فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى … الحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، أو يكنَّ فيه شيء ما يرضاه.
أردناكُمُ صرْفًا فلما مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتِكُم عنّا
وقلنا لكم: لا تُسكنِوا القلبَ غيرَنا … فأسكنتم الاغيار، ما أنتم منا!
لا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ (١). القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدوس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال عنه الخبث صلح حينئذ للمجاورة.
"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا (٢). فأما القلوب الطيبة فتصلح
стр. 37
للمجاورة من أول الأمر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١). ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢). ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (٣).
من لمُ يحْرِقْ اليوم قلبّه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًّا.
ما يحتاج إلى التطهر بنار جهنم إلا من لم يُكْمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
أول من تُسْعَر به النار من الموحدين العباد المراؤون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء، لأن يسير الرياء شرك (٤).
ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
المرائي يزوّر التوقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل (٥)
стр. 38
لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرف الملك بالكلية.
نَقَش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج (١) لا يجوز إلا على غير الناقد.
وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوة، وعبيد الهوى الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم؛ فأما عبيد الله حقًّا فيقال لهم: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢).
جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.
وفي الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن فقد
стр. 39
أطفأ نورك لهبي" (١).
وفي "المسند" (٢) عن جابر (٣) عن النبي ﷺ : "لا يبقى بَرٌ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم" (٤). حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم.
هذا ميراث ورَثِه المحبون من حال الخليل ﵇.
نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.
стр. 40
قال الجنيد (١): قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء أشد مني؟. قال: أسلط عليك ناري الكبرى.
قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم، نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين.
قفا قليلًا بها عليَّ، فلا … أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار جوى … أحرّ نار الجحيم أبردها
فلولا دموع المحبين تطفئ بعض حرارة الوجد لاحترقوا كمدًا.
دعوه يطفي بالدموع حرارة … على كبدٍ حَرَّى، دَعُوه، دعوه
стр. 41
سَلُوا عاذليه يعذروه هنيهة … فيا لعذل دون الشوق قد قتلوه!
كان بعض العارفين، يقول: أليس عجبًا أن أكون بين أظهركم وفي قلبي من الاشتياق إلى ربي مثل الشّعَل التي لا تنطفئ؟! ..
ولم أر مثلَ نار الحب نارًا … تزيد ببعد موقِدِها اتِّقادًا
* * *
ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا هَمّ في غيره.
وفي الحديث: "من أصبح وهَمّهُ غير الله فليس من الله" (١).
قال بعضهم: من أخبرك أن وليه له هَم في غيره فلا تصدقه.
وكان داود الطائي (٢) يقول: همك عطّلَ عليَّ الهموم،
стр. 42
وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق (١) مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب ..
ما لي شغل سواه، ما لي شغلُ … ما يصرف عن هواه قلبي عذلُ
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل؟ … مني بدل ومنه ما لي بدلُ!
إخواني: إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرَّمه الله على النار" (٢).
فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر سوى الله، فمن قلة الصدق في قولها.
стр. 43
من صدَقَ في قول: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج سواه، ولم يخشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يُبق له بقية من آثار نفسه وهواه، ومع هذا فلا تظنوا أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كلما زَل أن يتلافى تلك الوصمة.
قال زيد بن أسلم (١): إن الله ليحبُ العبدَ حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك (٢).
стр. 44
وقال الشعبي (١): إذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب.
وتفسير هذا الكلام أن الله له عناية بمن يحبه، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إلى نجوة النجاة، ييسر له التوبة، وينبهه على قبح الزلة، فيفزع إلى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفرة لما جنى.
وفي بعض الآثار (٢): يقول الله تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أويسهم (٣) من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فانا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطرهم من المعايب.
стр. 45
وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "الحمى تُذهِبُ الخطايا كما يذهب الكير الخبث".
وفي "المسند (٢) و "صحيح ابن حبان" (٣) عن عبد الله بن مغفل (٤) أن رجلًا لقي امرأة كانت بغيًّا في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت، مه (٥) فإن الله قد أذهب الشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولَّى، فجعل يلتفت خلفه ينظر
стр. 46
إليها حتى أصاب الحائط وجهه (١) فأخبر النبي ﷺ بالأمر فقال: "أنت عبد أراد الله بك خيرًا". ثم قال: "إن الله إذا أراد بعبده شرًا أمسك ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة".
يا قوم! قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فَرُشّوا عليها قليلًا من دموع العيون وقد طهرت.
اعزموا على فِطام النفوس عن رَضاع الهوى، فالحمية (٢) رأس الدواء، متى طالَبتْكم بمألوفاتها فقولوا مقالة تلك المرأة لذلك الرجل الذي دمي وجهه: أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام، والإسلام يقتضي الاستسلامَ والانقياد للطاعة.
ذكّرِوها مدحةَ (إن الذين قالوا ربُنا الله ثم استقاموا (٣)
стр. 47
تحِنّ إلى الاستقامة.
