← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: ٦٤). (الحديث رواه البخاري [٧] في بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلي رسول الله ﷺ ومسلم [١٧٧٣] في الجهاد، باب: كتاب النبي ﷺ إلي هرقل). [بدعاية الإسلام: بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعي إلي النطق بها أهل الملل الكافرة. توليت: أعرضت عن الإسلام، ورفضت الدخول فيه. إثم الأريسيين: إثم استمرارهم على الباطل والكفر أتباعاً لك، والمراد بالأريسيين الأتباع من أهل مملكته، وهي في الأصل جمعي أريسي، وهو الحارث والفلاح كلمة سواء بيننا وبينكم: مستوية لا تختلف فيها الكتب المنزلة، ولا الأنبياء المرسلون] فإذا توفر هذان الشرطان، كان لإمام المسلمين أن يقاتلهم إذا اقتضته مصلحة الدعوة الإسلامية، حتى وإن كان ذلك بدون سابق إنذار.

стр. 1542

مراحل الجهاد وآدابه الدعوة أولاً: اعلم أن قتال الكفار وسيلة وليس غاية، فإذا تحقق الهدف المقصود بدون قتال، فذلك هو المطلوب، ولا يشرع القتال حينئذ، وإنما الهدف نزول الكفار الحاكمين عن عروش طغيانهم، والخضوع لحكم الله تعالي في سياسة شعوبهم ورعاياهم، وترك الحقائق الدينية تنتشر على سجيتها في أفكار الناس وعقولهم. والوسيلة الأولي إلي ذلك إنما هي الدعوة القائمة على المنطق والحوار واستنهاض كوامن الإنسانية والإنصاف والحذر من العواقب في نفوسهم. فإذا قطع المسلمون الشوط الكافي في سبيل هذه الدعوة بالشرح والبيان ورد الشبه، والكشف عن الغوامض، وبيان المعروف، والأمر به وبيان المنكر والنهي عنه، فإن تحقق الهدف المطلوب بذلك وحده فتلك هي النهاية التي يجب على المسلمين أن يقفوا عندها، لا يطمعون بعدها منهم بأرض ولا مال، ولا حكم ولا سلطان. وإن لم يتحقق الهدف المطلوب، بأن قوبلت الدعوة بالاستنكار والعناد والصد والمنع، حتى لم يكن من سبيل لإبلاغها دهماء الناس عامتهم، فإن على المسلمين حينئذ أن يتبعوا هذه المرحلة بالمرحلة الثانية التي تليها، بأمر من الحاكم المسلم وبشرط أن يأنس القدرة على ذلك، وهي القتال والمناجزة. الجزية ثانياً: قلنا: إن الخطوة الثانية التي تلي مرحلة الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة، هي القتال والمناجزة.

стр. 1543

غير أنه إذا أمكن تفادي القتال والمناجزة بوسيلة وسطي بين العناد على الكفر بعد وضوح الأدلة على بطلانه، وبين الدخول في الإسلام تديناً به، وهذه الوسيلة الوسطى، هي الدخول في حكم الدولة الإسلامية والانسجام مع أحكامه التشريعية المتعلقة بالنظام الاجتماعي، وجب المصير إليها، وإقامة سلم بينهم وبين المسلمين على أساسها، على أن يخضع الكافرون لضريبة تدفع إلي إمام المسلمين، تنزل منزلة الزكاة التي يدفعها المسلمون إليه تسمى: الجزية وذلك بناء على شروط معينة سنذكرها بعد قليل إن شاء الله تعالي. القتال ثالثاً: فإن رفض الكفار بعد إجراء كل ما سبق، الدخول في الإسلام، ورفضوا الانضواء تحت سلطانه قانوناً ونظاماً، كانت المرحلة الثالثة، وهي القتال، وذلك لصريح قول الله تبارك وتعالي: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ,لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (سورة التوبة: ٢٩) ولقول ربعي بن عامر لقائد الجيش الفارسي: إن مما سنهُ لنا رسول الله ﷺ : أن لا نمهل الأعداء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء ـ أي الجزية ـ ونقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة ـ أي القتال ـ في اليوم الرابع. من هم الذين يخيرون بين الإسلام والجزية ؟ تنقسم فئات الكفار، من حيث الخضوع لحكم الجزية وعدمه إلي طائفتين: الطائفة الأولي: هم أهل الكتاب هم أهل الكتاب، ومن في حكمهم، فأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وأما الذين هم في حكمهم، فالمجوس، وزاعمو التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود عليهما الصلاة والسلام. الطائفة الثانية: وهم من عدا أولئك الذين ذكرناهم، من سائر الكفار، سواء كانوا ملا حدة، أو عبدة أوثان، أو غير ذلك. فالطائفة الأولي هي التي تقبل منها الجزية، حين تخير بينها وبين الإسلام وذلك لدلالة الآية السابقة، وحديث ربعي بن عامر المار ذكره.

стр. 1544

وأما المجوس، فقد جاء الأمر من النبي ﷺ بمعاملتهم في الجزية معاملة أهل الكتاب. روي مالك في الموطأ [١/ ٢٧٨] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، عن جعفر بن محمد ﵀، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبدالرحمن بن عوف ﵁: أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿سنوا بهم سنة أهل الكتاب﴾. وروي البخاري [٢٩٨٨] في الجزية، باب: ما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، ومسلم [٢٩٦١] في أول كتاب الزهد والرقائق، عن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ ، بعث أبا عبيدة بن الجراح إلي البحرين يأتي بجزيتها. أما الطائفة الأخرى، وهم سائر الفئات الأخرى من الكفار، على اختلافهم، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، وذلك عملاً بدلالة النصوص الواردة، ولأن من عدا الكتابيين من الكفار، ومن في حكمهم، لا يتصلون مع المسلمين بأي علاقة أو سبب، فانضواؤهم في منهج النظام الإسلامي غير ذي معنى ولا فائدة. وعليهم ينطبق قول الله تبارك وتعالي: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: ٥) وفيهم يصدق أيضاً قول النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " (رواه البخاري [٢٥] في كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، عن عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵄.

стр. 1545

بيان الحكمة من التفريق بين الطائفتين من الكفار: ولعلك تسأل: فما الحكمة التي قامت عليها مشروعية قبول الكتابيين على حالهم، مع أخذ الجزية منهم؟ وهلا كان سائر الكفار مثلهم؟ والجواب أن التفريق بين هاتين الطائفتين قائم على حقيقتين اثنتين: الحقيقة الأولي: ومفادها أن الكتابي يشترك مع المسلمين في إيمانه بالله والنبيين، وإن لم يؤمن بوحدانية الله، ولا بنبوة محمد ﷺ ، أو آمن بنبوته إلي العرب فقط، فكان له سبيل سائغة للانضواء تحت نظام الحكم الإسلامي، كشرعة وقانون، وكان له من إيمانه هذا ما يجعله متمكناً من الانسجام مع نظامه، ثم إنه بعد ذلك سيجد مجالاً رحباً للنظر بإمعان وحرية فكرية مطلقة في حقيقة الإسلام وواقعه، ولسوف يظهر له مع الزمن ـ إن كان يتمتع بحرية فكرية تامة ـ أن الإسلام دين حق لا مرية فيه. أما الجزية التي تؤخذ منه، فهي كما قلنا آنفاً: ليست إلا عوضاً عن الزكاة التي تؤخذ من أغنياء المسلمين، لتحقيق نفس الفائدة بواسطتها، وهي إعادتها على فقرائهم، ونهوض الدولة بالمسؤولية التامة تجاههم. الحقيقة الثانية: أن بقية فئات الكفر لا تجمعهم مع المسلمين أي جامعة، ومن ثم فليس من سبيل لانضوائهم في نظام الحكم الإسلامي، ولتجاوبهم معه، وهم بعد ذلك ـ فيما يحملون من عقائد الجحود بالله، وإنكار الصانع ﷻ جراثيم ضارة فتاكة بالمجتمع الذي يحلون فيه، وهم في واقعهم هذا يشكلون شذوذ الإنسانية عن منهجها الفطري الطبيعي، فكان أمراً سليماً أن لا يقبل منهم إلا الإسلام.

