Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.
стр. 36
أآمن بعد حنظلة ابن أنثى ... بشيء ما هدت قدمي قبالي
تغيب عنك ذاك الشهر حتى ... أتاك لليلةٍ بعد الهلال
وقال أبوك: إما جاء ربي ... له أربٌ فلا تعطوه مالي
فإن تشكر فقد أنعمت فيكم ... وإن تكفر فإني لا أبالي
ولولا عامرٌ والمرء عمروٌ ... رميت إليكما رمي المغالي
ولولا عتبة المحمود أدنى ... إليك الركب وسماً غير بالي
قال ابن السيرافي قال السليك
كأن حوافر النحام لما ... تروح صحبتي أصلاً محار
على قرماء عاليه شواه ... كأن بياض غرته خمار
قال: النحام اسم فرسه، وكان النحام نفق. قال: ورأيت بعض من يفسر الشعر ذكر غير هذا، وفسر الشعر على أن الفرس حي وقال: قوله عاليه شواه: أراد أنه تام ليس به قصر.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا خير السيدي بين غوايةٍ ... ورشدٍ، أتى السيدي ما كان غاويا
كثيراً ما يتعلق ابن السيرافي بالرديء ويدع الجيد جانباً، وذلك لجهله بالشعر ومعانيه وإنما هو مرثية النحام لا مدحه. ولم يعرف قرماء أيضاً أنها في أي بلاد. وقرماء: قرية لبني نمير، وثم نفق النحام.
قال ابن السيرافي قال الراجز
تقول يا رباه يا رب هل
إن كنت من هذا منجي أحبلي
إما بتطليقٍ وإما بارحلي
كأن خصييه من التدلدل
ظرف عجوزٍ فيه ثنتا حنظل
قال س: هذا موضع المثل:
إذا اعتملت فاعتمل بجد
ولا تكن مثل عطين القد
لم يعرف ابن السيرافي هذا الرجز ولم يعرف قائله، وتهاون في استخراج أبياته على جهة الصواب، والأبيات الثلاثة التي أوردها قبل قوله: " كأن خصييه " مختلة كلها. ولم يعرف قائل الأرجوزة أيضاً.
وقائلها خطام الريح المجاشعي، ونظام الأبيات على ما أثبته لك هنا، وهي:
يا رب بيضاء بوعس الأرمل
شبيهة العين بعيني مغزل
فيها طماحٌ عن حليلٍ حنكل
وهي تداوي ذاك بالتجمل
قد شغفت بناشئٍ هبركل
ينفض عطفي خضيلٍ مرجل
يحسب مختالاً وإن لم يختل
دس إليها برسولٍ مجمل
عن كيف بالوصل لكم أم كيف لي
فلم تزل عن زوجها المخشل
ابعث فكن في الرائحين أو كل
وكل ما أكلت في محلل
وأوقرن يا هديت جملي
حتى إذا دب الرضا في المفصل
وكان في القلب تحيت المسعل
ثم غدا الشيخ لها بأزفل
من الرضا جنعدل التكتل
كأن خصييه من التدلدل
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
لما غدا تبهلت لا تأتلي
عن: رب يا رب عليه عجل
برهصةٍ تقتله أو دمل
أو حيةٍ تعض فوق المقصل
قال ابن السيرافي قال عمرو بن العاص في يوم صفين
إذا تخازرت وما بي من خزر
ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمر
ذا صولةٍ في المصمئلات الكبر
قال: ويروى هذا الرجز للنجاشي الحارثي، وأظن أنه يروى لغيرهما أيضاً.
قال س: هذا موضع المثل:
لا مي إلا أن تظن ظنا
وإن تغنى البوم أو أرنا
إذا فسر المفسر الشعر بأظن وعسى ويجوز ويروى - فاعلم أنه برذون فيه. وهذا الشعر للمساور بن هند، وأوله:
أنا لمن أنكر شاني القمر
أختن من شئت ومن شئت أذر
إذا تعاورت وما بي من عور
ثم خزرت العين من غير خزر
ألفيتني ألوى بعيد المستمر
ذا نهمةٍ في المصمئلات الكبر
أبذى إذا نوديت من كلبٍ ذكر
أعقد بوالٍ يغذى في الشجر
حمال ما حملت من خيرٍ وشر
حية وادٍ بين قفٍّ وحجر
قد كدت أن أعرف آيات الكبر
نوم العشاء والسعال بالسحر
وحدة الطرف وتجميح النظر
؟ قال ابن السيرافي قال مزاحم العقيلي
وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى مني أنا عارف
قال: تعرفها مثل اعرفها، وما كل من وافى منى أنا عارف: موضعه الذي هو نازل فيه.
قال س: غلط ابن السيرافي في قوله " وقالوا " وإنما هو وقالا وقبل البيت:
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... بمكة لم تعطف عليه العواطف
стр. 37
رأى من رفيقيه جفاء وفاته ... بفرقتها المستعجلات الخوانف
فقالا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف
وتعرفها معناه أنشدها، وتفسير ابن السيرافي البيت يتوه الإنسان، فيتوهم أن قوله " أنا عاف " يعبر به مزاحم عن نفسه، وإنما ذكر ذلك حكايةً عمن أضل بعيره، وقد مر ذكره في البيت الأول من هذه الأبيات الثلاثة، فاعرفه.
قال ابن السيرافي قال الجعدي
ماذا رأيت السيلحين وبارقاً ... أغنين عن حجر بن أم قتال
ملك الخورنق والسدير ودانها ... ما بين حمير أهلها وأوال
قال: المعنى أنه ما أغنى عن حجرٍ هذا الملك، ولا دفع عنه الموت ما ملك وجمع. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل: جاء بخصيي دكين ما جاء ابن السيرافي ها هنا بشيء فيه خير، وذلك أنه غير لفظ البيت وأفسد. والصواب:
أغنين عن عمروٍ وأم قتال
يعني عمرو بن هند الملك، وأم قتال امرأته.
قال ابن السيرافي قال جرير
أعبداً حل في شعبى غريباً ... ألؤماً لا أبالك واغترابا
يهجو جرير بهذا الشعر العباس ين يزيد الكندي. وشعبى وادٍ أو موضع.
قال س: هذا موضع المثل: لا يشهد الحلبة إلا معرب كل من لا يعرف أسامي المنازل محققةً - كما ذكرت لك قبل هذا - يزل عن مثل هذا المقام الدحض، وذاك أن ابن السيرافي لم يذكر سبب قول جرير للعباس بن يزيد:
أعبداً حل في شعبى غريباً
لم جعله هجاء، وأي عيب في حلوله شعبى. وإنما عيره في أنه حليف لبني فزارة، وشعبى من بلادهم، وهو كندي غريب الدار منهم. والحليف عند العرب عار، ومنه قول لقيط بن زرارة:
ألا من رأى العبدين إذ ذكرا له ... عديٌّ وتيمٌ تبتغي من تحالف
قال ابن السيرافي قال المرار الفقعسي
سل الهموم بكل معطي رأسه ... ناجٍ مخالط صهبةٍ متعيس
قال: المتعيس: الذي يضرب إلى البياض.
قال س: الصواب:
مخالط صهبةٍ وتعيس
أي خلط الصهبة بالتعيس فعطف المصدر على المصدر.
قال ابن السيرافي قال حصين بن يزيد الحارثي
أكل عامٍ نعمٌ تحوونه
يلقحه قومٌ وتنتجونه
قال س: قائل هذا البيت رجل من بني ضبة قاله يوم الكلاب الثاني
قال ابن السيرافي قال ذو الرمة
فانم القتود على عيرانةٍ أجد ... مهريةٍ مخطتها غرسها العيد
نظارةٍ حين تعلو الشمس راكبها ... طرحاً بعيني لياحٍ فيه تحديد
قال: العيد قبيلة من مهرة.
قال س: جاء العيد، في الشعر ضرورة، فظن ابن السيرافي أنه تحقيق، لغباوته بعلم النسب. وإنما هو: العيدي بن الندغي بن مهرة بن حيدان. وقال الراعي:
من العيدي يحملني ورحلي
قال ابن السيرافي قال طفيل الغنوي
تظل مداريها عوازب وسطه ... إذا أرسلته أو كذا غير مرسل
إذا هي لم تستك بعود أراكةٍتنخل فاستاكت به عود إسحل
قال س: هذا موضع المثل:
أيهات بين اللؤم بونٌ والكرم
أبعد مما بين بصرى والحرم
بين البيتين أبيات كثيرة لم يذكرها ابن السيرافي فينتسب نظامها. والبيت الأول من البيتين في صدره اضطراب، وصوابه ونظام الأبيات:
تضل المدارى في ضفائرها العلا ... إذ أرسلت أو هكذا غير مرسل
كأن الرعاث والسلوس تصلصلت ... على خششاوي جأبه القرن مغزل
أملت شهور الصيف بين إقامةٍ ... ذلولاً لها الوادي ورملٍ مسهل
بأبطح تلفيها فويق فراشها ... ثقال الضحى لم تنتطق عن تفضل
يغني الحمام فوقها كل شارقٍ ... غناء السكارى في عريشٍ مظلل
إذا وردت يسقي بحسيٍ رعاؤها ... قصير الرشاء قعره غير محبل
يزين مراد العين ما بين جيبها ... ولباتها أجواز جزعٍ مفصل
كجمر غضاً هبت له وهو ثاقببمروحة لم تستتر ريح شمأل
ووحفٌ يغادى بالدهان كأنه ... مديدٌ غذاه السيل من نبت عنصل
إذا هي لم تستك بعود أراكةٍتنخل فاستاكت به عود إسحل
فانظر الآن كم بين البيتين - هلى ما أورده ابن السيرافي.
