← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 65

المتشابه

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (35 стр.). Показаны 1–35.

стр. 1

المتشابه د. عبد المجيد بن محمد الوعلان

стр. 2

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: فإن العلم بالتفسير أمر مهم، والعلم بالتأويل أهم، وتصفية القلوب من شوائب الأوهام أسنى وأتم، ومن السلامة للمرء في دينه اقتفاء طريقة السلف الذين أمر أن يقتدى بهم من جاء بعدهم من الخلف. فمذهب السلف أسلم، ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم، فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل، فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل، ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات، ولا في كيفيات الأسماء والصفات، ويؤمنون بمتشابه القرآن، وينكرون على من يبحث عن ذلك من فلانة وفلان (١). وهذا بحث مختصر عن مصطلح من مصطلحات التي ترد في كتب العقيدة، وهو: المتشابه، فإن من المهم معرفة المصطلحات الواردة في كتب العقيدة؛ لأن ذلك يعين على فهم المسألة الوارد فيها، ويزيل الإشكال واللبس الذي قد يحصل عند القارئ (٢). وقد اشتمل هذا البحث على مقدمة وتمهيد وستة مباحث وخاتمة. أما المقدمة فتشمل على: - أهمية البحث. - خطة البحث. - منهج البحث.

стр. 3

أما التمهيد فيشمل: تعريف المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح. - المبحث الأول: الإحكام والتشابه في القرآن الكريم. - المبحث الثاني: الحكمة من وجود المتشابه في القرآن والسنة. - المبحث الثالث: أنواع المتشابه. - المبحث الرابع: موقف المسلم من المتشابه. - المبحث الخامس: حكم تأويل المتشابه. - المبحث السادس: رد دعوى أن صفات الله من المتشابه. أما الخاتمة فقد ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها. أما منهجي في البحث فهو كالتالي: ١ - عزو الآيات إلى أماكنها في القرآن، وذلك ببيان اسم السورة ورقم الآية ووضعها بين قوسين ﴿﴾. ٢ - تخريج الأحاديث والآثار، وذلك بذكر المصدر ورقم الحديث إن وجد ورقم الجزء والصفحة. ٣ - عمل فهرس للمراجع. ٤ - عمل فهرس للموضوعات. وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د: عبد المجيد بن محمد الوعلان awalaan@gmail.com

стр. 4

التمهيد: تعريف المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح (١). أولاً: المحكم والمتشابه في اللغة: المحكم في اللغة (٢): المحكم: مأخوذ من حَكَم الذي أصله: منع منعاً لإصلاح، ومنه سميت اللجام حَكَمة الدابة، لأنها تمنعها عن ركوب رأسها، وسمي الحاكم حاكماً لمنعه الظالم من الظلم، ويقال: حَكَمت الرجل وحَكَّمته وأحَكْمته إذا منعته، ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا (٣) أي: امنعوهم من السفه. والحكمة: سميت حكمة، لمنعها النفس عن هواها، والحكيم المتقن للأمور (٤). وبهذا يظهر أن معنى المحكم في اللغة يرجع إلى معنيين، وهما: المنع والإتقان. المتشابه في اللغة (٥): أصل المتشابه: من الشِّبه والشَّبَه، وهو أن يشبه أحد الأمرين الآخر حتى يلتبسا، والشبهة الالتباس، والمتشابهات من الأمور المشكلات (٦). يقول ابن قتيبة ﵀: " وأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان، قال الله في وصف ثمر الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] (٧)، أي: متفق المناظر مختلف الطعوم، وقال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] (٨)، أي يشبه بعضها بعضاً في الكفر والقسوة. ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما، وشبّهت عليّ، إذا لبست الحق بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، لأنهم يشبهون الحق بالباطل، ثم قد يقال لكل ما غمض ودق متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره" (٩).

стр. 5

ثانياً: المحكم والمتشابه في الاصطلاح (١): للمحكم والمتشابه إطلاقان: عام وخاص: أولاً: الإطلاق العام للمحكم والمتشابه: أ- معنى المحكم: هو البين الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره، وذلك لوضوح مفرداته وإتقان تركيبها (٢). فهو كالمفسر في أحد استعماليه عند الأصوليين (٣). ب- معنى المتشابه: يقال لكل ما غمض ودق، فهو يحتاج في فهم المراد منه إلى تفكر وتأمل، إذ أنه محتمل لمعاني كثيرة ومختلفة، فهو كالمشكل؛ لأنه دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله (٤). ثانياً: الإطلاق الخاص للمحكم والمتشابه: اختلفت عبارات العلماء في تحديد معنى الإحكام والتشابه الذي وردت به بعض نصوص الكتاب والسنة، وبصورة أخص قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] (٥).

стр. 6

القول الأول: المحكم ما عرف معناه والمراد منه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، كوقت قيام الساعة، وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ﵇ وبعضهم يدخل فيه الحروف المقطعة في أوائل السور (١). وهذا مذهب جابر بن عبد الله ﵁ ومقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما، كما حكاه القرطبي واستحسنه (٢)، وهو اختيار أبي جعفر الطبري (٣). القول الثاني: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل أكثر من وجه: قال محمد بن جعفر بن الزبير: " المحكمات هي التي فيها حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد"، ونقل هذا المذهب عن مجاهد وابن اسحاق، واستحسنه ابن عطيه (٤)، وهو المنقول عن الشافعي، وأحمد في رواية، وعزاه ابن الجوزي إلى الشافعي وابن الأنباري (٥). وقال ابن الوزير: " فهؤلاء رجعوا بالمحكم إلى النص الجلي، وما عداه متشابه" (٦). القول الثالث: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه ما احتاج إلى بيان (٧): وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، لأنه قال في كتاب: الرد على الزنادقة والجهمية (٨): " بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن" ثم ذكر آيات وأخذ يفسرها ويبينها. وقال الإمام أحمد -في موضع-: " المحكم الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا" (٩).

