Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قبل الْوَحْي وحبب اليه الْخلْوَة وَكَانَ يرى الرُّؤْيَا فتأتي مثل فلق الصُّبْح على انها أَحْوَال عرضية وأعراض طارئة على النوعية بِنَوْع استيجاب وَاسْتِحْقَاق من كَمَال تركيب المزاج وَحسن الصُّورَة وَتَمام الِاعْتِدَال وطهارة النشوة والتربة وَطيب الأعراق وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والسمت الصَّالح والأناة وَالْوَقار ولين الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَالرَّحْمَة والرأفة بالأولياء والشدة والبأس على الْأَعْدَاء وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة والصون عَن جَمِيع الرذائل والتحلي بانواع الْفَضَائِل وزكاء الْعرض عَن جَمِيع الدنيات وَالْعَفو عَمَّن ظلمه والاحسان الى من أَسَاءَ اليه وصلَة الرَّحِم وَحفظ الْغَيْب وَحسن الْجوَار واعانة الْمَظْلُوم واغاثة الملهوف وَحب الْمَعْرُوف وبغض الْمُنكر وَغير ذَلِك ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ فِي هَذَا الْعَالم مازاغ الْبَصَر وَمَا طَغى فِي ذَلِك الْعَالم تعنو لنَفسِهِ نفوس الْعَالمين طَوْعًا وَكرها وَهُوَ غير متكبر وَلَا جَبَّار وَلَا فظ وَلَا غليظ يهاب اذا سكت وَلَا يعاب إِذا نطق لطيف الشَّمَائِل اذا تحرّك وَسكن قد نَهَضَ بِاحْتِمَال أعباء ماحمل من الرسَالَة فأداها وأفاض رَحمته على الْعَالمين فوفاها ﷺ وعَلى آله الطيبين الطاهرين
إِثْبَات الرسَالَة بالبرهان
بَيَان اثباتها بطريقين أَحدهمَا جملي وَالْآخر تفصيلي أما الْجملِي فَهُوَ كَمَا أَن نوع الانسان تميز عَن سَائِر الْحَيَوَانَات بِنَفس ناطقة هِيَ فَوْقهَا بالفضيلة الْعَقْلِيَّة والمسخرة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا كَذَلِك نفوس الانبياء ﵈ تميزت عَن نفوس النَّاس بعقل هاد مهْدي هُوَ فَوق الْعُقُول كلهَا بالفضيلة الربانية الْمُدبرَة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا وكما أَن حركات الانسان معجزات الْحَيَوَان فَلَيْسَ حَيَوَان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية كَذَلِك جَمِيع حركات النَّبِي معجزات للانسان فَلَيْسَ انسان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية
وكما تميز النَّبِي عَن النَّاس بعقله الْمُنَاسب للعقول الْمُفَارقَة وَالْعقل الأول كَذَلِك تميز بِنَفسِهِ المشاكلة لنفوس السَّمَاوَات وَالنَّفس الفلكية وَكَذَلِكَ تميز
стр. 107
بطبعه ومزاجه المستعد لقبُول مثل هَذَا الْعقل وَالنَّفس بِالْفِعْلِ وكما لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة الإلهية أَن يكون من نُطْفَة كل حَيَوَان انسان كَذَلِك لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة أَن يكون من نُطْفَة كل انسان نَبِي الله يخلق مَا يَشَاء ويجتبي ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ فَهُوَ الْمُخْتَار فِي طبعه ومزاجه الْمُصْطَفى بِنَفسِهِ وعقله لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد من النَّاس
وَمن وَجه آخر النَّبِي إِذا شَارك النَّاس فِي البشرية والانسانية من حَيْثُ الصُّورَة فقد باينتهم من حَيْثُ الْمَعْنى اذ بشريته فَوق بشرية النَّاس لاستعداد بشريته لقبُول الْوَحْي ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ أَشَارَ الى طرف المشابهة من حَيْثُ الصُّورَة ﴿يُوحى إِلَيّ﴾ أَشَارَ الى طرف المباينة من حَيْثُ الْمَعْنى أما من حَيْثُ التَّفْصِيل فَمن طرق
الطَّرِيق الأول برهَان أنشىء من الحركات الاختيارية وَهِي أَقسَام ثَلَاثَة فكرية وقولية وعملية وَالْحَرَكَة الفكرية يدخلهَا الْحق وَالْبَاطِل والقولية يدخلهَا الصدْق وَالْكذب والعملية يدخلهَا الْخَيْر وَالشَّر وَهَذِه الْعبارَات اصطلاحية وَالْمعْنَى مُسْتَقِيم فِيهَا مَفْهُوم عَنْهَا وَلَا يشك فِي انها على تضادها واختلافها لَيست وَاجِبَة الْفِعْل بجملتها وَاجِبَة التَّحْصِيل فان من أفتى بِهَذِهِ الْفَتْوَى يكون مُسْتَحقّ الْقَتْل بفتواه لِأَن قَتله من جملَة الحركات وَهُوَ وَاجِب الْفِعْل وَلَيْسَ كلهَا وَاجِب التّرْك فَإِن من أفتى بِهَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يتنفس لِأَن التنفس مِنْهُ حَرَكَة وَهِي وَاجِبَة التّرْك فَظهر من هَذَا أَن بَعْضهَا وَاجِب التّرْك وَبَعضهَا وَاجِب الْفِعْل وَإِذا ثَبت هَذَا فقد ثَبت حُدُود فِي الحركات حَتَّى كَانَ بَعْضهَا خيرا وَاجِب الْفِعْل وَبَعضهَا شرا وَاجِب التّرْك فالتمييز بَين حَرَكَة وحركة بالحدود وَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يعرفهُ كل أحد أَو لَا يعرفهُ أحد أَو يعرفهُ بعض دون
стр. 108
بعض وَظَاهر انه لَا يعرفهُ كل أحد وباطل انه يعرفهُ كل أحد فَظهر أَنه يعرفهُ أحد دون أحد فَثَبت بالتقسيم الأول حُدُود فِي الحركات وَثَبت بالتقسيم الثَّانِي أَصْحَاب حُدُود يعرفونها وهم الْأَنْبِيَاء وَأَصْحَاب الشَّرَائِع عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والانسان اذا رَاجع نَفسه علم أَنه اذا لم يكن عَارِفًا بالحدود يجب أَن يكون فِي حكم أَصْحَاب الْحُدُود فَثَبت وجود النُّبُوَّة بضرورة الحركات
الطَّرِيق الثَّانِي أَن نقُول إِن نوع الانسان مُحْتَاج الى اجْتِمَاع على صَلَاح فِي حركاته الاختيارية ومعاملاته المصلحية وَلَوْلَا ذَلِك الِاجْتِمَاع مَا بَقِي شخصه وَلَا انحفظ نَوعه وَلَا احترس مَاله وحريمه وَكَيْفِيَّة ذَلِك الِاجْتِمَاع تسمى مِلَّة وَشَرِيعَة
وَبَيَان ذَلِك أَنه فِي اسْتِبْقَاء حَيَاته واستحفاظ نَوعه وحراسة مَاله وحريمه يحْتَاج الى تعاون وتمانع أما التعاون فلتحصيل مَا لَيْسَ لَهُ مِمَّا يحْتَاج اليه فِي مطعمه وملبسه ومسكنه وَأما التمانع فلحفظ مَا لَهُ من نَفسه وَولده وحريمه وَمَا لَهُ وَكَذَلِكَ فِي استحفاط نَوعه يحْتَاج الى تعاون فِي الازدواج والمشاركة وتمانع يحفظ ذَلِك على نَفسه وَهَذَا التمانع والتعاون يجب ان يَكُونَا على حد مَحْدُود وَقَضِيَّة عادلة وَسنة جَامِعَة مَانِعَة وَمن الْمَعْلُوم أَن كل عقل لَا يَفِي بتمهيد هَذِه السّنة على قانون يَشْمَل مصَالح النَّوْع جملَة ويخص حَال كل شخص تَفْصِيلًا الا أَن يكون عقل مؤيد بِالْوَحْي مقيض للرسالة مستمد من الروحانيات الَّتِي قيضت لحفظ نظام الْعَالم وهم بأَمْره يعْملُونَ وعَلى سنته فِي الْخلق سائرون وبحكمه حاكمون فَيكون الْفَيْض مُتَّصِلا بهَا من الْمَقَادِير فِي الْأَحْكَام ثمَّ مِنْهَا فائضا على الشَّخْص المتحمل لتِلْك الْأَمَانَة الْقَابِل لأسرار الدّيانَة يتبع الْحق فِي جَمِيع الْأُمُور ويتبعه الْخلق فِي جَمِيع الحركات يكلم النَّاس على مقادير عُقُولهمْ بعقله الْوَاقِف على تِلْكَ الْمَقَادِير ويكلف الْعباد على قدر استطاعتهم بقدرته المحيطة بِتِلْكَ الأقذار
وَهَذِه الدَّلَائِل فروع لأصل وَاحِد وَهُوَ إِثْبَات الْأَمر لله وَهُوَ الطَّرِيق الثَّالِث لأثبات النُّبُوَّة وَمن لم يعْتَرف بأَمْره لم يعْتَرف بِالنُّبُوَّةِ قطّ فان النَّبِي
стр. 109
متوسط الْأَمر كَمَا أَن الْملك متوسط الْخلق وَالْأَمر وكما وَجب الايمان بِاللَّه من حَيْثُ الْخلق وَالْأَمر وَجب الايمان بِاللَّه وبمتوسط الْخلق وَالْأَمر ﴿كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾
وَالطَّرِيق فِي إِثْبَات الْأَمر على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن الممكنات كَمَا احْتَاجَت الى مُرَجّح لجَانب الْوُجُود على الْعَدَم وَأَن الحركات كَمَا احْتَاجَت بتجددها الى محرك يديمها بالتعاقب ثمَّ المائلة من الحركات الى غير مَا مَالَتْ عَنهُ والمختلفات مِنْهَا الى غير جهاتها الطبيعية احْتَاجَت بتجددها الى كَون المحرك مرِيدا مُخْتَارًا ثمَّ المتوجهة مِنْهَا الى نظام الْخَيْر دون الْفساد وَالشَّر احْتَاجَت الى كَون المحرك آمرا أَمر التَّدْبِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ ثمَّ الحركات الانسانية كَمَا احْتَاجَت الى إِرَادَة عقلية فِي جهاتها المتباينة كَذَلِك احْتَاجَت الى مُكَلّف آمُر ناه فِي حُدُودهَا الْمُخْتَلفَة حَتَّى يخْتَار الْمُكَلف الْحق دون الْبَاطِل فِي الحركات الفكرية والصدق دون الْكَذِب فِي الحركات القولية وَالْخَيْر دون الشَّرّ فِي الحركات العملية وكما أَن أَمر التَّدْبِير جَار على عُمُوم الْخلق لنظام وجود الْعَالم الْكَبِير كُله وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ كَذَلِك أَمر التَّكْلِيف جَار على خُصُوص الْخلق لنظام وجود الْعَالم الصَّغِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم﴾ وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَوَامِر والنواهي المتوجهة على النَّاس وكما أوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا بِوَاسِطَة ملك كَذَلِك أوحى فِي كل زمَان أمره بِوَاسِطَة نَبِي فَذَلِك هُوَ التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ التَّكْلِيف
الطَّرِيق الثَّانِي فِي إِثْبَات الْأَمر الاول أَن نقُول قد ثَبت وَتحقّق بالبراهين أَن الأول الْمُبْدع ملك مُطَاع فَلهُ الْخلق كُله ملكا وملكا وَلكُل ملك فِي سُلْطَانه أَمر وَنهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد وَلَا يجوز أَن يكون أمره مُحدثا مخلوقا فان الْمَخْلُوق من حَيْثُ هُوَ مَخْلُوق لَا يدل الا على خَالق فَلَيْسَ لَهُ دلَالَة على الْأَمر بِمَعْنى الِاقْتِضَاء والطلب والتكليف والتعريف والحث والزجر وَالتَّرْغِيب والترهيب
стр. 110
وَمن لم يثبت لله أمرا يطاع فقد أحَال كل هَذِه الْأَوَامِر والنواهي والتذكيرات والتنبيهات على من ادّعى النُّبُوَّة مَقْصُورَة عَلَيْهِ متعدية عَنهُ وَمَا يضيفه الى الله تَعَالَى من قَالَ الله وَذكر الله وَأمر الله وَنهى الله ووعد الله وأوعد الله يكون مجَازًا لَا حَقِيقَة وترويجا للْكَلَام على الْعَامَّة لَا تَحْقِيقا ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء﴾ فقد نسبوا النَّبِي الَّذِي فِي أَعلَى دَرَجَات الانسان الى أَشد الظُّلم الَّذِي هُوَ أَسْفَل الدَّرَجَات والخيانة الَّتِي هِيَ أَخبث السَّيِّئَات جلّ منصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك
خَواص النُّبُوَّة
للنبوة خَواص ثَلَاث
احداهما تَابِعَة لقُوَّة التخيل وَالْعقل العملي وَالثَّانيَِة تَابِعَة لقُوَّة الْعقل النظري وَالثَّالِثَة تَابِعَة لقُوَّة النَّفس