стр. 38
قال ابن السيرافي قال النجاشي
فقلت له يا ذئب هل لك في أخ ... يواسي بلا منٍّ عليك ولا بخل
فقال: هداك الله للرشد إنما ... دعوت لما لم يأته سبعٌ قبلي
قال س: هذا موضع المثل: لا يعرف الهيء من الجيء
قال ابن السيرافي قال شريح بن عمران من بني قريظة، ويقال إن الشعر لمالك بن العجلان الخزرجي
بين بني جحجبى وبين بني ... زيدٍ فأنى لجاري التلف
الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف
قال: الحافظو مرفوع لأنه مدح، كأنه قال: هم الحافطو عورة، في كلام يشبه هذا لا ينفع سامعه.
قال س: هذا موضع المثل:
إن بني الأحمر من فزاره
لا يرهبون أبةً وغاره
لو كان ابن السيرافي يرهب عاراً ويتئب من مخزاة لما رضي لنفسه أن يفسر الشعر بيقال وأظن ويروى وأشباه ذلك.
البيت الثاني لعمرو بن امرئ القيس قي كلمة له ينهى مالك بن العجلان عن الحرب.
والبيت الأول من قصيدة أخرى، ولا تعلق له بالبيت الثاني، فجاء بهما وبقائلهما خبط العشواء. وأبيات عمرو بن امرئ القيس:
يا مال والسيد المعمم قد ... يبطره بعض رأيه السرف
لا يرفع العبد فوق سنته ... والحق يوفى به ويعترف
إن بجيراً عبدٌ لغيركم ... يا مال، والحق عنده فقفوا
فسوف يأتي الوفاء معترفاً ... بالحق فيه لكم فلا تكفوا
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف
نحن المكيثون نحمد بال ... مكث ونحن المصالت الأنف
الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف
والله لا تزدهي عشيرتنا ... أسد عرينٍ مقيلها الغرف
إذا مشينا في الفارسي كما ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ عطف
نمشي إلى الموت من حفائظنا ... مشياً ذريعاً وحكمنا نصف
إن سميراً أبت عشيرته ... أن يغرموا فوق حق ما نطفوا
أو يصدروا الخيل وهي حافلةٌ ... تحت صواها جماجمٌ جفف
أو تجرعوا الغيظ ما بدا لكم ... فمارسوا الحرب حيث تنصرف
إني لأنمي إذا نميت إلى ... عزٍ رفيعٍ وقومنا شرف
بيضٌ خفافٌ كأن أعينهم ... يكحلها في الملاحم السدف
قال ابن السيرافي قال دريد بن الصمة
أسرك أن يكون الدهر وجهاً ... عليك بسيبه يغدو ويسري
وأن لا ترزئي أهلاً ومالاً ... يضرك هلكه ويطول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيها ... فإن جزعاً وإن إجمال صبر
قال: يخاطب امرأته، يقول لها: إن كنت تظنين أو تحدثك نفسك في هذا الذي حدثتك به. في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا موضع المثل: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء لم يكن غرض دريد في ضربه هذا المثل وخطابه به امرأته، إلا معنى جعل هذا الاستطراد، وهو أنه يرثي بهذا الشعر معاوية بن عمرو بن الحارث بن الشريد أخا الخنساء، قتلته بنو مرة. والأبيات:
ألا بكرت تلوم بغير قدر ... وقد أحفيتني ودخلت ستري
فإن لا تتركي عذلي سفاهاً ... تلمك علي نفسك أي عصر
أسرك أن يكون الدهر سدى ... علي بشره يغدو ويسري
وألا ترزئي نفساً ومالاً ... يضرك هلكه ويطول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيها ... فإن جزعٌ وإن إجمال صبر
فإن الرزء يوم وفقت أدعو ... فلم يسمع معاوية بن عمرو
رأيت مكانه فعرضت زوراً ... وأي مقيل زورٍ يا بن بكر
إلى إرمٍ وأحجار وصيرٍ ... وأغصان من السلمات سمر
وبنيان القبور أتى عليها ... طوال الدهر من سنةٍ وشهر
ولو أسمعته لأتى حثيثاً ... سريع السعي أو لأتاك يجري
بشكة حازم لا عيب فيه ... إذا لبس الكماة جلود نمر
فإما تمس في جدثٍ مقيماً ... بمسهكةٍ من الأرواح قفر
стр. 39
فعز علي هلكك يا بن عمروٍ ... وما لي عنك من عزمٍ وصبر
قال ابن السيرافي قال ابن مقبل
يا عين بكي حنيفاً رأس حيهم ... الكاسرين القنا في عورة الدبر
قال: حنيف في بني العجلان حي.
قال س: هذه الفائدة من ابن السيرافي تزيد المتأدب جهلاً بهذا النسب. إنما يقال: فلان من بني فلان، إذا كان بينه وبين الجد الأكبر آباء وأجداد، فأما إذا كان لصلبه، فإنه يقال هو ابنه. وحنيف هو ابن العجلان، واسم العجلان: عبد الله ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قال ابن السيرافي قال ابن مقبل
طافت بأعلاقه خودٌ يمانيةٌ ... تدعو العرانين من عمروٍ وما جمعوا
قال: عمرو قبيلة وهو عمرو بن كلاب فيما أرى، ويجوز أن يريد به بني عمرو ابن تميم. ويروى: " العرانين من بكر " ويجوز أن يريد ببكر بني أبي بكر بن كلاب. وقوله " يمانية " لا يوافق هذا التفسير، لأن القبائل التي ذكرتها كلها من نزار.
قال س: هذا موضع المثل:
أثرت من الداء ما قد عفا ... كما عفت الريح نؤي التراب
لو لم يتكلم ابن السيرافي في هذا البيت لم تظهر عورة لسانه - سخنت عينه - جهتين: إحداهما أنه قال: يجوز أن يريد: بني عمرو بن تميم. وأين بنو العجلان من تميم، وإنما هو عمرو بن كلاب.
والأخرى أنه قال: قوله يمانية لا يوافق هذا التفسير، لأن القبائل التي ذكرتها كلها من نزار. ولم يدر أن بني عامر ينسبون إلى اليمن، لأنهم كانوا ينزلون نجداً مما يلي اليمن، وأن غطفان يسمون شامية لأنهم ينزلون نجداً مما يلي الشام. فلذلك قال النابغة الذبياني في هجائه لزرعة بن عمرو بن خويلد بن الصعق من بني نفيل بن عمرو بن كلاب:
وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليماني
فأجابه زرعة بن عمرو:
وأي الناس أغدر من شآمٍ ... له صردان منطلق اللسان
قال ابن السيرافي في قول النابغة الجعدي
فظل لنسوة النعمان منا ... على سفوان يومٌ أروناني
قال: ينشد البيت في القصيدة أروناني منسوب، وقد خفف ياء النسبة منه، أراد أرونانيٌّ فخفف. ومثله:
إني لمن أنكرني ابن اليثربي
قتلت علباء وهند الجملي
قال: أراد " اليثربي والجملي " وينبغي أن يكتب بياء لأنه منسوب وتزول عنه الشبهة.
قال س: هذا موضع المثل:
لذا أصلٌ فماذا أصل هذا ... وما أنا عن أشاروى بالفحوص
الجملي منسوب كما ذكر، فأما اليثربي فإنه اسم محقق غير منسوب، كما قالوا: مكي بن سوادة، وفدكي بن عمرو، وعيدي بن الندغي وأشباه ذلك كثير في كلام العرب.
ولم يعرف ابن السيرافي قائل هذا الشعر، ولا من قيل فيه. وهو لعبد الله ابن يثربي الضبي. وهند الجملي: هو هند بن عمرو بن جندلة بن كعب بن ربيعة بن جمل بن كنانة بن ناجية بن يحابر وهو مراد، قتل ﵀ مع علي بن أبي طالب ﵇ يوم الجمل، قتله عبد الله بن يثربي الضبي. وقال:
إن تنكروني فأنا ابن يثربي
قاتل علباء وهند الجملي
ثم ابن صوحان على دين علي
قال ابن السيرافي قال جندل الطهوي
غرك أن تقاربت أبا عري
وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغري
وكاحلاً عيني بالعواور
قوله: تقاربت أبا عري: يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك، فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضاً.
قال س: غلط ابن السيرافي ها هنا، معنى تقاربت قلت، يعني من قلتها قرب بعضها من بعض.
قال ابن السيرافي قال مقاس العائذي، واسمه النعمان
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكب أشهب
أشصت بنا كلب شصوصاً وأوجهت ... على وافدينا بالجزيرة تغلب
قال: كانت كلب شكت إلى يزيد بن معاوية، أن رجلاً من بني شيبان كان نازلاً على بعض المياه، إذا مر به قوم مسافرون منعهم من الماء. فكتب إلى زياد، وجرت بين بعض بني شيبان وبعضٍ حروب جرها هذا الأمر.
قال س: هذا موضع المثل:
بذات غسل ما بذات غسل
وثرمداء شعبٌ من عقلي
стр. 40
عزب عقل ابن السيرافي ها هنا، وجاء بهوس من الكلام لا يشبه بعضه بعضاً ولا يلائمه، وذلك لجهله بأحوال العرب الجاهلية والإسلامية وما بين ذلك.