стр. 7

القول الرابع: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ، روي عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والضحاك والربيع والسدي (١)، ويميل شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) إلى أن النسخ هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (٣)، فالمحكم هو جميع القرآن، والمتشابه هو ما يلقيه الشيطان ثم ينسخه الله ويزيله. القول الخامس: روى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (٤) "هي التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] (٥)، ثلاث آيات، والمتشابهات الحروف المتقطعة" (٦). وروي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان أن المتشابه هو الحروف المقطعة من غير إشارة إلى معنى المحكم (٧)، والظاهر أن المحكم في هذه الرواية هو ما سوى الحروف المقطعة (٨). والشوكاني ﵀ لا يصف هذه الأقوال المتقدمة في تعريف المحكم والمتشابه بالاختلاف، وذلك أن أهل كل قول قد عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها، ويظهر ذلك عند التأمل في الأقوال، ولهذا يرى أن التعريف الذي يجمعها هو أن يقال: " المحكم الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" (٩).

стр. 8

المبحث الأول: الإحكام والتشابه في القرآن وصف الله القرآن كله بأنه محكم، كما وصفه بأنه كله متشابه، فقال تعالى في وصف القرآن بالإحكام: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] (١)، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١] (٢). ومعنى كونه محكماً، أي: في "اطراده في البلاغة، وانتظامه في سلك الفصاحة، واستواء أجزاء كلماته في أداء المعنى من غير حشو يستغنى عنه، أو نقصان يخل به، واختصار القول الطويل الدال على المعنى الكثير" (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان" (٤). والمقصود أن معنى كون القرآن كله محكماً، أي: أن ألفاظه ومعانيه متقنة، وأن المعاني المرادة بألفاظه ظاهرة بينة لا خلل فيها ولا اختلاف" (٥)، فالقرآن يصدق بعضه بعضا. وكما وصف الله تعالى القرآن كله بالإحكام، فقد وصفه بأنه كله متشابه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] (٦). ومعنى كونه متشابهاً: أي يشبه بعضه بعضاً في الصحة والفصاحة والحسن والبلاغة، ويصدق بعضه بعضاً (٧).

стр. 9

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالمتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ، وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك ... وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً، لا يناقض بعضه بعضاً" (١). وكما وصف الله تعالى القرآن بأنه كله محكم، وكله متشابه على المعاني السابقة، فقد وصف بعضه بالإحكام وبعضه بالتشابه، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (٢). وهذا يسمى الإحكام الخاص والتشابه الخاص. "والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك. والإحكام - الخاص- هو الفصل بينهما، بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر" (٣). وهذا الإحكام الخاص والتشابه الخاص هو الذي وقع الخلاف في تعيين المراد به على أقوال كثيرة، وإن كان بعضها قريباً من بعض، وداخلاً في بعض، وعامتها يرجع إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، أي: إن بعضهم قد يذكر نوعاً من المتشابه، ويذكر الآخر نوعاً ثان، وليس بين القولين تضاد في نفس الأمر (٤). والحق أن القرآن كله محكم باعتبار، كما أن كله متشابه باعتبار آخر، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث. فمعنى كونه محكماً، أي أنه في غاية الإحكام، وقوة الاتساق، كما أنه بالغ في الحكمة الغاية القصوى، إذ إن أخباره كلها حق وصدق، لا تناقض فيها ولا اختلاف. كما أن أحكامه كلها عدل، وكل ما أمر به فهو خير وهدى، وكل ما نهى عنه فهو شر وضلال. ومعنى كونه متشابهاً: أي في الحسن، والصدق، والهدى، والنفع. وأما وصف بعضه بالإحكام والبعض الآخر بالتشابه فالمراد بالإحكام والتشابه هنا ما تقرر في المعنى الاصطلاحي لهذين اللفظين من الإحكام الخاص والتشابه الخاص (٥).

стр. 10

المبحث الثاني: الحكمة من وجود المتشابه في القرآن من خلال افتراق الناس في موقفهم من المتشابه، إذ كان منهم راسخون في العلم يؤمنون به، ويتأولونه برده إلى المحكم أو برد علم حقيقته إلى العالم به وحده وهو الله -جل وعلا- إقامة منهم لمحكمات الوحي علماً وإيماناً وعملاً، ومنهم أهل زيع تركوا المحكم الواضح الذي هو معظم الوحي، واتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على غير الجادة، من خلال هذا ندرك الحكمة من إنزال المتشابه في القرآن، وهي الابتلاء على قوة الإيمان والتسليم للوحي، وعلى بذل الجهد، واستفراغ الوسع بالاجتهاد في معرفة مراد الله ورسوله ﷺ يقول الشاطبي ﵀ في بيان هذه الحكمة البالغة: " فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في إتباع أهوائهم .. فلما جاءتهم -أي الراسخين- مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] (١)، (٢). قال ابن كثير ﵀: " فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس" (٣). وقال الشيخ عبدالرحمن المعلمي ﵀: " وفي بقاء المنسوخ بعيداً عن ناسخه، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاء من الله لعباده، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام؛ لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها، وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة ابتلاء لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ (٤). قال ابن قتيبة ﵀: " وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان؟ فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن (٥)، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي. ولو كان القرآن كله ظاهراً مكشوفاً حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر. وكل باب من أبواب العلم: من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجل، ومنه ما يدق، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه، ويدرك أقصاه، ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية. ولو كان فن من العلوم شيئاً واحداً: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفي ولا جلي" (٦).

