← Акыда

Акыда · id 6376

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين

الأسفراييني، أبو المظفر

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قَالَ الإِمَام الْكَبِير حجَّة الْمُتَكَلِّمين أَبُو المظفر الإِسْفِرَايِينِيّ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَأَصْحَابه البررة الطاهرين اعلموا أسعدكم الله إِن الله ﵎ أَمر عَبده بمعرفته فِي ذَاته وَصِفَاته وعدله وحكمته وكماله فِي صفته ونفوذ مَشِيئَته وَكَمَال مَمْلَكَته وَعُمُوم قدرته وَلَا تتكامل الْمعرفَة بذلك كُله إِلَّا بِنَفْي النقائص عَنهُ وبإثبات أَوْصَاف الْكَمَال لَهُ من غير أَن يشوبه شَيْء من بدع المبتدعين وإلحاد الْمُلْحِدِينَ وَكَانَ أمره تَعَالَى متضمنا لأمرين الْمعرفَة بِمَا أوجب مَعْرفَته والإحاطة بِمَا أوجب عَلَيْهِ مجانبته حَتَّى إِذا اجْتمع لَهُ الوصفان تحقق لَهُ وصف الْإِيمَان على سَبِيل الإتقان والإيقان والمفارقة لما يوسوس لكثير مِنْهُم من الشّبَه وحبائل الشَّيْطَان فَيكون إيمَانه كَمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن إِيمَان خَلِيل الرَّحْمَن حِين قَالَ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ أثنى عَلَيْهِ لهَذِهِ الْمعرفَة لجمعه بَين الْمعرفَة بِكَمَال أَوْصَافه وميله عَن كل معبود يُخَالِفهُ فِي وَصفه فوصفه أَي الله تَعَالَى الْخَلِيل بِكَوْنِهِ حَنِيفا أَي مائلا عَن عبَادَة الْأَوْثَان وحبائل الشَّيْطَان وَمَا يُخَالِفهُ من الطّرق والأديان وبمثله أقرّ رَسُوله الْمُصْطَفى ﵇ حِين قَالَ إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء إِنَّمَا أَمرهم إِلَى الله ثمَّ ينبئهم بِمَا كَانُوا

стр. 2

يَفْعَلُونَ) وَقَالَ ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ فَأمره بالمعرفة ومغادرة كل دين يُخَالِفهُ فِي حَقِيقَته وَأمره أَن يخبر عَن نَفسه بِصفة مَعْرفَته الجامعة لوصفي النَّفْي وَالْإِثْبَات وَمَعْرِفَة مَا يجب مَعْرفَته ومجانبة مَا تجب مجانبته فَقَالَ ﴿قل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ وَأمر سُبْحَانَهُ الكافة بِكَلِمَة الْإِيمَان لَا إِلَه إِلَّا الله جمع فِيهَا بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَقدم النَّفْي على الْإِثْبَات ليعلم أَن الْإِثْبَات لَا يحصل إِلَّا بصيانته عَن كل مَا يتَضَمَّن مُخَالفَته وَهَكَذَا جمع فِي سُورَة الْإِخْلَاص بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فوصف نَفسه بأوصاف الْكَمَال فِي قَوْله ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾ وَنفي عَن نَفسه النُّقْصَان بقوله ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ حَتَّى قَالَ أهل المعارف فِي تَحْقِيق صفة الصَّمد أَنه يتَضَمَّن إِثْبَات كل صفة لَا يتم الْخلق إِلَّا بهَا وَنفي كل صفة لَا يجوز وَصفه بهَا لِأَن الصَّمد فِي اللُّغَة هُوَ السَّيِّد الَّذِي يرجع إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج وَهَذَا يُوجب لَهُ إِثْبَات صِفَات الْكَمَال الَّتِي يتم بهَا إتساق الْأَفْعَال وَقد جَاءَ إِيضَاح اللُّغَة فِي تَفْسِيره أَن الصَّمد هُوَ الَّذِي لَا جَوف لَهُ وَهَذَا يتَضَمَّن نفي النِّهَايَة وَنفي الْحَد والجهة وَنفي كَونه جسما أَو جوهرا لِأَن من اتّصف بِشَيْء من تِلْكَ الْأَوْصَاف لم يسْتَحل اتصافه بالتركيب وَوُجُود الْجوف لَهُ وتقرر بِهَذِهِ الْجُمْلَة وجوب الْمعرفَة بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات والتمييز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَمن لم يتَحَقَّق لَهُ معرفَة نفي صفة الْبَاطِل لم يتَحَقَّق لَهُ معرفَة إِثْبَات صفة الْمعرفَة بِالْحَقِّ وَقد كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يسألونه عَن الْحق لصِحَّة الإعتقاد والمعرفة وَعَن الْبَاطِل وَالشَّر للتمكن من المجانبة حَتَّى قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان كَانَ النَّاس

стр. 3

يسْأَلُون رَسُول الله ﷺ عَن الْخَيْر وَكنت أسأله عَن الشَّرّ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله لتصح لَهُ مجانبته لِأَن من لم يعرف الشَّرّ يُوشك أَن يَقع فِيهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (عرفت الشَّرّ لَا للشر لَكِن لتوقيه ... وَمن لَا يعرف الشَّرّ من النَّاس يَقع فِيهِ) وَقد أخبر رَسُول الله ﷺ أَنه سَيظْهر فِي زمن الْإِسْلَام من الْفرق الْمُخْتَلفَة مَا ظهر فِي الْأَدْيَان قبله فَقَالَ افْتَرَقت الْيَهُود إِحْدَى وَسبعين فرقة وافترقت النَّصَارَى اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وتفترق أمتِي ثَلَاثًا وَسبعين فرقة كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَقيل يَا رَسُول الله من النَّاجِية فَقَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي وَفِي خبر آخر أَنه قَالَ الْجَمَاعَة وروى عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون إِن الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم هم الْجَمَاعَة وَالَّذين اسودت وُجُوههم أهل الْأَهْوَاء فَبين رَسُول الله ﷺ أَن هَذِه الْأمة يلبس بهَا وينسب إِلَى جُمْلَتهَا كثير من أهل الْأَهْوَاء يفارقونهم فِي حَقِيقَة الْإِيمَان وَإِن كَانُوا يلتبسون بهم فِي ظَاهر الْحَال فَلَا بُد لِلْمُؤمنِ من أَن يعرف حَالهم حَتَّى يتَمَيَّز عَنْهُم ويصون عقيدته عَمَّا هم عَلَيْهِ من الْبدع وَلَا يكون كمن وَصفه الله حَيْثُ قَالَ ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْكبر وَلَا يبْقى فِي النَّار من كَانَ

стр. 4

فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَإِنَّمَا يحصل مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان بإعتقاد صَحِيح سليم عَن جَمِيع شوائب الْبدع والإلحاد وأنواع الْكفْر وَمَا لم يتَبَيَّن الْعَاقِل أَوْصَاف الْبدع وَأَهْلهَا لم يَتَقَرَّر لَهُ حَقِيقَة الْإِيمَان المستخلص عَن جَمِيعهَا وَكَلَام النَّبِي ﷺ صدق ووعده حق وَهَذَا الَّذِي أخبر عَن وجود فرق الضلال فِيمَا بَين الْمُسلمين لَا محَالة كَائِن وَقد اخْتلف مَشَايِخ أهل التَّحْقِيق من عُلَمَاء الْمُسلمين فِيهِ فَقَالَ بَعضهم لم يتكامل وجود هَذِه الْفرق من أهل الْبدع بَين الْمُسلمين بعد وَإِنَّمَا وجد بَعضهم وسيوجد بعدهمْ قبل يَوْم الْقِيَامَة جَمِيعهم فَإِن مَا أخبر الرَّسُول ﷺ كَائِن لَا محَالة وَقَالَ الْبَاقُونَ وهم الَّذين يتتبعون التواريخ ويفتشون عَن المقالات المنقولة من أَرْبَاب الْمذَاهب المتسمة بسمة الْإِسْلَام أَن تَمام هَذِه الْفرق الضَّالة قد وجدت فِي زمرة الاسلام وَوَجَب على الْمَرْء المحصل أَن يُمَيّز عقيدته عَن عقائدهم الْفَاسِدَة وَدينه عَن أديانهم الضَّالة وَقد ظهر فِي بِلَاد الْإِسْلَام أَقوام من أهل الْبدع يخدعون الْعَوام وَيلبسُونَ عَلَيْهِم الْأَدْيَان وينتسبون إِلَى فريقي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث والرأي ويستظهرون بصدور لَا يعرف حَالهم من صُدُور أهل الْإِسْلَام ليتقوى بهم على خداع أهل الْغرَّة من الْمُسلمين ويظهرون بِهِ للأغمار أَن لَهُم الْغَلَبَة وَالْقُوَّة وَلَا يعرف الْجَاهِل بأحوالهم إِن الْبَاطِل قد يكون لَهُ جَوْلَة ثمَّ يسْقط كَمَا سَارَتْ بِهِ الامثال على لِسَان الكافة أَن الْبَاطِل يجول جَوْلَة ثمَّ يضمحل وكما يُقَال الْحق أَبْلَج وَالْبَاطِل لجلج وَقَالَ تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ فَأَرَدْت أَن أجمع كتابا فارقا بَين الْفَرِيقَيْنِ جَامعا بَين وصف الْحق وخاصيته وَالْإِشَارَة إِلَى حججه وَوصف الْبَاطِل وحد شبهه لِيَزْدَادَ المطلع عَلَيْهِ استيقانا فِي

стр. 5

دينه وتحقيقا فِي يقينه فَلَا ينفذ عَلَيْهِ تلبيس المبطلين وَلَا تَدْلِيس الْمُخَالفين للدّين وقسمته بحول الله وقوته على خَمْسَة عشر بَابا جَامِعَة لبَيَان أَوْصَاف عقائد أهل الدّين وفضائح أهل الزيغ والملحدين وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق لإتمامه بفضله وإنعامه أَنه على مَا يَشَاء قدير وبالفضل والأحسان جدير الْبَاب الأول فِي بَيَان أول خلاف ظهر فِي الْإِسْلَام بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ وَمَا ظهر من الْخلاف فِي أَيَّام الصَّحَابَة أَو قَرِيبا مِنْهُم الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان فرق الْأمة على الْجُمْلَة الْبَاب الثَّالِث فِي تَفْصِيل مقالات الروافض وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الرَّابِع فِي بَيَان مقالات الْخَوَارِج وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الْخَامِس فِي تَفْصِيل مقالات الْقَدَرِيَّة الملقبة بالمعتزلة وَبَيَان فضائحهم الْبَاب السَّادِس فِي تَفْصِيل مقالات المرجئة وَبَيَان فضائحهم الْبَاب السَّابِع فِي تَفْصِيل مقالات النجارية وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الثَّامِن فِي تَفْصِيل مقالات الضرارية وَبَيَان فضائحهم الْبَاب التَّاسِع فِي تَفْصِيل مقالات البكرية وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الْعَاشِر فِي تَفْصِيل مقالات الْجَهْمِية وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الْحَادِي عشر فِي تَفْصِيل مقالات الكرامية وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الثَّانِي عشر فِي تَفْصِيل مقالات المشبهة وَبَيَان فضائحهم الْبَاب الثَّالِث عشر فِي بَيَان فرق ينتسبون إِلَى دين الْإِسْلَام وَلَا يعدون فِي جملَة الْمُسلمين وَلَا يكونُونَ من جملَة الإثنتين وَالسبْعين وهم أَكثر من عشْرين فرقة الْبَاب الرَّابِع عشر فِي بَيَان مقالات أَقوام من الْمُلْحِدِينَ كَانُوا قبل ظُهُور دولة الْإِسْلَام وَإِنَّمَا أذكر جملَة مِنْهُم الْبَاب الْخَامِس عشر فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَيَان مَا لَهُم من المفاخر والمحاسن والْآثَار فِي الدّين وَذكرت فِي كل بَاب مَا يَقْتَضِيهِ شَرطه على حد الإقتصار والإعتدال مصونا من الأملال والإكثار بِفضل الله وتوفيقه

