Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْبَاب الثَّالِث فِي شرح قَوْلهم إِن فِي قدرَة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي
هَذَا أوضح الله لَك الخفيات وأعانك على فهم أسرار الموجودات فرع لطيف تَحْتَهُ معنى شرِيف ومرادهم بِهَذَا أَن الْإِنْسَان مُهَيَّأ بفطرته إِذا فاض عَلَيْهِ نور الْعقل فَخرجت قوته الناطقة إِلَى الْفِعْل لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع الموجودات فيتحصل فِي عقله الجزئي الصُّور الَّتِي فِي الْعقل الْكُلِّي
وَذَلِكَ أَن البارئ تَعَالَى لما أبدع الْعقل الْكُلِّي أَفَاضَ عَلَيْهِ صُورَة الْأَشْيَاء الَّتِي شَاءَ إيجادها دفْعَة بِلَا زمَان وَلَا حَرَكَة وأفاضها الْعقل الْكُلِّي على النَّفس الْكُلية على دَفعه أَيْضا بِلَا زمَان وإفاضتها النَّفس
стр. 37
الْكُلية على الهيولى بِالزَّمَانِ ووساطته حَرَكَة الْفلك إِذْ لم تكن فِي قُوَّة الهيولى أَن تقبلهَا كلهَا دفْعَة وَإِنَّمَا تقبلهَا على المعاقبة
وَخلق الله ﵎ الْإِنْسَان آخر الْمَخْلُوقَات وَجمع فِي خلقته جَمِيع مَا فِي الْعَالم فَصَارَ مُخْتَصرا مِنْهُ وَلذَلِك سمي الْعَالم الْأَصْغَر
وَقيل إِنَّه مُخْتَصر من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَجعله حدا بَين عَالم الْحس وعالم الْعقل فَهُوَ آخر الموجودات الطبيعية وَأول الموجودات الْعَقْلِيَّة وَهُوَ معرض لِأَن يَعْلُو فَيلْحق بالعالم الْأَعْلَى أَو يسفل فَيلْحق بالعالم الْأَدْنَى
وَقد قلت فِي ذَلِك
أَنْت وسطى مَا بَين ضدين يَا إِنْسَان ركبت صُورَة فِي هيولى
стр. 38
(إِن عصيت الْهوى عَلَوْت علوا ... أَو أَطَعْت الْهوى سفلت سفولا) // من الْخَفِيف // فَمن أجل أَنه جمع فِي خلقه جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر صَار مُهَيَّأ بفطرته الفاضلة مستعدا بقوته الْعَاقِلَة لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر
وَبَيَان ذَلِك أَن مدركات الْإِنْسَان صنفان
محسوسات
ومعقولات
فالأشخاص هن محسوساته
وأنواعها وأجناسها ومباديها هن معقولات
وَله إدراكان
إِدْرَاك بالحس للأشياء المحسوسات
وَإِدْرَاك بِالْعقلِ للأشياء المعقولات لِأَن كل شَيْء إِنَّمَا يدْرك بشكله
стр. 39
فإدراكه المحسوسات يُسمى كَمَاله الأول وحياته الأولى وإدراكه المعقولات يُسمى كَمَاله الثَّانِي وحياته الْأُخْرَى
فَإِذا كَانَ الْعَالم كُله صنفين محسوس ومعقول وَكَانَ كَمَال تجوهر الْإِنْسَان بإدراكهما مَعًا وَكَانَ مُهَيَّأ بفطرته لذَلِك صَار الْإِنْسَان إِذا أدْرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بِصُورَة الْعَالم الْأَكْبَر فالإنسان إِذن يسْتَحق أَن يُسمى عَالما صَغِيرا من جِهَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا خلقَة لَا عمل لَهُ فِيهَا
وَالثَّانيَِة اكْتِسَاب يكتسبه إِلَّا أَن سعادته إِنَّمَا هِيَ بالاكتساب وَحُصُول الْعقل الْمُسْتَفَاد
وَأما الخلقية فَإِنَّمَا هِيَ هَيْئَة واستعداد جعل معرضًا بهما لنيل السَّعَادَة إِن فهم ذَاته وَعلم مرتبته من الْعَالم أَي مرتبَة تَحْصِيل هِيَ نجا وَسعد وَإِن جهل ذَاته وَلم يعرف مَا الْغَرَض
стр. 40
بِكَوْنِهِ آخر الموجودات هلك وَطَالَ شقاؤه وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَقَالَ (أعلمكُم بِنَفسِهِ أعلمكُم بربه)
وَقَالَ لعَلي ﵁ (تقرب إِلَى الله بعقلك إِذا تقرب النَّاس إِلَيْهِ بأعمالهم)
وَلِهَذَا الَّذِي قدمْنَاهُ صَار الْعَالم خَمْسَة أَصْنَاف من الْوُجُود سوى وجوده فِي علم البارئ تَعَالَى
وجود فِي الْعقل الفعال
وَوُجُود فِي النَّفس الْكُلية
وَوُجُود فِي الهيولى
وَوُجُود فِي قُوَّة الْإِنْسَان المتخيلة
стр. 41
وَوُجُود فِي قوته الناطقة إِذا حصل لَهُ الْعقل الْمُسْتَفَاد
فَيصير بِهَذَا الِاعْتِبَار كالدائرة الَّتِي تبدأ من نقطة وتعود إِلَيْهَا لِأَن مبدأه أَن يكون صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل ونهايته أَن يصير صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل وَعند ذَلِك يتَصَوَّر الْعقل الجزئي بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي وَيصير الْإِنْسَان مَوْضُوعا بِصُورَة الْعَالم يحمل صُورَة فِي ذَاته كَمَا تحمل الهيولى الصُّور
فالإنسان إِذا اعْتبر بِهِ الْمُعْتَبر أغرب الْمَخْلُوقَات صَنْعَة وأكثرها أعجوبة وَلِهَذَا قَالَت الْحُكَمَاء إِن الْغَرَض فِي وجوده كَمَال الْحِكْمَة لِأَنَّهُ انتظم بفطرته طرفِي الْعَالم وَصَارَ وَاسِطَة بَينهمَا وَكَمَال الطَّرفَيْنِ بالواسطة الَّتِي تنظمهما
أَرَادوا بذلك أَن البارئ ﷻ لما خلق جوهرا معقولا وجوهرا محسوسا كَانَ كَمَال الْخلقَة فِي أَن خلق جوهرا ثَالِثا يصل بَين الجوهرين وينظم الطبيعتين فَصَارَ الْإِنْسَان حدا بَين عَالم الْعقل وعالم الْحس وَصَارَ من جِهَة صورته الطبيعية فِي أَعلَى مَرَاتِب الصُّور الطبيعية وَمن جِهَة صورته الْعَقْلِيَّة فِي أدنى مَرَاتِب الصُّور العقليات