стр. 11

المبحث الثالث: أنواع المتشابه من خلال ما سبق في تعريف المتشابه (١)، يتبين أن المتشابه نوعان (٢). النوع الأول: متشابه حقيقي، لا سبيل إلى إدراك حقيقته وكنهه، كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بعلمه، فهذا لا يتعاطى علمه أحد لا من الصحابة ولا من بعدهم، فمن قال من العلماء: إن الراسخين لا يعلمون المتشابه، فإنما مراده هذا النوع. لكن يغلط من يقول (٣): إن المتشابه لا يفهم معناه أحد، بل هذا المتشابه مفهوم من جهة المعنى ولغة التخاطب، فنحن نفهم الخطاب بالروح والساعة، وما أعده الله لأوليائه في الدار الآخرة من أنواع النعيم، كل هذا نفهمه بمقتضى لغة التخاطب، وإن كان لا ندرك حقيقته التي هو عليها، كما في الحديث: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (٤)، فأحوال الآخرة ونحوها من الأسماء والصفات، والوعد والوعيد، ومسائل القدر، كل هذا محكم من جهة المعنى ووضوح الخطاب به، لكنه متشابه من جهة حقيقته وكيفيته، فالأول يعرفه كل من يعرف لغة العرب وعادتها في الكلام، والثاني لا يعلمه إلا الله تعالى. وهذا النوع من المتشابه غالباً ما يستدل له بآية آل عمران، وأن الوقف عند لفظ الجلالة. النوع الثاني: متشابه إضافي، لأنه يرجع إلى الناظر لا إلى الأمر في نفسه، وهذا الاشتباه له أسباب منها: ١ - تقصير الناظر في النظر والبحث. ٢ - اتباعه للهوى وابتغاؤه الفتنة. وإذا تؤمل هذا النوع وجد أن المنسوخ والمجمل والظاهر والعام والمطلق قبل معرفة مبيناتها داخل فيه (٥).

стр. 12

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والمنسوخ يدخل فيه - في اصطلاح السلف العام- كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق، فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين، ويدخل فيه المجمل فإنه متشابه، وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد" (١). فهذا النوع من المتشابه نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، كما أن الملائكة يعلمون من أخبار الغيب ما يكون متشابها عند بني آدم (٢). فاللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا، والثاني النص -كما في اصطلاح الأصوليين- والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا، والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل والثاني المؤول؛ فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه (٣). وهذا إنما يعرف بيانه الراسخون في العلم، ولهذا من استدل من السلف بآية آل عمران، وجعل الوقف عند "والراسخون في العلم" على أن الراسخين يعلمون المتشابه فإنما مراده هذا النوع. وقد ذكر المفسرون في أسباب نزول آية آل عمران (٤): قدوم وفد من نصارى نجران، وأنهم ناظروا النبي ﷺ ، واحتجوا عليه بما في القرآن الكريم من لفظ (إنّا) و (نحن) ونحو ذلك، على تعدد الآلهة، وهو التثليث عندهم، وكذلك بنحو قوله تعالى في المسيح ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٥)، فاستدلوا بـ (كلمته) و (روح منه) على عقيدتهم في النبوة، وأن عيسى فيه جزء إلهي. فلفظ (إنّا) و (نحن) يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم نفسه، لم يرد به أن الآلهة ثلاثة: فهذه الألفاظ قد يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه وإن لم يكونوا من جنسه، ويراد بها الواحد المعظم نفسه الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى، وكذلك الملك - من ملوك الدنيا- يقول: إنّا -ونحن- وفعلنا كذا، وقلنا كذا، ومعلوم أنه وما ملك مخلوق لله مربوب له، وهو سبحانه أحق من يقول: إنّا، ونحن بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له ملك تام ولا أمر مطاع طاعة تامة، فالله تعالى يقول: إنّا ونحن، والملك من ملوك الدنيا يقول: إنّا ونحن، وهذا متشابه من هذه الجهة، لكن يعلم أن ما يختص الله به من تمام الملك والخلق والأمر لا يشركه فيه أحد من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٦) وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] (٧) فالواجب حمل تلك الألفاظ المشتبهات على هذه الآيات المحكمات (٨).

стр. 13

المبحث الرابع: موقف المسلم من المتشابه تقدم أن المتشابه نوعان: حقيقي وهذا لا يعمل حقيقته إلا الله، وإضافي وهذا يعلمه الراسخون في العلم. ويجب على المسلم أن يؤمن بالكتاب كله محكمه ومتشابهه، أما المتشابه الحقيقي فيؤمن به ويعلم معناه وأما حقيقته فهي إلى الله تعالى ولا يخوض في ابتغاء تأويله، فإن الله تعالى حجب علم تأويله عن الأنام، والخوض فيه من ذرائع الفتنة والحيرة والاضطراب، ولهذا ذكر في أسباب نزول آية آل عمران أن اليهود رامت معرفة أجل أمة محمد ﷺ بالحروف المقطعة في أول سورة آل عمران وذلك عن طريق حساب الجمل، فنزلت بعدها سور أخرى مصدرة بحروف أخر نحو: (طسم - المر - كهيعص) وغيرها، فاضطراب عندهم الحساب، حتى قالوا: لقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله، ونحن ممن لا يؤمن بهذا، فأنزل الله الآية (١). أما المتشابه الإضافي فالواجب الإيمان بالنص في الجملة حتى يتبين معناه ويتضح مدلوله، وذلك بالتدبر فيه ومتابعة النظر، أو برده إلى المحكمات من النصوص، فإن النصوص يفسر بعضها بعضاً، أو برده إلى أهل العلم والإيمان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (٢)، وكما قال النبي ﷺ : " اعملوا بكتاب الله ولا تكذبوا بشيء منه، فما اشتبه عليكم منه فسئلوا عنه أهل العلم يخبرونكم .. " (٣)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (٤)، وقوله ﷺ : " ... إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (٥).

стр. 14

قال ابن عباس ﵄: " يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله" (١). وعن عائشة ﵂: " كان رسخوهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه" (٢). وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿(١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] (٣) قال: " يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقد قال كثير من السلف: إن المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به" (٥). فمثلاً من اشتبهت عليه بعض الآيات الدالة على قدرة الله على كل شيء، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فظن به -سبحانه- خلاف الحكمة، وأن هدايته وإضلاله جزاف لغير سبب، كشفت هذا الاشتباه، وجلته الآيات الأخرى الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد ويتصف بها كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] (٦)، وأن إضلاله لعبده له أسباب في العبد، وهو توليه الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠] (٧)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٨). وهكذا في جميع الآيات.

стр. 15

المبحث الخامس: حكم تأويل المتشابه اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في تأويل المتشابه، هل هو مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع أحداً عليه، أو هو مما يمكن أهل العلم معرفته؟ والخلاف مبني على مسألة الوقف في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] (١). فمن قال إن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه وقف على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وجعل الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] للاستئناف والابتداء، فـ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ، و"يقولون" خبره. ومن قال إن تأويل المتشابه مما يمكن أهل العلم معرفته، لم يقف بل جعل الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للعطف، و ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوف على لفظ الجلالة، وموضع ﴿يَقُولُونَ﴾ نصب على الحال (٢). القول الأول: إن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع أحداً من خلقه عليه، فلا يمكن أحداً معرفته، بل الواجب الإيمان به دون الإحاطة بتأويله. وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم، وهو مذهب الجمهور (٣). وقد احتج أصحاب هذا القول بحجج منها: ما جاء عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] (٤)، (٥).

