا لم ينو شيئاً لم يحصل له شيء، وإن نوى غير ما تدل عليه الجملة الأولى هذا الذي يطلب العلم لا لشيء مثلاً ليس له شيء، والذي يطلبه للدنيا ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [(١٦) سورة هود] هذا طلب للدنيا.
стр. 1578
((فمن كانت)) الفاء هذه التفريعية ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) (من) شرطية، ومنهم من يقول: موصولة مشربة معنى الشرط، ولذا اقترن جوابها بالفاء ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) الهجرة في الأصل: الترك، وهي في الشرع: الانتقال من بلاد الكفر إلى ديار الإسلام إلى بلاد الإسلام، وهي واجبة إلى قيام الساعة، وحديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) إنما هو بعد الفتح لأن مكة صارت دار إسلام فلا هجرة بعد الفتح.
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) فعل الشرط: من كانت هجرته إلى الله ورسوله، وجواب الشرط: ((فهجرته إلى الله ورسوله)) العلماء يشترطون تغاير الشرط مع الجزاء، واتحاد الشرط مع الجزاء ممنوع عندهم، لا يصح عندهم أن تقول: من قام قام، ومن أكل أكل، من أكل فقد أكل، ومن قام فقد قام، يصح أو ما يصح؟ لا يصح عندهم، اتحاد الشرط مع الجزاء، هنا لتعظيم الأمر وتهويله ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله)) إذا أريد تعظيم الأمر كرر بحروفه:
أنا أبو النجم وشعري شعري ... . . . . . . . . .
((من كانت هجرته إلى الله ورسوله)) لا بد من التقدير هنا ليتغاير الشرط مع الجزاء نية وقصداً ((فهجرته إلى الله ورسوله)) حقيقة وحكماً أو ثواباً وأجراً، جاء في الحديث: ((من رآني فقد رآني)) يعني: رأى حقيقتي؛ لأن الشيطان لا يتمثل به ﵊.
стр. 1579
((فهجرته إلى الله ورسوله)) هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة مرتين، وهاجروا إلى النبي ﵊ إلى المدينة، ووجبت الهجرة على من أسلم أن يهاجر إلى النبي ﵊، ومنُع المهاجر أن يمكث في البلد الذي هاجر منه، الذي تركه لله، ولم يستثن من ذلك إلا المستضعف الذي لا يستطيع حيلة، ولم تذكر الحيلة في شيء من النصوص صراحة إلا في الهجرة؛ لماذا؟ لعظم الأثر المترتب على إقامة المسلم بين الكفار، فالحيلة الصريحة إنما جاء التنصيص عليها في الهجرة، والسبب في هذا عظم الأثر المترتب على إقامة المسلم بين ظهراني الكفار، وكم من أخبار وكم من قصص يندى لها الجبين بالنسبة لمن يقيم بين ظهراني الكفار، وكم من شخص ارتد -نسأل الله السلام والعافية- بسبب ذلك، وأولاد المسلمين يؤخذون قهراً منهم، ويعلمون في مدارس غيرهم، السبب في هذا إقامتهم بين ظهراني الكفار إلا العاجز، العاجز الذي لا يستطيع حيلة مثل هذا معذور، جاء التنصيص عليه في آية النساء، أما الذي يستطيع أن ينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين يجب عليه ذلك.
وقد برئ المعصوم من كل مسلم ... يقيم بدار الكفر غير مصارم
المقصود أن الأمر ليس بالسهل لعظم الأثر المترتب عليه، والحيلة الشرعية إنما تجوز وتكون شرعية إذا كانت مما يتوصل به إلى فعل الواجب أو ترك المحرم، أما إذا كانت الحيلة على العكس يتوصل بها إلى ترك واجب أو إلى فعل محرم هذه حيل اليهود التي نُهينا عن التشبه بهم فيها ((لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل)) فالذي يتحايل على الواجبات فيتركها، أو يتحايل على المحرمات فيرتكبها هذا فيه شبه من اليهود.
стр. 1580
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) هجرته إلى ما هاجر إليه، سياق الشرط الثاني في مقابل الشرط الأول، الشرط الأول مدح والثاني ذم أو ليس بذم؟ الذي يقابل المدح الذم، ولا شك أن السياق يشعر بالذم، لكن من هاجر إلى بلد من البلدان لأنه ضاقت به المسالك في بلده، وانتقل إلى بلد آخر طلباً للزرق أو ماتت زوجته أو بحث عن زوجة فلم يجد ما يتزوجه في بلده فانتقل إلى بلد آخر لأنه يجد امرأة يتزوجها هناك يذم أو ما يذم؟ يذم؟ لا يذم؛ لماذا؟ لأنه هاجر طلباً للمباح، وأحياناً يكون طلباً لمستحب، وأحياناً يكون طلباً لواجب على حسب الحكم الشرعي بالنسبة له إلى طلب الدنيا ليتعفف بها عن سؤال الناس، أو طلب الزوجة ليحصن نفسه، لكن السياق هنا سياق ذم، وهو محمول على من تظاهر بالهجرة إلى الله ورسوله وحقيقة الأمر أنه إنما أراد الدنيا أو المرأة.
стр. 1581
ذكرنا مثالاً في الدورة الماضية يصور لنا أو يقرب لنا هذه الهجرة، يعني الحديث محمول على شخص هاجر وفي نيته أنه يطلب المال، ثم يقول للناس: والله هذا البلد ليس فيه ما يعين على العبادة، أو تحصيل العلم، أو ما أشبه ذلك، أنا انتقل إلى البلد الفلاني، انتقل من المدينة إلى الرياض أو إلى كذا؛ لأن المشايخ والعلماء متوافرون هناك، ويتيسر لي أن أطلب العلم وهو في الحقيقة لأن فرص العمل الدنيوي أكثر في حقيقة الأمر، وكذلك إذا قال: يذهب هناك للبلد الفلاني لأن العُباد أكثر يعينونه على تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، وفي حقيقة الأمر أنه ذكر له امرأة تناسبه هناك، فيتظاهر بغير الواقع، والمثال الذي كررناه: لو افترضنا أن شخصاً إذا بقي على غروب الشمس ربع ساعة نصف ساعة من يوم الاثنين أخذ التمر والقهوة والماء وذهب إلى المسجد وبسط سماطه في المسجد ووضع التمر وانتظر حتى يؤذن وهو ما صام، وكل من دخل من باب المسجد: تفضل أفطر معنا، هو ما صام، إذا نظرنا إلى أصل المسألة الأكل في المسجد مباح، وكونه لا يأكل إلا في وقت معين ما لم يتعبد به ينتظر مباح، لكن كونه يرتبط بهذا الوقت بهذه المدة على هيئة الصائمين، ويدعو الناس ليفطروا الناس معه، وينتظر حتى يؤذن، هذا يتظاهر للناس، بل يظهر للناس خلاف ما هو عليه، فيذم من هذه الحيثية، وإلا الأكل في المسجد ما فيه شيء، يعني: لو جاء بعدته من التمر والشاي والقهوة الضحى مثلاً، وصلى ركعتي الضحى وجلس يذكر الله حتى يؤذن لصلاة الظهر، ومعه التمر والشاي والقهوة وكذا ما يلومه أحد، لكن كونه يتحين هذا الوقت ويتظاهر للناس الذي يدخلون مع الأبواب أنه إنما يستعد للفطور من الصيام من هذه الحيثية يذم، ولذا الذي هاجر للدنيا أو هاجر من أجل المرأة، وقد أظهر للناس بقوله أو بفعله، بلسان حاله أو مقاله أنه إنما هاجر لله ولرسوله الذم من هذه الحيثية ((ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها)) دينا الدنيا ما قبل الآخرة، وما قبل الموت بالنسبة للأفراد، سميت بذلك لدنوها وقربها، أو لدناءتها وحقارتها.
стр. 1582
((أو امرأة)) المرأة ومرأة مؤنث المرء والامرأ، وهذه الكلمة يقولون: إنها من الغرائب الامرأ، يقولون: لأن عينه تابعة للامه في الحركات، الراء تابعة للهمزة، جاء امرؤٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئ، فالعين تابعة للام.
((فهجرته إلى ما هاجر إليه)) والحديث متفق عليه، متلقىً بالقبول، مجمع على صحته.
والوقت لا يستوعب أكثر من هذا.
نعم.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني:
"وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) " الإحداث والابتداع والتجديد لأن الحديث هو الجديد، والإحداث يطلق ويراد به الإنشاء والاختراع، ويطلق ويراد به التجديد.
((في أمرنا)) يعني في الدين، أما الإحداث والابتداع في أمور الدنيا، والإبداع والتجديد لا يدخل في هذا الحديث؛ لأنه يقول: ((في أمرنا)) يعني: في ديننا وفي شأننا.