عرِّفوها اطلاعَ من هو أقرب إليها من حبل الوريد (١) لعلها تستحي من قربه ونظره: (ألم يعلم بأن الله يرى) (٢)، (إن ربك لبالمرصاد) (٣).
راوَدَ رجل امرأةً في فلاة ليلا فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب. قالت: فأين مُكوْكِبُها! (٤).
أكْرَهَ رجلٌ امرأةً على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، فقال لها: هل بقي باب لم يغلق؟. قالت: نعم، الباب الذي بيننا وبين الله تعالى، فلم يتعرض لها.
رأى بعض العارفين رجلا يكلِّم امرأة فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما!.
стр. 48
سئل الجنيد (١): بمَ يستعان على غضِّ البصر؟. قال: بعلمك أنّ نَظَر الله إليك أسبقُ من نظرك إليه.
قال المحاسبي (٢): المراقبة: علم القلب بقرب الرب … كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره.
وصَّى النبي ﷺ رجلًا أن يستحي من الله كما يستحي من رجل صالح من عشيرته لا يفارقه (٣).
قال بعضهم: استح من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك.
كان بعضهم يقول لي: منذ أربعين سنة ما خطوت لغير
стр. 49
الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياءً من الله :
كأن رقيبًا منك يرعى خواطري … وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيناي بعدك منظرًا … لغيرك إلا قلت قد رَمَقَاني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة … لغيرك إلا قلت: قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة … على القلب إلا عَرَّجا بعناني
стр. 50
(فصل) في فضائل لا إله إلا الله
وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها؛ فهي كلمة التقوى كما قال عمر ﵁ الصحابة: وهي كلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلِق الخلق.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). وقال تعالى ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣) ونحو هذه الآيات.
стр. 51
وما عدَّد الله على عباده من النعم في سورة آية النعم التي تسمى "النحل"، ولهذا قال ابن عيينة (١): ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله. وإن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، ولأجلها أُعدت دار الثواب ودار العقاب، ولأجلها أمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم مالَه ودمه، ومن أباها فمالُه ودمه هدر، وهي مفتاح الجنة، ومفتاح دعوة الرسل، وبها كلّم الله موسى كفاحًا (٢).
وفي "مسند" البزار (٣) وغيره عن عياض الأنصاري (٤) عن
стр. 52
النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله كلمة حق على الله كريمة، ولها من الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقًا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبًا: حقنت دمه، وأحرزت ماله، ولقي الله غدًا فحاسبه" (١)، وهي مفتاح الجنة كما تقدم.
وهي: ثمن الجنة:
قاله الحسن. وجاء مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة: "ومن كانت آخرَ كلامه دخل الجنة" (٢).
وهي. نجاة من النار:
وسمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقال: "خرج من النار". خرَّجه مسلم.
стр. 53
وهي: توجب المغفرة:
في "المسند" عن شدَّاد بن أوس (١) وعبادة بن الصامت (٢) أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله". فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد"؛ ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم" (٣).
وهي أحسن الحسنات:
قال أبو ذر: قلت يا رسول الله! كلمني بعمل يقربني من لجنة، ويباعدني من النار. قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، أنها عشر أمثالها " .. قلت يا رسول الله، لا إله إلا الله من
стр. 54
الحسنات؟ قال: "هي أحسن الحسنات" (١).
وهي تمحو الذنوب والخطايا:
وفي "سنن ابن ماجه" (٢) عن أُم هانيء (٣) عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقها عمل" (٤).
رؤي بعض السلف بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فقال: ما أبقت لا إله إلا الله شيئًا.
стр. 55
وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب:
وفي "المسند" (١) أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "جدِّدوا إيمانكم". قالوا: كيف نجدد إيماننا؟. قال: "قولوا: لا إله إلا الله، وهي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وُزِنتْ بالسموات والأرض رجحت بهن".
كما في "المسند" (٢) عن عبد الله بن عمرو (٣) عن النبي ﷺ "أن نوحًا قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبعَ والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت (٤) بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات
стр. 56
السبع والارضين السبع كنَّ في حلقة مبهمة فَصَمَتَهنَّ (١) لا إله إلا الله.
وفيه (٢) أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "أن موسى ﵇ قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا. قال: قل: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت يا رب، إنما أريد شيئًا تخصني به. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرُهن (٣) غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله.
وكذلك ترجح بصحائف الذنوب، كما في حديث السجلات
стр. 57
والبطاقة، وقد خرَّجه أحمد (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ (٤).
وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله :
стр. 58
وفي الترمذي (١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل إليه" (٢).
وفيه (٣) أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر".
ويروى عن ابن عباس (٤) مرفوعًا: "ما من شيء إلا بينه وبين الله حجاب، إلا قول: لا إله إلا الله كما أن شفتيك لا تحجبها كذلك لا يحجبها شيء حتى تنتهي إلى الله " (٥).
стр. 59
وقال أبو أمامة (١): ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شي دون العرش.
وهى التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاه، خرَّج النسائي في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ : من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ مخلصًا بها روحه مصدقًا بها لسانه، إلا فتق له السماء فتقًا، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر إليه أن يعطيه سؤله" (٢).
وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها.
كما أخرج النسائي والترمذي (٣) وابن حبان من حديث أبي
стр. 60
هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدّقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك، ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي". وكان يقول: "من قالها في مرضه ثم مات لم تَطْعَمْهُ النار.
وهي أفضل ما قاله النبيون.
كما ورد ذلك في دعاء يوم عرفة.
وهي أفضل الذكر.
كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (١).
стр. 61
وعن ابن عباس: أحب كلمة إلى الله لا إله إلا الله، لا يقبل الله عملًا إلا بها.
وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا (١)، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان:
وكما في "الصحيحين"، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك".
وفيها أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ : من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
стр. 62
وفي الترمذي (١) عن ابن عمر مرفوعًا: "من قالها إذا دخل السوق، وزاد فيها: يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا الله عنه ألف ألف سيئة، ورفع الله له ألف ألف درجة. وفي رواية: ويبنى له بيت في الجنة".
ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر.
كما في "المسند" (٢) وغيره عن النبي ﷺ قال: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله قد قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم،
стр. 63
ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (١).
وفي حديث مرسل: "من قال: لا إله إلا الله الملك الحق المبين. كل يوم مائة مرة كانت له أمانًا من الفقر، وأنسًا من وحشة القبر، واستجلبت له الغنى، واستفرغت له باب الجنة".
وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم.
قال النضر بن عربي: بلغني أن الناس إذا قاموا من قبورهم كان شعارهم: لا إله إلا الله.
وقد خرَّج الطبراني (٢) حديثًا مرفوعًا: "أن شعار هذه الأمة على الصراط: لا إله إلا أنت" (٣).
стр. 64
ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء.
كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم (١).
وفي "الصحيحين" عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (٢).
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة (٣) عن النبي ﷺ في قصة
стр. 65
منامه الطويل، وفيه قال: "ورأيت رجلًا من أُمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فأغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، فتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة" (١).
ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لا بد أن يخرجوا منها.
وفي "الصحيحين" عن أنس (٢) عن النبي ﷺ قال: "يقول الله : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله".
وأخرج الطبراني عن أنس عن النبي ﷺ قال: إن ناسًا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم عبدة
стр. 66
اللات والعزى (١): ما أغنى عنكم قول: لا إله إلا الله، فيغضب الله لهم فيخرجهم من النار، فيدخلون الجنة" (٢)، ومن كان في سخطه يُحسنُ فكيف يكون إذا ما رضي؟ .. لا يسوي بين من وحَّده وإن قصَّر في حقوق توحيده، وبين من أشرك به.
قال بعض السلف: كان إبراهيم ﵇ يقول: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك شيئًا بمن كان لا يشرك بك.
كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إنك قلت عن أهل النار: إنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ
стр. 67
يَمُوتُ﴾ (١)، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت.
اللهم لا تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة.
كان أبو سليمان (٢) يقول: إن طالبني ببخلي طالبته بجوده، وإن طالبني بذنوبي طالبته بعفوه، وإن أدخلني النار أخبرت أهل النار أني أُحبه.
ما أطيب وصله وما أعذبه! … وما أثقل هجره وما أصعبه!
وفي السخط والرضى ما أهيبه! … القلب يحبه وإن عذَّبه
وكان بعض العارفين يبكي طول ليله ويقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب!
стр. 68
العارفون يخافون من الحجاب أكثر مما يخافون من العذاب.
قال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي.
كان بعضهم يقول: إلهي وسيدي ومولاي! لو أنك عذبتني بعذابك كله، كان ما فاتني من قربك أعظمَ عندي من العذاب.
قيل لبعضهم: لو طردك ما كنت تفعل؟
فقال:
إذا أنا لم أجد من الحب وصلا … رمت في النار منزلا ومقيلا
ثم أزعجت أهلها بندائي … بكرة في عرصاتها وأصيلا
معشر المشركين ناحوا على من … يدعي أنه يحب الجليلا
لم يكن في الذي ادعاه محقًا … فجزاه به العذاب الطويلا!
стр. 69
إخواني!
اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد فإنه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه. ما نطق الناطقون إذ نطقوا أحسن من: لا إله إلا الله.
ما نطق الناطقون إذ نطقوا … أحسن من لا إله إلا هو
تبارك الله ذو الجلال ومن … أشهد أن لا إله إلا هو
من لذنوبي ومن يمحّصها … غيرك يا من لا إله إلا هو
جنان خلد لمن يوحده … أشهد أن لا إله إلا هو
نيرانه لا تحرق من … يشهد أن لا إله إلا هو
أقولها مخلصًا بلا بُخلٍ … أشهد أن لا إله إلا هو
والحمد لله رب العالمين.