стр. 6

الْبَاب الأول فِي بَيَان أول خلاف ظهر بعد الْمُصْطَفى ﷺ وَفِي أَيَّام الصَّحَابَة أَو قَرِيبا من عَهدهم أعلم أَن الْمُسلمين وَقت النَّبِي ﷺ وَبعد وَفَاته كَانُوا على طَرِيق وَاحِدَة لم يكن بَينهم خلاف ظَاهر وَمن كَانَ بَينهم من الْمُخَالفين الْمُنَافِقين مَا كَانَ يتَمَكَّن من إِظْهَار مَا كَانَ يستسره من أخباره فَكَانَ أول خلاف ظهر بَين الْمُسلمين اخْتلَافهمْ فِي وَفَاة رَسُول الله ﷺ حَتَّى قَالَ قوم مِنْهُم أَنه لم يمت وَلكنه رفع كَمَا رفع عِيسَى بن مَرْيَم وارتفع هَذَا الْخلاف ببركات أبي بكر الصّديق ﵁ حِين صعد الْمِنْبَر وخطب خطْبَة وتلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ ثمَّ قَالَ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد رب مُحَمَّد فَإِنَّهُ حَيّ لَا يَمُوت فسكنت النُّفُوس وإطمأنت الْقُلُوب واذعنت لَهُ الرّقاب وَاعْتَرَفت الكافة بِمَا ظهر من الْأَمر وَزَالَ الْخلاف الثَّانِي أَنهم اخْتلفُوا فِي مَوضِع دَفنه ﷺ قَالَ قومإ إِنَّه يدْفن بِمَكَّة لِأَنَّهَا مولده وَبهَا قبلته وَبهَا مشاعر الْحَج وَبهَا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَبهَا قبر جده إِسْمَاعِيل ﵇ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه ينْقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِن بِهِ تربة الْأَنْبِيَاء ومشاهدهم صلوَات الرَّحْمَن عَلَيْهِم وَقَالَ أهل الْمَدِينَة أَنه يدْفن فِي الْمَدِينَة لِأَنَّهَا مَوضِع هجرته وَأَهْلهَا أهل

стр. 7

نصرته فَزَالَ هَذَا الْخلاف ببركة الصّديق حِين روى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْأَنْبِيَاء يدفنون حَيْثُ يقبضون فقبلوا مِنْهُ رِوَايَته وَرَجَعُوا إِلَى قَوْله ودفنوه فِي حجرته الثَّالِث اخْتلَافهمْ فِي بَاب الامامة فَقَالَت الْأَنْصَار منا إِمَام ومنكم إِمَام وَطَالَ بَينهم الْكَلَام فِي ذَلِك حَتَّى صعد الصّديق ﵁ الْمِنْبَر وخطب ثمَّ تَلا وَعَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ قَالَ فسمانا الصَّادِقين ثمَّ أَمر الْمُؤمنِينَ أَي الله تَعَالَى أَن يَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ وروى لَهُم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْأَئِمَّة من قُرَيْش فصدقوه فِي رِوَايَته ونزلوا على قَضيته وَاتَّفَقُوا على قَوْله فَزَالَ هَذَا الْخلاف أَيْضا ببركة الصّديق ثمَّ حدث فِيهِ خلاف قوم من الْخَوَارِج حَيْثُ قَالُوا بِجَوَاز الْخلَافَة فِي غير قُرَيْش كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْخلاف لَا يكون خطرا إِلَّا إِذا كَانَ فِي أصُول الدّين وَلم يكن اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك بل كَانَ اخْتِلَاف من يخْتَلف فِي فروع الدّين مثل مسَائِل الْفَرَائِض فَلم يَقع خلاف يُوجب التفسيق والتبري هَكَذَا جرى الْأَمر على السداد أَيَّام أبي بكر وَعمر وَصدر من زمَان عُثْمَان ثمَّ اخْتلف فِي أَمر عُثْمَان وَخرج عَلَيْهِ قوم مِنْهُم فَكَانَ من أمره مَا كَانَ ثمَّ بعد ذَلِك حدث الِاخْتِلَاف فِي أَمر عَليّ وَفِي حَال أَصْحَاب الْجمل وصفين وَفِي حَال الْحكمَيْنِ وَظهر من ذَلِك خلاف الْخَوَارِج فِي أَيَّام عَليّ ﵁ كَمَا

стр. 8

سَنذكرُهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَظهر فِي وقته أَيْضا خلاف السبأية من الروافض وهم الَّذين قَالُوا إِن عليا إِلَه الْخلق حَتَّى أحرق عَليّ جمَاعَة مِنْهُم وَظهر بعد ذَلِك سَائِر أَصْنَاف الروافض كَمَا نذكرهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَظهر فِي أَيَّام الْمُتَأَخِّرين من الصَّحَابَة خلاف الْقَدَرِيَّة وَكَانُوا يَخُوضُونَ فِي الْقدر والاستطاعة كمعبد الْجُهَنِيّ وغيلان الدِّمَشْقِي وجعد بن دِرْهَم وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِم من كَانَ قد بَقِي من الصَّحَابَة كَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن أبي أوفى وَجَابِر وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وأقرانهم وَكَانُوا يوصون إِلَى أخلافهم بِأَن لَا يسلمُوا عَلَيْهِم وَلَا يعودوهم إِن مرضوا وَلَا يصلوا عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا ثمَّ ظهر بعدهمْ فِي زمَان الْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ خلاف وَاصل ابْن عَطاء الغزال فِي الْقدر وَفِي القَوْل بِمَنْزِلَة بَين المنزلتين وَوَافَقَهُ عَمْرو بن عبيد فِيمَا أحدثه من الْبِدْعَة فطردهم الْحسن الْبَصْرِيّ من مَجْلِسه فاعتزلوه بأتباعهم

стр. 9

جانبا من الْمَسْجِد فسموا معتزلة لإعتزالهم مجَالِس الْمُسلمين وَقَوْلهمْ بِمَنْزِلَة بَين المنزلتين وزعمهم أَن الْفَاسِق الملي لَا مُؤمن وَلَا كَافِر وَأَن الْفُسَّاق من أهل الْملَّة خَرجُوا من الْإِيمَان وَلم يبلغُوا الْكفْر وَأَنَّهُمْ مَعَ الْكفَّار فِي النَّار خَالِدين مخلدين لَا يجوز لله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُم وَأَنه لَو غفر لَهُم لخرج من الْحِكْمَة وَلما أظهرُوا هَذِه الْمقَالة هجرهم الْمُسلمُونَ وخذلوهم كَمَا كَانَ قد أوصى إِلَيْهِم أسلافهم من الصَّحَابَة ثمَّ ظهر خلاف النجارية فِي أَيَّام الْمَأْمُون الْخَلِيفَة واستعد جمَاعَة مِنْهُم بِالريِّ ونواحيها ثمَّ ظهر أَيْضا دَعْوَة الباطنية من حمدَان قرمط وَعبد الله بن مَيْمُون القداح وَلَا يعدون من فرق الْمُسلمين فَإِنَّهُم فِي الْحَقِيقَة على دين الْمَجُوس كَمَا شرحنا أديانهم فِي كتاب الْأَوْسَط ثمَّ ظهر فِي زمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بخراسان خلاف الكرامية كَمَا نذكرهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 10

الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان فرق الْأمة على الْجُمْلَة اعْلَم أَن الله حقق فِي افْتِرَاق هَذِه الْأمة مَا أخبر بِهِ الرَّسُول ﷺ من افْتِرَاق هَذِه الْأمة إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة وَاحِدَة مِنْهَا نَاجِية وَالْبَاقُونَ فِي النَّار فَأَما الاثنتان وَالسَّبْعُونَ فعشرون مِنْهُم الروافض من جُمْلَتهمْ الزيديون وهم ثَلَاث فرق الجارودية والسليمانية والأبترية وَمن جُمْلَتهمْ الكيسانية وهم فرقتان كَمَا نبينه فِيمَا بعد وَمن جملَة الروافض الإمامية وهم خمس عشرَة فرقة المحمدية والباقرية والناووسية والشميطية والعمارية والإسماعيلية والمباركية والموسوية والقطعية والإثنا عشرِيَّة والهشامية والزرارية واليونسية والشيطانية والكاملية فَهَذِهِ جملَة فرق الروافض الَّذين يعدون فِي زمرة الْمُسلمين فَأَما البيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية والحلولية مِنْهُم فَلَا يعدون فِي زمرة الْمُسلمين لأَنهم كلهم يَقُولُونَ بآلهية الْأَئِمَّة كَمَا نفصله فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَعِشْرُونَ مِنْهُم الْخَوَارِج وهم المحكمة الأولى والأذارقة والنجدات والصفرية والعجاردة والأباضية فالعجاردة مِنْهُم فرق كالخازمية والشعيبية

стр. 11

والشيبانية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والحمزية والإبراهيمية والواقفية والأباضية مِنْهُم أَربع فرق الحفصية والحارثية واليزيدية وَأَصْحَاب طَاعَة لَا يُرَاد بهَا الله تَعَالَى وَلَا يعد اليزيدية من فرق الْإِسْلَام لأَنهم جوزوا فسخ شَرِيعَة الْإِسْلَام وَذَلِكَ خلاف أجماع الْمُسلمين وَمن جملَة العجاردة فرقة يُقَال لَهُم الميمونية وَلَا يعدون من فرق الْمُسلمين لأَنهم يجوزون التَّزَوُّج ببنات الْبَنَات ويبيحونه وَذَلِكَ خلاف مَا عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَعِشْرُونَ مِنْهُم الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة كل فريق مِنْهُم يكفر سَائِرهمْ وهم الواصلية والهذلية والعمروية والنظامية والأسوارية والمعمرية والإسكافية والجعفرية والبشرية والمردارية والهشامية والثمامية والجاحظية والخابطية والحمارية والخياطية والشحامية وَأَصْحَاب صَالح قبَّة والمؤنسية والكعبية والجبائية والبهشمية وفرقتان من هَذِه الْجُمْلَة لَا يعدَّانِ من فرق الاسلام وهما الخابطية والحمارية كَمَا نذكرهُ فِيمَا بعد وَثَلَاث فرق هم المرجئة فريق مِنْهُم يجمعُونَ بَين الإرجاء فِي الْإِيمَان وَبَين القَوْل بِالْقدرِ كَأبي شمر وَمُحَمّد بن شبيب الْبَصْرِيّ والخالدية فؤلاء مرجئون قدريون وفريق مِنْهُم يجمعُونَ القَوْل بالارجاء فِي الايمان وَبَين قَول جهم كَمَا سَنذكرُهُ فِيمَا بعد فَهَؤُلَاءِ هم مرجئون جهميون وفريق جوزوا القَوْل بالارجاء وَلَا يَقُولُونَ بالجبر وَلَا بِقدر وهم فِيمَا بَينهم خمس فرق اليونسية والغسانية والثوبانية والتومنية والمريسية فَصَارَت المرجئة على هَذَا التَّفْصِيل سبع فرق

стр. 12

وَفرْقَة هم البكرية وَفرْقَة هم النجارية المقيمون بِالريِّ ونواحيها وهم أَكثر من عشر فرق فِيمَا بَينهم كالبرغوثية والزعفرانية والمستدركة وَغَيرهم ويعدون فرقة وَاحِدَة وَفرْقَة هم الضرارية وَفرْقَة هم الْجَهْمِية وَفرْقَة هم كرامية خُرَاسَان وهم ثَلَاث فرق الحقائقية والطرائقية والإسحاقية ويعدون فرقة وَاحِدَة لِأَن بعض فرقهم لَا يكفر بَعْضًا فَهَؤُلَاءِ الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فرقة والفرقة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ هِيَ النَّاجِية وهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث والرأي وَجُمْلَة فرق الْفُقَهَاء الَّذين اخْتلفُوا فِي فروع الشَّرِيعَة الَّتِي لَا يجْرِي فِيهَا التبري والتكفير وهم من أخبر النَّبِي ﷺ عَنْهُم بقوله الْخلاف بَين أمتِي رَحمَه وَالله ولي الْعِصْمَة من كل إلحاد وبدعة

стр. 13

الْبَاب الثَّالِث فِي تَفْصِيل مقالات الروافض وَبَيَان فضائحهم أعلم أَن الروافض يجمعهُمْ ثَلَاث فرق الزيدية والإمامية والكيسانية الزيدية فَأَما الزيدية مِنْهُم فَثَلَاث فرق الجارودية والسليمانية والأبترية الجارودية فَأَما الجارودية فهم أَتبَاع أبي الْجَارُود وَكَانَ مذْهبه أَن النَّبِي ﷺ نَص على

стр. 14

إِمَامه عَليّ بِالصّفةِ لَا بالإسم وَكَانَ من مذْهبه أَن الصَّحَابَة كفرُوا كلهم بتركهم بيعَة عَليّ ومخالفتهم النَّص الْوَارِد عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول إِن الإِمَام بعده الْحسن بن عَليّ ثمَّ بعده الْحُسَيْن بن عَليّ وَيكون بعدهمَا الْإِمَامَة شُورَى فِي أولادهما فَمن خرج من أَولا دهما شاهرا سَيْفه دَاعيا إِلَى دينه وَكَانَ عَالما ورعا فَهُوَ الإِمَام وَزعم قوم من الجارودية أَن الإِمَام المنتظر مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَيَقُولُونَ أَنه لم يمت وَلم يقتل وَزعم قوم مِنْهُم أَن المنتظر مُحَمَّد بن الْقَاسِم صَاحب الطالقان وَأَنه لم يمت وَلم يقتل وَزعم قوم مِنْهُم أَن المنتظر يحيى بن عمر الَّذِي قتل بِالْكُوفَةِ وهم لَا يصدقون بقتْله السليمانية وَأما السليمانية فهم أَتبَاع سُلَيْمَان بن جرير الزيدي وَكَانَ يَقُول إِن الْإِمَامَة شُورَى وَمَتى مَا عقدهَا اثْنَان من اخيار الْأَئِمَّة لمن يصلح لَهَا فَهُوَ إِمَام فِي الْحَقِيقَة وَكَانَ يقر بامامة أبي بكر وَعمر وَيجوز إِمَامَة الْمَفْضُول وَكَانَ يَقُول إِن الصَّحَابَة تركُوا الْأَصْلَح بتركهم بيعَة عَليّ فَإِنَّهُ كَانَ أولى بهَا وَكَانَ إعراضهم عَنهُ

стр. 15

خطأ لَا يُوجب كفرا وَلَا فسقا وَهَؤُلَاء كَانُوا يكفرون عُثْمَان بِسَبَب مَا أَخذ عَلَيْهِ من الْأَحْدَاث وكفرهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بتكفيرهم عُثْمَان وَرُبمَا يدعى هَؤُلَاءِ جريرية ج الأبترية فَأَما الأبترية مِنْهُم فهم أَتبَاع الْحسن بن صَالح بن حَيّ وَكثير النواء الملقب بالأبتر وَقَول هَؤُلَاءِ كَقَوْل السليمانية غير أَنهم يتوقفون فِي عُثْمَان وَلَا يَقُولُونَ فِيهِ خيرا وَلَا شرا وَقد أخرج مُسلم بن الْحجَّاج حَدِيث الْحسن بن صَالح بن حَيّ فِي الْمسند الصَّحِيح لما أَنه لم يعرف مِنْهُ هَذِه الْخِصَال فأجراه على ظَاهر الْحَال وَأعلم أَن السليمانية والأبترية يكفرون الجارودية مِنْهُم لتكفيرهم أَبَا بكر وَعمر وَمن تابعهما من الصَّحَابَة وَجَمِيع فرق الزيدية يجمعهُمْ القَوْل بتخليد أهل الْكَبَائِر فِي النَّار ووافقوا الْقَدَرِيَّة فِي هَذَا الْمَعْنى ووافقوا الْخَوَارِج أَيْضا فِي أَن فساق الْملَّة كفار يخلدُونَ فِي النَّار مَعَ الْكفَّار ويقنطون من رَحْمَة الله وَلَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَهَؤُلَاء الْفرق الثَّلَاثَة إِنَّمَا يسمون زيدية لقَولهم بإمامة زيد بن عَليّ ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ فِي وقته وإمامه ابْنه يحيى بن زيد فِي وقته وَكَانَ أَمر زيد هَذَا

стр. 16

أَنه بَايعه خَمْسَة آلَاف من أهل الْكُوفَة فَأخذ يُقَاتل بهم يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ عَامل هِشَام بن عبد الْملك فَلَمَّا اشْتَدَّ بهم الْقِتَال قَالَ الَّذين بَايعُوهُ آه مَا تَقول فِي أبي بكر وَعمر فَقَالَ زيد أثنى عَلَيْهِمَا جدي عَليّ وَقَالَ فيهمَا حسنا وَإِنَّمَا خروجي على بني أُميَّة فَإِنَّهُم قَاتلُوا جدي عليا وَقتلُوا جدي حُسَيْنًا فَخَرجُوا عَلَيْهِ ورفضوه فسموا رافضة بذلك السَّبَب وهجروه كلهم وَلم يبْق مِنْهُم إِلَّا نضر بن خُزَيْمَة الْعَبْسِي وَمُعَاوِيَة بن إِسْحَاق بن زيد بن حَارِثَة مَعَ مِقْدَار مِائَتي رجل فَأتى الْقَتْل على جَمِيعهم وَقتل زيد وَدفن فَأخْرج بعده من الْقَبْر وأحرق وهرب ابْنه يحيى ابْن زيد إِلَى خُرَاسَان وَصَارَ إِلَى نَاحيَة جوزجان وَخرج على نصر بن سيار وَالِي خُرَاسَان فَبعث نصر بن سيار إِلَيْهِ سلم بن أحوز الْمَازِني فِي ثَلَاثَة آلَاف من الْمُقَاتلَة فاستشهد يحيى بن زيد فِي ذَلِك الْقِتَال ومشهده بجوزجان الكيسانية وَأما الكيسانية فهم أَتبَاع مُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ الَّذِي كَانَ قَامَ يطْلب ثأر الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ يقتل من يظفر بِهِ مِمَّن كَانَ قَاتله بكربلاء وَهَؤُلَاء الكيسانية فرق يجمعهُمْ القَوْل بنوعين من الْبِدْعَة أَحدهمَا تَجْوِيز البداء على الله تَعَالَى تَعَالَى الله عَن قَوْلهم علوا كَبِيرا

стр. 17

الثَّانِي قَوْلهم بامامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب إِمَامَته فَمنهمْ من قَالَ إِن سَبَب إِمَامَته أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ دفع الرَّايَة إِلَيْهِ يَوْم الْجمل وَقَالَ لَهُ (أطعنهم طعن أَبِيك تحمد ... لَا خير فِي حَرْب إِذا لم توقد) (بالمشرفي والقنا المشرد ... ) وَمِنْهُم من قَالَ أَن سَبَب إِمَامَته ان الْإِمَامَة كَانَت لعَلي ثمَّ لِلْحسنِ ثمَّ للحسين وَقد أوصى حُسَيْن بهَا لِأَخِيهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يهرب من الْمَدِينَة ويقصد مَكَّة إِذْ كَانَ مطالبا ببيعة يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ بإمامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أالكربية وَقوم مِنْهُم يُقَال لَهُم الكربية أَصْحَاب أبي كرب الضَّرِير يَقُولُونَ إِن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لم يمت وَلم يقتل وَأَنه فِي جبل رضوى وَعِنْده عين من المَاء وَعين من الْعَسَل يتَنَاوَل مِنْهُمَا وَعِنْده أَسد ونمر تحفظانه من الْأَعْدَاء إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج وَهُوَ الْمهْدي المنتظر عِنْدهم وَقوم من الكيسانية أقرُّوا بِمَوْتِهِ ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ قوم مِنْهُم ان الْإِمَامَة بعده رجعت إِلَى ابْن أَخِيه عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين

стр. 18

ب الهاشمية وَقَالَ قوم أَنَّهَا رجعت إِلَى ابْنه أبي هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ثمَّ قَالَ قوم رجعت بعد أبي هَاشم إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن عَبَّاس بِوَصِيَّة أبي هَاشم لَهُ بهَا وَهَذَا قَول ابْن الراوندي وَأَتْبَاعه ج البيانية وَقَالَ قوم رجعت إِلَى بَيَان بن سمْعَان التَّمِيمِي وَهَؤُلَاء قوم يلقبون بالبيانية وهم من جملَة الغلاة يدعونَ آلهية بَيَان بن سمْعَان ويزعمون أَن روح الْإِلَه حل فِي أبي هَاشم ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيَان وَقَالَ قوم بل رجعت إِلَى عبد الله بن عَمْرو بن حَرْب وَكَانُوا يدعونَ آلهيته وَكَانَ كثير الشَّاعِر وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي من جملَة الكيسانية كَانَا ينتظران مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَلَهُمَا فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة فمما قَالَه السَّيِّد الْحِمْيَرِي فِي مَعْنَاهُ