стр. 42
وَفِي كتب بني إِسْرَائِيل أَن الْإِنْسَان خلق على التخوم بَين الطبيعة المائية والطبيعة الَّتِي لَيست بمائية وَيدل أَيْضا على أَنه وَاسِطَة بطبعه أَنه من قسم الْمُمكن والممكن بطبيعته وَاسِطَة بَين الْوَاجِب والممتنع
وَقد قلت فِي ذَلِك على سَبِيل الْوَعْظ
(تتيه وَقد أيقنت أَنَّك مُمكن ... فَكيف لَو استيقنت أَنَّك وَاجِب) // من الطَّوِيل //
(وَهل لَك من عدن إِذا مت أَو لظى ... محيص يُرْجَى أَو عَن الله حَاجِب)
وَمعنى كَون الْإِنْسَان من الْمُمكن أَنه صُورَة من الصُّور الَّتِي موضوعها الهيولى وبالهيولى قَامَت طبيعة الْمُمكن لِأَنَّهَا تلبس الصُّورَة تَارَة وتخلعها تَارَة وَتَكون فِيهَا الصُّور تَارَة بِالْقُوَّةِ وَتارَة بِالْفِعْلِ وَلَوْلَا الهيولى لبطلت طبيعة الْمُمكن وَلم يُوجد للأشياء إِلَّا عنصران وَاجِب وممتنع
стр. 43
الْبَاب الرَّابِع فِي شرح قَوْلهم إِن الْعدَد دوائر وهمية
اعْلَم أَن الْوَاحِد أصل الْعدَد ومبدؤه وَهُوَ غَايَة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ بِعَدَد وكل عدد مَنْسُوب إِلَيْهِ ومنعطف عَلَيْهِ انعطاف آخر الدائرة على أَولهَا
وللأعداد إِلَيْهِ نسبتان
إِحْدَاهمَا نِسْبَة تَضْعِيف وتكثير
وَالثَّانيَِة نِسْبَة تجزئة وتقليل
فَأَما نِسْبَة التكثير فكقولك وَاحِد وَاثْنَانِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة فَمَا زَاد وَأما نِسْبَة التقليل فَهِيَ نِسْبَة الكسور كَقَوْلِك نصف وَربع وَخمْس وَثلث وَنَحْو ذَلِك
стр. 44
وَالنّصف أَو مَرَاتِب التجزئة والتقليل كَمَا أَن الِاثْنَيْنِ أول مَرَاتِب التَّضْعِيف والتكثير وَهُوَ يذهب فِي كلتا الْجِهَتَيْنِ إِلَى غير نِهَايَة غير أَن التكثير يَبْتَدِئ من أقل الكمية وَيذْهب فِي تزيد إِلَى غير نِهَايَة والتقليل يَبْتَدِئ من أَكثر الكمية وَهُوَ النّصْف وَيذْهب فِي التجزؤ إِلَى غير نِهَايَة
وَإِذا اعْتبرت بفكرك الْأَعْدَاد كلهَا وَالْوَاحد وَجدتهَا ناشئة مِنْهُ وراجعة إِلَيْهِ أما نشوؤها مِنْهُ فَإِن قُوَّة الْوَاحِد تسري إِلَى الْأَعْدَاد فتصوغها بِوَاسِطَة وَبِغير وَاسِطَة وَالْعدَد الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ بِغَيْر وَاسِطَة هُوَ الِاثْنَان وَأما الثَّلَاثَة فَلَا تُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَة لَا تُوجد مِنْهُ الا بتوسط الثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ الْخَمْسَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَهَكَذَا كل
стр. 45
عدد لَا يُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط مَا بَينه وَبَين ذَاك من الْأَعْدَاد فَيكون الْعدَد الَّذِي بَينهمَا هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ قُوَّة الوحدانية فَيصير مَوْجُودا بِمَا يسري إِلَيْهِ من تِلْكَ الْقُوَّة فالاثنان يؤديان قُوَّة الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاثَة والاثنان وَالثَّلَاثَة يؤديان قوته إِلَى الْأَرْبَعَة والاثنان وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة تُؤدِّي قوته إِلَى الْخَمْسَة وَهَكَذَا مَا زَاد بَالغا مَا بلغ
فَهَذِهِ كَيْفيَّة تنشؤ الْعدَد وتولده من الْوَاحِد
وَأما كَيْفيَّة انعطافه عَلَيْهِ كانعطاف أحد طرفِي الدائرة على الطّرف الآخر فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا بعد تولد الْأَعْدَاد مِنْهُ واستيفائها مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة الَّتِي عَلَيْهَا تَدور مَرَاتِب الْأَعْدَاد وَلَيْسَت للعدد بعد التِّسْعَة مرتبَة وَلَكِن كلما بلغ عدد إِلَى مرتبَة التِّسْعَة انعطف إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَ دَائِرَة وهمية
بَيَان ذَلِك أَن الْوَاحِد ينشأ مِنْهُ الِاثْنَان وَتُؤَدِّي الِاثْنَان قوته إِلَى الثَّلَاثَة فَيكون الثَّلَاثَة من الْوَاحِد بِوَاسِطَة الِاثْنَيْنِ وَكِلَاهُمَا عِلّة لوُجُود الثَّلَاثَة غير أَن الِاثْنَيْنِ عِلّة قريبَة وَالْوَاحد عِلّة بعيدَة ثمَّ تُؤدِّي
стр. 46
الثَّلَاثَة مَا سرى إِلَيْهَا من قُوَّة الِاثْنَيْنِ وَقُوَّة وَالْوَاحد إِلَى الْأَرْبَعَة فَتكون الْأَرْبَعَة من الْوَاحِد بوساطة الثَّلَاثَة والاثنين فَيكون لوُجُود الْأَرْبَعَة ثَلَاث علل ثمَّ يسْتَمر الْأَمر كَذَلِك إِلَى أَن تكون التِّسْعَة بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة الثَّمَانِية