стр. 16

قال السيوطي تعليقاً على هذا: " فهذا يدل على أن الواو للاستئناف، لأن هذه الرواية إن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدم كلامه في ذلك على من دونه" (١). وفي قراءة ابن مسعود: "وإن حقيقة تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به" (٢). وعن عائشة ﵁ في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] قالت: كانت رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم يعلموا تأويله" (٣). وعن عروة، قال: " إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا" (٤). وعن أبي نهيك الأسدي، أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا" (٥). ثم إن الآية دلت على ذم من يطلب تأويل المتشابه، ومدح من يكل علمه إلى الله، ويقول آمنا به كل من عند ربنا، فيفوض علمه إلى الله ويسلم له (٦). ولو كان قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] معطوفاً على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، لقال: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، لأن تقدير الكلام: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون .. ولو كانت الواو للعطف لكان قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] راجعاً إلى الله وإلى الراسخين في العلم وفساد هذا وبطلانه ظاهر (٧).

стр. 17

ومن الأدلة أيضاً على هذا القول ما ورد من الأحاديث والآثار في الإيمان بالمتشابه وعدم العلم به، وذم متبعيه، كقولهصلى الله عليه وسلم: " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (١). وقوله: "واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا" (٢). كما استدلوا بإجماع الصحابة ﵃ على ترك تأويل المتشابه (٣). هذه أبرز الحجج التي استدل بها القائلون بأن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه (٤)، وقد قال ابن قدامه بعد ذكره جملة من هذه الحجج: "فثبت بما ذكرناه من الوجوه أن تأويل المتشابه لا يعمله إلا الله تعالى، وأن متبعه من أهل الزيغ، وأنه محرم على كل أحد" (٥). وقد ذكر ابن الوزير اثنين وعشرين دليلاً على هذا القول (٦). القول الثاني: أن تأويل المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم ويدركونه. ومعنى هذا القول مروي عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهم، ورجحه النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧). وقد احتج أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها: ما جاء عن ابن عباس أنه قال: "أنا ممن يعلم تأويله" (٨).

стр. 18

وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] يعلمون تأويله ويقولون ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، وروى مثله عن الربيع (١). ثم إن الله أنزل كتابه تبياناً لكل شيء، ولو كان فيه ما لا يعلم لم يكن فيه بيان المشكل (٢). وقالوا أيضا لو لم يكن المتشابه معلوماً للراسخين في العلم لم يكن لهم مزية ولا فضيلة على العامة، لأن الجميع يقولون آمنا به (٣). وقالوا أيضاً لو كان المتشابه لا يُعلم للزم عليه أن يتعبد الله خلقه بالشيء المجهول، ويخاطب عباده بما لا يفهمون، كما أنه يخالف وصفه تعالى للقرآن بأنه تبيان لكل شيء (٤). قال ابن قتيبة ﵀: " ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل على معنى أراده" (٥). وقال النووي بعد أن رجح هذا القول: " لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته" (٦). ثم إن آيات القرآن كلها قد فسرت ألفاظها، وتكلم الصحابة والتابعون في معانيها، ولم يتركوا شيئاً منها، وإن توقف بعضهم في شيء من ذلك، فإن الآخر يفسره ويبينه (٧). وقد أجابوا على ما أورده أصحاب القول الأول من حجج بأن قالوا: أما قراءة ابن مسعود التي ذكرتم فغير صحيحة، وأما أثر عائشة فإنما الثابت أوله، وهو قولها: " كان رسخوهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه"، وأما آخر الأثر وهو قولها: " ولم يعلموا تأويله" فغير ثابت.

стр. 19

كما عارضوا قراءة ابن عباس بما ورد عنه من قوله: " أنا ممن يعلم تأويله"، وبدعاء الرسول ﷺ له في قوله: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١). وقد قال مجاهد: " عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية، وأسأله عنها" (٢). كما أجابوا على ما ورد من نصوص في ذم من يتبع المتشابه، كما دلت عليه الآية والأحاديث والآثار، بأن قالوا: إن الذم "وقع على من يتبع المتشابه لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهو حال أهل القصد الفاسد الذين يريدون القدح في القرآن، فلا يطلبون المتشابه إلا لإفساد القلوب، وهي فتنتها به، ويطلبون تأويله، وليس طلبهم لتأويله لأجل العلم والاهتداء، بل هذا لأجل الفتنة. وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه، وهو عالم بالمحكم، متبع له، مؤمن بالمتشابه، لا يقصد فتنة، فهذا لم يذمه الله ... " (٣). وأجابوا عن ما ألزمهم به أصحاب القول الأول من عود الضمير في (يقولون) في قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] إلى الله، وإلى الراسخين في العلم، بأن قالوا: إن هذا غير لازم"؛ بل إنما يعود الضمير إلى الراسخين في العلم فقط، وهذا أمر سائغ في اللغة، كما قال تعالى: ﴿رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] (٤)، فقوله: (صفاً صفاً) حال من المعطوف، وهو الملك، دون المعطوف عليه. كما أجابوا عن حكايتهم إجماع الصحابة على ترك التأويل بأن قالوا: إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، بل الثابت عن الصحابة أن المتشابه يعمله الراسخون (٥).

стр. 20

وقد رد أصحاب القول الأول - القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله بعلمه، وأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله- على ما أورده أصحاب القول الثاني من أنه يلزم على القول بأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه ألا يكون بينهم وبين الجهال فرق، بأن هذا غير لازم، إذ إن لهم مزية بمعرفة غيره من الأحكام، كما أن لهم فضيلة على من لم يؤمن (١). فرسخوهم في العلم هو الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم، ويقولون فيما لا يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (٢). وأجابوا عن قولهم بأن هذا يفضي إلى التعبد بالمجهول، وينافي وصف القرآن بكونه تبياناً لكل شيء، بالقول بأن هذا غير ممتنع، فقد تعبدنا الله بالإيمان بالملائكة -مثلاً- ونحن لا نعمل حقيقتهم، كما أن هذا لا ينافي وصف القرآن بأنه تبيان لكل شيء، فإن هذا مخصوص، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] (٣)، ولم تؤت شيئاً مما يختص به الرجال، ولم تؤت شيئاً مما اختص به سليمان، وقوله في الريح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] (٤)، ولم تدمر السماوات والأرض (٥). والخلاصة في ذلك: يقول شيخ الإسلام ﵀: "وما استأثر الله بعلمه كوقت الساعة، لم ينزل به خطاباً، ولم يذكر في القرآن آية تدل على وقت الساعة، ونحن نعلم أن الله استأثر بأشياء لم يطلع عباده عليها، وإنما النزاع في كلام أنزله وأخبر أنه هدى وبيان وشفاء" (٦).

стр. 21

فقول من قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، وذلك مثل وقت قيام الساعة، ومجيء أشراطها، ومثل كيفية نفسه تعالى، وما أعده في الجنة لأوليائه، فهذا كلام صحيح، لأن هذه الأشياء مما اتفق المسلمون على أنها مما استأثر الله بعلمه (١). وقد ذكر الشنقيطي ﵀ في تفسيره بأن في القرآن ما لا يعلمه إلا الله، فقال: " ولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله، كحقيقة الروح، لأن الله تعالى يقول: ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥] (٢)، وكمفاتيح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو، بقوله: ﴿(٥٨) وَعِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٣)، وكنعيم الجنة، كقوله تعالى: ﴿نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا﴾ [السجدة: ١٧] (٤) (٥). فهذا الكلام ونحوه يمكن أن يفهم على معنى أن حقائق هذه الأشياء من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن جعل حقائق هذه الأشياء أنفسها من المتشابه فيه إشكال من ناحية أن حقائق هذه الأشياء ليست فيها آيات منزلة، والله تعالى أخبرنا أن التشابه موجود في الآيات المنزلة نفسها، وذلك يقتضي أن الآيات المتشابهة معروفة، لكن لها تأويلاً لا يعمله إلا الله تعالى. والذي ينبغي معرفته أن التشابه منه ما يكون تشابهاً ذاتياً في الآية نفسها، ومنه ما يكون تشابهاً نسبياً إضافياً، بحيث يشتبه على إنسان دون آخر، أو على طائفة دون أخرى. فأما المتشابه في نفسه فهو ما كان محتملاً لأكثر من معنى، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذا النوع من المتشابه لابد أن يوجد ما يزيل اشتباهه، ويبين معناه من سياق الكلام، والقرائن المتصلة بالخطاب، أو المنفصلة من الأدلة الأخرى (٦).

стр. 22

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] (١)، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] (٢). فقوله: (إنّا)، و (نحن) من المتشابه، فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه وإن لم يكونوا من جنسه، ويراد بها الواحد المعظم نفسه، الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى، فصار هذا متشابهاً، لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع، ولهذا تعلق به بعض النصارى على أن الآلهة ثلاثة، لأن هذا ضمير جمع، فتعلقوا بالمتشابه ولم يردوه إلى المحكم الذي يبين معناه، والذي لا اشتباه فيه، مثل قوله تعالى: ﴿هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ﴾ [البقرة: ١٦٣] (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٤)، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] (٥)، فاتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة، ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه، وابتغاء تأويله، وهو الحقيقة التي أخبر عنها (٦). ولا شك أنه يمتنع في حق الله تعالى أن يكون معنى (إنّا)، و (نحن)، للواحد الذي معه شركاء، فالله تعالى لا شريك له في ملكه ولا خلقه وتدبيره، وأما الذي له مماليك ومطيعون يطيعونه -كالملك- يقول: فعلنا كذا، أي: أنا فعلت وأهل ملكي بملكي، وكل ما سوى الله مخلوق له، مملوك له، وهو سبحانه يدبر أمر العالم بنفسه، وملائكته التي هي رسله في خلقه وأمره، وهو سبحانه أحق من قال: إنّا، ونحن، بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له ملك تام، ولا أمر مطاع طاعة تامة، فهو المستحق أن يقول: (إنّا)، و (نحن)، والملوك لهم شبه بهذا، فصار فيه أيضاً من المتشابه معنى آخر، ولكن الذي ينسب لله من هذا الاختصاص لا يماثله فيه شيء، وتأويل ذلك معرفة ملائكته وصفاتهم وأقدارهم، وكيف يدبر بهم أمر السماء والأرض، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ [المدثر: ٣١] (٧)، فهذا التأويل لهذا المتشابه لا يعلمه إلا هو، وإن علمنا تفسيره ومعناه، لكن لم نعلم تأويله الواقع في الخارج.

стр. 23

فقوله: (إنّا)، و (نحن)، تقال لمن له شركاء، ولمن له أعوان يحتاج إليهم، والله تعالى منزه عن هذا وهذا، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] (١)، وقال: ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي﴾ [الإسراء: ١١١] (٢)، فالمعنى الذي يراد به هذا في حق المخلوق لا يجوز أن يكون نظيره ثابتاً لله، فهذا صار متشابهاً (٣). وأما التشابه النسبي الإضافي فهو ما يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يمكن أن يجري في بعض الآيات المحكمات بحيث تشتبه على بعض الناس وإن كانت في ذاتها غير متشابهة. ويمكن أن يدل على وجود هذا التشابه النسبي قوله ﷺ : " الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس" (٤). فمفهوم هذا الحديث أن بعض الناس يميز هذه الأمور ويعرفها وليست مما لا يعلمه إلا الله (٥). وهذا الاشتباه النسبي يعود إلى عدة أسباب، فتارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب (٦). ومن أمثلة ذلك ما يشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فيظنون أنه مثله، وأما العلماء فيعلمون أنه ليس مثله وإن كان مشبهاً له من بعض الوجوه (٧).