стр. 19

(أَلا قل للْوَصِيّ فدتك نَفسِي ... أطلت بذلك الْجَبَل المقاما) (أضرّ بمعشر والوك منا ... وسموك الْخَلِيفَة والإماما) (وعادوا فِيك أهل الأَرْض طرا ... مقامك عِنْدهم سِتِّينَ عَاما) المختارية وَأول من قَامَ ببدعة الكيسانية ودعا إِلَى إِمَامَة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة الْمُخْتَار ابْن أبي عبيد أَخذ فِي طلب ثأر الْحُسَيْن بن عَليّ وظفر بأعدائه وَلما تمّ لَهُ الظفر فِي حروب كَثِيرَة اغْترَّ بِنَفسِهِ فَأخذ يتَكَلَّم بأسجاع كأسجاع الكهنة وَلما بلغ خبر كهانته إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة خَافَ أَن يَقع بِسَبَبِهِ فتْنَة فِي الدّين وهم ليقْبض عَلَيْهِ فَلَمَّا علم بِهِ الْمُخْتَار وَخَافَ على نَفسه مِنْهُ اخْتَار قَتله بحيلة فَقَالَ لِقَوْمِهِ الْمهْدي مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَأَنا على ولَايَته غير أَن للمهدي عَلامَة وَهِي أَن يضْرب عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَلَا يحيك فِيهِ السَّيْف وَأَنا أجرب هَذَا السَّيْف على مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فَإِن حاك فِيهِ فَلَيْسَ بمهدي فَلَمَّا بلغ إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة هَذَا الْخَبَر خَافَ أَن يقْتله بِمَا ذَكرْنَاهُ من حيلته فتوقف حَيْثُ كَانَ ثمَّ إِن السبأية خدعوا الْمُخْتَار وَقَالُوا لَهُ أَنْت حجَّة الزَّمَان وَحَمَلُوهُ على دَعْوَى النُّبُوَّة فادعاها وَزعم أَن أسجاعه وَحي يُوحى إِلَيْهِ ثمَّ قويت شوكته واستفحل أمره حَتَّى قصد جندا من جنود مُصعب بن الزبير فَهَزَمَهُمْ وَأسر جمَاعَة مِنْهُم فيهم سراقَة بن مرداس الْبَارِقي فَلَمَّا قدم إِلَى الْمُخْتَار احتال وَقَالَ لم تهزمنا جندك وَلَا أسرنا قَوْمك وَلَكِن الْمَلَائِكَة الَّذين جاؤوا لنصرتك وَنَصره جندك هم الَّذين هزمونا فَاعْفُ عَنَّا فَأَنا لم نعلم أَنَّك على الْحق والآن فقد

стр. 20

علناه فَعَلَيْك أقسم بِحَق أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة الَّذين كَانُوا على أَفْرَاس بلق قَائِمين بنصرتك أَن تَعْفُو عَنَّا فَعَفَا عَنْهُم وَعَاد سراقَة إِلَى جند مُصعب بن الزبير بِالْبَصْرَةِ وَأَنْشَأَ هَذِه الأبيات وَبعث بهَا إِلَى الْمُخْتَار (أَلا بلغ أَبَا إِسْحَاق أَنِّي ... رَأَيْت البلق دهما مصمتات) (أرِي عَيْني مَا لم ترأياه ... كِلَانَا عَالم بالترهات) (كفرت بوحيكم وَجعلت نذرا ... عَليّ قتالكم حَتَّى الْمَمَات) وَاعْلَم أَن السَّبَب الَّذِي جوزت الكيسانية البداء على الله تَعَالَى أَن مُصعب ابْن الزبير بعث إِلَيْهِ عسكرا قَوِيا فَبعث الْمُخْتَار إِلَى قِتَالهمْ أَحْمد بن شميط مَعَ ثَلَاثَة آلَاف من الْمُقَاتلَة وَقَالَ لَهُم أوحى إِلَيّ أَن الظفر يكون لكم فَهزمَ ابْن شميط فِيمَن كَانَ مَعَه فَعَاد إِلَيْهِ فَقَالَ أَيْن الظفر الَّذِي قد وعدتنا فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَار هَكَذَا كَانَ قد وَعَدَني ثمَّ بدا فانه قد قَالَ يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب ثمَّ خرج الْمُخْتَار إِلَى قتال مُصعب وَرجع مهزوما إِلَى الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ بهَا وَاعْلَم أَن الكيسانية اخْتلفُوا فِي حبس مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بجبل رضوى فَمنهمْ من قَالَ كَانَ ذَلِك عُقُوبَة لَهُ على خُرُوجه بعد قتل الْحُسَيْن بن عَليّ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَطلب الْأمان مِنْهُ وقبوله الْعَطاء من قبله وعَلى أَنه خرج من مَكَّة فِي أَيَّام ابْن الزبير وَقصد عبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ انْصَرف من الطَّرِيق وَعدل إِلَى الطَّائِف وَكَانَ بهَا عبد الله بن عَبَّاس فَتوفي عبد الله بن عَبَّاس وَصلى عَلَيْهِ بهَا مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَدَفنه هُنَاكَ ثمَّ قصد الْيمن فَلَمَّا بلغ شعب رضوى توفّي هُنَاكَ وَدفن وَالَّذين يَقُولُونَ بانتظاره يُنكرُونَ مَوته ويزعمون أَنه غيب عَن النَّاس إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج وَقَالَ قوم من الكيسانية لَا نَدْرِي سَبَب حَبسه هُنَاكَ وَللَّه فِي حَبسه سر لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ هَذَا تَفْصِيل قَول الكيسانية من الروافض

стр. 21

الإمامية أما الإمامية مِنْهُم فهم خمس عشرَة فرقة الكاملية أحداهما الْكَامِلَة وهم أَتبَاع أبي كَامِل يَقُولُونَ أَن الصَّحَابَة كلهم كفرُوا بتركهم بيعَة على وَكفر على أَيْضا بِتَرْكِهِ قِتَالهمْ إِذْ كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ أَن يقاتلهم كَمَا قَاتل أهل صفّين والجمل وَكَانَ بشار بن برد الشَّاعِر مِنْهُم لما سُئِلَ عَن الصَّحَابَة فَقَالَ كفرُوا فَقيل لَهُ مَا تَقول فِي عَليّ فَأَنْشد قَول الشَّاعِر (وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أم عَمْرو ... بصاحبك الَّذِي لَا تصحبيا) وبشار هَذَا زَاد على الكاملية بنوعين من الْبِدْعَة أَحدهمَا أَنه كَانَ يَقُول بالرجعة قبل الْقِيَامَة كَمَا كَانَ يَقُولهَا الرَّجْعِيَّة من الروافض وَالثَّانِي انه كَانَ يَقُول بتصويب إِبْلِيس فِي تَفْضِيل النَّار على الأَرْض وَلذَلِك قَالَ (الأَرْض مظْلمَة وَالنَّار مشرقة ... وَالنَّار معبودة مذ كَانَت النَّار) ووفق الله سُبْحَانَهُ الْمهْدي بن مَنْصُور الْخَلِيفَة حَتَّى غرقه وَأَتْبَاعه فِي دجلة ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم المحمدية وهم يَقُولُونَ بانتظار مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَيَقُولُونَ أَنه لم يمت وَأَنه حَيّ فِي جبل حاجر من نَاحيَة نجد وانه يُقيم هُنَاكَ إِلَى ان يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج فَيخرج ويملأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَكَانَ الْمُغيرَة بن سعيد الْعجلِيّ على هَذَا الْمَذْهَب وَكَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ وَدخل فِي دَعوته جمَاعَة من أهل الْمَدِينَة وَأهل مَكَّة وَأهل الْيمن فَجمع مِنْهُم عسكرا وَغلب على نواحي الْبَصْرَة وَاسْتولى فريق من جنده على نواحي الْمغرب وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم فِي زمن الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى بِجَيْش عَظِيم فاستشهد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْحُسَيْن بِالْمَدِينَةِ وَاخْتلف أَصْحَاب الْمُغيرَة فِي حَاله فَمنهمْ من أقرّ بقتْله وَخَرجُوا على الْمُغيرَة وَقَالُوا إِن الْمُغيرَة صدق فِيمَا ذكر أَن مُحَمَّدًا لم يقتل وَإِنَّمَا غَابَ عَن أعين النَّاس فِي جبال حاجر إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج فَيخرج وَيملك الأَرْض ويبايعه بَين الرُّكْن وَالْمقَام سَبْعَة عشر رجلا يجيئون لأَجله وَيُعْطِي كل وَاحِد مِنْهُم حرفا من حُرُوف اسْم الله الْأَعْظَم فهم يهزمون العساكر فِي ذَلِك وَهَؤُلَاء يَزْعمُونَ ان الَّذِي قَتله عِيسَى بن مُوسَى بِالْمَدِينَةِ كَانَ شَيْطَانا تصور فِي صُورَة مُحَمَّد وانه لم يقتل فِي الْحَقِيقَة وأصحابنا يَقُولُونَ لَهُم جوابكم ان ترتكبوا مثل هَذِه الخرافات فَهَلا انتظرتم الْحُسَيْن بن عَليّ وقلتم انه لم يقتل وهلا انتظرتم عَليّ بن أبي طَالب وقلتم أَن الَّذِي قَتله ابْن ملجم كَانَ شَيْطَانا تصور بِصُورَة عَليّ الباقرية وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ أَن الْإِمَامَة كَانَت فِي أَوْلَاد عَليّ إِلَى أَن انْتهى الامر إِلَى مُحَمَّد بن

стр. 22

وَيَقُولُونَ أَنه لم يمت وَأَنه حَيّ فِي جبل حاجر من نَاحيَة نجد وانه يُقيم هُنَاكَ إِلَى ان يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج فَيخرج ويملأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَكَانَ الْمُغيرَة بن سعيد الْعجلِيّ على هَذَا الْمَذْهَب وَكَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ وَدخل فِي دَعوته جمَاعَة من أهل الْمَدِينَة وَأهل مَكَّة وَأهل الْيمن فَجمع مِنْهُم عسكرا وَغلب على نواحي الْبَصْرَة وَاسْتولى فريق من جنده على نواحي الْمغرب وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم فِي زمن الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى بِجَيْش عَظِيم فاستشهد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْحسن بِالْمَدِينَةِ وَاخْتلف أَصْحَاب الْمُغيرَة فِي حَاله فَمنهمْ من أقرّ بقتْله وَخَرجُوا على الْمُغيرَة وَقَالُوا انه كذب فِي قَوْله يملك الأَرْض فَإِنَّهُ قتل وَمَا ملك وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْمُغيرَة صدق فِيمَا ذكر أَن مُحَمَّدًا لم يقتل وَإِنَّمَا غَابَ عَن أعين النَّاس فِي جبال حاجر إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج فَيخرج وَيملك الأَرْض ويبايعه بَين الرُّكْن وَالْمقَام سَبْعَة عشر رجلا يجيئون لأَجله وَيُعْطِي كل وَاحِد مِنْهُم حرفا من حُرُوف اسْم الله الْأَعْظَم فهم يهزمون العساكر فِي بذلك وَهَؤُلَاء يَزْعمُونَ ان الَّذِي قَتله عِيسَى بن مُوسَى بِالْمَدِينَةِ كَانَ شَيْطَانا تصور فِي صُورَة مُحَمَّد وانه لم يقتل فِي الْحَقِيقَة وأصحابنا يَقُولُونَ لَهُم جوابكم ان ترتكبوا مثل هَذِه الخرافات فَهَلا انتظرتم الْحُسَيْن بن عَليّ وقلتم انه لم يقتل وهلا انتظرتم عَليّ بن أبي طَالب وقلتم أَن الَّذِي قَتله ابْن ملجم كَانَ شَيْطَانا تصور بِصُورَة عَليّ الباقرية وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ أَن الْإِمَامَة كَانَت فِي أَوْلَاد عَليّ إِلَى أَن انْتهى الامر إِلَى مُحَمَّد بن