ومنتهى مَرَاتِب الْعدَد التسع عِنْد وجود التِّسْعَة فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد التِّسْعَة كونت الْعشْرَة بتجاوز قُوَّة الْوَاحِد إِلَيْهَا مَعَ قُوَّة التِّسْعَة واستدار الْعدَد دوائر وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد لكَمَال الْمَرَاتِب فَكَانَت عشرَة كواحد وَعِشْرُونَ كاثنين وَثَلَاثُونَ كثلاثة إِلَى أَن تكون تسعون كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر العشرات ثمَّ تزيد على التسعين تِسْعَة لتقوم طبيعة الْعشْرَة الَّتِي بهَا يَصح وجود المئة فَيصير الْعدَد تِسْعَة وَتِسْعين
فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد التِّسْعَة وَالتسْعين قَامَت طبيعة المئة بِمَا انْتهى إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد وقوى التِّسْعَة وَالتسْعين واستدار الْعدَد استدارة وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَتكون مئة كواحد
стр. 47
ومئتان كاثنين وَثَلَاث مئة كثلاثة وَأَرْبع مئة كأربعة إِلَى أَن تصير تسع مئة كتسعة
وَتسَمى هَذِه دوائر المئين فَإِذا بلغ الْعدَد تسع مئة كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة فتزيد عَلَيْهَا تِسْعَة وَتِسْعين لتقوم بهَا طبيعة المئة فيجتمع لذَلِك تسع مئة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ
فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد هَذَا الْعدَد يكون الْألف بِمَا سرى إِلَيْهِ من قُوَّة الْوَاحِد وقوى الْأَعْدَاد الَّتِي بَينه وَبَينه واستدار الْعدَد استدارة وهمية فَرجع إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَيكون ألف كواحد وَأَلْفَانِ كاثنين وَثَلَاثَة آلَاف كثلاثة إِلَى أَن تصير تِسْعَة آلَاف كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر الآلاف
وَهَكَذَا أبدا تنمي الْأَعْدَاد بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة
стр. 48
الْأَعْدَاد الَّتِي قبلهَا وَيكون كل عدد سبق وجوده عِلّة علية لما تَأَخّر وجوده فَيكون لما بَعدت مرتبته عَن مرتبَة الْوَاحِد علل كَثِيرَة كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة لوُجُوده وَيصير الْوَاحِد عِلّة الْعِلَل وَسبب الْأَسْبَاب
وَكلما كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة اسْتَدَارَ الْعدَد إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَت مِنْهُ دوائر وهمية
وعَلى مِقْدَار بعد ذَلِك الْعدَد من الْوَاحِد يكون عظم دائرته وصغرها فَاعْتبر ذَلِك تَجدهُ على مَا قُلْنَاهُ
وَلأَهل الْهِنْد وَغَيرهم فِي هَذِه الدَّوَائِر العددية رموز وألغاز طوي عَن النَّاس علمهَا إِذْ كَانَت إذهان الْجُمْهُور تنبو عَن فهمها وعقولهم تقصر عَن علمهَا ويرون أَن فِي معرفَة تنشؤ الْعدَد من الْوَاحِد ونسبته إِلَيْهِ وانعطافه عَلَيْهِ وَكَمَال مَرَاتِب الْأَعْدَاد التِّسْعَة عَلَيْهِ معرفَة الْعَالم وَكَيف وجد عَن البارئ تَعَالَى
стр. 49
قَالُوا وَلَيْسَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يعلم حُدُوث الموجودات وانبعاثها عَن البارئ تَعَالَى بطرِيق أقرب من طَرِيق الْعدَد
وَقد علم البارئ ﷻ أَن الْعُقَلَاء المستعدين بفطرهم الشَّرِيفَة لقبُول الْحِكْمَة سيفكرون فِي حُدُوث الموجودات عَنهُ فَلَا يقدرُونَ على تصور ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يتَصَوَّر حُدُوث شَيْء إِلَّا من هيولى وَفِي زمَان وَفِي مَكَان وبحركة وآلات وأدوات وَوُجُود الموجودات عَن البارئ تَعَالَى لَيْسَ هَكَذَا لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا محدثة مبدعة حدثت كلهَا مَعًا فَجعل البارئ لمعْرِفَة ذَلِك طَرِيقا أسهل من هَذِه الطَّرِيق وَهُوَ الِاعْتِبَار بنشء الْعدَد من الْوَاحِد
стр. 50
فَكَمَا أَن الْوَاحِد عِلّة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ من الْعدَد فَكَذَلِك البارئ ﷻ عِلّة لوُجُود الْعَالم وَلَيْسَ من الْعَالم
وكما أَن الْوَاحِد لَو توهم ارتفاعه وَعَدَمه لارتفعت الْأَعْدَاد كلهَا وعدمت فَكَذَلِك البارئ تَعَالَى لَو ارْتَفع وَعدم لم يكن شَيْء مَوْجُودا
وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ارتفاعها عدم الْوَاحِد كَذَلِك الموجودات كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ذَلِك ارْتِفَاع البارئ تَعَالَى
فَثَبت بِهَذَا أَن البارئ غَنِي عَن الْعَالم والعالم مفتقر إِلَيْهِ
وكما أَن وجود الْوَاحِد وجود مُطلق أَعنِي أَنه لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الْأَعْدَاد كلهَا وجود مُضَاف أَعنِي أَنَّهَا غير مُسْتَقلَّة بأنفسها فِي وجودهَا لِأَن وجودهَا بِوُجُود الْوَاحِد وَكَذَلِكَ البارئ تَعَالَى وجود مُطلق لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الموجودات كلهَا وجود مُضَاف لِأَن وجودهَا مقتبس من وجوده فائض عَنهُ
وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا اقتبست الْوُجُود من الْوَاحِد من غير حَرَكَة وَلَا زمَان وَلَا مَكَان وَلم يحْتَج الْوَاحِد فِي إيجادها إِلَى شَيْء آخر غير ذَاته
стр. 51
فَكَذَلِك حُدُوث الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بِغَيْر حَرَكَة وَبِغير زمَان وَبِغير مَكَان وَبِغير أدوات وَمن غير أَن يحْتَاج فِي إيجادها إِلَى شَيْء غَيره
وكما أَن الْوَاحِد يُوصف بِأَنَّهُ تقدم الْأَعْدَاد بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك بِأَن تكون الْأَعْدَاد محدثة عَنهُ كَذَلِك لَا يُوصف البارئ بِأَنَّهُ تقدم الْعَالم بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك أَن يكون الْعَالم مُحدثا عَنهُ
وكما أَن الْوَاحِد لم يتَغَيَّر عَن وحدانيته بِكَثْرَة مَا حدث من الْأَعْدَاد عَنهُ وَلم يُوجب ذَلِك تكثرا فِي ذَاته وَلَا اسْتِحَالَة فِي جوهره فَكَذَلِك حُدُوث الْعَالم على كثرته لم يُوجب تغير الْبَارِي تَعَالَى عَن وحدانيته وَلَا تكثرا فِي ذَاته تَعَالَى الله عَن صِفَات النَّقْص
وكما أَن الْأَعْدَاد تُوجد عَن الْوَاحِد بتوسط الْآحَاد التِّسْعَة وَمَا يجْتَمع فِي الْعشْرَة من قواها كَذَلِك وجدت الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بوساطة الثواني التِّسْعَة وَمَا اجْتمع فِي الْمَوْجُود الْعَاشِر من القوى
стр. 52
السارية إِلَيْهِ من الثواني وَمَا فاض عَلَيْهِ من قُوَّة الوحدانية بوساطتها
وَكَذَلِكَ إِذا اعْتبر الْمُعْتَبر وفكر المفكر وجد كل شَيْء من الموجودات إِنَّمَا حصل مَوْجُودا بِأَن صَارَت لَهُ ذَات يُوجد بهَا وانفصل من غَيره
وَتلك الْوحدَة الَّتِي تهوى بهَا وتوحد إِنَّمَا سرت إِلَيْهِ من البارئ تَعَالَى بوساطة مَا بَينه وَبَينه من الموجودات وَتلك الْوحدَة هِيَ هويته وَصورته الَّتِي بهَا قوامه وتميزه عَن سواهُ فَمَتَى فارقته تِلْكَ الْوحدَة عدم
فسريان الْوحدَة من البارئ تَعَالَى إِلَى الْأَشْيَاء هُوَ الَّذِي كَونهَا وَاقْتضى وجودهَا على مراتبها وصير بَعْضهَا عللا لبَعض وَهُوَ تَعَالَى عِلّة وجود الْجَمِيع وَلذَلِك سموهُ عِلّة الْعِلَل وَالْفَاعِل الْمُطلق وَالْفَاعِل بِالْحَقِيقَةِ لِأَن فعل غَيره إِنَّمَا هُوَ فعل بالمجاز وبالإضافة لِأَنَّهُ
стр. 53
يقبل الْفِعْل عَمَّا هُوَ أسبق مِنْهُ وجودا ويؤديه إِلَى مَا بعده فَهُوَ منفعل لما فَوْقه وفاعل لما دونه وَهُوَ منفعل بِالْحَقِيقَةِ فَاعل بالمجاز وَالْإِضَافَة فَيكون مبدأ الْأَفْعَال من فَاعل لَا ينفعل كَغَيْرِهِ الْبَتَّةَ ومنتهاها إِلَى منفعل لَا يفعل الْبَتَّةَ وَمَا بَينهمَا فَاعل فِيمَا دونه منفعل لما فَوْقه
وَلما ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب قَالَت الْحُكَمَاء إِن البارئ تَعَالَى مَعَ كل شَيْء
وَإِنَّمَا أَرَادوا بذلك وجود آثَار صَنعته فِي الموجودات وسريان الْوحدَة مِنْهُ الَّتِي بهَا تكونت المحدثات وَلم يُرِيدُوا بذلك أَنه يحل الْأَمْكِنَة وَيَقَع تَحت الْأَزْمِنَة المحدثات أَو يلتبس بِشَيْء من الْعَالم تقدس عَن ذَلِك وَعلا علوا كَبِيرا
وَقد غلط قوم من الفلاسفة فِي هَذَا الْموضع غَلطا فَاحِشا فزعموا أَن البارئ تَعَالَى عَن قَوْلهم سيالة فِي الْعَالم وَلِهَذَا قَالَ ثالس
стр. 54
إِن الله ناشب فِي الْأَشْيَاء
وَقَالَ زينون إِن كره الْعَالم هُوَ الله تَعَالَى وَأَن الْمَعْلُول هُوَ الْعلَّة
وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذِه الآراء الْفَاسِدَة مَا رَأَوْهُ من سريان الْوحدَة فِي الموجودات وَأَن وجود كل شَيْء مُتَعَلق بِوُجُود البارئ تَعَالَى وسمعوا مَعَ
стр. 55
هَذَا قَول القدماء من الْحُكَمَاء إِن الله تَعَالَى مَعَ كل شَيْء فتنتج لَهُم من ذَلِك هَذَا التَّوَهُّم الْخَبيث وَلم يفكروا فِي أَن ذَلِك يقودهم إِلَى الْمحَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ البارئ تَعَالَى مَحْمُولا فِي غَيره لِأَن كل صُورَة مفتقرة إِلَى مَوْضُوع يحملهَا وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون الْعَالم قَدِيما وَتبطل دَلَائِل الْحُدُوث وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون البارئ تَعَالَى وَاقعا تَحت الْأَزْمِنَة محلا فِي الْأَمْكِنَة فِي اسْتِحَالَة دائمة لِأَن من شَأْن الهيولى أَن يلبس الصُّورَة تَارَة ويخلعها تَارَة وَأَن يكون البارئ تَعَالَى شخصا تَارَة وَتارَة نوعا وَتارَة جِنْسا وَتارَة فصلا وَتارَة فَاعِلا وَتارَة منفعلا
وَشبه هَذَا من الْمحَال نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان
وَمثل هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يعدون فِي سخفاء الفلاسفة لَا فِي عقلائهم وَفِي
стр. 56
جهالهم لَا فِي عُلَمَائهمْ
وَقد أجمع العارفون بِاللَّه أَن الله تَعَالَى مباين للْعَالم من جَمِيع الْجِهَات لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء مباينة لَا تَقْتَضِي تحيزا بمَكَان وانفصالا وَأَنه مَوْجُود مَعَ كل شَيْء وجودا لَا يَقْتَضِي ممازجة واتصالا بل صفة مباينة وَصفته صفة لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بِمَا يدل عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير تَصْوِير وَلَا تَمْثِيل كَسَائِر صِفَاته الَّتِي تثبت وَلَا تكيف
وَقد رد أرسطاطاليس كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال وَأنْكرهُ وضلل قَائِله وكفره
فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ أنكر هَذِه الْأَقْوَال وَكفر من قَالَهَا وَهُوَ قد قَالَ فِي كِتَابه المرسوم ب (مَا بعد الطبيعة) إِن البارئ تَعَالَى عِلّة
стр. 57
للْعَالم على معنى أَنه فَاعل لَهُ وَأَنه غَايَة لَهُ وَأَنه صُورَة لَهُ
فَالْجَوَاب أَنه لم يرد مَا توهمته وَكَيف يَصح أَن يُنكر شَيْئا وَيَقُول بِمثلِهِ وَقد صرح بِأَن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بالصورة الشخصية وَلَا بالصورة النوعية وَلَا بِصفة يلْحقهُ بهَا نقص تَعَالَى عَن ذَلِك وَأَنه مباين للأشياء غير مَوْصُوف بصفاتها فَثَبت بِهَذَا أَنه إِنَّمَا وَصفه بِأَنَّهُ صُورَة للْعَالم بِمَعْنى لَا يلْحقهُ بِهِ نقص وَلَا شبه كَمَا يُسمى حَيا وعالما وقادرا وَنَحْو ذَلِك على معَان لَا توجب شبها وَلَا تَقْتَضِي نقصا وَذَلِكَ على ثَلَاثَة معَان
أَحدهَا
أَنه لما لم يكن وجود على الْحَقِيقَة إِلَّا البارئ تَعَالَى ومصنوعاته وَلم يكن لَهُ ضد وَلَا ند وَكَانَ هُوَ الْمَوْجُود على الْإِطْلَاق فوجود مصنوعاته مقتبس من وجوده حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارتفاعه تَعَالَى لارتفع كل مَوْجُود وَصَارَ وجود الْعَالم كلا وجود إِذْ لم يكن لَهُ قوام بِذَاتِهِ وَصَارَ
стр. 58
كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد وَصَارَ كَأَنَّهُ صُورَة لَهُ إِذْ كَانَ وجوده بِهِ كَمَا يُوجد المصور بصورته وَإِن كَانَ تَعَالَى لَا يُوصف بالصورة
وَقد قَالَ أفلاطون نَحْو هَذَا فِي كتاب طيماوس وَذَلِكَ أَنه قَالَ
مَا الشَّيْء الَّذِي هُوَ مَوْجُود الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ تكون الْبَتَّةَ
وَمَا الشَّيْء الَّذِي يتكون الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ الْبَتَّةَ وجود
فَالْأول الْأَنْوَاع والأجناس وَالثَّانِي الْأَشْخَاص
فَجعل الْأَشْخَاص الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة عندنَا كَأَنَّهَا غير مَوْجُودَة لِأَنَّهَا فِي سيلان مُتَّصِل واستحالة دائمة وَأثبت الْوُجُود لأنواعها وأجناسها وَإِن كَانَت غير مَوْجُودَة بالحواس عندنَا لثباتها على حَال
стр. 59
وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر عَن طبعها فَهَكَذَا جعل ارسطاطاليس الْعَالم حِين كَانَ لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ كَأَنَّهُ غير مَوْجُود وَجعل الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ البارئ وَحده وَجعله كالصورة الَّتِي لَا يُوجد المصور إِلَّا بهَا تَقْرِيبًا لَا حَقِيقَة حِين كَانَ وجوده سَببا لوجودها كَمَا تكون الصُّورَة سَببا لوُجُود مصورها
وتسمي الصُّوفِيَّة هَذَا الفناء فِي التَّوْحِيد ويرونه أرفع مراتبه فَهَذَا أحد الْمعَانِي الَّتِي بهَا سمي البارئ تَعَالَى صُورَة للأشياء
وَالْمعْنَى الثَّانِي
أَنه تَعَالَى أَفَاضَ من وحدته على كل مَوْجُود مَا صَارَت لَهُ بِهِ هوية يتَصَوَّر بهَا فَكل مَوْجُود إِنَّمَا يُوجد بِتِلْكَ الْوحدَة الَّتِي سرت مِنْهُ إِلَيْهِ بصورته
стр. 60
وَالْمعْنَى الثَّالِث
أَن الصُّورَة هِيَ غَايَة المصور وكماله لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ على كَمَاله الأول فَإِذا خرج إِلَى الْفِعْل كَانَ على كَمَاله الآخر وَخُرُوجه من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ بالصورة
فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أخرج الْعَالم من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل أَعنِي من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود صَار من هَذَا الْوَجْه كَأَنَّهُ صُورَة للْعَالم وَإِن كَانَ غير صُورَة على الْحَقِيقَة
وسترى كلامنا فِيمَا بعد هَذَا بِمَا يزِيد هَذَا الْمعَانِي وضوحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 61
الْبَاب الْخَامِس فِي شرح قَوْلهم إِن صِفَات البارئ تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا على وَجه السَّلب
اعْلَم أَن الصِّفَات نَوْعَانِ
نوع يُوصف بِهِ الْمَوْصُوف لإِزَالَة اشْتِرَاك يكون بَينه وَبَين مَوْصُوف آخر كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد والمخاطب يعرف رجلَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى بِهَذَا الِاسْم أَو رجَالًا كل وَاحِد مِنْهُم لَهُ هَذَا الِاسْم فَيحْتَاج الْمخبر أَن يصفه بِصفة يمتاز بهَا عِنْد الْمُخَاطب مِمَّن يُشَارِكهُ فِي اسْمه
وَالنَّوْع الآخر لَا يُرَاد بِهِ إِزَالَة اشْتِرَاك وَلَكِن يُرَاد بِهِ مدح الْمَوْصُوف أَو ذمه والمخاطب غَنِي عَن أَن يُوصف لَهُ الْمَذْكُور كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت ابْنك النجيب وَلَيْسَ لمن تخاطبه إِلَّا ابْن وَاحِد وَنَحْو ذَلِك
وصفات البارئ ﷻ كلهَا من هَذَا النَّوْع الثَّانِي إِنَّمَا هِيَ صِفَات يمجده بهَا الواصفون ويثني عَلَيْهِ بهَا المثنون
стр. 62
وَلما كَانَ البارئ ﷻ بَائِنا عَن جَمِيع الموجودات غير مشبه بِشَيْء من الْمَخْلُوقَات صَار المثني عَلَيْهِ مقصرا فِي ثنائه وَإِن اجْتهد غير بَالغ مَا يستوجبه وَإِن عظم ومجد
وَبَيَان ذَلِك أَن الْمَدْح ثَلَاثَة أَنْوَاع
إفراط
واقتصاد
وتقصير
فالإفراط أَن يرفع المادح الممدوح إِلَى مرتبَة أرفع من مرتبته ومنزلة أَعلَى من مَنْزِلَته
والاقتصاد أَن لَا يتَجَاوَز بِهِ مرتبته وَلَا يتخطى مَنْزِلَته
وَالتَّقْصِير أَن يحطه عَن مرتبته وَلَا يُوفيه حق مَنْزِلَته
فالوجهان الْأَوَّلَانِ محَال فِي وصف البارئ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يُمكن المادح أَن يمدحه بِمَا يسْتَحقّهُ ويستوجبه لِأَن مرتبته مَجْهُولَة الكنه لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَلَيْسَ فَوق مرتبته مرتبَة أَعلَى مِنْهَا فيرفع
стр. 63
إِلَيْهَا لِأَنَّهُ نِهَايَة الْأَشْيَاء وغايتها فَلَيْسَ فِي مدح المادح لَهُ إفراط وَلَا اقتصاد وكل مادح لَهُ مقصر فِي مدحه غير واصف لَهُ بِالْوَاجِبِ من حَقه لِأَنَّهُ يصفه بِصِفَات الْمَعْقُول مِنْهَا معَان مُخَالفَة لما هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ إِنَّه حَيّ وَإنَّهُ عَالم وَإنَّهُ سميع وَإنَّهُ بَصِير فَإِنَّمَا يصفه بِصِفَات إِن حملت على تعلقه بِجُزْء مِنْهَا لم تلق بِهِ وأوجبت شبهه بالمخلوقات تَعَالَى عَن ذَلِك
فلهذه الْعلَّة افترق النَّاس فِي وَصفه ﷻ فرْقَتَيْن فَقَالَت فرقة لَا تثبت لَهُ صفة على طَرِيق الْإِيجَاب لِأَن ذَلِك يُوجب شُبْهَة بخلقه وَلَكِن تسلب عَنهُ أضداد هَذِه الصِّفَات فَلَا نقُول عَنهُ عَالم وَلَكِن نقُول لَيْسَ بجاهل وَلَا نقُول هُوَ قَادر وَلَكِن لَيْسَ بعاجز وَلَا نقُول هُوَ مَوْجُود وَلَكِن لَيْسَ بمعدوم
وَقَالَت فرقة ثَانِيَة نوجب لَهُ الصِّفَات ونتبعها حرف السَّلب لنزيل مَا توهم فِيهِ من التَّشْبِيه بالمخلوقين فَنَقُول هُوَ حَيّ لَا كالأحياء وعالم لَا كالعلماء وموجود لَا كالموجودات
стр. 64
قَالُوا وَإِذا قُلْنَا هُوَ حَيّ وموجود وعالم وقادر وَلم نذْكر حرف السَّلب فَإِنَّمَا نَتْرُك ذَاك اختصارا وَلَا بُد من أَن يكون مضمنا فِي الصّفة وَإِن لم يكن مضمنا فِيهَا لم تصح
فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن كرهت الْفرْقَة الأولى إِيجَاب الصّفة وأبوا أَن يصفوه إِلَّا على وَجه السَّلب وَقد علمنَا أَن قَول الْقَائِل زيد لَيْسَ بجاهل يُفِيد مَا يفِيدهُ قَوْلنَا زيد عَالم
فَالْجَوَاب أَن القَوْل الْمَنْفِيّ لَا يُوجب حكما غير حكم النَّفْي وَلَيْسَ يحصل مِنْهُ تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل يَقع بهما قِيَاس كَمَا يحصل من الْإِيجَاب أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد غير قَائِم وَعَمْرو غير قَائِم فقد نفيت عَنْهُمَا جَمِيعًا الْقيام وَلم توجب لَهما اجتماعا فِي معنى آخر لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون أَحدهمَا قَاعِدا وَالْآخر نَائِما أَو مُضْطَجعا وَكِلَاهُمَا غير قَائِم
стр. 65
وَكَذَلِكَ أَنا إِذا نَفينَا عَن نفسين الْبيَاض لم نوجب لَهما اجتماعا فِي لون آخر من حمرَة أَو صفرَة أَو سَواد أَو غير ذَلِك
وَكَذَلِكَ لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد حكم بِأَن زيدا لم يبع ضيعته من عمر وَلم يكن مُوجبا أَن عمرا لَا يملكهَا لِأَن للْملك وُجُوهًا كَثِيرَة غير البيع فَلَيْسَ فِي شَهَادَتهمَا أَكثر من نفي البيع وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الأضداد الَّتِي بَينهمَا وسائط فَأَما الأضداد الَّتِي لَيْسَ بَينهمَا وسائط فَفِيهَا خلاف
فقوم يرَوْنَ أَن الْقَائِل إِذا قَالَ فِي الدَّار رجلَانِ أَحدهمَا لَيْسَ بحي فقد أوجب أَن الآخر حَيّ
وَقوم يرَوْنَ أَنه لم يُوجب أَكثر من موت الَّذِي نفى عَنهُ الْحَيَاة فَقَط
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَحدهمَا حَيّ فقد أوجب الْمَوْت للْآخر عِنْد من رأى الرَّأْي الأول وَلَيْسَ فِيهِ إِيجَاب موت الآخر على رَأْي من رأى الرَّأْي الثَّانِي
وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكر مَا احْتج بِهِ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا
стр. 66
الْموضع لِأَن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا قصدناه وَإِنَّمَا قصدنا هَا هُنَا شرح معنى قَوْلهم إِن صِفَات البارئ ﷻ لَا تصح حَتَّى يقرن بهَا حرف السَّلب