الخاصية الأولى اعْلَم أَولا أَنه لَيْسَ يُمكن أَن يبرهن على مبادىء الْعُلُوم ومقدماتها من الْعُلُوم نَفسهَا فَيسلم لنا هَهُنَا أَن كل مَعْلُول مَعْلُول فَيجب أَن يلْزم عَن علته حَتَّى يُوجد وَأَن الْحَرَكَة السماوية اختيارية وَأَن الْحَرَكَة الاختيارية لَا تلْزم الا عَن اخْتِيَار بَالغ مُوجب للْفِعْل وَأَن الِاخْتِيَار لِلْأَمْرِ الْكُلِّي لَا يُوجب أمرا جزئيا فانه انما يلْزم الْأَمر الجزئي بِعَيْنِه عَن اخْتِيَار جزئي يَخُصُّهُ بِعَيْنِه وَأَن الحركات الَّتِي بِالْفِعْلِ كلهَا جزئية فَيجب إِن كَانَت اختيارية أَن تكون عَن اخْتِيَار جزئي فَيجب أَن يكون المحرك لَهَا مدْركا للجزئيات وَلَا يكون الْبَتَّةَ عقلا صرفا بل يكون نفسا تسْتَعْمل آله جسمانية تدْرك بهَا أمورا جزئية ادراكا إِمَّا أَن يكون تخيلا أَو تعقلا عمليا هُوَ أرفع من التخيل وَله أَيْضا عقل كلي يستمد من الْعقل المفارق الَّذِي يدْرك الْعُلُوم الْكُلية وَهَذَا كُله مُبين فِي الْعُلُوم الإلهية فَيظْهر من تَسْلِيم هَذِه أَن الحركات السماوية يُحَرك كل وَاحِد مِنْهَا جَوْهَر نفساني يتعقل الجزئيات بالنحو من التعقل الَّذِي يَخُصهَا ويرتسم فِيهِ صورها وصور الحركات الَّتِي يختارها كل وَاحِد مِنْهَا ويجاوزه حَتَّى تكون هيئات الحركات تتجدد فِيهَا دَائِما حَتَّى
стр. 111
تتجدد الحركات وَيكون يتَصَوَّر لَا محَالة حِينَئِذٍ الغايات الَّتِي يُؤَدِّي اليها الحركات فِي هَذَا الْعَالم وَيتَصَوَّر هَذَا الْعَالم أَيْضا بتفصيله وتلخيصه والأجزاء الَّتِي فِيهِ لَا يغرب عَنْهَا شَيْء وَيلْزم ذَلِك أَن يتَصَوَّر الْأُمُور الَّتِي تحدث فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ أَنَّهَا أُمُور وَيلْزم وجودهَا عَن النِّسْبَة الَّتِي بَين الحركات الْمُتَعَلّقَة عَنْهَا بالشخصية وَالنّسب الَّتِي بَين الْأُمُور الَّتِي هَهُنَا وَالنّسب الَّتِي بَين هَذِه الْأُمُور وَتلك الحركات فَلَا يخرج شَيْء الْبَتَّةَ من أَن يكون حُدُوثه فِي الْمُسْتَقْبل لَازِما لوُجُود هَذِه على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَال فَإِن الْأُمُور إِمَّا أَن تكون بالطبع وَإِمَّا أَن تكون بِالِاخْتِيَارِ وَإِمَّا أَن تكون بالِاتِّفَاقِ وَالَّتِي تكون عَن الطَّبْع انما تكون باللزوم عَن الطَّبْع إِمَّا طبع حَاصِل هَهُنَا أوليا أَو طبع حَادث هَهُنَا عَن طبع هَهُنَا أَو طبع حَادث هَهُنَا عَن طبع سماوي
وَأما الاختيارات فانها تلْزم الِاخْتِيَار وَالِاخْتِيَار حَادث وكل حَادث بعد مَا لم يكن فَلهُ عِلّة وحدوثه بلزومه وعلته إِمَّا شَيْء كَائِن هَهُنَا على احدى الْجِهَات أَو شَيْء سماوي أَو شَيْء مُشْتَرك بَينهمَا وَأما الاتفاقيات فَهِيَ احتكاكات ومصادمات بَين هَذِه الْأُمُور الطبيعية والاختيارية بَعْضهَا مَعَ بعض فِي مجاريها فَيكون إِذا الْأَشْيَاء الممكنة مَا لم تجب لم تُوجد وانما تجب لَا بذاتها بل بِالْقِيَاسِ الى عللها والى الاجتماعات الَّتِي لعلل شَتَّى فاذا يكون كل شَيْء متكون متصورا بِجَمِيعِ الْأَحْوَال الْمَوْجُودَة فِي الْحَال من الطبيعة والارادة الأرضية والسماوية ولمأخذ كل واحدمنها وَمَجْرَاهُ فِي الْحَال فانه يتَصَوَّر مَا يجب عَن اسْتِمْرَار هَذِه على مأخذها من الكائنات وَلَا كائنات إِلَّا مَا يجب عَنْهَا كَمَا قُلْنَا فالكائنات إِذا قد تدْرك قبل الْكَوْن لَا من جِهَة مَا هِيَ مُمكنَة بل من جِهَة مَا يجب وانما لَا ندرك نَحن لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يخفى علينا جَمِيع أَسبَابهَا الآخذة نَحْوهَا أَو يظْهر لنا بَعْضهَا وَيخْفى علينا بَعْضهَا فبمقدار مَا تظهر لنا مِنْهَا يَقع لنا حدس وَظن بوجودها وبمقدار مَا يخفى علينا مِنْهَا يتداخلنا الشَّك فِي وجودهَا
وَأما المحركات للأجرام السماوية فيحضرها جَمِيع الْأَحْوَال الْمُتَقَدّمَة مَعًا
стр. 112
فَيلْزم جَمِيع الْأَحْوَال الْمُتَأَخِّرَة مَعًا فَتكون الْهَيْئَة للْعَالم بِمَا يُرِيد أَن يكون فِيهِ يرتسم هُنَاكَ ثمَّ تِلْكَ الصُّور لَا وَحدهَا بل الصُّور الْعَقْلِيَّة الَّتِي فِي الْجَوَاهِر الْمُفَارقَة غير محتجبة عَن أَنْفُسنَا بحجاب الْبَتَّةَ من جِهَتهَا انما الْحجاب هُوَ فِي قبولنا إِمَّا لضعفنا أَو لاشتغالنا بِغَيْر الْجِهَة الَّتِي عِنْدهَا يكون الْوُصُول اليها والاتصال بهَا وَأما إِذا لم يكن أحد الْمَعْنيين فان الِاتِّصَال بهَا مبذول وَلَيْسَت مِمَّا تحْتَاج أَنْفُسنَا فِي إِدْرَاكهَا إِلَى شَيْء غير الِاتِّصَال بهَا ومطالعتها فَأَما الصُّور الْعَقْلِيَّة فان الِاتِّصَال بهَا بِالْعقلِ النظري
فَأَما هَذِه الصُّور الَّتِي الْكَلَام فِيهَا فَإِن النَّفس إِنَّمَا يتصورها بِقُوَّة أُخْرَى وَهُوَ الْعقل العملي ويخدمه فِي هَذَا الْبَاب التخيل فَتكون الْأُمُور الْجُزْئِيَّة تنالها النَّفس بقوتها الَّتِي تسمى عقلا عمليا من الْجَوَاهِر الْعَالِيَة النفسانية وَتَكون الْأُمُور الْكُلية تنالها النَّفس بقوتها الَّتِي تسمى عقلا نظريا من الْجَوَاهِر الْعَالِيَة الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا يجوز أَن يكون فِيهَا شَيْء من الصُّور الْجُزْئِيَّة الْبَتَّةَ وتختلف الاستعدادات للنفوس جَمِيعًا فِي الْأَنْفس خُصُوصا الاستعداد لقبُول الجزئيات بالاتصال بِهَذِهِ الْجَوَاهِر النفسانية فبعض الْأَنْفس يضعف فِيهَا ويقل هَذَا الاستعداد لضعف الْقُوَّة المتخيلة وَبَعضهَا لَا يكون فِيهِ هَذَا الإستعداد أصلا لضعف الْقُوَّة المتخيلة أَيْضا وَبَعضهَا يكون هَذَا فِيهِ أقوى حَتَّى ان الْحس إِذا ترك اسْتِعْمَاله الْقُوَّة المتخيلة وَترك شغله بِمَا يُورد عَلَيْهَا جذبتها الْقُوَّة العملية إِلَى تِلْكَ الْجِهَة حَتَّى انطبعت فِيهَا تِلْكَ الصُّور إِلَّا أَن الْقُوَّة المتخيلة لما فِيهَا من الغريزة المحاكية والمنتقلة من شَيْء إِلَى غَيره تتْرك مَا أخذت وتورد شبيهه أَو ضِدّه اَوْ مناسبه كَمَا يعرض لليقظان من أَنه يُشَاهد شَيْئا فينعطف عَلَيْهِ التخيل إِلَى أَشْيَاء أُخْرَى يحضرها مِمَّا يتَّصل بِهِ بِوَجْه حَتَّى ينسيه الشَّيْء الأول فَيَعُود على سَبِيل التَّحْلِيل والتخمين وَيرجع إِلَى الشَّيْء الأول بِأَن يَأْخُذ الْحَاضِر مِمَّا قد تأدى اليه الخيال فيفطن أَنه خطر فِي الخيال تَابعا لأي صُورَة تقدمته وَتلك لأي صُورَة أُخْرَى وَكَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى البدء ويتذكر مَا نَسيَه كَذَلِك التَّعْبِير هُوَ تَحْلِيل
стр. 113
بِالْعَكْسِ لفعل التخيل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْء الَّذِي تكون النَّفس شاهدته حِين اتصالها بذلك الْعَالم وَأخذت المتخيلة تنْتَقل عَنهُ إِلَى أَشْيَاء أُخْرَى فَهَذِهِ طبقَة
وطبقة أُخْرَى يُقَوي استعداد نَفسهَا حَتَّى تستثبت مَا نالته هُنَاكَ ويستقر عَلَيْهِ الخيال من غير أَن يغلبه الخيال وينتقل إِلَى غَيره فَتكون الرُّؤْيَا الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى تَعْبِير
وطبقة أُخْرَى أَشد تهيئا من تِلْكَ الطَّبَقَة وهم الْقَوْم الَّذين بلغ من كَمَال قوتهم المتخيلة وشدتها أَنَّهَا لَا تستغرقها القوى الحسية فِي إِيرَاد مَا يُورد عَلَيْهَا حَتَّى يمْنَعهَا ذَلِك عَن خدمَة النَّفس الناطقة فِي اتصالها بِتِلْكَ المبادىء الموحية اليها بالأمور الْجُزْئِيَّة فيتصل لذَلِك فِي حَال الْيَقَظَة وَيقبل تِلْكَ الصُّور
ثمَّ إِن المتخيلة تفعل مثل مَا تفعل فِي حَال الرُّؤْيَا المحتاجة إِلَى التَّعْبِير بِأَن تَأْخُذ تِلْكَ الْأَحْوَال وتحاكيها وتستولي على الحسية حَتَّى يُؤثر مَا يتخيل فِيهَا من تِلْكَ فِي قُوَّة بنطاسيا بِأَن تنطبع الصُّور الْحَاصِلَة فِيهَا فِي البنطاسيا الْمُشَاركَة فيشاهد صورا إلهية عَجِيبَة مرئية وأقاويل إلهية مسموعة هِيَ مثل تِلْكَ المدركات الوحيية وَهَذِه أدون دَرَجَات الْمَعْنى الْمُسَمّى بِالنُّبُوَّةِ وَأقوى من هَذَا أَن يستشبت تِلْكَ الْأَحْوَال والصور على هيئتها مَانِعَة للقوة المتخيلة على الِانْصِرَاف إِلَى محاكاتها بأَشْيَاء أُخْرَى
وَأقوى من هَذَا أَن تكون المتخيلة مستمرة فِي محاكاتها وَالْعقل العملي وَالوهم لَا يتخليان عَمَّا استثبتاه فَثَبت فِي الذاكرة صُورَة مَا أخذت وَتقبل المتخيلة على بنطاسيا وتحاكي فِيهِ مَا قبلت بصور عَجِيبَة مسموعة ومبصرة وَيُؤَدِّي كل وَاحِد مِنْهُمَا على وَجهه
وَهَذِه طَبَقَات النُّبُوَّة الْمُتَعَلّقَة بالقوى الْعَقْلِيَّة العملية والخيالية وَانْظُر قصَص الْقُرْآن كَيفَ أَتَت على جزئياتها كَأَنَّهُ شَاهدهَا وحضرها وَكَأَنَّهَا كَانَت بمرأى من
стр. 114
النَّبِي ومسمع وَكَيف صدقت بِحَيْثُ لم ينكرها أحد من منكري النُّبُوَّة وَلَا يتعجبن متعجب من قَوْلنَا إِن المتخيل قد يرتسم فِي بنطاسيا فيشاهد فان المجانين قد يشاهدون مَا يتخيلون وَلذَلِك عِلّة تتصل بابانة السَّبَب الَّذِي لأَجله يعرض للممرورين أَن يخبروا بالأمور الكائنة فيصدقون فِي الْكثير وَلذَلِك مُقَدّمَة وَهِي أَن الْقُوَّة المتخيلة كالموضوعة بَين قوتين مستعملتين لَهَا سافلة وعالية
أما السافلة فالحس فانها تورد عَلَيْهَا صورا محسوسة تشغلها وَأما الْعَالِيَة فالعقل فانه بقوته يصرفهَا عَن التخيل للكاذبات الَّتِي لَا توردها الْحَواس عَلَيْهَا وَلَا يستعملها الْعقل فِيهَا واجتماع هَاتين القوتين على اسْتِعْمَالهَا يحول بَينهَا وَبَين التَّمَكُّن من إصدار أفعالها الْخَاصَّة على التَّمام حَتَّى تكون الصُّورَة الَّتِي تحضرها بِحَيْثُ تنطبع فِي بنطاسيا انطباعا تَاما فيحس فاذا أعرض عَنْهَا إِحْدَى القوتين لم يبعد أَن تُقَام الْأُخْرَى فِي كثير من الْأَحْوَال فَلم يمْتَنع عَن فعلهَا فتمنعها فَتَارَة تتخلص عَن مجاذبة الْحس فتقوى على مقاومة الْعقل وتمعن فِيمَا هُوَ فعلهَا الْخَاص غير ملتفت إِلَى معاندة الْعقل وَهَذَا فِي حَال النّوم وَعند احضارها الصُّورَة كالمشاهدة وَتارَة تتخلص عَن سياسة الْعقل عِنْد فَسَاد الْآلَة الَّتِي يستعملها الْعقل فِي تَدْبِير الْبدن فيستعصي على الْحس وَلَا يُمكنهَا من شغلها بل يمعن إِيرَاد أفاعيلها حَتَّى يصير مَا ينطبع فِيهَا من الصُّور كالمشاهدة لانطباعه فِي الْحَواس وَهَذَا فِي حَال الْجُنُون
وَقد يعرض مثل ذَلِك عِنْد الْخَوْف لما يعرض من ضعف النَّفس وانخذالها واستيلاء الْوَهم وَالظَّن المعينين للتخيل على الْعقل فيشاهد أمورا موحشة فالممرورون والمجانين يعرض لَهُم أَن يتخيلوا مَا لَيْسَ مَوْجُودا بِهَذَا السَّبَب
وَأما اخبارهم بِالْغَيْبِ فانما يتَّفق أَكثر ذَلِك لَهُم عِنْد أَحْوَال كالصرع والغشي الَّذِي يفْسد حركات قواهم الحسية وَقد يعرض أَن تكل قوتهم المخيلة لِكَثْرَة حركاتهم المضطربة لِأَنَّهَا قُوَّة بدنية وَتَكون هممهم عَن المحسوسات
стр. 115
مصروفة فيكثر رفضهم للحس وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد يتَّفق أَن لَا تشتغل هَذِه الْقُوَّة بالحواس اشتغالا مُسْتَغْرقا ويعرض لَهَا أدنى سُكُون عَن حركاتها المضطربة ويسهل أَيْضا انجذابها مَعَ النَّفس الناطقة فَيعرض لِلْعَقْلِ العملي إطلاع إِلَى أفق عَالم النَّفس الْمَذْكُور فيشاهد مَا هُنَاكَ ويتأدى مَا يُشَاهِدهُ إِلَى الخيال فَيظْهر فِيهِ كالمشاهد المسموع فَحِينَئِذٍ إِذا أخبر بِهِ الممرور وَخرج وفْق مقاله يكون قد تكهن بالكائنات الْمُسْتَقْبلَة والآن فَيجب أَن نختم هَذَا الْبَيَان فقد أدينا فِيهِ نكت الْأَسْرَار المكتومة وَالله الْمُوفق
فان قَالَ قَائِل إِذا كَانَ أَصْحَاب الْجِنّ والكهنة والعرافون وَبَعض المجانين رُبمَا يخبرون عَن الْغَيْب وَيصدق خبرهم وينذرون بِالْآيَاتِ ويتحقق أَثَرهَا فبطلت الخاصية النَّبَوِيَّة
فَالْجَوَاب أَن نقُول قد بَينا قبل ذَلِك فِي البيانات الْمُتَقَدّمَة أَن التخيل فِي الْحَيَوَانَات على تفَاوت وتفاضل وتضاد وترتب حَتَّى قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن أَعلَى درجاته أَن تصل النَّفس إِلَى النَّفس الَّتِي هِيَ مُدبر فلك الْقَمَر الَّذِي هُوَ واهب الصُّور وَلَوْلَا أَن الجزئيات من الموجودات الكائنة الْفَاسِدَة متصورة متخيلة فِي ذَات النَّفس الفلكي لما أَفَاضَ على كل مَادَّة مَا تستحقه من الصُّور وَلَا مَانع لَهَا من تصور اللوازم الْجُزْئِيَّة لحركاتها الْجُزْئِيَّة من الكائنات عَنْهَا فِي الْعَالم العنصري وَكَأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنى صَار للأجسام السماوية زِيَادَة معنى على الْعقل المفارق لتظاهر رَأْي جزئي وَآخر كلي وَإِن كَانَ الرَّأْي الْكُلِّي مستمدا من الْعُقُول فاذا فهمت هَذَا فللنفوس البشرية أَن تنتقش من ذَلِك الْعَالم بِحَسب الاستعداد وَزَوَال الْمَانِع وَتَكون كالمرآة الْمُقَابلَة للنَّفس الفلكي حَتَّى يَقع فِيهَا جَمِيع مَا فِي النَّفس الفلكي فالى هَذَا الْحَد عظموا امْر الخيال
واما فِي جَانب السّفل فالى حَيَوَان عديم التخيل اَوْ ضَعِيف التخيل سريع النسْيَان لَا يُمكنهُ ان يستثبت الصُّورَة سَاعَة اَوْ لَحْظَة بل يَتَجَدَّد لَهُ الخيالات
стр. 116
بِحَسب تجدّد الحركات وَهَذَا على نمط التَّفَاوُت بالتفاضل واما مَا هُوَ على نمط التَّفَاوُت بالتضاد فكخيال وتخيل كُله حق نَشأ عَن نفس خيرة وكخيال وتخيل كُله بَاطِل نَشأ عَن نفس شريرة وكخيال وتخيل بَين الطَّرفَيْنِ إِن التفتت إِلَى الْخَيْر الْتحق بِهِ وَإِن التفتت إِلَى الشَّرّ الْتحق بِهِ وَهَهُنَا نمط آخر من الْكَلَام وَهُوَ إِثْبَات عقل تجرد عَن كل خيال وَإِثْبَات خيال تجرد عَن كل عقل وَإِثْبَات عقل كُله خيال وَإِثْبَات خيال كُله عقل وَهَهُنَا حس عمل من خيال وخيال عمل من حس وعقل عمل من خيال وخيال عمل من عقل وَهَهُنَا علم على مزاج الظَّن وَظن على مزاج الْعلم وَأَنَّهُمْ ظنُّوا كَمَا ظننتم ان لن يعبث الله احدا اشارة إِلَى الظَّن الأول ﴿وَأَنا ظننا أَن لن نعجز الله فِي الأَرْض وَلنْ نعجزه هربا﴾ إِشَارَة إِلَى الظَّن الثَّانِي واختصاص الظَّن بالجن فِي فِي الْقُرْآن لسر فِي خَصَائِص الْجِنّ وَهُوَ ان وجودهم خيالي وتصوراتهم خيالية وصورهم لَا تتراءى إِلَّا للخيال وكما ان الخيال على وسط بَين الْحس وَالْعقل فَكل مَا هُوَ خيالي على وسط بَين الجسماني والروحاني كالجن وَالشَّيَاطِين والأوساط أبدا تكون ممزوجة من الطَّرفَيْنِ اَوْ تكون خَالِيَة عَن الطَّرفَيْنِ
اما الخاصية الثَّانِيَة للنبوة وَهِي تَابِعَة للقوة النظرية فَنَقُول
من الْمَعْلُوم الظَّاهِر ان الْأُمُور المعقولة الَّتِي يتَوَصَّل إِلَى اكتسابها بِحُصُول الْحَد الْأَوْسَط بعد الْجَهْل انما يتَوَصَّل إِلَى اكتسابها فِي الْقيَاس وَهَذَا الْحَد الاوسط قد يحصل على ضَرْبَيْنِ من الْحُصُول فَتَارَة يحصل بالحدس والحدس هُوَ فعل الذِّهْن يستنبط بِذَاتِهِ الْحَد الْأَوْسَط والذكاء قُوَّة الحدس وَتارَة يحصل بالتعلم ويتأدى التَّعْلِيم إِلَى الحدس فان الِابْتِدَاء يَنْتَهِي لَا محَالة إِلَى حدوس استنبطها أَرْبَاب تِلْكَ الحدوس ثمَّ أدوها إِلَى المتعلمين فَجَائِز أَن يَقع للانسان بِنَفسِهِ
стр. 117
الحدس وَأَن ينْعَقد فِي ذهنه الْقيَاس بِلَا معلم بشري وَهَذَا يتَفَاوَت بالكم والكيف أما فِي الْكمّ فَلِأَن بعض النَّاس يكون أَكثر حدسا للحدود الْوُسْطَى
أما بالكيف فَلِأَن بعض النَّاس يكون أسْرع زمَان حدس وَلِأَن هَذَا التَّفَاوُت لَيْسَ منحصرا فِي حد بل يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَمنهمْ غبي لَا يعود عَلَيْهِ الْفِكر برادة وَمِنْهُم لَهُ فطانة إِلَى حد مَا ويستمتع بفكره وَمِنْهُم من هُوَ أثقب من ذَلِك وَله إِصَابَة فِي المعقولات وَتلك الثقابة غير متشابهة فِي الْجَمِيع بل رُبمَا قلت وَرُبمَا كثرت فَكَمَا أَنَّك تَجِد جَانب النُّقْصَان يَنْتَهِي إِلَى حد يكون منعدم الحدس فأيقن أَن جَانب الزِّيَادَة يُمكن أَن يَنْتَهِي إِلَى حد يَسْتَغْنِي فِي أَكثر أَحْوَاله عَن التَّعَلُّم والتفكر فَيحصل لَهُ الْعُلُوم دفْعَة وَيحصل مَعَه الوسائط والدلائل فَيمكن إِذا أَن يكون شخص من النَّاس مؤيد النَّفس لشدَّة الصفاء وَكَمَال الِاتِّصَال بالمبادىء الْعَقْلِيَّة إِلَى أَن يشتعل حدسا فِي كل شَيْء فيرتسم فِيهِ الصُّورَة الَّتِي فِي الْعقل الفعال اما دفْعَة وَإِمَّا قَرِيبا من دفْعَة ارتساما لَا تقليديا بل يقينيا مَعَ الْحُدُود الْوُسْطَى والبراهين اللائحة والدلائل الْوَاضِحَة
وَالْفرق بَين الحدس والفكر أَن الفكرة هِيَ حَرَكَة للنَّفس فِي الْمعَانِي مستعينا بالتخيل فِي أَكثر الْأُمُور يطْلب بهَا الْحَد الْأَوْسَط وَمَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا يُقَارِبه إِلَى علم بِالْمَجْهُولِ فِي حَالَة الْفَقْد استعراضا للمخزون فِي الْبَاطِن وَمَا يجْرِي مجْرَاه فَرُبمَا تأدت إِلَى الْمَطْلُوب وَرُبمَا انبتت وَأما الحدس فَهُوَ أَن يتَمَثَّل الْحَد الْأَوْسَط فِي الذِّهْن دفْعَة بِأَن يعلم الْعلَّة فَيعلم الْمَعْلُول أَو يعلم الدَّلِيل فَيحصل لَهُ الْعلم بالمدلول دفْعَة أَو قَرِيبا من دفْعَة وَهَذَا الْحُصُول تَارَة يكون عقيب طلب وشوق وَقد يكون من غير طلب واشتياق بِأَن يكون نفسا شريفة قَوِيَّة مستضيئة فِي نَفسهَا فَيحصل لَهُ الْعُلُوم ابْتِدَاء كَأَنَّهُ ماتخلى إِلَى اخْتِيَاره يكَاد زيتها يضيء ضوء الْفطْرَة وَلَو لم تمسه نَار الفكرة وَلَا يُفَارق طَرِيق الإلهام والحدس طَرِيق الِاكْتِسَاب والفكر فِي نفس الْعلم وَلَا فِي مَحَله وَلَا فِي سَببه لِأَن مَحل الْعلم النَّفس
стр. 118
وَسبب الْعلم الْعقل الفعال أَو الْملك المقرب وَلَكِن يُفَارِقهُ فِي وَجهه زَوَال الْحجاب فَإِن ذَلِك لَيْسَ بِاخْتِيَار العَبْد وَلم يُفَارق الْوَحْي الإلهام فِي شَيْء من ذَلِك بل فِي مُشَاهدَة الْملك الْمُفِيد للْعلم
فان قَالَ قَائِل إِذا كَانَت هَذِه الْقُوَّة الحدسية مَوْجُودَة فِي غير النَّبِي فان الانسان يجد فِي نَفسه هَذَا التحدس فِي مسَائِل كَثِيرَة وَلكُل أحد فِي صناعته حدوس فان شَرط فِي النَّبِي أَن يكون فِي جَمِيع المعقولات فَهُوَ شَرط غير مَوْجُود فانه رُبمَا يمْتَنع عَلَيْهِ الحدس فِي مَسْأَلَة أَو مسَائِل وَأَيْضًا فان عقله حِينَئِذٍ يكون غير مشتبه عَلَيْهِ شَيْء مَا من الْغَيْب وَالشَّهَادَة فَيكون بِعَيْنِه عقلا بِالْفِعْلِ فَلَا يحْتَاج إِلَى وسط فَلَا يكون لَهُ حدس وَقد أثبتم لَهُ الحدس فَهَذَا خلف وان كَانَ الحدس فِي بعض الْمسَائِل فقد شَاركهُ فِيهِ غَيره وَلَيْسَ بخاصية لَهُ
وَأَيْضًا لَيْسَ بعض الْمسَائِل أولى من بعض وَلَيْسَ لَهُ حد مَحْدُود يخْتَص بِالنُّبُوَّةِ فَلم تتَعَيَّن الخاصية النَّبَوِيَّة وَأَيْضًا قد رتبتم الْعقل أَربع مَرَاتِب الهيولاني والملكة وَالْعقل بِالْفِعْلِ وَالْعقل الْمُسْتَفَاد فَفِي أَي مرتبَة تُوجد للنَّبِي خاصية يتَمَيَّز بهَا عَن سَائِر النَّاس
الْجَواب أَن نقُول من لم يثبت فِي الْعُقُول الانسانية تضادا وترتبا لم يستقم لَهُ إِثْبَات هَذِه الخاصية أما التضاد فعقل النَّبِي وعقل الكاهن وَأما الترتب فكعقل النَّبِي وعقل الصّديق والمتضادان خصمان يحتاجان إِلَى حَاكم لَيْسَ فَوْقه حَاكم والمترتبان ينتهيان بعقل لَيْسَ فَوْقه عقل وعَلى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عقل النَّبِي فَوق الْعُقُول كلهَا وحاكم عَلَيْهَا ومتصرف فِيهَا ومخرجها من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل ومكملها بالتكلف إِلَى أقْصَى غايات الْكَمَال اللَّائِق بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَلَا يُمكن التَّنْصِيص على حد مَحْدُود أما إِذا كَانَ يُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الْقُوَّة قَابِلَة للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فعقل النَّبِي فَوق الْعُقُول كلهَا
أما الخاصية الثَّالِثَة التابعة للنَّفس فَنَقُول قد ظهر لنا فِي الْعُلُوم الإلهية أَن
стр. 119
الصُّورَة الَّتِي هِيَ فِي الْأَجْسَام العالمية تَابِعَة فِي الْوُجُود للصور الَّتِي فِي النُّفُوس والعقول الْكُلية وَأَن هَذِه الْمَادَّة طوع لقبُول مَا هُوَ مُتَصَوّر فِي عَالم الْعقل فان تِلْكَ الصُّور الْعَقْلِيَّة مبادىء لهَذِهِ الصُّور الحسية يجب عَنْهَا لذاتها وجود هَذِه الْأَنْوَاع فِي العوالم الجسمانية والأنفس الانسانية قريبَة من تِلْكَ الْجَوَاهِر وَقد نجد لَهَا فعلا طبيعيا فِي الْبدن الَّذِي لكل نفس فان الصُّورَة الارادية الَّتِي ترتسم فِي النَّفس يتبعهَا ضَرُورَة شكل قسري للأعضاء وتحريك غير طبيعي وميل غير غريزي يذعن لَهَا الطبيعة وَالصُّورَة الخوفية الَّتِي ترتسم فِي الخيال يحدث عَنْهَا فِي الْبدن مزاج من غير اسْتِحَالَة عَن محيل طبيعي شَبيه بِنَفسِهِ وَالصُّورَة الغضبية الَّتِي ترتسم فِي الخيال يحدث عَنْهَا فِي الْبدن مزاج آخر من غير محيل شَبيه وَالصُّورَة المعشوقية عِنْد الْقُوَّة الشهوانية إِذا لمحت فِي الخيال حدث عَنْهَا مزاج يحدث ريحًا من الْمَادَّة الرّطبَة فِي الْبدن ويحدره إِلَى الْعُضْو الْمَوْضُوع آلَة للْفِعْل الشهواني حَتَّى تستعد لذَلِك الشَّأْن وَلَيْسَت طبيعة الْبدن الا من عنصر الْعَالم وَلَوْلَا أَن هَذِه الطبائع مَوْجُودَة فِي جَوْهَر العنصر لما وجد فِي هَذَا الْبدن وَلَا ننكر أَن يكون من القوى النفسانية مَا هُوَ أقوى فعلا وتأثيرا من أَنْفُسنَا نَحن حَتَّى لَا يقْتَصر فعلهَا فِي الْمَادَّة الَّتِي رسم لَهَا وَهُوَ بدنهَا بل إِذا شَاءَت أحدثت فِي مَادَّة مالم مَا تتصوره فِي نَفسهَا وَلَيْسَ يكون مبدأ تِلْكَ الاحداث تَحْرِيك وتسكين وتبريد وتسخين وتكثيف وتليين كَمَا تفعل فِي بدنهَا فَيتبع ذَلِك أَن يحدث سحب هاطلة ورياح وصواعق وزلازل وصياح مثير ويتبعه مياه وعيون جَارِيَة وَمَا أشبه ذَلِك فِي الْعَالم بِإِرَادَة هَذَا الانسان وَالَّذِي يَقع لَهُ هَذَا الْكَمَال فِي جبلة النَّفس ثمَّ يكون خيرا متحليا بالسيرة الفاضلة ومحامد الْأَخْلَاق وسير الروحانيين مجتنبا عَن الرذائل ودنيات الامور فَهُوَ ذُو معْجزَة من الْأَنْبِيَاء أَي من يَدعِي النُّبُوَّة ويتحدى بهَا وَتَكون هَذِه الْأُمُور مقرونة بِدَعْوَى النُّبُوَّة أَو كَرَامَة من الْأَوْلِيَاء ويزيده تَزْكِيَة لنَفسِهِ وَضَبطه القوى واسلاسها من هَذَا الْمَعْنى زِيَادَة على مُقْتَضى جبلته ثمَّ من يكون شريرا ويستعمله فِي الشَّرّ فَهُوَ السَّاحر الْخَبيث
стр. 120
وَاعْلَم أَن هَذِه الاشياء لَيْسَ القَوْل بهَا وَالشَّهَادَة لَهَا هِيَ ظنون امكانية سير اليها من أُمُور عقلية فَقَط وَإِن كَانَ ذَلِك أمرا مُعْتَمدًا لَو كَانَ وَلكنهَا تجارب لما ثبتَتْ طلب اسبابها وَمن حسن الِاتِّفَاق لمحبي الاستبصار أَن يعرض لَهُم هَذِه الْأَحْوَال فِي انفسهم أَو يشاهدوها مرَارًا مُتَوَالِيَة فِي غَيرهم حَتَّى يصير ذَلِك ذوقا فِي اثبات امور عَجِيبَة لَهَا وجود وَصِحَّة وداعيا لَهُ إِلَى طلب سَببهَا فانه إِذا اقْترن الذَّوْق بِالْعلمِ كَانَ ذَلِك من أحسن الْفَوَائِد وَأعظم العوائد وَالله ولي التَّوْفِيق
خَاتِمَة مَا أفضل النَّوْع البشري
فأفضل النَّوْع البشري من أُوتِيَ الْكَمَال فِي حدس القوى النظرية حَتَّى اسْتغنى عَن الْمعلم البشري اصلا وأوتي للقوة المتخيلة استقامة وهمة لَا يلْتَفت إِلَى الْعَالم المحسوس بِمَا فِيهِ حَتَّى يُشَاهد الْعَالم النفساني بِمَا فِيهِ من احوال الْعَالم ويستثبتها فِي الْيَقَظَة فَيصير الْعَالم وَمَا يجْرِي فِيهِ متمثلا لَهَا ومنتقشا بهَا وَيكون لقُوته النفسانية أَن تُؤثر فِي عَالم الطبيعة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة النُّفُوس السماوية
ثمَّ الَّذِي لَهُ الْأَمْرَانِ الْأَوَّلَانِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَمر الثَّالِث ثمَّ الَّذِي لَهُ هَذَا التهيؤ الطبيعي فِي الْقُوَّة النظرية دون العلمية ثمَّ الَّذِي يكْتَسب هَذَا الاستكمال فِي الْقُوَّة النظرية وَلَا حِصَّة لَهُ فِي أَمر الْقُوَّة العلمية من الْحُكَمَاء الْمَذْكُورين ثمَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْقُوَّة النظرية لَا تهيؤ طبيعي وَلَا اكْتِسَاب تكلفي وَلَكِن لَهُ التهيؤ فِي الْقُوَّة العلمية فالرئيس الْمُطلق وَالْملك الْحَقِيقِيّ الَّذِي يسْتَحق بِذَاتِهِ أَن يملك هُوَ الأول من الْعدة الْمَذْكُورين الَّذِي إِن نسب نَفسه إِلَى عَالم الْعقل وجد كَأَنَّهُ يتَّصل بِهِ دفْعَة وَاحِدَة وَإِن نسب إِلَى عَالم النَّفس وجد كَأَنَّهُ من سكان ذَلِك الْعَالم وَإِن نسب نَفسه إِلَى عَالم الطبيعة كَانَ فعالا فِيهِ مَا يَشَاء وَالَّذِي يتلوه أَيْضا رَئِيس كَبِير بعده فِي الْمرتبَة وَالْبَاقُونَ هم اشراف النَّوْع الانساني وكرامه
واما الَّذين لَيْسَ لَهُم استكمال شَيْء من القوى إِلَّا انهم يصلحون الْأَخْلَاق ويقتنون الملكات الْفَضِيلَة فهم الاذكياء من النَّوْع الانساني لَيْسُوا من ذَوي الْمَرَاتِب الْعَالِيَة إِلَّا انهم متميزون من سَائِر اصناف الانسان
стр. 121
السَّعَادَة والشقاوة بعد الْمُفَارقَة
اعْلَم ان الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم اجمعين شرحوا أَحْوَال الْآخِرَة اتم شرح وَبَيَان وَإِنَّمَا بعثوا لسوق النَّاس اليها ترغيبا وترهيبا وتشويقا وتخويفا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل لَا سِيمَا مَا فِي الشَّرِيعَة الْأَخِيرَة من تَقْرِير احوال الْمعَاد بالروحاني والجسداني والعاجل والآجل وَضرب الْأَمْثَال فِيهَا واقامة الْبَرَاهِين عَلَيْهَا وانما يتعرف حَال مَا بعد الْمَوْت من الانبياء ﵈ لأَنهم الَّذين اطلعوا على أَحْوَاله وَحيا واخبارا وَالْعقل الْمُجَرّد كَيفَ يَهْتَدِي إِلَى مقادير الْعُلُوم والأخلاق حَتَّى يرتب على كل علم وَعمل جَزَاء فِي الْآخِرَة مُقَدرا عَلَيْهَا مناسبا لَهَا وَمن الْمَعْلُوم أَن مترتبة متفاضلة وانما شرفها بشرف معلوماتها ومقادير الشّرف فِيهَا مترتبة على مقادير شرف المعلومات ومقادير السَّعَادَة بهَا وَالْجَزَاء عَلَيْهَا مُرَتّب على مقادير الشّرف فِيهَا وَكَذَلِكَ الْأَخْلَاق والأعمال مُتَفَاوِتَة متفاضلة ومتمايزة بِالْخَيرِ وَالشَّر والمقادير فِيهَا عملا وَجَزَاء مِمَّا لَا يَهْتَدِي اليه عقل كل عَاقل إِلَّا ان يكون مؤيدا من عِنْد الله بِالْوَحْي والانباء مطلعا على مَا فِي ذَلِك الْعَالم من انواع الْجَزَاء فاذا السَّعَادَة الْبَدَنِيَّة قد شرحها الشَّرْع اتم شرح وَبَيَان فَلَا يحْتَاج الى مزِيد بسط
اما السَّعَادَة اَوْ الشقاوة الَّتِي بِحَسب الرّوح وَالْقلب فقد اشار اليها وَنبهَ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِع وَنحن نشرح ذَلِك بِقدر ماتهتدي اليه الْعُقُول القاصرة فِي دَار الغربة
стр. 122
فَنَقُول يجب أَن يعلم أَن لكل قُوَّة نفسانية لَذَّة وَخيرا يَخُصهَا وأذى وشرا يَخُصهَا مِثَاله أَن لَذَّة الشَّهَوَات أَن يتَأَدَّى اليها من محسوساتها كَيْفيَّة ملائمة من الْحس وَكَذَلِكَ لَذَّة الْغَضَب الظفر وَلَذَّة الْوَهم الرَّجَاء وَلَذَّة الْحِفْظ تذكر الْأُمُور الْمَاضِيَة الموفقة وأذى كل وَاحِد مِنْهَا مَا يضاده وتشترك كلهَا نوعا من الشّركَة فِي أَن الشُّعُور بموافقها وملائمها هُوَ الْخَيْر واللذة الْحَاصِلَة بهَا وموافق كل وَاحِد مِنْهَا بِالذَّاتِ والحقيقة هُوَ حُصُول الْكَمَال الَّذِي هُوَ بِالْقِيَاسِ اليه كَمَال بِالْفِعْلِ فَهَذَا أصل وَأَيْضًا فَإِن هَذِه القوى وان اشتركت فِي هَذِه الْمعَانِي فَإِن مراتبها فِي الْحَقِيقَة مُخْتَلفَة فَالَّذِي كَمَاله أفضل وَأتم وأدوم وأوصل اليه وأحصل لَهُ وَالَّذِي هُوَ فِي نَفسه أَشد إدراكا كَانَت اللَّذَّة الَّتِي لَهُ أبلغ وأوفر وَهَذَا أصل وَقد يكون الْخُرُوج إِلَى الْفِعْل فِي كَمَال بِحَيْثُ يعلم أَنه كَائِن لزيد وَلَا يشْعر باللذة مالم يحصل لَهُ ومالم يشْعر بِهِ لم ينْزع نَحوه مثل الْعنين فانه مُتَحَقق أَن الْجِمَاع لذيذ وَلَكِن لَا يشتهيه وَلَا يحن اليه الاشتهاء والحنين اللَّذين يكونَانِ مخصوصين بِهِ بل شَهْوَة أُخْرَى كَمَا يَشْتَهِي من يجرب شَهْوَة من حَيْثُ يحصل بهَا إِدْرَاك وَإِن كَانَ مُؤْذِيًا وَكَذَلِكَ حَال الأكمه عِنْد الصُّور الجمالية والأصم عِنْد الألحان المنتظمة الرخيمة وَلِهَذَا يجب أَن لَا يتَوَهَّم الْعَاقِل أَن كل لَذَّة فَهُوَ كَمَا للحمار فِي بَطْنه وفرجه وَأَن المباديء الأول المقربة عِنْد رب الْعَالمين عادمة للذة وَالْغِبْطَة
وان رب الْعَالمين لَيْسَ فِي سُلْطَانه وخاصيته الْبَهَاء الَّذِي لَهُ وقوته الْغَيْر المتناهية أَمر فِي غَايَة الْفَضِيلَة والشرف وَالطّيب نجله عَن أَن نُسَمِّيه لَذَّة فَأَي نِسْبَة يكون لذَلِك مَعَ هَذِه الحسية وَنحن نَعْرِف ذَلِك يَقِينا وَلَكِن لَا نشعر بِهِ لفقداننا تِلْكَ الْحَالة فَيكون حَالنَا حَال الْأَصَم والأكمه وَهَذَا أصل وَأَيْضًا فَإِن الْكَمَال وَالْأَمر الملائم قد يَتَيَسَّر للقوة الدراكة وَهُنَاكَ مَانع أَو شاغل للنَّفس فيكرهه ويؤثر ضِدّه عَلَيْهِ مثل كَرَاهِيَة الْمَرِيض للعسل وشهوته للطعوم الردية الكريهة بِالذَّاتِ وَرُبمَا لم يكن كَرَاهِيَة وَلَكِن عدم الاستلذاذ بِهِ
стр. 123
كالخائف يجد اللَّذَّة وَلَا يشْعر بهَا وَهَذَا أصل وَأَيْضًا قد تكون الْقُوَّة الداركة ممنوة بضد مَا هُوَ كمالها وَلَا يحس بِهِ وَلَا ينفر عَنهُ حَتَّى اذا زَالَ العائق رَجَعَ الى غريزته فتأذت بِهِ مثل الممرور فَرُبمَا لَا يحس بمرارة فَمه الى ان يصلح مزاجه وينقي أعضاءه فَحِينَئِذٍ ينفر عَن الْحَال الْعَارِضَة لَهُ وَكَذَلِكَ قد يكون الْحَيَوَان غير مشته للغذاء الْبَتَّةَ وَهُوَ أوفق شَيْء لَهُ وكارها لَهُ وَيبقى عَلَيْهِ مُدَّة طَوِيلَة فاذا زَالَ العائق عَاد الى واجبه فِي طبعه فَاشْتَدَّ جوعه وشهوته للغذاء حَتَّى لَا يصبر عَنهُ وَيهْلك عِنْد فقدانه وَكَذَلِكَ قد يحصل سَبَب الْأَلَم الْعَظِيم مثل حرق النَّار وتبريد الزَّمْهَرِير إِلَّا أَن الْحس قد أَصَابَته آفَة فَلَا يتَأَذَّى الْبدن بِهِ حَتَّى تَزُول الآفة فيحس بِهِ حِينَئِذٍ
فاذا تقررت هَذِه الْأُصُول فَنَقُول إِن النَّفس الناطقة كمالها الْخَاص بهَا أَن يصير عَالما عقليا مرتسما فِيهِ صُورَة الْكل والنظام الْمَعْقُول فِي الْكل وَالْخَيْر الفائض فِي الْكل مُبْتَدأ من مبدأ الْكل وسالكا إِلَى الْجَوَاهِر الشَّرِيفَة الروحانية الْمُطلقَة ثمَّ الروحانيات الْمُعَلقَة نوعا مَا من التَّعَلُّق بالأبدان ثمَّ الْأَجْسَام العلوية بهيئاتها وقواها ثمَّ كَذَلِك حَتَّى تستوفي فِي نَفسهَا هَيْئَة الْوُجُود كُله فينقلب عَالما معقولا موازيا للْعَالم الْمَوْجُود كُله مشاهدا لما هُوَ الْحسن الْمُطلق وَالْجمال الْمُطلق ومتحدا بِهِ ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا فِي سلكه وصايرا من جوهره
فاذا قيس هَذَا بالكمالات المعشوقة الَّتِي للقوى الْأُخْرَى تُوجد فِي الْمرتبَة الَّتِي بِحَيْثُ يقبح مَعهَا أَن يُقَال إِنَّه أفضل وَأتم مِنْهَا بل لانسبة لَهَا الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه فَضِيلَة وتماما وَكَثْرَة ودواما وَكَيف يُقَاس الدَّوَام الأبدي بدوام الْمُتَغَيّر الْفَاسِد وَكَذَلِكَ شدَّة الْوُصُول فَكيف يكون مَا وُصُوله بملاقاة السطوح والأجسام بِالْقِيَاسِ الى مَا وُصُوله بالسريان فِي جَوْهَر الشَّيْء كَأَنَّهُ هُوَ بِلَا انْفِصَال اذا الْعقل والمعقول وَاحِد أَو قريب من الْوَاحِد وَأما أَن الْمدْرك فِي نَفسه أكمل فَهُوَ أَمر لَا يخفى وَأما انه أَشد إدراكا فَأمر أَيْضا يكْشف عَنهُ أدنى بحث فَإِنَّهُ أَكثر عددا للمدركات وَأَشد تقصيا للمدرك وتجريدا لَهُ عَن الزَّوَائِد الْغَيْر الدَّاخِلَة فِي
стр. 124
مَعْنَاهُ الا بِالْعرضِ والخوض فِي بَاطِنه وَظَاهره بل كَيفَ يعاير هَذَا الادراك بذلك الادراك أَو كَيفَ يمكننا أَن ننسب اللَّذَّة الحسية والبهيمية والغضبية الى هَذِه السعادات وَاللَّذَّات وَلَكنَّا فِي عالمنا هَذَا وأبداننا هَذِه وانغمارنا فِي الرذائل لَا نحس بِتِلْكَ اللَّذَّة اذا حصل شَيْء من أَسبَابهَا عندنَا كَمَا أومأنا اليه فِي بعض مَا قدمْنَاهُ من الْأُصُول وَلذَلِك لَا نطلبها وَلَا نَحن إِلَيْهَا اللَّهُمَّ الا أَن نَكُون قد خلعنا ربقة الشَّهْوَة وَالْغَضَب وأخواتهما عَن أعناقنا وطالعنا شَيْئا من تِلْكَ اللَّذَّة فَحِينَئِذٍ رُبمَا نتخيل مِنْهَا خيالا طفيفا ضَعِيفا وخصوصا عِنْد انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينية والتذاذنا بذلك شَبيه بالتذاذ الْحس عَن المذاقات اللذيذة بروائحها من بعيد
وَأما اذا انفصلنا عَن الْبدن وَكَانَت النَّفس تنبهت وَهِي فِي الْبدن لكمالها الَّذِي هُوَ معشوقها وَلم تحصله وَهِي بالطبع نازعة اليه اذا عقلت بِالْفِعْلِ أَنه مَوْجُود إِلَّا أَن اشتغالها بِالْبدنِ كَمَا قُلْنَا أنساه ذَاته ومعشوقه كَمَا ينسي الْمَرَض الْحَاجة إِلَى بدل مَا يتَحَلَّل وكما ينسى الممرور الالتذاذ بالحلو واشتهاءه وتميل بالشهوة مِنْهُ الى المكروهات فِي الْحَقِيقَة عرض لَهَا حِينَئِذٍ من الْأَلَم لفقدانه كفاء مَا يعرض من اللَّذَّة الَّتِي أَوجَبْنَا وجودهَا ودللنا على عظم منزلتها فَيكون ذَلِك هُوَ الشقاوة والعقوبة الَّتِي لَا يعدلها تَفْرِيق النَّار للاتصال وتبديلها أَو تَبْدِيل الزَّمْهَرِير المزاج فَيكون مثلنَا حِينَئِذٍ مثل الخدر الَّذِي أومأنا إِلَيْهِ فِيمَا سلف وَالَّذِي قد عمل فِيهِ نَارا وزمهريرا فمنعت الْمَادَّة الملابسة وُجُوه الْحس عَن الشُّعُور فَلم يتأذ ثمَّ عرض أَن زَالَ العائق فشعر بالبلاء الْعَظِيم
وَأما اذا كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة بلغت من النَّفس حدا من الْكَمَال فيمكنها بِهِ اذا فَارَقت الْبدن أَن تستكمل الْكَمَال الَّذِي لَهَا أَن تبلغه كَانَ مثله مثل الخدر الَّذِي أذيق الْمطعم الألذ وَعرض للحالة الأشهى وَكَانَ لَا يشْعر فَزَالَ عَنهُ الخدر فطالع اللَّذَّة الْعَظِيمَة دفْعَة وَتَكون تِلْكَ اللَّذَّة لَا من جنس تِلْكَ اللَّذَّة الحسية والحيوانية
стр. 125
بِوَجْه بل لَذَّة تتشاكل الْحَالة الطّيبَة الَّتِي للجواهر الْحَيَّة الْمَحْضَة أجل من كل لَذَّة وأشرف فَهَذِهِ السَّعَادَة وَتلك الشقاوة لَيست تكون لكل وَاحِد من الناقصين بل للَّذين أكسبوا اللَّذَّة الْعَقْلِيَّة الشوق الى كمالها وَذَلِكَ عِنْدَمَا يتبرهن لَهُم أَن من شَأْن النَّفس إِدْرَاك مَاهِيَّة الْكل بكسب الْمَجْهُول من الْمَعْلُوم والاستكمال بِالْفِعْلِ فَإِن ذَلِك لَيْسَ فِيهَا بالطبع الأول أَيْضا فِي سَائِر القوى بل شُعُور أَكثر القوى بكمالاتها إِنَّمَا يحدث بعد أَسبَاب
وَأما النُّفُوس والقوى الساذجة الصرفة فَكَأَنَّهَا هيولى مَوْضُوعَة لم تكتسب الْبَتَّةَ هَذَا الشوق لِأَن هَذَا الشوق إِنَّمَا يحدث حدوثا وينطبع فِي جَوْهَر النَّفس اذا تبرهن للقوة النفسانية أَن هَهُنَا أمورا يكسبها الْعلم بالحدود الْوُسْطَى وبمباديء مَعْلُومَة بأنفسها وَأما قبل ذَلِك فَلَا يكون لِأَن هَذَا الشوق يتبع رَأيا وَلَيْسَ رَأيا أوليا بل رَأيا مكتسبا فَهَؤُلَاءِ اذا اكتسبوا هَذَا الرَّأْي لزم النَّفس ضَرُورَة هَذَا الشوق واذا فَارق وَلم يحصل مَعَه مَا يبلغ بِهِ بعد الِانْفِصَال التَّام وَقع فِي هَذَا النَّوْع من الشَّقَاء الأبدي لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَت تِلْكَ السَّعَادَة تكتسب بِالْبدنِ لَا غير وَقد فَارق وَهَؤُلَاء إِمَّا مقصرون عَن السَّعْي فِي كسب الْكَمَال الْإِنْسِي أَو معاندون جاحدون متعصبون لآراء فَاسِدَة متضادة للآراء الْحَقِيقِيَّة وَحَال الجاحدين أَشد من حَال الْمُقَصِّرِينَ وَحَال الْمُقَصِّرِينَ أَشد من حَال النُّفُوس الساذجة الصرفة وَأما أَنه كم يَنْبَغِي أَن يحصل عِنْد نفس الانسان من تصور المعقولات حَتَّى يُجَاوز بِهِ الْحَد الَّذِي فِي مثله تقع هَذِه الشقاوة فَلَيْسَ يمكنني أَن أنص عَلَيْهِ نصا الا بالتقريب وأظن أَن ذَلِك أَن يتَصَوَّر نفس الانسان المباديء الْمُفَارقَة تصورا حَقِيقِيًّا وَيصدق بهَا تَصْدِيقًا يقينيا لوجودها عِنْده بالبرهان وَيعرف الْعِلَل الغائية للأمور الْوَاقِعَة فِي الحركات الْكُلية دون الْجُزْئِيَّة الَّتِي لَا تتناهى ويتقرر عِنْده هَيْئَة الْكل وَنسب أَجْزَائِهِ بَعْضهَا إِلَى بعض والنظام الْآخِذ من المبدأ الأول إِلَى أقْصَى الموجودات الْوَاقِعَة فِي ترتيبه وَيتَصَوَّر الْعِنَايَة الشاملة للْكُلّ وكيفيتها ويتحقق أَن الذَّات الْحق الموجد للْكُلّ أَي وجود يَخُصهَا وَأي وحدة تخصها وَأَنَّهَا
стр. 126
كَيفَ تعرف حَتَّى لَا يلْحقهَا تكْثر وَتغَير بِوَجْه من الْوُجُوه وَكَيف ترتبت نِسْبَة الْوُجُود اليه جلّ وَعلا ثمَّ كلما ازْدَادَ النَّاظر استبصارا ازْدَادَ للسعادة اسْتِعْدَادًا وَكَأَنَّهُ لَيْسَ يتبرأ الانسان عَن هَذَا الْعَالم وعلائقه إِلَّا أَن يكون أكد العلاقة مَعَ ذَلِك الْعَالم فَصَارَ لَهُ شوق الى ماهناك وعشق لما هُنَاكَ يصده عَن الِالْتِفَات الى مَا خَلفه جملَة
ونقول أَيْضا إِن هَذِه السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة لَا تتمّ إِلَّا بإصلاح الْجُزْء العملي من النَّفس فاليه يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ ونقدم لذَلِك مُقَدّمَة فَنَقُول إِن الْخلق هُوَ ملكة يصدر بهَا عَن النَّفس أَفعَال مَا بسهولة من غير تقدم روية والخلق الْمَحْمُود هُوَ الْوسط بَين الطَّرفَيْنِ المذمومين فكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَقد شرحنا ذَلِك أتم شرح فِيمَا سبق وَجُمْلَته أَن لَا تحكم العلاقة مَعَ القوى الْبَدَنِيَّة قصدا بل يكون لِلْعَقْلِ العملي يَد الِاسْتِيلَاء وللقوة الحيوانية الأنقياد والمطاوعة
فالعقل يَنْبَغِي أَن يتأثر عَن القوى الحيوانية بل يُؤثر والقوى الحيوانية يَنْبَغِي أَن تتأثر وَلَا تُؤثر فاذا كَانَ كَذَلِك فَتكون النَّفس على جبلتها مَعَ إِفَادَة هَيْئَة الاستعلاء والتنزه وَذَلِكَ غير مضاد لجوهره وَلَا مائل بِهِ إِلَى جِهَة الْبدن ثمَّ النَّفس إِنَّمَا كَانَ الْبدن يغمره ويلهيه ويغفله عَن الشوق الَّذِي يَخُصُّهُ وَعَن طلب الْكَمَال الَّذِي لَهُ وَعَن الشُّعُور بلذة الْكَمَال إِن حصل لَهُ أَو الشُّعُور بألم فقد الْكَمَال إِن قصر عَنهُ لَا بِأَن النَّفس منطبعة فِيهِ أَو منغمسة فِيهِ لَكِن للعلاقة الَّتِي بَينهمَا وَهُوَ الشوق الْجبلي الى تَدْبيره والاشتغال بآثاره وَمَا يُورِدهُ عَلَيْهِ من عوارضه فاذا فَارق وَفِيه ملكة الِاتِّصَال بِهِ وَكَانَ قريب الشّبَه من حَاله وَهُوَ فِيهِ فبقدر مَا ينقص من ذَلِك يَزُول عَنهُ غفلته عَن حَرَكَة الشوق الَّذِي لَهُ إِلَى كَمَاله وبقدر مَا يبْقى مِنْهُ يصده عَن الِاتِّصَال الصّرْف بِمحل سعادته وَيحدث هُنَاكَ من الحركات المشوشة مَا يعظم أَذَاهُ
ثمَّ تِلْكَ الْهَيْئَة الْبَدَنِيَّة مضادة لجوهره مؤذية لَهُ وانما كَانَ يلهيه عَنهُ الْبدن
стр. 127
وَتَمام انغماسه فِيهِ فَإِذا فارقته أحست بِتِلْكَ المضادة الْعَظِيمَة فان النَّاس نيام فاذا مَاتُوا انتبهوا وتأذت أَذَى عَظِيما لَكِن هَذَا الْأَذَى وَهَذَا الْأَلَم لَيْسَ لأمر ذاتي بل لأمر عَارض غَرِيب وَالْأَمر الْعَارِض الْغَرِيب لَا يَدُوم وَلَا يبْقى وَيَزُول وَيبْطل مَعَ ترك الْأَفْعَال الَّتِي كَانَت تثبت تِلْكَ الْهَيْئَة بتكريرها فَيلْزم اذا أَن تكون الْعقُوبَة الَّتِي بِحَسب ذَلِك غير خالدة بل تَزُول وتنمحي قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى تزكو النَّفس وتبلغ السَّعَادَة الَّتِي تخصها وَلِهَذَا لم ير أهل السّنة تخليد أهل الْكَبَائِر من الْمُؤمنِينَ لِأَن أصل الِاعْتِقَاد راسخ والعوارض تَزُول ويعفى عَنْهَا وَتغْفر
وَأما النُّفُوس البله الَّتِي لم تكتسب الشوق وَلم تحن الى المعارف الَّتِي للعارفين فانها اذا فَارَقت الْأَبدَان وَكَانَت غير مكتسبة للهيئات الردية صَارَت الى سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى وَنَوع من الرَّاحَة وَلِهَذَا قَالَ ﵇ أَكثر أهل الْجنَّة البله وعليون لِذَوي الْأَلْبَاب وَأما إِن كَانَت مكتسبة للهيئات الْبَدَنِيَّة ملطخة بِالْمَعَاصِي وكدورات الشَّهَوَات وَلَيْسَ عِنْدهَا هَيْئَة غير ذَلِك وَلَا معنى يضاده وينافيه فَيكون لَا محَالة شوقها الى مقتضاها فتتعذب عذَابا شَدِيدا لفقدان الْبدن ومقتضيات الْبدن من غير أَن يحصل المشتاق اليه لِأَن آلَة الذّكر والفكر قد بطلت وَخلق التَّعَلُّق بِالْبدنِ قد بَقِي وَإِن اعتقدت اعتقادات بَاطِلَة وآراء فَاسِدَة وَمَعَ ذَلِك تعصب لتِلْك الاعتقادات وَجحد الْحق فَذَلِك هُوَ حَلِيف ألم ورفيق عَذَاب أَلِيم مُقيم
فخلاصة هَذَا الْفَصْل أَن النَّفس بعد الْمُفَارقَة إِن كَانَت قد فَارَقت قبل أَن اكْتسبت حَقًا أَو بَاطِلا فَهُوَ من أهل النجَاة لَا مستريح منعم وَلَا معذب كَحال الصّبيان والمجانين وَإِن كَانَت معتقدة وهمية فَاسِدَة مضادة للحق وأضاف اليها أعمالا على خلاف الشَّرْع فَهُوَ فِي عَذَاب مُقيم وَإِن اعتقدت اعتقادا حَقًا لَا عَن براهين يقينية وأضاف اليها أعمالا صَالِحَة فَهُوَ من أهل الْجنَّة وَإِن اعتقدت اعتقادات حقة وَلَكِن اشتغلت بزخارف الدُّنْيَا ولذاتها وشهواتها فَهُوَ معذب ملتفت الى مَا خَلفه غير وَاصل اليه لِأَن آلَة طلب الدُّنْيَا قد بطلت إِلَّا أَن هَذَا الْعَذَاب لَا
стр. 128
يبْقى بل يَزُول إِذْ أَتَى عَلَيْهِ مُدَّة من الزَّمَان وان كَانَت من الْعُلُوم فِي دَرَجَة الْكَمَال واعتقدت الْحَقَائِق على براهين يقينية وَلَكِن تنتهج مناهج الشَّرْع وَلم تسلك سَبِيل الْخيرَات وَلم يعْمل بعلمها فَهُوَ معذب مُدَّة وَلَكِن يَزُول وَلَا يبْقى ويبلغ بِالآخِرَة دَرَجَة من السَّعَادَة بِسَبَب الْعلم لِأَن هَذِه الْعَوَارِض بِمُقْتَضى الشَّهَوَات وَتلك تَزُول وان حصل لَهُ الْعُلُوم اليقينية إِمَّا على سَبِيل الْفِكر ونزه أخلاقه وحسنها وَعمل بِمُوجب الشَّرْع فَلهُ الدرجَة الْعليا فِي السَّعَادَة وَله الْوُصُول بِلَا انْفِصَال وَهُوَ النّظر الى الْجمال الْحق والجلال الْمَحْض والكمال الصّرْف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَحق الْعَاقِل أَن يسْعَى لطلب تِلْكَ السَّعَادَة ويحترز عَن مضادها وعوائقها وَالله ولي التَّيْسِير والتوفيق
وَالنَّفس الانسانية اذا تجردت عَن الْبدن وَلم يبْق لَهَا علاقَة إِلَّا بعالمها فانه يجوز أَن يكون فِيهَا مَا يكون بِالْعقلِ والرأي وَسَائِر مَا يعقل مِمَّا يَلِيق بذلك الْعَالم الَّذِي هُوَ عَالم الثَّبَات والكون بِالْفِعْلِ وَهُوَ عَالم اتِّصَال النَّفس بالمبادىء الَّتِي فِيهَا هَيْئَة الْوُجُود كلهَا فتنتقش بِهِ فَلَا يكون هُنَاكَ نُقْصَان وَانْقِطَاع من الْفَيْض المتمم حَتَّى تحْتَاج أَن يفعل فعلا ينَال بِهِ كمالا وَيَقُول قولا ينَال بِهِ كمالا وَذَلِكَ هُوَ الْفِكر وَالذكر وَنَحْوهمَا فانها تنتقش بنقش الْوُجُود كُله فَلَا يحْتَاج إِلَى طلب نقش آخر فَلَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِمَّا كَانَ فِي هَذَا الْعَالم وَفِي تَحْصِيلهَا على هيئاتها الْجُزْئِيَّة طالبة لَهَا من حَيْثُ كَانَت جزئية وَالنَّفس الزكية تعرض عَن هَذَا الْعَالم وَهِي مُتَّصِلَة بعد بِالْبدنِ وَلَا تحفظ مَا يجْرِي فِيهِ عَلَيْهَا وَلَا تحب أَن تذكر فَكيف الفائز بالتجرد الْمَحْض مَعَ الِاتِّصَال بِالْحَقِّ وَالْجمال الْمَحْض والعالم الْأَعْلَى الَّذِي فِي حيّز السرمد وَهُوَ عَالم ثبات لَيْسَ عَالم التجدد الَّذِي فِي مثله يَتَأَتَّى أَن يَقع الْفِكر وَالذكر وانما عَالم التجدد عَالم الْحَرَكَة وَالزَّمَان فالمعاني الْعَقْلِيَّة الصرفة والمعاني الَّتِي تصير جزئية مادية كلهَا هُنَاكَ بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ حَال نفوسنا
стр. 129
وَالْحجّة فِي ذَلِك أَنه لَا يجوز أَن تَقول إِن صور المعقولات حصلت فِي الْجَوَاهِر الَّتِي فِي ذَلِك الْعَالم على سَبِيل الِانْتِقَال من مَعْقُول فَلَا يكون هُنَاكَ انْتِقَال من حَال إِلَى حَال حَتَّى انه لَا يَقع أَيْضا للمعنى الْكُلِّي تقدم زماني على الْمَعْنى الجزئي كَمَا يَقع هَهُنَا فانك تحصل الْكُلِّي أَولا ثمَّ تَأتي الْحَالة الزمانية فتفصل بل الْعلم بالمجمل من حَيْثُ هُوَ مُجمل وبالمفصل من حَيْثُ هُوَ مفصل مِمَّا لَا يفصل بَينهمَا الزَّمَان فاذا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الْجَوْهَر الَّذِي هوالخاتم فَكَذَلِك هُوَ فِي الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ كالشمع فان نِسْبَة الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ كالشمع حِين ترْتَفع الْعَوَائِق إِلَى الَّذِي هُوَ كالخاتم نِسْبَة وَاحِدَة فَلَا يتَقَدَّم فِيهَا انتقاش وَلَا يتَأَخَّر بل الْكل مَعًا وَهَذَا فصل فِي غَايَة التَّحْقِيق
стр. 130
حَقِيقَة اللِّقَاء والرؤية
اعْلَم أَن المدركات تَنْقَسِم إِلَى مَا يدْخل فِي الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الْحَيَوَان والنبات وَإِلَى مَا لَا يدْخل كذات الله سُبْحَانَهُ وكل مَا لَيْسَ بجسم كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة والارادة وَغَيرهَا وَمن رأى إنْسَانا ثمَّ غمض بَصَره وجد صورته حَاضِرَة فِي خياله كَأَنَّهُ ينظر اليها وَلَكِن إِذا فتح الْعين وَأبْصر أدْرك تَفْرِقَة بَينهمَا وَلَا يرجع التَّفْرِقَة إِلَى اخْتِلَاف بَين الصُّورَتَيْنِ لِأَن الصُّورَة المرئية تكون مُوَافقَة للمتخيلة وَإِنَّمَا الِافْتِرَاق بمزيد الوضوح والكشف فان صُورَة المرئي صَارَت بِالرُّؤْيَةِ أتم انكشافا ووضوحا وَهُوَ كشخص يرى فِي وَقت الْإِسْفَار قبل انتشار ضوء النَّهَار ثمَّ يرى عِنْد تَمام الضَّوْء فانه لاتفارق إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْأُخْرَى إِلَّا فِي مزِيد الانكشاف فاذا الخيال أول الادراك والرؤية هُوَ استكمال ادراك الخيال وَهُوَ غَايَة الْكَشْف لَا لِأَنَّهُ فِي الْعين بل لَو خلق الله تَعَالَى هَذَا الادارك الْكَامِل المكشوف فِي الْجَبْهَة أَو الصَّدْر مثلا اسْتحق أَن يُسمى رُؤْيَة
واذا فهمت هَذَا فِي المتخيلات فَاعْلَم أَن المعلومات الَّتِي لَا تتشكل فِي الخيال أَيْضا لمعرفتها وإدراكها درجتان إِحْدَاهمَا أولى وَالثَّانيَِة استكمال لَهَا وَبَين الثَّانِيَة وَالْأولَى من التَّفَاوُت فِي مزِيد الْكَشْف والايضاح مَا بَين المتخيل والمرئي فتسمى الثَّانِيَة أَيْضا بالاضافة إِلَى الأولى مُشَاهدَة ولقاء ورؤية وَهَذِه التَّسْمِيَة حق لِأَن الرُّؤْيَة سميت رُؤْيَة لِأَنَّهَا غَايَة الْكَشْف وكما أَن سنة الله جَارِيَة بِأَن تطبيق
стр. 131
الأجفان يمْنَع من تَمام الْكَشْف بِالرُّؤْيَةِ وَيكون حِجَابا بَين الْبَصَر والمرئي وَلَا بُد من ارْتِفَاع الْحجاب لحُصُول الرُّؤْيَة وَمَا لم يرْتَفع كَانَ الادراك الْحَاصِل مُجَرّد التخيل فَكَذَلِك مُقْتَضى سنة الله تَعَالَى أَن النَّفس مَا دَامَت محجوبة بعوارض الْبدن وَمُقْتَضى الشَّهَوَات وَمَا غلب عَلَيْهَا من الصِّفَات البشرية فانها لَا تَنْتَهِي إِلَى الْمُشَاهدَة واللقاء فِي المعلومات الخارجية عَن الخيال بل هَذِه الْحَيَاة حجاب لَهَا مَانع عَنْهَا بِالضَّرُورَةِ كحجاب الأجفان عَن رُؤْيَة الْأَبْصَار
وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿لن تراني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَي فِي الدُّنْيَا فاذا ارْتَفع الْحجاب بِالْمَوْتِ بقيت النَّفس ملوثة بكدورات الدُّنْيَا غير منفكة عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ وان كَانَت مُتَفَاوِتَة فِي ذَلِك التلوث فَمِنْهَا مَا تراكم عَلَيْهَا الْخبث والصدأ فَصَارَت كالمرآة الَّتِي قد فسد بطول تراكم الْخبث جوهرها وَلَا تقبل الاصلاح والتصقيل وَهَؤُلَاء هم المحجوبون عَن رَبهم أبدالأباد نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ
وَمِنْهَا مَا لم ينْتَه إِلَى حد الرين والطبع وَلم يخرج عَن قبُول التَّزْكِيَة والتصقيل فَيعرض على النَّار عرضا يقْلع مِنْهُ الْخبث الَّذِي هُوَ متدنس بِهِ وَيكون عرضه على النَّار بِقدر الْحَاجة إِلَى التَّزْكِيَة وأقلها لَحْظَة خَفِيفَة وأقصاها فِي حق الْمُؤمنِينَ كَمَا ورد فِي الْخَبَر سَبْعَة آلَاف سنة وَلنْ يرتحل نفس من هَذَا الْعَالم إِلَّا ويصحبها غبرة وكدورة مَا وَإِن قلت
وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ أللهم إِلَّا نفوسا قد انغمست فِي تَأمل الجبروت وانخرطوا فِي سلك الْقُدس مستديمين لشروق نور الْحق فِي أسرارهم على الدَّوَام فَهَؤُلَاءِ مبدؤهم ومعادهم سَوَاء فان من النُّفُوس الانسانية وعقولها مَا هُوَ نفس مفطورة على التجرد والتقدس
стр. 132
عَن علائق الْموَاد وغواشي هَذَا الْعَالم من الْقُوَّة والاستعداد منخرطا فِي سلك الْعُقُول الْمُفَارقَة مُتَّصِلا بِالْعقلِ الأول مستمدا من الْكَلِمَة الْعليا مؤيدا من أَمر الله تَعَالَى أرسل الى عَالم الأجساد لَا ليستكمل عَنْهَا وَعَن قواها الجسمانية استكمال الْعُقُول الهيولانية لتخرج من الْقُوَّة الى الْفِعْل بل لتخرج الْعُقُول بِالْقُوَّةِ من الْقُوَّة الى الْفِعْل ويكمل النُّفُوس الناطقة المنغمسة فِي أَحْوَال هَذَا الْعَالم إِلَى غايات قدرت لَهَا من الْكَمَال فَهَؤُلَاءِ فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم فهم الْمَلأ الْأَعْلَى وهم المبادىء الأولى يحِق لَهُم أَن يَقُولُوا كُنَّا أظلة عَن يَمِين الْعَرْش فسبحنا فسبحت الْمَلَائِكَة بتسبيحنا وَحقا قَالَ لَهُم ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين﴾ وصدقا قَالَ ﵇ كنت نَبيا وآدَم لَمُنْجَدِل بَين المَاء والطين وَمن رأى التضاد والترتب فِي الموجودات والمفروغ والمستأنف فِي الْأَحْكَام لم يبْق عَلَيْهِ إِشْكَال أما أَكثر النُّفُوس فمستيقنة للورود بِقدر التلطخ بالأوزار مِنْهَا فاذا أكمل الله تَعَالَى تطهيرها وتزكيتها وَبلغ للْكتاب أَجله وَوَقع الْفَرَاغ عَن جملَة مَا وعد بِهِ الشَّرْع من الْعرض والحساب وَغَيره ووافى اسْتِحْقَاق الْجنَّة وَذَلِكَ وَقت مُبْهَم لم يطلع الله عَلَيْهِ أحدا من خلقه فَإِنَّهُ وَاقع بعد الْقِيَامَة وَوقت الْقِيَامَة مَجْهُول فَعِنْدَ ذَلِك يستعد بصفائه ونقائه من الكدورات حَيْثُ لَا يرهق وَجهه غبرة وَلَا قترة لِأَن يتجلى فِيهِ الْحق ﷻ فيتجلى لَهُ تجليا يكون انكشاف تجليه بالاضافة إِلَى ماعليه كانكشاف تجلي المرئيات بالاضافة إِلَى مَا تخيله وَهَذِه الْمُشَاهدَة والتجلي هِيَ الَّتِي تسمى رُؤْيَة فاذا الرُّؤْيَة حق بِشَرْط أَن لَا تفهم من الرُّؤْيَة استكمال الخيال فِي متخيل مُتَصَوّر مَخْصُوص بِجِهَة وَمَكَان فان ذَلِك مِمَّا يتعالى عَنهُ رب الْعَالمين علوا كَبِيرا بل كَمَا عَرفته فِي الدُّنْيَا معرفَة حَقِيقِيَّة تَامَّة من غير تصور وتخيل وَتَقْدِير شكل وَصُورَة فتراه فِي الْآخِرَة كَذَلِك بل أَقُول الْمعرفَة الْحَاصِلَة فِي الدُّنْيَا بِعَينهَا هِيَ الَّتِي تستكمل فتبلغ كَمَال الانكشاف
стр. 133
والوضوح وتنقلب مُشَاهدَة فَلَا يكون بَين الْمُشَاهدَة فِي الْآخِرَة والمعلوم فِي الدُّنْيَا اخْتِلَاف إِلَّا من حَيْثُ زِيَادَة الْكَشْف والوضوح فَإِذا لم يكن فِي الْمعرفَة إِثْبَات صُورَة وجهة فَلَا يكون فِي استكمال الْمعرفَة بِعَينهَا وترقيها فِي الوضوح إِلَى غَايَة الْكَشْف أَيْضا جِهَة وَصُورَة لِأَنَّهَا هِيَ بِعَينهَا إِلَّا فِي زِيَادَة الْكَشْف كَمَا أَن الصُّورَة المرئية هِيَ المتخيلة بِعَينهَا إِلَّا فِي زِيَادَة الْكَشْف وَلِهَذَا لَا يفوز بِدَرَجَة النّظر والرؤية إِلَّا العارفون فِي الدُّنْيَا لِأَن الْمعرفَة هِيَ الْبذر الَّذِي يَنْقَلِب فِي الْآخِرَة مُشَاهدَة كَمَا تنْقَلب النواة شَجَرَة والبذور زرعا وَمن لَا نواة لَهُ فَكيف يحصل لَهُ نخل فَكَذَلِك من لَا يعرف الله فِي الدُّنْيَا فَكيف يرَاهُ فِي الْآخِرَة
وَلما كَانَت الْمعرفَة على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة كَانَ التجلي أَيْضا على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة فاختلاف التجلي بِالْإِضَافَة إِلَى اخْتِلَاف المعارف كاختلاف النَّبَات بالاضافة إِلَى اخْتِلَاف البذور إِذْ تخْتَلف لَا محَالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها وَلذَلِك قَالَ ﵇ إِن الله تجلى للنَّاس عَامَّة وَلأبي بكر خَاصَّة لِأَنَّهُ فضل النَّاس بسر وقر فِي صَدره بِلَا جرم تفرد يالتجلي وكل من لم يعرف الله فِي الدُّنْيَا لَا يرَاهُ فِي الْآخِرَة إِذْ لَيْسَ يسْتَأْنف لأحد فِي الْآخِرَة مَا لم يَصْحَبهُ من الدُّنْيَا وَلَا يحصد أحد إِلَّا مَا زرع وَلَا يحْشر الْمَرْء إِلَّا على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَلَا يَمُوت إِلَّا على مَا عَاشَ عَلَيْهِ فَمَا صَحبه من الْمعرفَة هِيَ الَّتِي يتنعم بهَا بِعَينهَا فَقَط إِلَّا انها تنْقَلب مُشَاهدَة بكشف الغطاء عَنْهَا فتتضاعف اللَّذَّة كمل تتضاعف لَذَّة العاشق إِذْ استبدل بخيال صُورَة المعشوق رُؤْيَة صورته فان ذَلِك هُوَ مُنْتَهى لذته فاذا نعيم الْجنَّة بِقدر حب الله تَعَالَى وَحب الله تَعَالَى بِقدر الْمعرفَة فَأصل السعادات هِيَ الْمعرفَة الَّتِي عبر الشَّرْع عَنْهَا بالايمان
فَإِذا قلت فلذة الرُّؤْيَة إِن كَانَ لَهَا نِسْبَة إِلَى لَذَّة الْمعرفَة فَهِيَ قَليلَة وَإِن كَانَت أضعافها لِأَن لَذَّة الْمعرفَة فِي الدُّنْيَا قَليلَة ضَعِيفَة فتضاعفها إِلَى حد قريب لَا يَنْتَهِي فِي الْقُوَّة إِلَى إِن يستحقر سَائِر لذات الْجنَّة فِيهَا
стр. 134
فَاعْلَم أَن هَذَا الاحتقار للذة الْمعرفَة مصدره الْخُلُو عَن الْمعرفَة فَمن خلا عَن الْمعرفَة كَيفَ يدْرك لذتها وان انطوى على معرفَة ضَعِيفَة وقلب مشحون بعلائق الدُّنْيَا فَكيف لذتها فللعارفين فِي معرفتهم وفكرتهم ولطائف مناجاتهم لله تَعَالَى لذات لَو عرضت عَلَيْهِم الْجنَّة فِي الدُّنْيَا بَدَلا عَنْهَا لم يستبدلوا بهَا الْجنَّة
ثمَّ هَذِه اللَّذَّة مَعَ كمالها لَا نِسْبَة لَهَا أصلا إِلَى لَذَّة اللِّقَاء والمشاهدة كَمَا لَا نِسْبَة للذة خيال المعشوق إِلَى رُؤْيَته واظهار عظم التَّفَاوُت بَينهمَا لَا يُمكن الا بِضَرْب مِثَال فَنَقُول
لَذَّة النّظر إِلَى وَجه المعشوق فِي الدُّنْيَا تَتَفَاوَت بِأَسْبَاب أَحدهَا كَمَال جمال المعشوق ونقصانه وَالثَّانِي كَمَال قُوَّة الْحبّ وَالثَّالِث كَمَال الادراك وَالرَّابِع اندفاع الْعَوَائِق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فَقدر عَاشِقًا ضَعِيف الْعِشْق ينظر إِلَى وَجه معشوقه من وَرَاء ستر رَقِيق على بعد بِحَيْثُ يمْنَع انكشاف كنه صورته فِي حَالَة اجْتمع عَلَيْهِ عقارب وزنانير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة لَا يَخْلُو عَن لَذَّة مَا من مُشَاهدَة جمال معشوقه فَلَو طرأت على الْفجأَة حَالَة انهتك بهَا السّتْر واشرق بِهِ الضَّوْء واندفع عَنهُ المؤذيات وَبَقِي سليما فَارغًا وهجم عَلَيْهِ الشَّهْوَة القوية المفرطة والعشق المفرط حَتَّى بلغ أقْصَى الغايات فَانْظُر كَيفَ تتضاعف اللَّذَّة حَتَّى لَا يبْقى للأولى إِلَيْهِ نِسْبَة يعْتد بهَا فَكَذَلِك فَافْهَم نِسْبَة لَذَّة النّظر إِلَى لَذَّة الْمعرفَة فالستر الرَّقِيق مِثَال للبدن والاشتغال بِهِ والعقارب والزنابير مِثَال للشهوات المتسلطة على الانسان من الْجُوع والعطش وَالْغَضَب وَالْغَم والحزن وَضعف الشَّهْوَة وَالْحب مِثَال لقُصُور النَّفس فِي الدُّنْيَا ونقصانها عَن الشوق إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى والتفاته إِلَى أَسْفَل السافلين وَهُوَ مثل قُصُور الصَّبِي عَن مُلَاحظَة لَذَّة الرِّئَاسَة والعكوف على اللّعب بالعصفور فالعارف وَإِن قويت فِي الدُّنْيَا مَعْرفَته فَلَا يَخْلُو عَن هَذِه الشَّهَوَات وَلَا يتَصَوَّر أَن يَخْلُو عَنْهَا الْبَتَّةَ نعم قد تضعف هَذِه الْعَوَائِق فِي بعض الْأَحْوَال وَلَا تدوم فَلَا
стр. 135
جرم يلوح من كَمَال الْمعرفَة مَا يبهت الْعقل ويعظم لذته بِحَيْثُ يكَاد الْقلب ينفطر لعظمته وَلَكِن يكون ذَلِك كالبرق الخاطف وقلما يَدُوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر مَا يشوشه وينغصه وَهَذِه ضَرُورَة دائمة فِي هَذِه الْحَيَاة الفانية وَلَا تزَال هَذِه اللَّذَّة منغصة إِلَى الْمَوْت وانما الْحَيَاة الطّيبَة بعد الْمَوْت وَإِنَّمَا الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ
وكل من انْتهى إِلَى هَذِه الرُّتْبَة فانه يحب لِقَاء الله فيحب الْمَوْت وَلَا يكرههُ إِلَّا من حَيْثُ ينْتَظر زِيَادَة استكمال فِي الْمعرفَة فان بَحر الْمعرفَة لَا سَاحل لَهُ والاحاطة بكنه جلال الله محَال وَكلما كثرت الْمعرفَة بِاللَّه وبصفاته وبأفعاله وبأسرار مَمْلَكَته وقويت كثر الابتهاج باللقاء وَعظم
اللَّهُمَّ لَا تخرجنا من هَذِه الدَّار إِلَّا عارفين مستكملين فِي الْمعرفَة مستغرقين فِي الوحدانية منقطعين عَن علائق الدُّنْيَا وزخارفها بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
стр. 136
معرفَة الْبَارِي ﷻ
تنعطف فائدتها على مَا سبق من معرفَة النَّفس وقواها وَبِذَلِك نتدرج إِلَى معرفَة الْحق ﷻ وَمَعْرِفَة صِفَاته وأفعاله لِأَن المبادىء انما ترَاد للنهايات والنهايات انما تظهر للمبادىء فَكل علم لَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي ﷻ فَهُوَ عديم الجدوى والفائدة وَقَلِيل النَّفْع والعائدة
فَنَقُول إِنَّا أثبتنا النَّفس على الْجُمْلَة بِمَعْرِِفَة آثارها وأفعالها فَالنَّفْس النباتية عرفناها بآثارها من التغذية والتنمية وتوليد الْمثل وَالنَّفس الحيوانية بآثارها من الْحس وَالْحَرَكَة الاختيارية وَالنَّفس الانسانية بِالتَّحْرِيكِ وَإِدْرَاك الكليات وَعلمنَا أَن هَذِه الْأَفْعَال تتَعَلَّق بمبدأ يُسمى ذَلِك المبدأ نفسا فَيكون قوامها ووجودها وخاصيتها بذلك المبدأ الَّذِي هُوَ النَّفس فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن الْمَوْجُود على قسمَيْنِ إِمَّا أَن يتَعَلَّق وجوده بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يلْزم من عدم ذَلِك الْغَيْر عَدمه أَو لَا يتَعَلَّق فان تعلق سميناه مُمكنا وَإِن لم يتَعَلَّق سميناه وَاجِبا بِذَاتِهِ فَيلْزم من هَذَا فِي وَاجِب الْوُجُود معرفَة أُمُور
الْأَمر الأول أَنه لَا يكون عرضا لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بالجسم وَيلْزم عَدمه بِعَدَمِ الْجِسْم
الثَّانِي لَا يكون جسما لِأَن الْجِسْم منقسم بالكمية إِلَى الْأَجْزَاء فَتكون الْجُمْلَة مُتَعَلقَة بالأجزاء فَتكون معلولة وَأَيْضًا فان الْجِسْم مركب من الْمَادَّة وَالصُّورَة وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَلق بِالْآخرِ نوع تعلق
стр. 137
الثَّالِث أَنه لَا يكون مثل الصُّورَة لِأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالمادة وَلَا يكون مثل الْمَادَّة لِأَنَّهَا مَحل الصُّورَة وَلَا تُوجد إِلَّا مَعهَا
الرَّابِع أَنه لَا يكون وجوده غير ماهيته لِأَن الْمَاهِيّة غير الْآنِية والوجود الَّذِي الْآنِية عبارَة عَنهُ عَارض للماهية وكل عَارض مَعْلُول لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَوْجُودا بِذَاتِهِ مَا كَانَ عارضا لغيره إِذْ مَا كَانَ عارضا لغيره فَلهُ تعلق بِغَيْرِهِ وعلته إِن كَانَ غير الْمَاهِيّة فَلَا يكون وَاجِب الْوُجُود الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ كل الموجودات وَإِن كَانَ علته الْمَاهِيّة فالماهية قبل الْوُجُود لَا تكون عِلّة لِأَن السَّبَب مَا لَهُ وجود تَامّ فَقبل الْوُجُود لَا يكون لَهُ وجود فَثَبت أَن وَاجِب الْوُجُود آنيته ماهيته وَإِن وجوب الْوُجُود لَهُ كالماهية لغيره وَمن هَذَا يظْهر أَن وَاجِب الْوُجُود لَا يشبه غَيره الْبَتَّةَ وَلَا يصل أحد إِلَى كنه مَعْرفَته
الْخَامِس أَنه لَا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ على وَجه يتَعَلَّق ذَلِك الْغَيْر بِهِ على معنى أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر فيتقابلان فَإِن هَذَا محَال
السَّادِس أَنه لَا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ على وَجه يتَعَلَّق ذَلِك الْغَيْر بِهِ على سَبِيل التضايف لِأَنَّهُ يكون مُمكن الْوُجُود
السَّابِع أَنه لَا يجوز أَن يكون شَيْئَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِب الْوُجُود كَمَا لَا يكون للبدن الْوَاحِد إِلَّا نفس وَاحِدَة فَلَا يكون للْعَالم إِلَّا رب وَاحِد هُوَ مبدع الْكل وَيتَعَلَّق بِهِ الْكل تعلق الْوُجُود والبقاء وَأَيْضًا فَلَو كَانَ وَاجِب الْوُجُود اثْنَيْنِ فَبِمَ يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فَإِن كَانَ بِعَارِض فَيكون كل مِنْهُمَا معلولا وَإِن كَانَ بذاتي فَيكون مركبا وَلَا يكون وَاجِب الْوُجُود
الثَّامِن إِن كل مَا سوى وَاجِب الْوُجُود يَنْبَغِي أَن يكون صادرا من وَاجِب الْوُجُود كَمَا أَن النَّفس كَمَال جسم طبيعي آلي فَكَذَلِك الرب موجد الْكل وَبِه كَمَال الْكل وَبَقَاء الْكل وجمال الْكل وَقد ذكرنَا أَن وَاجِب الْوُجُود لَا يكون
стр. 138
إِلَّا وَاحِدًا فَمَا عداهُ لَا يكون وَاجِبا بل مُمكنا فيفتقر إِلَى وَاجِب الْوُجُود
فان قيل فَمَا الدَّلِيل على أَن فِي الْوُجُود موجدا وَاجِب الْوُجُود يتَعَلَّق الْكل بِهِ وَلَا يتَعَلَّق وجوده بِغَيْرِهِ فَيكون مُنْتَهى الموجودات وَمن عِنْده نيل الطلبات
قُلْنَا لِأَن الْمَوْجُود إِمَّا أَن يكون وَاجِب الْوُجُود أَو مُمكن الْوُجُود وممكن الْوُجُود لَا بُد وَأَن يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ وجودا ودواما والعالم بأسره مُمكن الْوُجُود فَيتَعَلَّق بِوَاجِب الْوُجُود أما مَا يبتنى على بَيَان أَن النَّفس جَوْهَر لَيْسَ لَهُ مِقْدَار وكمية وَقد أثبتنا ذَلِك ببراهين فَاعْلَم أَولا أَن النَّفس جَوْهَر والباري لَيْسَ بجوهر لِأَن الْجَوْهَر هُوَ الْمَوْجُود لَا فِي مَوْضُوع أَي إِذا وجد يكون وجوده لَا فِي مَوْضُوع وَهَذَا يشْعر بالحدوث والجوهر عبارَة عَن حَقِيقَة وجود وواجب الْوُجُود حَقِيقَته وجوده ووجوده حَقِيقَته فَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنا أثبتنا وجود النَّفس وَأَنه جَوْهَر ببرهان خاصي وبرهان تقريبي الْمُقدمَات والبرهان الخاصي أَن النَّفس لَا يعزب ذَاته عَن ذَاته وَإِذا كَانَ فِي الْوُجُود من مبدعاته مَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَمَا تَقول فِي مَوْجُود ينَال بِهِ كل حق وجوده فَإِن كل حق من حَيْثُ حَقِيقَته الذاتية الَّتِي بهَا هُوَ حق مُتَّفق وَاحِد غير مشار اليه فَكيف القيوم على الملكوت وَإِذا كَانَت النَّفس لَا تعزب ذَاته عَن ذَاته مَعَ أَنه لَيْسَ بِوَاحِد صرف فالواحد الْحق الَّذِي لَا يحوم حول وحدانيته التكثر والتجزي والتثني أولى بِأَن لَا يعزب ذَاته عَن ذَاته فَيكون عَالما بِنَفسِهِ وعالما بِجَمِيعِ مَا أبدعه واخترعه وأوجده وَكَونه لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَهَذَا هُوَ معنى الْحَيّ فَإِن الْحَيّ هُوَ الْوَاحِد الْعَالم بِذَاتِهِ وَقد بَينا أَن النَّفس وَاحِد لَيْسَ لَهَا كمية وَمِقْدَار فَكَذَلِك فَاعْلَم أَنه لَيْسَ للمبدع الْحق سُبْحَانَهُ كمية وَمِقْدَار
وَمن هَذَا يعرف أَن جَمِيع مَا يهذي بِهِ الْمُشبه من إِثْبَات الْجِهَات والفوقية وَالصُّورَة وَالْمَكَان والانتقال كُله بَاطِل وَلَيْسَ الْبَارِي تَعَالَى جوهرا يقبل الأضداد فيتغير وَلَا عرضا فَيَسْبق وجوده الْجَوْهَر وَلَا يُوصف بكيف فيشابه
стр. 139
ويضاهى وَلَا بكم فَيقدر ويجزأ وَلَا بمضاف فيوازى فِي وجوده ويحاذى وَلَا بأين فيحاط بِهِ ويحوى وَلَا بمتى فَينْتَقل من مُدَّة إِلَى أُخْرَى وَلَا بِوَضْع فيختلف عَلَيْهِ الهيئات ويكتنفه الْحُدُود والنهايات وَلَا بجده فيشمله شَامِل وَلَا بانفعال فيغير وجوده فَاعل
وَإِذا ثَبت أَن وَاجِب الْوُجُود لَيْسَ فِي ذَاته كَثْرَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بُد من وصف وَاجِب الْوُجُود بأوصاف فَلَا بُد أَن تثبت الْأَوْصَاف على وَجه لَا يُؤَدِّي إِلَى الْكَثْرَة فننزهه عَن أَن يكون لَهُ جنس أَو فصل فَإِن من لَا إشتراك لَهُ مَعَ غَيره فَلَا فصل لَهُ يفصله عَن سواهُ وَمن هَذَا يعلم أَن جَمِيع أَسْمَائِهِ تَعَالَى حَتَّى الْوُجُود على سَبِيل الإشتراك لَا على سَبِيل التواطؤ وَلَا تثبت الصِّفَات على وَجه يكون عرضيا كاللون الْقَائِم بِالْمحل وكعلمنا الْعَارِض على الذَّات لِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى تقدم وَتَأَخر وتكثر بل تثبت الصِّفَات على وَجه الْإِضَافَة إِلَى الْأَفْعَال أَو على سَبِيل الْعِلَل والأسباب والمواد عَنهُ
فيتبين من هَذَا أَنه حَيّ لِأَنَّهُ عَالم بِذَاتِهِ وَنثْبت أَنه عَالم لِأَنَّهُ مُجَرّد عَن الْمَادَّة ووجوده لذاته وَمَا يكون وَاحِدًا بَرِيئًا عَن الْمَادَّة تكون ذَاته حَاصِلا لَهُ فَيكون عَالما بِذَاتِهِ لَا يعزب عَنهُ ذَاته وَعلمه بِذَاتِهِ لَيْسَ زَائِدا على ذَاته حَتَّى يُوجب فِيهِ كَثْرَة وَذَلِكَ لِأَن الانسان إِذا علم نَفسه فمعلومه أهوَ غَيره أَو عينه فَإِن كَانَ غَيره فَإِنَّهُ لم يعلم نَفسه بل علم غَيره وَإِن كَانَ معلومه هُوَ عينه فالعالم هُوَ نَفسه والمعلوم هُوَ نَفسه فقد اتَّحد الْعَالم والمعلوم فَكَذَلِك فَافْهَم فِي الْبَارِي ﷻ وكما أَن الْعَالم هُوَ الْمَعْلُوم فَكَذَلِك الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم كَمَا أَن الْحس هُوَ المحسوس لِأَن المحسوس هُوَ الَّذِي انطبع فِي الحاس لَا الْخَارِج فَكَذَلِك الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم وَإِنَّمَا تخْتَلف الْعبارَات بِالْعلمِ والعالم والمعلوم وَتبين مِنْهُ أَنه عَالم بِجَمِيعِ أَنْوَاع الموجودات وأجناسها فَلَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من