متى لحق مقاس العائذي يزيد بن معاوية وهو في الجاهلية الجهلاء، وقد رثى شريك بن عمرو أبا الحوفزان، ولم يدرك الحوفزان الإسلام. وهو القائل في شريك بن عمرو:
عين بكي فتى الحروب ابن عمروٍ ... واندبيه فقد رزئت جليلا
يا نديم الملوك يسقى بكأس الر ... ري لا مترفاً ولا مملولا
وإنما أبيات مقاس هي أبيات فخر ببني شيبان، افتخر بها وهو من عائذة قريش، إلا أن عداده في بني شيبان. والأبيات:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يومٌ ذا كواكب أشهب
إذا الكشح أمسى مقشعراً كأنه ... متمٌّ بآلافٍ من الخيل مقرب
أشصت بنا كلب شصوصاً وأوجهت ... على وافدينا بالجزيرة تغلب
أطارت قطاة الهد من كل جانب ... فكاد المنادي بالأنام يغلب
ترى الخيل تردي حاظلاتٍ كأنما ... عليهن آجام السواد المقصب
يذاد بها عن نسوةٍ غير فحشٍ ... وأثلاب شيخ كان ما إن يسبب
ومن لا يجد مستنبياً لجبينه ... بنابٍ لنا مستقدم القرن أشيب
ومن لا يقوم بيته أهل عزه ... يقم بيتنا عزٌّ عزيز مؤرب
ومن يك منهم نائياً عن نصابه ... فإن نصابي فيهم لمركب
أصب عليهم بالثناء كأنني ... إذا جن ليلٌ شائقٌ متطرب
وإن حياتي علقت بحياتهم ... وفي هالكيهم طائري يتسقب
قال ابن السيرافي قال رؤبة
لولا ارقي على الأشراف
ألحمتني في النفنف النفناف
في مثل مهوى هوة الوصاف
قولك أقوالاً مع التحلاف
فيها ازدهافٌ أيما ازدهاف
والله بين القلب والأضعاف قال: الهوة: الوهدة، والمهوى: ما بين أعلى الشيء وأسفله، والوصاف: رجل من أهل البادية، أضاف الهوة إليه.
قال س: هذا موضع المثل:
شر المعينين إذا استعنته
شيخ إذا نبهته حك استه
قول ابن السيرافي: الوصاف ها هنا رجل من أهل البادية يدل على أنه كان ضعيفاً في علم النسب. وقوله الهوة: الوهدة، يدل أيضاً على ضعفه - كان - في معرفة منازل العرب ومناهلها. وأي فائدة في قوله: إن الوصاف رجل من أهل البادية، وسواء كان بدوياً أو حضرياً - إذا لم تعرف اسمه وسببه.
هوة الوصاف في شعر رؤبة دحلٌ بالحزن لبني الوصاف من بني عجل. والوصاف: هو مالك بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعه بن عجل بن لجيم. وهوة الوصاف: مثل في العرب، يستعملونه في الدعاء على الإنسان، وأنشد للهدار بن حكيم يدعو على مقرف:
من غال أو أقرف بعض الإقراف
فخصه الله بحمى قرقاف
وبحميمٍ محرقٍ للأجواف
والزمهرير بعد ذاك الزفزاف
وكبه في هوة ابن الوصاف
حتى بعد قبره في الأجداف
ما لك عندي كدرٌ ولا صاف
إلا دعاء الله غير مجتاف
هو الذي يخلق ما في الأضعاف
وعلم الخط بميمٍ أو كاف
قال ابن السيرافي قال أبو ثروان، ويروى للمعلوط ابن بدل
إن الغزال الذي ترجون غرته ... جمعٌ يضيق به العتكان أو أطد
مستحقبي حلق الماذي يحفزها ... بالمشرفي وغابٌ فوقها حصد
العتكان: تثنية اسم موضع، وأطد معطوف عليه، والماذي: الدروع، في كلام يشبه هذا الهوس.
قال س: هذا موضع المثل: ليس المرء في شيء ولا اليربوع في شيء لا أبو ثروان من هذا الشعر في شيء ولا المعلوط، إنما هو للزبرقان بن بدر. ولم يذكر ابن السيرافي أيضاً من تفسيره ما يدل على شيء فيه فائدة، وذلك أنه لم يعرف قصته، ومثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته لم يعرف معناه البتة.
وكان من قصة هذا الشعر، أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام بعث الزبرقان بن بدر على صدقات عوف بن كعب، وعبشمس بن سعد، وامرئ القيس ابن زيد مناة. فقبض النبي صلى الله عليه وآله وقد اجتمعت في يده إبل كثيرة من الصدقة، فارتدت قبائل وسعاة من سعاة النبي ﵌، وذهبوا بما كان في أيديهم.
стр. 41
وكان ممن ارتد قيس بن عاصم المنقري، فقسم صدقة النبي ﷺ على قومه، فلما رأت ذلك بنو عوف وناس من أصحاب الزبرقان قالوا: اصنع بنا كما صنع قيس، فجعل يمنيهم. وأرادت الأبناء أبناء سعد أن يطلبوها، فواعدهم أن تلقوني غداً، ثم ضمها فصاح بها إلى أبي بكر هو وبنوه وقال: يا بني هذه نجاة الآخرة ومجد الدنيا. فطردها هو وبنوه ستة: حزن وتغلب وعياش والحر وزياد وبجالة بنو الزبرقان، وعياش لا عقب له، فقال في الأبناء حين تختله عنها في كلمة له:
يا عجباً عقد الأبناء تختلني ... والله أعلم ماذا تختل العقد
العقد: عوف وعوافة ومالك وجشم بنو سعد، وهم الأبناء، تحالفوا
ساروا إلينا بنصف الليل فاحتملوا ... ولا رهينة إلا سيدٌ صمد
فقد رأيت حلولاً غير نازحةٍ ... منكم قريباً مغباً دونها الأسد
سيروا رودياً وإنا لن نفوتكم ... وإن ما بيننا سهلٌ لكم جدد
إن الغزال الذي ترجون غرته ... جمعٌ يضيق به العتكان أو أطد
مستحقبو حلق الماذي يحفزه ... ضربٌ طلخفٌ وطعن بينه حصد
العتكان وأطد أودية لبني بهدلة.
قال ابن السيرافي قال العجاج
ضرباً هذاذيك وطعناً وخضا
يمضي إلى عاصي العروق النحضا
حتى تشظوا خرزاً منفضا
قال: ضرباً منصوب بإضمار: نضربهم ضرباً هذاذيك، أي يهذ اللحم هذاً بعد هذ. في كلام يشبه هذا لا يشفي جوى. وذلك أنه لم يذكر الممدوح بهذا الشعر، فيتوهم المتوهم أنه أبيات فخر، وإنما هو أبيات مديح، مدح بها الحجاج بن يوسف، وهو:
فوجدوا الحجاج يأبى الهضا
لا فانياً ولا حديثاً غضا
ومن صريح الأكرمين محضا
يجزيهم بطعن قرضٍ قرضا
وتارةً يسلفون فرضا
ضرباً هذاذيك وطعناً وخضا
يمضي إلى عاصي العروق النحضا
حتى تشظوا خرزاً منفضا
وهي أبيات. فقوله " ضرباً وطعناً " إنما هو بدل من قوله " فرضا " وليس ما قاله ابن السيرافي بصحيح.
قال ابن السيرافي قال الملبد بن حرملة من بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان
يشكو إلي جملي طول السرى
صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
وفي شعره:
يشكو إلي فرسي وقع القنا
قال س: اتفاق شعر الملبد وأبيات الكتاب.
ليس بيت الكتاب الملبد بن حرملة الشيباني، إنما سئل أبو عبيدة عن قائله فقال: هو لبعض السواقين، فأنشد:
يشكو إلي جملي طول السرى
يا جملي ليس إلي المشتكى
صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
الدرهمان كلفاني ما ترى
قال س: حفظي: " صبراً جميلي ".
وأما أبيات الملبد، فليس فيه " صبر جميل " وهي:
يشكو إلي فرسي وقع القنا
اصبر جميل فكلانا مبتلى
قال ابن السيرافي قال ابن الزبير الأسدي
أبلغ يزيد ابن الخليفة أنني ... لقيت من الظلم الأغر المحجلا
فلو أنها إياك عضتك مثلها ... جررت على ما شئت نحراً وكلكلا
وكنت أخاك الحق في كل مشهدٍ ... ألم ولو أغلوا بلحمي مرجلا
ذكر ابن السيرافي في تفسير هذه الأبيات شيئاً من الإعراب واللغة، لا يجدي على قارئه طائلا، وكنت ذكرت لك أن مثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته لم يعرف معناه بتةً.
هجا ابن الزبير بهذا الشعر عبد الرحمن بن عبد الله بن ربيعة بن حبيب الثقفي، وأمه أم الحكم بنت صخر بن حرب بن أمية، وكان على الكوفة.
وكان سبب هجائه إياه: أن ناساً من بني علقمة بن قيس بن الأعشى بن نجرة، قتلوا ابن عمٍ لابن الزبير من ولد الأشيم بن الأعشى، فضمن عبد الرحمن لابن الزبير ديتين على القوم وأبى أن يقيده، فغضب عبد الله وأبى أن يقبل.
فخرج إلى يزيد بن معاوية - وكان يزيد يبغض عبد الرحمن - فبعث عبد الرحمن في طلبه فرد إليه، فهرب منه، فأخذ نساءه فحبسهن وهدم داره. فقال ابن الزبير:
أبلغ يزيد ابن الخليفة أنني ... لقيت من الظلم الأغر المحجلا
لقيت بقياسٍ من الأمر شقةً ... ويوماً بجوٍّ كان أعنى وأطولا
وكنت أخاك الحق في كل موطنٍ ... ألم ولو أغلوا بلحمي مرجلا
стр. 42
ولو أنها إياك عضتك مثلها ... جررت على ما شئت نحراً وكلكلا
وكنت يميناً في شمالك أينما ... أشارت بها كفاك حتى تزيلا
وإن ابن عودٍ للبزيخ أناخ بي ... فجوٍّ، لقد أثويت مثوىً مضللا
قيل لأم الحكم وهي عند عبد الله: تزوجت هذا الثقفي وأنت أنت وهو هو فقالت: زوج من عود خير من قعود.
قال ابن السيرافي قال الأغلب
طول الليالي أسرعت في نقضي
أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي
أقعدنني من بعد طول نهضي
قال س: ليس هذا الرجز للأغلب، هو كغيره من شوارد الرجز. وأوله وتمامه:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضي
منفهاً أروح مثل النقض
مر الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي وطوين عرضي
ثم التحين عن عظامي نحضي
أقعدنني من بعد طول نهضي
قال ابن السيرافي قال الشاعر
وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهامٍ، فما النجدي والمتغور
أي أنت امرؤ مخالف لنا في المكان الذي تسكنه من الأرض، أنت من أهل نجد، ونحن من أهل تهامة، والموضعان مختلفان، فنحن لا نتفق، ويبعد ما بيننا كبعد بلادنا من بلادك.
قال س: هذا موضع المثل:
أريد هناتٍ من هنين فتلتوي ... علي، وأنى من هنين هنات
ليس معنى البيت وغرض الشاعر ما ذهب إليه ابن السيرافي، وبين الصواب وبين ما قاله ما بين جابلق وجابرس.
ومعنى البيت - وهو لجميل - أن أهلي يرتابون بك إذا وجدوك عندهم، لأنك غريب بعيد الدار منهم، فينكرون كونك بين ظهرانيهم، فيجب أن تجنب وتعرض. تحذره بني عمها. يحكي ذلك عن بثينة، والأبيات تبين لك هذا المعنى إن شاء الله، وهي من كلمة له:
وآخر عهدٍ لي بها يوم ودعت ... ولاح لنا خدٌّ نقيٌّ ومحجر
عشية قالت لا تضيعن سرنا ... إذا غبت عنا وارعه حين تحضر
ولا تعلمن الحي إن جئت زائراً ... فإنك تبغيناه لا حين تدبر
وطرفك إما جئتنا فاحفظنه ... وزيغ الهوى بادٍ لمن كان ينظر
وأعرض إذا لاقيت عيناً تخافها ... وأظهر ببعضٍ إن ذلك أستر
فإنك إن عرضت بي في مقالةٍ ... يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثر
وينشر قولاً في الصديق وغيره ... يعز علينا نشره حين ينشر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا ... بعينيك حتى كاد سرك يظهر
لأهلي حتى لامني كل ناصحٍ ... شفيقٍ له قربى لدي وأيصر
وقطعني فيك الصديق ملامةً ... وإني لأعصي نهيهم حين أزجر
وما قلت هذا فاعلمن لصرمنالحبلٍ، ولا هذا بساعة أقصر
ولكنني أهلي فداؤك أتقيعليك عيون الكاشحين وأحذر
وأخشى بني عمي عليك وربما ... يخاف وينقى عرضه المتفكر
وأنت امرؤٌ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٍ، فما النجدي والمتغور
غريبٌ إذا ما جئت طالب حاجةٍ ... وحولي أعداءٌ وأنت مشهر
فقلت لها: أوصيت يا بثن كافياً ... وكل امرئ لم يرعه الله معور
قال ابن السيرافي في تفسير قوله
ومسحت باللثتين عصف الإثمد
لم يكن الإثمد من الأشياء التي تكون في بلاد العرب، فهم لا يقفون على حقيقته. ومثل ذلك قول أبي نخيلة:
برية لم تأكل المشققا
ولم تذق من البقول الفستقا
قال س: صحف ابن السيرافي في البيت الذي استشهد به، فجعل النقول وهي بالنون البقول بالباء، لأجل ما يقول هو وغيره أن أبا نخيلة توهم أن الفستق من البقول. ولم يكن أبو نخيلة ممن لا يعرف الفستق، فقد عرفه ممن هو أقدم منه وهو أبو القمقام بن مصعب الأسدي.
وإنما معنى قول أبي نخيلة: أن هذه المرأة البدوية لا تأكل الرقاق، ولا تتنقل بالفستق متاع الحضريات، إنما تغذى بألبان اللقاح المحض والقارص، كما قال بشر:
غذاها قارصٌ يجري عليها ... ومحضٌ حيث تنبعث العشار
وأبيات أبي القمقام:
أعد نعلين لرجلي هدلق
إنك إلا تحذه يفرق
شعب شياهٍ عشن بالتعلق
وقل له خيراً وإن لم تصدق
стр. 43
وارعد ولا تمطر بشيء وابرق
تسألني عن طيبات الفستق
وإنما عشت بحب العشرق
وبحسوٍ من شعيرٍ محرق
قال ابن السيرافي قال الفرزدق:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
إذا حلوا لصاف بنوا عليها ... بيوت اللؤم والذل الطويل
قال: نهشل وفقيم ابنا دارم.
قال س: قول ابن السيرافي إن نهشلاً وفقيماً ابنا دارمٍ يدل على أنه كان سيئ التبصر بأنساب العرب، وإنما فقيم ابن أخي نهشل، وهو فقيم بن جرير ابن دارم. وترك بين البيتين بيتاً لا يصح معنى البيت الأول إلا به. ونظام الأبيات - وهي ثلاثة -:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
كلا البكرين أردا ما يليه ... ولكن ريم بينهما قليل
إذا حلوا لصاف بنوا عليها ... بيوت اللؤم والذل الطويل
قال ابن السيرافي قال مالك بن الريب
علي دماء البدن إن لم تفارقي ... أبا حردبٍ يوماً وأصحاب حردب
قال: أبو حردبة هذا من اللصوص، وكان يقطع الطريق هو ومالك بن الريب وجماعة معهما، وفيه يقول الراجز:
الله نجاك من القصيم
من بطن فلجٍ وبني تميم
ومن غويثٍ فاتح العكوم
ومن أبي حردبة الأثيم
ومالكٍ وسيفه المشؤوم
قال: وعنى بقوله " إن لم تفارقي " راحلته، أراد أنه يفارق أصحابه. ويجوز أن يريد إبلاً كانوا أخذوها فأراد مالك أن يأخذها منهم.
قال س: هذا موضع المثل: قد قاتلوا لو ينفخون في فحم أكثر ابن السيرافي في تفسير هذا البيت لو أصاب الفص وطبق المفصل، فإنه قد ذكر كل شيء فيه إلا معنى قوله " إن لم تفارقي أبا حردب " وهو عمدة معنى البيت، ولا يعرف إلا بعد معرفة القصة.
وكان من قصة ذلك: أن رجلاً من الأنصار من أهل المدينة استعمل عليهم، فتقدم فأخذ مالكاً وأبا حردبة، فبعث بأبي حردبة وتخلف مع القوم الذين فيهم مالك، فأمر غلاماً له فجعل يسوق مالكاً، فتغفل مالكٌ غلام الأنصار وعليه السيف، فانتزعه منه ثم ضربه به حتى قتله، ثم شد على الأنصاري فقتله، ثم هرب حتى قدم البحرين، ثم مضى إلى فارس فراراً من ذلك الحدث، فلم يزل مقيماً حتى قدم عليه سعيد بن عثمان فاستصحبه فخرج معه.
وفي هذه القصة ومفارقته أبا حردبة يقول مالك:
سرت في دجى ليلٍ فأصبح دونها ... مفاوز حمران الشريف فغرب
تطالع من وادي الكلاب كأنها ... وقد أنجدت منه فريدة ربرب
علي دماء البدن إن لم تفارقي ... أبا حردبٍ ليلاً وأصحاب حردب
قال ابن السيرافي قال أبو محجن
يا رب مثلك في النساء غريرةٍ ... بيضاء قد متعتها بطلاق
غلط ابن السيرافي في نسب هذا البيت إلى أبي محجن، وإنما غره أن قائل هذا البيت ثقفي، لكنه ليس بأبي محجن، إنما هو غيلان بن سلمة الثقفي، وهما بيتان، والثاني:
لم تدر ما تحت الضلوع وغرها ... مني تجمل عشرتي وخلاقي
قال ابن السيرافي قال سالم بن دارة
أنا ابن دارة معروفاً لها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
من جذم قيسٍ وأخوالي بنو أسدٍ ... أكارم الناس زندي فيهم واري
قال: دارة: جد سالم.
قال س: غلط ابن السيرافي في ذلك، إنما دارة أم سالم وعبد الرحمن ابني دارة، امرأة من بني أسد شبهت لجمالها بدارة القمر.
قال ابن السيرافي قال الأشهب بن رميلة
وكم قد فاتني بطلٌ كمي ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
قال: يقول، فهل زال النهار لفقده وموته، وهل غارت النجوم من أجل المصيبة به. يريد: أن الدنيا؛ العادة فيها أن يهلك الناس، وهي لا تتغير لفقد من فقد منها وإن كان كريماً.
قال س: هذا موضع المثل:
إن تك سادات الهجيم ومازنٍ ... قليلاً، فما نوكاهم بقليل
إن كان إصابة ابن السيرافي قليلاً؛ فتخاليطه كثيرة. قدم السيرافي بيتاً يجب أن يؤخر، وأخر بيتاً يجب أن يقدم.
стр. 44
فالبيت الذي يجب أن يقدم، قوله: " فهل زال النهار " وهو في صفة ليل طويل. والبيت الآخر مرثية رجل قتيل، وليس واحد من البيتين متعلقاً بالآخر في المعنى.
ومثل هذا الشعر إذا لم تعرف قصته وتمامه؛ لم يتضح معناه البتة. وأنا أقدم الأبيات التي توضح لك معنى البيتين، ثم أذكر لك قصتهما بعدها إن شاء الله.
والأبيات:
أرقت ولم تنم عنك الهموم ... وعاد فؤادك الطرب القديم
تمارس جوز أدهم ذي ظلالٍ ... كما يحتم لليل السقيم
كأن نجومه أجآل عينٌ ... تعرض في السماء وما تريم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
إلى ها هنا تمام صفة طول الليل. ثم أنشأ يرثي من فقد من قومه، ويذكر فقدهم. كما قال عمرو بن معد يكرب:
كم من أخٍ لي صالحٍ ... بوأته بيدي لحدا
ما إن جرعت ولا هلع ... ت ولا يرد بكاي زندا
رجع إلى أبيات الأشهب:
وكم قد فاتني بطل شجاعٌ ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
وأباءٌ إذا ما سيم خسفاً ... ألد إذا تعرضت الخصوم
مضوا لسبيلهم وقعدت وحدي ... تجور بي المنون وتستقيم
كأن حوادث الأيام تأتي ... على خلقاء ليس بها كدوم
إلى هنا تمام معنى البيتين. ثم نذكر باقي الأبيات بعد ذكر القصة إن شاء الله.
وكان من قصة هذا الشعر - وهي حديث رباب بن رميلة - أن رميلة كانت أمةً لخالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، مولدة، يزعمون أنها من سبايا العرب، فابتاعها ثور بن حارثة بن عبد المنذر بن جندل بن نهشل بن دارم، وكان معها في إبله، فتزوجها، فولدت له: رباباً وحجناً والأشهب وسويطاً.
فكانوا من أشد إخوةٍ في العرب ألسناً وأيدياً، وأمنعهم جانباً، وكثرت أموالهم في الإسلام، وكان ابتاع ثورٌ رميلة في الجاهلية، وكانوا إذا بدا الناس عن مياههم، عمد رباب إلى قطيفةٍ له حمراء، فإذا مطر الناس احتاض في خبار الصمان، فأخذ هدبها فجعل يجعل على الشجر منه - أي قد سبقت إلى هذا - فلا يقربنه أحد، فيأخذ ما له فيه حاجة وما ليس له فيه حاجة.
فمطروا، ففعل ذلك في خبراء الصمان، واحتاض معه فيها ناس من بني قطن بن نهشل. وكانت بنو قطن وبنو زيد بن نهشل وبنو مناف بن دارم - حلفاء، وكانت الأحجار حلفاء عليهم، ومخربة أيضاً كانوا معهم، فورد رجل من بني مناف بن دارم يقال له سمرة بن عودة يكنى أبا كرشاء، وهو الذي يقول له الفرزدق:
وإن أبا كرشاء ليس بسارقٍ ... ولكن متى ما يسرق القوم يأكل
ورد المنافي بعض حياض رباب فأشرع بعيره، فلطم رباب بعيره، فانطلق مغضباً إلى من كان هناك من بني قطن، وهم بنو أربد بن ضمرة ابن جابر بن قطن بن نهشل، فأخبرهم فغضبوا، فوقع الشر واقتتل القوم، فضرب رباب بن ثور بشر بن صبيح بن أربد بن ضمرة، وهو ابن العبسية، أمه بنت أبي بن حمام بن قراد بن مخزوم - وبشر هو أبو بذال - بعمود فسطاطه، فتطاير الشعر عن هامته ودق ما تحت الجلد من رأسه، ولم يسل دم، ولم يمت مكانه، بقي حياً. فقال رباب:
قلت له: صبراً أبا بذال
إني وبيت الله ما أبالي
ألا تؤوب آخر الليالي
ثم تحاجز الحيان، وجمع كل واحد منهما لصاحبه. فقالت بنو قطن: يا بني جندل ويا بني صخر وجرول، قد ضرب صاحبكم صاحبنا هذه الضربة، ولا ندري أيموت منها أم يعيش فأنصفونا، ادفعوا إلينا صاحبكم وخذوا صاحبنا وداووه، فإن صح فسلونا نهب لكم، وإن كانت الأخرى فهو قاتلنا، فإن عفونا عفونا عن حقنا، وإن أخذنا بقودٍ أو ديةٍ أخذنا بحقنا.
فأبى القوم، فاقتتلوا يومهم ذاك إلى الليل، لكن أبي بن أشيم أخا بني جرول - وهو سيدهم - خرج في حاجة، فلقيه بعض بني قطن فأخذه وأتى به أصحابه، فقال نهشل بن حري: يا بني نهشل، أطيعوني اليوم واعصوني أبداً، قالوا: نعم نطيعك، قال: إن هذا ليس بقاتلكم، وإنه بريء لا يحل لكم دمه، وإن قومه أحد من يقاتلكم، فخلوا سبيله. قالوا: انظر رأيك.
стр. 45
فقال نهشل: يا أبا أسماء، إنا لسنا نبالي من حال بيننا وبين قاتلنا قبلنا، وإنك وقومك قد قاتلتمونا دون حقنا، وقد أمكننا الله منك، فأنت والله أوفى دماً عندنا من بني رميلة، فوالله لأقتلنك أو لتعطيني ما سألتك. . قال: سلني، قال: تجعل لي الله لتصرفن عني بني جرول جمعاً، فإن لم يطيعوك انصرفت عني ببني أشيم، فإن لم يطيعوك أتيتنا. قال: نعم، فخلى سبيله تحت الليل.
فأتاهم وهم حيث يرى بعضهم بعضاً فقال: بني جرول، انصرفوا، ألا تتقون الله، تعرضون دون قوم يطلبون حقهم؟ فانصرف معه منهم أكثر من سبعين رجلاً. فلما رأى ذلك بنو ضخر وبنو جندل قالوا: والله إنا لنظلم رهطنا، لا نقاتلهم، فتخاذل القوم.
فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال: ويلكم، في ضربة عصا تسفكون دماءكم، والله ما به من بأس، فأعطوا قومكم بحقهم. قال أبو ثور: هيهات قد غلق القيد وأودى المفتاح هم قد أخذوا من جمعكم رجلاً يرضون به - يعني أبا أسماء، ولا يعلم أنهم قد خلوا عنه - قالوا: قد أرسلوه، قال حجن ورباب: والله لننصرفن، ولنلحقن بغيركم ولا نعطي بأيدينا.
فجعل الأشهب بن رميلة يقول: ويلكم، أتتركون دار قومكم في ضربة عصا لم تبلغ شيئاً. . فلم يزل حتى جاؤوا برباب، فدفعوه إلى قطن وأخذوا منهم أبا بذال، فمات في تلك الليلة وهو في أيديهم، فكتموه، وأرسلوا إلى عباد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي، وإلى عوف ومعبد ابني القعقاع بن معبد، فعرضوا الدية، قالوا: وما بال الدية وصاحبنا حي؟ قالوا: فإن صاحبكم ليس بحي.
فاحتمل بنو قطن حتى أصبحوا، فساروا غير كثير ثم قالوا لرباب: أوصنا بذال، فمات في تلك الليلة وهو في أيديهم، فكتموه، وأرسلوا إلى عباد بن والله إني كنت إلى ربي ذا حاجة، ولكن ما منعني من الصلاة أكثر ما صليت إلا مخافة أن يروا أن إكثاري فرقٌ من الموت. ليضربني رجل منكم شديد الساعد، فدفعوه إلى رجل شديد الساعد، فدفعوه إلى حزيمة بن بشير أبي بذال، فضرب عنقه، ثم دفنوه فيهم، وذلك في الفتنة قبل مقتل عثمان.
فلما استقام الناس لمعاوية قال رجل لابن رميلة: إنما قتل أخوك صاحبهم خطأ، وقد قتلوا أخاك تعمداً، فاستعد عليهم. فاستعدى عليهم بعد ذلك مروان بن الحكم، ونشبة بن مالك بن قتاد بن سلمى بن جندل، وصقر بن مالك أخو نشبه. فجمعهم مروان بالمدينة. فقال بنو قطن: قتلنا صاحبهم ولم يكن سلطان نستعديه، فأعطى ابن رميلة خمسين من الإبل متلية. فقال الأشهب بن رميلة:
ما زال نصي العيس حتى سقتها ... خمسين يتبعها أبو بذال
فقال الفرزدق يرد عليه:
أرفق بقومك يا محرر خالدٍ ... واذكر مقاد أخيك يوم الأول
عرم الهجين على موالي أمه ... فخصوه من قبل القفا بالمنصل
مروان يعلم إذ يسن دياتكم ... خمسين، أن دياتكم لم تكمل
وقال الفرزدق أيضاً:
دعا دعوة الحبلى رباب وقد رأى ... بني قطنٍ هزوا القنا فتزعزعا
فرد عليه الأشهب بن رميلة:
أعيني قلت عبرةٌ من لأخيكما ... بأن تسهرا الليل التمام ويجزعا
وباكيةٍ تبكي رباباً وقائلٌ ... جزى الله خيراً ما أعف وأمنعا
وأضرب في الغمى إذا حمس الوغى ... وأطعم إذ أمسى المراضيع جوعا
إذا ما اعترضنا في أخينا أخاهم ... روينا ولم نشف الغليل فننقعا
قرونا دماً والضيف منتظر القرى ... ودعوة داعٍ قد دعانا فأسمعا
مددنا وكانت هفوةً من حلومنا ... بثديٍ إلى أولاد ضمرة أقطعا
وقد لامني قومي ونفسي تلومني ... بما قال راءٍ في رباب وضيعا
فلو كان قلبي من حديدٍ لقد وهى ... ولو كان من صم الصفا لتصدعا
قتلنا عميد القوم لا عرض دونه ... ولم يك بالأحجار منعٌ فأمنعا
شمت ابن قينٍ أن أصابت مصيبةٌ ... كريماً ولم يترك لك الدهر مسمعا
بقتل امرئٍ أحمى عليك سلاحه ... وأنت ذليلٌ منبت الحمض أجمعا
وقال:
أرى العين من ذكرى ربابٍ كأنها ... بها رمدٌ لا يقبل الكحل عائره
стр. 46
جزى الله قومي من شفيعٍ وطالبٍ ... جزاء مسيءٍ حين تبلى سرائره
هم فقأوا عيني لا العري آمرٌ ... بخيرٍ، ولا ذو الذنب إذ كان غافره
ولو رهط مرداس بن حيان أحدثوا ... وعى العظم وانضمت عليه جبائره
فما كنت فيما نابني أول امرئٍ ... جنى حدثاً أو أسلمته عشائره
دعا إذ دعا قومٌ عليه أخاهم ... تماضره إذا أسلمته تماضره
ألا طالما رجيتكم وامتدحتكم ... فهذا أوان الشتم أشأم طائره
فلم يشقني ربي ولم يخزني أخي ... إذا غار نجمٌ من تهامة غائره
بسطت فلم تترك لنفسك مقدماً ... سوى قرض بؤسى أن ذا القرض ذاكره
وقال الأشهب في ذلك أيضاً:
أرقت ولم تنم عنك الهموم ... وعاد فؤادك الطرب القديم
تمارس جوز أدهم ذي ظلالٍكما يحتم لليل السقيم
كأن نجومه أجآل عينٌ ... تعرض في السماء وما تريم
فهل زال النهار فكان ليلاً ... وهل تركت مطالعها النجوم
وكم قد فاتني بطلٌ شجاعٌ ... وياسر شتوةٍ سمحٌ هضوم
وأباءٌ إذا ما سيم خسفاً ... ألد إذا تعرضت الخصوم
مضوا لسبيلهم وقعدت وحدي ... تجور بي المنون وتستقيم
كأن حوادث الأيام تأتي ... على خلقاء ليس بها كدوم
ألا أبلغ بني سلمى رسولاً ... فلم يك عندنا منهم مليم
هم غضبوا لنا وحنوا علينا ... كما تحنو على البو الرؤوم
فإن تك نهشلٌ ثبتت فإنا ... لنا منا المكارم والأروم
ليعلم عالمٌ ما كان فينا ... لنا البأساء والسلب الكريم
أحقٌ ما يقول بنو صبيحٍ ... فتعلمه قضاعة أو تميم
ألا تنهاهم أن يظلمونا ... حلومهم وليس لهم حلوم
حلفت بهاجرين الغسل شعثٍ ... وما جمع المشاعر والحطيم
لئن جمعت جوامع بين قومي وظلم الأصل مرتعه وخيم
لنلتمسن بأنفسنا نساءً ... تبين في المناكح أو تئيم
وقتلى أجهض الأبطال عنها ... ظماءٌ في وجوههم سهوم
قال س: قد أطلنا في هذه القصة الكلام، وما ذلك إلا لأن يشفى غليل المستفيد، فلا يبقى في قلبه حرارة.
؟ قال ابن السيرافي قال أمية بن أبي الصلت:
رب ما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحل العقال
قال: الضمير في قوله " له فرجة " يعود إلى ما أي: لهذا الشيء المكروه فرجة، أي انفراج. والمعنى واضح.
قال س: هذا بيت مثلٍ ضربه لأبياتٍ تقدمته، لا تتم معرفة معناه إلا بتلك. وهي:
مع إبراهيم الموفي بالنذ ... ر وإسحاق حامل الأجذال
ابنه لم يكن ليصبر عنه ... لو رآه في معشر أقتال
قال يا بني إني نذرتك لل ... هـ شحيطاً فاصبر فدى لك خالي
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال
أبتا إني جزيتك بالل ... هـ تقياً به على كل حال
فاقض ما قد نذرت لله واكفف ... عن دمي أن يمسه سر بالي
واشدد الصفد أن أحيد من السك ... كين حيد الأسير ذي الأغلال
إنني آلم المحز وإني ... لا أمس الأذقان ذات السبال
وله مديةٌ تخيل في اللح ... م هذامٌ جليةٌ كالهلال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبشٍ جلال
قال خذه وأرسل ابنك إني ... للذي فعلتما غير قالي
والدٌ يتقي وآخر مولو ... دٌ فطارا منه بسمعٍ معال
رب ما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحل العقال
؟ قال ابن السيرافي قال الأسود بن يعفر:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلٍ ... وعيدكم إياي وسط المجالس
стр. 47
قال: أراد يا بني أبناء سلمى بن جندل، والمعنى واضح، وكانوا يهددونه بسبب فرس أخذها ابنه الجراح بن الأسود لرجل من تيم الله ابن ثعلبة، يقال له فارس العصا. وحديثه معهم يطول.
قال س: هذا موضع المثل:
غناءٌ قليلٌ عن عيال وصبيةٍ ... غدوٌّ إلى الضيني ثم رواح
هذا الذي ذكره ابن السيرافي وما يتعلق به من الأخبار لا يغني فتيلاً ولا يجدي، وقد يغر المستفيد قوله: المعنى واضح، حتى يقتصر على هذيانه، ولا يتتبع استقصاء معناه، ومعرفة حقيقة قصته. وأنا ذاكر ما يلوح به المعنى إن شاء الله.
كان من قصة هذا الشعر: أنه لما هزم أبو جعل أخو بني عمرو بن حنظلة البرجمي وأصحابه، وأسرتهم بكر بن وائل، لحق رجل من بني يتم الله ابن ثعلبة من بني الجذعة - وهو فارس العصماء - بناسٍ من بني نهشل، فيهم الجراح بن الأسود، وحرير بن شمر بن هذان بن زهير بن جندل، ورافع ابن صهيب بن حارثة بن جندل، وعمرو بن حدير، والحارث بن حرير بن سلمى ابن جندل - قال لهم: هلم إلي، أنتم طلقاء، فقد أعجبني قتالكم منذ اليوم، وأنا خير لكم من العطش، فأجابوه.
فنزل إليهم ليوثقهم، وتفرس الجراح في فرسه الجودة، فجال في متنها فنجا عليها. فقال التيمي لرافع وحرير وأصحابهما: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، ونحن لك خفراء بفرسك.
فلما أتى الجراح أباه بها، أمره أن ينطلق بها في بني سعد، فابتطنها ثلاثة أبطن. فلما رجع رافع وحرير وأصحابهما إلى بني نهشل قالوا: إنا خفراء فارس العصماء، وأوعدوا الجراح.
وكان بنو جرول حلفاء بني سلمى بن جندل، على بني حارثة بن جندل، فأعاد تيحان بن بلج رافعاً وحريراً على الجراح، حتى ردوا إلى التيمي فرسه. فقال في ذلك الأسود بن يعفر:
أتاني ولم أخش الذي ابتعثا به ... خفيراً بني سلمى حريرٌ ورافع
هما خيباني كل يوم غنيمةً ... فأهلكتهم لو أن ذلك نافع
فأتبعث أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتايع
وخير الذي أعطيكم وهي شره ... مهولةٌ فيها سيوفٌ لوامع
فلا أنا معطيكم علي ظلامةًولا الحق معروفاً لكم أنا مانع
فإن يك مدلولاً علي فإنني ... أخو الحرب لا قحمٌ ولا متجازع
وإني لشهمٌ حين تبغى شهومتي ... وصعبٌ قيادي لم ترضني القنادع
وإني لأقري الضيف وصى به أبي ... وجار أبي تيحان طيان جائع
فقولا لتيحان بن عاقرة استها ... أمجرٍ فلاقي الغي أم أنت نازع
ولكن تيجان بن عاقرة استها ... له ذنبٌ في أمره وتوابع
فلو شاء تيحان بن عاقرة استها ... لأرشدته وللأمور مطالع
وإني لأرعى السر حتى أرده ... إلى أهله، والشر أشنع شائع
فإن أنت أعطيت ابن أسود حقه ... فقام بموسى فوق أنفك جادع
عمانيةً أو ذات خلفين عربةً ... مدربةً قد أرهفتها المواقع
فحلفوا أنهم خفراء التيمي، فأعطاهم الأسود الفرس بعينها، وأمسك مهارتها، فعاوده الخفراء وأوعدوه، فأنشأ يقول:
أتاني من الأبناء أن مجاشعاً ... وآل فقيمٍ والكراديس أصفقوا
ورهط جريسٍ قلت يكفي جريسكم ... سنانٌ كنبراس النهامي مفتق
معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم، إنما يقال لهما الكردوسان فقال الكراديس، وجريس رجل من البراجم.
نمته العصا حتى استقل كأنه ... شهابٌ بكفي فارسٍ يتحرق
بكفي غلامٍ خاله غير قعددٍ ... كريمٌ أبوه جندلٌ أو مطلق
وقال أيضاً:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلٍ ... وعيدكم إياي وسط المجالس
فهلا جعلتم نخوةً من وعيدكم ... على رهط قعقاعٍ ورهط ابن حابس
فهم منعوا منكم تراث أبيكم ... فصار التراث للكرام الأكايس
وهم أوردوكم ضفة البحر طامياً ... وهم تركوكم بين خازٍ وناكس
قال ابن السيرافي قال حضرمي بن عامر بن مجمع
وكل قرينة قرنت بأخرى ... وإن ضنت بها ستفرقان
стр. 48
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال: يعني أن كل اثنين يحب أحدهما الآخر سيقطع عنه، وإن كان ضنيناً به، شديد التمسك بإخائه، في كلام يشبه هذا.
قال س: هذا الذي ذكره ابن السيرافي في هذين البيتين لا يكاد يشفي، إلا بعد أن يعرف ما قبلهما، فإنهما مثلٌ ضربه للتسلي عمن فجع به من إخوانه وعشائره. وقبلهما:
وذي فجعٍ عزفت النفس عنه ... حذار الشامتين وقد شجاني
أخي ثقةٍ إذا ما الليل أغسى ... إلى تمريد حبلي قد كفاني
قطعت قرينتي عنه فأغنى ... غناه فلن أراه ولن يراني
وكل قرينة قرنت بأخرى ... وإن ضنت بها ستفرقان
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال ابن السيرافي قال الأخطل
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
قال ابن السيرافي: واسط موضع بنواحي الشام.
قال س: غلط ابن السيرافي في هذا، ليس بنواحي الشام موضع يقال له واسط، واسط ها هنا: واسط الجزيرة. وأخبرني أبو الندى قال: للعرب سبعة أواسط: وساط نجد، وهو الذي ذكره خداش بن زهير:
عفا واسط أكلاؤه فمحاضره ... إلى حيث نهياسيله فصدائره
وواسط الحجاز، هو الذي ذكره كثير:
أجدوا فأما آل عزة غدوةً ... فبانوا، وأما واسطٌ فمقيم
وواسط الجزيرة، وهو الذي ذكره الأخطل في البيت الذي مر آنفاً، وفي بيته الآخر:
عفا واسطٌ من آل رضوى فنبتلٌ ... فمجتمع الحرين فالصبر أجمل
وواسط اليمامة، وهو الذي ذكره الأعشى في شعر.
وواسط العراق. وقد أنسيت اثنين.
قال ابن السيرافي قال فروة بن مسيك
فإن نهزم فهزامون قدماً ... وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
قال: قوله " فإن نهزم فهزامون قدماً " يقول: إن انهزمنا في هذه الوقعة، فقد هزمنا الناس قبلها مراراً كثيرة. مع كلام يشبه هذا لا يدل على معنى البيت.
قال س: هذا موضع المثل:
فهيهات القرارة أن تراها ... أتى من دونها القدر المتاح
بعيد على المستفيد معرفة معنى قوله " فإن نهزم " وأنه لم اعترف بالانهزام مع ما فيه من العار - إذا لم يعرف القصة. وكنت قد ذكرت لك أن الشعر إذا كان متعلقاً بقصة، فإن أصحاب المعاني لا يقدرون على استخراج معناه إلا بها.
وكان من قصة هذا الشعر: أنه كان صنم مراد في أعلى وأنعم وهما بطنان من مراد، فقالت أشرافٌ من مراد: ما بال آلهتنا لا تكون في عرانيننا. . فأرادوا انتزاع الآلهة منهم. فخرجوا منهم فأتوا على بني الحارث فاستجاروا بهم، وأرسلت مراد إلى بني الحارث: أن أخرجوا إخوتنا من داركم، وابعثوا إلينا برجلين منكم لنقتلهما بصاحبنا - وكانت مراد تطلب بني الحارث بدم - فلما رأى الحصين بن يزيد بن قنان أن مراداً قد ألحت في طلب أصحابهم، هابهم وعلم أنه لا طاقة له بهم.
وكانت مراد إذا قتل منهم رجل قتلوا به رجلين، وكانوا لا يأخذون الدية إلا مضاعفة. فسار حصين بن يزيد وهو رئيس بني الحارث إلى عمير ذي مران، فسأله أن يركب معه إلى أرحب فيصلح بينه وبينهم، ويسألهم الحلف على مراد.
فقال الحصين: يا معشر أرحب، إني لست بأسعد - بهلاك مراد منكم، وكانت أرحب تغاور مراداً قبل ذلك، فحالفته أرحب، وغدوا: فسار حصين بن يزيد بن الحارث، وسارت البادية من همدان وعليهم يزيد بن ثمامة الأرحبي الأصم. وأقبلت مراد كأنهم حرة سوداء يدفون دفيفاً، وعليهم الحارث بن ظبيان المثلم وكان يكنى أبا قيس الأنعمي.
فاقتتلوا بموضع يقال له الرزم إلى جنب أياء قتالاً شديداً، فتضعضعت بنو الحارث، وأقبل عليهم الحصين فقال: يا بني الحارث، والله لئن لم تضربوا وجوه مراد بالسيوف حتى يخلوا لكم العرصة لأتركنكم تنفلون في العرب.
ثم أقبل على بادية همدان فقال: يا معشر همدان، الصبر الصبر، لا تقول مراد إنا لجأنا إلى عدد همدان وعزها فلم يغنوا عنا.
стр. 49
فاقتتل القوم قتالاً شديداً، فقتل الحصين، وصبر الفريقان جميعاً، فتهيأت بنو الحارث للفرار، وتضعضعت أرحب - وقد كانوا أحضروا النساء معهم فجعلوهن خلف ظهورهم - فلما رأت أرحب النساء قد بدت خلاخيلها للفرار؛ عادوا للقتال وقالوا: لا نفر حتى يفر يغوث. وصبروا للقوم، وصبرت بنو الحارث عليهم، فانهزمت مراد، واستذرع القتل فيهم، وسبوا نساءً من نسائهم، فأدرك الإسلام وهن في دور همدان.
وقتل يومئذ المثلم رئيس مراد، وعزيز وقيس ونمران وسمي المراديون. وقتل في ذلك اليوم الحصين بن يزيد الحارثي. فقال في ذلك يزيد ابن ثمامة الأرحبي:
لقد علم الحي المصبح أنني ... بجنب أياءٍ غير نكس مواكل
تركت عزيزاً تحجل الطير حوله ... وغشيت قيساً حد أبيض قاصل
ونمران قد قضيت منه حزازةً ... على حنقٍ يوم التفاف القبائل
عكبٌّ شفيت النفس منه وحارثٌ ... بنافذةٍ في صدره ذي عوامل
وأردت سمياً في المكر رماحنا ... وصادف موتاً عاجلاً غير آجل
قال س: إذا لم يعرف معنى القصة لم يعرف معنى البيت:
فإن نهزم فهزامون قدماً ... وإن نغلب فغير مغلبينا
قال ابن السيرافي قال النابغة الجعدي
إلا كمعرضٍ المحسر بك ... ريه يسببني على الظلم
قال: معناه، لكن معرضاً يدور في الأحياء يشتمني، ومعرض ليس بسوار، ولا مستثنى منه، فهو استثناء بمعنى لكن. وقوله " المحسر بكريه " تثنية بكر، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس.
قال س: هذا موضع المثل:
يخبطه تاراً وتاراً يلبطه
كأنما يكرمه أو يسفطه
تكلم ابن السيرافي على هذا البيت بما يوهم أنه أصاب فيه، وجاء بمغزى المستفيد. ولقد طاش سهمه، فإنه لم يذكر معرضاً من أي قبيلة هو وتركه مجهولاً، وذكر أن البكرين هنا تثنية بكر، وأنه الفتي من الإبل.
ومعرض ها هنا رجل من بني الحريش، أمر رجلين من بني الحريش أن يشتما النابغة، وهما بكراه، فهذا معنى قوله: " إلا كمعرض المحسر بكريه ".
قال ابن السيرافي قال الأعشى
وأهل جوٍّ أتت عليهم ... فأفسدت عيشهم فباروا
ومر دهرٌ على وبار ... فهمدت جهرةً وبار
قال: وبار، زعموا مدينة كانت الجن تسكنها، وقيل: وبار موضع بالدهناء، وزعم بعضهم أنها بلاد كان بها إبل حوشية، ونخل كثير ليس له من ينزع كربه ولا يجتني ثمره. وأن رجلاً وقع إليها، فركب فحلا من ذلك الإبل، وذهب نحو أرض قومه فتبعته الإبل.
قال س: هذا موضع المثل:
قد جئت يا بحشر بالبجري
حيث توفى ثلل الركي
تكلم ابن السيرافي في هذا البيت وأكثر، فتحير فيه وحير، ثم جاء بحديث أمتين بكذب ومين.
والصواب أن وباراً هي من ناحية الشحر، آخر رمال بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن وبار بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح نزلها فسميت به.
قال ابن السيرافي قال معاوية بن مالك بن جعفر
رأبت الصدع من كعبٍ وكانوا ... من الشنآن قد صاروا كعابا
قال س: ضرب ابن السيرافي بيتين في بيت فجعلهما بيتاً واحداً. والصواب:
رأبت الصدع من كعبٍ قد أودى ... وكان الصدع لا يعد ارتئابا
فأمسى كعبهم كعباً وكانت ... من الشنآن قد دعيت كعابا
قال ابن السيرافي قال رؤبة
لقد خشيت أن أرى جدبا
في عامنا ذا بعد ما أخصبا
إذا الدبا فوق المتون دبا
وهبت الريح به وهبا
تترك ما أبقى الدبا سبسبا
والتبن والحلفاء فالتهبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
قال س: توهم ابن السيرافي أن الأراجيز كلها لرؤبة لأجل أن رؤبة كان راجزاً، وهذه عامية فيه. وليست الأبيات لرؤبة، بل هي من شوارد الرجز لا يعرف قائلها، والأبيات التي جاء بها مختل أكثرها. والصواب
إني لأرجو أن أرى جدبا
في عامكم ذا بعد ما أخصبا
إذا الدبا فوق المتون دبا
وهبت الريح بمورٍ هبا
تترك ما أبقى الدبا سبسبا
والتبن والحلفاء فالتهبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
وتمام الأبيات، ولا يتم معنى البيت إلا بها:
حين ترى البويزل الأزبا
стр. 50
والسدس الضواضئ المحبا
من عدم المرعى قد اجلعبا
قال ابن السيرافي قال خداش بن زهير
ألا جفان ولا فرسان غاديةً ... إلا تجشؤكم عند التنانير
أنتم مجاهيل حرامون ثاويكم ... وفي الحروب مقاليعٌ عواوير
قال: هجا خداشٌ بهذا الشعر قوماً من بني سهم، من أجل مسابقة كانت بينه وبينهم.
قال س: هذا موضع المثل:
لا يمنع الحي في الخابور إذا فزعوا ... إلا فوارس أمثال ابن حمران
كنت قد ذكرت لك في عدة مواضع: أن من لم يكن ضابطاً لأنساب العرب وأيامهم، وأفاض في تفسير مثل هذا من الشعر - استهدف للسان الطاعن.
غلط ابن السيرافي ها هنا من جهات: منها أنه ذكر أن خداشاً خاطب بهذا الشعر قوماً من بني سهم، وإنما خاطب بها قوماً من بني تيم الأدرم.
ومنها أنه ذكر أن المسابقة كانت بين خداش وبينهم، وإنما كانت المسابقة بين بني العرقة من تيم الأدرم، وبين كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وهو من رهط خداش. ثم إنه لم يعرف القصة فيتبين المعنى، ويشفى المستفيد.
وكان من قصة هذا الشعر: أنه كان أول ما هاج بين قريش وبين بني عامر ابن صعصعة - أن كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، راهن أسيداً وعمراً وعبد الله بني العرقة، من بني تيم بن غالب وهو تيم الأدرم - على فرسٍ لهم يقال له البرق، والسيق ثلاثون معها مثلها، ليس فيها حذاء ولا حراء ولا أباء ولا حنفاء ولا ذات عوار، وجعلوا المدى والمضمار إلى كرز.
فجعل المدى ما بين السجسج إلى ذات الفلج من سواء كشت، وجعل آخر المضمار بياض ركبة فلامه قومه فقال: والله ما أخاف عليكم منه من شيء: ما غيل قط، ولا تفرع في كل مكان صينٍ قط، وإنه ليصبح في جمته. غير أنه قد كان به رهصة رهصها وهو فلو، ثم ما زالت في دهن، وإنه اليوم لرباع. فإن تنخرق قبل أن يجري ميلاً يجئ سابقاً، وإن تمكث كما هي فلا أدري.
فأرسلوا الفرسين، وحمل كرز على فرسه: المجالد بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر، فلم يجر ميلاً حتى تخرقت الرهصة فجاء سابقاً، وهلك البرق في ركبة، فأخذ السيق. فناشدوه رحم مجد بنت تيم بن غالب وهي أم بني ربيعة بن عامر بن صعصعة، فأبى أن يرد السيق. فلبثوا قريباً من سنتين.
ثم ركب بنو العرقة، فلقوا: أسيد بن مالك، وعمرو بن مالك، وعثمان بن أسيد من بني عامر بن ربيعة بأسفل العقيق في إبل لهم، فيها بكرة فوارة يقال لها العنب، عشراء، فطردوا الإبل، فاستقبلها عثمان بن أسيد ينفر بها بثوبه، وبعث الأمة نحو أبيه وعمه مغوثاً، فركب أبوه فرساً كبيرة، وركب عمه بنتها فرساً صعبة.
فلما لحق بالقوم قال عمرو بن مالك: أعلمونا من أنتم؟ قالوا قريش. قالوا وأيهم؟ قالوا بنو العرقة. قالوا فهل كان من حدث؟ قالوا: لا إلا يوم البرق. فقال لهم: احبسوا العنب، احبسوا اللقحة لقحة من لا يغدر، فقال لهم عمرو: لا والله لا ترضع منها قادماً ولا آخراً. قال: إنا لا نرضع الإبل ولكن نحتلبها، وحمل عليه فقتله، وحمل أسيد بن مالك على أسيد ابن العرقة فقتله. فقال في ذلك:
إني كذاك أضرب الكمي
ولم يكن يشقى بي السمي
فذلك يوم العنب.
وقال خداش بن زهير في ذلك:
نكب الكماة لأذقانها ... إذا كان يومٌ طويل الذنب
كذاك الزمان وتصريفه ... وتلك فوارس يوم العنب
ثم وقع بينهم بعد ذلك التغاور والقتال، فقال في ذلك خداش بن زهير:
أبلغ أبا كنفٍ إما عرضت به ... والأبجرين ووهباً وابن منظور
ألا جفان ولا فرسان عاديةً ... إلا تحشؤكم عند التنانير
ثم احضرونا إذا ما احمر أعيننا ... في كل يومٍ يزيل الهام مذكور
تلقوا فوارس لا ميلاً ولا عزلاً ... ولا هلابيج رواثين في الدور
تلقوا أسيداً وعمراً وابن عمهما ... ورقاء في النفر الشعث المغاوير
من آل كرزٍ غداة الروع قد عرفوا ... عند القتال إلى ركنٍ ومحبور
يحدون أقرانهم في كل معتركٍ ... طعناً وضرباً كشقٍ بالمناشير
فاسأل فوارس منكم يوم ذي سرفٍ ... عنكم وفرسانكم يوم اليعامير
стр. 51
يعدو بنا كل معصوبٍ أسافله ... وكل شعثاء بالوعثاء محضير
كلا ورب القلاص الراقصات بنا ... عشية النفر أمثال القراقير
لا تتركن ولما نبل نجدتكم ... ولم نغاوركم ضرب المغاوير
حتى نذيقكم ضرباً بمخلصةٍ ... هنديةٍ وقتالٍ ليس بالزور
الشاتمي ومن دوني ذرا حضنٍ ... والفعل مختلبٌ والقول مأثور
أنتم مجاهيل حرامون ثاويكم ... وفي الحروب مقاليعٌ عواوير
لا تبرحون على أبواب ملأمةٍ ... تعازرون بها ما لألأ الفور
كأنكم نبطياتٌ بمزرعةٍ ... قشر الأنوف درادير مآدير
ترى صدورهم سمراً محشرةً ... وفي أسافلهم نشرٌ وتشمير
إذ هم شعارير بالأشراف تبطحهم ... زرق الأسنة والبيض المباتير
تدعو أواخرهم أولاهم جزعاً ... والخيل مكرهةٌ والموت محذور
والمقصيات إذا ما العسر دار بنا ... والمكرمات إذا دار المياسير
والحاملاتهم في كل معتركٍ ... فيه إسارٌ وتقتيلٌ وتعفير
قال ابن السيرافي قال زياد بن واصل
فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا
قال: يريد أنهن لما عرفن أصواتهم بكين إليهم حتى يستنقذوهن، وفد ينهم بآبائهن.
قال س: هذا موضع المثل:
يا نافثاً شر الأحاديث الكذب
يكفيك من إناخةٍ ثني الركب
كذب ابن السيرافي في تفسير هذا البيت ولم يعرف منه قليلاً ولا كثيراً. كيف ركبن إليهم حتى يستنقذوهن وهن سبايا كما زعم.
وإنما معنى البيت: أن زياداً افتخر في هذه الأبيات بآباء قومه وبأمهاتهم من بني عامر، وأنهم قد أبلوا في حروبهم ومعاونتهم، فلما عادوا إلى حللهم وعند نسائهم وعرفن أصواتهم فدينهم، لأجل أنهم قد أبلوا في الحروب.
والأبيات تدل على صحة هذا المعنى، وأولها - وهي لزياد بن واصل السلمي -:
عزتنا نساء بني عامرٍ ... فسمن الرجال هواناً مهينا
ونحن بنوهن يوم الصفا ... ق إذ نقبل القوم وعثاً حزونا
بضربٍ كولغ ذكور الذئا ... ب تسمع للهام فيه رنينا
ورميٍ على كل عزافة ... ترد الشمال وتعطي اليمينا
وكنا مع الخيل حتى استوت ... شباب الرجال وسروا العيونا
ولما تبين أصواتنا ... رئمن وفديننا بالأبينا
فهذا آخر فرحة الأديب، أودعته ذكر ما عثر فيه ابن السيرافي من تفسيره أبيات كتاب سيبويه، وأوضحته وسددته، وهديت المستفيد إلى صوابه وأرشدته، ولئن صغر حجمه لقد كثر علمه، ومن تنبه فنظر بعين الإنصاف، أقر بفضل كثير من الأخلاف على الأسلاف، ولكن أكثر الناس يتعثرون في أذيال الخبط والهبط، وقلة التحصيل والبيان، وكثرة التخليط والهذيان. فأما أهل التحقيق:
فقد كنا نعدهم قليلاً ... وقد صاروا أقل من القليل
وسأتبعه من آنف ما أصنعه بما يعظم به النفع، ويهتز لروايته السمع، وفاءً لشروط الخدمة، وقضاء لحق النعمة، والله المعين على ما في النية والهمة، إنه واسع الرحمة.
أبقى لنا الله مولانا ولا برحت ... أيامنا أبداً في ظله جددا
إن الرئيس لما يوليه من نعمٍ ... لمستحلٌّ لصيد العلم في حرمي
لا شيء أحسن من نعمى له سبغت ... شكري لها شكر روض الحرن للرهم
آخر نسخة الأصل، وهي التي رمزت إليها ب أ
تم الكتاب والحمد لله كما هو أهل، والصلاة على نبيه محمد وآله، وذلك يوم الأحد تاسع وعشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطاهرين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل. كملت المقابلة بحمد الله وعونه.
وآخر نسخة البغدادي، وهي التي رمزت إليها ب ب
стр. 52
تم هذا الكتاب بعون الله تعالى، على يد الفقير إلى رحمة ربه الغفور: عبد القادر بن عمر بن بايزيد بن الحاج أحمد البغدادي، كتبه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده. وكان بدء الكتابة في يوم الأحد، وآخرها في ضحوة يوم الاثنين التاسع عشرين من شهر شوال المبارك من شهور سنة ثمان وسبعين بعد الألف من الهجرة، وكان تاريخ الأصل الذي كتبته منه يوم الأحد تاسع وعشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة. هكذا رأيته مؤرخاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي الهامش فيكون مدة الكتابة تسعة أيام مع أشغال عائقة عنها، والحمد لله عليه.