стр. 1546

الآثار المترتبة على الجهاد تترتب على الجهاد آثار ونتائج كثيرة ذات أهمية، ولكل منها أحكام خاصة بها. فلنستعرض هذه الآثار واحدة إثر أخري، موضحين خلاصة الأحكام المتعلقة بكل منها: ١ - الأسر: من أبرز نتائج الجهاد وقوع أسري من الكفار تحت سلطان المسلمين، وفي أيديهم. فهؤلاء الأسري: إن كانوا أطفالاً أو نساءً أصبحوا بمجرد الأسر أرقاء حكماً أما إن كانوا رجالاً بالغين، فلا يعتبرون أرقاء بمجرد الأسر، وإنما يتبع ذلك حكم الإمام، فإن ضرب عليهم الرق أصبحوا أرقاء، وإلا فهم أحرار. مصير الأسري: ثم إن الإمام يختار لمصير الأسرى واحدة من خصال أربعة: القتل، والمن والفداء بالمال، والاسترقاق. يختار ما شاء متبعاً في ذلك مصلحة المسلمين وخيرهم. أما المن والفداء، فقد جاء مصرحاً بهما في قول الله : ﴿َإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (سورة محمد: ٤) [أثخنتموهم: أثقلتموهم بالقتل والجراح. فشدوا الوثاق: فأسروهم، وشدوا

стр. 1547

رباطهم حتى لا يفلتوا منكم. مناً: أي تمنون منا، والمن: هو الإنعام على الأسير وإطلاق سراحه من غير فدية. تضع الحرب أوزارها: تنتهي الحرب وذلك بوضع المحاربين أسلحتهم] وأما ما يدل على قتل الأسري، فقول الله : ﴿َا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: ٦٧) [حتى يثخن في الأرض: حتى يبالغ في قتل الكفار] وأما الاسترقاق، فقد ثبت بدلالة السنة، وفعل النبي $، فقد استرق أسرى في غزوة خيبر وقريظة، وفي غزوة حنين. روي البخاري [٣٨٠٤] في المغازي، باب: حديث بني النضير .. ، ومسلم [١٧٦٦] في الجهاد، باب: إجلاء اليهود من الحجاز، عن ابن عمر ﵄، قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلي بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. واسترق ﷺ أسرى هوازن، ثم تشفع فيهم لدي المسلمين بعد أن قسموا بينهم، عندما جاء وفد هوازن مسلمين، وطلبوا منه ﷺ أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فمنوا عليه. (رواه البخاري [٢٩٦٣] في الخمس، باب: الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) وروي مسلم [١٧٥٥] في الجهاد والسير، باب: التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى، عن إياس بن سلمة عن أبيه أن سرية من المسلمين أتوا بأسري، فيهم امرأة من بني فزارة، فبعث بها رسول الله ﷺ إلي أهل مكة، ففدي بها ناساً من المسلمين، كانوا أسروا بمكة. وروي مسلم [١٧٦٣] أيضاً أنه ﷺ أخذ الفداء من أسري بدر. ٢ - الرق: الرق في اصطلاح الشريعة الإسلامية: عجز حكمي يتلبس الإنسان بسبب

стр. 1548

الكفر في الأصل، ويظهر هذا العجز الحكمي، بفقدان أهليه التملك، وفقدان الحقوق المدنية. الحكمة من مشروعية الرق: عرفت أن حكم الاسترقاق والمن والفداء داخل في أحكام السياسة الشرعية، ومنوط برأي الحاكم المسلم، يراعي فيه المصلحة العامة للمسلمين. والحكمة في أن يتخذ الاسترقاق محله بين هذه الخصال التي يخير بينها هي أنه سلاح موجود في أيدي الأعداء بالنسبة لأسرانا عندهم. فكان من أسس العدالة أن يملك المسلمون هذا السلاح نفسه، ثم يعطي الحاكم صلاحية استعماله، بمجرد أن يري ضرورة لذلك، كأن يجد أعداءنا قد استرقوا أسرانا، وأنت تعلم أن القانون الدولي يقر مبدأ التعامل بالمثل فيما يتعلق بالأسري. وكان من الإجحاف أن ينسخ هذا السلاح (الاسترقاق الناتج عن الحرب) نسخاً شاملاً، مع استعمال الأعداء له، وشعورهم بالسعادة لكونهم وحدهم الذين يملكون هذا السلاح. مصير حكم الاسترقاق اليوم: لا يزال ضرب الرق على أسري الحرب إلي اليوم، حكماً شرعياً من أحكام الإمامة، أي أن الإمام يرى في ذلك رأيه، بناءً على المصلحة العامة للمسلمين. غير أنه منذ حين بعيد، أبعد هذا الحكم عن التنفيذ، وذلك لعدم وجود مصلحة تدعو إلي ذلك، ولأن دول العالم اتفقت فيما بينها على عدم استرقاق الأسري، فكان في هذا الاتفاق ما أبعد المصلحة الإسلامية عن ضرب الرق عليهم. واعلم أن أحكام السياسة الشرعية المتعلقة بأبواب الجهاد أشبه ما يكون بما يسمي بأحكام الطوارئ، فكما يجوز لرئيس الدولة أن يعلق القانون، ويعلن حالة الطوارئ، ويقرر ما يشاء تحت هذا العنوان، فكذلك يجوز لإمام المسلمين أن يمارس صلاحيات معينة، وضعها الشارع تحت يده ليستفيد منها عند الضرورة

стр. 1549

واللزوم كحكم الرق، وقتل الأسري، وقطع أشجار الكفار وتحريق بيوتهم، ونحو هذا مما يري فيه مصلحة المسلمين. ومما يجب أن يعلم أن من أسلم من الكفار قبل الأسر، ولو بعد الهزيمة فقد أحرز دمه من القتل، ونفسه من الرق، وصغر أولاده من السبي والاسترقاق، يدل على ذلك قول الله : ﴿َإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: ٥) وقول الله : ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿(سورة التوبة: ١١). ولا شك أن هذه الأخوة تستلزم المحافظة على أرواحهم وأموالهم وأولادهم ما داموا قد أسلموا قبل وقوعهم أسرى في أيدي المسلمين. ويدل على هذا أيضاً قول النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " (رواه البخاري [٢٥] في الإيمان، باب: فإن تابوا ... ، ومسلم [٢٢] في الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، عن ابن عمر ﵄. وهذا ويُحكم على الصغر من الأولاد بالإسلام عند وجود ثلاثة أسباب: ١ - إسلام أحد أبويهم، فإنه يتبع أشرف أبويه في الدين، تغليباً لجانب الإسلام، وترجيحاً لمصلحة الصغير، وما هو أنفع له، فإن الإسلام صفة كمال وشرف وعلو، قال ﵊: " الإسلام يعلو ولا يعلي ". (رواه الدارقطني في سننه، كتاب النكاح، ورواه البخاري تعليقاً في الجنائز، باب: إذا اسلم الصبي. انظر العيني [٨/ ١٦٩]). ٢ - أن يسبيه مسلم وهو منفرد عن أبويه، فيحكم عندئذ بإسلامه تبعاً لدين من سباه، ترجيحاً لمصلحته كما قلنا. ٣ - أن يوجد لقيطاً في دار الإسلام، فيحكم بإسلامه تبعاً للمكان الذي وجد فيه وتغليباً لجانب الخير بالنسبة له.

стр. 1550

٣ - الغنائم والأسلاب: الغنيمة: هي المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً، سواء كانت منقولة، أو غير منقولة، وسواء أخذت، والحرب قائمة، أو أخذت عند مطاردة الأعداء وفرارهم، والأسلاب: جمع سلب، وسلب القتيل: ما وجد معه وفي حوزته من المال والسلاح. حكم الغنائم: يجب تقسيم الغنائم خمسة أقسام، فأما أربعة أخماسهم، فتوزع بين المقاتلين، وكان من هدى النبي ﷺ في عصره أن المقاتل راجلاً، يأخذ سهماً واحداً يفرضه له الحاكم، والمقاتل فارساً يأخذ ثلاثة أسهم. روي البيهقي [٩/ ٦٢] أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، قال: ما تقول في الغنيمة؟ قال: " لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش " وروي البخاري [٢٧٠٨] في الجهاد، باب: سهام الفرس عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله $ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً. وفي رواية عند البخاري [٣٩٨٨] في المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم [١٧٦٢] في الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قسم رسول الله $ يوم خيبر: للفرس سهمين، وللراجل سهماً. وإذا كان هذا التقسيم بذاته غير وارد اليوم لاختلاف أساليب الحرب، وأدواتها، فإن المطلوب الآن ملاحظة جنس التفاوت بين المقاتلين، بالقدر الذي يتناسب والفرق ما بين الفارس والراجل فيما مضي، فيعطي للأدنى ١/ ٣ مما يأخذه الأعلى. فيجب على كل حال حجز أربعة أخماس الغنائم، وقصرها على الجند والمقاتلين، بنفس الطريقة التي كان يسلكها رسول الله $، مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال، وطرائقه، وأثرها في تفاوت درجات المقاتلين. ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات، أو مرتبات متلاحقة، إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستمسك بشيء من هذه الأموال المغنومة لنفسها.