стр. 23

عَليّ بن الْحُسَيْن الباقر وهم ينتظرونه وَلَا يصدقون بِمَوْتِهِ وَيَقُولُونَ إِن سَبَب إِمَامَته أَن النَّبِي ﷺ أخبر جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ أَن سيطول عمره وَيدْرك أَيَّامه وَقَالَ لَهُ اقْرَأ مني ﵇ وَكَانَ جَابر آخر من مَاتَ بِالْمَدِينَةِ من الصَّحَابَة وَكَانَ قد كف بَصَره فِي آخر عمره فَجَاءَت جَارِيَة وَوضعت فِي حجره صَبيا وَقَالَت هَذَا عَليّ ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ فَادى جَابر الْأَمَانَة وبلغه سَلام جده وَتُوفِّي جَابر فِي ليلته فَرد هَؤُلَاءِ أَن رَسُول الله ﷺ أخبر عمر وعليا بِأَنَّهُمَا يدركان رجلا اسْمه أويس الْقَرنِي وَأَمرهمَا أَن يبلغاه سَلام رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ لَا يُوجب أَن يكون هُوَ الْمهْدي المنتظر فَإِنَّهُ اسْتشْهد فِي حَرْب صفّين كَذَلِك التَّسْلِيم على مُحَمَّد بن عَليّ لَا يُوجب كَونه مهديا منتظرا الناووسية وهم أَتبَاع رجل من أهل الْبَصْرَة كَانَ ينْسب إِلَى ناووس كَانَ هُنَاكَ وهم يسوقون الْإِمَامَة فِي أَوْلَاد عَليّ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق ويزعمون أَنه لم يمت وَأَنه الْمهْدي المنتظر وَجَمَاعَة من السبأية يوافقونهم فِي هَذَا القَوْل ويزعمون أَنه كَانَ يعلم كلما يحْتَاج إِلَى عمله من دين أَو دنيا عَقْلِي وشرعي ويقلدونه فِي جملَة أَبْوَاب الدّين حَتَّى لَو سُئِلَ وَاحِد مِنْهُم عَن جَوَاز الرُّؤْيَة على الله تَعَالَى وَعَن نفي خلق الْقُرْآن أَو عَن إِثْبَات الصِّفَات أَو غير ذَلِك لَكَانَ جَوَابه أَن يَقُول إِنَّا نقُول فِيهِ بقول جَعْفَر وَلَا نَدْرِي مَا قَول جَعْفَر فِيهِ غير أَنهم يتفقون فِي تَكْفِير أبي بكر وَعمر وَلَو طردوا أصلهم فِي تَقْلِيده لاجابوا بِهِ أَيْضا عَلَيْهِ

стр. 24

الشميطية فالشميطية مِنْهُم هم أَتبَاع يحيى بن شميط وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن الْإِمَامَة صَارَت من جَعْفَر إِلَى ابْنه مُحَمَّد بن جَعْفَر وَأَنَّهَا تَدور فِي أَوْلَاده وَأَن المنتظر وَاحِد من أَوْلَاده العمارية العمارية مِنْهُم وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن الْإِمَامَة صَارَت من جَعْفَر إِلَى أكبر أَوْلَاده عبد الله الَّذِي كَانَ يدعى أفطح وَهَؤُلَاء يدعونَ الأفطحية بِسَبَبِهِ الإسماعيلية وهم يَزْعمُونَ أَن الْإِمَامَة صَارَت من جَعْفَر إِلَى ابْنه إِسْمَاعِيل وكذبهم فِي هَذِه الْمقَالة جَمِيع أهل التواريخ لما صَحَّ عِنْدهم من موت إِسْمَاعِيل قبل أَبِيه جَعْفَر وَقوم من هَذِه الطَّائِفَة يَقُولُونَ بإمامة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَهَذَا مَذْهَب الإسماعيلية من الباطنية الموسوية الثَّامِنَة الموسوية مِنْهُم وَهَؤُلَاء يَزْعمُونَ إِن الْإِمَامَة صَارَت بعد جَعْفَر إِلَى ابْنه مُوسَى بن جَعْفَر وَأَنه حَيّ لم يمت وَأَنه المنتظر وَيَقُولُونَ أَنه دخل دَار الرشيد وَلم يخرج وَنحن نشك فِي مَوته وَهَذَا القَوْل مِنْهُم يُوجب عَلَيْهِم أَن يشكوا فِي إِمَامَته كَمَا شكوا فِي حَيَاته على أَن هَذَا القَوْل هوس مِنْهُم لِأَن مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر مَشْهُور بِبَغْدَاد فِي الْجَانِب الغربي يزار ويتبرك بِهِ ولهؤلاء الموسوية لقب آخر وَهُوَ أَنهم يدعونَ الممطورة لِأَن زُرَارَة بن أعين قَالَ لَهُم يَوْمًا أَنْتُم أَهْون فِي عَيْني من الْكلاب الممطورة أَرَادَ الْكلاب الَّتِي ابتلت بالمطر وَالنَّاس يطردونهم ويتحرزون مِنْهُم المباركية وهم أَيْضا يَقُولُونَ بإمامة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل كَمَا نذكرهُ بعد القطعية القطعية مِنْهُم سموا بذلك لأَنهم ساقوا الْإِمَامَة بعد جَعْفَر إِلَى ابْنه مُوسَى ثمَّ قطعُوا بِمَوْت مُوسَى وَقَالُوا إِن الْمهْدي المنتظر مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم وَهَؤُلَاء يدعونَ الأثنى عشرِيَّة لأَنهم ادعوا إِن الإِمَام المنتظر هُوَ الثَّانِي عشر من أَوْلَاد عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي سنة وَفَاة أَبِيه فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه كَانَ ابْن أَربع سِنِين وَمِنْهُم من قَالَ ابْن ثَمَان سِنِين ثمَّ قَالَ قوم مِنْهُم إِنَّه كَانَ إِمَامًا وَادي الطَّاعَة فِي ذَلِك الْوَقْت وَكَانَ عَالما بِجَمِيعِ معالم الدّين وَقَالَ قوم إِنَّه كَانَ إِمَامًا على معنى أَنه سيصير إِمَامًا إِذا بلغ وَأَنه غَابَ عَن أعين النَّاس إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج الهشامية الهشامية مِنْهُم وهم فريقان أَصْحَاب ابْن الحكم الرافضي وَأَصْحَاب هِشَام بن سَالم الجواليقي وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا يدينون بالتشبيه والتجسيم وَإِثْبَات الْحَد وَالنِّهَايَة

стр. 25

يخرج وَنحن نشك فِي مَوته وَهَذَا القَوْل مِنْهُم يُوجب عَلَيْهِم أَن يشكوا فِي إِمَامَته كَمَا شكوا فِي حَيَاته على أَن هَذَا القَوْل هوس مِنْهُم لِأَن مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر مَشْهُور بِبَغْدَاد فِي الْجَانِب الغربي يزار ويتبرك بِهِ ولهؤلاء الموسوية لقب آخر وَهُوَ أَنهم يدعونَ الممطورة لِأَن زُرَارَة بن أعين قَالَ لَهُم يَوْمًا أَنْتُم أَهْون فِي عَيْني من الْكلاب الممطورة أَرَادَ الْكلاب الَّتِي ابتلت بالمطر وَالنَّاس يطردونهم ويتحرزون مِنْهُم المباركية وهم أَيْضا يَقُولُونَ بإمامة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل كَمَا نذكرهُ بعد القطعية القطعية مِنْهُم سموا بذلك لأَنهم ساقوا الْإِمَامَة بعد جَعْفَر إِلَى ابْنه مُوسَى ثمَّ قطعُوا بِمَوْت مُوسَى وَقَالُوا إِن الْمهْدي المنتظر مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم وَهَؤُلَاء يدعونَ الأثنى عشرِيَّة لأَنهم ادعوا إِن الإِمَام المنتظر هُوَ الثَّانِي عشر من أَوْلَاد عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي سنة وَفَاة أَبِيه فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه كَانَ ابْن أَربع سِنِين وَمِنْهُم من قَالَ ابْن ثَمَان سِنِين ثمَّ قَالَ قوم مِنْهُم إِنَّه كَانَ إِمَامًا وَادي الطَّاعَة فِي ذَلِك الْوَقْت وَكَانَ عَالما بِجَمِيعِ معالم الدّين وَقَالَ قوم إِنَّه كَانَ إِمَامًا على معنى أَنه سيصير إِمَامًا إِذا بلغ وَأَنه غَابَ عَن أعين النَّاس إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج الهشامية الهشامية مِنْهُم وهم فريقان أَصْحَاب ابْن الحكم الرافضي وَأَصْحَاب هِشَام بن سَالم الجواليقي وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا يدينون بالتشبيه والتجسيم وَإِثْبَات الْحَد وَالنِّهَايَة

стр. 26

حَتَّى قَالَ هِشَام بن الحكم أَنه نور يتلألأ كقطعة من السبيكة الصافية أَو كلؤلؤة بَيْضَاء والجواليقي يَقُول بالصورة وَإِثْبَات اللَّحْم وَالدَّم وَالْيَد وَالرجل وَالْأنف وَالْأُذن وَالْعين وَإِثْبَات الْقلب وَالْعقل بِأول وهلة يعلم أَن من كَانَت هَذِه مقَالَته لم يكن لَهُ فِي الْإِسْلَام حَظّ الثَّانِيَة عشرَة أحد هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ من الهشامية الزرارية الزرارية مِنْهُم وهم أَتبَاع زُرَارَة بن أعين وَقد كَانَ على مَذْهَب القطعية الَّذين كَانُوا يَقُولُونَ بإمامة عبد الله بن جَعْفَر ثمَّ انْتقل عَنهُ فَكَانَ يَقُول بِمذهب الموسوية وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لم يكن عَالما وَلَا قَادِرًا ثمَّ خلق لنَفسِهِ علما وحياة وقدرة وارادة وسمعا وبصرا وَجرى على قِيَاس قَوْلهم قوم من بصرية الْقَدَرِيَّة فَقَالُوا كَلَام الله مَخْلُوق لَهُ وإرادته مخلوقة لَهُ وَزَاد عَلَيْهِ الكرامية فَقَالُوا إِن أَرَادَتْهُ وإدراكاته حَادِثَة اليونسية اليونسية وهم أَتبَاع يُونُس بن عبد الرَّحْمَن القمي وَكَانَ فِي الْإِمَامَة على مَذْهَب القطعية وَكَانَ مفرطا فِي التَّشْبِيه حَتَّى كَانَ يَقُول إِن حَملَة الْعَرْش يحملون إِلَه الْعَرْش وَهُوَ أقوى مِنْهُم كَمَا أَن الكركي تحمله أرجله وَهُوَ أقوى من أرجله والعاقل لَا يستجزىء أَن يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام الشيطانية الشيطانية مِنْهُم وهم أَتبَاع مُحَمَّد بن عَليّ بن النُّعْمَان الرافضي الَّذِي كَانَ يلقب

стр. 27

بِشَيْطَان الطاق وَكَانَ فِي الْإِمَامَة على مَذْهَب القطعية وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يعلم الشَّرّ قبل أَن يكون كَمَا كَانَ يَقُوله هِشَام بن الحكم وَقد كَانَ يُوَافق هشاما الجواليقي فِي كثير من بدعه وَاعْلَم أَن الزيدية والإمامية مِنْهُم من يكفر بَعضهم بَعْضًا والعداوة بَينهم قَائِمَة دائمة والكيسانية يعدون فِي الإمامية وَاعْلَم أَن جَمِيع من ذَكَرْنَاهُمْ من فرق الإمامية متفقون على تَكْفِير الصَّحَابَة وَيدعونَ أَن الْقُرْآن قد غير عَمَّا كَانَ وَوَقع فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من قبل الصَّحَابَة ويزعمون أَنه قد كَانَ فِيهِ النَّص على إِمَامَة عَليّ فاسقطه الصَّحَابَة عَنهُ ويزعمون أَنه لَا اعْتِمَاد على الْقُرْآن الْآن وَلَا على شَيْء من الْأَخْبَار المروية عَن الْمُصْطَفى ﷺ ويزعمون أَنه لَا اعْتِمَاد على الشَّرِيعَة الَّتِي فِي ايدي الْمُسلمين وينتظرون إِمَامًا يسمونه الْمهْدي يخرج وَيُعلمهُم الشَّرِيعَة وَلَيْسوا فِي الْحَال على شَيْء من الدّين وَلَيْسَ مقصودهم من هَذَا الْكَلَام تَحْقِيق الْكَلَام فِي الْإِمَامَة وَلَكِن مقصودهم اسقاط كلفة تَكْلِيف الشَّرِيعَة عَن أنفسهم حَتَّى يتوسعوا فِي استحلال الْمُحرمَات الشَّرْعِيَّة ويعتذروا عِنْد الْعَوام بِمَا يعدونه من تَحْرِيف الشَّرِيعَة وتغيير الْقُرْآن من عِنْد الصَّحَابَة وَلَا مزِيد على هَذَا النَّوْع من الْكفْر إِذْ لَا بَقَاء فِيهِ على شَيْء من الدّين وَأما الهشامية فَإِنَّهُم أفصحوا عَن التَّشْبِيه بِمَا هُوَ كفر مَحْض بإتفاق جَمِيع الْمُسلمين وهم الأَصْل فِي التَّشْبِيه وَإِنَّمَا أخذُوا تشبيههم من الْيَهُود حِين نسبوا إِلَيْهِ الْوَلَد وَقَالُوا عَزِيز ابْن الله وأثبتوا لَهُ الْمَكَان وَالْحَد وَالنِّهَايَة والمجيء والذهاب تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلِهَذَا الْمَعْنى شبه النَّبِي ﷺ الروافض باليهود فَقَالَ الروافض يهود هَذِه الْأمة وَقَالَ الشّعبِيّ إِن الروافض شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِن الْيَهُود سئلوا عَن أَخْبَار ملتهم فَقَالُوا أَصْحَاب مُوسَى

стр. 28

وَالنَّصَارَى سئلوا عَن أَخْبَار ملتهم فَقَالُوا الحواريون الَّذين كَانُوا مَعَ عِيسَى ﵇ وسئلت الرافضة عَن شَرّ هَذِه الْأمة فَقَالُوا أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَلَا جرم يكون سيف الْحق مسلولا عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يرى لَهُم قدم ثَابت وَلَا كلمة مجتمعة وَلَا راية مَنْصُوبَة وَلَا ينصرهم أحد الأصار مخذولا لشؤم بدعتهم وَالْعجب أَنهم يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّحَابَة ويسيئون القَوْل فيهم وَلَا يتأملون كتاب الله حَيْثُ أثنى عَلَيْهِم بقوله سُبْحَانَهُ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل﴾ إِلَى آخر السُّورَة فَأثْنى عَلَيْهِم كَمَا ترى فَأخْبر أَن صفتهمْ مذكروة فِي التَّوْرَاة والأنجيل كَمَا أخبر بِهِ كزرع أخرج شطئه وفئازره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار حَتَّى قَالَ أَبُو إِدْرِيس الْمُفَسّر أَن ظَاهر هَذِه الْآيَة يُوجب أَن الروافض كفار لِأَن قُلُوبهم غيظا من الصَّحَابَة وعداوة لَهُم أَلا ترَاهُ يَقُول ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ فَبين أَن من كَانَ فِي قلبه غيظ مِنْهُم من الْكفَّار وروى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَيكون فِي آخر الزَّمَان قوم لَهُم نبز يُقَال لَهُم الروافض يرفضون الْإِسْلَام فاقتلوهم فَإِنَّهُم مشركون وروى عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا عَليّ تكون أَنْت فِي الْجنَّة وشيعتك يكونُونَ فِي الْجنَّة وسيكون بعدِي قوم يدعونَ ولايتك يدعونَ الرافضة فَإِن وَجَدتهمْ فأقتلهم فأنهم مشركون فَقَالَ عَليّ وَمَا علامتهم يَا رَسُول الله فَقَالَ لَا يكون لَهُم جُمُعَة وَلَا جمَاعَة ويشتمون أَبَا بكر وَعمر وَاعْلَم أَن هَذِه الْمقَالة الَّتِي رويناها عَن الروافض لَيست مِمَّا يسْتَدلّ على

стр. 29

فَسَادهَا فَإِن الْعَاقِل ببديهة الْعقل يعلم فَسَادهَا وينكر عَلَيْهَا فَلَا يُمكن أَن تحمل مِنْهُم هَذِه المقالات إِلَّا على أَنهم قصدُوا بهَا إِظْهَار مَا كَانُوا يضمرونه من الْإِلْحَاد وَالشَّر بموالاة قوم من أَشْرَاف أهل الْبَيْت وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُم دَلِيل يعتمدون عَلَيْهِ ويجعلون خرافات مقالاتهم إِلَيْهِ حَتَّى أَنهم لما رَأَوْا الجاحظ يتوسع فِي التصانيف ويصنف لكل فريق قَالَت لَهُ الروافض صنف لنا كتابا فَقَالَ لَهُم لست أَدْرِي لكم شُبْهَة حَتَّى أرتبها واتصرف فِيهَا فَقَالُوا لَهُ إِذا دللتنا على شَيْء نتمسك بِهِ فَقَالَ لَا أرى لكم وَجها أَلا أَنكُمْ إِذا أردتم أَن تقولواشيئا مِمَّا تزعمونه أَنه قَول جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق لَا اعرف لكم سَببا تستندون إِلَيْهِ غير هَذَا الْكَلَام فَتمسكُوا بحمقهم وغباوتهم بِهَذِهِ السوءة الَّتِي دلهم عَلَيْهَا وَكلما أَرَادوا أَن يختلقوا بِدعَة أَو يخترعوا كذبة نسبوها إِلَى ذَلِك السَّيِّد الصَّادِق وَهُوَ عَنْهَا منزه وَعَن مقالتهم فِي الدَّاريْنِ بَرِيء حَتَّى حكى عَنهُ إِنَّه قَالَ كَادَت الروافض أَن تنصر عليا فنسبته إِلَى الْعَجز وكادت الْمُعْتَزلَة أَن توَحد رَبهَا فشركته وأرادت أَن تعدل رَبهَا فجورته أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ

стр. 30

الْبَاب الرَّابِع فِي تَفْصِيل مقالات الْخَوَارِج وَبَيَان فضائحهم اعْلَم أَن الْخَوَارِج عشرُون فرقة كَمَا ترى بيانهم فِي هَذَا الْكتاب وَكلهمْ متفقون على أَمريْن لَا مزِيد عَلَيْهِمَا فِي الْكفْر والبدعة أَحدهمَا إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن عليا وَعُثْمَان وَأَصْحَاب الْجمل والحكمين وكل من رَضِي بالحكمين كفرُوا كلهم وَالثَّانِي أَنهم يَزْعمُونَ أَن كل من أذْنب ذَنبا من أمة مُحَمَّد ﷺ فَهُوَ كَافِر وَيكون فِي النَّار خَالِدا مخلدا إِلَّا النجدات مِنْهُم فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْفَاسِق كَافِر على معنى أَنه كَافِر نعْمَة ربه فَيكون اطلاق هَذِه التَّسْمِيَة عِنْد هَؤُلَاءِ مِنْهُم على معنى الكفران لَا على معنى الْكفْر وَمِمَّا يجمع جَمِيعهم أَيْضا تجويزهم الْخُرُوج على الإِمَام الجائر وَالْكفْر لَا محَالة لَازم لَهُم لتكفيرهم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ المحكمة الأولى الْفرْقَة الأولى مِنْهُم المحكمة الأولى وَأول من قَالَ مِنْهُم لَا حكم إِلَّا الله عُرْوَة بن حدير

стр. 31

أَخُو مرداس الْخَارِجِي وَقيل أَن أول من قَالَه يزِيد بن عَاصِم الْمحَاربي وَقيل أَنه رجل من بني يشْكر كَانَ مَعَ عَليّ ﵁ بصفين وَلما اتّفق الْفَرِيقَانِ على التَّحْكِيم ركب وَحمل على أَصْحَاب عَليّ وَقتل مِنْهُم وَاحِدًا ثمَّ حمل على أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَقتل مِنْهُم واحدأ ثمَّ نَادَى بَين العسكرين أَنه بَرِيء من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَأَنه خرج من حكمهم فَقتله رجل من هَمدَان ثمَّ أَن جمَاعَة مِمَّن كَانُوا مَعَ عَليّ ﵁ فِي حَرْب صفّين اسْتَمعُوا مِنْهُ ذَلِك الْكَلَام واستقرت فِي قُلُوبهم تِلْكَ الشُّبْهَة وَرَجَعُوا مَعَ عَليّ إِلَى الْكُوفَة ثمَّ فارقوه وَرَجَعُوا إِلَى حروراء وَكَانُوا أثنى عشر ألف رجل من الْمُقَاتلَة وَمن هُنَا سميت الْخَوَارِج حرورية وَكَانَ زعيمهم يَوْمئِذٍ عبد الله بن الْكواء وشبث بن ربعي وَخرج إِلَيْهِم عَليّ وناظرهم فَظهر بِالْحجَّةِ عَلَيْهِم فاستأمن إِلَيْهِ ابْن الْكواء فِي ألف مقَاتل وأستمر الْبَاقُونَ على ضلالهم وَخَرجُوا إِلَى النهروان وامروا عَلَيْهِم رجلَيْنِ مِنْهُم أَحدهمَا عبد الله بن وهب الراسي وَالثَّانِي حرقوص بن زُهَيْر البَجلِيّ وَكَانَ يلقب بِذِي الثدية وَرَأَوا فِي طريقهم حَال خُرُوجهمْ إِلَى النهروان عبد الله بن خباب بن الْأَرَت فَقَالُوا لَهُ حدث لنا حَدِيثا سمعته من أَبِيك عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم والواقف فِيهَا خير من

