Полный текст (1 701 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
"وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاءً أدعو به في صلاتي؟ قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) " طلب أبي بكر هذا من النبي ﵊ أن يعلمه هذا الدعاء ليكون جامعاً من جوامع الأدعية، وإلا فقد دعا في صلاة المغرب من غير أن يسأل النبي ﵊، يعني في صلاة المغرب في الركعة الثالثة بعد قراءة الفاتحة يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [(٨) سورة آل عمران] وكما قال أهل العلم القرطبي وغيره قالوا: إن المغرب وتر النهار، والوتر فيه قنوت، فهذا الدعاء في هذه الآية بمنزلة القنوت في الوتر، والخبر موقوف على أبي بكر ﵁، وخرجه الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح.
هنا قال لرسول الله ﷺ : "علمني دعاءً أدعو به في صلاتي؟ قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) " "في صلاتي" يعني في موطن الدعاء من الصلاة، كالسجود مثلاً، وبين السجدتين، وفي آخر الصلاة بعد التشهد، وهذا هو الأقرب لترتيب العلماء، العلماء كلهم يجعلون هذا بعد الصلاة على النبي ﵊، فيجعلونه في آخر الصلاة.
стр. 527
"قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)) " ليس في هذا مستمسك للمبتدعة بوصف أبي بكر الصديق ﵁ بالظلم بإقراره، الرافضة يقولون: ظالم، ظلم فاطمة يقولون هذا، ويقررونه، ويجعلونه من شر الناس بسبب هذا، ويقولون: هو اعترف على نفسه، والنبي ﵊ وجهه إلى هذا الدعاء لأنه ظالم، لكن ما يكتفون بكونه ظالم فقط، وأن النبي ﵊ يعتني به يوجهه إلى هذا الدعاء لأنه مظنة قبول، لا، يخرجونه من الملة بالكلية، ويجعلونه من شر الناس -نسأل الله السلامة والعافية-، وكون الإنسان يعترف على نفسه بالتقصير هذه من المناقب وإلا من المثالب؟ منقبة، والنبي ﵊ يلزم الاستغفار، هل نقول: لأنه مذنب ﵊؟ هذه من المناقب، هذا من الاعتراف وهضم النفس، ولذلك تجدون في منهاج الكرامة لابن المطهر هذا الذي يسمونه ابن المنجس، الذي رد عليه شيخ الإسلام، يقول: أي فرق بين قول عمر: ليتني كنت كبشاً سمنني أهلي فذبحوني وأكلوني، أي فرق بين قول هذا وبين قول الكافر يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [(٤٠) سورة النبأ] ما يفرقون بين كون .. ، لكنه الهوى، هذا الهوى، وإلا لعلي ﵁ وأرضاه- اعترافات مثل هذه، يعني من هضم النفس والانكسار بين يدي الله -جل وعلا-، ورؤية خلاف الأولى بالنسبة لهؤلاء لأنهم قد يقعون فيما هو خلاف الأولى، قد يقعون في مكروه، لكنه بالنسبة لهؤلاء شيء عظيم.
стр. 528
((ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)) وفي رواية: ((كبيراً)) نعم هذا بالنسبة لهؤلاء السادة لا شك أنه كبير كما يقول أهل العلم: "حسنات الأبرار سيئات المقربين" يعني لما يكتفي الأبرار بالجلوس بعد صلاة الصبح، ثم صلاة ركعتين، وينصرفون إلى أعمالهم هذه بالنسبة للمقربين كما يقول ابن القيم في طريق الهجرتين هذا لا شيء بالنسبة لهم؛ لأن المقربين ينصرفون بغير صلاة من المسجد بعد انتشار الشمس؛ لماذا؟ لأنهم ينصرفون إلى عبادات أخرى، هم ملازمون للعبادة، بينما الأبرار يلزمون العبادة وقت، ثم ينصرفون إلى أمور دنياهم، فأبو بكر لما قال له النبي ﵊: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا)) لا شك أن هذا بالنسبة له، وأما بالنسبة لغيره خيراً عظيماً وليس بظلم، وأينا لم يظلم نفسه؟ والظلم نسبي، قد تكون ظالماً لنفسك إذا نمت عن صلاة الفجر، تكون ظالم لنفسك إذا نمت عن قيام الليل، قد تكون ظالم لنفسك إذا قمت عما اعتده من قيام طويل في الليل، فالظلم نسبي، فيكون بترك الواجب وبفعل المحظور، ويكون بترك المندوب، وبفعل المكروه، ويكون أيضاً بالنسبة لبعض الناس بفعل خلاف الأولى، ومثلنا في بعض المناسبات ولعله في هذا الدرس الناس يتفاوتون، فإذا التفت الإمام بعد السلام ورأى شخصين فاتهما على ركعة وركعتين، ينظر إلى أحدهما مسروراً مبتهجاً، وينظر إلى الثاني بشيء من الغضب؛ لماذا؟ لأن هذا الذي فاته ركعة الحمد لله أنه جاء يصلي مع الجماعة هذه نعمة خير عظيم، لكن الثاني طالب علم ويقتدى به، كيف يفوته ركعة من الصلاة؟! ما جاء مع الأذان أو قبل الإقامة، وأدى الرواتب، الناس منازل، فأبو بكر ظلمه الكثير هذا بالنسبة لغيره من أعظم القربات؛ لأن الظلم أينا لم يظلم نفسه، يعني لو أن الإنسان فعل مباح إذا نظرنا إلى أن هذا الوقت الذي فعل به هذا المباح يمكن أن يصرفه بفعل طاعة، نقول: ظلم نفسه، حيث أضاع وقته والعمر عبارة عن .. ، الإنسان كله وجوده عبارة عن عمره وأنفاسه لحظاته التي يكتسب بها ما يقربه إلى الله -جل وعلا-، يعني نقول هذا وإلا أهل السنة -الحمد لله- عاد ما يشكل عليهم، ما في أدنى إشكال عند أهل السنة لكن مثل هذا يمكن الآن مع وصول القنوات
стр. 529
ووصول الشبهات إلى بيوت عوام المسلمين يشكل على بعض العامة.
((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)) لا شك أن المغفرة بيد الله -جل وعلا-، وليس هناك واسطة بين العبد وبين ربه إلا في الشفاعة المثبتة، وأما ما عداها فليس هناك واسطة، وليس هناك صكوك غفران، كما هو عند النصارى، وبعض المبتدعة عندهم نظير صكوك الغفران، بعض الطوائف المبتدعة تأتي بمبلغ من المال وتدفعه إلى رئيسهم، ثم بعد ذلك يضمن لك، وهذا شبيه بفعل النصارى.
((فاغفر لي مغفرة من عندك)) بحيث لا أحتاج إلى غيرك " ((وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) متفق عليه" والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 530
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (١١)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
سم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
باب: صفة الصلاة
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ فقال: ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وعن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ فذكرنا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي: "أنا كنت أحفظكم لصلاة النبي ﷺ رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته" رواه البخاري.
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً))
والأرضَ، السماوات والأرضَ منصوب.
نعم.
стр. 531
قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من أول المسلمين)).
وأنا، وأنا.
أول يا شيخ.
إما من المسلمين أو أول المسلمين، يعني الجمع بينهما في سياق واحد خطأ، نعم الجمع بينهما في سياق واحد خطأ، فإما أن يقال: وأنا من المسلمين كما هو الواقع، أو يقال: وأنا أول المسلمين كما في القرآن، نعم.
((وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)) وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)) وإذا رفع قال: ((اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد)) وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)) ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت)) رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيراً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي، وهذا لفظه من رواية جعفر بن سليمان، وقد احتج به مسلم عن علي بن علي الرفاعي وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد.
стр. 532
وقال الترمذي: وقد تكلم في إسناده كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وقال أبو داود: هذا الحديث يقولون هو عن علي بن علي بن الحسن ﵀، والوهم من جعفر.
وعن عبدة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ذكره مسلم في صحيحه؛ لأنه سمعه مع غيره، وليس هو على شرطه، فإن عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، بل ولم يسمع من ابنه إنما رواه.
رآه، رآه.
إنما رآه رؤية. وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأسود عن عمر أنه كان يقول هؤلاء الكلمات. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن استفتاح الصلاة فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر، وقد روى فيه من وجوه ليست بذاك.
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةِ بالحمد لله رب العالمين.
القراءةَ.
كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةَ بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم. رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
يكفي، بركة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: صفة الصلاة
стр. 533
يعني ما ورد في وصفها من فعله ﵊ ومن قوله، فقد صلى ﵊ الصلاة الكاملة التي أمر بإقامتها، وقال ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فلا بد أن يكون عمل المسلم موافقاً لما جاء عن النبي ﵊، وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، فعلى المسلم أن يعنى بها، ويهتم بها، ومع الأسف أننا قد نجد من طلاب العلم من يعرف السنة، ويعرف صنيعه ﵊، ويعرف ما جاء من قوله في بيان وصفة هذه الصلاة، ثم بعد ذلك لا يكترث ولا يهتم، ووجدنا من طلاب الحديث بل من معلمي الحديث من لا يهتم بها، يدرس هذه الأحاديث ثم بعد ذلك إذا صلى تجد عليه ملاحظات، بدءاً من التكبير إلى التسليم، يعني الحركات كثير من الناس يغفل عن الصلاة وهذا خلل لا شك، وقد يتحرك كحك جلده، أو ما أشبه ذلك، أو يعبث بثوبه أو بساعته، أو ما أشبه ذلك هذه غفلة لا شك، وعلى الإنسان أن يهتم بصلاته، لكن يعرف أنه جاء عن النبي ﵊ صفة معينة للتكبير ولرفع اليدين، وصفة للركوع، وصفة لوضع القدمين، سواءً كانت في حال القيام أو في الجلوس أو في السجود، ثم بعد ذلك لا يطبق مثل هذه الأمور مع أن تطبيقها ميسور، ولو اعتاد ذلك لاستمر عليه، لكن تجد عدم الاهتمام، وبعض الناس يحرص على السنة، ويطبق السنة، هذا بالنسبة لمن يجهل السنة عليه أن يتعلم، ثم بعض الناس يحرص على تعلم السنة فيتعلم، ويحرص على التطبيق فيطبق، لكنه لا يفقه كيف يطبق هذه السنة، فتجده يحرص على المجافاة، ويجافي يديه عن جنبيه، وإن كان وسط صف مزدحم، ثم بعد ذلك يسيء إلى من بجانبه أو بجانبيه هذا جهل بفقه التطبيق، هو فقه وطبق، لكن كيف يطبق في صف متراص؟! إذا صلى إماماً أو صلى منفرداً يجافي، أو وجد فرصة للمجافاة يجافي، لكن مع ذلك إذا لم يجد فرصة كيف يجافي؟ لا يمكن أن يفعل ذلك إلا بأذية من بجانبيه، وقل مثل هذا في بعض السنن في إلصاق القدمين مثلاً، تجد بعض الناس يزاحم مزاحمة شديدة بحيث يسعى إلى إبطال صلاة من بجانبه سواءً كانت إبطالاً حسياً أو معنوياً، يعني خلل في خشوعها والالتفات إليها، وبعض الناس من حرصه يطأ رجل
стр. 534
من بجانبه، ويظن أن السنة لا تتحقق إلا بهذا، هذا خلل، هذا خطأ في فقه التطبيق، على الإنسان أن يرفق بنفسه ويرفق بغيره؛ ليكون قدوة لغيره، فدين الله بين الغالي والجافي من الناس من لا يكترث مع علمه بالسنة، ومن الناس من يحرص الحرص الشديد على التطبيق حتى يخرج عن السنة، فلا بد أن ننظر إلى مثل هذه الأمور بدقة، ونعلم أن الدين وسط بين الغالي والجافي بعض الناس لا تستطيع أن تسحب رجلك من تحت رجله، وهذا حاصل يا الإخوان، كل هذا الدافع إليه الحرص ما يُشك في مثل هذا، لكن هذه ليست هذه هي السنة، المقصود أن علينا أن نتفقه في دين الله ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) ثم بعد ذلك علينا إذا فقهنا أن نطبق، لا يكون علمنا كالشجر الذي لا ثمرة عليه، مجرد زينة يتزين به في المجالس، فإذا جاء التطبيق تخلف، إنما العلم يراد للعمل، فننتبه لهذا، ورأينا ممن هو متخصص في السنة ويدرس السنة في الأقسام الشرعية، ومع ذلك إذا كبر رفع يديه رفعاً يشبه العبث، وإذا جلس إما للتشهد أو بين السجدتين جلس جلسة لم يرد بها نص، افترش بالعكس فرش اليمنى ونصب اليسرى، هذا موجود أو جعل الرجلين خارجتين عن بدنه وأجلس مقعدته على الأرض أو العكس، أو أطلع الرجلين من جهة اليمين أو الشمال، هذا موجود مع الأسف، وكل هذا يدل على عدم اكتراث وعدم اهتمام، فعلينا أن نهتم لصلاتنا هذه التي هي رأس مال المسلم بعد الشهادتين، وليس للإنسان إلا ما عقل، والعمل إذا لم تتم المتابعة فيه رد على صاحبه؛ لأن المتابعة شرط للقبول، فإذا تعلمنا مثل هذا الباب علينا أن نطبق، وأهل العلم ما قصروا، ألفوا في صفة صلاة النبي ﵊ وكتبوا وسجلت لهم الأشرطة، وكل له اجتهاد، وقد يكون اجتهاد هذا يخالف اجتهاد هذا، لكن الأمر الذي يتفق عليه لا بد من فعله، وما يؤيده النص لا بد من فعله، النبي ﵊ قال للمسيء: ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) كما في الحديث الأول يقول ﵀: "عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء يعني إلى النبي ﵊ هذا الرجل عُرف بالمسيء في صلاته، واسمه: خلاد
стр. 535
بن رافع، وحديثه أصل في هذا الباب، أصل في صفة الصلاة، حتى قال بعض العلماء: إن جميع ما فيه واجب، وما لم يذكر فيه ليس بواجب، جميع ما ذكر فيه واجب لأنه جاء بصيغة الأمر، وما ليس فيه ليس بواجب لأنه في مقام البيان في وقت الحاجة ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان ما يخرج عن هذا الحديث أو ما وجد في غيره واجباً لبينه لهذا المسيء الجاهل المحتاج إلى البيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز مع أنه قد يأتي أوامر زائدة على ما تقدم، يكون في وقت الإرشاد لهذا المسيء هذا هو الواجب، ثم يزاد على ذلك بما جاء بعده من نصوص، وهذا هو المتجه لأنه وجد واجبات في الصلاة لم تذكر في حديث المسيء، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
"أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء الرجل" وعرفنا اسمه "فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇" رد النبي ﵊ ﵇ "فقال: ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) " ما قال: إني صليت يا رسول الله؛ لأن النبي ﵊ يراه، ومطلع عليه، وهو يعرف ذلك، ما قال: إني صليت.
((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) فالمنفي هنا لم تصلِ الحقيقة الشرعية للصلاة، أما لو يقول قائل: إنه صلى صلاة صورة الصلاة موجودة ركع وسجد إنما حقيقة الصلاة الشرعية منتفية، فنفاها عنه النبي ﵊ ((فإنك لم تصل)) فصلى ثم جاء مرة ثانية، فسلم على النبي ﷺ ، وعلى هذا لا يكتفى بالسلام الأول إذا غاب الإنسان ثم رجع إلى مكانه وفيه أناس يسلم عليهم.
"فسلم على النبي ﵊" هل رد ﵇ أو ما رد؟ في المرة الأولى رد، فرد ﵇، في الموضع الثاني لا بد من الرد، لا بد من رد التحية إما بأحسن منها أو بمثلها على الأقل، والأدلة تدل على أنه رد ﵊ وإن لم ينقل، وقد يوجد في بعض الروايات الرد صريحاً.
стр. 536
المقصود أن مثل هذا لا يدل على أن الإنسان إذا سلم ثانية ما يرد عليه؛ لأنه في الأولى صرح، فرد ﵇ في الثانية، فسلم على النبي ﵊ ما نقل أنه رد في هذه الرواية، لكن لا يعني أنه لم يرد حقيقة؛ لأن ما ثبت بالنصوص وسكت عنه في بعض المواضع يحمل على أنه حصل، يعني مثل ما سبق أن ذكرناه من أن النبي ﵊ جاءته أم هانئ وهو يغتسل، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ((من؟ )) قالت: أم هانئ، فقال: ((مرحباً بأم هانئ)) من أهل العلم من يقول: إنه ما رد السلام عليها، إنما اكتفى بقوله: ((مرحباً)) ومالوا إلى أن هذه تكفي في رد التحية، وسلمت فاطمة بنت النبي ﵊ ورضي عنها، فقال: ((مرحباً بابنتي)) وما قال: وعليك السلام، فمن أهل العلم من يرى أن مرحباً تكفي في رد التحية، والأصل أنه رد ﵊ لأن أقل الأحوال أن ترد، وردها يكون بلفظها ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [(٨٦) سورة النساء] يعني أقل الأحوال أن ترد بمثلها.
стр. 537
"فسلم على النبي ﵊ فقال: ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) ثلاثاً" ردده ثلاثاً؛ لماذا؟ يعني صلى أول مرة فأمر بالإعادة، ثم صلى ثانية فأمر بالإعادة، ثم صلى ثالثة ثم عُلّم، بعد أن قال: "والذي بعثك في الحق ما أحسن غير هذا فعلمني" هل يظن أن الرسول ﵊ لا يعرف واقع هذا الرجل وأنه لا يحسن الصلاة لما صلى أمامه مرة ومرتين وثلاث أيضاً؟ ما علمه حتى قال: "والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني" التكرار هذا والترديد من أجل إيش؟ من أجل أن يرسخ ويثبت التعليم في نفسه ليكون له ولغيره، يعني على سبيل المثال لو أن مديراً في دائرة أمر الناسخ أن ينسخ خطاب، فجاء الخطاب من الناسخ إلى المدير فيه خاء معجمة أو جيم فكتبها الناسخ حاء بدون نقطة، إما فوقية أو تحتية من اليسير على المدير أن يأخذ القلم الأسود ويضع هذه النقطة، لكن أفضل من هذا أن يقول: أعيدوه إلى الناسخ ليضع النقطة بنفسه؛ لماذا؟ من أجل أن يهتم لغيره من الخطابات، فإذا كان هذا في أمور الدنيا فكيف بأمور الدين؟ لا بد أن يغرس العلم في نفوس الناس بمثل هذه الطريقة، ردده النبي ﵊ ثلاثاً، هل المقصد من هذا أن يعذبه النبي ﵊، ويكلفه ويؤخر عليه، ويأخذ جزءاً من وقته بغير فائدة؟ ((ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ)) الفائدة المرجوة عظمى وجلى ثلاث مرات من أجل إيش؟ خلاص لن يخطئ بقية عمره، الأمور التي تؤخذ بسهولة تفقد بسهولة، لكن الأمور التي تؤخذ بمعاناة لا تفقد، وهكذا ينبغي أن يكون التعليم ينشأ عن شيء من المعاناة، ولذا يوصى طلاب العلم أن يهتموا بالكتب بالمتون المتينة الصعبة التي في معاناتها كلفة ومشقة لا لذات المشقة، وإنما العلم يثبت بهذه الطريقة، يعني هناك كتب أُلفت للعوام وللمثقفين يفهمونها كتبت بأسلوب سهل، لكن لا ينبغي أن يربى عليها طالب علم، النبي ﵊ ردده ثلاثاً: ((صلِ فإنك لم تصلِ)).
стр. 538
"فقال: والذي بعثك في الحق ما أحسن غيره فعلمني، قال ﵊: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)) " وقمت هنا أردت القيام، كما في قول الله -جل وعلا-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [(٦) سورة المائدة] يعني إذا أردتم القيام؛ لأن الفعل -وهذا مر بنا مراراً- الفعل الماضي الأصل فيه الفراغ منه، ويطلق ويراد به الشروع فيه لا الفراغ منه، كما سيأتي في الحديث، حديث أبي مسعود: ((إذا كبر فكبروا)) يعني إذا فرغ ((إذا ركع فاركعوا)) يعني إذا شرع في الركوع لا إذا فرغ منه، فعندنا ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [(٦) سورة المائدة] إذا أردت القيام، إذا أردت الصلاة ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [(٩٨) سورة النحل] يعني أردت القراءة، يطلق الفعل الماضي ويراد به الإرادة، ويطلق ويراد به الشروع في الفعل ((إذا ركع فاركعوا)) على ما سيأتي، هل معناه إذا أراد الركوع؟ نعم؟ هل معناه إذا أراد الركوع؟ يعني ركع قبله مجرد إرادته؟ لا ليس المراد به إذا أراد الركوع، وليس المراد به إذا فرع من الركوع كما هو الأصل في الماضي، إنما يراد به إذا شرع في الركوع، يعني بدأ الركوع، وليس المراد به إذا شرع في الهوي إلى الركوع، يعني باشر الركوع اركع.
стр. 539
حديث مصحح عند جمع من أهل العلم أن النبي ﵊ زوج رجلاً بخاتم من حديد، ذكره الحافظ، وقال: إنه جزء من حديث الواهبة، زوج رجلاً بخاتم من حديد، وقال: إنه جزء من حديث الواهبة، هل يصح مثل هذا الكلام؟ النبي زوجه بالخاتم أو قال: ((التمس ولو خاتماً)) فقال: لم أجد ولا خاتماً من حديد، هل يكون النبي ﵊ زوجه بخاتم؟ نعم؟ إنما زوجه بما معه من القرآن، لا بد من حمل اللفظ على وجه يصح، أراد أن يزوجه على خاتم من حديد؛ ليستقيم الكلام؛ لأن الخبر مصحح، وهو جزء من حديث الواهبة، لكن لا يمكن أن يصح إلا أن يحمل على الإرادة، أراد أن يزوجه بخاتم من حديد، وهنا: ((إذا قمت إلى الصلاة)) يعني إذا أردت القيام هل معنى هذا أننا إذا سمعنا الإقامة كل واحد معه إداوة ويتوضأ في الصف بعد ما يقوم إلى الصلاة؟ هل يقول بهذا أحد؟ لا يمكن، وإن كانت الآية وجهت ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [(٦) سورة المائدة] يعني من النوم ﴿فاغْسِلُواْ﴾ [(٦) سورة المائدة] ليس المراد منها إذا قمتم في الصف، على كل حال هذا تقدم.
يقول: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)) أسبغ الوضوء أمر، المقام مقام تعليم للصلاة، والوضوء شرط من شروطها.
((ثم استقبل القبلة)) أيضاً شرط من شروط الصلاة، بقية الشروط التسعة تحتاج إلى تنبيه أو لا تحتاج إلى تنبيه؟ المقام مقام بيان قال له: أسبغ الوضوء، يعني شخص صلى هذه الصلاة الباطلة ألا يتوقع أنه لا يحسن الوضوء؟ وأما بقية الشروط فإنه مسلم، إسلام وعقل وتمييز هذا موجود، ستر العورة تُرى، يعني هذا ساتر عورته بلا شك؛ لأنه لو لم يستر عورته لنبهه النبي ﵊، النية، ما جاء إلا ليصلي هذه هي النية قصد الصلاة، بقي استقبال القبلة الوضوء منصوص عليه، بقي دخول الوقت، يعني هل صلى قبل الوقت أو هذه نافلة؟ مثل هذا الاحتمال قائم أنها نافلة، ما تحتاج إلى دخول وقت، بدليل أنهم لا يفرطون بالصلاة خلفه ﵊، وهذا صلى منفرد.
إزالة النجاسة الأصل أنها عدمية لا ينص عليها إلا إذا وجدت.
стр. 540
((أسبغ الوضوء)) خفي عليه ما يرى الناس يفعلونه وهو الصلاة، فلأن يخفى عليه إسباغ الوضوء وإتمامه وإكماله من باب أولى، فالصلاة لا تقبل بغير طهور.
((ثم استقبل القبلة)) أمره بإسباغ الوضوء ظاهر؛ لأن شخصاً لا يحسن أن يصلي الاحتمال القوي أنه لا يحسن أن يتوضأ، لكن ماذا عن ((ثم استقبل القبلة)) هل رآه النبي ﷺ يصلي إلى غير القبلة فقال له: استقبل القبلة؟ وإن كان رآه يصلي مستقبلاً القبلة فهذا مثل ستر العورة رآه ستر عورته ما نص عليها.
((ثم استقبل القبلة فكبر)) لماذا نص على استقبال القبلة دون ستر العورة ودون بقية الشروط؛ لماذا؟ هل نقول: إن هذا الشخص صلى إلى غير القبلة؟ نعم وإن كان في مسجد فقد يذهل الإنسان من هيبة من أمامه ويصلي إلى غير القبلة، وحصل ثلاث مرات، أو أربع من دخل المسجد ونحن في درس مثل هذا فصلى إلى جهة الشرق لا إلى القبلة، ما هو بشخص واحد أربعة أشخاص، يعني قد يغفل الإنسان وهو يصلي ثم ينبه، فمثل هذا ألا ينبه من أول الأمر؟ وإذا قلنا: مثل هذا ينبه من أول الأمر لماذا ما نبه على الخلل في صلاته من أول الأمر من الركوع؟ لأنه لم يطمئن لا في قيامه ولا في ركوعه ولا .. ، على كل حال مثل هذا يترك كما فعل النبي ﵊ حتى ينتهي ثم يُعلم ليرسخ كما تقدم، وأما بالنسبة لاستقبال القبلة فما أدري ما سبب التنصيص عليها.
((فكبر)) والمراد بالتكبير هنا المأمور به تكبيرة الإحرام، وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، وعند الحنفية التكبير شرط، تكبيرة الإحرام شرط وليست بركن، الجمهور الأئمة الثلاثة وأتباعهم يقولون: ركن من أركان الصلاة، والحنفية يقولون: شرط، والفرق بين القولين، ثمرة الخلاف، له ثمرة وإلا ما له ثمرة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب: لو تركه ....
لو ترك التكبير تصح الصلاة وإلا ما تصح؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
عند من؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا الشرط لو ترك الوضوء تصح؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 541
يعني يفرق بينهما أن الشرط خارج الماهية، والركن داخل الماهية، لكن هل لهذا الخلاف من ثمرة تبطل الصلاة إذا ترك التكبير عند الجمهور وعند الحنفية، تبطل الصلاة، إذاً ما الفائدة؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
لا ما يستطيع، يعني يستطيع أن يتوضأ في البيت ويأتي إلى المسجد؛ لأن الوضوء شرط خارج الماهية فهل يستطيع أن يكبر في البيت ويجي يصلي كالوضوء؟ لا، لا يجيزون الفصل بين التكبيرة والصلاة، وإن كانت خارج الماهية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
بعد إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
على القولين، لا بد من الإعادة على القولين، حتى عند الحنفية لا بد من الإعادة، الشرط خارج الماهية والركن داخل الماهية.
يقولون: من فوائد الخلاف لو افترضنا أن هذا الجرم متنجس، ثم حمله المصلي بيده قائلاً: الله أكبر، وضعه مع نهاية التكبير، الصلاة صحيحة وإلا باطلة؟ عند الجمهور؟
طالب:. . . . . . . . .
عند الجمهور؟
طالب: لا ما تصح ...
باطلة؛ لأنه حمل النجاسة في داخل الصلاة، وعند الحنفية الصلاة صحيحة لأنه حمل النجاسة خارج الصلاة، أيضاً لو كبر ثم بعد مع نهاية التكبير غير النية من فرض إلى نفل أو العكس، يعني هذه أمور وإن كانت سريعة إلا أنها متصورة، فغير النية عند الجمهور إن غير المفترض المنفرد نيته إلى نفل في وقت متسع يجوز، لكن لا يجوز العكس، عند الحنفية يجوز هذا وهذا لأن تكبيرة الإحرام شرط تصلح للفرض وتصلح للنفل مثل الوضوء، فإذا غير نيته مع نهاية التكبير صح عند الحنفية ولم يصح عند الجمهور.
على كل حال تكبيرة الإحرام بهذه المثابة لا تصح الصلاة إلا بها، سواءً قلنا: ركن وهو المتجه، أو قلنا: شرط كقول الحنفية فلا تصح الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام.
وصفتها أن يقول: الله أكبر، بهذا اللفظ فلا تصح بغيره، لا يصح أن يقال: الله الأعظم، الله الأجل، الله الكبير، حتى لو قال: الله الكبير ما صحت، لا بد أن يأتي بهذا اللفظ: الله أكبر.
стр. 542
((فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) هذا الإجمال ما تيسر يصدق بالفاتحة، ويصدق بسورة الإخلاص، ويصدق بغيرهما، ويصدق بآيات من سورة، هذا ما تيسر، لكن هذا المجمل بُيّن بحديث عبادة بن الصامت الآتي: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) هل نقول: إن السبب في توجيه المسيء إلى ما تيسر معه من القرآن دون التنصيص على الفاتحة مراعاة لحاله أنه إذا كان بهذه المثابة من الجهل فقد يصعب عليه إلزامه بالفاتحة، فيترك الاختيار له، اقرأ ما تيسر معك، وفي حكمه من يصعب عليه تعلم الفاتحة، وأهل العلم يقولون: إن من صعب عليه تعلم الفاتحة ويحفظ غيرها يقرأ بمقدارها من القرآن، وإذا عجز عن القرآن لا الفاتحة ولا غير الفاتحة فإنه يجزئه الذكر: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، إذا عجز عن تعلم الفاتحة.
طيب عجز لأنه كبرت سنه مع غفلة في صباه عن التعلم فمعروف كبار السن يصعب عليهم الحفظ، فقد يعجز عن الفاتحة ويحفظ غيرها، وقد يعجز عن الفاتحة وغيرها، مثل هذا يوجه إلى الذكر، إذا كان العجز لا بسبب عدم الحفظ فهل يوجه إلى الذكر وإلا لا؟ هو حافظ الفاتحة، وقد يكون حافظاً للقرآن كاملاً، لكنه عجز أن يقرأ الفاتحة، وهذا يحصل خلف الإمام إذا كان يجهر في قراءته، على المأموم أن يقرأ يعني المرجح أن الفاتحة ركن في الصلاة لكل مصل إلا المسبوق على ما سيأتي في حديث عبادة -إن شاء الله تعالى-.
خلف الإمام بعض الناس لا يستطيع أن يقرأ، يستطيع أن يقرأ وإلا ما يستطيع؟ بعض الناس ما يستطيع القراءة، إذا شوش عليه بأدنى تشويش ارتج عليه، مثل هذا نقول له: سبح واحمد وهلل بدلاً عن الفاتحة التي لم تستطعها وإلا لا؟ عرفنا أن الفاتحة لها بدل عند العجز، يقال له: اقرأ ما تيسر من القرآن ما دام عجزت عن الفاتحة، عجزت عن شيء من القرآن سبح وكبر وهلل واحمد الله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
стр. 543
شخص يقول: أنا خلف الإمام، أنا حافظ القرآن كاملاً، لكن خلف الإمام لا أستطيع أن أقرأ، وهذا النوع موجود وليست دعوى هذا صحيح، بعض الناس ما يستطيع يقرأ، إذا شوش عليه، هل نقول: عليك بالبدل وهو التسبيح والتحميد والتهليل؟ أو نقول: ما دمت مأموماً فلا تفعل إلا بفاتحة الكتاب: ((ما لي أنازع القرآن)) ((علكم تقرؤون خلف إمامكم؟ )) قالوا: نعم، قال: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب)) فعلى هذا لا يوجه إلى البدل ولو عجز عن قراءة الفاتحة، يكون عجزه عن قراءة الفاتحة كعجزه عن القيام يسقط عنه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، المسألة متصورة وإلا ما هي متصورة؟
((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)) تكبيرة الإحرام ركن، إسباغ الوضوء والمراد به الوضوء المجزئ شرط لصحة الصلاة، وإسباغه القدر الزائد عن الواجب مستحب كالغسلة الثانية والثالثة، واستقبال القبلة شرط، وتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، قراءة القرآن في الصلاة ركن، لا سيما الفاتحة عند الجمهور، والخلاف فيها سيأتي في حديث عبادة -إن شاء الله تعالى-.
((ثم اركع)) الركوع ركن من أركان الصلاة ((حتى تطمئن راكعاً)) الطمأنينة في جميع الأركان ركن من أركان الصلاة، والطمأنينة هي السبب في كونه لم يصل، في بطلان صلاته، وصحت نفي الصلاة وإن كانت الصورة موجودة؛ لأنه لم يطمئن في صلاته، ولذلك نبه على الطمأنينة في جميع الأركان.
((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع)) يعني من الركوع.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ المراد بالطمأنينة ... ؟
سيأتي أنه حتى يعود كل فقار إلى مكانه، يطمئن ويأتي في حديث أبي حميد: ثم هصر ظهره، لم يرفع رأسه لم يشخص رأسه ولم يصوبه، المقصود أنه يتمكن من التسبيح ولو مرة بطمأنينة، يعني يأتي بأقل الواجب.
стр. 544
((ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)) وبعض من ينتسب إلى مذهب الإمام أبي حنيفة هل يعتدلون قياماً أو مجرد ما يرفع رأسه من الركوع يهوي إلى السجود؟ وكذلك بين السجدتين؟ وهل الإمام يصحح مثل هذه الصلاة؟ نعم يذكر في مذهب أبي حنيفة في كتب متأخريهم أن الطمأنينة ليست بركن، لكن هل يعني كونها ليست بركن أن النقر جائز عند الإمام؟ والمناظرة التي حصلت بين يدي محمود بن سبكتكين بين شافعي وحنفي محمود كان حنفياً وبعد المناظرة صار شافعياً؛ لأن الشافعي وأظنه القفال جاء بجلد ميتة غير مدبوغ، به قطع من اللحم والشحم، فوضعه فوق ظهره فانهالت عليه الحشرات، الذبان وغير الذبان، قبل ذلك توضأ بنبيذ والنبيذ حلو تجتمع عليه الحشرات، ثم جاء بهذا الجلد، ثم بعد ذلك نقر نقرتين ولم يقرأ فاتحة ولا غير الفاتحة إنما قال: الله الأعز، دو سبز وركع، من غير تكبير ولا غيره، ثم نقر ركعتين، ثم بعد ذلك في آخر صلاته أحدث، بهذه الطريقة استطاع أن يحول السلطان من مذهب أبي حنيفة على مذهب الشافعي، لكن هذه الأمور مجتمعة هل يصححها أبو حنيفة أو غير أبي حنيفة ممن له أدنى ذرة من تدين؟ لكن هذه إلزامات، ولازم المذهب ليس بمذهب، وبعضهم يريد أن يجعل هذه الصورة من الصلاة أفضل من غيرها، يقول: توضأ بنبيذ صاحب دائرة معارف القرن العشرين يقول: نعم توضأ بنبيذ ثم ماذا؟ النبيذ فيه كحول والكحول مطهر زيادة على تطهير الماء ويش المانع؟ وأخذ يفصل في هذه الصورة، المقصود أن هل الإمام أبو حنيفة حينما يذكر عنه أن الطمأنينة ليست بركن أن مثل هذه الصلاة تصح؟ لا يمكن أن يقوله أبو حنيفة، أبو حنيفة أتقى لله من أن يقول مثل هذا الكلام وأورع، الرجل عابد، يعني ليس بإنسان عادي، يعني ليس بفقيه مجرد.
стр. 545
هذه الإلزامات يجعلها بعض المتعصبة -متعصبة المذاهب- تحرف الناس إلى مذهبه، وإلا ففي مثل هذه المناظرة لا داعي لها، يعني إذا مر قول لإمام من العلماء من أهل العلم خلاف الدليل، أو خلاف الصواب ينبه عليه، أما أن تُجمع مساوئ مذهب من المذاهب، وتفرد على حدة مثل هذه الصلاة هذا لا يجوز بحال، يعني هذا غمط الناس، أين المحاسن في مذهب أبي حنيفة؟! وكل مذهب له وعليه، يعني في أقوال راجحة وفي أقوال مرجوحة، يعني لو جمعت الأقوال المرجوحة في مذهب مالك مثلاً، وجمعت الأقوال المرجوحة في مذهب أبي حنيفة والأقوال المرجوحة في مذهب الشافعي، والأقوال المرجوحة في مذهب أحمد، وذكرت مع كل قول من هذه الأقوال المرجوحة الدليل الصحيح الذي يدل على خلاف ما ذهبوا إليه معناه أنك زهدت الناس في هؤلاء الأئمة، زهدتهم يتبعون من؟ يعني هل يستقيم للعامي أن يتفقه من النصوص؟ العامي فرضه التقليد، لا بد أن يتبع إمام تبرأ الذمة بتقليده، فإذا أبرزت مساوئ المذهب الحنفي مع مساوئ المذهب المالكي وصنفت في مجلد، معنى هذا تنفير من الأئمة، ومثل هذا يقال في المصنفات التي عم نفعها، وفيها شيء من الملاحظات.
يعني على سبيل المثال فتح الباري أو تفسير القرطبي أو شرح النووي أو غير ذلك فيها مخالفات عقدية، لكن لو أبرزت هذا مجلد وهذا مجلد وهذا مجلد حشي عليها وعلق عليها وطلعت في مجلدات معناه أننا نصرف الناس عن كتب العلم النافعة، لكن لا يمنع أنك تقرأ القرطبي وتعلق عليه، تقول: هذا الكلام مخالف لما عليه سلف الأمة وأئمتها، وتعلق على فتح الباري، وتعلق على النووي، الحق أولى من هؤلاء، لكن إبراز مثل هذه الأمور لآحاد الطلبة لا شك أنه يصرف هؤلاء الطلاب عن هذه الكتب النافعة، ثم بعد ذلك ما الذي يسلم لنا، نعم إذا كان هناك كتاب ضرره أكثر من نفعه على طلاب العلم مثل هذا يحذر منه، ويش المانع أن يصنف في اعتزاليات الزمخشري؟ لأن طالب العلم لو من حين بدأ يطلب العلم إلى أن مات ما رجع إلى تفسير الزمخشري ما يضره شيء، ولا ينقصه من العلم شيء، وقل مثل هذا في الرازي، والكتب التي ضررها أكثر من نفعها، بينما الكتب النافعة، وفيها ملاحظات ما تبرز مساوئها بهذه الطريقة.
стр. 546
الذي جرنا إلى الكلام ((حتى تطمئن راكعاً)) وما يذكر عن الحنفية أن الطمأنينة ليست بركن، ولذا نجد بعض أتباع أبي حنيفة لا سيما من العامة من الوافدين من شرق آسيا من البلاد الشرقية من المسلمين تجدهم على هذه الطريقة إذا رفع رأسه من الركوع سجد مباشرة، بل لا يكمل الرفع، في أثناء الرفع يسجد، وكذلك بين السجدتين.
في رسالة الشيخ عبد الله ابن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب إلى أهل مكة قال الشيخ ﵀: "ونصلي خلف الشافعي الذي يجهر بالبسملة، ويقنت في صلاة الصبح، ولا نصلي خلف الحنفي الذي لا يطمئن في صلاته" يعني فرق بين هذا وهذا، يعني صلاة هذا الشافعي صلاته صحيحة، وله أدلته، وإن كان القول مرجوح، لكن ما يمكن تبطل الصلاة بمثل هذا، بينما الطمأنينة ركن تبطل الصلاة بتركها.
((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) الآن ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) يعني بين السجدتين، ثم اسجد السجدة الثانية حتى تطمئن ساجداً ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) طيب ما هذه الجلسة؟
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني تمت السجدتان وبعدهما جلسة، هل نقول: إن هذه جلسة التشهد، والنبي ﵊ بين له ركعة واحدة، ثم قال له: ((افعل ذلك في صلاتك كلها)) على كل حال أصل المحرر ليس فيه هذه الجملة، لكنها زيادة من نسخة من النسخ، وهي موافقة لما في الصحيح، وحديث المسيء في باب في كتاب الاستئذان من صحيح البخاري فيه التنصيص على جلسة التي يسميها بعض العلماء الاستراحة، وفعلها النبي ﵊ فدل على أنها سنة مطلقاً.
стр. 547
أما القول بأنها تفعل إذا احتيج إليها فالحاجة إلى تركها أقوى من الحاجة إلى فعلها، يعني الإنسان إذا كبر وبدن قد يحتاج إلى تركها ما يحتاج إلى فعلها لأنها زيادة كلفة وزيادة عناء، تعرفون كبار السن والذين في ركبهم شيء من المرض أو الألم لا يستطيع أن يثني رجليه، فتجده من السجود فوراً يقوم، لا يستطيع أن يجلس، وإذا جلس بين السجدتين فبكلفة ومشقة، فإذا قيل له: أنت احتجت الآن لجلسة الاستراحة استرح بعد السجدة، هذه زيادة تكليف عليه، فالحاجة إلى تركها أدعى من الحاجة إلى فعلها، مع المرض، مع الحاجة، مع كبار السن، فالقول بأنها تفعل عند الحاجة إليها لا وجه له، وقد ثبتت من فعله ﵊ من حديث مالك بن الحويرث، وثبتت في حديث المسيء، وثبتت أيضاً في بعض طرق حديث أبي حميد، كما نص على ذلك ابن القيم وابن حجر في التلخيص، فالقول بها أنها سنة مطلقاً.
((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) يعني هل يقال في الركعة الثانية: يكبر تكبيرة الإحرام لأنه قال له: كبر؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، تكبيرة الإحرام إنما هي لافتتاح الصلاة، ولم يقل أحد بأنها لكل ركعة، إنما الذي يفصل بين الركعتين الأولى والثانية تكبيرة الانتقال، يكبر كان يكبر ﵊ عند كل خفض ورفع، هذه تكبيرة الانتقال.
((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) كبر تكبيرة الإحرام عند الشروع في الصلاة، ثم اقرأ ما تيسر معك في الركعة الأولى والركعة الثانية والركعة الثالثة والركعة الرابعة، فلا تجزئ قراءة الركعة الأولى عن الثانية والثالثة إلى آخره؛ للأمر هنا: ((افعل ذلك في صلاتك كلها)) ثم اركع في الركعة الثانية كما ركعت في الركعة الأولى، وفي الثالثة كما ركعت في الركعتين إلى آخره، ثم ارفع كذلك، ثم اسجد كذلك إلى آخر الصلاة.
((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
ثم قال ﵀:
стр. 548
"وعن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ فذكرنا صلاة النبي ﷺ " فذكرنا، أنه فذكرنا، كيف؟ كيف تستقيم العبارة؟ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ فذكرنا صلاة النبي –﵊.
طالب: تداخل يا شيخ.
إيه، لكن كيف يتفق "فذكرنا" متكلم "أنه كان"؟ أنه كان، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان، يعني هل القائل: إنه كان نفسه محمد بن عمرو بن عطاء ليصح أن يقول: فذكرنا؟ من القائل: إنه كان جالساً؟ نعم؟ الراوي عنه؟ الراوي عنه لا يمكن أن يقول: فذكرنا صلاة النبي ﵊، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يصير تلفيق هذا، يضطرب الكلام بهذه الطريقة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، نريد أن نتعامل مع النص الذي معنا، خل الروايات الثانية الصريحة اللي ما فيها إشكال، نريد كيف نستقيم مثل هذا السياق الذي ساقه ابن عبد الهادي وهو إمام، إمام محدث ما يأتي بمثل هذا عبثاً.
تعرفون شيئاً يقال له: التجريد؟ شيء يقال له: التجريد؟ لا أعني التجريد الصريح، لا، تجريد، نعم، يجرد من نفسه شخصاً يتحدث عنه، فكأن المتحدث هو محمد بن عمرو بن عطاء جرد من نفسه شخصاً أنه كان جالساً مع نفر تحدث عنه بأنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﵊، قال: فذكرنا صلاة النبي وهو المتحدث أولاً وآخراً.
نظير ذلك ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى النبي ﷺ رهطاً وسعد جالس، فقلت: ما لك عن فلان يا رسول الله إني لأراه مؤمناً؟ فقال النبي ﵊: ((أو مسلماً؟ )) أعطى رهطاً وسعد جالس، عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﵊ أعطى رهطاً وسعد جالس، يعني سعد جرد من نفسه شخص آخر يتحدث عنه، فقلت: ما لك عن فلان؟ وهنا نفس الكلام عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﵊ فذكرنا صلاة النبي ﵊، فقال أبو حميد الساعدي: "أنا كنت" عندنا مضبوطة "أحفَظُكم" ما إعرابها؟ نعم؟
стр. 549
طالب:. . . . . . . . .
خبر كان وإلا خبر أنا؟ أنا أحفظكم، أو أنا كنت أحفظَكم، والجملة خبر أنا، يعني لو قال: أنا أحفظُكم انتهى الإشكال تصير (أحفظكم) خبر (أنا) مرفوع، وإذا أقحمت كنت هنا كما هو وأردناها خبر لكان، قال: كنت أحفظكم، وقد تزاد (كان) فتكون مزيدة، وقد تزاد مع اسمها، ولذلك لو حذفت "كنت" لاستقام الكلام "أنا أحفظكم" وعلى هذا فيجوز فيه الرفع والنصب، الرفع على أنها خبر (أنا) و (كان) مع اسمها زائدة، والنصب على أنها خبر (كان)، والجملة من (كان) واسمها وخبرها خبر (أنا).
"أحفظكم لصلاة النبي ﷺ رأيته إذا كبر" يعني للإحرام "جعل يديه حذو منكبيه" حذو يعني مقابل، حذو منكبيه يعني مقابل منكبيه، والمنكب مجتمع رأس العضد مع الكتف "وإذا ركع" يعني هذه صورة، حذو منكبيه، وجاء الرفع إلى فروع أذنيه، جاء في رواية يعني في حديث آخر: إلى فروع أذنيه، إذا كبر رفع يديه إلى فروع أذنيه.
أيهما أعلى رواية أبي حميد هنا أو الحديث الثاني؟ الثاني إلى فروع أذنيه، يعني أعلى أذنيه، بل في بعض الأحاديث أنه حاذى بأصبعيه أذنيه، وهذا منتهى الرفع، فكيف نجمع بين هذا الحديث وغيره؟ منهم من يقول: هذا اختلاف تنوع، يعني إذا رفع إلى المنكبين جاء في السنة، وإن رفع أعلى من ذلك جاء بالسنة، وإن فعل هذا مرة أو هذا مرة فقد جاء في السنة، ومنهم من يقول: نجمع بين الأحاديث بأن نجعل ظهور الكفين حذو المنكبين، وأطراف الأصابع حذو فروع الأذنين، وبهذا تجتمع النصوص.
رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، الأصل أن الرفع مقارن للتكبير، يبدأ معه وينتهي معه، فإن رفع قبل التكبير أو بعده فما الحكم؟ قال، رفع يديه كذا ثم قال، لما وضعهم قال: الله أكبر، أو قال: الله أكبر ثم رفع يديه، الأصل أن التكبير الرفع يقارن التكبير، كما أن التكبير للركوع والتكبير للسجود، والتكبير للقيام من السجود يقارن الفعل هذا الأصل لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه؛ لأنه للانتقال، فما معنى كونه يسبق الانتقال أو يتأخر عنه؟! إنما شرع من أجله فيكون مقارناً له.
стр. 550
السنة أن يكون الرفع مقارناً، وأما إذا كبر قبل أن يرفع أو رفع قبل أن يكبر فأهل العلم قد يتسامحون في شيء من هذا على ألا يتأخر أحدهما عن الآخر تأخراً طويلاً.
على كل حال هذا الرفع المقارن لتكبيرة الإحرام سنة عند جماهير أهل العلم، الأئمة الأربعة كلهم يقولون بأنه سنة، وقال من أهل العلم كالحميدي وبعض العلماء قالوا بوجوبه، داود الظاهري، والحميدي يقولون بوجوب الرفع هذا، وهذا من الموضع بالذات يتفق فيه الحنفية مع الجمهور، فيقولون باستحبابه باختلاف المواضع الأخرى التي يستحبها الجمهور على خلاف بينهم في تفاصيلها على ما سيأتي، وأما الحنفية فلا يرون الرفع في غير هذا الموضع.
"جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه" وجاء في رواية: "حتى كأنه قابضهما" ومع ذلك يمد يديه كالوتر؛ لأن بعض الناس وهو راكع تشوفه مرة فاحج يديه هكذا، ومرة ضامها، المهم أنه يمدها كالوتر يعني باعتدال.
"وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره" يعني ثناه، هصر ظهره في استواء من غير تقويس، يمد ظهره معتدل هكذا، وجاء في بعض الأحاديث عند ابن ماجه وغيره "حتى لو صب الماء على ظهره لاستقر" ﵊ يعني ما في تقويس، ويكون الرأس في سمت الظهر على ما سيأتي في الأحاديث اللاحقة.
"ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه" الفقار عظام الظهر التي يقال لها: خرز الظهر، كل فقرة تعود إلى مكانها، ولا يمنع أن يراد بالفقار هنا المفاصل، فيعود كل فقار كل مفصل، كل عضو إلى مكانه، وبهذا مع الأدلة الأخرى التي يأتي ذكرها يُحتج لمن يقول بأن اليد اليمنى توضع على اليسرى، واليسرى على الصدر بعد رفع الرأس من الركوع، يعني الاعتدال من الركوع، وهذا سيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-.
"حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما" إذا سجد وضع يديه بجانبي الوجه والأصابع مضمومة إلى جهة القبلة غير مفترش، يعني غير واضع لليدين على الأرض، غير واضع للذراعين على الأرض، وهذا افتراش السبع المنهي عنه على ما سيأتي.
"ولا قابض" يعني ولا ضامهما إلى جنبه، بل مجافٍ لهما إلى جنبه.
стр. 551
"وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما" والقبض كما يطلق على ضم اليدين إلى الجنبين يطلق أيضاً على قبض الأصابع، اللفظ لا يحتمل؟ ما يحتمل هذا؟ غير مفترش ولا قابضهما" قابض اليدين هل المراد باليدين التي جاء بيانه في قوله: "وإذا سجد وضع يديه" ما المراد باليدين؟ الكف، إذا قيل: "ولا قابضهما" يعني قابض الكف الأصابع، وإذا قلنا: ولا قابضهما، واليد كما تطلق على الكفين تطلق على الذراعين أيضاً، فيكون المراد بالقبض هنا قبض اليدين إلى الجنبين.
"ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة" وكل عضو منه يمكن استقبال القبلة به، هذا هو الأصل كاليدين والرجلين إضافة إلى أن البدن كله مع في استقبال القبلة.
"فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله" في الركعتين كيف في الركعتين؟ في الركعتين يعني بعد الفراغ من الركعتين، والمقصود بذلك التشهد الأول أو بين السجدتين؟ فما الذي يخصص الركعتين؟ "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" يعني جلس مفترشاً رجله اليسرى، ناصباً رجله اليمنى وهذا بين السجدتين، وفي الجلسة التي تسمى جلسة الاستراحة، وأيضاً في التشهد الأول، هذه صفة الجلوس، وجاء من حديث ابن عباس ويذكر عن العبادلة أنهم ينصبون القدمين، ويجعلون اليدين على العقبين، ويسميه بعض أهل العلم هذا إقعاء، لكن جاء عن ابن عباس أنه السنة، فعلى هذا لو فعل أحياناً، من فعله أحياناً أصاب السنة، ويكون الغالب في جلوسه على هذه الصفة "جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" وبعض الناس يعكس، نعم بعض الناس لا يستطيع لأنه تعود هذه الطريقة، فيبست رجليه على هذا الأمر، أو حصل له حادث أو كسر أو شيء من هذا لا يستطيع هذا معذور، ما يقال: تكسر رجله مرة ثانية على شان تعدل لهذه الجلسة، هذا معذور الذي لا يستطيع، لكن الإشكال في الذي يستطيع ولا يفعل مع علمه بهذه الصفة.
стр. 552
"جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة" يعني في التشهد الأخير "قدم رجله اليسرى" يعني فأدخلها تحت ساقه اليمنى، أو بين ساقه وفخذه إن أمكن ذلك على ما جاء في سنن أبي داود، لكن الأكثر على الصفة الأولى يقدم رجله اليسرى، فيجعلها تحت ساقه اليمنى ونصب الأخرى، نصب اليمنى وقعد على مقعدته، وهذا يعرف عند أهل العلم بالتورك، فالتشهد الأول افتراش، والتشهد الثاني تورك، وهذا قول الحنابلة عملاً بهذا الحديث المفصل، الحنفية ما عندهم شيء اسمه تورك، الجلسات كلها افتراش، يستوي ذلك بين السجدتين وللتشهد الأول والثاني، المالكية يتورك في التشهدين عكس الحنفية، الشافعية عندهم الجلوس كله افتراش إلا في تشهد يعقبه سلام، يوافقون المالكية من وجه ويوافقون الحنابلة من وجه، كيف يوافقون المالكية؟ متى يوافق الشافعية المالكية؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم في التشهد الذي يعقبه سلام، يعني سواءً كانت صلاة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، يتورك في صلاة الصبح يتورك في الظهر، يتورك في المغرب، ومعنى قوله: "يعقبه سلام" أنه إذا كان عليه سجود سهو يتورك وإلا ما يتورك؟ ما يتورك؛ لأن التشهد لا يعقبه سلام، ولو كان تشهد ثاني، وبهذا يختلفون مع الحنابلة في التشهد الثاني الذي يعقبه سجود سهو، ويتفقون معهم في التشهد الثاني الذي لا يعقبه سجود سهو، وإنما يعقبه سلام. "رواه البخاري".
كلام طويل في حديث علي.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة" أي صلاة هذه؟ يقول الحافظ في البلوغ: "في رواية لمسلم" الحديث رواه مسلم في الجملة، وفي رواية له: أن ذلك في صلاة الليل، يعني هذا الاستفتاح إنما هو في صلاة الليل، وهذا نص عليه الحافظ ابن حجر في البلوغ.
стр. 553
وقال الصنعاني: لم نجده في مسلم، يعني لم نجد التنصيص على أن ذلك في صلاة الليل، وإنما ساق مسلم الحديث حديث علي هذا في قيام الليل، فهل مقتضى السياق سياق الخبر في أثناء أحاديث قيام الليل أن يكون هذا الاستفتاح خاص بصلاة الليل كما في: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل))؟ يعني لو أن شخصاً أراد أن يستفتح لصلاة الظهر، فقال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، قلنا: هذا جاء في صلاة الليل، ولو استفتح بهذا قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرضَ)) لأن مسلماً وضع الحديث في أحاديث صلاة الليل، ومسلم دقيق في ترتيبه، ولذلك جزم الحافظ أن هذا في صلاة الليل، ومجرد عمله وصنيع مسلم في وضعه هذه الخبر في أثناء أحاديث صلاة الليل كأنه نطق؛ لأنه دقيق ﵀، ولذا قال الحافظ: وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل، لكن الصنعاني قال: لم نجده في مسلم، يعني التنصيص بالقول أن هذا في صلاة الليل، وإنما ساق مسلم حديث علي هذا في قيام الليل، وقد نقل الحافظ ابن حجر في التلخيص عن الشافعي وابن خزيمة أنه يقال في المكتوبة، يعني في البلوغ قال: نص مسلم على أن هذا في صلاة الليل، وفي البلوغ نقل عن الشافعي وابن خزيمة أن هذا الاستفتاح يقال في المكتوبة، لكن طول هذا الاستفتاح وسكوت النبي ﵊ بين التكبير وبين القراءة هنيهة على ما سيأتي في حديث أبي هريرة، يعني قليل ما يحتمل كل هذا الكلام، وهذا يرجح أن هذا الاستفتاح إنما هو في صلاة الليل التي من شأنها الطول، والإنسان بمفرده يصنع ما يشاء، يطيل أو يختصر الأمر إليه، يفعل الأرفق به، لكن إذا كان إمام عليه ملاحظة المأمومين، ودعاء الاستفتاح الذي هذا من صيغه، ومن صيغه ما سيأتي: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) ومن صيغه ما جاء في حديث أبي هريرة: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي)) وله صيغ أخرى، سنة عند الجمهور وليس بواجب، وليس بسنة عند مالك ﵀ على ما سيأتي، على ما سيأتي الاستفتاح ليس بسنة عند مالك، وعند الجمهور سنة، وجاءت الاستفتاحات عن النبي ﷺ على صيغ متعددة، والاختلاف فيها اختلاف تنوع، وليس باختلاف تضاد، ولذا لا ينبغي الترجيح بين هذه الاستفتاحات
стр. 554
الثابتة الواردة والاقتصار على واحد منها، وإلغاء ما عداه، فيأتي بهذا أحياناً، ويأتي بهذا أحياناً، على ما سيأتي في صيغ التشهد -إن شاء الله تعالى-.
قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرضَ)) يعني وجه وجهه إلى الجهة التي أمر الله بها، وجاء في الحديث: ((إذا قام أحدكم يصلي فلا يبصق تلقاء وجهه)) لماذا؟ لأن الله تلقاء وجهه، ولا يعني هذا أن الله -جل وعلا- بين الإمام والمحراب، أو بين المأموم والإمام، لا أبداً، لكن الله -جل وعلا- مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، لكنه تكريماً لهذه الجهة، وتوجيه الوجه معناه توجيه القصد لله -جل وعلا- مخلصاً بذلك بقلبه وقالبه، فوجهه وجميع بدنه متجه إلى هذه الجهة التي جاء الأمر بها، وقلبه معلق بربه -جل وعلا-، ملتفت إلى صلاته التي هي الصلة بين العبد وربه.
((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرضَ)) ابتدأ خلقهما، يعني خلقهما ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(١) سورة فاطر] يعني خالق السماوات والأرض، مبدع السماوات والأرض.
((حنيفاً)) يعني حال كوني حنيفاً، فحنيفاً حال، وفاعله وصاحب الحال، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
وجهت، صاحب الحال الفاعل، فاعل وجهت، صحيح ﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [(٩٥) سورة آل عمران] صاحب الحال؟ إبراهيم، نعم؟ إبراهيم موقعه من الإعراب مضاف إليه، يجوز الإتيان بالحال من المضاف إليه، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
مطلقاً وإلا؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم.
ولا تجز حالاً من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [(٤) سورة يونس].
أو كان جزء ما له أضيفا ... . . . . . . . . .
قطعت يد زيد قائماً.
. . . . . . . . . ... أو مثل جزئه فلا تحيفا
مثل الجزء، الملة مثل الجزء ﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [(٩٥) سورة آل عمران].
((وما أنا من المشركين)) الحنيف والحنف والأحنف المادة كلها تدل على الميل، فالأحنف الذي رجله مائلة، والحنيف والأحنف الذي مال، مال عن إيش؟ مال عن الشرك وأهله ((حنيفاً وما أنا من المشركين)).
стр. 555
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] يعني كما جاء في آخر سورة الأنعام ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ [(١٦٢) سورة الأنعام] صلاتي وذبيحتي ﴿وَمَحْيَايَ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] كله، المحيا كله، والممات كله، يعني جميع التصرفات ينبغي أن تكون على مراد الله -جل وعلا-، جميع تصرفات الإنسان ينبغي بل على المسلم أن تكون على مراد الله -جل وعلا-، فحياته كلها لله، ومماته لله، لله رب العالمين، لا شريك له، لا يلتفت إلى أحد سواه، ولا يصرف شيئاً مما لا يجوز صرفه إلا لله -جل وعلا-.
((لا شريك له، وبذلك أمرت)) أمره الله -جل وعلا- بذلك ((وأنا من المسلمين)) التوجيه سواءً كان النبي ﵊ أو غيره ممن يقول هذا الذكر، نعم هو من المسلمين حقيقة، وإذا قلنا: إن الإسلام دين الأنبياء كلهم ما كان النبي ﵊ أول المسلمين، وإذا قلنا: إن الإسلام المراد به هذه الشريعة التي جاء بها النبي ﵊، صار محمد ﵊ أول المسلمين، لكن ماذا عن أتباعه؟ هل الأولى أن يقول المسلم: وأنا أول المسلمين أو وأنا من المسلمين؟ وهل تغير الصيغ الثابتة المتعبد بها من أجل مثل هذا؟ أو نتلو اللفظ المتعبد به كما هو؟ يعني للمسلم أن يقول: وأنا أول المسلمين وهو في الحقيقة ليس بأول المسلمين لكن هو متعبد بهذا اللفظ، يعني في القرآن تقول: وأنا أول المسلمين، يجوز لك أن تغير، تقول: ما أنا بأول المسلمين إذاً أغير؟ لا يجوز، فهل تغير في مثل هذا الحديث؟ نعم جاء في بعض الروايات: ((وأنا من المسلمين)) وأما على الرواية الأخرى: ((وأنا أول المسلمين)) كما في الآية ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٦٣) سورة الأنعام] يكون المراد بذلك اتباع لفظ القرآن.
стр. 556
((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت)) أنت الملك، الملك اسم من أسماء الله -جل وعلا-، كما جاء في آخر الحشر وغيرها ملك ومليك ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [(٥٥) سورة القمر] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [(٢٦) سورة آل عمران] ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [(١٦) سورة غافر] فالملك من أسمائه الحسنى.
((لا إله إلا أنت)) إقرار واعتراف بشهادة التوحيد، نفي لكل إله يدعى ويعبد من دون الله -جل وعلا-، وإثبات للعبودية لله -جل وعلا- خاصة.
((لا إله إلا أنت، أنت ربي)) اعتراف ((وأنا عبدك)) انكسار بين يدي الله -جل وعلا- ((ظلمت نفسي)) هذا يقوله المعصوم ﵊ ((ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً)) منهم من يقول: إن مثل هذا من النبي ﵊ لا يقوله قصداً لذلك؛ لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فليس بحاجة إلى مثل هذا، وإنما المراد تعليم الأمة، ومنهم من يقول: إن النبي ﵊ يسأل مثل هذا من باب التواضع، وإلا فهو معصوم ﵊، ومنهم من يقول: إن ذنوب الأنبياء المعصومين إنما هي فعلهم خلاف الأولى.
стр. 557
((وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً)) أبو بكر ﵁ على ما سيأتي طلب من النبي ﵊ دعاءً يقوله بعد الفراغ من التشهد، فأرشده النبي ﵊ أن يقول: ((رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي ... )) إلى آخره، المبتدعة يقولون: هاه أبو بكر ظالم لنفسه ظلم كثير وليس بقليل، ويقول هذا المعصوم ﵊ الذي يعرف حال أبي بكر، وأخبر الناس به، يقول: قل يا أبا بكر: ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، فهو ظالم لنفسه، والظالم لنفسه لا يؤمن أن يظلم غيره، نقول: ماذا عن النبي ﵊ ((ظلمت نفسي واعترفت بذنبي))؟ هل يقال مثل هذا في حق النبي ﵊؟! أو نقول: هذا تواضع وهضم للنفس؟ نقول: تواضع وهضم للنفس، والظلم متفاوت تفاوتاً بيناً وواضح وظاهر، يبدأ من الشرك الأكبر ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان] إلى الظلم اليسير في وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم قد لا ينفك منه أحد، اليسير منه وضع الشيء في غير موضعه ظلم، فعلى الإنسان أن يطلب من الله -جل وعلا- أن يغفر له هذا الظلم، وإن كان يسيراً، فإذا طلبه النبي ﵊ فلأن يطلبه أبو بكر من باب أولى؛ ولأن يطلبه من دون أبو بكر من باب أولى، وهذه منقبة لأبي بكر ﵁ وأرضاه-.
((ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) في أحد يستطيع أن يغفر لأحد؟ أبداً، ((لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وبعض الملل وبعض المذاهب يعطون صكوك غفران يسمونها، فالذي يدفع الرسوم يعطى مثل هذا الصك، وهذا موجود عند بعض الملل الخارجة عن ملة الإسلام، وموجود مع الأسف عند بعض من ينتسب إلى الإسلام من أصحاب البدع الكبرى المغلظة التي في حقيقتها مخرجة عن الإسلام، لكن هم يدعون الإسلام ويتجهون إلى قبلتنا، ومع ذلك عندهم مثل هذه البدع المغلظة.
стр. 558
((لا يغفر الذنوب إلا أنت)) ما جاء أبو بكر ولا عمر للنبي ﵊ ليغفر لهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ [(٦٤) سورة النساء] استغفروا منك وإلا من الله -جل وعلا-؟ يعني طلبوا المغفرة منك يا محمد أو من الله -جل وعلا-؟ المغفرة لا يملكها إلا الله -جل وعلا-.
((وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت)) لعلنا نقف على هذا لأن الإخوان بدأت عليهم آثار الملل، وبدؤوا ينصرفون، لكن ما شرح فيه بركة -إن شاء الله-.
نقف على هذا؛ لأن الأخلاق تحتاج، وبقية الحديث يحتاج إلى تفصيل، والحديث الذي يليه له صلة به، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر – كتاب الصلاة (٢١)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: أنا الآن في غير بلدي، وعلي قضاء عشرين يوماً من رمضان الماضي، والنهار طويل جداً في هذا البلد، فهل يجوز لي تأخير الصيام إلى شوال حتى أرجع وأقضيه في بلدي؟
ما دام مسافر، والمسافر يجوز له الفطر في رمضان، فإن كان تأخيرك للقضاء عن تفريط منك فعليك بالمبادرة، فتصوم هذه الأيام قبل رمضان، وإن كان من غير تفريط والقضاء يشق عليك في السفر، فلو أخرتها وأطعمت مع صيام كل يوم مسكين على قول أكثر أهل العلم، ومع ذلك لو لم تطعم على رأي الإمام البخاري ومن يرجح قوله فالأمر فيه سعة، لكن إن كان ذلك ناشئ عن تفريط، وأخرت القضاء إلى هذه الأيام حتى إذا ضاق الوقت وجد لك المبرر الشرعي بالفطر فأنت حينئذٍ أنت المفرط، فعليك أن تقضي قبل دخول رمضان، وإن كان تأخير القضاء لا لتفريط فأنت لو أخرت لا سيما لو كان الصيام يشق عليك كما ذكرت في السؤال النهار طويل جداً في هذا البلد، فإذا أخرت فتطعم مع كل يوم مسكين على مقتضى قول أكثر العلماء.
يقول: ما أفضل كتاب في أسباب النزول؟
هناك كتب في أسباب النزول منها للواحدي والسيوطي وغيرهما.
وهل هناك كتاب موسع في هذا الباب؟
المفسرون الذين معولهم على الأثر يذكرون هذه الأسباب كالطبري وابن كثير والبغوي وغيرهم، فلا يكتفى بكتاب واحد، فإذا أراد طالب العلم الاستيعاب فعليه أن يقرأ ما كتب في هذا المجال، ويضم إليه ما يزيده المفسرون.
يقول: هل الصف المقابل للإمام في الحرم يعتبر من الصف الأول؟
стр. 560
الصف الأول هو الذي يلي الإمام مباشرة، وما كان بإزائه ومحاذاته من الجهات الأخرى، وأما من يتقدم على الصف المحاذي للإمام في غير جهته فهذه أقرب ما تكون لصفوف الحاجة، مثل الصف عن يمين الإمام إذا لم يجد مكاناً، أو الصلاة في الدور الأعلى، أو الدور الأسفل المحاذي للإمام، هذه كلها صفوف حاجة؛ لأن الأصل أن المأموم يكون خلف الإمام حقيقة أو حكماً، فلا يكون أقرب إلى الكعبة، لكن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، فتكون هذه صفوف حاجة، علماً بأن الاستدارة حول الكعبة من الجهات كلها إنما وجدت في عصر متأخر عن عصر النبي ﵊ حتى قيل: إن أول من أمر بذلك ابن الزبير في ولايته؛ لأنه كثر الناس، فكانت الجهة الواحدة لا تستوعبهم.
ما حكم تبديل الكنائس إلى مساجد؟ وهل هناك كتب مخصصة لهذا الموضوع، أو ذكرت هذه المسألة؟
نعم الكتب التي ألفت في الرد على النصارى، وأحكام أهل الذمة ذكروا هذا، فابن القيم ذكر، شيخ الإسلام أيضاً ذكر وغيرهما من العلماء ذكروا مثل هذه المسألة، فتبديل الكنائس إلى مساجد هذا خير بلا شك.
يقول: لو وجدت كافراً يمارس عبادته هل لي أن أمنعه أو أضيق عليه سواء في بلادنا أو غيرها؟
الذي لك أن تدعوه إلى الصواب، تدعوه إلى الإسلام، أو أقل الأحوال أن يكف عن المجاهرة بعبادته المخالفة للإسلام، بالطريقة المناسبة، بالأسلوب المحقق للمصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة.
ما حكم التصوير بكاميرا الفيديو؟ وهل حكمها حكم التصوير الفوتوغرافي؟
نعم التصوير الذي يثبت الصورة بحيث يمكن استعراضها ورؤيتها من غير وجود المصَّور هذا كله تصوير، التصوير الذي يحتفظ به هذا تصوير بأي آلة كان.
وما رأيك بمن يقول من أجاز الفيديو فإنه لا بد أن يجيز الفوتوغرافي؟
لا فرق بينهما.
يقول: إذا ترجح عند شخص مسألة معينة، ولكن قلبه مطمئن لخلاف ما ترجح عنده، فما العمل؟
стр. 561
إن كانت طمأنينة القلب سببها الاحتياط، ترجح عنده أن هذا العمل جائز، لكن القول بمنعه قول معتبر عند أهل العلم، ويقول به أئمة، فكونه ينكف عن هذا العمل ولو كان جائزاً عنده هذا هو الأولى والأحرى به، لكن إذا كان العكس إذا ترجح عنده أن الأمر محرم، والقول الآخر القول بالجواز قول من يعتد بقوله من أهل العلم نقول حينئذٍ: لا يجوز لك أن تعمل بخلاف ما تعتقده؛ لأن الاحتياط له شأن عند أهل العلم.
ما حكم التسبيح بالمسبحة؟
هذا سئل عنه بالأمس، وقلنا: إنها من أهل العلم من أطلق أنها بدعة، مقتضى هذا أن تكون محرمة، ومنهم من أطلق الكراهة، ومنهم من قال: هي خلاف الأولى، والمعول في ذلك على حديث أم المؤمنين حيث سبحت بالحصى فأرشدها النبي ﵊ إلى أن تسبح بالأنامل، والعلة في ذلك أنها مستنطقة، المقصود أن أقل الأحوال أن تكون خلاف الأولى، والكراهية لها وجه.
يقول: لو تاب صاحب الذنوب توبة نصوحاً هل يحاسب على توابع المعصية بعد أن تاب منها؟
إن كانت توابعها متعلقة بالمخلوق فمن تمام التوبة، التوبة من المعصية نفسها ومن توابعها أن يتحلل من هذا المخلوق الذي هذه التبعة له، أو هذه المظلمة له، وإن كانت بالنسبة للخالق فهي تبعاً له، فالتوبة إذا كانت بشروطها وقبلت عند الله -جل وعلا- محاها ومحا أثرها.
هذا يقول: في المغرب والجزائر الأئمة يقنتون دوماً في صلاة الصبح لا للنازلة كما قلت، بل هذا مذهبهم، ولست أدري ما مستندهم في ذلك؟ وهذا منذ زمن طويل.
المغرب والجزائر الغالب أنهم مالكية، والمعروف في قنوت صلاة الصبح أنه عند الشافعية، فإن كان هناك قول للمالكية يقول بالقنوت فهم تبع له، وإلا فهذا من التأثر بالمذاهب الأخرى.
ما حكم من أخطأ في القراءة -هذا السؤال- ما حكم من أخطأ في القراءة؟
يعني في الصلاة أو خارج الصلاة؟ على المسلم عموماً أن يتعلم القراءة الصحيحة، لا سيما ما يتعلق بالقرآن، وإذا صلى فلا يقرأ إلا ما يتقن، لا يقرأ قراءة يجرب بها، هل تمشي معه أو ما تمشي؟ لا، إنما يقرأ ما يتقن.
أفضل محقق لكتب ابن القيم؟
стр. 562
ما يوجد محقق حقق كتب ابن القيم كلها، وإنما كل كتاب حققه أكثر من واحد، يحكم حينئذٍ على أفضل هؤلاء المحققين.
هل يجوز أن أقدم هدية لزوجي بمناسبة مرور سنة على زواجنا؟
هذا ليس من فعل المسلمين، وإنما هو من فعل الكفار، ففعل مثل هذا تشبه بهم.
ولو كررت هذا الفعل سنوياً أيجوز؟
لا؛ لأنه يكون في حكم العيد.
لست أعده عيداً، ولكنه فرح وتقدير وتعبير عن الشكر.
سواء اعتبرته هذه المرأة عيداً أو لم تعتبره عيداً فهو عيد على كل حال؛ لأن العيد لما يعود ويتكرر.
ما رأيكم في كتاب كفاية المستقنع من أدلة المقنع، أو ما يسمى بالانتصار في أحاديث الأحكام للمرداوي، فالكتاب يشبه كتاب المحرر، وأيهما تفضلون؟
على كل حال ابن عبد الهادي أمكن في الحديث، وتعقيباته على الأحاديث وأحكامه وعلله، وما ينقله عن الأئمة يحرص عليها طالب العلم أشد الحرص، فالمحرر أفضل منه.
هذه تقول: الذكر الوارد بين السجدتين قلتم: إن (كان) تدل على الاستمرار، وأهل العلم يقيدونها بـ (غالباً) وقد جاء استعمالها في مرة واحدة، وكان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وعافني وارزقني واهدني)).
هذا يكثر منه، فغالب ما يقول مثل هذا.
والذكر الوارد من فعله ﵊ أنه يقول بين السجدتين: ((رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي)) ثلاثاً، فهل يلازم المصلي الأول أم ينوع بين الاثنين؟
على كل حال إذا كرر اغفر لي ثلاثاً كفى، وإن جاء بالخمس الجمل أو السبع على ما تقدم فهو أكمل.
سم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين وللمستمعين يا رب العالمين.
قال الإمام ابن عبد الهادي ﵀ في محرره:
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي لفظ له: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع)).
стр. 563
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) فقال له قائل: ما أكثرُ ما تستعيذ من المغرم.
أكثرَ، أكثرَ.
ما أكثرَ ما تستعيذ من المغرم فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
يكفي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تشهد أحدكم)) " إذا تشهد يعني فرغ من التشهد، إذا فرغ من التشهد، وفرغ بعد ذلك من الصلاة على النبي ﵊ الصلاة الإبراهيمية التي سبقت في درس الأمس، وجاء ما يدل على أن المراد بالتشهد هو التشهد الآخر كما في اللفظ الذي يشير إليه المؤلف بعد ذلك، فالدعاء محله التشهد الأخير لا الأول؛ لأن الأول مبني على التخفيف، حتى جاء في وصفه ﵊ وهو في التشهد الأول أنه كأنه على .. ، على إيش؟ الرُضف أو الرْضف، على الضبطين يعني الحجارة المحماة، مما يدل على أنه يستعجل في هذا، وإن كان الحديث فيه ما فيه، يعني تكلموا فيه عند أهل العلم.
على كل حال التشهد الأول مبناه على التخفيف، فالدعاء إنما يكون بعد التشهد الأخير.
((فليستعذ بالله)) والسين والتاء للطلب، يعني فليطلب الإعاذة من الله -جل وعلا-، أو بالله -جل وعلا- والطلب من الله، واللام لام الأمر ((فليستعذ بالله من أربع)) يطلب من الله -جل وعلا- أن يعيذه من هذه الأربع.
اللام هذه لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقال به الظاهرية، وطاوس بن كيسان من جلة التابعين أمر ابنه أن يعيد الصلاة كما في صحيح مسلم لما لم يستعيذ من هذه الأربع، أمره أن يعيد الصلاة، فدل على أنها واجبة عنده، وعامة أهل العلم على أنها سنة، وليست بواجبة، وإن كان الأصل في الأمر الوجوب.
стр. 564
((فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم)) من عذاب جهنم، جاءت الاستعاذة من النار، ومن عذابها في نصوص كثيرة.
((ومن عذاب القبر)) كذلك إثبات عذاب القبر هو الذي عليه عامة من يعتد بقوله من أهل العلم، وقول أهل الحق من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والأحاديث فيه تبلغ حد التواتر، وإثبات عذاب القبر بالكتاب والسنة، من أدلته:
قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [(٤٦) سورة غافر] ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [(٤٦) سورة غافر] هذا في البرزخ، في القبر ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [(٤٦) سورة غافر] هذا بعد البعث.
المقصود أن من أهل العلم من استدل أيضاً بقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [(٢١) سورة السجدة] منهم من يقول: إن هذا العذاب في الدنيا، ومنهم من يقول: المراد به عذاب القبر، ولم يعرف إنكار عذاب القبر إلا عند المعتزلة الذين لا يثبتون عذاب القبر، وأما أهل السنة فإنهم مجمعون عليه، والنصوص فيه قطعية.
((ومن فتنة المحيا والممات)) يعني جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ مر بقبرين وقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير)) وجاء في صحيح مسلم: ((لولا أن تدافنوا)) وفي وراية: ((لولا ألا تدافنوا لأسمعتكم)) فلا مجال للتردد في إثباته.
قال: ((ومن فتنة المحيا والممات)) فتنة المحيا ما يتعرض له الإنسان أثناء حياته، وقد يفتن وهو لا يشعر ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [(١٢٦) سورة التوبة] وأحياناً يفتن أكثر من ذلك.
فتنة المحيا ما يتعرض له حال حياته، والممات عند مماته، عند مماته يتعرض لفتنة من الشيطان ليختم له بالسوء.
стр. 565
((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) وأي فتنة أعظم من فتنته، وأخوف ما خافه النبي ﵊ فتنته، ومعه المغريات من الترغيب والترهيب، وجاء في أخباره الشيء الكثير، لكن هل التعوذ المطلوب من فتنته أو من شر فتنته؟ نعم؟ الحديث: ((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) وبعض الروايات ما فيها شر: ((وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)) هل نقول: إننا نقيد المطلق بالمقيد بشر، أو نقول: يعمل به على إطلاقه؟ فيتعوذ من فتنة المسيح الدجال مطلقاً، يعني كون الإنسان يتعرض لفتنة المسيح الدجال هل الأفضل أن يتعرض لها ولو ثبت على الحق أو ألا يتعرض أصلاً؟ هو ما في شك أن الذي يثبت تمر به الفتن، تمر به المحن ويثبت هذا أفضل بلا شك، لكن ما الذي يدري الإنسان أنه يثبت؟ فيقتصر على شرها، أو أنه إذا وقي شر الفتنة فمعناه أنه يثبت، فيكتب له خيرها دون شرها.
((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) والنصوص الأخرى مطلقة ليست مقيدة بالشر، بل لعموم فتنته خيرها وشرها، كون الإنسان يقيه الله -جل وعلا-، ويعيذه من شر الفتنة هذا لا شك أنه ناجي، وكونه يعيذه من الفتنة كلها يستعيذ بالله من الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، ولذلك يستعيذ من فتنة المحيا والممات، ترى من فتنة المحيا النساء، الأزواج، والأولاد، والأموال، فهل معنى هذا أنه يستعيذ من شر فتنة أو من فتنة الأموال والأولاد والزوجات؟ كأنه يقول: اللهم لا ترزقني مالاً ولا ولداً ولا زوجة لأنها فتنة، إذا قلنا بالإطلاق، وإذا قلنا: إنه يستعيذ من شرها فهو يريد المال، يريد الزوجة، يريد الأولاد؛ لكنه شرهم يتقيه، ويسأل الله -جل وعلا- أن يقيه شرهم.
следующие страницы →