стр. 140
ذَلِك وَلَا أكبر لِأَنَّهُ يعلم ذَاته فَيَنْبَغِي أَن يُعلمهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَن ذَاته مُجَرّد لذاته وذاته مبدأ ومبدع لجَمِيع الموجودات وَهُوَ فياض يفِيض الْوُجُود على الْكل فَيعلم مَا يوجده وَيتبع ذَاته وَكَثْرَة الْعُلُوم المتعددة لَا تُؤدِّي إِلَى كَثْرَة فِي ذَاته لِأَن علمه لَا يبتني على تَقْدِيم الْمُقدمَات وإجالة الْفِكر وَالنَّظَر وذاته فياضة للعلوم على الْخلق لَا أَنه يكْتَسب من الْخلق علما فَعلمه سَبَب الْوُجُود لَا الْوُجُود سَبَب علمه وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَهُوَ كَمَا يعلم الْأَجْنَاس والأنواع يعلم الممكنات الْحَادِثَة وان كُنَّا نَحن لَا نعلمها لِأَن الْمُمكن مَا دَامَ يعرف مُمكنا يَسْتَحِيل أَن يعلم وُقُوعه أَو لَا وُقُوعه لِأَنَّهُ انما يعلم مِنْهُ وصف الامكان وَمَعْنَاهُ أَنه يُمكن أَن يكون وَيُمكن أَن لَا يكون وَلَكِن كل مُمكن بِنَفسِهِ فَهُوَ وَاجِب بِسَبَبِهِ فَإِن علم وجود سَببه كَانَ وجوده وَاجِبا فَلَو اطَّلَعْنَا على جَمِيع أَسبَاب شَيْء وَاحِد وَعلمنَا وجودهَا قَطعنَا بِوُجُود ذَلِك الشَّيْء
وَالْأول الْحق يعلم الْحَوَادِث وأسبابها لِأَن الْكل يرتقي اليه فِي سلسلة الترقي فَلَمَّا كَانَ عَالما بترتيب الْأَسْبَاب كَانَ عَالما بِالْكُلِّ اسبابها ونتائجها فنزه علمه من الْحس والخيال والتكثر والتغير ثمَّ بعد ذَلِك فَافْهَم علمه فاذا فهمت علمه فَاعْلَم أَنه مُرِيد وَله إِرَادَة وعناية وَلَكِن إِرَادَته وعنايته لَا تزيد على ذَاته وَبَيَانه أَنه مُرِيد لِأَن الْفَاعِل إِمَّا أَن يكون بالطبع وَتَعَالَى عَنهُ أَو بالارادة والطبع هُوَ الْفِعْل الْخَالِي عَن الْعلم بالمفعول بل بدخل الافعال الطبيعية فِي الْوُجُود على سَبِيل التسخير وَالْفَاعِل بالارادة هوالذي لَهُ الْعلم بمفعولاته فاذا هُوَ عَالم بمفعولاته ومخلوقاته وَهُوَ رَاض بِهِ غير كَارِه فَيجوز أَن يعبر عَن هَذَا بالارادة
وعَلى الْجُمْلَة فتخصيص الْأَفْعَال وتميزها بَعْضهَا عَن بعض دَلِيل على وجود الارادة وعنايته هُوَ تصور نظام الْكل وَكَيْفِيَّة معلولاته على الْوَجْه الْأَحْسَن الأبلغ فِي النظام وَلَيْسَ لَهُ ميل وغرض يحملهُ على مَا يُريدهُ فَلَيْسَ شَيْء أولى بِهِ وَلَا يفعل ليخلص عَن مذمة أَو يطْلب محمدة
стр. 141
وَكَذَلِكَ كَمَا أَنه عَالم مُرِيد فَهُوَ قَادر لِأَن الْقَادِر عبارَة عَمَّن يفعل إِن شَاءَ وَلَا يفعل إِن لم يَشَأْ والقادر قَادر بِاعْتِبَار أَنه يفعل إِن شَاءَ لَا بِاعْتِبَار أَنه لَا بُد وَأَن يَشَأْ فَكل مَا هُوَ مُرِيد لَهُ فَهُوَ كَائِن وَمَا لَيْسَ مرِيدا لَهُ فَغير كَائِن وَالْأول تَعَالَى حَكِيم لِأَن الْحِكْمَة إِمَّا أَن تكون عبارَة عَن الْعلم بحقائق الْأَشْيَاء وَلَا أعلم مِنْهُ أوتكون عبارَة عَمَّن يفعل فعلا مُرَتبا محكما جَامعا لكل مَا يحْتَاج اليه من كَمَال وزينة وَفعله هَكَذَا فِي غَايَة الاحكام والكمال ولجمال والزينة أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى
وَهُوَ جواد لِأَن الْجُود إِفَادَة الْخَيْر والانعام بِهِ من غير غَرَض فَالْأول تَعَالَى أَفَاضَ الْجُود على الموجودات كلهَا كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي من غير ادخار مُمكن من ضَرُورَة أَو حَاجَة أَو زِينَة وكل ذَلِك بِلَا غَرَض وَلَا فَائِدَة فَهُوَ الْجواد الْحق والوهاب الْمُطلق وَاسم الْجُود على غَيره مجَاز وَالْأول تَعَالَى مبتهج بِذَاتِهِ على معنى كَمَال الْعلم وَكَمَال الْمَعْلُوم أَو كَمَال الْجُود وَالْفضل على الْمَوْجُود لِأَنَّهُ أَشد الْأَشْيَاء إدراكا لأشد الْأَشْيَاء كمالا الَّذِي هُوَ منزه عَن طبيعة الامكان والمادة والكمال فِي الْبَرَاءَة عَن الْمَادَّة ولوازمها والتقدس عَن طبيعة الامكان ولواحقها
خَاتِمَة واعتذار
اعْلَم أَنا وان تدرجنا إِلَى معرفَة ذَاته وَصِفَاته من معرفَة النَّفس فَذَلِك على سَبِيل الِاسْتِدْلَال وَإِلَّا فَالله تَعَالَى منزه عَن جَمِيع صِفَات الْمَخْلُوقَات فَلَا يُوصف جلّ أَن يُوصف وَجل أَن يُقَال جلّ وَعز أَن يُقَال عز وأكبر أَن يُقَال أكبر وَإِذا بلغ الْكَلَام إِلَى الله تَعَالَى فامسكوا لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَفَوق مَا يصفه الواصفون فلك الْعُلُوّ الْأَعْلَى فَوق كل عَال
стр. 142
والجلال الأمجد فَوق كل جلال ضلت فِيك الصِّفَات وتقدست دُونك النعوت وحارت فِي كبريائك لطائف الأوهام وَهَذِه كَلِمَات الْأَبْرَار المصطفين الأخيار
وَهَذَا دَلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يُقَال فِي حَقه مَا يجر نفعا أَو يدْفع ضرا أَو يجلب سُرُورًا أَو يُوجب لَذَّة وابتهاجا أَو يحدث فَرحا وضحكا أَو يُورث عشقا ومحبة تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَمَا ورد من هَذِه الْأَلْفَاظ فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار فتفسر بثمراتها ونهاياتها لَا بعوارضها ومباديها
стр. 143
القَوْل فِي معرفَة تَرْتِيب أَفعَال الله وتوجيه الاسباب الى المسببات
وَهَذَا أَيْضا انما يعلم من تَرْتِيب معرفَة تَأْثِير النَّفس فِي قواها وبدنها
اعْلَم أَن مبدأ فعل الْآدَمِيّ إِرَادَة يظْهر أَثَرهَا أَولا فِي الْقلب فيسري مِنْهُ أثر بِوَاسِطَة الرّوح الحيواني الَّذِي هُوَ بخار لطيف فِي تجويف الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ثمَّ يسري مِنْهُ أثر إِلَى الأعصاب الْخَارِجَة من الدِّمَاغ وَمن الأعصاب إِلَى الأوتار والرباطات الْمُتَعَلّقَة بالعضل فينجذب بِهِ الأوتار فيتحرك بِهِ الاصبع فيتحرك بالأصابع الْقَلَم وبالقلم المداد مثلا وَيحدث مِنْهُ صُورَة مَا يُرِيد كِتَابَته على وَجه القرطاس على الْوَجْه المتصور فِي خزانَة التخيل فَإِنَّهُ مَا لم يتَصَوَّر فِي خياله صُورَة الْمَكْتُوب أَولا لَا يُمكن إحداثه على الْبيَاض ثَانِيًا
وَمن استقرأ أَفعَال الله تَعَالَى وَكَيْفِيَّة إحداثه النَّبَات وَالْحَيَوَان على الأَرْض بِوَاسِطَة تَحْرِيك السَّمَاوَات وَالْكَوَاكِب وَذَلِكَ بِطَاعَة الْمَلَائِكَة لَهُ بتحريك السَّمَاوَات علم أَن تصرف الْآدَمِيّ فِي عالمه أَعنِي بدنه يشبه تصرف الْخَالِق فِي الْعَالم الْأَكْبَر وَهُوَ مثله وانكشف لَهُ أَن نِسْبَة شكل الْقلب إِلَى تصرفه نِسْبَة الْعَرْش وَنسبَة الْقلب إِلَى الدِّمَاغ نِسْبَة الْعَرْش إِلَى الْكُرْسِيّ وَأَن الْحَواس لَهُ كالملائكة الَّذين يطيعون طبعا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لأَمره خلافًا والأعصاب
стр. 144
كالسماوات وَالْقُدْرَة فِي الْأصْبع كالطبيعة المسخرة المركوزة فِي الْأَجْسَام والمواد كالعناصر الَّتِي هِيَ أُمَّهَات المركبات فِي قبُول الْجمع والتفريق والتركيب والتمزيج وخزانة التخيل كاللوح الْمَحْفُوظ فمهما اطلع بِالْحَقِيقَةِ على هَذِه الموازنة عرف كَيْفيَّة تَرْتِيب أَفعَال الله تَعَالَى فِي الْملك والملكوت وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل وَهَذِه إِشَارَة إِلَى جُمْلَتهَا
أَقسَام أَفعَال الله
قد ذكرنَا أَن القوى تَنْقَسِم إِلَى محركة ومدركة والمدركة تَنْقَسِم إِلَى ظَاهِرَة كالحواس الْخمس وباطنة كالمشاعر الْبَاطِنَة كالتخيل وَالوهم وَغير ذَلِك ثمَّ مَا يخْتَص بالانسان الْعقل وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى الْعقل النظري والعملي فَكَذَلِك فَافْهَم ان جَمِيع أَفعَال الله تَعَالَى تَنْقَسِم إِلَى عقول مُجَرّدَة عَن الْموَاد مُشَاهدَة لجلال الله تَعَالَى وَلَهُم رموق الْجلَال الْأَعْلَى وَلَهُم الْوُصُول بِلَا انْفِصَال وَإِلَى نفوس محركة للسماوات وَإِلَى أجسام وكما أَن الْجِسْم الَّذِي هُوَ الْبدن يتأثر من القوى المركبة فِيهِ وَلَا يُؤثر وَالْعقل العملي يُؤثر فِي القوى الحيوانية ويتأثر من الْعقل النظري والقوى الحيوانية تتأثر من الْعقل العملي وتؤثر فِي الْجِسْم وأعضاء الْبدن فَكَذَلِك فَافْهَم أَن جَمِيع أَفعَال الله تَعَالَى تَنْقَسِم إِلَى هَذِه الْأَقْسَام متأثر لَا يُؤثر ومؤثر لَا يتأثر فالمتأثر الَّذِي لَا يُؤثر هُوَ أجسام الْعَالم والمتأثر الَّذِي يُؤثر هِيَ النُّفُوس فتتأثر من الْعُقُول وتؤثر فِي اجسام السَّمَاوَات بِالتَّحْرِيكِ وبواسطة تَحْرِيك السَّمَاوَات فِي عَالم العناصر والعقول تُؤثر وَلَا تتاثر بل كمالاتها حَاضِرَة مَعهَا لَيْسَ لَهَا استكمال وان كَانَت تِلْكَ الكمالات من رَبهَا وخالقها ومبدعها تَعَالَى وتقدس فالطبيعة فِي عَالم الْأَجْسَام مسخرة للنَّفس تفعل فعلا سَوَاء علمت مَا تفعل أَو لم تعلم كَمَا أَن النَّفس مُدبرَة لِلْعَقْلِ تعلما سَوَاء طلبت الْعُلُوم أَو لم تطلب فانتهجت الطبيعة بالتسخير منهاج مَا فَوْقهَا بِالتَّدْبِيرِ وَعبر التَّنْزِيل عَن ذَلِك بقوله ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد وَإِنَّا لموسعون وَالْأَرْض فرشناها فَنعم الماهدون وَمن﴾
стр. 145
﴿كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فالمخلوقات كلهَا مفطورة على الازدواج لطيفها وكثيفها معقولها ومحسوسها فَفِي المركبات ازدواج وَفِي البسائط ازدواج وَبَين البسائط والمركبات ازدواج والنفوس بِوَاسِطَة الأفلاك معطية والعناصر قَابِلَة وَبَين الْمُعْطِي والقابل نتائج ومواليد من الْمَعَادِن والنبات وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان وَبَين الْعقل وَالنَّفس ازدواج كَمَا بَين الْقَلَم واللوح ازدواج ومواليدهما للروحانيات من الْعُقُول والنفوس وَمن لَهُ الْخلق وَالْأَمر متعال على الازدواج أَدَاء وقبولا سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا تَقْسِيم آخر
وَهُوَ أَن القوى الحيوانية والإنسانية مَعَ جسم الْبدن مُتَفَاوِتَة فِي الْفضل والكمال مترتبة فِي الشّرف والتمام
فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن الموجودات بِاعْتِبَار الْكَمَال وَالنُّقْصَان تَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يمده غَيره ليكتسب مِنْهُ وَصفا بل كل مُمكن فَهُوَ مَوْجُود لَهُ حَاضر مَعَه وَيُسمى تَاما وَإِلَى مَا لَا يحضر مَعَه كل مُمكن لَهُ بل لَا بُد من أَن يحصل لَهُ مَا لَيْسَ حَاصِلا لَهُ وَهَذَا يُسمى نَاقِصا قبل حُصُول التَّمام لَهُ ثمَّ النَّاقِص يَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يحْتَاج إِلَى أَمر خَارج عَن ذَاته حَتَّى يحصل لَهُ مَا يَنْبَغِي أَن يحصل فَهَذَا يُسمى مكتفيا وَإِلَى مايحتاج وَيُسمى نَاقِصا مُطلقًا فالتام هُوَ الْعقل والناقص هُوَ الْأَجْسَام والناقص من وَجه كَامِل من وَجه هُوَ النَّفس كَمَا أَن الْبدن وكل ماتركب من العناصر نَاقص والكامل هُوَ الْعقل والناقص الْكَامِل هُوَ القوى الروحانية من التخيل وَالوهم وَغير ذَلِك
следующие страницы →