بَاب ذكر الشّبَه الَّتِي اغْترَّ بهَا من زعم أَن صِفَات الله محدثة جلّ عَن ذَلِك
اعْلَم عصمنا الله وَإِيَّاك من الضَّلَالَة وأرانا سبل الْعلم والجهالة أَن مَا دَعَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَنهم رَأَوْا إِن إِثْبَات الصِّفَات لَا يَصح إِلَّا على وَجْهَيْن
أَحدهمَا الْعقل وَالنَّظَر
وَالْآخر السّمع وَالْبَصَر
стр. 67
وَلَا طَرِيق إِلَى إِثْبَاتهَا إِلَّا من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا يَصح كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ بِوُجُود المحدثات فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى فِي الْقدَم قبل حُدُوث الْأَشْيَاء مُنْفَردا بالوجود وَلم يكن هُنَاكَ مَوْجُود يسْتَدلّ عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته ويخاطبه هُوَ تَعَالَى بمشروعاته لم يكن حِينَئِذٍ مَوْصُوفا بِصفة لعدم المخاطبين والمعتبرين فَلَمَّا أحدث المودجودات وَقع حِينَئِذٍ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ومخاطبته للبشر بِأَنَّهُ حَيّ وَبِأَنَّهُ عَالم وَبِأَنَّهُ قَادر وَنَحْو ذَلِك فوصف حِينَئِذٍ بِالصِّفَاتِ وَوصف نَفسه هُوَ بهَا فَصَارَت الصِّفَات محدثة بحدوث الموجودات
وَمن لَا يقر بالنبوات وَلَا يعْتَرف بِأَن الله بعث بشرا فالصفات على رَأْيه أُمُور أحدثها المخلوقون ثمَّ استدلوا عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته واشتقوا لَهُ من أَفعاله وَمَا تقرر فِي نُفُوسهم من معرفَة صِفَات وصفوه بهَا
فَيُقَال لمن قَالَ بِهَذَا القَوْل الْفَاسِد هَذَا الَّذِي قلتموه لَا يبطل
стр. 68
أَن يكون مَوْصُوفا بِالصِّفَاتِ النفسانية فِي الْأَزَل فَيكون عَالما قَادِرًا مرِيدا مَوْجُودا وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يسْتَدلّ أَو يُخَاطب وَلَيْسَ من جِهَة الشَّرْط فِي الصِّفَات النفسانية أَلا تثبت لموصوفها حَتَّى يُوجد من يصفه بهَا ويخاطب بِصِحَّتِهَا
وَإِنَّمَا حدث الْعلم للْعُلَمَاء من الْخلق باعتبارهم وبمخاطبة الله إيَّاهُم بعد أَن كَانُوا جُهَّالًا بِالصِّفَاتِ
وَأما الصِّفَات أَنْفسهَا فثابتة لَهُ تَعَالَى لَا يُبْطِلهَا جهل من جهلها كَمَا لَا يثبتها علم من علمهَا
وَيدل على صِحَة قَوْلنَا وَبطلَان قَوْلهم أَن الْكَاتِب لَا يبطل كِتَابَته عدم الْمَكْتُوب وَكَذَلِكَ الْبَانِي لَا يبطل صفته بالبنيان عدم الْمَبْنِيّ وَلَا يلْزم إِذا علمنَا الشَّيْء أَن يكون الْمَعْلُوم وَالْعلم مَعًا بِالزَّمَانِ وَلَكِن الْعَالم قد يعلم الشَّيْء الْمَوْجُود فِي وَقت علمه وَقد يُعلمهُ بعد مضيه وَيعلم أَنه سَيكون فِي الْوَقْت الَّذِي يجب أَن يكون فِيهِ
стр. 69
وَمن الدَّلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ أَن من صِفَاته مَا يتَعَلَّق بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا إِنَّه شَيْء وَإنَّهُ مَوْجُود وَإنَّهُ حَيّ فَيجب على هَذَا الرَّأْي الْفَاسِد أَن يكون البارئ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَل قبل خلق الْأَشْيَاء غير شَيْء وَغير مَوْجُود وَغير حَيّ وَهَذَا يُوجب أَنه كَانَ مَعْدُوما ويلزمهم إِن كَانَت الصِّفَات محدثة مَعَ الْأَشْيَاء أَن يخبرونا من أحدثها لَهُ فَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي أحدثها لنَفسِهِ فَكيف يَجْعَل نَفسه مَوْجُودا من هُوَ مَعْدُوم وشيئا من لَيْسَ بِشَيْء وَحيا من لَيْسَ بحي وَحقا من لَيْسَ بِحَق
وَإِن كَانَ غَيره أحدثها لَهُ لم يخل ذَلِك الْغَيْر أَن يكون إِلَهًا آخر غَيره
أَو يكون الْبشر هم الَّذين أحدثوها لَهُ
فَإِن كَانَ أحدثها لَهُ إِلَه آخر فَهُوَ أَحَق بِالْعبَادَة مِنْهُ
وَإِن كَانَ أحدثها الْبشر فَكيف يحدثونها لَهُ وَهُوَ الَّذِي أحدثهم
وَإِن جَازَ للمعدوم أَن يحدث مَوْجُودا فَمَا الَّذِي يُنكر من أَن يكون الْعَالم هُوَ الَّذِي أحدث نَفسه
стр. 70
وَكَيف يحدث غَيره من هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحدث نَفسه
وَكَيف يَصح أَن يُوصف بالأزل من ذَاته وَصِفَاته محدثات
فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا أثبتم لَهُ تَعَالَى الصِّفَات فَهَل تَقولُونَ إِنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الذَّات بِنَفسِهَا أم إِلَى معَان غير الذَّات
فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا
أَنَّهَا ترجع إِلَى معَان غير الذَّات وَهُوَ قَول المجسمة وَهَذَا كفر بحت نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُم لأَنهم جعلُوا البارئ تَعَالَى حَامِلا ومحمولا وجوهرا تتَعَلَّق بِهِ الصِّفَات والأعراض تَعَالَى الله عَن قَوْلهم
وَالْوَجْه الثَّانِي
أَنَّهَا على اختلافها ترجع إِلَى الذَّات لَا إِلَى معنى غَيرهَا زَائِد عَلَيْهَا بِأَنَّهُ عَالم وَأَنه علم وَأَنه حَيّ وَأَنه حَيَاة ذَات وَاحِدَة لَا تغاير فِيهَا
стр. 71
وَكَذَلِكَ سَائِر صِفَات الذَّات
وَهَذَا قَول كبراء الفلاسفة وزعمائهم وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وداوود وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْمُسلمين
وَقَالَ قوم
لَا نقُول إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره
فَاعْترضَ عَلَيْهِم من قَالَ إِنَّهَا غير زَائِدَة على الذَّات بِأَن قَالُوا لَيْسَ يعقل شَيْئَانِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَاعْترضَ عَلَيْهِم أَصْحَاب هَذَا القَوْل وَقَالُوا من أَيْن اسْتَحَالَ إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَإِن قُلْتُمْ لِأَن هَذَا خلاف الْمَعْهُود قُلْنَا لكم فَكيف جَازَ لكم أَن يكون الْعَالم هُوَ الْعلم والحياة هُوَ الْحَيّ والقادر هُوَ الْقُدْرَة وَهَذَا كُله خلاف الْمَعْهُود فَإِن جَازَ لكم هَذَا جَازَ لنا إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَا يُقَال إِن أَحدهمَا هُوَ الآخر وَلَا هُوَ غَيره وَإِن كَانَ خلاف الْمَعْهُود
стр. 72
قَالُوا ونسألكم هَل يجب إِذا قَامَ الدَّلِيل على صِحَة شَيْء أَن يبطل إِذا لم يُوجد لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود أم لَا فَإِن أوجبتم أَنه لَا يَصح إِثْبَات شَيْء حَتَّى يكون لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود لزمكم أَن يبطل قَوْلكُم إِن الْعلم هُوَ الْعَالم والحياة هُوَ الْحَيّ على مَا قدمنَا ولزمكم أَلا تثبتوا شَيْئا لَيْسَ فِي زمَان وَلَا مَكَان وَلَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء لِأَنَّهُ كُله خلاف الْمَعْهُود
وَإِن وَجب أَن يثبت الشَّيْء إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير أَن يُوجد لَهُ نَظِير صَحَّ قَوْلنَا إِن صِفَات البارئ تَعَالَى وَجل لَا يُقَال إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره كَمَا صَحَّ وَصفه بأَشْيَاء يُخَالف جَمِيعهَا الْمَعْهُود
قَالُوا فَإِن قَالَ لنا قَائِل فَمن أَيْن صححتم قَوْلكُم وأبطلتم قَول خصومكم من الْمُعْتَزلَة إِن الله عَالم بِلَا علم قَادر بِلَا قدرَة وَنَحْو ذَلِك وَقد اسْتَوَى قَوْلكُم وَقَوْلهمْ فِي أَنه خلاف الْمَعْهُود
فَالْجَوَاب أَنا إِنَّمَا قُلْنَا إِن قَوْلنَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلنَا مَبْنِيّ على أصل صَحِيح يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِهِ
стр. 73
وَقَوْلهمْ مَبْنِيّ على أصل فَاسد وَهُوَ أَن صِفَات الله محدثه وَهُوَ أَمر يُبطلهُ الشَّرْع وَالْعقل وَأَيْضًا فَإِن نُصُوص الشَّرْع تصحح قَوْلنَا وَتبطل قَوْلهم لِأَن الله تَعَالَى قد أثبت لنَفسِهِ علما فِي نَص الْقُرْآن
وتواترت الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِأَن لَهُ الْقُدْرَة وَإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تقدر الْمُعْتَزلَة على دَفعه
وَإِنَّمَا فِي قَوْلنَا شُبْهَة عرضت وقفنا عِنْدهَا فَإِذا صَحَّ الأَصْل لم يتْرك لشُبْهَة تعرض فِي التَّفْرِيع وَأما قَوْلهم ففاسد الأَصْل والتفريع مَعًا
وَأما صِفَات الْأَفْعَال كخالق ورازق فَالْقَوْل فِيهَا أَن البارئ تَعَالَى لم يزل مَوْصُوفا بهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يكون البارئ تَعَالَى فِي الْأَزَل غير خَالق وَغير رَازِق ثمَّ صَار كَذَلِك وَإِنَّمَا المحدثات الْخلق والرزق والمخلوق والمرزوق
فَإِن قيل هَذَا يُوجب عَلَيْكُم تقدم الْعَالم وَأَنه لم يزل مَوْجُودا مَعَه قُلْنَا لَا يُوجب ذَلِك لِأَن الصِّفَات فِي اللُّغَة يُوصف بهَا من
стр. 74
فعل فِيمَا مضى وَمن يفعل فِي الْحَال من هُوَ يُرِيد أَن يفعل فِي الْمُسْتَقْبل فَيُقَال إِنَّه ضَارب عَمْرو أمس وضارب عمرا الْآن وضارب عمرا غَدا وَهَذَا أشهر فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من أَن يحْتَاج إِلَى شَاهد
стр. 75
الْبَاب السَّادِس فِي شرح قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه
هَذَا القَوْل عصمنا الله وَإِيَّاك من الزلل قد أوهم كثيرا من النَّاس أَنهم أَرَادوا بِهِ أَنه غير عَالم بِغَيْرِهِ
واستعظم قوم مِنْهُم أَن يصفوه بِهَذِهِ الصّفة فزعموا أَنه عَالم بالكليات غير عَالم بالجزيئات
وَزعم آخَرُونَ أَنه عَالم بِعلم الكليات والجزيئات بِعلم كلي
وَهَذَا القَوْل الثَّالِث أقرب أَقْوَالهم إِلَى الْحق وَإِن كَانَ فِيهِ مَوضِع للتعقب وَأما الْقَوْلَانِ الْآخرَانِ فقد اجْتمع فيهمَا الْخَطَأ الْفَاحِش وَالْجهل بِصِفَات البارئ ﷻ وَسُوء التأول لكَلَام القدماء من الفلاسفة
وَيجب علينا أَولا أَن نبين معنى قَول الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين إِن البارئ
следующие страницы →