стр. 1551

هذا لا يسهم على الشكل الذي ذكرنا من الغنيمة إلا لمن اجتمعت فيه الشروط التالية: الإسلام، والبلوغ، والعقل والحرية، والذكورة، فإن اختل شرط من هذه الشروط، رضخ له الإمام، أي أعطاه شيئاً من الغنيمة قبل قسمتها ويجتهد في قدره حسب ما قدم من نفع، على أن لا يبلغ ما يعطيه سهم الراجل ولك لأن هؤلاء الذين لم تتكامل فيهم تلك الشروط، كالصغار والنساء والعبيد، ليسوا من أهل الجهاد الذي يفرض عليهم حضوره. وأما الخمس الخامس من الغنيمة، فيوزع أخماساً كما نصت عليهم الآية القرآنية: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (سورة الأنفال: ٤١). [لله خمسه: أي يحكم فيه كما يشاء. وللرسول أي قسمته وتوزيعه، وله فيه نصيب، وهو خمسه. اليتامى: جمع يتيم، وهو كل صغير لا أب له، فإذا بلغ لم يبق يتيماً لقوله ﷺ : " لا يتم بعد احتلام ". (رواه أبو داود [٢٨٧٣] في الوصايا باب: ما جاء متى ينقطع اليتم، عن على بن أبي طالب ﵁. ابن السبيل: المسافر الذي فقد النفقة، وهو بعيد عن ماله. ولذي القربى: هم أقارب الرسول الذين لا تحل لهم الصدقة، وهم بنو هاشم والمطلب، روي البخاري [٢٩٨١] في الخمس، باب: الدليل على أن الخمس للإمام، وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض، عن جبير بن مطعم ﵁ قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلي رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ". بمنزلة واحدة: أي من حيث القرابة، لأن الجميع ينو عبد مناف، شيء واحد: لأنهم ناصروه قبل إسلامهم وبعده] حكم الأسلاب: وقد عرفت الأسلاب، والفرق بينها وبين الغنائم، وحكمها أن سلب القتيل يكون ملكاً لقاتله إذا أخذه وكان ممن يستحق الغنيمة. ودليل ذلك قول النبي ﷺ " من قتل قتيلاً له عليه بينه، فله سلبه ". (رواه

стр. 1552

البخاري [٢٩٧٣] في الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلاً فله سلبه، ومسلم [١٨٥١] في الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، عن أبي قتادة ﵁. تنبيه: يري الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن حكم الأسلاب ـ على نحو ما ذكرنا ـ هو حكم تبليغي، أخبر به النبي ﷺ فه ثابت إلي ويم القيامة. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلي أنه حكم قضائي، قضي به رسول الله ﷺ بوصف كونه حاكماً، ولم يخبر به عن الله بوصف كونه نبياً، وعليه يجوز للحكام بعد رسول الله ﷺ أن يخالفوه إلي ما هو مصلحة في عصرهم، وظروفهم. ٤ - الفيء: تعريف الفيء: الفيء هو ما أخذه المسلمون من أعدائهم بدون قتال، ومن أموال منقولة، وغير منقولة، قال الله في أموال يهود بني النضير: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة الحشر: ٦). [أوجفتم: أسرعتم. ولا ركاب: ولا أبل، أي لم تقاسموا فيه مشقة] فالفرق إذاً بين الفيء والغنائم، أن الغنائم مال وصل إلي المسلمين في أعقاب حرب، والفيء: مال وصل إلي المسلمين من أعدائهم بدون حرب ولا قتال. حكم الفيء: يقسم الفيء أخماساً، فيجعل خمسه في أصحاب خمس الغنيمة وخم خمس فئات كما مر في الغنيمة. ١ - رسول الله ﷺ ، وقد كان يأخذ من خمس الخمس ما يحتاج إليه من نفقته ونفقة عياله، وما فضل كان يضعه في مصالح المسلمين: كالثغور، والمشاريع

стр. 1553

المختلفة. وسهم رسول الله ﷺ بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين. روي البخاري [٢٧٤٨] في الجهاد، باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، ومسلم [١٧٥٧] في الجهاد والسير، باب: حكم الفيء، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسول الله ﷺ ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله $ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع، عدة في سبيل الله. ٢ - ذوو القربى، وهم بنو هاشم والمطلب أقرباء رسول الله $، وقد مر دليل ذلك. ٣ - اليتامى، وهم من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ. ٤ - المساكين، ويدخل في زمرتهم الفقراء، لأن الفقراء أسوأ حالاً من المساكين. ٥ - أبناء السبيل، وهم المسافرون الذين فقدوا نفقتهم، وهم بعيدون عن أموالهم. وأما الأربعة الأخماس الأخرى فتصرف في مصالح المسلمين، بشرط أن يكون في مقدمتها رفع مستوي العاملين في الجيش، وهم الأجناد المرصود ون للجهاد. فإن كانت أموال الفيء منقولة وزعت عليهم أعيانها. وإن كانت غير منقولة كالعقارات، وقفت لمصالح بيت مال المسلمين، ووزع ريعها على من ذكرناهم. ويدل على كل ما ذكر قول الله تبارك وتعالي: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وهذه الآية مطلقة لم يذكر فيها التخميس، كما هو واضح، لكنها تحمل على آية الغنيمة المقيدة بالتخميس، فتخمس كما ذكرنا. قال رسول الله ﷺ : ﴿ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود فيكم﴾. (رواه البيهقي [نهاية: ٣/ ٢٧٢]) [والمراد بالخمس: خمس الخمس، كما علمت. وقوله: مردود فيكم: أي يصرف في مصالحكم. وذلك بعد وفاته ﷺ ]

стр. 1554

هذا، ومن جملة مصارف الفيء: النفقة على أسر من يموت من المجاهدين الذين سبق ذكرهم، ويسمون المرتزقة، ولو في غير قتال، أو العلماء ونحوهم، ممن تحتاج الأمة إلي أعمالهم، فيعطي ورثتهم الذين كانت تلزمهم نفقتهم في حياتهم ما يسد حاجتهم. قال في النهاية: ومن مات من المرتزقة دفع إلي من كان تلزمه نفقته من أربعة أخماس الفيء كفايته، لا ما كان يأخذه هو، فتعطي الزوجة وإن تعددت، والبنات حتى ينكحن، أو يستغنين بكسب أو بغيره، والذكور حتى يستقلوا بالكسب، أو المقدرة على الغزو، لئلا يشتغل الناس بالكسب عن الجهاد، إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم، ومن بلغ من الأبناء عاجزاً، فكمن لم يبلغ وقال: ويعطي أولاد العالم من أموال المصالح إلي أن يستقلوا، وللزوجة حتى تنكح ترغيباً في العلم [٣/ ٧٤] ٥ - الجزية: تعريف الجزية: الجزية: من الجزاء، وهو الثواب والعقاب، والمراد منها شرعاً: المال الذي يدفعه الكتابي، ومن في حكمه، لبيت مال المسلمين جزاء كف اليد عنهم، ودخولهم تحت الحماية والرعاية، والتزام الدولة الإسلامية النظر في شؤونهم وذلك ضمن ضوابط وشروط معينة. دليل مشروعية الجزية: قلنا سابقاً بأن الجزية شرعت، لأهل الكتاب، ومن في حكمهم، ويدل على مشروعيتها قول الله ، في أهل الكتاب: ﴿حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (سورة التوبة: ٢٩). [عن يد: أي طائعتين غير ممتنعين. وهم صاغرون: قال الشافعي رحمه الله تعالى: الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم وقد سبق بيان ذلك] حكمة تشريع الجزية: قلنا سابقاً: إن الكتابي يملك من الإيمان بالله تعالي ما يفسح مجالاً لتعايش المسلمين معه ضمن حدود وضوابط مرسومة. ومن فوائد هذا التعايش القائم على حرية النظر والفكر، أن تتلاقح الأفكار.

стр. 1555

ويطلع الكتابيون على ما لم يكونوا يعلمونه من حقائق الإسلام، وتذوب أسباب العصبية، فيجتمع الكل على الحق. إلا أن هذا التعايش لا يتم إلا بتحمل الدولة الإسلامية مسؤولياتها تجاههم، والنظر في شؤونهم، لا سيما المعيشية والاقتصادية، فكان لابد من أخذ ضريبة مالية محددة، لتيسير أسباب القيام بهذه المسؤوليات. شروط الجزية: يشترط لعقد الجزية الشروط التالية: ١ - أن يكون أصحابها من أهل الكتاب ـ نصارى أو يهوداً ـ أو من هم في حكمهم، وهم المجوس، لقوله ﷺ : " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ". (رواه مالك في الموطأ [١/ ٢٧٨] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس). ومثل المجوس في الحكم من يزعمون التمسك بمصحف إبراهيم، أو زبور داود ﵉. وروي البخاري [٢٩٨٧] في الجزية، باب: أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، أن عمر بن الخطاب ﵁، لم يكن ليأخذ من المجوس، حتى شهد عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن النبي $ أخذها من مجوس هجر. ٢ - أن يجري بذلك عقد إيجاب وقبول بينهم وبين إمام المسلمين، فيقول الإمام، أو من ينوب منابه: أقربكم بدار الإسلام على أن تبذلوا جزية قدرها كذا وكذا، وتنقادوا لحكم الإسلام، ثم يقول ممثل الطرف الآخر من أهل الكتاب: قبلنا بذلك. ٣ - أن يذكر قدر الجزية محددة، ومصنفة بالنسبة لأغنيائهم وفقرائهم، وأن يتم القبول بناء على ذلك. ٤ - أن لا يؤقت عقد الجزية بفترة زمنية محدودة، كعام ونحوه، لأنه عقد يحقن به الدم، فلا يجوز أن يكون مؤقتاً، كعقد الإسلام.

стр. 1556

شروط من تأخذ الجزية منهم: يشترط فيمن تؤخذ منهم الجزية خمس صفات: العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورية، وأن يكون من أهل الكتاب ومن في حكمهم. ويدل على اعتبار هذه الشروط قول الله تعالي: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (سورة التوبة: ٢٩) , فقد دلت هذه الآية على أن الجزية تؤخذ من المكلفين أهل القتال، فخرج النساء، لأنهن لسن من أهل القتال، وكذلك العبيد، وخرج الصبيان والمجانين، لأنهم غير مكلفين. وروي البيهقي [٩/ ١٩٥] أن عمر ﵁ كتب إلي عماله أن لا يضربوا الجزية على النساء والصبيان. حدود الجزية: أقل الجزية دينار على كل رجل في كل عام، فيؤخذ الدينار ممن كانوا دون المرتبة الوسط في المعيشة واليسر. ويؤخذ ديناران كل عام من المتوسط الحال. ويؤخذ أربعة دنانير من أصحاب الغني. واعلم أن الزيادة على الدينار مستحبة عند اليسر، بالشكل الذي ذكرناه، أما الواجب فهو دينار واحد، فلو أبي الغني أو المتوسط عقدها إلا بدينار واحد أجيب، لأنه القدر المنصوص عليه وجوباً. ويجوز للإمام أن يشترط على أهل الجزية الضيافة فضلاً عن مقدار الجزية وقد جاءت الأحاديث، ووردت السنة بكل ما ذكرنا. روي أبو داود [٣٠٣٨] في الإمارة، باب: في أخذ الجزية، عن معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ لما وجهه إلي اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله من المعافري.

стр. 1557

[حالم: محتلم، أي بالغ. عدله: ما يعادله ويساويه. من المعافري: نسبة إلي معافر، موضع باليمن، تنسب إليه الثياب، وتكون به] وروي مالك في الموطأ [١/ ٢٧٩] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، عن أسلم رحمه الله تعالى: أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. [الورق: الفضة]. وروي البيهقي [٩/ ١٩٥] أن النبي ﷺ صالح أهل أيله على ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة رجل، وعلى ضيافة من مر بهم من المسلمين. وروي البيهقي أيضاً [٩/ ١٩٦] أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على الغني ثمانمائة وأربعين درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير اثني عشر درهماً. وكان صرف الدينار باثني عشر درهماً. الآثار التي تترتب على عقد الجزية من حقوق للمسلمين: يتضمن عقد الجزية أربعة أشياء يلزم بها أهل الجزية: ١ - أداء الجزية حسب الاتفاق الذي تم بينهم وبين المسلمين، ديناراً فأكثر. ٢ - أن يجري عليهم حكم الإسلام فيما يقرون ـ ولو ضمناً ـ بحكم الإسلام فيه، كحرمة الزني مثلاً، وبناءًَ على ذلك رجم النبي ﷺ يهودياً ويهودية زنيا. (رواه البخاري [٦٤٣٣] في المحاربين، باب: الرجم في البلاط، ومسلم [١٦٩٩] في الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزني، عن ابن عمر ﵄. وعليه، فإنهم يمنعون من التعامل بالربا، ومن ارتكاب الفواحش، وأسباب الفسوق، لأنهم يعرفون حرمة ذلك في دينهم ودين المسلمين، بخلاف ما لا يقرون بحكمه في الإسلام، كشرف الخمر مثلاً فإنهم لا يقرون بحرمته في شريعتهم، فلا تجري عليهم أحكامنا فيه، إلا إن ترافعوا إلي قاضي

стр. 1558

المسلمين، فإنه يحكم بينهم بشرعنا. ٣ - أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بخير، فلو تعرضوا للقرآن، أو ذكروا الرسول ﷺ بما لا يليق، أو طعنوا في شرع الله ، عزروا، وإن كان شرط انتفاض العهد بذلك نقض. ولو عثر على أنهم يكيدون للإسلام في الخفاء بقول أو فعل، فسخ عقد الذمة بيننا وبينهم، إلا ما كان من ذلك تعبيراً عن عقيدتهم مثل قولهم: إن محمداً ﷺ ليس برسول، وإن القرآن ليس بكلام الله تعالي، فلا تنقض الذمة بيننا وبينهم، لأنهم يعبرون بذلك عن عقيدتهم، وإن كنا نعلم بطلانها. ٤ - أن لا يفعلوا ما فيه ضرر بالمسلمين: كأن يؤووا جاسوساً للكفار، أو يتواطؤوا مع أهل الحرب علي إيذاء المسلمين. فلو امتنعوا من أداء الجزية المتفق عليها، ولو كانت أكثر دينار، أو ذكروا الله ورسوله بسوء، أو عثر على أنهم متواطئون مع أهل الحرب ضد المسلمين انتقضت ذمتهم. بيان ما يجب لهم من الرعاية والحماية بعقد الذمّة: إن عقد الذمة بيننا وبين أهل الكتاب يتضمن أربعة أشياء يلزم بها المسلمون تجاه أهل الذمة: ١ - إنهاء الحرب معهم، وعودة العلاقات السلمية بيننا وبينهم، ودليل ذلك ما رواه مسلم [١٧٣١] في الجهاد، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، وغيره عن بُريدة ﵁، وفيه: " فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ". ٢ - وجوب حمايتهم، والمحافظة عليهم، وعلى أموالهم وحرماتهم إزاء أي اعتداء عليهم، أو عليها، من المسلمين، أو من غيرهم. روي البخاري [٢٨٨٧] في الجهاد، باب: يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون عن عمر بن ميمون، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله ﷺ ، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم).

стр. 1559

٣ - عدم التعرض لكنائسهم القائمة، وما يتبعها من شعائرهم الدينية، وخمورهم وخنازيرهم، ما لم يظهروها أو يتباهوا بها. جاء في كتاب النبي ﷺ لنصارى نجران: " ... ولنجران وحاشيتها وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليه دية ولا دم جاهلية، ولا يخسرون ولا يعسرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقاً، فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ". ٤ - لزوم عقد الذمة في حق المسلمين واستمراره، فلا يملك إمام المسلمين، أو احد منهم نقضه بحال، لأنه عقد مؤبد، ما لم يصدر من أهل الذمة شيء يستوجب نقض العهد مما قد سبق بيانه.

стр. 1560

الهدنة والاستئمان معني الهدنة: الهدنة، وتسمي الموادعة والمعاهدة والمسالمة، وهي في اللغة: بمعني المصالحة. والهدنة شرعاً: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة، والأصل في تشريعها، قبل الإجماع، قول الله : ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة التوبة: ١)، وقوله تبارك وتعالي: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة الأنفال: ٦١). ومهادنة النبي ﷺ قريشاً عام الحديبية. (رواه البخاري [٣٩٤٥] في المغازي، باب: غزوة الحديبية، ومسلم [١٧٨٣] في الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية). معني الاستئمان: والاستئمان: أن يطلب أي فرد من أهل الحرب الأمان من أي واحد من أفراد المسلمين، فيعطيه هذا الأمان، ولكل من المسلمين أن يعطي الأمان لمن طلبه من الأعداء، حاكماً كان المعطي، أو واحداً من عامة الناس، ذكراً كان أو أنثي، فإذا أعطاه الأمان حقن بذلك دمه، وحرم على سائر المسلمين أن تمتد إليه أيديهم بأي أذي. قال الله تعالي: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (سورة التوبة: ٦)

стр. 1561

الفرق بين الهدنة والاستئمان: نلاحظ من التعريفين السابقين لكل من الهدنة والاستئمان الفروق التالية: أولاً: أن الهدنة صلح جماعي يمثله من طرف المسلمين الحاكم الأعلى أو نائبه، ويمثله من طرف الأعداء قائدهم، أو من ينوب عنه، بينما الاستئمان يكون للآحاد والجماعات من الكفار، ويقوم بإعطائه لهم، أو لأي فرد منهم أي شخص من المسلمين، حاكماً أو غيره، رجلاً أو امرأة. ثانياً: أن الهدنة طريقة من طرق إنهاء الحرب بين المسلمين وعدوهم، فلا يمكن أن تجتمع الحرب مع الهدنة، أما الاستئمان، فيمكن أن يتم أثناء الحرب، بأن يستأمن أحد الجنود من أهل الحرب مسلماً رآه أمامه، فأعطاه الأمان، فإنه يصبح عندئذ محقون الدم، لا يجوز لأحد علم بذلك أن يمسه بأذى، مع أن الحرب دائرة، بين المسلمين والكافرين. حكم كل من الهدنة والاستئمان: حكم الهدنة: أما الهدنة، فلها حالتان: الحالة الأولي: أن يطلبها الأعداء، فيجب على إمام المسلمين الاستجابة لهم مع الحذر، وأخذ الحيطة، ولا يجوز أن يمتد أجلها أكثر من أربعة أشهر. الحالة الثانية: أن يبادر إليها المسلمون، وإنما تجوز بناء على ظهور مصلحة للمسلمين فيها، فإن كانت اعتباطاً، أي بدون مصلحة داعية لها، لم تصح ولم تنعقد. ثم إن كانت المصلحة الداعية إلي الهدنة رجاء التخلص من ضعف في ظلال السلم، وطمأنينة الأمن، جاز أن يمتد أجلها إلي عشرة أعوام فقط، ودليل ذلك صلح الحديبية، فقد تم بسبب ما رآه النبي ﷺ من ضعف المسلمين، وتألب الأعداء عليهم، وكان أجله في العقد المتفق عليه بين المسلمين ومشركي مكة عشرة أعوام. أما إن كانت المصلحة شيئاً آخر غير الضعف، كتوقع إسلام الأعداء، أو خضوعهم للجزية، فلا يجوز والحالة هذه أن تزيد الهدنة عندئذ عن أربعة أشهر، وذلك تمسكاً بمفهوم قول الله تعالي: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة

стр. 1562

وأعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ (سورة التوبة: ٢). حكم الاستئمان: وأما الاستئمان، فالإجابة إليه واجبة، إن لوحظت في ذلك مصلحة للمسلمين، أو مصلحة للمستأمن، ذلك لصريح قول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: ٦) ويجوز أن يخاطب بالاستئمان الحاكم، أو نائبه، أو أي شخص من المسلمين، ويجري في حقهم جميعاً الحكم الذي ذكرناه، وهو وجوب الاستجابة مهما لوحظت في ذلك المصلحة. ويعتد بأمان المسلم أيا كان ذكراً أو أنثي، لقوله ﵊: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعي بذمتهم أدناهم " (أخرجه أو داود [٤٥٣٠] في الديات، باب: إيقاد المسلم بالكافر، وابن ماجه [٢٦٨٣] في الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في المسند [١/ ١١٩]، عن عبدالله بن عمرو ﵁. وروي البخاري [٣٠٠٠] في الجزية، باب: أمان النساء وجوارهن، ومسلم [٣٣٦] في الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه، وغيرهما، عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، أنها ذهبت إلي رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: " مرحباً بأم هانئ "، فلما فرغ من غسله قام فصلي ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي على، أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت أم هانئ: وذلك ضحي. [فلان ابن هبيرة: قيل هو جعدة، ولد زوجها من غيرها. وذلك ضحي: أي وقت الضحى]

стр. 1563

شروط مشروعية كل من الهدنة والاستئمان: أولاً: شروط الهدنة: لا تتم الهدنة إلا بالشروط التالية: الشرط الأول: أن يعقد الهدنة الإمام أو نائبه، فلا تصح هدنة بين المسلمين وأعدائهم يعقدها واحد من عامة المسلمين، أو من أولي الحل والعقد فيهم، وذلك لما فيها من الخطورة والأهمية، إذ يترتب عليها إنهاء الحرب مع العدو، والانتقال إلي حال السلم، ولو كان السلم مؤقتاً بزمن معين، وإنما يملك إعلان السلم، وتقريره من يملك إعلان الحرب وقيادتها، وهو الحاكم، أو نائبه الأعلى. الشرط الثاني: أن تنطوي الهدنة مع العدو على مصلحة أكيدة للمسلمين، أيا كان نوع تلك المصلحة، فإن لم ترج مصلحة ما منها للمسلمين، لم تصح ولم تشرع. الشرط الثالث: أن لا تزيد الهدنة بين المسلمين وعدوهم على عشرة أعوام، إن كان المصلحة منها رجاء تخلص المسلمين من ضعف يعانونه، وأن لا تزيد عن أربعة أشهر إن كانت المصلحة شيئاً آخر غير متعلق بضعفهم. فلو عقدها لهم الإمام مطلقاً، أي دون تقيد بزمان فسدت، ولم تصح ودليل هذا الشرط ما سبق وذكرنا من صلحه ﵊ في الحديبية مع قريش، وكان أمد ذلك الصلح عشر سنين وكذلك قول الله للمشركين: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (سورة التوبة: ٢). الشرط الرابع: أن لا يشترط أن لا يشترط الكفار لأنفسهم على المسلمين شرطاً باطلاً. فإن شرطوا لأنفسهم ذلك، ووافقهم الإمام عليه فسدت الهدنة وذلك كان يطلب المسلمون الهدنة، فيشترط الكفار لأنفسهم حق الاحتفاظ بأسري المسلمين، أو يشترطوا على المسلمين التنازل عن بعض أموالهم المنقولة أو غير المنقولة، أو التنازل عن بعض واجباتهم الإسلامية، فإن إقحام شرط من هذا القبيل في عقد الهدنة يفسدها، ويجعلها لاغية لا صحة لها.

стр. 1564

ثانياً: شروط الاستئمان: ويشترط لتأمين أحد من الكفار الشروط التالية: الشرط الأول: أن يكون الأمان، بناءً على طلب من أهل الحرب، شخصاً كان أو جماعة، فلا يعطي الكافر الحربي أماناً بدون طلب منه، وهذا الشرط واضح في الآية السابقة: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ أي طلب منك الأمان. الشرط الثاني: أن يكون المجير أهلاً للإجارة، وإنما يكون أهلاً لها بالإسلام، فلو أجار ذمي حربياً وأعطاه أماناً، فلا أمان له، ولا اعتبار بكلامه، ولا يجب على المسلمين احترام ذمته، لأنه لا يجير على المسلمين إلا واحد منهم. الشرط الثالث: أن يعلم به ولي الأمر، أو قائد الجيش فيقره، فلو لم يعلم به، أو علم به ولكنه لم يقره، بل ألغاه، إذا ثبت له مثلاً أنه عين على المسلمين وجاسوس لأعدائهم، فلا عبرة بالأمان المعطي لذلك الشخص، أو لتلك الجماعة. أما إذا علم ولي الأمر، أو قائد الجيش بالأمان الذي أعطاه أحد المسلمين لواحد من الحربيين، وبحث فلم يجد ما يمنع الموافقة على أمانه، فليس له أن يلغيه أو يهمله، بل يجب عليه أن يعلن الأمان له ليسري ذلك على جماعة المسلمين كلهم. الآثار والالتزامات التي تترتب على عقد الهدنة والاستئمان: إذا تم عقد الهدنة بين المسلمين وعدوهم، وتكاملت فيه الشروط المذكورة، وأعطي الحربي المستأمن الأمان ممن طلبه منه بشروطه المذكورة أيضاً، ترتب على كل منهما آثار والتزامات يجب الوفاء بها. أولاً: الآثار والالتزامات المترتبة على عقد الهدنة: يترتب على عقد الهدنة آثار والتزامات نلخصها فيما يلي: أ- يجب الكف عمن هودنوا، ويحرم مسهم بأي أذي أو سوء، ولكن لا يجب المحافظة عليهم ضد الآخرين، ويستمر هذا الحكم إلي إحدى غايتين: الغاية الأولي: انقضاء مدة الهدنة.

стр. 1565

الغاية الثانية: أن يبدر منهم ما ستوجب نقضها، وذلك بان يصرحوا بنقضهم لها، ويكون ذلك بتصريحهم جميعاً، أو بتصريح ولي أمرهم عنهم بذلك أو بأن يبادروا إلي القتال، أو بأن يكاتبوا أعدائنا بكشف بعض أسرارنا، أو بأن يقتل مسلم على أيديهم. فإن تضامنوا جميعاً بنقض الهدنة بسبب من هذه الأسباب، وما يشبهها فلا جرم أن المسلمين يصبحون بمجرد ذلك في حل من معاهداتهم ومسالمتهم. أما إن استقل بعضهم بارتكاب واحد من هذه الأسباب فينظر: _ أن أنكر الباقون، بأن اعتزلوهم، أو ضربوا على أيديهم، أو أعلموا الإمام باستنكارهم فعل إخوانهم، وأعلنوا بقائهم على العهد، لم يؤثر شيء من ذلك على الهدنة، وبقيت أحكامها مستمرة، في حق من لم يبدر منهم سؤ. ـ وإن لم ينكروا بقول ولا فعل مع علمهم بذلك، انتقضت الهدنة في حقهم جميعاً. وإذا استشم إمام المسلمين بوادر الخيانة في صفوف المهادنين، أي لاحظ مجرد مقدمات لها، دون أن يعثر على خيانة مادية يمكن الاعتماد عليها في إنهاء عقد الهدنة، لم يكن له نقض الهدنة إلا بعد أن يعلن عليهم جميعاً أن المسلمين مقدمون على إلغاء الهدنة التي بينهم وبين المسلمين، بسبب ما قد بدر من دلائل الخيانة في صفوفهم. ويستدل على ما ذكرنا بقول الله : ﴿َمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة التوبة: ٧)، وقلوه تبارك وتعالي: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: ٥٨). [فانبذ إليهم على سواء: أي اطرح إليهم عهدهم على علم منك ومنهم]. فإذا أعلمهم ببوادر خيانتهم، وطرح لهم عهدهم حل للمسلمين قتالهم

стр. 1566

على الشكل الذي أرشدهم الله إليه. قال الله تعالي: ﴿﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال ٥٦ - ٥٧) [تثقفنهم: تجدنهم وتدركنهم. فشرد بهم من خلفهم: فرق بهم من خلفهم من المحاربين بالتنكيل بهم والعقوبة لهم] وقال رسول الله ﷺ : " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء ". (رواه الترمذي [١٥٨٠] في السير، باب: ما جاء في الغدر، وأبو داود [٢٧٥٩] في الجهاد باب: في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه). ب- يجب على المسلمين الوفاء كل شرط تحملوه للطرف الآخر، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً، فلا يجوز الوفاء به، بل لا يجوز إقحامه في عقد الهدنة مثال الشروط الصحيحة التي يجب الوفاء بها: أن يشترط العدو على المسلمين إيواء من يصل إليهم من المرتدين الذين كانوا عندنا مسلمين، أو نرد إليهم من جاءنا مسلماً منهم لأن سهيل بن عمرو شرط ذلك على المسلمين في صلح الحديبية فوافقه النبي ﷺ على ذلك، وقد سبق تخريج حديث صلح الحديبية. ومثال الشروط الباطلة: أن يشترطوا على المسلمين إعادة النساء المسلمات اللائي يأتين إلينا من قبلهم، لأن الله ، نهى عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (سورة الممتحنة: ١٠). ج- عقد الهدنة يصبح عقداً لازماً بعد وجوده مستوفي الشروط والأركان فلا يجوز للمسلمين نقضه بدون موجب إلي أن تنتهي المدة المضروبة له.

стр. 1567

ثانياً: الآثار والالتزامات المترتبة على إعطاء الأمان: وهذه الالتزامات نُجملها فيما يلي: أيجب على المسلمين جميعاً كف الأذى عمن أعطي الأمان، بقطع النظر ـ كما قلنا ـ عن الشخص الذي أجاره وأعطاه الأمان، ودون تفريق بين كونه ذكراً أو أنثي، بشرط أن يكون مسلماً، إلا إذا علم أنه عين للكافرين علينا، أو غلب على الظن ذلك فيلغي أمانه. ب - إذا انتهت مدة الأمان، أو أراد المستأمن أن يخرج عن جوار المسلمين قبل انتهائها، وجب على الحاكم أن يبلغه مأمنه، أي المكان الذي يطمئن فيه من العدوان على حياته وماله، ويستطيع أن يأخذ فيه حذره من أي شر قد يصيبه، وذلك لصريح قول الله تعالي: ﴿َإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: ٦). ج - إذا أصبح الكافر الحربي مستأمناً في جوار المسلمين، كان ذلك بمثابة العقد اللازم، فليس لمن أجاره وأمنه أن يعود، فكيف عن ذلك بدافع ندم، أو نحوه ما لم يصدر من المستأمن ما يستدعي إلغاء جواره.

стр. 1568

الباب الثالث الفتوة وأحكامها

стр. 1569

المسابقة تعريف المسابقة: المسابقة لغة: مفاعلة من السبق، وهو التقدم على الغير، والمسابقة أيضاً: اختبار يجري لأشخاص للحصول على عمل ينتقي أفضلهم. والمقصود بالمسابقة هنا أن يتباري اثنان فأكثر في ركض الدواب التي تصلح للكر والفر: كالخيل والإبل، على أن تكون من نوع واحد. والسبق: اسم للمال الذي يرصد للمسابقة. حكم المسابقة ودليل مشروعيتها: المسابقة سنة موروثة عن الرسول ﷺ ، وعمل مشروع، والأصل الأول في مشروعيتها واستحبابها: قول الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون﴾ (سورة الأنفال: ٦٠). وخبر ابن عمر ﵁: " وأن النبي ﷺ سابق الخيل التي قد ضمرت، من الحيفاء إلي ثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلي مسجد بني زريق ". (رواه البخاري [٤١٠] في المساجد، باب: هل يقال مسجد بني فلان، ومسلم [١٨٧٠] في الإمارة، باب: المسابقة بين الخيل وتضميرها، عن ابن عمر ﵄. [أضمرت، وضمرت: سمنت أولاً، ثم قلل علفها وأدخلت مكاناً وجللت حتى يكثر عرقها ويجف فيذهب رهلها ويقوي لحمها ويشتد. الحيفاء: موضع قرب المدينة. الثنية: ثنية الوداع في المدينة].

стр. 1570

هذا إذا قصد بالمسابقة التأهب للجهاد، وإعداد القوة له، أما إذا قصد بها الفخر والخيلاء كانت حراماً، لأن الأمور بمقاصدها، أما إذا لم يقصد بها هذا ولا ذاك فهي مباحة ولأنها من الرياضيات المفيدة للجسم، والمقوية للشكيمة. أنواع المسابقة: للمسابقة صور مختلفة، بعضها مشروع وبعضها محرم، ونحن نستعرض أولاً هذه الصور كلها، ثم نوضح المحرم والمشروع منها: الصورة الأولي: أن يتسابق الطرفان، ويقرر مال معين للسابق منهما، على أن يكون الدفع من الحاكم، أو من شخص آخر، خارج عن الاشتراك في عملية السباق، بأن يقول هذا الشخص: من سبق منكما فله مني كذا .. ، ويجوز أن يقوم بالتسابق أكثر من اثنين. الصورة الثانية: أن يلتزم أحد المتسابقين دفع المال لزميله إن هو سبقه، ولا يلتزم زميله شيئاً عن هو سبق، بأن يقول الأول: أن سبقتني فلك على كذا، أو سبقتك، فلا شيء لي عليك. الصورة الثالثة: أن يلتزم كل منهما دفع مبلغ من المال لمن سبقه، فأيهما تخلف يلتزم بإعطاء المبلغ المتفق عليه للسابق. الصورة الرابعة: كالصورة الثالثة، على أن يضاف إليهما محلل، وهو عنصر ثالث مسابق، فرسه كفء لفرسيهما. فإن سبقهما أخذ المالين من كل منهما، وإن سبقاه، وجاءا معاً، فلا شيء لأحد على الآخر، لأن المتراهنين وصلا معاً، ولأن المحلل لم يلتزم شيئاً عن التخلف، وإن وصل المحلل مع أحدهما أولاً، وتخلف الثاني عنهما، فمال الأول منهما مع المحلل يبقي له، ومال المتأخر منهما يوزع بالتساوي بين المحلل والذي وصل معه. بيان الجائز والمحرم من هذه الأنواع: إذا تصورت هذه الأنواع من المسابقة، وأدركت الفرق بينها، فأعلم أن صورة واحدة منها هي المحرمة، لها حكم الميسر، وهو القمار، وهي الصورة الثالثة، أما الصور: الأولي والثانية والرابعة فهي مشروعة لا مانع منها.

стр. 1571

وإنما سمي العنصر الثالث في الصورة الرابعة محللاً، لأنه إذا دخل في الصورة الثالثة مشتركاً بالشكل الذي ذكرناه حولها من الحرمة إلي الحل. فالصورة الرابعة هي عين الثالثة مضافاً إليها هذا المحلل. شروط المسابقة: وأيا كانت صورة المسابقة، فلا بد فيها من توفر شروط معينة، نلخصها فيما يلي: الشرط الأول: علم المتسابقين بالمنطلق الذي يبدؤون منه الجري، وبالغاية التي يتوقف الجري عندها، ولا بد أن يكون المبدأ والمنتهي للجميع واحداً. الشرط الثاني: تعيين الأفراس، أو الإبل مثلاً، فإذا تعينت وعرفت، لم يجز استبدال فرس بأخر، فإن استبدل أحدهم بفرسه غيره فسدت المسابقة. الشرط الثالث: أن تكون الأفراس بحالة يمكن معها السبق والتخلف، فإن كان فيها ضعيف يقطع العقل بتخلفه، أو فاره يجزم العقل بتقدمه لم يجز السباق. الشرط الرابع: أن يعلم الكل مبلغ المال المشروط للسابق الأول، والثاني، وهكذا. فلو كان فيهم من لم يعلم بالمال، أو كميته لم يصح السباق. الشرط الخامس: أن يكون المال من يد أجنبي غير مشتركة بالسباق، بأن يكون من الدولة، أو من أحد الأثرياء مثلاً، فإن كان من أحد المشتركين جاز بشرط أن لا يلزم الآخرون بالدفع عند تخلفهم، فإن ألزموا بذلك كان لابد من أن يشترك معهما أو معهم عنصر محلل، ينسق بينهم المال بالطريقة التي شرحناها. أثر دخول عنصر المال في السباق: مما ذكرنا يتبين لك أن دخول عنصر المال في السباق لا يمنع مشروعيته ولا يؤثر فيه بأي فساد، بل هو مما يرغب فيه، لتحقيق المزيد من التشجيع. إلا أن عنصر المال يفسد السباق في حكم الشريعة الإسلامية، عندما يكون أخذاً وعطاءً من الطرفين، بأن يقال: السابق منكما يأخذ، والمتخلف منكما يدفع. وسبب الفساد أن عنصر المال بهذه الصورة يأخذ، والمتخلف منكما يدفع. وسبب الفساد أن عنصر المال بهذه الصورة يأخذ محور الميسر تماماً، وقد

стр. 1572

حرمه الله تعالي بصريح تبيانه قال : ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة المائدة: ٩٠). [الخمر: كل مسكر. الميسر: القمار. الأنصاب: الأصنام. الأزلام: قداح الاستقسام، التي كانوا يطلبون معرفة ما هو مقسوم لهم بواسطتها. رجس: خبيث مستقذر]. ما تجوز به المسابقة: وتجوز المسابقة بكل الدواب التي تصلح للحرب والكر والفر، مثل الخيل والبغال والجمال، وما لا يصلح شيء منها لذلك، فلا تجوز المسابقة به كالبقر، والطيور وغيرها. ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " لا سبق إلا في خف، او حافر، أو نصل " (رواه أبو داود [٢٥٧٤] في الجهاد، باب: في السبق، والترمذي [٧٠٠] في الجهاد، باب: ما جاء في الرهان والسبق). [خف: أي ذي خف، والمراد الإبل. حافر: أي ذي حافر، والمراد الخيل وما يلحق بها. نصل: القسم الذي يخرج من السيف والرمح والسهم ونحوها والمراد الرمي بها] وقد كانت هذه هي آلة الحرب وعدته يومها، فيلحق بها كل ما كان كذلك حسب الزمان والمكان، مما يصلح في الحرب، ويستعمل في نكاية العدو.

стр. 1573

المناضلة بالسهام والأسلحة المختلفة تعريف المناضلة: المناضلة: مفاعلة، من النضل، وهو الرمي، وتناضل القوم: تراموا لتظهر مهارة كل منهم في الرمي، وهي والمكافحة والمقاومة بمعني واحد. والنضال بالسهام أو السلاح، يراد به استعمالها على الوجه الصحيح في نضال الأعداء. والمناضلة شرعاً: تنافس متشاركين فأكثر على البراعة في استعمال السلاح، ورمي الهدف على مال بشروط معينة. حكم المناضلة، ودليله: المناضلة سنة، كما قلنا في المسابقة، مادام الغرض منها الإعداد للجهاد، ومقارعة الأعداء، فإذا كان الغرض منها المفاخرة، أو العدوان على الأبرياء انقلبت إلي معصية عملاً بالقاعدة: الأمور بمقاصدها. ويستدل على مشروعية المناضلة، والترغيب فيها، بقول الله : ﴿َأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: ٦٠). فقد فسر النبي ﷺ القوة في الآية بالرمي، فقال: " ألا إن القوة الرمي " (رواه مسلم [١٩١٧] في كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، عن عقبة بن عامر ﵁. وروي البخاري [٢٧٤٣] في الجهاد، باب: التحريض على الرمي، عن سلمة بن الأكوع رض الله عنه قال: مر النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون،

стр. 1574

فقال النبي ﷺ " ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان "، قا: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : " ما لكم لا ترمون "؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال " ارموا، فأنا معكم كلكم ". وروي أبو داود [٢٥٧٤] والترمذي [١٧٠٠] وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ". وقد سبق تخريج الحديث في المسابقة. فأما الخف والحافر، فكناية عن البعير والفرس، وأما النصل، فكناية عن السهام، وما يدخل في حكمها من الأسلحة الأخرى المختلفة. أنواع المناضلة: تتنوع المناضلة بالسلاح، كما تنوعت المسابقة على الخيل، إلي الصور الأربعة المذكورة. وتبطل منها هنا الصورة الثالثة أيضاً، وهي أن يتراهن المتناضلان كل منهما يدفع المال للأول في الإصابة، فهي قمار باطل، وهي من الميسر الذي نهي الله عنه وسماه رجساً. شروط المناضلة: يشترط في المناضلة مراعاة الأمور التالية: أولاً: إذا كان النضال بالسهام ونحوها، فإنه يشترط أن يبين المتناضلان كون الرمي المطلوب مجرد قرع للهدف، أو خرقاً، فإن أطلقا، ولم يبينا صحت المناضلة على الوجه الصحيح، وحمل الرمي المطلوب على القرع. ثانياً: يشترط اتحاد جنس السلاح من بندقية وغيرها، فلا تصح المناضلة ببندقيتين مختلفتي الجنس ولو رضي الطرفان بذلك. ثالثاً: يشترط تعيين الرماة والهدف المطلوب تعييناً دقيقاً، وتعيين الموقف الذي يلتزمونه، وتعيين عدد الرشقات. رابعاً: العلم بالمال وقدره، ووجود محلل إن كانت المناضلة من النوع الثالث المحرم الذي مر ذكره في المسابقة.

стр. 1575

ما لا تجوز المناضلة فيه: اعلم أن القاعدة العامة فيما تجوز فيه المناضلة (أي المناضلة على مال) كل أداة نافعة في الحرب، فكل ما لم يكن له فائدة أو شأن في الحرب لا تجوز المناضلة به على مال. فلا تجوز المناضلة على الكرة بأشكالها وأنواعها المختلفة، ولا علي سباحة ولعب شطرنج، ووقوف على رجل واحدة مثلاً، والسباق الزوارق الصغيرة التي لا شأن لها بالحرب. ذلك لأن شيئاً من هذه الألعاب لا تفيد بالحرب، فهي وإن كانت جائزة، بل منها ما هو مستحب ومندوب إليه كالسباحة، إلا أنه لا يجوز النضال بها على مال. عقد المسابقة والمناضلة عقد لازم: إذا تم التعاقد على مسابقة أو مناضلة على مال مشروط، بالنحو الذي ذكرناه، فإن العقد يصبح عندئذ لازماً في حق من التزم العوض، فليس له أن يفسخه أو أن يترك العمل. ومعني العقد اللازم أنه لا يملك طرف واحد فسخه إلا بموافقة الآخر، كالبيع والإجارة. فإن لم تقم المسابقة والمناضلة على مال مشروط، فهي عقد جائز كل من الطرفين أن يستقل بفسخه.

стр. 1576

الباب الرابع أصْنَاف اللهو الجَائِزةَ والمحرمَة

стр. 1577

أصناف اللهو الجائزة والمحرمة معني اللهو: اللهو: هو كل ما يشغل الإنسان عن المزعجات، والأفكار، والمؤرقات المختلفة، دون أن تكون له حقيقة ثابتة، كاللعب، وأحاديث الفكاهة والأسمار، والغناء ونحو ذلك. أصناف اللهو: ثم أن اللهو، إما أن ينقضي دون أن يترك وراءه أثراً من نفع أو ضرر، إلا أنه يشغل الفكر عن الجد في الأمور، والمهمات من الشؤون، وإما أن يترك ـ علاوة على ذلك ـ أثراً ضاراً في النفس: كأن يتعود على الدعة والانصراف عن القيام بواجبات الحياة، وعزائم الأمور، وإما أن يترك أثراً مفيداً فيها: كأن يعودها على بعض أعمال الخير، ويسهل عليها اقتحام بعض الشدائد. فاللهو إذا يتفرع حسب ما ذكرنا إلي ثلاثة أصناف. حكم كل صنف من هذه الأصناف: ـ أما الصنف الأول: وهو ما لا يترك أثراً في الحياة نافعاً أو ضاراً، فهو مكروه: كالاسترسال في المجالس التي يشيع فيها المزاح والفكاهات التي لا فائدة منها، بحيث ينقضي الوقت فيها دون فائدة. ـ وأما الصنف الثاني: وهو ما يعقب أثاراً ضارة في النفس والمجتمع، فهو محرم، ولا يجوز تعاطيه مقاله: الصنف الأول ذاته، إذا زاد استرسال الإنسان فيه، بحيث أصبح يفوت عليه واجباته، من عبادات مفروضة، أو سعي من أجل

стр. 1578

المعيشة، أو يوجد في طبيعة سيئة: كالكذب، والتهاون في علاقاته الأخلاقية مع الناس. ومثاله أيضاً: مجالس الغناء المقرونة بالمعازف والآلات المحرمة، أو المقرونة بنساء، أو غلمان. - وأما الصنف الثالث: وهو ما أعقب فائدة للنفس والمجتمع، فهو مباح وقد يسمو إلي درجة الاستحباب، حسب مدي أهمية الفائدة الناجمة عنه. مثاله: ما ذكرناه من السباق والرمي، والألعاب المفيدة للحرب ولغيرها مما يعتد به في ميزان الحكم الإنساني. تطبيق هذه الأحكام على مزيد من الأمثلة: أولاً: الألعاب الهادئة الشائعة بين الناس، كالشطرنج، والنرد، وما يسمى بالشدة، أي الورق، ونحوها وهذه الألعاب تقوم أحكامها على أساس القاعدة التالية: ? كل ما كان من هذه الألعاب قائماً على التفكير والتدبير والنظر في العواقب، فهو جائز، ثم هو يدور بين الإباحة والكراهة حسب مدى انصراف اللاعب إليها، وانشغاله بها. من هذه الألعاب الشطرنج، فهو قائم على تشغيل الذهن، وتحريك العقل والفكر. ولا ريب أنه لا يخلو عن فائدة للذهن والعقل، فإن عكف عليه زيادة عما تقتضيه هذه الفائدة، فهو مكروه، فإن زاد عكوفه حتى فوت بسببه بعض الواجبات عاد محرماً. ? وكل ما كان قائماً على المصادفة، وإغماض الفكر والعقل، كالنرد، والورق، ونحوهما فهو محرم، وذلك لأن مثل هذه الألعاب يعود النفس على الركون إلي معني المصادفة في تقلبات الأحوال والأمور، ويجعل العقل يتخيل المصادفة هي العامل الأول في الكون وحركته، فهو من اللهو الذي يترك أثراً ضاراً في النفس. ثانياً: اللهو بالحيوانات: كتحريش الديكة على بعضها، ودفع المواشي إلي التناطح وكالذي يسمي اليوم بمصارعة الثيران، فهو محرم، قولاً واحداً، لما يترك

стр. 1579

من الآثار الضارة على حياة البهائم أو الإنسان. ثالثاً: المصارعة، وهي كما تعلم أصناف كثيرة: ? فكل ما لم يعقب أثراً ضاراًَ في الجسم، وكان من شأنه أن يعود الإنسان على القوة، وفنون القتال، والدفاع عن النفس، فهو مباح، وربما مستحباً ود صارع رسول الله ﷺ ركانة وغلبه. وكل ما كان من شأنه أن يعقب أثراً ضاراً في الجسم، كجرح أو تهشيم عظم أو تشويه طرف، فهو محرم: كالمصارعة الحرة، والملائكة، ونحوهما، إلا أن تكون المصارعة على نحو وبوسائل تضمن عدم الإضرار بأحد الطرفين، فيصبح حكمها حكم النوع الذي قبلها: مباحاً أو مستحباً، حسب ما بينا. لا يجوز شيء من اللهو على مال مشروط: ثم أعلم أن شيئاً من أصناف اللهو واللعب التي ذكرناها، لا يجوز على المال، سواء كان من طرف واحد أو طرفين، أو من أجنبي عنهما. وكل مال يدخل في شيء من اللهو الذي ذكرنا، فهو من الميسر الذي يحرم تعاطيه، إلا أن في شرط المال في المصارعة المباحة، وجهاً عند الشافعية، فهي ـ على هذا الوجه ـ تتبع السباق والرمي اللذين مضي حكمهما. دليل هذا الوجه: ما رواه أو داود في مراسليه: " أن النبي ﷺ صارع ركانة، إذ كان مشركاً، على شياه ". والصحيح في المذهب أنه لا يجوز شرط المال في شيء غير السباق والرمي، من أصناف اللعب واللهو المباحة، وإن كان مصارعة. أما الاستدلال بحديث أبي داود، فيجاب عنه بما يلي: أولاً: الحديث ضعيف لكونه مرسلاً. ثانياً: على فرض صحته فإنما كان ذلك قبل إسلام ركانة. ولتلك الحالة شأن آخر، والدليل على ذلك أن ركانة لما أسلم بعد ذلك أعاد إليه النبي ﷺ الشياه.

стр. 1580

البَاب الخامس القًضَاء
следующие страницы →