стр. 24

ويمكن أن يمثل لذلك أيضاً بما ذكره الإمام أحمد في كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية" وهو يتكلم عن جهم بن صفوان، قال: " وجد ثلاث آيات من المتشابه، قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (١)، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] (٢)، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٣)، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله" (٤). فكلام الإمام احمد يحتمل أنه أراد أنها من المتشابه عند الجهم، وإن كانت في ذاتها غير متشابهة، بل هي محكمة، ولذلك نجده في الكتاب نفسه يتكلم عن معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٥)، وعن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] (٦). ويحتمل أنه لم يرد إلا المتشابه بنفسه الذي يلزمه التشابه، وأن الجهمية أولوه على غير تأويله الذي هو تأويله في نفس الأمر (٧). والمقصود أن الاشتباه قد يكون ذاتياً ملازماً للنص، وقد يكون نسبياً يعرض لبعض الناس دون بعض، فقد يعرض لبعض الناس اشتباه في آيات محكمات وإن كان من المحكمات ما لا يلتبس ولا يشتبه معناه على أحد من الناس (٨). وأما تأويل المتشابه، فإن لفظ التأويل قد يراد به التفسير والمعنى، وقد يراد به الحقيقة والمآل. فإن أريد بالتأويل المعنى والتفسير، فتأويل المتشابه بهذا المعنى مما يعلمه الراسخون في العلم، لأن جميع القرآن محكمه ومتشابهه معلوم المعنى، ولم يقل أحد من السلف إن في القرآن آيات لا يعرف أحد معناها، بل هذا القول يجب القطع بأنه خطأ، كيف والله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن مطلقاً ولم يستثن منه شيئاً لا يتدبر، ولا قال: لا تدبروا المتشابه، والتدبر بدون الفهم ممتنع.

стр. 25

وأيضاً فما في القرآن آية إلا وقد تكلم الصحابة والتابعون لهم بإحسان في معناها، وبينوا ذلك، وهذا أيضاً مما يدل على أن الراسخين في العلم يعلمون تفسير المتشابه (١). وعلى هذا المعنى تصح قراءة من جعل الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، عاطفة، فالراسخون في العلم يعلمون معنى ما قد يشتبه على غيرهم. وإما إن أريد بالتأويل الحقيقة والمآل، فالتأويل بهذا المعنى مما لا يعلمه إلا الله تعالى، وذلك مثل أشراط الساعة، وحقائق اليوم الآخر من الجنة والنار، وما فيهما، وكذلك الصراط والميزان والحشر، وغير ذلك. فهذا لا يعلم وقتها وقدرها وصفتها إلا الله تعالى، كما قال سبحانه في نعيم الجنة: ﴿نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا﴾ [السجدة: ١٧] (٢)، "فالله تعالى قد أخبرنا أن في الجنة خمراً ولبناً وماء وحريراً وذهباً وفضة، وغير ذلك، ونحن نعلم قطعاً أن حقائق ما في الجنة من هذه الأشياء ليس مماثلاً لما نعرفه في الدنيا، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه، كما في قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] (٣)، على أحد القولين أنه يشبه ما في الدنيا وليس مثله، فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائقُ الحقائقَ من بعض الوجوه، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق على ما هي عليه هي تأويل ما أخبر الله به" (٤). وكذلك كيفية صفات الله تعالى وذاته، فهذا كله من التأويل الذي لا يعمله إلا الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأما التأويل الذي اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته، كما قال مالك: والكيف مجهول، فإذا قالوا: ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره، قيل: هذا هو التأويل الذي لا يعمله إلا الله" (٥). والتأويل بهذا المعنى -أي: كونه الحقيقة والمآل- هو المراد عند من رأى الوقف في آية آل عمران على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وجعل الواو للاستئناف وليست للعطف. وعلى هذا يمكن أن يقال بأن كلاً من القراءتين حق، ولكل منهما وجه ومعنى.

стр. 26

فأما من وقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنه أراد بالتأويل ما لا يعلمه إلا الله، كحقائق اليوم الآخر والأمور الغيبية وكيفية الصفات ونحوها. وأما من جعل الواو عاطفة، وعطف قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنه أراد بالتأويل المعنى والتفسير (١)، فالراسخون في العلم يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، ولا يعلمون تأويله بمعنى حقيقته ومآله. وفي هذا يقول شيخ الإسلام: " إنهم يعلمون تأويله من حيث الجملة، كما يعلمون تأويل المحكم، فيعرفون الحساب والميزان والصراط والثواب والعقاب، وغير ذلك مما أخبر الله به ورسوله معرفة مجملة، فيكونون عالمين بالتأويل، وهو ما يقع في الخارج على هذا الوجه، ولا يعلمونه مفصلاً، إذ هم لا يعرفون كيفيته وحقيقته، إذ ذلك ليس مثل الذي علموه في الدينا وشاهدوه، وعلى هذا يصح أن يقال: علموا تأويله، وهو معرفته وتفسيره، ويصح أن يقال: لم يعلموا تأويله، وكلا القراءتين حق" (٢). وأما من رأى الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وجعل التأويل بمعنى التفسير فهذا خطأ قطعاً (٣).

стр. 27

المبحث السادس: رد دعوى أن صفات الله تعالى من المتشابه (١) تبرز أهمية هذا المبحث بسب إطلاق القول من أهل الكلام، بل ومن بعض ينتسب لأهل السنة: بأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه. ثم إن من جعل المتشابه منهم لا يعمل تأويله إلا الله، فوّض العلم بمعاني الصفات إلى الله، وزعم أن معناها غير مفهوم لنا. ومن جعل المتشابه مما يعلم تأويله الراسخون في العلم اشتغل بتأويل معانيها الظاهرة إلى معاني بعيدة، لا يدل عليها مراد الشارع، ولا يحتملها سياق الكلام. فهذا الرازي يخصص القسم الثاني من كتابه "أساس التقديس" لما سماه: " تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات"، ثم يذكر فيه كثيراً من الصفات الواردة في الكتاب والسنة، كالمجيء، والنزول، والوجه، والعين، واليد، والضحك، والفرح، والعلو، وغير ذلك (٢). وكذلك نرى ابن قدامه- وإن كان ليس من أهل الكلام ولا من أهل التأويل- يطلق القول بأن آيات الصفات من المتشابه، فقال: "والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه، مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (٣)، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (٤) ... ونحوه، فهذا اتفق السلف ﵏ على الإقرار به، وإمراره على وجهه، وترك تأويله (٥). وهذا الزركشي يفرد مبحثاً للآيات المتشابهات الواردة في الصفات، ويبسط الكلام في ذلك، ويعرض لجملة من آيات الصفات، ويتكلم في تأويلها (٦). ويعقد السيوطي فصلاً خاصاً في ذلك، ويقول في أوله: " من المتشابه آيات الصفات، ولابن اللبان، فيها تصنيف مفرد". ثم بدأ يعرض آيات الصفات، وتأويلات أهل الكلام لها (٧).

