Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِيك
وَفِي هَذَا تهديد شَدِيد ووعيد أكبر على مرتكب الْمعْصِيَة وَلَو كَانَ صَاحبهَا من أَعلَى أهل بَيت النُّبُوَّة
وَأما مَا ورد فِي قَوْله
(أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب)
стр. 37
فَمَحْمُول على أَنه لَيْسَ من بَاب الافتخار فِي الانتساب بالأباء الْكفَّار بل لإِظْهَار الجلادة والشجاعة والاشتهار كَمَا بَينته فِي شرح الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي
وَأما مَا حَكَاهُ ابْن سيد النَّاس أَن الله أَحْيَاهُ بعد بَعثه النَّبِي ﷺ حَتَّى آمن بِهِ ثمَّ مَاتَ فَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهِ من حَدِيث ضَعِيف وَلَا غَيره وَإِنَّمَا حكوه عَن بعض الشِّيعَة وخلافهم غير مُعْتَبر عِنْد أهل السّنة
وَكَذَا قَول الْقُرْطُبِيّ على مَا ذكره الْعِمَاد ابْن كثير عَنهُ فِي تَفْسِيره إِن الله أحيى ابا طَالب حَتَّى آمن بَاطِل مَوْضُوع بِإِجْمَاع أهل الحَدِيث ومخالف لمَذْهَب الْحق
стр. 38
على أَنه سبق أَنه لَا ينفع الْإِيمَان بعد العيان بل أَقُول لَا يتَصَوَّر هَذَا الْبَيَان إِذْ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ وَلَا خلف فِي إخْبَاره سُبْحَانَهُ
وَمِنْهَا قَول السُّيُوطِيّ
وَإِن ابْن جرير ذكر فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ قَالَ من رضى مُحَمَّد ﷺ أَن لَا يدْخل أحد من أهل بَيته النَّار
وَفِيه أَن هَذَا قَول صَحَابِيّ من قبل رَأْيه وعَلى تَسْلِيم صِحَّته ودلالته فَأهل بَيته لَا يتَنَاوَل أَقَاربه الْمُتَقَدِّمين من الْكفَّار بِالْإِجْمَاع
نعم يُفِيد أَن من كَانَ نسبه ثَابتا إِلَى صَاحب النُّبُوَّة يُرْجَى لَهُ حسن الخاتمة وَحُصُول الشَّفَاعَة أَو توفيق التَّوْبَة عَن الْمعْصِيَة إِذا كَانَ من أهل الْملَّة لما أخرجه أَبُو سعيد فِي شرف النُّبُوَّة والملا فِي السِّيرَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل النَّار أحدا من أهل بَيْتِي فَأَعْطَانِي
стр. 39
ذَلِك
على أَنه يُمكن أَن يُقَال المُرَاد بِالنَّفْيِ دُخُول الْآبَاء فَيكون بِشَارَة إِلَى موت أهل الْبَيْت على الْإِسْلَام ودخولهم دَار السَّلَام وَلَو كَانَ بعد مُضِيّ الْأَيَّام
وَأما مَا أخرج تَمام الرَّازِيّ فِي فَوَائده بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة شفعت لأبي وَأمي وَعمي أبي طَالب وَأَخ لي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَي
стр. 40
بالرضاعة كَمَا فِي رِوَايَة فَهُوَ حجَّة لنا لَا علينا لإدراجه أَبَوَيْهِ مَعَ عَمه أبي طَالب الْمجمع على كفره فَالْحَدِيث إِن ثَبت فَهُوَ مَحْمُول على مَا ورد فِي الصَّحِيح من تَخْفيف الْعَذَاب عَنْهُم بِشَفَاعَتِهِ ﷺ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
ثمَّ أغرب السُّيُوطِيّ فِي قَوْله
وَمِمَّا يرشح مَا نَحن فِيهِ مَا أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا قَالَ سَأَلت رَبِّي ابناء الْعشْرين من أمتِي فوهبهم لي
ثمَّ قَالَ
стр. 41
وَمِمَّا يَنْضَم إِلَى ذَلِك وَإِن لم يكن صَرِيحًا فِي الْحق مَا أخرجه الديلمي عَن ابْن عمر ﵄ مَرْفُوعا أول من أشفع يَوْم الْقِيَامَة أهل بَيْتِي ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب الحَدِيث
فَذكر هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا لَا يُنَاسب حَاله إِذْ الْكَلَام لَيْسَ فِي أهل بَيته من أهل الْإِسْلَام
وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عِنْد حَدِيث إِن أبي واباك فِي النَّار فِيهِ
وَإِن من مَاتَ كَافِرًا فَهُوَ فِي النَّار لَا تَنْفَعهُ قرَابَة الْأَقْرَبين
стр. 42
وَتعقبه السُّهيْلي بِمَا ظَاهره من الْبطلَان البديهي وَهُوَ قَوْله
لَيْسَ لنا أَن نقُول ذَلِك فقد قَالَ ﷺ لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاء بسب الْأَمْوَات وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ وَلَعَلَّه يَصح مَا جَاءَ أَنه ﷺ سَأَلَ الله سُبْحَانَهُ فأحيى لَهُ أَبَوَيْهِ وَرَسُول الله ﷺ فَوق هَذَا وَلَا يعجز الله سُبْحَانَهُ شَيْئا
ثمَّ أورد قَول النَّوَوِيّ
стр. 43
إِن من مَاتَ فِي الفترة على مَا كَانَت عَلَيْهِ الْعَرَب من عبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ فِي النَّار وَلَيْسَ هَذَا من التعذيب قبل بُلُوغ الدعْوَة لِأَنَّهُ بلغتهم دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيره من الرُّسُل انْتهى
وَهُوَ فِي غَايَة من الْبَهَاء كشمس الضُّحَى وَبدر الدجى لَكِن مَعَ هَذَا تعقبه بِمَا هُوَ كالبهاء فِي الْهَوَاء من المناقشة فِي الْعبارَة على توهم المناقضة بَين كَلَام النَّوَوِيّ مُعْتَرضًا عَلَيْهِ بقوله
إِن من بلغته الدعْوَة لَا يكون من أهل الفترة
وَرَفعه سهل فَإِن مُرَاد النَّوَوِيّ من أهل الفترة من كَانَ قبل بعثة نَبينَا ﷺ الْمعبر بالجاهلية
وَمِنْهَا قَول السُّيُوطِيّ
إنَّهُمَا لم يثبت شرك عَنْهُمَا بل كَانَا على الحنيفية دين جدهما إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 44
قلت وَهَذَا يُعَارضهُ مَا صَحَّ فِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﵊ كَمَا سبق عَلَيْهِ الْكَلَام
وَهَذَا المسلك ذهبت إِلَيْهِ طَائِفَة مِنْهُم الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فَقَالَ فِي كِتَابه أسرار التَّنْزِيل مَا نَصه
قيل إِن آزر لم يكن وَالِد إِبْرَاهِيم ﵇ بل كَانَ عَمه وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوه مِنْهَا أَن آبَاء الْأَنْبِيَاء ﵈ مَا كَانُوا كفَّارًا وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين﴾ قيل مَعْنَاهُ أَنه كَانَ ينْقل نوره من ساجد إِلَى ساجد فَبِهَذَا التصدير فالآية دَالَّة على أَن جَمِيع آبَاء مُحَمَّد ﷺ كَانُوا مُسلمين وَحِينَئِذٍ يجب الْقطع بِأَن وَالِد إِبْرَاهِيم ﵇ مَا كَانَ من الْكَافرين إِنَّمَا ذَاك عَمه
أقْصَى مَا فِي الْبَاب أَن يحمل قَوْله تَعَالَى ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ على وُجُوه أُخْرَى وَإِذا وَردت الرِّوَايَة بِالْكُلِّ وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا وَجب حمل الْآيَة على الْكل وَمَتى صَحَّ ذَلِك ثَبت أَن وَالِد إِبْرَاهِيم ﵇ مَا كَانَ من عَبدة الْأَوْثَان
ثمَّ قَالَ
وَمِمَّا يدل على أَن آبَاء مُحَمَّد ﷺ مَا كَانُوا مُشْرِكين قَوْله ﷺ لم
стр. 45
أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إِلَى أَرْحَام الطاهرات وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ فَوَجَبَ أَن لَا يكون من أجداده مُشْركًا
قَالَ السُّيُوطِيّ
هَذَا كَلَام الإِمَام فَخر الدّين بِحُرُوفِهِ وناهيك بِهِ إِمَامَة وجلالة فَإِنَّهُ إِمَام أهل السّنة فِي زَمَانه والقائم بِالرَّدِّ على الْفرق المبتدعة والناصر لمذاهب الأشاعرة فِي عصره وَهُوَ الْعَالم الْمَبْعُوث على رَأس المئة السَّادِسَة ليجدد لهَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا انْتهى
وَلَا يخفى مَعَ مُعَارضَة كَلَامه لما سبق من الْكتاب وَالسّنة وأتفاق الْأَئِمَّة وَمَا هُوَ صَرِيح فِي صَحِيح مُسلم من كَلَام صَاحب النُّبُوَّة أَنه قَالَ تَعَالَى فِي كَلَامه الْقَدِيم مَا يدل على كفر أبي إِبْرَاهِيم وَالْأَصْل فِي حمل الْكَلَام على الْحَقِيقَة وَلَا يعدل عَنهُ إِلَى الْمجَاز إِلَّا حَال الضَّرُورَة عِنْد دَلِيل صَرِيح وَنقل صَحِيح يضْطَر مِنْهُ إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز
فبمجرد قَول إخباري تاريخي يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ كَمَا عبر عَنهُ
стр. 46
ب قيل إِن آزر لم يكن وَالِد إِبْرَاهِيم ﵇ بل كَانَ عَمه كَيفَ يعدل عَن آيَات مصرحة فِيهَا إِثْبَات الْأُبُوَّة
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى
﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزر﴾
وَهُوَ عطف بَيَان أَو بدل بِنَاء على أَنه لقب لَهُ أونعت بلسانهم وَنَحْو ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى
﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ وَفِي قِرَاءَة شَاذَّة (أَبَاهُ)
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﴿يَا أَبَت﴾ مكررا
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك وَمَا أملك لَك من الله من شَيْء﴾
стр. 47
)
وَأَقُول زِيَادَة على ذَلِك وَهُوَ أَنه ﷺ كَانَ مُبينًا للْكتاب وممهدا الطَّرِيق الصَّوَاب فَلَو كَانَ المُرَاد بِأبي إِبْرَاهِيم عَمه لبينه وَلَو فِي حَدِيث للأصحاب ليحملوا الْأَب على عَمه بطرِيق الْمجَاز فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ دَعْوَة أَن آبَاء الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يَكُونُوا كفَّارًا تحْتَاج إِلَى برهَان وَاضح وَدَلِيل لائح فاستدلاله بقوله تَعَالَى ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ بِنَاء على قيل فِي غَايَة من السُّقُوط كَمَا يعلم من قَول سَائِر الْمُفَسّرين فِي الْآيَة
فقد ذكر الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره فِي تفاسيرهم أَن معنى الْآيَة وترددك فِي تصفح أَحْوَال المتهجدين كَمَا رُوِيَ أَنه لما نسخ فرض قيام اللَّيْل طَاف تِلْكَ اللَّيْلَة بيُوت أَصْحَابه لينْظر مَا يصنعون حرصا على كَثْرَة طاعاتهم فَوَجَدَهَا كبيوت الزنابير لما سمع لَهَا من دندنتهم بِذكر الله تَعَالَى
وَنقل الإِمَام أَبُو حَيَّان فِي الْبَحْر عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ أَن الرافضة هم الْقَائِلُونَ إِن آبَاء النَّبِي ﷺ كَانُوا
стр. 48
مُؤمنين مستدلين بقوله تَعَالَى ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ وَبِقَوْلِهِ ﵊ لم أزل انقل من اصلاب الطاهرين الحَدِيث
الرَّد على ابْن حجر الْمَكِّيّ
وَأما قَول ابْن حجر الْمَكِّيّ فلك رد قَول أبي حَيَّان بِأَن مثله إِنَّمَا يرجع إِلَيْهِ فِي علم النَّحْو وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فَظَاهر الْبطلَان للْإِجْمَاع على قبُول شَهَادَة النَّحْوِيين وروايتهم عَن الْمُحدثين إِذا لم يكن فِيهِ ضعف فِي الدّين كَيفَ وَله ثَلَاثَة من التفاسير وَله فِي السّير كتاب كَبِير مَعَ أَن الشِّيعَة بأجمعهم مقرون بِأَن هَذَا قَاعِدَة مَذْهَبهم
وَله أَن يعارضها وَيَقُول وَأَنت فَقِيه صرف لم تعرف إِلَّا رُؤُوس الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالخصومات الْعُرْفِيَّة
وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا بطلَان قَول ابْن حجر وَأما من أَخذه كالبيضاوي وَغَيره فقد تساهل واستروح انْتهى
فَكيف يَصح قَول الرَّاوِي إِن جَمِيع آبَاء مُحَمَّد ﷺ كَانُوا مُسلمين مَعَ حَدِيث مُسلم وَإِجْمَاع جُمْهُور الْمُسلمين
ثمَّ أغرب فِي قَوْله
وَحِينَئِذٍ يجب الْقطع بِأَن وَالِد إِبْرَاهِيم ﵇ مَا كَانَ من
стр. 49
الْكَافرين انْتهى
وَلَا يخفى أَنه لم يثبت بِهِ الظَّن فضلا عَن الْقطع بل إِنَّمَا هُوَ فِي مرتبَة الشَّك أَو الْوَهم
ثمَّ الِاسْتِدْلَال على أَن آبَاء مُحَمَّد ﷺ مَا كَانُوا مُشْرِكين بقوله ﷺ وَلم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إِلَى أَرْحَام الطاهرات إِلَى آخر مَا ذكره مَرْدُود عَلَيْهِ بِمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَبِأَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ مَا ورد من طرق مُتعَدِّدَة
مِنْهَا مَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة عَن أنس ﵁
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا افترق النَّاس فرْقَتَيْن إِلَّا جعلني الله تَعَالَى فِي خيرهما فأخرجت من بَين أبوين فَلم يُصِبْنِي شَيْء من عهر الْجَاهِلِيَّة وَخرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح من لدن آدم ﵇ حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى أبي وَأمي فَأَنا خَيركُمْ نفسا أَي روحا وذاتا وخيركم أَبَا أَي نسبا وحسبة
стр. 50
وَمِنْهَا مَا أخرجه أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة من طرق عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا
لم يلتق أبواي قطّ على سفاح لم يزل الله يتقلبني من الأصلاب الطّيبَة والأرحام الطاهرة صافيا مهذبا لَا يتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما
وَمِنْهَا مَا أوردهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه
مَا ولدني من سفاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء مَا ولدني إِلَّا نِكَاح كَنِكَاح الْإِسْلَام
стр. 51
وَأما مَا ذكر ابْن حجر الْمَكِّيّ تبعا للسيوطي من أَن الْأَحَادِيث مصرحة لفظا فِي أَكْثَره وَمعنى فِي كُله أَن آبَاء النَّبِي ﷺ غير الْأَنْبِيَاء وأمهاته إِلَى آدم وحواء لَيْسَ فيهم كَافِر لِأَن الْكَافِر لَا يُقَال فِي حَقه إِنَّه مُخْتَار وَلَا كريم وَلَا طَاهِر فمردود عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث لفظ صَرِيح يُشِير إِلَيْهِ وَأما الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ لفظ الْمُخْتَار والكريم والأطهار وَهُوَ لَا دلَالَة فِيهِ على الْإِيمَان أصلا وَإِلَّا فَيلْزم مِنْهُ أَن تكون قَبيلَة قُرَيْش كلهم مُؤمنين لحَدِيث
إِن الله اصْطفى بني كنَانَة من ولد إِسْمَاعِيل وَاصْطفى قُريْشًا من كنَانَة
وَلم يقل بِهِ أحد من الْمُسلمين
وَكَذَا حَدِيث
فَاخْتَارَ مِنْهُم الْعَرَب
стр. 52
وَلَا يَصح عُمُوم إِيمَانهم قطعا بل لَو اسْتدلَّ بِمثل هَذَا المبنى لزم أَن لَا يُوجد كَافِر على وَجه الأَرْض لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾
فَتَأمل فَإِنَّهُ مَوضِع زلل ومقام خطل وَاحْذَرْ أَن تكون ضَالًّا مضلا فِي الوحل
ثمَّ مَا أبعد قَوْله فِي حَدِيث مُسلم إِن أبي وأباك فِي النَّار
وَقصد بذلك تطييب خاطر ذَلِك الرجل خشيَة أَن يرْتَد إِن قرع سَمعه أَولا أَن أَبَاهُ فِي النَّار انْتهى
وَهَذَا نَعُوذ بِاللَّه وحاشاه ﷺ أَن يخبر بِغَيْر الْوَاقِع وَيحكم بِكفْر وَالِده لأجل تألف وَاحِد يُؤمن بِهِ اَوْ لَا يُؤمن فَهَذِهِ زلَّة عَظِيمَة وجرأة جسيمة حفظنا الله عَن مثل هَذِه الجريمة
عود الرَّد على السُّيُوطِيّ
وَمِنْهَا اسْتِدْلَال السُّيُوطِيّ على إِيمَان جَمِيع آبَائِهِ ﷺ بِمَا ذكره
стр. 53
عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن معمر عَن ابْن جريح قَالَ قَالَ ابْن الْمسيب قَالَ عَليّ بن أبي طَالب
لم يزل على وَجه الأَرْض فِي الدَّهْر سَبْعَة مُسلمُونَ فَصَاعِدا وَلَوْلَا ذَلِك هَلَكت الأَرْض وَمن عَلَيْهَا
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَمثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي فَلهُ حكم الرّفْع
وَأطَال فِي ذكر أَمْثَاله من الْأَخْبَار والْآثَار مِمَّا لَيْسَ لَهُ مُنَاسبَة فِي هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا هُوَ تسويد الْكتاب عِنْد من لم يُمَيّز بَين الْخَطَإِ وَالصَّوَاب
هَذَا وَمَا أخرج ابْن ابي حَاتِم بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من أَن ابا ابراهيم لم يكن اسْمه آزر وَإِنَّمَا كَانَ اسْمه تارخ
فَلَا دلَالَة مِنْهُ على الْمُدعى لأَنا نقُول وَلَو سلم أَن اسْمه تارخ ولقبه آزر لَا يلْزم أَن أَبَاهُ لم يكن مُشْركًا
وَكَذَا مَا أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طرق بَعْضهَا صَحِيح عَن مُجَاهِد قَالَ لَيْسَ آزر أَبَا إِبْرَاهِيم
стр. 54
يَعْنِي اسْمه بل لقبه لما سبق جمعا بَين الْأَدِلَّة
وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد صَحِيح عَن السّديّ أَنه قيل لَهُ اسْم أبي إِبْرَاهِيم آزر فَقَالَ
بل اسْمه تارخ
يَعْنِي ولقبه آزر
وَكَذَا مَا أخرجه ابْن الْمُنْذر بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن جريج فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزر﴾
وَلَيْسَ آزر بِأَبِيهِ يَعْنِي بل لقبه وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن تيرخ أَو تارخ بن شاروخ بن ناحور بن فالخ
هَذَا وَلم يذكر أحد من هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام أَن آزر عَم إِبْرَاهِيم ﵇ فَثَبت أَن ذَلِك القيل من القَوْل العليل
стр. 55
وَقد أخرج ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ
مَا زَالَ إِبْرَاهِيم يسْتَغْفر لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو الله فَلم يسْتَغْفر لَهُ
وَأخرج عَن مُحَمَّد بن كَعْب وَقَتَادَة وَمُجاهد وَالْحسن وَغَيرهم قَالُوا
كَانَ يَرْجُو إيمَانه فِي حَيَاته فَلَمَّا مَاتَ على شركه تَبرأ مِنْهُ وَقد قدمنَا هَذَا المبحث مستوعبا
وَمِنْهَا استدلاله بقوله تَعَالَى ﴿وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه﴾ حَيْثُ قَالَ
أخرج عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 56
أَنه قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله بَاقِيَة فِي عقب إِبْرَاهِيم ﵇
أَقُول أَي فِي ذُريَّته وَلَا يلْزم مِنْهُ عمومهم وَيَكْفِي وجوده فِي بعض مِنْهُم إِذْ الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن جَمِيع ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم من أَوْلَاد إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق ﵈ لم يَكُونُوا مُؤمنين وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَة ﵁
وَلَا يزَال فِي ذُريَّته من يَقُولهَا من بعده
وَفِي رِوَايَة
من يوحد الله ويعبده
وَقَالَ ابْن جريج
فَلم يزل بعد من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵇ من يَقُول لَا إِلَه إِلَّا
стр. 57
الله
وَمِنْهَا استدلاله بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ حَيْثُ قَالَ
أخرج ابْن جرير فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد فِي هَذِه الْآيَة قَالَ فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى لإِبْرَاهِيم ﵇ دَعوته فِي وَلَده فَلم يعبد أحد من وَلَده صنما بعد دَعوته واستجاب الله لَهُ وَجعل هَذَا الْبَلَد آمنا ورزق أَهله من الثمرات وَجعله اماما وَجعل من ذُريَّته من يُقيم الصَّلَاة انْتهى
وَلَا يخفى أَنه لَا يَصح حمل وَلَده على عُمُوم ذُريَّته للْإِجْمَاع على أَن فِي أَوْلَاد إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق كفرة مُشْرِكين من الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى فَيجب حمله على أَن المُرَاد بولده أَوْلَاد صلبه كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامه تَعَالَى حِكَايَة عَنهُ بقوله ﴿وَبني﴾
قَالَ الْبَغَوِيّ
فَإِن قيل قد كَانَ إِبْرَاهِيم مَعْصُوما عَن عبَادَة الْأَصْنَام فَكيف يَسْتَقِيم السُّؤَال وَقد عبد كثير من بنيه الْأَصْنَام فَإِن الْإِجَابَة قبل الدُّعَاء فِي حق إِبْرَاهِيم ﵇ لزِيَادَة الْعِصْمَة والتثبيت وَإِمَّا دعاؤه لِبَنِيهِ فَأَرَادَ بنيه من صلبه وَلم يعبد أحد مِنْهُم الصَّنَم وَقيل إِن دعاءه لمن كَانَ
стр. 58
مُؤمنا من بنيه
أَي ذُريَّته
وَبِهَذَا انْدفع مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان بن عيينه
أَنه سُئِلَ هَل عبد أحد من ولد إِسْمَاعِيل الْأَصْنَام قَالَ أَلا تسمع قَوْله تَعَالَى ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ قيل فَكيف لم يدْخل وَلَده إِسْحَاق وَسَائِر ولد إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ لِأَنَّهُ دَعَا لأهل هَذِه الْبَلَد أَن لَا يعبدوا إِذا أسكنهم إِلَّا إِيَّاه فَقَالَ ﴿اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا﴾ وَلم يدع لجَمِيع الْبلدَانِ بذلك فَقَالَ ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ فِيهِ وَقد خص أَهله وَقَالَ ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة﴾
قَالَ السُّيُوطِيّ
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجَواب من سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَهُوَ شيخ إمامنا الشَّافِعِي
قلت انْظُر إِلَى مَا قَالَ وَلَا تنظر إِلَى من قَالَ ليتبين لَك حَقِيقَة
стр. 59
الْحَال فَإِن الإتفاق على أَن الْعَرَب من نسل إِسْمَاعِيل ﵇ وهم سكان حول الْبَيْت الْحَرَام وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام فِي جَمِيع اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَأَن الْأَوْثَان دَاخل الْبَيْت وخارجه فِي مَكَّة كَانَت فِي غَايَة من الْكَثْرَة إِلَى أَن غلب عَلَيْهِم ﷺ يَوْم الْفَتْح فَكَسرهَا وأخرجها قَائِلا ﴿جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ أَي مضمحلا من نَفسه وَفِي رِوَايَة فِي جَمِيع أوقاته كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وكقول لبيد
أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ
﴿واجنبني وَبني﴾ بعدني وإياهم أَن نعْبد الْأَصْنَام وَهُوَ بِظَاهِرِهِ لَا يتَنَاوَل أحفاده وَجَمِيع ذُريَّته وَزعم ابْن عُيَيْنَة أَن أَوْلَاد إِسْمَاعِيل ﵇ لم يعبدوا الصَّنَم محتجا بِهِ وَإِنَّمَا كَانَت لَهُم حِجَارَة يدورون بهَا ويسمونها الدوار وَيَقُولُونَ الْبَيْت حجر فَحَيْثُمَا نصبنا حجرا فَهُوَ
стр. 60
بِمَنْزِلَتِهِ انْتهى
وبطلانه ظَاهر مِمَّا قدمْنَاهُ كَمَا لَا يخفى
وَمِنْهَا استدلاله بقوله تَعَالَى ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾
وَقد أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج أَنه قَالَ
فَلَنْ يزَال من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵇ نَاس على الْفطْرَة يعْبدُونَ الله
قلت هَذَا كَلَام صَحِيح ودلالته على التَّبْعِيض صَرِيح
وَأما مَا ورد عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من أَنه
كَانَ عدنان ومعد وَرَبِيعَة مُضر وَخُزَيْمَة وَأسد على مِلَّة إِبْرَاهِيم فَلَا تذكروهم إِلَّا بِخَير
فَلَا دلَالَة فِيهِ على تَقْدِير صِحَّته إِلَّا على أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا على التَّوْحِيد وَإِنَّمَا أشرك أَوْلَادهم من بعدهمْ بخروجهم عَن حيّز التَّوْفِيق والتأييد
стр. 61
وَمِنْهَا أَنه قد ثَبت عَن جمَاعَة كَانُوا فِي زمن الْجَاهِلِيَّة أَنهم تحنفوا وتدينوا بدين إِبْرَاهِيم ﵇ وَتركُوا الشّرك فَمَا الْمَانِع من أَن يكون أَبَوا النَّبِي ﷺ سلكوا سبيلهم فِي ذَلِك
قلت بَعْدَمَا كَانَ مستدلا قَاطعا رَجَعَ فَصَارَ مَانِعا
وَهَذَا مسلكه أَهْون من بَيت العنكبوت وَلَا يصلح أَن يُقَال مثل هَذَا إِلَّا فِي الْبيُوت إِذْ حَدِيث مُسلم يُنَادي على خلاف ذَلِك وَبَقِيَّة مَا ذكرنَا من الدلالات فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث يرد احْتِمَال خلاف مَا هُنَالك لِأَن الْحَافِظ أَبَا الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ ذكر فِي التلقيح تَسْمِيَة من رفض عبَادَة الْأَصْنَام فِي الْجَاهِلِيَّة
أَبُو بكر الصّديق زيد بن عَمْرو بن نفَيْل عبيد الله بن جحش عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث ورقة بن نَوْفَل رياب بن الْبَراء الشمني أُميَّة بن أبي الصَّلْت أسعد بن كرب الْحِمْيَرِي قس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي أَبُو قيس بن صرمة انْتهى
وَلَو كَانَا من هَذَا الْقَبِيل لَكَانَ ذكرهمَا أولى فِي مقَام التَّعْلِيل
هَذَا وَقد روى ابْن إِسْحَاق وَأَصْلحهُ فِي الصَّحِيح تَعْلِيقا عَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ قَالَت
стр. 62
لقد رايت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل مُسْندًا ظَهره إِلَى الْكَعْبَة يَقُول يَا معشر قُرَيْش مَا أصبح مِنْكُم أحد على دين إِبْرَاهِيم غَيْرِي ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي لَو أعلم أحب الْوُجُوه إِلَيْك عبدتك بِهِ وَلَكِنِّي لَا أعلم
وَهَذَا يدل على مَا حررناه وَفِيمَا تقدم قَرَّرْنَاهُ من أَن جَمِيع ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل ﵇ لم يثبتوا على دين إِبْرَاهِيم ﵇ من التَّوْحِيد
وَأخرج أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة عَن عَمْرو بن عبسة السّلمِيّ قَالَ
رغبت عَن آلِهَة قومِي فِي الْجَاهِلِيَّة وَرَأَيْت أَنَّهَا الْبَاطِل يعْبدُونَ الْحِجَارَة
وَأخرج أَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِل من طَرِيق الشّعبِيّ عَن شيخ من جُهَيْنَة
أَن عُمَيْر بن حبيب الجهيني ترك الشّرك فِي الْجَاهِلِيَّة وَصلى لله تَعَالَى وعاش حَتَّى أدْرك الْإِسْلَام
стр. 63
هَذَا وَقد أظهر السُّيُوطِيّ مجادلته مَعَ كل من الْحَنَفِيّ والمالكي وَالشَّافِعِيّ والحنبلي فِي عدولهم من الحَدِيث الصَّحِيح لما قَامَ عِنْدهم من الدَّلِيل الصَّرِيح الصَّارِف عَن الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَالْأَخْذ بِهِ مَعَ أَن أَدِلَّة كل من الْمذَاهب مَذْكُورَة فِي مؤلفاتهم ومسطورة فِي مطولاتهم وَلَيْسَ فِي قواعدهم أَن يتْركُوا الحَدِيث الصَّحِيح ويأخذوا بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي مقَام التَّرْجِيح على أَن الشَّافِعِي قَالَ
إِذا صَحَّ الحَدِيث فاتركوا قولي
ثمَّ قَالَ
وَإِن كَانَ المجادل مِمَّن يكْتب الحَدِيث وَلَا فقه عِنْده يُقَال لَهُ فقد قَالَ الأقدمون الْمُحدث بِلَا فقه كعطار غير طَبِيب فالأدوية حَاصِلَة فِي دكانه وَلَا يدْرِي لماذا تصلح والفقيه بِلَا حَدِيث كطبيب لَيْسَ بعطار يعرف مَا تصلح لَهُ الْأَدْوِيَة إِلَّا أَنَّهَا لَيست عِنْده وَإِنِّي بِحَمْد الله قد اجْتمع عِنْدِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول وَسَائِر الْآلَات من الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وَأَنا أعلم كَيفَ أَتكَلّم وَكَيف أَقُول وَكَيف اسْتدلَّ وَكَيف أرجح وَأما أَنْت يَا أخي وفقني الله تَعَالَى وَإِيَّاك فَلَا يصلح لَك ذَلِك لِأَنَّك لَا تَدْرِي الْفِقْه وَالْأُصُول وَلَا شَيْئا من الْآلَات
стр. 64
وَالْكَلَام فِي الحَدِيث وَالِاسْتِدْلَال بِهِ لَيْسَ بالهين وَلَا يحل الْإِقْدَام على التَّكَلُّم فِيهِ لمن لم يجمع هَذِه الْعُلُوم فاقتصر على مَا آتاك الله تَعَالَى وَهُوَ أَنَّك إِذا سُئِلت عَن حَدِيث تَقول ورد أَو لم يرد وَصَححهُ الْحفاظ أَو حسنوه أَو ضَعَّفُوهُ لَا يحل لَك فِي الْإِفْتَاء سوى هَذَا الْقدر وخل مَا عدا ذَلِك وَالله أعلم
(لَا تحسب الْمجد تَمرا أَنْت آكله ... وَلنْ تبلغ الْمجد حَتَّى تلعق الصبرا)
انْتهى
وَقد أطنب الشَّيْخ ﵀ فِي منقبته وَهُوَ كَذَلِك فِي حد ذَاته وَصِفَاته مَعَ اسحقاق زِيَادَة فِي تزكيته لِأَنَّهُ صنف فِي كل صنف من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه والآلات الْعَرَبيَّة إِلَّا أَنه فِي هَذِه الرسَالَة عمل عمل العطارين فِي تَكْبِير النوالة وتكثير الْحِوَالَة وَلم إِلَى الْكَلَام الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين وأئمة المعتبرين الَّذين هم الْأَطِبَّاء والحكماء فِي نظر الْخَواص والعوام أَجْمَعِينَ
стр. 65
نصب ميدان جدلي مَعَ السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
ثمَّ أَقُول لَهُ بطرِيق المجادلة على أسلوب الجدل هَل يُعَارض حَدِيث مُسلم الْمجمع على صِحَّته الدَّال على كفر أَبَوَيْهِ ﷺ بِحَدِيث إحيائهما وإيمانهما بِهِ بعد بعثهما وَالْحَال أَنه ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين بل مَوْضُوع بَاطِل لَا أصل لَهُ عِنْد الْمُحَقِّقين مَعَ أَنه مُخَالف للآيات السَّابِقَة وَالْأَحَادِيث اللاحقة ولكلام الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من أكَابِر هَذِه الْأمة وعلماء أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَإِنَّمَا هُوَ على الْأُصُول الْبَاطِلَة للطائفة الرافضة
أَو نقُول إِذا صَحَّ الحَدِيث عَن الرَّسُول وَتَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فَهَل يحل لأحد من أَرْبَاب الفضول أَن يرد عَلَيْهِ وَيَقُول إنَّهُمَا مَاتَا فِي الفترة قبل الْبعْثَة أَو يمتحنان يَوْم الْقِيَامَة
أفليس هَذَا مُعَارضَة بِالتَّعْلِيلِ فِي مُقَابلَة النَّص من الدَّلِيل مَا ذكر أَرْبَاب الْأُصُول فِي الحَدِيث وَالْفِقْه الجامعون بَين الْمَنْقُول والمعقول أَن الحَدِيث إِذا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا فَلَا يُعَارضهُ حَدِيث غَيرهمَا وَلَو صَحَّ من طريقهما وَإِن كَانَ من بَقِيَّة صِحَاح السِّت
فَكيف إِذا أخرجه أَصْحَاب الْكتب غيرالمعتبرة من الطّرق غير
стр. 66
الْمَشْهُورَة وَصرح الْحفاظ بِضعْف طرقه كلهَا بل بوضعها وَالْحَال أَنه لم يقل بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَّا جمع من المقلدين لم يصلوا إِلَى مرتبَة الْمُجْتَهدين كَابْن شاهين والخطيب الْبَغْدَادِيّ والسهيلي والقرطبي والمحب الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنِير وأمثالهم
وَهل يحل لأحد من الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم أَن يقلدوا هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين ويتركوا الِاقْتِدَاء بأئمتهم المعتبرين مَعَ ظُهُور أَدِلَّة الْجُمْهُور من عُلَمَاء الْأمة لَا سِيمَا وَالْمَسْأَلَة من الاعتقاديات الَّتِي لَا بُد لَهَا من الْأَدِلَّة اليقينية لَا من الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة الَّتِي تغلب مدارها على الْقَوَاعِد الظنية
انْتهى مَا تعلق بزبدة كَلَامه وخلاصة مرامه وعدلنا عَن التَّعَرُّض لما ذكره من التَّطْوِيل الَّذِي لَا يُفِيد التَّعْلِيل فِي مقَام التَّحْصِيل وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان قَالَ وَقيل وَالله هُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه كحاطب ليل وخاطب ويل فَتَارَة يَقُول إنَّهُمَا مُؤْمِنَانِ من أَصلهمَا فَإِنَّهُمَا من أهل الفترة أَو لِكَوْنِهِمَا من آبَاء أَرْبَاب النُّبُوَّة وَأُخْرَى يَقُول إنَّهُمَا كَانَا كَافِرين لكنهما أحياهما الله وآمنا وَمرَّة يَقُول مَا كَانَا مُؤمنين وَمَا كَانَا كَافِرين بل كَانَا فِي مرتبَة المجانين جاهلين فيمتحنان يَوْم الْقِيَامَة وبالظن يحكم أَنَّهُمَا ناجيان
فَانْظُر إِلَى هَذِه المعارضات الْوَاضِحَة والمناقضات اللائحة فَهَل تثبت الْمسَائِل الاعتقادية بأمثال هَذِه الِاحْتِمَالَات الْعَقْلِيَّة
فدلت تصانيفه فِي هَذِه الْقَضِيَّة بِأَنَّهُ أقل العطارين بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِمَام
стр. 67
الْحُكَمَاء المعتبرين فَإِنَّهُ ﵀ أعلم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة فِي زَمَانه وتفوق على جَمِيع أقرانه وَأَنا الْفَقِير الحقير من أقل عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة بيّنت خطأه بِمَا أَخَذته غَالِبا من الْكتب التفسيرية والحديثية وَلَكِن ذَلِك الْفضل من الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَفِيه الدّلَالَة على أَن بَاب الْفَيْض مَفْتُوح على هَذِه الْأمة وَأَنه لَا بُد فِي الْوُجُود من يكْشف الْغُمَّة مِمَّا اخْتلفت فِيهِ الآئمة ويميز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَيبين المزين من العاطل
الرَّد على الْقَائِلين بِأَن ابا إِبْرَاهِيم ﵇ لم يكن كَافِرًا
ثمَّ اعْلَم أَن مَا اخْتَارَهُ الْفَخر الرَّازِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي أَن أَبَا ابراهيم ﵇ لم يكن كَافِرًا فَسَاد عَظِيم فِي الدّين وتشكيك لعقيدة أَرْبَاب الْيَقِين وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَدعِي أَنه من المجددين بل يَصح أَن يُقَال إنَّهُمَا من الْمُحدثين لما ورد أَنه من أحدث فِي أمرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد من بَين الْمُجْتَهدين
وَبَيَانه أَن الْمُسلمين من أهل الشرق والغرب أَجْمَعِينَ يقرؤون الْقُرْآن الْعَظِيم ويتلون الْفرْقَان الْكَرِيم فَإِذا رَأَوْا فِيهِ نصا على انتساب الْكفْر إِلَى أبي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم فهم يُؤمنُونَ ويعتقدون
стр. 68
ذَلِك حَيْثُ لم يكن صَارف عَن حمله على الْحَقِيقَة هُنَالك وَلَا يَدْرُونَ أَن إخباريا يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ذكر أَن المُرَاد بِأَبِيهِ عَمه قَاصِدا بذلك الطعْن فِي دين النَّبِي ﷺ وَكتاب ربه
ف هَل يحكم بِبُطْلَان هَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ مُخَالف لظَاهِر الْكتاب ومعارض لما قدمْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب أَو بِحكم بِفساد اعْتِقَاد جَمِيع الْمُسلمين من أهل الْبر وَالْبَحْر أَجْمَعِينَ إِلَّا من اعْتقد اعْتِقَاد الرَّازِيّ والسيوطي مَعَ أَنَّهُمَا قبل وُصُول هَذَا القَوْل الْبَاطِل إِلَيْهِمَا لم يَكُونَا شاكين فِي أَن ابا إِبْرَاهِيم ﵇ مَا كَانَ على الدّين القويم وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم فَلَمَّا حققا ذَلِك وَصِنْفًا بَيَان مَا هُنَالك رجعا عَن اعتقادهما الْبَاطِل على زعمهما إِلَى الِاعْتِقَاد الْحق عِنْدهمَا حَتَّى قلدهما ابْن حجر الْمَكِّيّ وَبَالغ حَتَّى قَالَ
وَهَذَا هُوَ الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال
وَالله سُبْحَانَهُ يصلح الْأَحْوَال
ثمَّ انْظُر إِلَى مَا قَالَه السُّيُوطِيّ من الِاسْتِدْلَال السقوطي وَهُوَ أَنه قد وَجه من حَيْثُ اللُّغَة بِأَن الْعَرَب تطلق لفظ الْأَب على الْعم إطلاقا شَائِعا وَإِن كَانَ مجَازًا
فَفِي التَّنْزِيل ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ من بعدِي قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾
стр. 69
صلى الله عَلَيْهِم
فَأطلق على إِسْمَاعِيل لفظ الْأَب وَهُوَ عَم يَعْقُوب ﵇ كَمَا أطلق على إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ جده
أخرج أبن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄
أَنه كَانَ يَقُول الْجد أَب وَيَتْلُو ﴿نعْبد إلهك وإله آبَائِك﴾ الْآيَة
وَأخرج عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم﴾ ﵉ قَالَ
سمى الْعم ابا
وَأخرج عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ
الْخَال وَالِد وَالْعم وَالِد وتلا هَذِه الْآيَة
فَهَذِهِ أَقْوَال السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك
قلت هَذِه طنطنة مضرية لَيْسَ تحتهَا فَائِدَة قَوِيَّة إِذْ نفس الْآيَة الشَّرِيفَة يُسْتَفَاد مِنْهَا عِنْد كل عَاقل للإنباء أَنه لَا يَصح إِطْلَاق جمع الْآبَاء حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاحِد من الْأَبْنَاء لَا شرعا وَلَا عرفا على عُمُوم الْجَزَاء
стр. 70
بِأَن يُقَال المُرَاد بِالْآبَاءِ الأسلاف كَمَا قَالَه الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة أَو على اسْتِعْمَال اللَّفْظ بالاشتراك بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز كَمَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِيَّة
فَإِذا عرفت ذَلِك فَهَل ترى أَن تكون هَذِه الْآيَة نَظِير الْآيَات الدَّالَّة على أَن المُرَاد بِأبي إِبْرَاهِيم أَبوهُ حَقِيقَة وَلَا يَصح أَنه أَرَادَ عَمه مجَازًا حَيْثُ لَا دَلِيل من جِهَة الْعقل الصَّرِيح وَلَا من طَريقَة النَّقْل الصَّحِيح مَا يصلح أَن يكون مَانِعا من إِرَادَة الْحَقِيقَة وباعثا على قصد الْمجَاز
الرَّد على رِسَالَة لِابْنِ كَمَال الباشا فِي أَبَوي النَّبِي ﷺ
ثمَّ رَأَيْت رِسَالَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِابْنِ كَمَال باشا فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي من الْأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله
وَإِن السّلف اخْتلفُوا
وَالْحَال أَنه لَا يَصح الْخلف إِلَّا فِي الْخلف
وَمِنْهَا نَقله عَن الْحَافِظ ابْن دحْيَة مَا قدمْنَاهُ أَنه قَالَ
فَمن مَاتَ كَافِرًا لم يَنْفَعهُ الْإِيمَان بعد الرّجْعَة بل لَو آمن عِنْد
стр. 71
المعانية فَكيف بعد الْإِعَادَة
وَتعقبه بِأَنَّهُ مَدْفُوع بِمَا ورد من أَن أَصْحَاب يبعثون الْكَهْف فِي آخر الزَّمَان ويحجون وَيَكُونُونَ من هَذِه الْأمة تَشْرِيفًا لَهُم بذلك أخرجه ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه
وَأخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا
أَصْحَاب الْكَهْف أعوان الْمهْدي انْتهى
وَلَا يخفى بطلَان هَذَا التعقب لِأَن أَصْحَاب الْكَهْف مَاتُوا مُؤمنين بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي قبُول تَوْبَة الْأَمْوَات من الْمُشْركين
ثمَّ قَالَ
وَلَا بدع أَن يكون الله كتب لأبوي النَّبِي ﷺ عمرا ثمَّ قبضهما قبل اسْتِيفَائه ثمَّ أعادهما لِاسْتِيفَاء تِلْكَ اللحظة الْبَاقِيَة وآمنا فِيهَا فيعتد بِهِ انْتهى
وَلَا يخفى أَن الْبَحْث لَيْسَ فِي إِمْكَان الْقُدْرَة لِأَنَّهَا قَابِلَة للطرفين وشاملة للصنفين وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي صِحَة وُقُوع أَي الشقين
ثمَّ قَالَ
стр. 72
وَأما قَوْله بل لَو آمن عِنْد المعاينة فَكيف بعد الْإِعَادَة فمردود بِأَن الْإِيمَان عِنْد المعاينة إِيمَان بَأْس فَلَا يقبل بِخِلَاف الْإِيمَان بعد الْإِعَادَة وَقد دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾
اقول الْكَمَال لله وَإِلَّا فَمثل هَذَا الْفَاضِل فِي مقَام الْأَقْصَى كَيفَ يغْفل عَن الْبُرْهَان الأولى فَإِن الْإِيمَان إِذا لم يقبل عِنْد مُشَاهدَة بعض أَحْوَال الْآخِرَة الَّذِي هُوَ عين الْيَقِين فَكيف يقبل بعد خُرُوجه من الدُّنْيَا وتحققه بِأُمُور العقبى الَّذِي يُسمى حق الْيَقِين على أَن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يُؤمن بِالْغَيْبِ الَّذِي هُوَ علم الْيَقِين مَعَ أَن الله تَعَالَى نَص على الْحَالَتَيْنِ بقوله ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن﴾ وَهُوَ حَال الغرغرة (وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار) وَهُوَ بعد الْإِعَادَة
ثمَّ من أعجب الْعَجَائِب وَأغْرب الغرائب قَوْله
ويبتني على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ فَإِنَّهُ دلّ عَلَيْهِ صَحِيحا)
لَكِن على رده صَرِيحًا لأَنهم إِذا عَادوا لما نهوا عَنهُ من الْكفْر
стр. 73
وَالْمَعْصِيَة فَلَا يتَصَوَّر مِنْهُم وجود الْإِيمَان مَعَ الطَّاعَة
وَأما مَا ذكره ابْن الْكَمَال تبعا للسيوطي من أَنه سُئِلَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أحد الْمَالِكِيَّة عَن رجل قَالَ إِن أَبَا النَّبِي ﷺ فِي النَّار فَأجَاب بِأَنَّهُ مَلْعُون لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ قَالَ
وَلَا أَذَى أعظم من أَن يُقَال عَن أَبِيه إِنَّه فِي النَّار
مَحْمُول على من قصد أَذَى النَّبِي ﵊ بِإِطْلَاق هَذَا الْكَلَام فَإِنَّهُ مَلْعُون بل كَافِر مطعون وَأما من أخبرهُ لما ثَبت عَنهُ ﵊ واعتقده كَأبي حنيفَة وَغَيره من عُلَمَاء الْأَعْلَام فحاشاهم من نِسْبَة الطعْن إِلَيْهِم وَيحرم اللَّعْن عَلَيْهِم
ثمَّ نَقله تبعا لَهُ عَن السُّهيْلي
لَيْسَ لنا أَن نقُول ذَلِك فِي أَبَوَيْهِ ﷺ لقَوْله ﵇ لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاء بسب الْأَمْوَات كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
فَدفعهُ ظَاهر على من عِنْده علم باهر وعقل قاهر
стр. 74
ثمَّ قَالَ ابْن الْكَمَال
وَبِالْجُمْلَةِ هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست من الاعتقاديات فَلَا حَظّ للقلب مِنْهَا وَأما اللِّسَان فحقه أَن يصان عَمَّا يتَبَادَر على دَفعه وتداركه
قلت مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة يجب اعْتِقَاده مُجملا ومفصلا نعم لَو لم يخْطر ببال مُؤمن هَذَا المبحث لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لَا يضرّهُ ككثير من الْمسَائِل الْمَذْكُورَة فِي كتب العقائد المسطورة
ثمَّ هَذِه الْمَسْأَلَة لَو لم تكن فِي الْجُمْلَة من الْمسَائِل الإعتقادية لما ذكرهَا الإِمَام الْمُعظم الْمُعْتَبر فِي ختم فقه الْأَكْبَر وَكَانَ هَذَا من عَلامَة ولَايَته ﵁ حَيْثُ كوشف لَهُ هَذَا الْمَعْنى أَن يَقع الِاخْتِلَاف فِي هَذَا المبنى
ثمَّ لَا عِبْرَة بالعوام فهم كالأنعام فِي عقائدهم الْفَاسِدَة وتأويلاتهم الكاسدة وَإِنَّمَا المُرَاد المُرَاد على كَلَام الْخَواص من الْعلمَاء الْأَعْلَام الَّذين هم قدوة أهل الْإِسْلَام
وَاقعَة غَرِيبَة
ثمَّ من الوقائع الغريبة فِي الْأَزْمِنَة الْقَرِيبَة أَن بعض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة مَعَ انه بلع الْغَايَة القصوى فِي مرتبَة الْفَتْوَى أفتى تبعا للسيوطي وَجمع من الشَّافِعِيَّة مَعَ اطِّلَاعه على عقيدة إِمَام الْملَّة الحنيفية حَيْثُ قَالَ
الْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء مَا ذكره الإِمَام الْأَعْظَم وَلم يرجع عَنهُ غير أَن الْعَلامَة السُّيُوطِيّ أخرج بِسَنَدِهِ حَدِيثا يصلح التَّمَسُّك بِهِ مضمونه أَن الله أحيى أَبَوَيْهِ فَآمَنا بِهِ
ثمَّ قَالَ فِي آخِره
وَهُوَ الَّذِي نعتقده وندين الله بِهِ
ثمَّ إِنَّه تعَارض حَدِيث ابْن مَسْعُود وَحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ وَأمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ منع من الاسْتِغْفَار أَولا وَهُوَ مَضْمُون حَدِيث ابْن مَسْعُود ثمَّ أذن لَهُ ثَانِيًا وَهُوَ مَضْمُون حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أَخذ بِهِ الْجلَال السُّيُوطِيّ انْتهى مُلَخصا
وَأَنت عرفت أَن الحَدِيث الأول الَّذِي تمسك بِهِ السُّيُوطِيّ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ وَلَا يَصح بالِاتِّفَاقِ بل هُوَ ضَعِيف كَمَا اعْترف بِهِ السُّيُوطِيّ أَو مَوْضُوع كَمَا صرح بِهِ غَيره
وَأما مَا نسبه إِلَى ابْن عَبَّاس فَلَا أصل لَهُ لَا عِنْد السُّيُوطِيّ وَلَا عِنْد غَيره وَالله أعلم
стр. 75
وَاقعَة غَرِيبَة
ثمَّ من الوقائع الغريبة فِي الْأَزْمِنَة الْقَرِيبَة أَن بعض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة مَعَ انه بلع الْغَايَة القصوى فِي مرتبَة الْفَتْوَى أفتى تبعا للسيوطي وَجمع من الشَّافِعِيَّة مَعَ اطِّلَاعه على عقيدة إِمَام الْملَّة الحنيفية حَيْثُ قَالَ
الْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء مَا ذكره الإِمَام الْأَعْظَم وَلم يرجع عَنهُ غير أَن الْعَلامَة السُّيُوطِيّ أخرج بِسَنَدِهِ حَدِيثا يصلح التَّمَسُّك بِهِ مضمونه أَن الله أحيى أَبَوَيْهِ فَآمَنا بِهِ
ثمَّ قَالَ فِي آخِره
وَهُوَ الَّذِي نعتقده وندين الله بِهِ
ثمَّ إِنَّه تعَارض حَدِيث ابْن مَسْعُود وَحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ وَأمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ منع من الاسْتِغْفَار أَولا وَهُوَ مَضْمُون حَدِيث ابْن مَسْعُود ثمَّ أذن لَهُ ثَانِيًا وَهُوَ مَضْمُون حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أَخذ بِهِ الْجلَال السُّيُوطِيّ انْتهى مُلَخصا
وَأَنت عرفت أَن الحَدِيث الأول الَّذِي تمسك بِهِ السُّيُوطِيّ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ وَلَا يَصح بالِاتِّفَاقِ بل هُوَ ضَعِيف كَمَا اعْترف بِهِ السُّيُوطِيّ أَو مَوْضُوع كَمَا صرح بِهِ غَيره
وَأما مَا نسبه إِلَى ابْن عَبَّاس فَلَا أصل لَهُ لَا عِنْد السُّيُوطِيّ وَلَا عِنْد غَيره وَالله أعلم
следующие страницы →