стр. 32

السائر والماشي فِيهَا خير من العادي وَمن أمكنه أَن يكون مقتولا فِيهَا يقصدن أَن يكون قَاتلا أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ فَلَمَّا سمعُوا مِنْهُ هَذَا الْخَبَر قصدُوا قَتله وَقَتله رجل مِنْهُم اسْمه مسمع وَجرى دَمه على وَجه المَاء قَائِما كالشراك حَتَّى انهال من احدى شطئ النَّهر إِلَى الآخر ثمَّ قصدُوا بَيته وَقتلُوا أَوْلَاده وَأُمَّهَات أَوْلَاده بالنهروان وَكثر عَددهمْ وقويت شوكتهم فقصدهم عَليّ ﵁ فِي أَرْبَعَة آلَاف رجل وَكَانَ مقدمهم عدي بن حَاتِم الطَّائِي وينشد لَهُم أشعارا يترنمون بهَا فِي مذمتهم ومدح عَليّ ﵁ فَلَمَّا ازدلفوا اليهم بعث عَليّ ﵁ اليهم رَسُولا أَن ادفعوا الي قَاتل عبد الله بن خباب فَقَالُوا كلنا قَتله وَلَو ظفرنا بك لقتلناك أَيْضا فَوقف عَلَيْهِم عَليّ ﵁ بِنَفسِهِ وَقَالَ لَهُم يَا قوم مَاذَا نقمتم مني حَتَّى فارقتموني لأَجله قَالُوا قاتلنا بَين يَديك يَوْم الْجمل وهزمنا أَصْحَاب الْجمل فأبحت لنا أَمْوَالهم وَلم تبح لنا نِسَائِهِم وذراريهم وَكَيف تحل مَال قوم وَتحرم نِسَائِهِم وذراريهم وَقد كَانَ يَنْبَغِي أَن تحرم الْأَمريْنِ أَو تبيحهما لنا فَاعْتَذر عَليّ ﵁ بِأَن قَالَ أما أَمْوَالهم فقد أبحتها لكم بَدَلا عَمَّا أَغَارُوا عَلَيْهِ من مَال بَيت المَال الَّذِي كَانَ بِالْبَصْرَةِ قبل أَن وصلت إِلَيْهِم وَلم يكن لنسائهم وذراريهم ذَنْب فَإِنَّهُم لم يقاتلونا كَانَ حكمهم حكم الْمُسلمين وَمن لَا يحكم لَهُ بالْكفْر من النِّسَاء والوالدان لم يجز سَبْيهمْ واسترقاقهم وَبعد لَو أبحت لكم نِسَاءَهُمْ من كَانَ مِنْكُم يَأْخُذ عَائِشَة فِي قسْمَة نَفسه فَلَمَّا سمعُوا هَذَا الْكَلَام خجلوا وَقَالُوا قد نقمنا مِنْك سَببا آخر وَهُوَ أَنَّك يَوْم التَّحْكِيم كتبت إسمك فِي كتاب الصُّلْح إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة حكما فلَانا فنازعك مُعَاوِيَة وَقَالَ لَو كُنَّا نعلم أَنَّك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا خالفناك فمحوت اسْمك فَإِن كَانَت إمامتك حَقًا فَلم رضيت بِهِ فَاعْتَذر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ إِنَّمَا فعلت كَمَا فعل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 33

حِين صَالح سُهَيْل بن عَمْرو وَكتب فِي كتاب الصُّلْح هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد رَسُول الله سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ لَهُ سُهَيْل لَو علمنَا أَنَّك رَسُول الله مَا خالفناك وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَأمر النَّبِي ﷺ حَتَّى كتب هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد بن عبد الله سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِنَّك ستبتلى بِمثلِهِ يَوْمًا فَالَّذِي فعلته بأذنه وإقتداء بِهِ ثمَّ قَالَت الْخَوَارِج لَهُ لم قلت لِلْحكمَيْنِ إِن كنت أَهلا للخلافة فقرراني وَلم شَككت فِي خلافتك حَتَّى تَكَلَّمت بِهَذَا الْكَلَام وَلَو كنت شاكا لما ادعيت الْخلَافَة فَقَالَ عَليّ إِنَّمَا أردْت أَن أنصف الْخصم وأسكن النائرة وَلَو قلت لِلْحكمَيْنِ احكما لي لم يرض بذلك مُعَاوِيَة وَهَكَذَا فعل النَّبِي ﷺ مَعَ نَصَارَى نَجْرَان حِين دعاعم إِلَى المباهلة فَقَالَ ﴿فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل الْإِنْصَاف لَا على سَبِيل التشكك وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل من يرزقكم من السَّمَاوَات وَالْأَرْض قل الله وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ وَلِهَذَا الْمَعْنى حكم النَّبِي ﷺ سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة وَالْحق فِي الْحَقِيقَة كَانَ لرَسُول الله ﷺ ثمَّ إِن حكم رَسُول الله ﷺ بِالْعَدْلِ وحكمي الَّذِي حكمته خدع فَكَانَ من الْأَمر مَا كَانَ فَلَمَّا سَمِعت الْخَوَارِج هَذِه الْحجَج القاطعة استأمن ثَمَانِيَة آلَاف مِنْهُم وَثَبت على قِتَاله أَرْبَعَة آلآف مِنْهُم فَقَالَ إِلَى الَّذين استأمنوا إِلَيْهِ مِنْهُم امتازوا الْيَوْم مني جانبا وَقَاتل بِمن كَانَ مَعَه وَقَالَ لأَصْحَابه لما أَرَادَ أَن يَبْتَدِئ الْقِتَال لَا يقتل منا عشرَة وَلَا ينجو مِنْهُم عشرَة وَاشْتَغلُوا بِالْقِتَالِ فَلم يقتل يَوْمئِذٍ من أَصْحَاب عَليّ أَكثر من تِسْعَة أنفس وَخرج حرقوص بن زُهَيْر فِي وَجه عَليّ ﵁ وَقَالَ وَالله لَا نُرِيد بقتالك إِلَّا وَجه الله تَعَالَى والنجاة فِي الْآخِرَة فَتلا عَلَيْهِ قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا

стр. 34

الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا) ثمَّ حمل عَلَيْهِم وَقتل عبد الله بن وهب فِي المبارزة والتحم الْقِتَال حَتَّى لم يبْق من جملَة الْخَوَارِج إِلَّا تِسْعَة فَوَقع اثْنَان مِنْهُم إِلَى سجستان وَاثْنَانِ إِلَى الْيمن وَاثْنَانِ إِلَى عمان وَاثْنَانِ إِلَى الجزيرة وَوَاحِد إِلَى نَاحيَة الابار وخوارج هَذِه النواحي من أَتبَاع هَذِه التِّسْعَة وامر عَليّ ﵁ أَصْحَابه بِطَلَب ذِي الثدية فوجدوه قد هرب واستخفى فِي مَوضِع فظفروا بِهِ وتفحصوا عَنهُ فوجدوا لَهُ ثديا كثدي النِّسَاء فَقَالَ عَليّ ﵁ صدق الله وَصدق رَسُوله وامر بقتْله فَقتل وَقد كَانَ مر على النَّبِي ﷺ ذُو الثدية وَهُوَ يقسم غَنَائِم بدر فَقَالَ لَهُ أعدل يَا مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ ﵊ خبت وخسرت إِذا من يعدل ثمَّ قَالَ أَنه يخرج من ضئضىء هَذَا قوم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية هَذِه قصَّة المحكمة الأولى وهم يكفرون بتكفيرهم عليا وَعُثْمَان وتكفيرهم فساق أهل الْملَّة ثمَّ خرج بعدهمْ جمَاعَة من الْخَوَارِج بِأَرْض الْعرَاق فَكَانَ عَليّ ﵁ يبْعَث اليهم السَّرَايَا ويقاتلهم إِلَى أَن اسْتَأْثر الله بِرُوحِهِ وَنَقله إِلَى جنته وَبقيت الْخَوَارِج على مَذْهَب المحكمة الأولى إِلَى أَن ظَهرت فتْنَة الْأزَارِقَة مِنْهُم فَعِنْدَ ذَلِك اخْتلفُوا كَمَا نذكرهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى الْفرْقَة الثَّانِيَة الْأزَارِقَة مِنْهُم الْأزَارِقَة وهم أَتبَاع رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ أَبُو رَاشد نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ وَلم يكن للخوارج قوم أَكثر مِنْهُم عددا وَأَشد مِنْهُم شَوْكَة وَلَهُم

стр. 35

مقالات فارقوا بهَا المحكمة الأولى وَسَائِر الْخَوَارِج مِنْهَا أَنهم يَقُولُونَ أَن من خالفهم من هَذِه الْأمة فَهُوَ مُشْرك والمحكمة كَانُوا يَقُولُونَ أَن مخافهم كَافِر وَلَا يسمونه مُشْركًا وَمِمَّا وَمِمَّا اختصوا بِهِ أَيْضا أَنهم يسمون من لم يُهَاجر إِلَى دِيَارهمْ من موافقيهم مُشْركًا وان كَانَ مُوَافقا لَهُم فِي مَذْهَبهم وَكَانَ من عاداتهم فِيمَن هَاجر اليهم أَن يمتحنوه بَان يسلمُوا اليه أَسِيرًا من أسراء مخالفيهم وأطفالهم ويأمروه بقتْله ويزعمون أَيْضا ان أَطْفَال مخالفيهم مشركون ويزعمون أَنهم يخلدُونَ فِي النَّار وَأول من أظهر هَذِه الْبدع الزَّائِدَة على أُولَئِكَ رجل مِنْهُم يدعى عبد ربه الْكَبِير وَقيل عبد ربه الصَّغِير وَقيل عبد الله بن الْوَضِين وَكَانَ نَافِع بن الْأَزْرَق يُخَالِفهُ حَتَّى مَاتَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مذْهبه وَقد اطبقت الْأزَارِقَة على أَن ديار مخالفيهم ديار الْكفْر وان قتل نِسَاءَهُمْ وأطفالهم مُبَاح وَأَن رد أماناتهم لَا تجب لنَصّ كتاب الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ وَزَعَمُوا أَيْضا ان الرَّجْم لَا يجب على الزَّانِي الْمُحصن خلافًا لاجماع الْمُسلمين وَقَالُوا ان من قذف رجلا مُحصنا فَلَا حد عَلَيْهِ وَمن قذف امْرَأَة مُحصنَة فَعَلَيهِ الْحَد وَقَالُوا إِن سَارِق الْقَلِيل يجب عَلَيْهِ الْقطع وَهَذِه بدع زادوا بهَا على جَمِيع الْخَوَارِج فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عَذَاب مهين وَهَذِه الْأزَارِقَة غلبوا على بِلَاد الأهواز وَأَرْض فَارس وكرمان فِي أَيَّام عبد الله بن الزبير حِين بعث عَاملا لَهُ على الْبَصْرَة فَأخْرج سَرِيَّة إِلَى قِتَالهمْ وهم ألف مقَاتل فَقَتلهُمْ الْخَوَارِج ثمَّ بعث إِلَيْهِم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمُقَاتلَة فظفر الْخَوَارِج أَيْضا بهم فَبعث عبد الله بن الزبير من مَكَّة كتابا وَجعل قِتَالهمْ إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة حَتَّى

стр. 36

جمع عسكرا عَظِيما وَهزمَ نَافِع بن الْأَزْرَق وجعدة وَقتل نَافِع فِي تِلْكَ الْهَزِيمَة وبايعت الْأزَارِقَة بعده رجلا آخر مِنْهُم فَهَزَمَهُ الْمُهلب أَيْضا وقتلوه فِي الْهَزِيمَة فَبَايعُوا قطري بن الْفُجَاءَة التَّمِيمِي وسموه أَمِير الْمَوْت وَكَانَ الْمُهلب يقاتلهم حَتَّى هدمهم وانحازوا إِلَى سَابُور من بِلَاد فَارس وَجعلُوا ذَلِك دَار هجرتهم وَكَانَ الْمُهلب وَأَوْلَاده يقاتلونهم تسع عشرَة سنة بَعْضهَا فِي زمَان عبد الله بن الزبير وَبَعضهَا فِي زمَان عبد الْملك بن مَرْوَان وَلما ولي الْحجَّاج بن يُوسُف الْعرَاق أقرّ الْمُهلب على قِتَالهمْ وَكَانَ يقاتلهم إِلَى أَن ظهر بَينهم الْخلاف وَخَالف عبد ربه الْكَبِير قطريا وَخرج إِلَى جيرفت كرمان فِي سَبْعَة آلَاف رجل وَخَالفهُ أَيْضا عبد ربه الصَّغِير وانحاز إِلَى نَاحيَة من نواحي كرمان وَكَانَ الْمُهلب يُقَاتل قطريا بِنَاحِيَة سَابُور إِلَى ان هَزَمه فَخرج إِلَى كرمان وَكَانَ الْمُهلب يسير على أَثَره ويقاتله حَتَّى هَزَمه إِلَى الرّيّ ثمَّ كَانَ يُقَاتل عبد ربه الصَّغِير حَتَّى كفى شغله وَقَتله وَبعث الْحجَّاج عسكرا عَظِيما إِلَى الرّيّ فَقَاتلُوا قطريا فَانْهَزَمَ مِنْهُم إِلَى طبرستان وتبعوه حَتَّى قَتَلُوهُ وَكفى الله تَعَالَى شغله وَكَانَ قد هرب فِي جملَة من قومه إِلَى قومس عُبَيْدَة بن الْهلَال الْيَشْكُرِي فقصده جند الْحجَّاج حَتَّى قَتَلُوهُ وطهر الله وَجه الأَرْض من جملَة الْأزَارِقَة وَلم يبْق مِنْهُم وَاحِد

стр. 37

الْفرْقَة الثَّالِثَة النجدات مِنْهُم النجدات وهم أَتبَاع نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ وَكَانَ من حَاله أَنه لما سمى نَافِع بن الْأَزْرَق من كَانَ قد امْتنع من نصرته مُشْركًا وأباح قتل نسَاء مخالفيهم وأطفالهم خرج عَلَيْهِ قوم من أَتْبَاعه وصاروا إِلَى الْيَمَامَة وَبَايَعُوا نجدة وَقَالُوا ان من يَقُول مَا قَالَه نَافِع فَهُوَ كَافِر ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ ثَلَاث فرق وَخَرجُوا على نجدة فَصَارَ فريق مِنْهُم مَعَ عَطِيَّة بن الْأسود الْحَنَفِيّ إِلَى سجستان وخوارج سجستان أَتبَاع هَؤُلَاءِ وَلذَلِك كَانُوا يدعونَ العطوية وَصَارَ فريق مِنْهُم تبعا لرجل كَانَ يُقَال لَهُ أَبُو فديك وَكَانُوا يُقَاتلُون نجدة حَتَّى قَتَلُوهُ وَإِنَّمَا خرج هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم لأَنهم أخذُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء مِنْهَا أَنه بعث جندا للغزو فِي الْبر وجندا فِي الْبَحْر ثمَّ فضل فِي الْعَطاء من بَعثه فِي الْبَحْر فانكروا عَلَيْهِ وَقَالُوا لم يكن من حَقه أَن يفضل هَؤُلَاءِ وَالثَّانِي انهم قَالُوا أَنَّك بعثت جندا إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهَا وَسبوا جَارِيَة من أَوْلَاد عُثْمَان بن عَفَّان وكاتبه فِي ذَلِك الْمَعْنى عبد الْملك بن مَرْوَان فاشتراها عَمَّن كَانَت فِي يَده وبعثها إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان فَأخذُوا عَلَيْهِ هَذَا وَقَالُوا أَنه رد جَارِيَة غنمناها إِلَى عدونا وَقَالُوا لَهُ تب فَتَابَ وَقَالَ قوم انه كَانَ مَعْذُورًا فِيمَا فعل وَقَالُوا لَهُ كَانَ لَك أَن تجتهد وَلم يكن لنا أَن نستتيبك فتب عَن توبتك فَتَابَ وَاخْتلفُوا عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا إِلَى أَن قَتله أَبُو فديك

стр. 38

وَبعث عبد الْملك بن مَرْوَان جندا إِلَى أبي فديك فَقتل وَكفى الله الْمُسلمين شرهم وبدع النجدات كَثِيرَة وَمن اطلع على مَا ذَكرْنَاهُ من حَالهم لم يخف عَلَيْهِ أَمرهم الْفرْقَة الرَّابِعَة الصفرية وهم أَتبَاع زِيَاد بن الْأَصْفَر وَقَوْلهمْ كَقَوْل الْأزَارِقَة فِي فساق هَذِه الْأمة وَلَكنهُمْ لَا يبيحون قتل نسَاء مخالفيهم وَلَا أطفالهم وَقَالَ فريق مِنْهُم كل ذَنْب لَهُ حد مَعْلُوم فِي الشَّرِيعَة لَا يُسمى مرتكبه مُشْركًا وَلَا كَافِرًا بل يدعى باسمه الْمُشْتَقّ من جريمته يُقَال سَارِق وَقَاتل وقاذف وكل ذَنْب لَيْسَ فِيهِ حد مَعْلُوم فِي الشَّرِيعَة مثل الاعراض عَن الصَّلَاة فمرتكبه كَافِر وَلَا يسمون مرتكب وَاحِد من هذَيْن النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا مُؤمنا وَقَالَ فريق مِنْهُم أَن المذنب لَا يكون كَافِرًا إِلَى أَن يحده الْوَالِي وَيحكم بِكُفْرِهِ وَهَؤُلَاء الْفرق الثَّلَاثَة من الصفرية يَقُولُونَ بامامة رجل كَانَ اسْمه أَبُو بِلَال مرداس الْخَارِجِي وَيَقُولُونَ بعده بامامة عمرَان بن حطَّان السدُوسِي وَكَانَ خُرُوج أبي بِلَال فِي أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة بِنَاحِيَة الْبَصْرَة على عَامله عبيد الله بن زِيَاد فَبعث إِلَيْهِ زرْعَة بن مُسلم العامري فِي ألفي مقَاتل وَكَانَ زرْعَة يمِيل إِلَى رَأْي الْخَوَارِج فَلَمَّا اصطف العسكران قَالَ زرْعَة يَا أَبَا بِلَال اني أعلم أَنَّك على الْحق ولكننا لَو لم نقاتلك يحبس عبيد الله بن زِيَاد عطاءنا عَنَّا فَقَالَ أَبُو بِلَال لَيْتَني فعلت كَمَا أَمرنِي بِهِ أخي عُرْوَة فانه أَمرنِي أَن أستعرض النَّاس بِالسَّيْفِ فأقتل كل من استقبلني ثمَّ

стр. 39

هَزَمه أَبُو بِلَال فَبعث عبيد الله بن زِيَاد إِلَى قتال أبي بِلَال عبادا التَّمِيمِي حَتَّى حمل رَأسه إِلَى عبيد الله بن زِيَاد فَدَعَا عبيد الله عُرْوَة أَخَاهُ وَقَالَ لَهُ يَا عَدو الله أمرت أَخَاك أَن يستعرض الْمُسلمين قد انتقم الله تَعَالَى مِنْهُ وَأمر بصلب عُرْوَة ثمَّ إِن الصفرية بعد أبي بِلَال بَايعُوا عمرَان بن حطَّان وَكَانَ رجلا شَاعِرًا نسابة وَكَانَ يرثي مرداسا وَمن جملَة مَا رثاه بِهِ قَوْله (أنْكرت بعْدك مَا قد كنت أعرفهُ ... مَا النَّاس بعْدك يَا مرداس بِالنَّاسِ) وَكَانَ من شقاوته أَنه رثى عبد الرَّحْمَن بن ملجم بقوله (يَا ضَرْبَة من منيب مَا أَرَادَ بهَا ... أَلا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه ... أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا) وَمن كَانَ اعْتِقَاده على هَذِه الْجُمْلَة لم تعترض أهل الدّيانَة فِي كفره شُبْهَة الْفرْقَة الْخَامِسَة العجاردة مِنْهُم العجاردة وهم أَتبَاع عبد الْكَرِيم بن عجرد وَكَانَ من أَتبَاع عَطِيَّة بن أسود الْحَنَفِيّ وَمِمَّا اتّفق عَلَيْهِ العجاردة قَوْلهم إِن كل طِفْل بلغ فَإِنَّهُ يدعى إِلَى أَن

стр. 40

يقر بدين الْإِسْلَام وَقبل أَن يبلغ يتبرؤون عَنهُ وَلَا يحكمون لَهُ بِحكم الْإِسْلَام فِي حَالَة طفوليته وخاصة مَذْهَبهم تأن الْأزَارِقَة كَانُوا يبيحون أَمْوَالهم مخالفيهم حَتَّى يقتل صَاحب المَال أَولا وَهَؤُلَاء الَّذين ينتحلون هَذَا الْمَذْهَب افْتَرَقُوا فَمنهمْ الخازمية وهم الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم وافقوا أهل السّنة فِي الْقدر والاستطاعة والمشيئة فَيَقُولُونَ لَا خَالق إِلَّا الله وَلَا يكون إِلَّا مَا يُرِيد والاستطاعة مَعَ الْفِعْل وَيَقُولُونَ بتكفير الْقَدَرِيَّة بِهَذِهِ الْمسَائِل الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَكِن يكفرون عُثْمَان وعليا والحكمين وَمِنْهُم الشعيبية وَكَانَ سَبَب ظُهُورهمْ أَن زعيمهم نَازع رجلا من الْخَوَارِج يُقَال لَهُ مَيْمُون وَكَانَ لَهُ على شُعَيْب مَال فطالب بِهِ شعيبا فَقَالَ شُعَيْب أؤديه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَالَ مَيْمُون الْآن شَاءَ الله ذَلِك أَلا ترَاهُ قد أَمر بِهِ فَقَالَ شُعَيْب لَو كَانَ الله شَاءَ لم أقدر على مُخَالفَته فَظهر بِسَبَب ذَلِك الْخلاف بَين العجاردة فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة فَكَتَبُوا هَذِه الْقِصَّة إِلَى عبد الْكَرِيم بن عجرد وَهُوَ مَحْبُوس فِي حبس السُّلْطَان فَكتب فِي جَوَابه نَحن نقُول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَا نلحق بِهِ سوءا وَقَالَ مَيْمُون من قَالَ أَنه لم يرد أَن يُؤَدِّي إِلَى حَقي فقد الْحق بِهِ سوءا وَقَالَ شُعَيْب بل وَافقنِي فِي الْجَواب أَلا ترَاهُ يَقُول وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَرجع الخازمية إِلَى قَول شُعَيْب والحمزية مِنْهُم إِلَى قَول مَيْمُون القدري وَهُوَ الَّذِي يجوز نِكَاح بَنَات الْبَنِينَ وَبَنَات الْبَنَات وَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين وَهَذَا مِنْهُ كفر زَاده على قَوْله بِالْقدرِ وَمِنْهُم الخلفية وَكَانَ خلف هَذَا من أَتبَاع مَيْمُون القدري ثمَّ تَابَ وَرجع عَن أَقْوَاله إِلَى مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي بَاب الْقدر والمشيئة والاستطاعة وخوارج مكران وكرمان بَايعُوهُ على ذَلِك وَكَانَ حَمْزَة الْخَارِجِي القدري يقاتلهم
следующие страницы →