стр. 1583
((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) الإحداث والابتداع في الدين مردود على من فعله كائناً من كان ((كل بدعة ضلالة)) والبدعة مردودة ممن جاء بها، لكن إذا أُثرت عمن أُمرنا بالاقتداء به فإنها حينئذٍ لا تكون بدعة ولا إبداع ولا إحداث، فمثلاً في قول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "نعمت البدعة" يعني: صلاة التراويح التي جمع الناس عليها، نعمت البدعة، بعض الشراح أساء الأدب وقال: "والبدعة مردودة ولو كانت من عمر" عمر أُمرنا بالاقتداء به والاستنان بسنته ((اقتدوا باللذين من بعدي)) ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) إذاً كيف يحدث ويبتدع عمر؟ ونقول: هذه بدعة لكنها من عمر فهي مقبولة، ومعلوم أن الأمر بالاقتداء باللذين من بعده والاهتداء بهديهم إنما هو فيما لا معارضة له مع ما جاء عن النبي ﵊، والنبي ﵊ يقول: ((كل بدعة ضلالة)) عمر -رضي الله تعالى عنه- لما جمع الناس على صلاة التراويح وخرج ورآهم يصلون وأعجبه جمعهم على الإمام الواحد وعدم تفرقهم، الذي يترتب عليه اجتماع وأتلاف القلوب قال: نعمت البدعة، الشاطبي يقول: مجاز، استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: بدعة لغوية وليست شرعية، البدعة اللغوية ما عمل على غير مثال سابق، والشرعية ما دل عليها الحديث، ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من كتاب أو سنة، فهل جمع عمر الناس في صلاة التراويح على إمام واحد من باب البدعة اللغوية أو الشرعية؟ هل عمل عمر على غير مثال سبق؟ هل أحدث في الدين ما لم يسبق له شرعية في الكتاب والسنة؟ النبي ﵊ صلى بهم ثلاث ليالٍ ثم ترك، ترك نسخ وإلا خشية أن تفرض مع بقاء الحكم؟ نعم، خشية أن تفرض وليس نسخاً لها، تركها لسبب، فإذا ارتفع السبب ارتفع الترك، آمنا من فرضيتها بموته ﵊ فيعود الحكم الذي هو الترك، فليست ببدعة شرعية قطعاً؛ لأنها عُملت على مثال سبق بأن سبق لها شرعية من عمله ﵊، وليست ببدعة لغوية لأنها مثل ما ذكرنا لا ينطبق عليها حد البدعة اللغوية؛ لأن أكثر ما يتمسك به المبتدعة
стр. 1584
بقول عمر، ومن يقسم البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة يستند إلى قول عمر، ومن يقسم البدع إلى الأحكام التكليفية الخمسة يستند إلى قول عمر، فإذا أجبنا عن قول عمر انتهى الإشكال.
قال: وهذه بدعة لكنها حسنة، فما المانع من أن يحدث بدع حسنة بخلاف البدع السيئة؟ هذه بدعة مستحبة فلماذا لا نبتدع بدع واجبة؟ إلى غير ذلك مما يحتمله أحكام التكليف، نقول: أصلاً هذه ليست ببدعة، طيب تقولون: ليست ببدعة وصاحبها يقول: بدعة؟ نقول: ليست ببدعة، طيب كيف يقول: بدعة؟ نقول: هذه ليست بمجاز لأنه لا مجاز، وهذه أيضاً ليست ببدعة لغوية لأنها سبق لها شرعية، ولم تعمل على لا مثال سبق، إنما سبق لها التشريع من المصطفى ﷺ ، فليست ببدعة لا لغوية ولا شرعية، وإنما هي من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] الأولى سيئة بالفعل والثانية حسنة؛ لأن معاقبة الجاني ليس بسيئة، هذه مشاكلة في التعبير، مجانسة، وهذا أسلوب معروف في البديع من علوم البلاغة.
قال: اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
مشاكلة، والمشاكلة: أن يأتي المتكلم بكلام له مشاكل ومجانس في السياق حقيقة أو حكماً، يعني: هل يوجد من قال لعمر: ابتدعت يا عمر فقال: نعمت البدعة؟ لا يشترطون أن يكون المجانس والمشاكل مذكور، بل لو وجد حكمه كأن عمر -رضي الله تعالى عنه- خشي أن يقول قائل: ابتدعت يا عمر، فقال: نعمت البدعة، وعلى هذا التقسيم تقسيم البدع إلى ما يمدح وما يذم أو إلى ما يجب ويستحب ويباح تقسيم لا أصل له، والشاطبي في الاعتصام رده رداً قوياً، وقوض دعائمه، وإن قال به بعض العلماء، لكن النبي ﵊ يقول: ((كل بدعة ضلالة)) وهنا (من) من صيغ العموم.
стр. 1585
((من أحدث)) مهما كان المحدث ومهما كان الحدث ((في أمرنا)) في ديننا هذا ((ما ليس منه فهو رد)) يعني: مردود عليه، رد مصدر يراد به اسم المفعول كالحمل يطلق ويراد به المحمول، فكل من أحدث في الدين فهو في ضلالة؛ لأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، هل المراد أن هذا الضلالة نفسها البدعة نفسها في النار مع سلامة صاحبها، أو المراد أن صاحبها في النار؟ نعم المراد صاحبها ((ما أسفل من الكعبين ففي النار)) يعني: الثوب في النار وإلا صاحب الثوب؟ صاحب الثوب بلا شك.
والحدث والإحداث في الدين شأنه خطير لأنه تشريع، ومشاركة لله -جل وعلا- في شرعه، وصد عن دينه؛ لأن كل بدعة توجد تكون في مقابل سنة، كل من ابتدع أو عمل ببدعة حرم من العمل بالسنة بقدرها، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يُحدث، ما لم يؤذِ)) الحدث هذا يحتمل أن يكون إبطال الطهارة، ويحتمل أيضاً أن يكون إحداثه في الدين، فيحرم من هذا الدعاء، المقصود أن الحوادث والبدع شأنها عظيم، وأمرها خطير، وله قواعد، ولها ضوابط، ولها أمثلة كثيرة في كلام أهل العلم، وألفت فيها الكتب، ولا داعي للإطالة بتفصيلها.
هذا الحديث مع الرواية الأخرى: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) عليه الشرط أو منه يؤخذ الشرط الثاني لقبول الأعمال وهو المتابعة، فكل عبادة يشترط لها شرطان: الإخلاص كما دل عليه الحديث الأول، والمتابعة وهو ما دل عليه الحديث الثاني ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [(٧) سورة هود] يعني ما قال: أكثر، أحسن.
стр. 1586
يقول الفضيل بن عياض: ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [(٧) سورة هود] أخلصه وأصوبه، الخالص هو الشرط الأول أخلصه، يكون العامل مخلصاً لله -جل وعلا- في عمله، صواباً على سنة نبيه ﵊، وإذا اختل شرط من هذين الشرطين لم يقبل العمل، منهم من يقول: يكتفى بالشرط الثاني، وهو أن يكون موافقاً لما جاء عن النبي ﵊، يكفي أن تصلي كما رأيت النبي ﵊، يكفي أن تأخذ عنه المناسك، يكفي أن تأخذ عنه الصيام، وغير ذلك لأنه هو الأسوة والقدوة يكفي هذا الشرط؛ لأنك إذا عملت مثل ما عمل غير مخلصاً لله -جل وعلا- ما تحقق الشرط الثاني، فلن يتحقق الشرط الثاني إلا بتحقق الشرط الأول، فعلى هذا يكتفى بالشرط الثاني، ويشترط لصحة العمل أن يكون صواباً على هدي النبي ﵊ ومن هديه الإخلاص، إذاً لا داعي لأن يشترط الشرط الأول، وأقول: أهل العلم يؤكدون على الشرط الأول، وهو وإن دخل من حيث العموم والجملة في الشرط الثاني إلا أنه لا بد من التنصيص عليه؛ لأن الغفلة عنه تجعل العمل على نقيض المقصود مقصود العامل، لا يكفي أن تكون مثلاً الصلاة باطلة إذا لم يكن الرجل مخلصاً فيها، ولا يكفي أن يكون حكمه حكم العوام إذا لم يكن مخلصاً في علمه، إنما يكون وبالاً على صاحبه -نسأل الله السلامة والعافية-، فالتنصيص على الإخلاص والتذكير به في كل مناسبة أمر لا بد منه، ولذا قال أهل العلم ما ذكرناه في أول الدرس: أن هذا الحديث حديث عمر ينبغي أن يجعل في صدر كل باب من أبواب الدين.
стр. 1587
((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) يستدل به من يبطل جميع التصرفات الشرعية إذا وقع فيها ما ليس من أمره ﵊، أو ما ليس من فعله ﷺ ، فيستدل بهذا من يرى عدم وقوع الطلاق إذا لم يكن سنياً إذا كان بدعياً، فالثلاث المجموعة لا تقع كيف لا تقع؟ لأنها بدعة، لكن هل يقول قائل: إنها لا تقع بالكلية أو تقع واحدة؟ الطلاق في الحيض لا يقع لأنه بدعي، وليس عليه أمرنا فهو مردود على صاحبه، الطلاق في طهر جامعها فيه لا يقع لأنه بدعي وليس عليه أمر النبي ﵊، طلاق الثلاث مقتضى هذا أن لا يقع به شيء صح وإلا لا؟ مثل الطلاق في الحيض، لكن هل يقول قائل: إن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً لم يتخللها رجعه أنه لا يقع شيء لأنه بدعي أو يقع واحدة؟ يقع واحدة، لكن لو قلنا بالتطبيق الحرفي لهذا الحديث على هذه المسألة فالمقتضى أن لا يقع شيء لأنه بدعي مردود نرده بالجملة، بالكلية، كيف نرد طلقتين ونقبل واحدة؟ جاء الخبر الصحيح أن الطلاق الثلاث على عهد النبي ﵊ وعهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر واحدة، وعلى هذا يعول من يقول: إن الطلاق الثلاث إنما يقع واحدة، وهو القول المرجح عند شيخ الإسلام وجمع من أهل العلم، وإن كان الجمهور على خلافه؛ لأن عمر أوقعه لما رأى الناس يتتابعون عليه، ويتلاعبون بحدود الله أوقعه عليهم، وعمل به جماهير أهل العلم تبعاً لعمر، والمفتى به والمرجح عند أهل التحقيق أن الثلاث تكون واحدة، والعمدة في هذا حديث الباب مع ما يفسره من كونهم يجعلون الثلاث في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة، وإذا كان هذا هو الموجود في عصر النبي ﵊ فهو الحجة وهو المعتبر، وكون عمر يمضيه على الناس من باب التعزير ليس معنى هذا أنه يستقر حكماً شرعياً، يعني: مثل ما جاء في الأمر بقتل المدمن ((إذا شرب الرابعة فاقتلوه)) قالوا: إن حده الأربعون جلدة، أو الثمانون على خلاف بين أهل العلم، وأما قتله فمن باب التعزير، إذا لم يرتدع الشُرّاب بالحد يقتل من يرتدع بهم الباقي.
стр. 1588
الزيادة على المشروع، الأعداد المقدرة شرعاً مثل ركعات الصلوات، شخص صلى الظهر متعمد خمس ركعات، أو صلى الصبح ثلاث ركعات، أو المغرب أربع ركعات متعمداً هذا صلاته باطلة اتفاقاً؛ لأنه أحدث في الدين فهو مردود عليه؛ لأن هذا حد محدد ومقدر شرعاً لا تجوز الزيادة عليه والنقص منه.
زاد على الأذكار المطلوبة قلنا: الزيادة في الأعداد في أعداد ركعات الصلوات تبطلها، فإذا زاد على الأذكار هل يترتب الوعد من الثواب أو الحفظ على هذه الزيادة، أو نقول: إن هذه الزيادة كأعداد الصلوات تبطل المزيد؟ مثلاً: ((من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) لو قالها مائة وعشر، قال: ما من زيادة التسبيح إلا خير، تأتي عليها بالبطلان ولا يترتب عليها أثرها؟ أو نقول: المقصود حصل بالمائة والزيادة قدر زايد الأولى أن لا يزاد وإن زيْد فلا أثر له؟ ولذا جاء في حديث: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة كتب له .. ومحي عنه .. وحفظ .. وكانت حرزاً له من الشيطان، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا شخص عمل مثله أو زاد)) يعني هل معنى هذا أن من قال: لا إله إلا الله إلى آخر المائة وعشرة يحوز على هذه الآثار المترتبة على هذا الذكر والزيادة مقبولة في مثل هذا لأنه ذكر ((وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) فالزيادة تكون من المطلق، أو نقول: لا بد أن يتقيد بالعدد كأعداد الصلوات؟ وما معنى: أو زاد؟ هل المراد به زاد على المائة أو زاد في المئات؟ يعني: قالها مائة، ثم قالها مائة ثانية، ثم قالها مائة ثالثة، وهكذا؟
طالب: ثانية.
стр. 1589
الذي يظهر أنه زاد على المائة، فتكون المائة محققة للوعد، وما زاد عليها له أجره، ولم يأت على المزيد بالبطلان، وهذا يخفف في هذا الباب، وإلا فالأصل أن الأعداد التي جاءت عن الشارع ورتب عليها بعض الأمور أن قائلها لا بد أن يتقيد بها، وإلا ما صار للعدد فائدة، هل يدخل قولهم الزيادة مطلوبة أو الزيادة من الثقة مقبولة في مثل هذا؟ يعني سبحان الله وبحمده مائة مرة قالها مائة وعشرة، أو قال: لا إله إلا الله مائة وعشرة أو مائة وعشرين هل نقول: هذا يدخل فيمن زاد؟ ويترتب عليه الأثر والأجور المرتبة في الحديث والزيادة لها أجرها تكون من المطلق؟
قوله: "أو زاد" هل يحمل على المئات أو على العشرات أو الآحاد؟ إذا جاء بمائة حقق ما طلب منه، وترتب عليه آثاره، لكن لو نقص واحدة أو زاد واحدة، يعني: هل العدد له مفهوم أو لا مفهوم له؟ جاء بمائة في أول النهار، جاء بمائة بعد الظهر، جاء بمائة بعد العصر، جاء بمائة بعد المغرب، جاء بمائة بعد العشاء، هل نقول: إن هذا يدخل فيمن زاد، أو نقول: إن المطلوب مائة في اليوم؟ أو كما جاء في بعض الروايات: في اليوم مرتين، يعني: في النهار وفي الليل، جاء في بعض الروايات ما يدل على هذا، فعلى هذا من جاء بها ثلاث مرات، يعني: هل الزيادة عليها مؤثرة؟ لا، ليست مؤثرة، بدليل قوله: ((أو زاد)) لكن هل هذه الزيادة غير المؤثرة في المئات كما يقول بعضهم: إن العدد المحدد ما فيه زيادة عليه، مائة مائة لا تزيد ولا تنقص، لكن إن زدت مئات دخلت في قوله: "أو زاد" لكن إن زدت آحاد أو عشرات زدت على القدر المحدد شرعاً فلا يثبت لك الأجر إن سلمت من الوزر.
طالب:. . . . . . . . .
ما دام اللفظ محتمل واللفظ صحيح ما الذي يجعلنا نضيق على أنفسنا، نعم الأعداد التي لم يأتِ فيها مثل هذا لا يزاد عليها ولا ينقص، لكن من جاء بهذا الذكر الذي فيه: ((أو زاد)) ما المانع أن يأتي بالمائة، ويضمن ما رتب عليها، وبعد ذلك يقول ما شاء ليزيد.
طالب:. . . . . . . . .
نعم.
стр. 1590
وعن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن الشعبي" عامر بن شراحيل التابعي الجليل "عن النعمان بن بشير" الصحابي الجليل يقول: "سمعت رسول الله ﷺ يقول، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه" ليبين أنه متحقق من ضبط هذا الخبر وحفظه وإتقانه، وأنه سمعه من النبي ﷺ مباشرة من غير واسطة، سمعه بأذنيه، لكن هل الخبر يسمع بأذنين أو بأذن واحدة؟ يعني: أشار بأذنيه ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [(١٢) سورة الحاقة].
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ هل الخبر يسمع بأذن واحدة أو بأذنين؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
تظن الأخبار بالهدفون تجي بالأذنين! النعمان أهوى ﵁ بأصبعيه، الصحابي يقول: سمعته أذناي، لا شك أن وصول الخبر إلى الحاسة حاسة السمع على حسب موقع المخبر، إذا كان المخبر من جهة اليمين فالأذن اليمنى، وإن كان من جهة الشمال فالتي تسمع الأذن اليسرى، وإن كان في المقابل من الأمام أو من الخلف بحيث يكون بعد الصوت عن الأذنين على حد سواء يسمع بأذنيه أو تسمعه الأذن الأقوى في السمع دون الأخرى.
"وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه" لبين أنه سمعه من النبي ﵊ من دون واسطة.
стр. 1591
يقول النبي ﵊: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين)) الحلال بين وواضح، الحرام بين واضح لا خفاء فيه، وهذا من باب المقابلة بين المتضادين، هذا حلال وهذا حرام، فالحلال ضد الحرام، والحرام ضد الحلال، ولذا لما جاؤوا في ترجمة حرام بن عثمان قالوا: بلفظ ضد الحلال ليضبط اسمه لئلا يصحف، حرام إيش معنى حرام؟ شخص يسمى حرام؟! يهجم عليه من يصححه فيقول: حزام مثلاً، لا، قالوا: بلفظ ضد الحلال، وهذه طريقة لهم في ضبط الأسماء، الحكم بن عتيبة كثير من الكتب مصحف فيها إلى عيينة، لكن الشراح يقولون: بتصغير عتبة الدار وينتهي الإشكال، ما نحتاج إلى أن نقول: بضم العين المهملة ولا .. ، أبد، تصير معروفة، وهذه من طرقهم في ضبط الألفاظ.
((إن الحلال بين)) تأكيد ((وإن الحرام بين)) واضح لا اشتباه فيه، وأيهما الأصل الحظر أو الحل؟
طالب:. . . . . . . . .
أيهما الأصل؟
طالب:. . . . . . . . .
الحل الأصل.
طالب:. . . . . . . . .
تفصيل.
طالب:. . . . . . . . .
أبو حنيفة يقول: الحلال ما أحله الله، والشافعي ومن معه يقولون: الحرام ما حرمه الله، الذي يسمع هذا الكلام يقول: ما في فرق، في فرق بين المذهبين؟
طالب:. . . . . . . . .
أبو حنيفة يقول: الحلال ما أحله الله، مفهومه أن ما عدا ما أحله الله فهو حرام، إذن الأصل الحظر.
وقول الشافعي: الحرام ما حرمه الله، يكون الأصل الحل، ثم إن وجد ما يرفع هذا الأصل إلى التحريم انتقل عن الأصل، لو خرجت في نزهة إلى البر فوجدت نباتاً أو حيواناً لا تعرف حكمه ما عندك فيه دليل لا دليل يبيح ولا دليل يمنع تأكل أو لا تأكل؟ على رأي أبي حنفية ما تأكل؛ لأن الحلال ما أحله الله، وليس عندك نص يدل على أن الله أحل هذا، وعند الشافعي تأكل حتى تقف على نص يمنعك منه.
стр. 1592
((إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)) بعض الروايات: ((مشبهات)) بعض الروايات: ((متشابهات)) وهنا يقول: ((مشتبهات)) يعني: ملتبسات ((لا يعلمهن كثير من الناس)) يلتبس الأمر فيهن على كثير من الناس، كون الأمر يلتبس على العامة هذا هو الأصل؛ لأنهم لا علم لهم بالحلال والحرام إلا ما علم من الدين بالضرورة، لكن كون الأمر يشتبه ويلتبس على طلاب العلم أو بعض أهل العلم، والاشتباه أمر نسبي قد يكون هذا مشتبه وملتبس على زيد من الناس ولا يلتبس على عمرو، يلتبس على هذا العالم، ويظهر الحكم لآخر، يلتبس فهم الخبر على هذا العالم ويتجلى لغيره، فهذه الأمور نسبية، وعلى كل حال إذا كان الشخص من أهل النظر فالمشتبهات بالنسبة له، هذه الأمور المشتبه منهم من يقول: هي المكروهات، فهذه المكروهات تتقى خشية أن تكون من المحرمات في حقيقة الأمر، وإن لاح للمجتهد أنها لا تصل إلى التحريم فهذه شبهة، برزخ بين الحلال والحرام، ومنهم من يقول: المشتبهات ما يختلف فيه بين العلماء من غير ترجيح، فيخشى أن يكون القول الراجح مع من حرم، ومنها أقوال كثيرة لأهل العلم لكن الخلاصة: أن على المسلم أن لا يقرب المحرمات الواضح تحريمها، البين تحريمها، وعليه أن يتقي الشبهات استبراءاً لدينه وعرضه؛ لئلا يقع في المحرمات، ومن ورع السلف ﵏ أنهم يتركون الحلال الذي يخشى منه أن يجر إلى الحرام، فالاستمرار والإكثار من مزاولة المباحات وتعويد النفس عليها لا شك أنه يجر إلى المكروهات، ويجر إلى الشبهات، متى وصل بنو إسرائيل إلى الجريمة العظمى قتل الأنبياء؟ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [(١١٢) سورة آل عمران] تبدأ الأمور بالشيء السهل، ثم يتطور يتجاوزه إلى ما عداه؛ لأن عقوبات المعاصي معاصي أكبر منها، السيئة تقول: أختي أختي، فإذا عمل هذه المعصية جرته هذه المعصية عقوبة له إلى المعصية التي تليها ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [(١١٢) سورة آل عمران] إلى أن وصل الأمر إلى قتل الأنبياء، ووصل الأمر بغيرهم إلى قتل الذين يأمرون الناس بالقسط، وهو مقرون بقتل الأنبياء -نسأل الله السلامة والعافية-، تجد هذا يبدأ بمعصية
стр. 1593
صغيرة، ثم التي تليها، ثم التي تليها، ثم يستمرئ الكبائر والجرائم، ثم يعتادها فتجره إلى ما هو أعظم، فعلى الإنسان أن يجعل لنفسه حداً وسداً منيعاً لئلا يُستدرج بسبب ما يقع فيه من معاصي يظنها سهلة إلى ما هو أعظم منها، وإلا هل يتصور مسلم يعقل ما يقول والله -جل وعلا- يقول: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [(٢٨) سورة الرعد] أن يقول:
ألا بذكر الله تزداد الذنوبُ ... وتنطمس البصائر والقلوبُ
يتصور؟! لا، هل هذه أول ما قال؟ لا، ليست أول ما قال، هل يتصور مسلم يصلي يسجد لله يقول: سبحان ربي الأسفل؟ إلا أنه قد قال قبلها كلمات، وأنتم وفي هذه الأيام التي نعيشها نفاجأ بأن فلان قال كذا، ونستعظم هذا الأمر، لكنه قال قبله كلمات رققت مثل هذه الكلمة، وتصرف هذه التصرفات التي سهلت عليه مثل هذا الكلام، ولذا هذا الاحتياط في هذا الحديث ينبغي أن يكون نصب عيني المسلم وبالذات طالب العلم.
((وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات)) أو ((المشتبهات)) أو ((المتشابهات)) اتقاها جعل بينه وبينها وقاية، كيف تجعل وقاية؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1594
بالابتعاد عنها تجعل هناك سد واقي، ولا يكون إلا بترك شيء من المباحات، الآن تصور المحرمات بعيدة عنك لأنك مسلم تتدين بقال الله وقال رسوله، تتدين بقوله: افعل ولا تفعل، المحرمات في أول الأمر بعيدة عنك، دونها الشبهات البرزخ، ثم دونها مباحات، ثم دونها ما دونها، حتى لا تصل إلى الشبهات تترك شيء من المباحات؛ لتضمن أنك بعيد عن الشبهات، وبعدك عن الشبهات دليل على أنك للمحرمات أبعد، نضرب مثال: المساهمة في شركة فيها الحرام بين، الربا الصريح مهما قلت نسبته هل هذا من الشبهات أو من الحرام البين؟ هذا حرام بين، دون هذه الشبهة دون هذا الحرام البين شركات أو مؤسسات تتعامل بأمور يختلف فيها العلماء، منهم من يجيز، ومنهم من يمنع، وقد يدخل بعض عقودهم شيء يغطي ويلبس أمر هذه العقود، ويخفي وضعها على بعض الناس، هذه شبهات، قد يرد على هذه الشركات أو هذه المؤسسات شيء ما حسبت له حساب، هذه شبهات يمكن أن يُتخلص منها، والأولى أن لا يدخل في شيء فيه شبهة، فضلاً عن كونه يدخل في شيء ويقدم على محرم، يعني: يقدم على محرم يقول: يتخلص منه؟ ليس بصحيح، الإقدام على المحرم حرام، لكن تقدم على شيء مباح حلال بين، ثم يرد عليك من غير قصد شيء فيه شبهة هذا تتخلص منه.
стр. 1595
((فمن اتقى الشبهات)) جعل بينه وبين هذه الشبهات وقاية، الآن لو أن شخصاً سكن سواء كان في بيت، أو في محل تجاري بجوار مطعم أو بجوار مخبز، في وقاية بينه وبين المخبز جدار، لكن إذا وضعت يدك على الجدار تحس بالحرارة وإلا ما تحس؟ تحس بالحرارة، تحتاج إلى عوازل، لا بد من عوازل تقيك هذه الحرارة، وقد يحتاط فيضع عوازل وعوازل أخرى، هذا لأمر دنياه يحتاط؛ ليش؟ لأنه ما يريد الحرارة، ويحتاط أيضاً لئلا يحمل الكهرباء أكثر مما تتحمله؛ لأنه بدل ما يحتاج إلى مكيف يضع اثنين إذا صار بجواره مخبز، لكن إذا وضع العوازل ووضع .. اتقى هذا الحر بما يستطيعه من وقاية ابتعد عن الحرارة، وهنا نقول: اتقى الشبهات، كيف يتقي الشبهات؟ يتقيها بترك ما يقرب منها من مباحات، فيقع في المحرم وهو لا يشعر، تستدرجه هذه المقدمات إلى النتائج المحرمة، فهذا معنى: ((استبرأ لدينه)) طلب البراءة لدينه فلم يرتكب محرم بسبب تجاوزه هذه الشبهة، واستبرأ أيضاً لعرضه لئلا يقع فيه من يقع، يعني: إذا رأى الناس شخص يتساهل في معاملاته، لا يأتي إلى المحرم الصريح، لكنه لا يتورع عن أمور قد لا يتبينها، أو قد يرد عليه أشياء أو قد .. ، المقصود أن مثل هذا يكون فرصة لكلام الناس، يتحدث الناس فيه، فلان لا يتورع، فلان لا .. إلى أن يقال: إن فلان يأكل الحرام، وإن كانت حقيقته لا يأكل الحرام البين، لكنه هو الذي عرض نفسه لكلام الناس.
((استبرأ لدينه وعرضه)) يعني: قطع ألسنة الناس عنه، لكن هل هذا يبرر للناس أن يقعوا في عرضه؟ لا، ليس بمبرر، ومثل هذا لا يبيح عرضه، بل هو مسلم له حقوقه، وعرضه مصان، وغيبته حرام، وجاء في المماطل: ((مطل الغني ظلم، يبيح عرضه وعقوبته)) هل معنى هذا أن الناس يجعلونه مادة لأنسهم وحديثهم؟ لا، إنما أبيح .. ، أهل العلم قالوا: إن الحديث يبيح من عرضه أن يقول المظلوم المُماطل: مطلني فلان، لا يزيد على ذلك، ومثل هذا لا تجوز غيبته، يعني كونه يقع لا يعني أنه يباح.
стр. 1596
((استبرأ لدينه وعرضه)) وكثير من الناس يعرض نفسه وعرضه للقيل والقال، ومن كف الغيبة عن نفسه وأعان على كف الغيبة عن نفسه هذا لا شك أنه يسلم من الناس وأذاهم، ومع ذلك يسلم غيره من معرة غيبته، فالمسألة فيها طرفان: هذا الشخص الذي عرض نفسه لغيبة الناس يتوجه إليه الخطاب بهذا الحديث، والذي وقع في عرضه له نصوص يواجه بها، وقل مثل هذا: عالم زل مثلاً أو كثر منه الشذوذ مثلاً، لا شك أنه ما استبرأ لعرضه، هذا هو الذي صار في طريق الناس يطئونه ذهاباً وإياباً، لكن ليس هذا بمبرر أن يطأه الناس، أو يلوكون عرضه، أو يتكلمون فيه، هذا ليس بمبرر، فكل له من خطاب الشرع ما يخصه، وعلى الإنسان إذا أراد أن يتكلم سواء كان هذا الشخص الذي وقع في الشبهات، أو الشخص الذي كثر منه الشذوذ في الفتوى بحيث صار فاكهة في مجالس الناس عليه أن يراقب الله -جل وعلا-، فلا يعرض إخوانه المسلمين لأن يقعوا في عرضه، ويأثمون بذلك، وعلى الآخرين أيضاً أن يحاسبوا أنفسهم، وعلى كل أحد أن يجعل المراقبة والخشية لله -جل وعلا- حق، نصب عينيه، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار ...
стр. 1597
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر - كتاب الجامع (٢)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
المراقبة والخشية لله -جل وعلا- حق، نصب عينيه، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقول ابن دقيق العيد: وقف على شفيرها العلماء والحكام، المقصود أن مثل هذا الذي لا يتقي الشبهات لا بد وأن يقع في الحرام، كما أن الذي يسترسل في المباحات قد يبحث عن هذه المباحات التي عود نفسه عليها فلا يجدها، وحينئذٍ يتجاوزها إلى ما وراءها من المكروهات والشبهات، ثم بعد ذلك يبحث عن هذه الشبهات والمكروهات فلا يجدها، وقد ألفتها نفسه فيتجاوزها إلى المحرمات معللاً بأن الله -جل وعلا- غفور رحيم، لكن يغفل عن كونه شديد العقاب، عن كونه -جل وعلا- شديد العقاب، فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه.
((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) نعم الذي يعتاد هذا الأمر لا شك أنه قد عود نفسه، واستمرأ على هذا الشيء لا بد أن يتجاوزه إلى غيره؛ لأنه قد يطلبه في وقت من الأوقات فلا يحصل له.
((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) شرط جزاء ((كالراعي)) هذا مثال وتنظير مطابق، واستعمال للقياس الصحيح.
((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) في رواية: ((يرتع)) الراعي يرعى حول الحمى، الحمى الأصل أن الملوك لهم دواب، ولهم مواشٍ يرتزقون من ورائها، مما لا يشغلهم عن ملكهم، ويحمون لهم الحمى، والنبي ﵊ حمى لأبل الصدقة، وأبو بكر وعمر، فهذا الحمى إذا رعى هذا الراعي حوله، يعني كون الراعي يمر بأبله أو بغنمه على حافة هذا الحمى على نفس الحد، هل يأمن أن تدخل واحدة من هذه المواشي فتأكل من الأرض المحمية؟ لا يملك، لا بد وأن .. ، والغالب أن الأرض المحمية تكون أخصب من غيرها، فتند منه الشاردة من الإبل أو من الغنم فتأكل من هذا الحمى، وهو أيضاً إذا مشى على الحافة ولم يتقِ الشبهات لا شك أنه سوف يقع فيما حرم الله عليه.
стр. 1598
((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، إلا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله محارمه)) لا يجوز قربانها، فكون المحرم لا يجوز قربانه أبلغ من كونه لا يجوز الوقوع فيه، بمعنى أنه يمنع وتمنع الوسائل الموصلة إليه، يُمنع المحرم وتمنع الوسائل الموصلة إليه، ولذا حرم الله النظر، وأمر بغض البصر وجوباً، فيأثم الذي يرسل نظره ولو لم يقع في الفاحشة؛ لماذا؟ حماية للمحرم، وصيانة له.
стр. 1599
((ألا وإن حمى الله محارمه)) (ألا) أداة تنبيه تجعل السامع ينتبه لما بعدها ((ألا وإن في الجسد مضغة)) في الجسد في جسد ابن آدم مضغة، يعني: بقدر ما يمضغه الإنسان ((في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) إذا صلحت هذه المضغة صلح الجسد كله ((وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) فالجسد بجميع أجزائه مملكة، القلب هذا هو الملك، والجوارح أعوان له، الجوارح والحواس كلها أعوان فيما يصدر منه وفيما يرد إليه وسائط، إذا صلحت هذه المضغة صلح الجسد كله، وإذا فسدت بالعكس، والعكس بالعكس، فالمعول على هذه المضغة وهي القلب، فعلى المسلم أن يسعى لصلاحها، وشفاؤها بتدبر القرآن، وفهم ما جاء عن النبي ﵊ والعمل به، هذه المضغة المحسوسة القلب مثار إشكال كبير عند أهل العلم من الشرعيين والأطباء وغيرهم، يعني خطاب الشرع في جملته يتجه إلى القلب، والعقل عند أهل العلم هو مناط التكليف، وجاء الاقتران بين العقل والقلب في بعض الآيات، فهل المراد فيما وجه إليه الخطاب الشرعي القلب القطعة المعروفة في بدن الإنسان التي تضخ الدم أو هي غيرها؟ الأطباء يجعلون المعول على العقل الذي محله الدماغ، وأما القلب فكغيره كالرئة مثلاً، كغيره بدليل أنه يغير قلب إنسان يزرع له قلب ولا يتأثر عندهم، لكن ماذا نصنع بخطاب الشرع الذي في جملته موجه إلى القلب مثل هذا الحديث؟ وقوله: ((إلا وإن في الجسد مضغة)) لدلالة على أن هذا أمر حسي لا معنوي ((إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب)) ولذا عامة أهل العلم أو أكثرهم على أن العقل محله القلب، الأطباء يقولون: يزرع قلب جديد والعقل هو هو ما تغير، وقد يوجد قلب سليم من الناحية الطبية مائة بالمائة في جسد مجنون، لا عقل له، فدل عندهم على أنه لا ارتباط بين العقل والقلب، يقولون: العقل محله الدماغ، وقد يختل العقل والقلب سليم، والعكس، وتمشياً مع النصوص التي كلها تخاطب القلب يقول أهل العلم: إن العقل محله القلب، الإمام أحمد له رأي في المسألة وهو: أن العقل محله القلب وله اتصال بالدماغ، بمعنى أنه يكون -على جهة التمثيل- مثل الكهرباء فيه السالب والموجب أحدهما لا يعمل بغير
стр. 1600
الآخر، ومثل هذا الأمر الذي يخفى على الناس المسألة من عضل المسائل، وهي من أقرب ما يتصوره الإنسان إلى نفسه قلبه، كما أن روحه التي بين جنبيه لا يعرف كنهها ولا حقيقتها، وكذلك جاء مثل هذا في أقرب وأهم شيء في الإنسان لا يدرك حقيقة الأمر فيه ليعلم يقيناً أنه مهما بلغ من العلم، ومهما بلغ من الفهم، ومهما بلغ من غاية العقل أنه لن يخرج عن قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] وهذا القلب المحسوس المضغة فيه العجائب، ويذكر الأطباء المتخصصون في جراحة القلب أمور لا تخطر على بال، تنبغي والأمر معلق بالقلب إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، ينبغي بل يتعين على طالب العلم أن يسعى جاهداً لإصلاح هذا القلب، وإصلاحه بالدواء الناجع المفيد فيما جاء عن الله وعن رسوله، والقلوب لها أمراض، والران يتراكم عليها ويحجبها، لكن دواءها وجلاءها بكتاب الله -جل وعلا-، وما جاء عن نبيه ﵊، وما ذكره العلماء المحققون في بيان عن الله وعن رسوله ﵊ في أمراض القلوب فلتراجع، وليكن لطالب العلم نصيب وافر منها، ومؤلفات ابن القيم ﵀ مملوءة بما تعالج به أمراض القلوب.
سم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)).
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) " اجتنبوا يعني: ابتعدوا، السبع المذكورة في هذا الحديث، والعدد لا مفهوم له، لكن لأهمية هذه السبع جاء التنصيص عليها، وإلا فالذنوب المهلكة كثيرة جداً، حتى الصغائر قد تجتمع على الإنسان فتهلكه فضلاً عن الكبائر، والموبقات: المهلكات لفاعلهن.
стр. 1601
"قيل: يا رسول الله وما هن؟! " قيل من قبل الصحابة، وهذا من حرصهم، والأمر يعنيهم، وما هن؟ وتجد الإنسان يسمع هذا الكلام المجمل والمفصل، ولا يحفظ مثل هذه السبع الموبقات التي تقضي عليه وتهلكه، بينما لو كان هذا الأمر المؤثر عليه مما يؤثر على تجارته ضبطه وأتقنه، والناس لهم عناية فيما يمس دنياهم، تجد الموظف ومدير الدائرة ووكلاءه ورؤساء الأقسام عنده عنايتهم بالأنظمة التي تسير عملهم، يتفهمونها ويحفظونها ويشرحونها، وإذا أشكل عليهم شيء منها طلبوا تفسيره من الجهات، وكذلك التاجر تجده يعكف على نظام الشركة الفلانية؛ لأنه يريد أن يتعامل معها، والشركة الفلانية لأنه يريد كذا وكذا، وهذا لا يقال فيه شيء، لكن عندنا أمور أمر خلقنا من أجله، لا بد من تحقيقه، فلا بد أن نُعنى به، تجد المسلم يسمع القول: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) هذه السبع المهلكات.
قيل: يا رسول الله وما هن؟ يعني يمكن أن يمر هذا الكلام على الصحابة دون ...
طالب:. . . . . . . . .
ما يمر مثل هذا الكلام على الصحابة إلا يطلبون تفصيله "قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله)) "
وهو أعظم الذنوب، وما عصي الرب -جل وعلا- بأعظم منه ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) ومع الأسف أنه في حياة كثير من الناس أن لا يستعظمون أمر التوحيد، وما يناقض التوحيد ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [(٤٨) سورة النساء] الشرك بالله، وهذا يشمل الشرك الأكبر والأصغر، وكلاهما داخل في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [(٤٨) سورة النساء] على خلاف بينهم في الأصغر، هل حكمه حكم الكبائر الداخل تحت المشيئة ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء]؟ أو حكمه حكم الشرك لا بد أن يعاقب وإن لم يخلد كالمشرك الشرك الأكبر؟
стр. 1602
((والسحر)) وفيه شرك إلا أن التنصيص عليه وعطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فالأصل أن الساحر لن يصل إلى ما يريد إلا بعد أن يقرب للشياطين، ويشرك بالله -جل وعلا-، وكذلك من يتعامل مع الساحر لا بد أن يقدم شيئاً، وهو نوع من الشرك، والسحر شأنه خطير، وأمره عظيم، وحصلت بسببه المصائب والكوارث، وهدمت البيوت بسببه، وزاد شره واستطار واستفحل أمره في العصور المتأخرة، فلا بد من الضرب بيد من حديد على هؤلاء السحرة والمشعوذين، وقطع الطريق على كل من يسعى في تشريع عملهم؛ لأن من أهل العلم من يسعى في التشريع وفي بقائهم من حيث لا يشعر، يشعر أو لا يشعر، فالذي يفتي الناس بجواز الذهاب إلى السحرة لحل السحر هذا تشريع لبقائهم، ما دام هذا العمل جائز كيف تأمر بالقضاء عليهم؟! ولا شك أن مثل هذه الفتوى سبيل وطريق إلى تشريع عملهم وإبقائهم، بل الدعوة بأنهم محسنون، والنبي ﵊ يقول: ((والسحر)).
((وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)) والقتل قتل العمد أمره عظيم ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [(٩٣) سورة النساء] نسأل الله السلامة والعافية، وقرن بالشرك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [(٦٨) سورة الفرقان] هذه عظائم الأمور، مقرون بعضها ببعض، طيب ((قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)) وجاء في تعظيم قتل النفس ما جاء من نصوص الكتاب والسنة، فلا يجوز التعدي على النفس المعصومة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، معاهد أو ذمي، والمسلم من باب أولى ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) فالأمر جد خطير، وشأنه عظيم ((قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)) إلا بأن تستحق ((النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه، المفارق للجماعة)).
стр. 1603
((وأكل مال اليتيم)) اليتيم في الشرع: هو من مات أبوه وهو دون البلوغ، فنظراً لضعف جانبه بموت أبيه يتسلط بعض الناس على ماله فيأكله، وإلا فأكل مال غيره حرام، لكن غيره له من يدافع عنه فصار أخف من مال اليتيم، ولذا جاء التشديد في شأنه، والحث والأجور العظيمة على كفالته، وفي حكم اليتيم من لا أب له ألبتة بالكلية كأولاد الزنا مثلاً هذا لا أبا له ولا ولي أمر، بل من أهل العلم من يرى أنه أحوج إلى الرعاية والعناية من اليتيم؛ لأن اليتيم قد يكون وارثاً، قد يكون له عم، قد يكون له أخ، لكن مثل هذا ليس له أحد، ولذا يقول بعض العلماء: إن رعاية مثل هؤلاء رغم ما جاء في كفالة الأيتام إلا أنه ...
طالب:. . . . . . . . .
وأكل أموال الناس محرم، الأيتام وغير الأيتام، لكن التنصيص على اليتيم لما ذكرنا؛ لأنه في الغالب ليس له من يدافع عنه بخلاف غير اليتيم.
стр. 1604
((وأكل الربا)) أكل الربا من السبع الموبقات، وجاء في تعظيم أمره وشأنه من النصوص في الكتاب والسنة ما تنزعج له القلوب، ومع ذلك يؤكل الربا، ممن يتدين بالدين، ويشهد أن لا إله إلا الله، وما ذلكم إلا لما غطى على القلوب من الران، والتنافس في الدنيا، وإيثار العاجل على الآجل، وإلا لو قيل لشخص: إنك تبعث يوم القيامة مجنون يرضى؟! لو قيل له: إنك محراب لله ولرسوله يرضى؟! ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [(٢٧٥) سورة البقرة] قال جمع من أهل العلم: إنهم يبعثون مجانين، فعلى من يأكل الربا وإن وجد من يهون من شأنه ويتساهل في أمره، لكن من يجادل الله عنه يوم القيامة الذي يأكل الربا؟ هل يأتي هذا ويقول: أنا الذي أبحت له الربا، أو هونت له من شأن الربا؟! أنت تعرف الحكم الشرعي، وعرفت أن الربا حرام وتعاملت بالربا لا عذر لك، فعليك أن تتوب، وإن تاب تاب الله عليه، وله حينئذٍ رأس ماله ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [(٢٧٩) سورة البقرة] من تاب من الربا يعني تعامل بالربا مدة ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [(٢٧٥) سورة البقرة] له ما سلف، بمعنى أنه إذا تاب من الربا دخل في الربا وهو يملك ألف ريال، وتاب بعد عشر سنين وهو يملك مليون ريال، لكم رؤوس أموالكم، له ما سلف، ما الذي سلف؟ وما رأس ماله؟ هل المقصود رأس ماله الذي دخل به في البيع والشراء الألف أو رأس ماله وقت التوبة وهو المليون؟
طالب:. . . . . . . . .
كلهن واحد، الإشارة ما تكفي.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1605
يعني تصور أن شخص دخل التجارة بعشرين ريال، وتاب عن عشرين مليار، نقول: ما لك إلا عشرين ريال، أو نقول: لك رأس مالك وقت التوبة ولك ما سلف، والله -جل وعلا- أكرم من أن يردك فقيراً تتكفف الناس، واللفظ محتمل، وقول الأكثر: رأس ماله الذي دخل به التجارة عشرين ريال، ويتخلص من عشرين مليار، والمعنى الثاني تحتمله الآية، وهو اللائق بكرم الله -جل وعلا- وجوده، وما دامت المسألة محتملة والله -جل وعلا- رغب في التوبة، وحث الناس عليها، والله -جل وعلا- أشد فرحاً بتوبة عبده مما ذكر في الحديث، ويستحيل في العقل والدين أن الله -جل علا- يحث ويأمر ويوجب التوبة ويفرح بها ويصد الناس عنها؛ لأنه أبو عشرين ريال هذا الذي دخل في التجارة وتاب عن .. ، هل إذا قلنا له: ما لك إلا عشرين ريال هذا بيتوب أو ما هو بتائب؟ هذا لن يتوب، المجزوم به أنه لن يتوب، واللفظ الآية محتمل، فنقول: لك رأس مالك وقت التوبة، لك ما سلف، لك رأس مالك، بقي ربا في ذمم الناس لا يجوز أن تستلم منه ريال، لكن الذي في يدك وقت التوبة لك ﴿فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [(٢٧٥) سورة البقرة] قد يقول قائل: إن هذا فيه تهوين من شأن الربا، وتجعل الناس يتعاملون بالربا فإذا تجروا يتوبون، إذا كثرت أموالهم، نقول: لا، هذا مثل غيره من الذنوب، ما هو بأعظم من الشرك، حينما يقال للمشرك: إنك متى ما تبت تاب الله عليك، هل معنى هذا نهون عليه الشرك إلى أن يتوب؟! ما الذي يضمن له أن يعيش إلى أن يتوب، سواء كان من الشرك أو من الربا أو من الزنا، التوبة تهدم ما كان قبلها، هل معنى هذا أننا إذا قلنا للزاني رغبناه في التوبة، وأنها تجب ما قبلها أننا نهون عليه الزنا يزني حتى يتوب فيما بعد؟! لا ليس الأمر كذلك، بل عليه أن يتوب فوراً، لكن إذا تاب التوبة الشرعية المقبولة بشروطها تاب الله عليه ﴿فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [(٢٧٥) سورة البقرة] هذا نص القرآن.
стр. 1606
((والتولي يوم الزحف)) المقصود به الفرار عند لقاء العدو؛ لأن التولي في هذه الحالة مضعف للمسلمين، إذا تولى شخص وهرب ثم الذي بجانبه غلب على ظنه أنهم مهزومون؛ لأن هذا ما هرب إلا لسبب ثم تبعه، تبعه ثالث، ثم بعد ذلك انكسرت المعنويات، وهزم المسلمون، فلا يجوز التولي يوم الزحف إلا متى في صورة واحدة؟
طالب: متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة.
نعم، متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وما عدا ذلك لا يجوز؛ لأن هذا مما يتعين فيه الجهاد، فالجهاد يتعين إذا استنفره الإمام، وإذا حضر هنا عند لقاء العدو، وإذا دهم العدو بلده تعين عليه.
((وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) قذف المحصنات اللاتي لم يحصل منهن شيء مما يزاوله الفاجرات الباغيات الداعرات الغافلات اللاتي لا تخطر الفاحشة على بالهن، المؤمنات المتدينات العفيفات، فالقذف جرمه عظيم؛ لأنه يخدش العرض، ولا يقتصر على شخص، بل يسري إليه وإلى ولده ووالده، إلى المرأة وولدها ووالدها وزوجها، جريمة -نسأل الله السلامة والعافية-، ولذا جاء في الخبر وإن كان فيه ما فيه: ((قذف محصنة يحبط عبادة ستين سنة)) ولذا رتب عليه الحد، لو أن ثلاثة قذفوا محصنة ولو كانوا من أتقى الناس مع أن قذفهم إياها ينافي التقوى لحدوا وجلدوا حد الفرية، وجاء في وصف عائشة ﵂:
حصان رزان لا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافلِ
غرثى، يعني: جائعة، إن كان ما عندها طعام إلا اللحوم النساء تجوع إيش المانع؟ هكذا ينبغي أن يكون المسلم أن لا يسلط لسانه على أحد، والقذف -نسأل الله السلامة والعافية- لأنه يدنس الأعراض، وأثره على المقذوفة، وعلى من حولها من أولادها وأبويها وإخوانها وأسرتها وزوجها وأسرة الزوج ومن قرب منهم كلهم يتدنسون بهذه الكلمة، فالأمر عظيم.
((الغافلات)) اللاتي لا تخطر الفاحشة على بالهن، أصل الغفلة: عزوف الشيء عن الذهن، يعني: لا يخطر على باله، فهؤلاء الغافلات لا تخطر الفاحشة على بالهن، وهل الغفلة عن كون الفاحشة لا تخطر على البال مدح وإلا قدح؟ مدح، وعلى هذا يفضل الغافل عن الفاحشة على من تخطر الفاحشة على باله ويجاهد نفسه عن اقترافها، أيهما أفضل؟
طالب: الثاني.
стр. 1607
الشخص الذي لا تخطر الفاحشة على باله أو الذي تخطر على باله فيجاهد نفسه على تركها، والشخص الذي لا تتيسر له الفاحشة، ولا يعرض نفسه لمواقعها، أو الشخص الذي يتعرض لها ويجاهد نفسه ويجاهد غيره عن الوقوع في هذه الفاحشة، أيهم أفضل؟
طالب: الثاني.
يعني: افترض شخصاً جالس في مكتبته يطالع، جالس من أول النهار إلى آخره هذا ما خطر في باله فاحشة، هل هذا أفضل أو من عرضت له الفاحشة فجاهد نفسه وتركها؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني هل هذا الذي جلس في مكتبته يطالع ويقرأ يؤجر على ترك الفاحشة مثل من يؤجر من عرضت له هذه الفاحشة وتركها؟
طالب: لا، الثاني.
وهل يؤجر من خطرت على قلبه الفاحشة أو تيسر له بعض أسبابها ممن تيسر له جميع الأسباب بأن جلس عليها وتركها لله -جل وعلا- فصار من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟ أيهم أفضل؟
طالب: الثاني.
يعني عندنا شخص غافل ما طرأ على ذهنه ولا على باله ذكر للفاحشة، وشخص في مكان يمكن لو بذل السبب حصلت له الفاحشة، وبين شخص تعرض للفاحشة وضويق من أجلها، وبين شخص زاول أسباب الفاحشة وعمل مقدمات الفاحشة، ثم قال: إني أخاف الله، أيهم أفضل؟
طالب: الأخير ..
الأخير الذي هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الثالث.
طالب:. . . . . . . . .
عندنا مراحل، هذا في مكتبته ما خطر على باله أي فاحشة، هل نقول: هذا يؤجر على الفاحشة غافل عن الفاحشة؛ لأن الغفلة هنا سيقت مساق المدح، فهل الغفلة في هذا الباب مطلوبة مطلقاً؟
طالب:. . . . . . . . .
إذن عندنا أمور: غفلة ابتدائية، وغفلة تنشأ عن مجاهدة هذا شيء، وعندنا مباشرة أسباب والامتناع من أجل الله -جل وعلا- عن وصول الغاية.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1608
عندنا الحديث السابق: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)) وأيضاً: ((من الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار رجل بذل الأموال، ثم بعد ذلك تمكن من المرأة، فقالت له: يا عبد الله اتقِ الله)) فاتقى الله -جل وعلا-، فاستحق هذه الكرامة، فدل على أنه ممدوح، فالغافل الذي لا تخطر الفاحشة على باله لا شك أنه أقل درجة ممن تيسرت له الأسباب وتركها لله -جل وعلا-، لكن هذا بالنسبة للفعل وعدمه، لكن بالنسبة للقذف الذي معنا هذا الذي تعرض .. ، يعني نفترض شخص غافل غفلة تامة عن الفواحش وفي مكتبته ليل نهار، وشخص يتعرض للأسواق وصاحب محل ويجاهد نفسه، يعني هل قذف هذا الذي في مكتبته ما يخرج من المكتبة، أو ما يخرج من المسجد قذفه مثل قذف هذا الذي يرتاد الأسواق؟ لا، فهذه غير تلك المسألة، هذه مسألة أخرى.
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الرحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
стр. 1609
"وعن المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله حرم عليكم)) " فالتحليل والتحريم إنما هو لله -جل وعلا-، والنبي ﵊ إنما هو مبلغ عن الله -جل وعلا-، الرسل يبلغون عن الله ما يحله وما يحرمه على عباده، فجاء في بعض الأحاديث نسبة التحليل والتحريم إلى الرسل ((إن إبراهيم حرم مكة)) ((إن الله ورسوله ينهيانكم)) فالإضافة الحقيقة والنسبة الحقيقة إلى الله -جل وعلا-، وقد ينسب الفعل إلى الواسطة من باب التجوز ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [(٤٢) سورة الزمر] مع قوله -جل وعلا-: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [(٦١) سورة الأنعام] فالذي يتوفى الأنفس هو الله -جل وعلا-، لكن لما كان الرسل من الملائكة وسائط يتولون قبض روح الإنسان نسب إليهم، كما ينسب الفعل إلى الشخص نفسه، يصح أن تقول: مات زيد، وروحه خرجت حتف أنفه قهراً عليه، واللغة تستوعب ذلك، وتتسع له، فالله -جل وعلا- له التحريم والتحليل وليس لأحد شركة في هذا الأمر ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [(٣١) سورة التوبة] عبدوهم وإلا ما عبدوهم؟ "قال: لسنا نعبدهم، قال: ((يحرمون الحلال فتحرمونه، يحلون الحرام فتحلونه؟! )) قال: نعم، قال: ((تلك عبادتهم)) فالتحليل والتحريم إنما هو لله -جل وعلا-، وهذا شرك في التشريع، والله المستعان.
((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)) عقوق الأمهات يعني عصيان الأمهات، وإيصال الأذى، أي نوع من أنواع الأذى من التأفيف فما فوق، كل هذا حرام على الولد تجاه أمه، والتنصيص على الأم لعظم حقها، وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها، وإلا فالأب أيضاً يحرم عقوقه كالأم، لكن عقوق الأم أشد؛ لأن حقها أعظم، ولأنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها غالباً.
стр. 1610
((عقوق الأمهات)) كون العقوق يصدر من فاسق لا يستغرب، لكن كونه يصدر ممن ظاهره الصلاح وممن ديدنه حضور الدروس، وطلب العلم هذا هو الغريب، وكثير من الآباء والأمهات يشكون أولادهم الذين ظاهرهم الصلاح والاستقامة، تجده من أيسر الأمور أن يركب مع زميله لأي مشوار، والمشوار لزميله، يقول له: نبي نروح الآن سيارتي يقول للزميل: متعطلة أبيك توديني إلى التشليح مثلاً، هذا بعد صلاة العصر، ويركب معه، ويمضي العصر كامل والمغرب والعشاء وهو ما له مصلحة، والجو حار، والمناظر بعد ليست مؤنسة، ومع ذلك يسهل على نفسه هذا الأمر، لكن لو تقول له الوالدة: أنا أذهب إلى أختي في نفس الحي ضاق بها ذرعاً، وتضمر منها، وأنا مشغول، وأنتم عطلتموني عن طلب العلم، هذا مع الأسف يحصل من بعض طلاب العلم، كثير من الآباء يشكو، كثير من الأمهات أيضاً تبكي من ولدها، يسمع في الدرس مثلاً أن الورع كذا مثلاً من باب الورع مثلاً يسمع من الشيخ، ثم يلزمه أبوه بهذا الأمر الذي تركه من باب الورع، ثم يقول: لا أبداً، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويصارحه بهذا، ولا يمكن، ولا أعينك على معصية، يا أخي المسألة ورع.
стр. 1611
يعني من الأمثلة شخص طلب لنفسه ولأولاده منح من ولي الأمر، فجاءت المنح باسمه وأسماء أولاده، هذا خلاف الأولى، يعني أن تطلب وتستشرف، لكن هل يقال: حرام وهو من بيت المال؟ نعم؟ ليس بحرام، عرض الأراضي على الأولاد كلهم قبلوا إلا واحد من طلاب العلم، من الملازمين للدروس، قال: أنا لا أستشرف، قال: أنت ما استشرفت جاك وأنت جالس، قال: لا أقبل، يا أخي أنت مقدم على زواج ولا عندك شيء، قال: ولو، طيب نذهب إلى المحكمة وتفرغ لي الأرض، قال: ما أعينك على معصية، في أي فقه هذا الفقه؟! حقيقة مثل هذه الصور توجد من بعض المتعلمين، يتمسك بشيء على حساب ما هو أعظم منه، فعلى طالب العلم أن ينتبه إلى هذا الأمر، لا يفعل المستحب على حساب واجب، ولا يترك مكروه ويرتكب محظور، فكثير من الأمهات تتصل بحرقة تامة تشكو من عقوق ولدها؛ لأنها تعرف أنه يحضر الدروس وطالب العلم من حلقة إلى حلقة، ومن درس إلى آخر، ووقته مشغول بالحفظ والمراجعة، طيب هذا كله عمل صالح، بل من أفضل الأعمال، لكن لا يعادل محرم، ارتكاب محرم.
((ووأد البنات)) وأد البنات دفن البنات وهن على قيد الحياة، وهذا كان العرب يفعلونه خشية العار من شدة الغيرة، والغيرة إذا زادت عن حدها الشرعي بدلاً من أن تكون ممدوحة تصير مذمومة، فكل شيء له حد شرعي، كل غريزة وملكة لها طرفان ووسط، والخير في الوسط، فالعرب كانوا يئدون البنات، يدفنونهن أحياء خشية العار، ويقتلون الأولاد خشية أن يطعموا معهم، هذه من الموبقات لاشتمالها على جريمة القتل وقتل ذي الرحم أعظم جرماً، فالتنصيص على البنات مع أنه يوجد قتل للأولاد بما في ذلك الأبناء والبنات خشية إملاق، خشية أن يطعموا معهم، وكل هذا من كبائر الذنوب -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن التنصيص على البنات لأنه صار ظاهرة أكثر؛ لأن البنت تقتل لسببين: السبب الأول: العار، وهذا هو الكثير الغالب، والثاني: ما تشارك فيه الابن من خشية الإملاق، أو خشية أن يطعم معه.
стр. 1612
((ومنع وهات)) منعاً حرم عليك المنع، منع ما يجب عليك دفعه من الزكوات الواجبة والنفقات الواجبة، لا يجوز لك أن تمنع الحق عن مستحقه "وهات" طلب وسؤال ما لا تستحقه من أمور الدنيا، فيكون الإنسان جماعاً مناعاً، هذا لا يجوز بحال، يمنع ما أوجب الله عليه ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾ [(٣٣) سورة النور] ما هو من مالك هذا، من مال الله الذي آتاك الله وأتمنك عليه، ومع ذلك لا تسأل فالمسألة من غير حاجة تدعو إليها حرام "هات" هذه صفة، صفة زيد من الناس أنه لا يعطي، ومع ذلك ما جاءه بل يطلب، ديدنه المنع للواجبات وهات، إذا رأى شيئاً أو رأى شخصاً يظن أنه يبذل طلب منه، فالسؤال مذموم، بل من غير حاجة حرام، وجاء ذمه في النصوص.
((وكرهه لكم ثلاثاً: قيل وقال)) عمارة المجالس بالقيل والقال وكثرة الكلام، يتحدث بكل ما سمع، اليوم قيل كذا وقالوا كذا، قال زيد كذا، وقيل له كذا ((كفى بالمرء إثماً)) وفي رواية: ((كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) قيل وقال، إضاعة الوقت والفراغ الذي هو نعمه من نعم الله -جل وعلا- بمثل هذا حسرة وندامة، وقوله: ((كره)) لا يعني أنه كراهية اصطلاحية التي هي مجرد تنزيه لا يترتب عليها إثم، لا، إن كان قيل وقال في حدود المباح يمكن أن يقال هذا؛ لأنه إضاعة للوقت، لكن إن كان قيل وقال وإثارة وإشاعة للإشاعات من أجل بث الذعر بين المسلمين، أو الحط من قيمة بعض الناس، أو رفع شأن لبعض الناس الذين لا يستحقون، فمثل هذا لا يجوز، والكراهة حينئذٍ تكون للتحريم.
стр. 1613
((وكثرة السؤال)) كثرة السؤال إذا كان السؤال في أمور الدنيا الصحابة بايعوا النبي ﵊ أن لا يسألوا أحد، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل من دابته ويأخذه دون أن يقول لفلان من الناس: أعطني السوط، ومن أيسر الأمور أن يجلس الإنسان والشيء بجواره لو مد يده إليه أخذه: قم يا فلان هات مصحف، قم يا فلان هات لي ماء، قم يا فلان .. ، هذا كثرة السؤال، هذا سؤال، لكن الخدمة من غير طلب من الصغير للكبير مطلوبة من غير طلب، فخدمة الصغير للكبير من غير طلب من الكبير لا تدخل في مثل هذا، كثرة السؤال يشمل أيضاً السؤال في مسائل العلم إذا لم يقصد من السؤال التفقه والفائدة، إنما يقصد منه تعجيز المسئول، أو إظهار فضل للسائل؛ لأن بعض الطلاب يعرف الجواب، لكن يسأل لا ليعرف غيره الجواب وإنما ليظهر للحاضرين أنه لديه قدرة وفهم للموضوع، ويستطيع أن يسأل سؤالاً دقيقاً، هذا إذا لم يقصد به إفادة نفسه أو إفادة غيره دخل في هذا، وإن قصد من وراء ذلك تعجيز الشيخ، وإظهار عجزه، وتعالمه على من حضر فالأمر أسوء، وقد جاء النهي عن الأغلوطات، وجاء في قوله -جل وعلا-: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] فقد يسأل الإنسان عن شيء يكون في جوابه ما يسوؤه، وقد سأل الصحابة النبي ﷺ عن بعض الأشياء فقال فلان: من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم قال فلان: من أبي؟ قال: كذا، ثم غضب النبي ﵊ غضباً شديداً، ثم قال: ((سلوني، سلوني)) ليبين ﵊ أن غضبه هذا ليس سببه العجز عن الجواب مثل ما يفعله بعض الناس، بعض الناس إذا سُئل سؤالين غضب وضاق بالسائل ذرعاً؛ لماذا؟ لأنه يخشى أن يرد عليه سؤال لا يعرف جوابه، فالرسول يقول: ((سلوني، سلوني)) فبرك عمر -رضي الله تعالى عنه- بين يدي النبي ﵊ واستعفاه من الأمر، وفرج عنه، المقصود أن مثل هذا الذي يقصد به التعنيت، أو يكون في جوابه ما يسوء السائل، أو يسوء بعض الحاضرين مثل هذا ينهى عنه.
стр. 1614
((وإضاعة المال)) إضاعة المال صرفه فيما لا ينفع في أمر الدين ولا الدنيا هذا إضاعة، هذه إضاعة، فالمال به قوام الحياة، لا يمكن أن يعيش الإنسان ويبقى النوع الإنساني بغير المال؛ لأنه بواسطته يُحصل على الطعام والشراب وغيرها من الضروريات، فكونه يضاع يترتب عليه إما أن يكون عالة على الناس يتكفف الناس، ويقع في السؤال المذموم، أو يعرض نفسه للتلف، أو يعرض نفسه لارتكاب المحرمات من سرقات وغصوب وغيرها، والتسديد والمقاربة هو المطلوب، والتوسط في هذا الباب هو المطلوب ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [(٢٩) سورة الإسراء] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [(٦٧) سورة الفرقان] المقصود أن المطلوب من المسلم أن يتوسط، وكم من إنسان إضاع ماله وبقي ملوماً محسوراً، يحتاج الشيء اليسير ما يجد، وكان عنده من المال الشيء الوفير لكنه ضيعه، واشترى به ما لا يحتاجه فضلاً عن كونه يشتري به ما حرم الله عليه، فهذا يجتمع فيه الأمران، لكن إذا أكثر من شراء ما يمدح به، أو أكثر من الإنفاق في سبيل الله فهل للإنسان أن يتصدق بجميع ماله؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، وحصل هذا من أبي بكر، فإن كان له مصدر يمكن أو يغلب على الظن أنه يقتات منه فلا مانع كما هو شأن أبي بكر، وإلا فالثلث والثلث كثير، كما في حديث سعد.
إضاعة المال لها صور، وأحياناً يتعارض حفظ الوقت مع حفظ المال، فأيهما أغلى في حياة المسلم؟ الآن نضرب مثال يسير والمال الذي يضيع فيه يسير، يقول مثلاً: أنا أذهب إلى المكان الفلاني أو أرجع إلى بيتي لاستفيد من وقتي، ذهبت مع الدائري أحتاج إلى ثلاثين كيلو، ونحتاج من البنزين إلى خمسة ريالات، أو عشرة مثلاً، وإن ذهبت مع وسط البلاد وأمامي عشرين إشارة أصرف ريال واحد بنزين، لكن الدائري اقطعه بربع ساعة، ومع وسط البلد أحتاج إلى نصف ساعة، نقول: تحافظ على المال أو على الوقت؟
طالب:. . . . . . . . .
أيهما أغلى في حياة المسلم؟
طالب:. . . . . . . . .
الوقت أغلى؛ لأن وجوده، وجود الشخص نفسه هو وقته، ولا يعد مضيعاً للمال إذا حرص على حفظ الوقت، نعم.
стр. 1615
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)).
كذا عندك؟
نعم.
بتقديم الحج على الصيام.
طالب:. . . . . . . . .
إيش عندك؟
لا، تقديم الحج المثبت ثم الصوم.
إيش عندك؟
الحج ثم الصوم.
تقديم الحج على الصيام؟
نعم.
следующие страницы →