стр. 28

ونحو ذلك فعل الكرمي، فقال: " اعلم أن من المتشابهات آيات الصفات، التي التأويل فيها بعيد، فلا تؤول ولا تفسر، وجمهور أهل السنة، منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها" (١). ثم استعرض جملة من الصفات، ورجح فيها مذهب التفويض (٢). والمقصود أن جعل آيات الصفات من المتشابه قد قال به بعض من المتقدمين والمتأخرين. وعند البحث عن السبب الذي جعل هؤلاء يقولون بهذا القول يُعلم أن أهم الدوافع التي آلت بهم إلى ذلك هو اعتقادهم أن الأخذ بظاهر تلك الصفات يؤول إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، فهم في الحقيقة اعتقدوا أن ظاهر كلام الله كفر وضلال، فأطلقوا على تلك الآيات وصف المتشابه (٣). والحق أنه لم يُعرف عن أحد من الصحابة قط أنه جعل آيات الصفات متشابهات لا يعلم معناها إلا الله تعالى، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك، فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم، وهم لا يتنازعون في شيء منها (٤)، بل قد فهموا معانيها، واعتقدوا ظاهرها. يقول شيخ الإسلام ﵀: "فمن قال عن جبريل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين والجماعة: أنهم كانوا لا يعرفون شيئاً عن معاني هذه الآيات، بل استأثر الله بعلم معناها، كما استأثر بعلم وقت الساعة، وإنما كانوا يقرأون ألفاظاً لا يفهمون لها معنى، كما يقرأ الإنسان كلاماً لا يفهم منه شيئاً، فقد كذب على القوم، والنقول المتواترة عنهم تدل على نقيض هذا، وأنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن" (٥).

стр. 29

والخلاصة يقال: لا شك أن في بعض نصوص الصفات تشابهاً واشتباهاً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١). فإنه قد قال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (٢)، وقال: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (٣)، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] (٤). فهذا الاستواء كله يتضمن حاجة المستوي إلى المستوى عليه، وأنه لو عدم من تحته لخر، والله تعالى غني عن العرش، وعن كل شيء، بل هو سبحانه بقدرته يحمل العرش وحملة العرش. فصار لفظ الاستواء متشابهاً يلزمه في حق المخلوقين معاني ينزه الله عنها، فنحن نعلم معناه، وأنه العلو والارتفاع، لكن لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب التي يكون بها مستوياً من غير افتقار منه إلى العرش، بل مع حاجة العرش، وكل شيء محتاج إليه من كل وجه، وأنا لم نعهد في الموجودات ما يستوي على غيره مع غناه عنه، وحاجة ذلك المستوى عليه إلى المستوي، فصار متشابهاً من هذا الوجه، فإن بين اللفظين والمعنيين قدراً مشتركاً وبينهما قدراً فارقاً، هو مراد في كل منهما (٥). ولكن وجود الاشتباه في لفظ الاستواء لا ينفي علمنا بمعناه المراد، وقطعنا بعدم مماثلته لاستواء المخلوقين الذي يلزم منه احتياج المستوي للمستوى عليه. بل إن جميع نصوص الصفات التي يقال فيها إنها من المتشابه لابد أن تكون معانيها معلومة لنا، وإن كنا نجهل حقائقها وكيفياتها. ومنشأ الإشكال والخطأ عند من جعل نصوص الصفات من المتشابه من أهل الكلام، ومن وافقهم، أنهم جعلوا المتشابه مجهول المعنى، فإذا قالوا إن نصوص الصفات من المتشابه، فإنهم يعنون بذلك أنها مجهولة المعنى، ولا يفهم منها شيء معين.

стр. 30

وهذا الزعم باطل ولا شك، فإن الله حثنا على تدبر كتابه، فقال: ﴿(٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] (١)، ولم يستثن من القرآن شيئاً لا آيات الصفات ولا غيرها، ولو لم تكن مفهومة المعنى لم يكن للتدبر فائدة. وأيضاً فإن السلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن، آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ولو لم تكن مفهومة المعنى لما تكلموا في معانيها، ولما فسروها، وهم أورع هذه الأمة من أن يتكلموا في كتاب الله بغير علم (٢). وقد قال الشنقيطي ﵀: " آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية، وليس متشابهاً، ولكن كيفية اتصافه جلّ وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة" (٣). وبهذا نعلم أنه لا ينبغي إطلاق القول بأن نصوص الصفات من المتشابه، لأن هذا القول صار محتملاً، وهذا اللفظ صار موهماً، ولأنه لم يطلقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فالأولى الابتعاد عنه، أو الاستفصال عن المعنى المراد به، والله تعالى أعلم بالصواب (٤).

стр. 31

الخاتمة أولاً: أن الأصل في نصوص هذه الشريعة الوضوح والبيان، وما يشكل ويشتبه فإنما هو في نظر الناظر فيها لقصور في الإطلاع على جملة الأدلة، أو في فهم دلالتها، أو في عدم رد العلم إلى عالمه. ثانياً: أن توافق النصوص الشرعية وائتلافها من اليقينيات ولا يمكن أن يزول بشكوك أهل الكلام. ثالثاً: إبطال المتكلمين لدلالات كثير من النصوص الشرعية من عدة طرق منها: إتباع المتشابه. رابعاً: عرفنا أقوال العلماء في المحكم والمتشابه، والقول الراجح في ذلك، كما تبين القول في حكم تأويل المتشابه، وأن الإحكام منه عام وخاص، وأن المتشابه منه عام وخاص. خامساً: أن إطلاق القول بأن نصوص الصفات من المتشابه غير صحيح، وكذلك القول بأنها من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله باطل، وأن المراد الحق بالتشابه في الصفات: الكيفية والحقيقة، أما المعنى فهو معلوم غير مجهول. وختاماً، فهذا جهد المقلّ، وما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله تعالى منه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 32

فهرس المراجع ١ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، عام ١٤١٨. ٢ - أساس التقديس لفخر الدين محمد الرازي تحقيق أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية. ٣ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي، طبعة مكتبة ابن تيمية، القاهرة ١٤١٠. ٤ - الاعتصام لإبراهيم بن موسى الشاطبي تحقيق أحمد عبدالشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى. ٥ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات المشتبهات، تأليف مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى. ٦ - الإكليل في المتشابه والتأويل لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى. ٧ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لأبي عبدالله محمد اليماني المشهور بابن الوزير، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية. ٨ - البرهان في علوم القرآن للزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، عام ١٤١٩. ٩ - تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة. ١٠ - ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة للطاهر أحمد الزاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي الثانية. ١١ - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان لأبي عبدالله محمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير تصحيح جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى. ١٢ - تفسير ابن كثير تقديم يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت. ١٣ - التفسير الكبير لفخر الدين الرازي، المطبعة البهية، عام ١٣٥٧، الطبعة الأولى. ١٤ - تفسير سورة الإخلاص لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى.

стр. 33

١٥ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير ابن جرير الطبري لمحمد بن جرير الطبري ضبط وتعليق محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى. ١٦ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي تحقيق عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى. ١٧ - الحدود لأبي الوليد سليمان الباجي تحقيق نزيه حماد، طبعة مؤسسة الزغبي، بيروت عام ١٣٩٢ هـ. ١٨ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى. ١٩ - ديوان جرير تحقيق نعمان طه، طبعة دار المعارف بمصر، عام ١٩٧١. ٢٠ - ذم التأويل لموفق الدين ابن قدامه المقدسي، تحقيق بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى. ٢١ - الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد تحقيق علي النشار وعمار الطالبي ضمن عقائد السلف، طبعة منشاة المعارف بالإسكندرية، عام ١٩٧١. ٢٢ - الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى. ٢٣ - روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه لموفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة تحقيق عبدالكريم النملة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة السابعة. ٢٤ - زاد المسير في علم التفسير لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة. ٢٥ - الزاهر في غريب ألفاظ الشافي لأبي منصور الأزهري تحقيق عبدالمنعم بشناتي، ط ١، دار البشائر، بيروت. ٢٦ - سنن أبي داود، دار بيت الأفكار الدولية، طبعة عام ١٤١٩. ٢٧ - شرح الكوكب المنير لابن النجار تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد طبعة جامعة الملك عبدالعزيز ١٤٠٠ هـ. ٢٨ - شرح صحيح مسلم للنووي، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، عام ١٤٠٧. ٢٩ - الصحاح لإسماعيل الجوهري، تحقيق أحمد عطار، الطبعة الثانية. ٣٠ - صحيح البخاري اعتنى به أبو صهيب الكرمي، طبعة بيت الأفكار الدولية، الرياض، عام ١٤١٩. ٣١ - صحيح مسلم، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض، طبعة عام ١٤١٩.

стр. 34

٣٢ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم تحقيق علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة. ٣٣ - العدة في أصول الفقه لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء تحقيق أحمد سير المباركي، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى. ٣٤ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني تحقيق عبدالرحمن عميرة، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الثانية. ٣٥ - الفرقان بين الحق والباطل لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى. ٣٦ - الفقيه والمتفقه لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، تحقيق عادل الغرازي، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى. ٣٧ - القائد إلى تصحيح العقائد تأليف عبد الرحمن المعلمي، علق عليه الشيخ محم ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة. ٣٨ - قانون التأويل، أبو بكر محمد بن العربي، تحقيق محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية. ٣٩ - قواعد التفسير تأليف خالد السبت، دار ابن عفان، الجيزة، الطبعة الأولى. ٤٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، للشيخ محمد بن عثيمين، طبعة دار الهجرة، صنعاء، عام ١٤١٠ هـ. ٤١ - لسان العرب لابن منظور، تحقيق عبدالله الكبير وأخرون، طبعة دار المعارف، القاهرة. ٤٢ - مجموع فتاوى ابن تيمية جمع عبدالرحمن بن قاسم طبعة عالم الكتب، الرياض عام ١٤١٢. ٤٣ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبدالحق بن غالب بن عطية تحقيق عبدالله الأنصاري وأخرون، مؤسسة دار العلوم، الطبعة الأولى. ٤٤ - مذكرة في أصول الفقه على روضة الناظر لمحمد الأمين الشنقيطي تحقيق سامي العربي. ٤٥ - مستدرك الحاكم تحقيق عبدالسلام علوش، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى. ٤٦ - مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، طبعة دار المعارف، عام ١٣٩٢.

стр. 35

٤٧ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء تحقيق محمد النجدي، دار إيلاف، الكويت، الطبعة الأولى. ٤٨ - المسودة في أصول الفقه جمعها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الحنبلي، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت. ٤٩ - مشكل الآثار للطحاوي، مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند، عام ١٣٣٣، الطبعة الأولى. ٥٠ - المصاحف لعبدالله بن أبي دواد السجستاني تصحيح آثر جفري، مكتبة المثنى، بغداد، الطبعة الأولى. ٥١ - معالم التنزيل لأبي محمد الحسين الفراء البغوي تحقيق محمد النمر وأخرون، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى. ٥٢ - المفردات في غريب القرآن للأصفهاني تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى. ٥٣ - مناهل العرفان للزرقاني. ٥٤ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة/ عثمان بن علي حسن مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الخامسة. ٥٥ - الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي تحقيق عبدالله دراز، توزيع عباس الباز، مكة، الطبعة الثانية. طبعة أخرى تحقيق مشهور حسن سلمان، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى. ٥٦ - موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة لسليمان الغصن، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى.