Полный текст (41 стр.). Показаны 36–41 · переход к 41.
стр. 36
الْكَلَام فِيهِ حَاجَة ضَرُورِيَّة أَو غير ضَرُورِيَّة وَإِذا لم يجب لم يجز أَن يكون جَائِزا لوجوه
أَحدهَا أَنه إِذا كَانَ جَائِزا كَانَ السُّكُوت عَنهُ جَائِزا فَيكون السَّاكِت سالما بِيَقِين الْإِجْمَاع على جَوَازه والمتأول مخاطرا خطرا عَظِيما من غير حَاجَة إِلَيْهِ وَهَذَا غير جَائِز وَلِأَن السَّاكِت عَن التَّأْوِيل لم يقل على الله إِلَّا الْحق والمتأول يحْتَمل أَنه قَالَ على الله غير الْحق وَوَصفه بِمَا لم يصف بِهِ نَفسه وسلب صفته الَّتِي وصف بهَا نَفسه وَهَذَا محرم فَيتَعَيَّن السُّكُوت وَيتَعَيَّن تَحْرِيم التَّأْوِيل
٨٧ - وَمن وَجه آخر وَهُوَ أَن اللَّفْظ إِذا احْتمل مَعَاني فَحَمله على علم مِنْهَا من غير وَاحِد بتعيينه تخرص وَقَول على الله تَعَالَى بِغَيْر علم وَقد حرم الله تَعَالَى ذَلِك فَقَالَ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [الْأَعْرَاف ٣٣]
٨٨ - وَلِأَن تعْيين أحد المحتملات إِذا لم يكن تَوْقِيف يحْتَاج إِلَى حصر المحتملات كلهَا وَلَا يحصل ذَلِك إِلَّا بِمَعْرِِفَة جَمِيع مَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فِيهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا ثمَّ تبطل جَمِيعهَا إِلَّا وَاحِدًا وَهَذَا يحْتَاج إِلَى الْإِحَاطَة اللُّغَات كلهَا وَمَعْرِفَة لِسَان الْعَرَب كُله وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فَكيف بِمن لَا علم لَهُ باللغة وَلَعَلَّه لَا يعرف مُجملا سوى مجملين أَو ثَلَاثَة بطرِيق التَّقْلِيد
٨٩ - ثمَّ معرفَة نفي المحتملات يقف على وُرُود التَّوْقِيف بِهِ فَإِن صِفَات الله تَعَالَى لَا تثبت وَلَا تنفى إِلَّا بالتوقيف وَإِذا تعذر هَذَا بَطل تعْيين مُجمل مِنْهَا على وَجه الصِّحَّة وَوَجَب الْإِيمَان بهَا بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ
стр. 37
الْمُتَكَلّم بهَا كَمَا رُوِيَ عَن الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵁ إِنَّه قَالَ آمَنت بِمَا جَاءَ عَن الله على مُرَاد الله وَآمَنت بِمَا جَاءَ عَن رَسُول الله على مُرَاد رَسُول الله ﷺ
٩٠ - وَهَذِه طَريقَة مُسْتَقِيمَة ومقالة صَحِيحَة سليمَة لَيْسَ على صَاحبهَا خطر وَلَا يلْحقهُ عيب وَلَا ضَرَر لِأَن الْمَوْجُود مِنْهُ هُوَ الْإِيمَان بِلَفْظ الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا أَمر وَاجِب على خلق الله أَجْمَعِينَ فَإِن جحد كلمة من كتاب الله مُتَّفق عَلَيْهَا كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وسكوته عَن تَأْوِيل لم يعلم صِحَّته وَالسُّكُوت عَن ذَلِك وَاجِب أَيْضا بِدَلِيل الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع ثمَّ لَو لم يكن وَاجِبا لَكَانَ جَائِزا بِغَيْر خلاف
٩١ - ثمَّ فِيهِ الإقتداء بِسنة رَسُول الله ﷺ وَاتِّبَاع الراسخين فِي الْعلم وَالسَّلَف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة المرضيين والسلامة من أَن يَقُول على الله مَا لَا يعلم أَو أَن يَقُول فِي كتاب الله وَصفَة ربه تَعَالَى بِرَأْيهِ وَأَن يصف الله تَعَالَى بِمَا لم يصف بِهِ نَفسه وَلَا وَصفه بِهِ رَسُوله وَأَن يسلب عَنهُ صفة رضيها لنَفسِهِ ورضيها لَهُ رَسُوله
٩٢ - فَبَان بِحَمْد الله وجوب سلوك هَذِه الطَّرِيقَة المحمودة وَاجْتنَاب مَا سواهَا وَتحقّق أَنَّهَا صِرَاط الله الْمُسْتَقيم الَّذِي أمرنَا الله تَعَالَى باتباعه وَمَا عَداهَا فَهِيَ سبل الشَّيْطَان الَّتِي نَهَانَا الله سُبْحَانَهُ عَن اتباعها ثمَّ أكد ذَلِك بوصيته بِهِ بعد أمره وَنَهْيه فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الْأَنْعَام ١٥٣]
стр. 38
٩٣ - فَإِن قيل فقد تأولتم آيَات وأخبارا فقلتم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ [الْحَدِيد ٤] أَي بِالْعلمِ وَنَحْو هَذَا من الْآيَات وَالْأَخْبَار فيلزمكم مَا لزمنا
٩٤ - قُلْنَا نَحن لم نتأول شَيْئا وَحمل هَذِه اللفظات على هَذِه الْمعَانِي لَيْسَ بِتَأْوِيل لِأَن التَّأْوِيل صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره وَهَذِه الْمعَانِي هِيَ الظَّاهِر من هَذِه الْأَلْفَاظ بِدَلِيل أَنه الْمُتَبَادر إِلَى الأفهام مِنْهَا
٩٥ - وَظَاهر اللَّفْظ هُوَ مَا يسْبق إِلَى الْفَهم مِنْهُ حَقِيقَة كَانَ أَو مجَازًا وَلذَلِك كَانَ ظَاهر الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة الْمجَاز دون الْحَقِيقَة كاسم الراوية والظعينة وَغَيرهمَا من الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة فَإِن ظَاهر هَذَا الْمجَاز دون الْحَقِيقَة وصرفها إِلَى الْحَقِيقَة يكون تَأْوِيلا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظ الَّتِي لَهَا عرف شَرْعِي وَحَقِيقَة لغوية كَالْوضُوءِ وَالطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج إِنَّمَا ظَاهرهَا الْعرف الشَّرْعِيّ دون الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة
٩٦ - وَإِذا تقرر هَذَا فالمتبادر إِلَى الْفَهم من قَوْلهم الله مَعَك أَي بِالْحِفْظِ والكلاءة وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى فِيمَا أخبر عَن نبيه ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ [التَّوْبَة ٤٠] وَقَالَ لمُوسَى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ [طه ٤٦] وَلَو أَرَادَ أَنه بِذَاتِهِ مَعَ كل أحد لم يكن لَهُم بذلك اخْتِصَاص لوُجُوده فِي حق غَيرهم كوجوده فيهم وَلم يكن ذَلِك مُوجبا لنفي الْحزن عَن أبي بكر وَلَا عِلّة لَهُ
٩٧ - فَعلم أَن ظَاهر هَذِه الْأَلْفَاظ هُوَ مَا حملت عَلَيْهِ فَلم يكن تَأْوِيلا ثمَّ لَو كَانَ تَأْوِيلا فَمَا نَحن تأولنا وَإِنَّمَا السّلف رَحْمَة الله عَلَيْهِم الَّذِي ثَبت صوابهم وَوَجَب اتباعهم هم الَّذين تأولوه فَإِن ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك ومالكا وسُفْيَان وَكَثِيرًا من الْعلمَاء قَالُوا فِي قَوْله ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ أَي علمه ثمَّ قد ثَبت
стр. 39
بِكِتَاب الله والمتواتر عَن رَسُول الله ﷺ وَإِجْمَاع السّلف أَن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء على عَرْشه وَجَاءَت هَذِه اللَّفْظَة مَعَ قَرَائِن محفوفة بهَا دَالَّة على إِرَادَة الْعلم مِنْهَا وَهُوَ قَوْله ﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ [المجادلة ٧] ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فبدأها بِالْعلمِ وختمها بِهِ ثمَّ سياقها لتخويفهم بِعلم الله تَعَالَى بحالهم وَأَنه ينبئهم بِمَا عمِلُوا يَوْم الْقِيَامَة ويجازيهم عَلَيْهِ
٩٨ - وَهَذِه قَرَائِن كلهَا دَالَّة على إِرَادَة الْعلم فقد اتّفق فِيهَا هَذِه الْقَرَائِن وَدلَالَة الْأَخْبَار على مَعْنَاهَا ومقالة السّلف وتأويلهم فَكيف يلْحق بهَا مَا يُخَالف الْكتاب وَالْأَخْبَار ومقالات السّلف
٩٩ - فَهَذَا لَا يخفى على عَاقل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِن خَفِي فقد كشفناه وبيناه بِحَمْد الله تَعَالَى وَمَعَ هَذَا لَو سكت إِنْسَان عَن تَفْسِيرهَا وتأويلها لم يحرج وَلم يلْزمه شَيْء فَإِنَّهُ لَا يلْزم أحدا الْكَلَام فِي التَّأْوِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 40
فصل
١٠٠ - يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الَّتِي ثبتَتْ بهَا صِفَات الله تَعَالَى هِيَ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الثَّابِتَة بِنَقْل الْعُدُول الثِّقَات الَّتِي قبلهَا السّلف ونقلوها وَلم ينكروها وَلَا تكلمُوا فِيهَا وَأما الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة الَّتِي وَضَعتهَا الزَّنَادِقَة ليلبسوا بهَا على أهل الْإِسْلَام أَو الْأَحَادِيث الضعيفة إِمَّا لضعف رواتها أَو جهالتهم أَو لعِلَّة فِيهَا لَا يجوز أَن يُقَال بهَا وَلَا اعْتِقَاد مَا فِيهَا بل وجودهَا كعدمها وَمَا وَضعته الزَّنَادِقَة فَهُوَ كَقَوْلِهِم الَّذِي أضافوه إِلَى أنفسهم
١٠١ - فَمن كَانَ من أهل الْمعرفَة بذلك وَجب عَلَيْهِ اتِّبَاع الصَّحِيح واطراح مَا سواهُ وَمن كَانَ عاميا ففرضه تَقْلِيد الْعلمَاء وسؤالهم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ [النَّحْل ٤٣] وَإِن أشكل عَلَيْهِ علم ذَلِك وَلم يجد من يسْأَله فليقف وَليقل آمَنت بِمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَلَا يثبت بِهِ شَيْئا فَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا قَالَه رَسُول الله ﷺ فقد آمن بِهِ وَإِن لم يكن مِنْهُ فَمَا آمن بِهِ وَنَظِير هَذَا قَول النَّبِي ﷺ مَا حَدثكُمْ بِهِ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم وَقُولُوا آمنا بِمَا أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم
стр. 41
١٠٢ - فَمَنعهُمْ من التَّصْدِيق خشيَة أَن يكون كذبا وَمن التَّكْذِيب خشيَة أَن يكون حَقًا وَأمرهمْ بِالْعَدْلِ إِلَى قَول يدْخل فِيهِ الْإِيمَان بِالْحَقِّ وَحده وَهَذَا كَذَلِك
١٠٣ - وَلَيْسَت هَذِه الْأَحَادِيث مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهَا لعمل فِيهَا وَلَا لحكم يُتْلَى مِنْهَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته وَيَكْفِي الْإِنْسَان الْإِيمَان بِمَا عرف مِنْهَا
١٠٤ - وليعلم أَن من أثبت لله تَعَالَى صفة بِشَيْء من هَذِه الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فَهُوَ أَشد حَالا مِمَّن تَأَول الْأَخْبَار الصَّحِيحَة وَدين الله تَعَالَى هُوَ بَين الغالي فِيهِ والمقصر عَنهُ وَطَرِيقَة السّلف رَحْمَة الله عَلَيْهِم جَامِعَة لكل خير وفقنا الله وَإِيَّاكُم لاتباعها وسلوكها وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين