← Акыда

Акыда · id 6518

التعرف لمذهب أهل التصوف

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (159 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أَرَانِي جمعي فِي فنائي تقربا وهيهات إِلَّا مِنْك عَنْك التَّقَرُّب فَمَا عَنْك لي صَبر وَلَا فِيك حِيلَة وَلَا مِنْك لي بُد وَلَا عَنْك مهرب تقرب قوم بالرجا فوصلتهم فَمَا لي بَعيدا مِنْك وَالْكل يعطب ... مَعْنَاهُ أَرَانِي حَالي أَن جمعي بك وفنائي عَمَّا سواك تقرب إِلَيْك وَالْجمع والفناء صفتان وَلَا يكون الْقرب مِنْك بصفتي بل بك يكون الْقرب إِلَيْك مِنْك ثمَّ قَالَ تقرب إِلَيْك أَقوام بأفعالهم وطاعاتهم فوصلتهم تفضلا مِنْك وَلَيْسَت لي أَفعَال أَتَقَرَّب بهَا إِلَيْك وَأَنا أهلك شوقا إِلَى الْقرب مِنْك وَلَا سَبِيل لي إِلَيْهِ من حَيْثُ أَنا أنشدونا للنورى أَيْضا ... يامن أشاهده عَنى فأحسبه مني قَرِيبا وَقد عزت مطالبه إِذا سمت نَفسِي سلوة عَنهُ ردني إِلَيْهِ شُهُود لَيْسَ تفنى عجائبه ... معنى السلوة الْإِيَاس يَقُول كلماأيست من حَيْثُ أَنا ردني عَن الْإِيَاس مَا مِنْهُ من الْفضل الَّذِي بدا بِهِ وَقَالَ الشبلى قد تحيرت فِيك خُذ بيَدي يَا دَلِيلا لمن تحير فِيك الْبَاب الْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الإتصال معنى الإتصال أَن ينْفَصل بسره عَمَّا سوى الله فَلَا يرى بسره بِمَعْنى التَّعْظِيم غَيره وَلَا يسمع إِلَّا مِنْهُ قَالَ النوري الإتصال مكاشفات الْقُلُوب ومشاهدات الْأَسْرَار مكاشفات الْقُلُوب كَقَوْل حَارِثَة كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا ومشاهدات الْأَسْرَار كَقَوْلِه ﵇ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ وكقول ابْن عمر كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان

стр. 107

وَقَالَ بَعضهم الِاتِّصَال وُصُول السِّرّ إِلَى مقَام الذهول مَعْنَاهُ أَن يشْغلهُ تَعْظِيم الله عَن تَعْظِيم سواهُ وَقَالَ بعض الْكِبَار الِاتِّصَال أَن لَا يشْهد العَبْد غير خالقه وَلَا يتَّصل بسره خاطر لغير صانعه قَالَ سهل حر كوا بالبلاء فتحركوا وَلَو سكنوا اتصلوا الْبَاب الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الْمحبَّة قَالَ الْجُنَيْد الْمحبَّة ميل الْقُلُوب مَعْنَاهُ أَن يمِيل قلبه إِلَى الله وَإِلَى مَا الله من غير تكلّف وَقَالَ غَيره الْمحبَّة هِيَ الْمُوَافقَة مَعْنَاهُ الطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَمر والإنتهاء عَمَّا زجر وَالرِّضَا بِمَا حكم وَقدر قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني الْمحبَّة الإيثار للمحبوب قَالَ غَيره الْمحبَّة إثار مَا تحب لمن تحب قَالَ أَبُو عبد الله النباجي الْمحبَّة لَذَّة فِي الْمَخْلُوق واستهلاك فِي الْخَالِق معنى الإستهلاك أَن لَا يبقي لَك حَظّ وَلَا يكون لمحبتك عِلّة وَلَا تكون قَائِما بعلة قَالَ سُهَيْل من أحب الله فَهُوَ الْعَيْش وَمن أحب فَلَا عَيْش لَهُ معنى هُوَ الْعَيْش انه يطيب عيشه لِأَن الْمُحب يتلذذ بِكُل مَا يرد عَلَيْهِ من المحبوب من مَكْرُوه أَو مَحْبُوب وَمعنى لَا عَيْش لَهُ لِأَنَّهُ يطْلب الْوُصُول إِلَيْهِ وَيخَاف الإنقطاع دونه فَيذْهب عيشه

стр. 108

وَقَالَ بعض الْكِبَار الْمحبَّة لَذَّة وَالْحق لَا يتلذذ بِهِ لِأَن مَوَاضِع الْحَقِيقَة دهش وإستيفاء وحيرة فمحبة العَبْد لله تَعْظِيم يحل الْأَسْرَار فَلَا يستجيز تَعْظِيم سواهُ ومحبة الله للْعَبد هُوَ أَن يبليه بِهِ فَلَا يصلح لغيره وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ وَمعنى لَا يصلح لغيره أَن لَا يكون فِيهِ فضل لمراقبة الأغيار ومراعاة الْأَحْوَال قَالَ بَعضهم الْمحبَّة على وَجْهَيْن محبَّة الْإِقْرَار وَهُوَ للخاص وَالْعَام ومحبة الوجد من طَرِيق الْإِصَابَة فَلَا يكون فِيهِ رُؤْيَة النَّفس والخلق وَلَا رُؤْيَة الْأَسْبَاب وَالْأَحْوَال بل يكون مُسْتَغْرقا فِي رُؤْيَة مَا لله ومامنه أنشدونا لبَعْضهِم ... أحبك حبين حب الْهوى وحبا لِأَنَّك أهل لذاك فَأَما الَّذِي هُوَ حب الْهوى فشغلي بذكرك عَمَّن سواكا وَأما الَّذِي أَنْت أهل لَهُ فلست أرى الْكَوْن حَتَّى أراكا فَمَا الْحَمد فِي ذَا وَلَا ذَاك لي وَلَكِن لَك الْحَمد فِي ذَا وذاكا ... قَالَ ابْن عبد الصَّمد هِيَ الَّتِي تعمى وتصم تعمي عَمَّا سوى المحبوب فَلَا يشْهد سواهُ مَطْلُوبا قَالَ النَّبِي ﷺ حبك الشيئ يعمي ويصم انشد ... أصمني الْحبّ إِلَّا عَن تسامره فَمن رأى حب حب يُورث الصمما وكف طرفِي إِلَّا عَن رعايته وَالْحب يعمى وَفِيه الْقَتْل إِن كتما ... وَأنْشد أَيْضا ... فرط الْمحبَّة حَال لَا يقاومها رأى الْأَصِيل إِذا محذوره قهرا

стр. 109

. يلذ إِن عدلت مِنْهُ قوارعه وَإِن تزيد فِي تعديله بهرا فصل إِن للْقَوْم عِبَارَات تفردوا بهَا واصطلاحات فِيمَا بَينهم لَا يكَاد يستعملها غَيرهم نخبر بِبَعْض مَا يحضر ونكشف مَعَانِيهَا بقول وجيز وَإِنَّمَا نقصد فِي ذَلِك إِلَى معنى الْعبارَة دون مَا تتضمنه الْعبارَة فَإِن مضمونها لَا يدْخل تَحت الْإِشَارَة فضلا عَن الْكَشْف وَأما كنه أَحْوَالهم فَإِن الْعبارَة عَنْهَا مَقْصُورَة وَهِي لأربابها مَشْهُورَة الْبَاب الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي التَّجْرِيد والتفريد فَمَعْنَى التَّجْرِيد أَن يتجرد بِظَاهِرِهِ عَن الْأَعْرَاض وبباطنه عَن الأعواض وَهُوَ أَلا ياخذ من عرض الدُّنْيَا شَيْئا وَلَا يطْلب على مَا ترك مِنْهَا عوضا من عَاجل وَلَا آجل بل يفعل ذَلِك لوُجُوب حق الله تَعَالَى لَا لعِلَّة غَيره وَلَا لسَبَب سواهُ ويتجرد بسره عَن مُلَاحظَة المقامات الَّتِي يخلها والأحول الَّتِي ينازلها بِمَعْنى السّكُون إِلَيْهَا والإعتناق لَهَا والتفريد أَن يتفرد عَن الأشكال وينفرد فِي الْأَحْوَال ويتوحد فِي الْأَفْعَال وَهُوَ أَن تكون أَفعاله لله وَحده فَلَا يكون فِيهَا رُؤْيَة نفس وَلَا مُرَاعَاة خلق وَلَا مطالعة عوض ويتفرد فِي الْأَحْوَال عَن الْأَحْوَال فَلَا يرى لنَفسِهِ حَالا بل يغيب بِرُؤْيَة محولها عَنْهَا ويتفرد عَن الأشكال فَلَا يأنس بهَا وَلَا يستوحش مِنْهَا وَقيل التَّجْرِيد أَن لَا يملك والتفريد أَن لَا يملك أنشدونا لعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ ... تفرد بِاللَّه الفريد فريد فظل وحيدا والمشوق وحيد ...

стр. 110

. وَذَاكَ لِأَن المفردين رَأَيْتهمْ على طَبَقَات والدنو بعيد فَمن مُفْرد يسمو بهمة قلبه عَن الْملك جمعا فَهُوَ عَنهُ يحيد وأدمن سيرا فِي السمو توحدا وكل وحيد بالبلاء فريد وَآخر يسمو فِي الْعُلُوّ تفردا عَن النَّفس وجدا فَهِيَ مِنْهُ تبيد وَآخر مفكوك من الْأسر بالفنا فَأصْبح خلوا واجتباه ودود ... فَالَّذِي أدمن سيرا فِي السمو متوحد بالبلاء لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى مَا يطْلب وَلَا يساكن شَيْئا دونه وَالَّذِي تفرد عَن النَّفس وجدا فَلَا يحس بالبلاء وَالَّذِي فك من أسر النَّفس بالفناء عَنْهَا هُوَ المجتبي المقرب المتفرد بِالْحَقِيقَةِ الْبَاب الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الوجد وَمعنى الوجد هُوَ مَا صَادف الْقلب من فزع أَو غم أَو رُؤْيَة معنى من أَحْوَال الْآخِرَة أَو كشف حَالَة بَين العَبْد الله قَالُوا وَهُوَ سمع الْقُلُوب وبصرها قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ وَقَالَ ﴿أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ فَمن ضعف وجده تواجد والتواجد ظُهُور مَا يجد فِي بَاطِنه على ظَاهره وَمن قوى تمكن فسكن قَالَ الله تَعَالَى ﴿تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله﴾

стр. 111

قَالَ النوري الوجد لهيب ينشأ فِي الْأَسْرَار ويسنح عَن الشوق فتضطرب الْجَوَارِح طَربا أَو حزنا عِنْد ذَلِك الْوَارِد وَقَالُوا الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثَابِتَة بِاللَّه تَعَالَى لَا تَزُول أنشدونا للجنيد ... الوجد يطرب من فِي الوجد رَاحَته والوجد عِنْد حُضُور الْحق مَفْقُود قد كَانَ يطربني وجدي فاشغلني عَن رُؤْيَة الوجد مافي الوجد مَوْجُود ... وأنشدونا لبَعض الْكِبَار ... أبدى الْحجاب فذل فِي سُلْطَانه عز الرسوم وكل معنى يحضر هَيْهَات يدْرك بالوجود وَإِنَّمَا لَهب التواجد رمز عجز يقهر لَا الوجد يدْرك غير رسم داثر والوجد بدثر حِين يَبْدُو المنظر قد كنت أطرب للوجود مروعا طور يغيبني وطورا أحضر أفنى الْوُجُود بِشَاهِد مشهوده أفنى الْوُجُود وكل معنى يذكر ... وَقَالَ بَعضهم الوجد بشارات الْحق بالترقي إِلَى مقامات مشاهاته وأنشدونا لبَعْضهِم ... من جاد بالوجد أَحْرَى أَن يجود بِمَا يفنى الْوُجُود من الأفضال والمنن أيقنت حِين بدا بالوجد يَبْعَثنِي إِن الْجواد بِهِ يُوفي على الْحسن ... وللشبلي ... الوجد عِنْدِي جحود مالم يكن عَن شهودي وَشَاهد الْحق عِنْدِي يفني شُهُود الْوُجُود ... الْبَاب الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ (قَوْلهم فِي الْغَلَبَة) الْغَلَبَة حَال تبدو للْعَبد لَا يُمكنهُ مَعهَا مُلَاحظَة السَّبَب وَلَا مُرَاعَاة الادب

стр. 112

وَيكون مأخوذا عَن تَمْيِيز مَا يستقبله فَرُبمَا خرج إِلَى بعض مَا يُنكر عَلَيْهِ من لم يعرف حَاله وَيرجع على نَفسه صَاحبه إِذا سكنت غلبات مَا يجده وَيكون الَّذِي غلب عَلَيْهِ خوف أَو هَيْبَة أَو إجلال أَو حَيَاء أَو بعض هَذِه الْأَحْوَال كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث عَن أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر حِين إستشاره بَنو قُرَيْظَة لما اسْتَنْزَلَهُمْ النَّبِي ﷺ على حكم سعد بن معَاذ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلقَة أَنه ذبح ثمَّ نَدم على ذَلِك وَعلم أَنه قد خَان الله وَرَسُوله فَانْطَلق على وَجهه حَتَّى ارْتبط فِي الْمَسْجِد إِلَى عَمُود من عمده وَقَالَ لَا أَبْرَح مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوب الله عَليّ مِمَّا صنعت فَهَذَا لما غلب عَلَيْهِ الْخَوْف من الله حَال بَينه وَبَين أَن يَأْتِي رَسُول الله ﷺ وَكَانَ هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ لقَوْل الله ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول﴾ الْآيَة وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَة ارتباط بِالسَّوَارِي والعمد وَقَالَ النَّبِي ﷺ لما أَن استبطاه أما لَو جَاءَنِي لإستغفرت لَهُ فَأَما إِذْ فعل مَا فعل فماأنا بِالَّذِي اطلقه من مَكَانَهُ حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِ فَلَمَّا علم الله صدقه وَأَن ذَلِك صدر عَنهُ لغَلَبَة الْخَوْف عَلَيْهِ غفر لَهُ فَأنْزل الله تَوْبَته فَأَطْلقهُ النَّبِي ﷺ فَأَبُو لبَابَة ﵁ لما أَن غلب عَلَيْهِ الْخَوْف لم يُمكنهُ مُلَاحظَة السَّبَب وَهُوَ اسْتِغْفَار الرَّسُول ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم﴾ الْآيَة وَلم يُمكنهُ مُرَاعَاة الْأَدَب وَالْأَدب أَن يعْتَذر إِلَى من أذْنب إِلَيْهِ وَهُوَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 113

وكما غلب على عمر ﵁ حمية الدّين حِين اعْترض على رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ أَن يُصَالح الْمُشْركين عَام الْحُدَيْبِيَة فَوَثَبَ عمر حَتَّى أَتَى أَبَا بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر أَلَيْسَ هَذَا برَسُول الله قَالَ بلَى قَالَ أَلسنا بِالْمُسْلِمين قَالَ بلَى قَالَ أَلَيْسُوا بالمشركين قَالَ بلَى قَالَ فعلام نعطي الدنية فِي ديننَا فَقَالَ أَبُو بكر يَا عمر إلزم غرزه فَإِنِّي أشهد أَنه رَسُول الله فَقَالَ عمر وَأَنا أشهد أَنه رَسُول الله ثمَّ غلب عَلَيْهِ مَا يجد حَتَّى أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ لأبي بكر وأجابه النَّبِي ﷺ كَمَا أَجَابَهُ أَبُو بكر حَتَّى قَالَ أَنا اعبد الله وَرَسُوله لن أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني فَكَانَ عمر يَقُول فَمَا زلت اصوم وأتصدق وَأعْتق وأصلي من الَّذِي صنعت يَوْمئِذٍ مَخَافَة كَلَامي الَّذِي تَكَلَّمت بِهِ حَتَّى رَجَوْت أَن يكون خيرا وكاعتراضه على النَّبِي ﷺ أَيْضا حِين صلى على عبد الله ابْن ابي قَالَ عمر فتحولت حَتَّى قُمْت فِي صَدره وَقلت يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي على هَذَا وَقد قَالَ يَوْم كَذَا كَذَا يعدد أَيَّامًا لَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ أخر عني يَا عمر إِنِّي خيرت فاخترت وَصلى عَلَيْهِ فَقَالَ عمر فَعجب لي وجرأتي على رَسُول الله

стр. 114

وَمِنْه حَدِيث أبي طيبَة حِين حجم النَّبِي ﷺ فَشرب دَمه وَذَلِكَ مَحْظُور فِي الشَّرِيعَة وَلَكِن فعله فِي حَال الْغَلَبَة فعذره النَّبِي ﷺ وَقَالَ لقد احتظرت بحظائر من النَّار فَهَذِهِ كلهَا وأمثالها كَثِيرَة تدل على أَن حَالَة الْغَلَبَة حَالَة صَحِيحَة وَيجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي حَال السّكُون وَيكون السَّاكِن فِيهَا بِمَا هُوَ أرفع مِنْهُ فِي الْحَال أمكن وَأتم حَالَة كَمَا كَانَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ الْبَاب الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي السكر وَهُوَ أَن يغيب عَن تَمْيِيز الْأَشْيَاء وَلَا يغيب عَن الْأَشْيَاء وهوأن لَا يُمَيّز بَين مرافقة وملاذه وَبَين اضدادها فِي مرافقة الْحق فَإِن غلبات وجود تسقطه عَن المييز بَين مَا يؤلمه ويلذه كَمَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات فِي حَدِيث حَارِثَة أَنه قَالَ اسْتَوَى عِنْدِي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها وكما قَالَ عبد الله بن مَسْعُود مَا أُبَالِي على أَي الْحَالين وَقعت على غنى أَو فقر إِن كَانَ فقرا فَإِن فِيهِ الصَّبْر وَإِن كَانَ غنى فَإِن فِيهِ الشُّكْر ذهب عَنهُ التَّمْيِيز بَين الأرفق وضده وَغلب عَلَيْهِ رُؤْيَة مَا للحق من الصَّبْر وَالشُّكْر وَأنْشد بَعضهم ... قد استولى على قلبِي هَوَاك وَمَالِي فِي فُؤَادِي من سواك ... فَلَو قطعتني فِي الْحبّ إربا لما حن الْفُؤَاد إِلَى سواك ...

стр. 115

والصحو الَّذِي هُوَ عقيب السكر هُوَ أَن يُمَيّز فَيعرف المؤلم من الملذ فيختار المؤلم فِي مُوَافقَة الْحق وَلَا يشْهد الْأَلَم بل يجد لَذَّة فِي المؤلم كَمَا جَاءَ عَن بعض الْكِبَار أَنه قَالَ لَو قطعني الْبلَاء إربا إربا مَا ازددت لَك إِلَّا حبا حبا وَعَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ أحب الْمَوْت اشتياقا إِلَى رَبِّي وَأحب الْمَرَض تكفيرا لخطيئتي وَأحب الْفقر تواضعا لرَبي وَعَن بعض الصَّحَابَة أَنه قَالَ يَا حبذا المكروهان الْمَوْت والفقر وَهَذِه الْحَالة أتم لِأَن صَاحب السكر يَقع على الْمَكْرُوه من حَيْثُ لَا يدْرِي ويغيب عَن وجود التكره وَهَذَا يخْتَار الآلام على الملاذ ثمَّ يجد اللَّذَّة فِيمَا يؤلمه بِغَلَبَة شُهُود فَاعله والصاحي الَّذِي نَعته قبل نعت السكر رُبمَا يخْتَار الالام على الملاذ لرؤية ثَوَاب أَو مطالعة عوض وَهُوَ متألم فِي الآلام ومتلذذ فِي الملاذ فَهُوَ نعت الصحو وَالسكر وأنشدونا لبَعض الْكِبَار ... كَفاك بِأَن الصحو أوجد أنني فَكيف بِحَال السكر وَالسكر أَجْدَر ٥ ... فحالاك لي حالان صحو وسكره فَلَا زلت فِي حَالي أصحو وأسكر ... مَعْنَاهُ أَن حَالَة التَّمْيِيز إِذا أسقط عني مَالِي وأوجد مَالك فَكيف يكون حَاله السكر وَهُوَ سُقُوط التميز عني وَيكون الله هُوَ الَّذِي يصرفني فِي وظائفي ويراعيني فِي أحوالي وَهَاتَانِ حالتان تجريان عَليّ وهما لله تَعَالَى لَا لي فَلَا زلت فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ ابدا

стр. 116

الْبَاب السَّادِس وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الْغَيْبَة وَالشُّهُود فَمَعْنَى الْغَيْبَة أَن يغيب عَن حظوظ نَفسه فَلَا يَرَاهَا وهى اعنى الحظوظ قَائِمَة مَعَه مَوْجُودَة فِيهِ غير أَنه عَنْهَا بِشُهُود مَا للحق كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي وبلغه أَنه قيل للاوزاعي رَأينَا جاريتك الزَّرْقَاء فِي السُّوق فَقَالَ أَو زرقاء هى فَقَالَ سُلَيْمَان انفتحت عُيُون قُلُوبهم وانطبقت عُيُون رؤوسهم أخبر أَن غيبته عَن رزقتها كَانَت مَعَ بَقَاء لَذَّة الْحور فِيهِ بقوله أَو زرقاء هى وَالشُّهُود أَن يرى حظوظ نَفسه وَمعنى ذَلِك أَن يَأْخُذ مَا يَأْخُذ بِحَال الْعُبُودِيَّة وخضوع البشرية لَا للذة والشهوة وغيبة أُخْرَى وَرَاء هَذِه وهى أَن يغيب عَن الفناء والفاني بِشُهُود الْبَقَاء وَالْبَاقِي لَا غير كَمَا أخبر حَارِثَة عَن نَفسه وَيكون الشُّهُود شُهُود عيان وَيكون غيبته عَمَّا غَابَ غيبَة شُهُود الضّر والنفع لَا غيبَة استتار واحتجاب وأنشدونا للنورى ... شهِدت وَلم أشهد لحاظا لحظته وَحسب لحاظ شَاهد غير مشْهد وغبت مغيبا غَابَ للغيب غيبه فلاح ظُهُور غيبه غير مفقد ... وَعبر عَن الشُّهُود بعض مشائخنا فَقَالَ الشُّهُود أَن تشهد مَا تشهد مستصغرا لَهُ مَعْدُوم الصّفة لما غلب عَلَيْك من شَاهد الْحق كَمَا جَاءَ ... أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل وكل نعيم لَا محَالة زائل ...

стр. 117

وكما قَالَ مُوسَى ﵇ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ رأى السامرى مَعْدُوم الصّفة فِي شُهُود الْحق وأنشدونا للنورى ... تسترت عَن دهرى بستر همومه محيرة فِي قدر من جلّ عَن قدرى فَلَا الدَّهْر يدرى أننى عَنهُ غَائِب وَلَا أَنا أَدْرِي بالخطوب إِذا تجرى إِذا كَانَ كلى قَائِما بوفائه فلست أُبَالِي مَا حييت يَد الدَّهْر ... الْبَاب السَّابِع وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الْجمع والتفرقة أول الْجمع جمع الهمة وَهُوَ أَن تكون الهموم كلهَا هما وَاحِدًا وَفِي الحَدِيث من جعل الهموم هما وَاحِدًا هم الْمعَاد كَفاهُ الله سَائِر همومه وَمن تشعبت بِهِ الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا هلك وَهَذِه حَال المجاهدة والرياضة وَالْجمع الَّذِي يعنيه أَهله هُوَ أَن يصير ذَلِك حَالا لَهُ وَهُوَ أَن لَا تتفرق همومه فيجمعها تكلّف العَبْد بل تَجْتَمِع الهموم فَتَصِير بِشُهُود الْجَامِع لَهَا هما وَاحِدًا وَيحصل الْجمع إِذْ كَانَ بِاللَّه وَحده دون غَيره والتفرقة الَّتِى هِيَ عقيب الْجمع هُوَ أَن يفرق بَين العَبْد وَبَين همومه فِي حظوظه وَبَين طلب مرافقه وملاذه فَيكون مفرقا بَينه وَبَين نَفسه فَلَا تكون حركاته لَهَا وَقد يكون الْمَجْمُوع نَاظرا إِلَى حظوظه فِي بعض الاحوال غير أَنه مَمْنُوع مِنْهَا قد حيل بَينه وَبَينهَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ مِنْهَا شَيْء وَهُوَ غير كَارِه لذَلِك بل مُرِيد لَهُ لعلمه بِأَنَّهُ فعل الْحق بِهِ واختصاصه لَهُ وجذبه إِيَّاه مِمَّا دونه سُئِلَ بعض الْكِبَار عَن الْجمع مَا هُوَ

стр. 118

فَقَالَ جمع الاسرار بِمَا لَيْسَ مِنْهُ بُد وقهرها فِيهِ اذ لَا شبه لَهُ وَلَا ضد وَقَالَ غَيره جمعهم بِهِ حِين وصلهم بالقصور عَنهُ وفرقهم عَنهُ حِين طلبوه بِمَا مِنْهُم فسنح التشتيت لارتياده بالاسباب وَحصل الْجمع حِين شاهدوه فِي كل بَاب قالتفرقة الَّتِى عبر عَنْهَا هِيَ الَّتِي قبل الْجمع مَعْنَاهُ أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ بالاعمال تفرقه وَإِذا شاهدوه مقربا لَهُم فَهُوَ الْجمع أنشدونا لبَعض الْكِبَار ... الْجمع أفقدهم من حَيْثُ هم قدما وَالْفرق أوجدهم حينا بِلَا أثر فَاتَت نُفُوسهم والفوت فقدهم فِي شَاهد جمعُوا فِيهِ عَن الْبشر وجمعهم عَن نعوت الرَّسْم محوهم عَمَّا يؤثره التلوين بِالْغَيْر والحين حَال تلاشت فِي قديمهم عَن شَاهد الْجمع إِضْمَار بِلَا صور حَتَّى توافى لَهُم فِي الْفرق مَا عطفت عَلَيْهِم مِنْهُ حِين الْوَقْت فِي الْحَضَر فالجمع غيبتهم وَالْفرق حَضرتهمْ والوجد والفقد فِي هذَيْن بِالنّظرِ ... معنى قَوْله الْجمع أفقدهم من حَيْثُ هم أى علمهمْ بوجودهم للحق فِي علمه بهم أفقدهم من الْحِين الَّذِي صَارُوا موجودين لَهُ فَجعل الْجمع حَالَة الْعَدَم حَيْثُ لم يكن إِلَّا علم الْحق بهم وَالْفرق حَالَة مَا أخرجهم من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود قَوْله فَاتَت نُفُوسهم أَي رأوها حِين الْوُجُود كَمَا كَانُوا إِذْ هم فقود لَا يملكُونَ لانفسهم ضرا وَلَا نفعا وَلَا يتَغَيَّر علم الله فيهم وجمعهم هُوَ أَن يمحوهم عَن نعوت الرَّسْم وَهِي أفعالهم وأوصافهم فِي أَنَّهَا لَا تُؤثر أثر تلوين وتغيير بل تكون على مَا علم الله جلّ وَعز وَقدر وَحكم فتلاشت حَالهم حِين وجودهم فِي قديم الْعلم إِذْ كَانُوا معدمين لَا موجودين مصورين وَإِذا أوجدهم أجْرى عَلَيْهِم مَا سبق لَهُم مِنْهُ فالجمع أَن يغيبوا عَن حضورهم وشهودهم إيَّاهُم متصرفين وَالْفرق أَن يشْهدُوا أَحْوَالهم وأفعالهم

стр. 119

والوجد والفقد حالتان متغايرتان لَهُم لَا للحق تَعَالَى قَالَ أَبُو سعيد الخراز معنى الْجمع أَنه أوجدهم نَفسه فِي أنفسهم بل أعدمهم وجودهم لانفسهم عِنْد وجودهم لَهُ مَعْنَاهُ قَوْله كنت لَهُ سمعا وبصرا ويدا فبى يسمع وَبِي يبصر الْخَبَر وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يتصرفون بِأَنْفسِهِم لَا لأَنْفُسِهِمْ فصاروا متصرفين للحق بِالْحَقِّ الْبَاب الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي التجلي والاستتار قَالَ سهل التجلي على ثَلَاثَة أَحْوَال تجلي ذَات وَهِي المكاشفة وتجلي صِفَات الذَّات وَهِي مَوضِع النُّور وتجلى حكم الذَّات وَهِي الْآخِرَة وَمَا فِيهَا معنى قَوْله تحلى ذَات وَهِي المكاشفة كشوف الْقلب فِي الدُّنْيَا كَقَوْل عبد الله بن عمر كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان يَعْنِي فِي الطّواف وَقَالَ النَّبِي ﷺ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ وكشوف العيان فِي الْآخِرَة وَمعنى قَوْله تجلى صِفَات الذَّات وَهِي مَوضِع النُّور هُوَ أَن تتجلى لَهُ قدرته عَلَيْهِ فَلَا يخَاف غَيره وكفايته لَهُ فَلَا يَرْجُو سواهُ وَكَذَلِكَ جَمِيع الصِّفَات كَمَا قَالَ حَارِثَة كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا كَأَنَّهُ تجلى لَهُ كَلَامه فِي أخباره فَصَارَ الْخَبَر لَهُ كالمعاينة وتحلى حكم الذَّات يكون فِي الْآخِرَة فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير قَالَ بعض الْكِبَار عَلامَة تجلى الْحق للاسرار هُوَ أَن لَا يشْهد السِّرّ مَا يتسلط عَلَيْهِ التَّعْبِير أَو يحويه الْفَهم فَمن عبر أَو فهم فَهُوَ خاطر اسْتِدْلَال لَا نَاظر إجلال

стр. 120

مَعْنَاهُ أَن يشْهد مَا لَا يُمكنهُ الْعبارَة عَنهُ أَي التَّعْبِير عَنهُ لانه لَا يشْهد إِلَّا تَعْظِيمًا وهيبة فيمنعه ذَلِك عَن تَحْصِيل مَا شَاهد من الْحَال وأنشدونا لبَعْضهِم ... إِذا مَا بَدَت لي تعاظمتها فأصدر فِي حَال من لم يرد أَجِدهُ إِذا غبت عني بِهِ وَأشْهد وجدي لَهُ قد فقد فَلَا الْوَصْل يشهدني غَيره وَلَا أَنا أشهده مُنْفَرد جمعت وَفرقت بِهِ عني ففرد التواصل مثنى الْعدَد مَعْنَاهُ إِذا بَدَت الْحَقِيقَة غلب على التَّعْظِيم فأغيب فِي شَاهد التَّعْظِيم عَن شُهُود التَّحْصِيل فَأَكُون كمن لم يبد لَهُ وَإِنَّمَا يكون وجودي لَهُ إِذا غبت عني وَإِذا غبت فقد وجودي فحالة الْوَصْل الَّذِي هُوَ فنائي عني لَا يشهدني غَيره وَحَالَة الِانْفِرَاد وقيامي بصفتي يغييبني عَن شُهُوده فَكَأَن جمعي بِهِ فرقني عني فَيكون حَالَة الْوَصْل هُوَ أَن يكون الله مصرفي فَلَا أكون أَنا فِي أفعالي فَهُوَ الله تَعَالَى لَا أَنا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَهَذَا لِسَان الْحَال ولسان الْعلم أَن الله مصرفي وَأَنا بِهِ متصرف فَيكون المعبود وَالْعَبْد وَقَالَ بَعضهم التجلي رفع حجبة البشرية لَا أَن تتلون ذَات الْحق جلّ وَعز عَن ذَلِك وَعلا والاستتار أَن تكون البشرية حائلة بَيْنك وَبَين شُهُود الْغَيْب وَمعنى رفع حجبة البشرية أَن يكون الله تَعَالَى يقيمك تَحت موارد مَا يَبْدُو لَك من الْغَيْب لَان البشرية لَا تقاوم أَحْوَال الْغَيْب والاستتار الَّذِي يعقب التجلي هُوَ أَن تستتر الاشياء عَنْك فَلَا تشاهدها

стр. 121

كَقَوْل عبد الله بن عمر للَّذي سلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الطّواف فَلم يرد عَلَيْهِ فَشَكَاهُ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان أخبر عَن تجلى الْحق لَهُ بقوله كُنَّا نتراءى الله وَأخْبر عَن الاستتار بغيبته عَن التَّسْلِيم عَلَيْهِ وأنشدنا لبَعض الْكِبَار ... سرائر الْحق لَا تبدو لمحتجب أخفاه عَنْك فَلَا تعرض مخيفه لَا تعن نَفسك فِيمَا لست تُدْرِكهُ حاشا الْحَقِيقَة أَن تبدو فتؤويه ... الْبَاب التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الفناء والبقاء فالفناء هُوَ أَن يفنى عَنهُ الحظوظ فَلَا يكون لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك حَظّ وَيسْقط عَنهُ التَّمْيِيز فنَاء عَن الاشياء كلهَا شغلا يما فنى بِهِ كَمَا قَالَ عَامر بن عبد الله مَا أُبَالِي امْرَأَة رَأَيْت أم حَائِطا وَالْحق يتَوَلَّى تصريفه فيصرفه فِي وظائفه وموافقاته فَيكون مَحْفُوظًا فِيمَا لله عَلَيْهِ مأخوذا عَمَّا لَهُ وَعَن جَمِيع المخالفات فَلَا يكون لَهُ إِلَيْهَا سَبِيل وَهُوَ الْعِصْمَة وَذَلِكَ معنى قَوْله ﷺ كنت لَهُ سمعا وبصرا الْخَبَر والبقاء الَّذِي يعقبه هُوَ أَن يفنى عَمَّا لَهُ وَيبقى بِمَا لله قَالَ بعض الْكِبَار الْبَقَاء مقَام النَّبِيين ألبسوا السكينَة لَا يمنعهُم مَا حل بهم عَن فَرْضه وَلَا عَن فَضله ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ وَالْبَاقِي هُوَ أَن تصير الاشياء كلهَا لَهُ شَيْئا وَاحِدًا فَتكون كل حركاته فِي موافقات الْحق دون مخالفاته فَيكون فانيا عَن المخالفات بَاقِيا فِي الموافقات

стр. 122

وَلَيْسَ معنى أتصير الاشياء كلهَا لَهُ شَيْئا وَاحِدًا أَن تصير المخالفات لَهُ موافقات فَيكون مَا نهى عَنهُ كَمَا أَمر بِهِ وَلَكِن على معنى أَن لَا يجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا مَا أَمر بِهِ وَمَا يرضاه الله تَعَالَى دون مَا يكرههُ وَيفْعل مَا يفعل لله لَا لحظ لَهُ فِيهِ فِي عَاجل أَو آجل وَهَذَا معنى قَوْلهم يكون فانيا عَن أَوْصَافه بَاقِيا بأوصاف الْحق لَان الله تَعَالَى إِنَّمَا يفعل الاشياء لغيره لَا لَهُ لانه لَا يجر بِهِ نفعا وَلَا يدْفع بِهِ ضرا تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِنَّمَا يفعل الاشياء لينفع الاغيار أَو يضرهم فالباقي بِالْحَقِّ الفاني عَن نَفسه يفعل الاشياء لَا لجر مَنْفَعَة إِلَى نَفسه وَلَا لدفع مضرَّة عَنْهَا بل على معنى أَنه لَا يقْصد فِي فعله جر الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة قد سَقَطت عَنهُ حظوظ نَفسه ومطالبة مَنَافِعهَا بِمَعْنى الْقَصْد وَالنِّيَّة وَلَا بِمَعْنى أَنه لَا يجد حظا فِيمَا يعْمل مِمَّا لله عَلَيْهِ يَفْعَله لله لَا لطمع ثَوَاب وَلَا لخوف عِقَاب وهما أعنى الْخَوْف والطمع باقيان مَعَه قائمان فِيهِ غير أَنه يرغب فِي ثَوَاب الله لموافقة الله تَعَالَى لانه رغب فِيهِ وَأمر أَن يسْأَل ذَلِك مِنْهُ وَلَا يَفْعَله للذة نَفسه وَيخَاف عِقَابه إجلالا لَهُ وموافقة لَهُ لانه خوف عباده وَيفْعل سَائِر الحركات لحظ الْغَيْر لالحظ نَفسه كَمَا قيل الْمُؤمن يَأْكُل بِشَهْوَة عِيَاله أنشدونا لبَعْضهِم ... أفناه عَن حَظه فِيمَا ألم بِهِ فظل يبقيه فِي رسم ليبديه ليَأْخُذ الرَّسْم عَن رسم يكاشفه والسر يطفح عَن حق يراعيه ... فجملة الفناء والبقاء أَن يفنى عَن حظوظه وَيبقى بحظوظ غَيره فَمن الفناء فنَاء عَن شُهُود المخالفات والحركات بهَا قصدا وعزما وَبَقَاء فِي شُهُود الموافقات والحركات بهَا قصدا وفعلا وفناء عَن تَعْظِيم مَا سوى الله وَبَقَاء فِي تَعْظِيم الله تَعَالَى

стр. 123

وَمن فنَاء تَعْظِيم مَا سوى الله حَدِيث ابي حَازِم حَيْثُ قَالَ مَا الدُّنْيَا أما مَا مضى فأحلام وَأما مَا بَقِي فأمان وغرور وَمَا الشَّيْطَان حَتَّى يهاب مِنْهُ لقد أطيع فَمَا نفع وَعصى فَمَا ضرّ فَكَانَ كَأَنَّهُ لَا دنيا عِنْده وَلَا شَيْطَان وَمن فنَاء الحظوظ حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ مَا علمت أَن فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من يُرِيد الدُّنْيَا حَتَّى قَالَ الله ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ الْآيَة فَكَانَ فانيا عَن إِرَادَة الدُّنْيَا وَمن ذَلِك حَدِيث حَارِثَة قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فَكَأَنِّي أنظر الى عرش رَبِّي بارزا فنى عَن العاجلة بالآجلة وَعَن الاغيار بالجبار وَحَدِيث عبد الله بن عمر سلم عَلَيْهِ إِنْسَان وَهُوَ فِي الطّواف فَلم يرد عَلَيْهِ وشكاه إِلَى بعض أَصْحَابه فَقَالَ عبد الله إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان وَمِنْهَا حَدِيث عَامر بن عبد الْقَيْس قَالَ لِأَن تخْتَلف فِي الأسنة أحب إِلَيّ من أَن أجد مَا تذكرُونَ يَعْنِي فِي الصَّلَاة حَتَّى قَالَ الْحسن مَا اصْطنع الله ذَلِك عندنَا وفناء هُوَ الْغَيْبَة عَن الاشياء رَأْسا كَمَا كَانَ فنَاء مُوسَى ﵇ حِين تجلى ربه للجبل ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ فَلم يخبر فِي الثَّانِي من حَاله عَن حَاله وَلَا أخبر عَنهُ مغيبه بِهِ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو سعيد الخزاز عَلامَة الفاني ذهَاب حَظه من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا من الله تَعَالَى ثمَّ يَبْدُو باد من قدرَة الله تَعَالَى فيريه ذهَاب حَظه من الله تَعَالَى إجلالا لله ثمَّ يَبْدُو لَهُ باد من الله تَعَالَى فيريه ذهَاب حَظه من رُؤْيَة ذهَاب حَظه وَيبقى

стр. 124

رُؤْيَة مَا كَانَ من الله لله ويتفرد الْوَاحِد الصَّمد فِي أحديته فَلَا يكون لغير الله مَعَ الله فنَاء وَلَا بَقَاء معنى ذهَاب حَظه من الدُّنْيَا مُطَالبَة الاعراض وَمن الاخرة مُطَالبَة الاعواض فَيبقى حَظه من الله وَهُوَ رِضَاهُ عَنهُ وقربه مِنْهُ ثمَّ يرد عَلَيْهِ حَالَة من إجلال الله تَعَالَى أَن يقرب مثله أَو يرضى عَن مثله استحقارا لنَفسِهِ وإجلالا لرَبه ثمَّ ترد عَلَيْهِ حَالَة فيستوفيه حق الله تَعَالَى فيغيبه عَن رُؤْيَة صفته الَّتِي هِيَ رُؤْيَة ذهَاب حَظه فَلَا يبْقى فِيهِ إِلَّا مَا من الله إِلَيْهِ ويفنى عَنهُ مَا مِنْهُ الى الله فَيكون كَمَا كَانَ إِذْ كَانَ فِي علم الله تَعَالَى قبل أَن يوجده وَسبق لَهُ مِنْهُ مَا سبق من غير فعل كَانَ مِنْهُ وَعبارَة أُخْرَى عَن الفناء أَن الفناء هُوَ الْغَيْبَة عَن صِفَات البشرية بِالْحملِ الموله من نعوت الالهية وَهُوَ أَن يفنى عَنهُ أَوْصَاف البشرية الَّتِي هِيَ الْجَهْل وَالظُّلم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَمن أَوْصَافه الكنود والكفور وكل صفة ذميمة تفنى عَنهُ بِمَعْنى أَن يغلب علمه جَهله وعدله ظلمه وشكره كفرانه وأمثالها قَالَ أَبُو الْقَاسِم فَارس الفناء حَال من لَا يشْهد صفته بل يشهدها مغمورة بمغيبها وَقَالَ فنَاء البشرية لَيْسَ على معنى عدمهَا بل على معنى أَن تغمد بلذة توفى على رُؤْيَة الالم واللذة الْجَارِيَة على العَبْد فِي الْحَال كصواحبات يُوسُف ﵇ ﴿قطعن أَيْدِيهنَّ﴾ لفناء أوصافهم وَلما ورد على أسرارهن من لَذَّة النّظر إِلَى يُوسُف مِمَّا غيبهم عَن ألم مَا دخل عَلَيْهِنَّ من قطع أَيْدِيهنَّ ولبعض أهل الْعَصْر

стр. 125

. غَابَتْ صِفَات القاطعات أكفها فِي شَاهد هُوَ فِي الْبَريَّة أبدع ففنين عَن أوصافهن فَلم يكن من نعتهن تلذذ وتوجع وَقيام ارمرأه الْعَزِيز بِيُوسُف يَد نَفسه مَا كَانَ يُوسُف يقطع ... وأنشدونا فِي الفناء ... ذكرنَا وَمَا كُنَّا لننسى فَنَذْكُر وَلَكِن نسيم الْقرب يَبْدُو فيبهر فأفنى بِهِ عَنى وَأبقى بِهِ لَهُ إِذا الْحق عَنهُ مخبر وَعبر ... وَمِنْهُم من جعل هَذِه الْأَحْوَال كلهَا حَالا وَاحِدَة وَإِن اخْتلفت عباراتها فَجعل الفناء بَقَاء وَالْجمع تَفْرِقَة وَكَذَلِكَ الْغَيْبَة وَالشُّهُود وَالسكر والصحو وَذَلِكَ أَن الفاني عماله بَاقٍ بِمَا للحق وَالْبَاقِي بِمَا للحق فَإِن عماله والمفارق مَجْمُوع لِأَن لَا يشْهد إِلَّا الْحق وَالْمَجْمُوع مفارق لِأَنَّهُ لَا يشْهد إِيَّاه وَلَا الْخلق وَهُوَ بَاقٍ لدوامه مَعَ الْحق وَهُوَ جَامعه بِهِ وَهُوَ فان عَمَّا سواهُ مفارق لَهُم وَهُوَ غَائِب سَكرَان لزوَال التَّمْيِيز عَنهُ وَمعنى زَوَال التَّمْيِيز عَنهُ هُوَ مَا قُلْنَاهُ بَين الآلام والملاذ وَبِمَعْنى أَن الْأَشْيَاء تتوحد لَهُ فَلَا يشْهد مُخَالفَة إِذْ لَا يصرفهُ الْحق إِلَّا فِي موافقاته وَإِنَّمَا تميز بَين الشيئ وَغَيره فَإِذا صَارَت الْأَشْيَاء شَيْئا وَاحِدًا سقط التَّمْيِيز وَعبر جمَاعَة عَن الفناء بِأَن قَالُوا يُؤْخَذ العَبْد من كل رسم كَانَ لَهُ وَعَن كل مرسوم فَيبقى فِي وقته بِلَا بَقَاء يُعلمهُ وَلَا فنَاء يشْعر بِهِ وَلَا وَقت يقف عَلَيْهِ بل يكون خالقه عَالما بِبَقَائِهِ وفنائه وَوَقته وَهُوَ حَافظ لَهُ عَن كل مَذْمُوم وَاخْتلفُوا فِي الفاني هَل يرد إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف أم لَا قَالَ بَعضهم يرد الفاني إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف وَحَالَة الفناء لَا تكون على الدَّوَام لِأَن دوامها يُوجب تَعْطِيل الْجَوَارِح عَن أَدَاء المفروضات وَعَن حركتها فِي أُمُور معاشها ومعادها

стр. 126

وَلأبي الْعَبَّاس بن عَطاء فِي ذَلِك كتاب سَمَّاهُ كتاب عودة لصفات وبدئها وَأما الْكِبَار مِنْهُم والمحققون فَلم يرَوا رد الفاني إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف مِنْهُم الْجُنَيْد والخراز والنوري وَغَيرهم قالفناء فضل من الله وموهبة العَبْد وإكرام مِنْهُ لَهُ واختصاص لَهُ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ من الْأَفْعَال المكتسبة وَإِنَّمَا هُوَ شيئ يَفْعَله الله بِمن اختصه لنَفسِهِ واصطنعه لَهُ فَلَو رده إِلَى صفته كَانَ فِي ذَلِك سلب مَا أعْطى واسترجاع مَا وهب وَهَذَا غير لَائِق باله أَو يكون من جِهَة البداء والبداء صفة من استفات الْعلم وَهَذَا من الله منفي أَو يكون ذَلِك غرُورًا وخداعا وَالله تَعَالَى لَا يُوصف بالغرور وَلَا يُخَادع الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا يُخَادع الْمُنَافِقين والكافرين وَلَيْسَ مقَام الفناء يدْرك بالاكتساب فَيجوز أَن يكْتَسب ضِدّه فَإِن عورض بِالْإِيمَان وَالرُّجُوع عَنهُ وَهُوَ أفضل الْمَرَاتِب وَبِه يدْرك جَمِيع المقامات أُجِيب عَنهُ أَن الْإِيمَان الَّذِي يجوز الرُّجُوع عَنهُ هُوَ الَّذِي اكْتَسبهُ العَبْد من إِقْرَار لِسَانه وَالْعَمَل بأركانه وَلم يخَامر الْإِيمَان حَقِيقَة سره لَا من قبل الشُّهُود وَلَا من صِحَة الْعُقُود لكنه أقرّ بشيئ وَهُوَ لَا يدْرِي حَقِيقَة مَا أقرّ بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الْملك يَأْتِي العَبْد إِذا وضع فِي لحده فَيَقُول مَا قَوْلك فِي هَذَا الرجل فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَهَذَا شَاك غير متقين أَو يكون أقرّ بِلِسَانِهِ وانطوى على تَكْذِيبه كالمناطق الَّذِي اقر بِلِسَانِهِ وَكذبه بِقَلْبِه واضمر خِلَافه وَلكنه أقرّ بِلِسَانِهِ وَلم يكذبهُ بقبه وَلَا اضمر خِلَافه وَلَكِن لم

стр. 127

يَقع لَهُ صِحَة مَا أقرّ بِهِ اكتسابا وَلَا مُشَاهدَة لم يكْتَسب تَحْقِيقه من جِهَة الْعلم فتقوم لَهُ الدَّلَائِل على صِحَّته وَلَا شَاهد بقبه حَالا أَزَال عَنهُ الشكوك وَقد سبق لَهُ من الله الشَّقَاء فاعترضت لَهُ شُبْهَة من خاطر أَو نَاظر ففتنته فانتقل عَنهُ إِلَى ضِدّه فَأَما من سبق لَهُ من الله الْحسنى فَإِن الشُّبُهَات لَا تقع لَهُ والعوارض تَزُول عَنهُ إِمَّا اكتسابا من علم الْكتاب وَالسّنة وَدَلَائِل الْعقل فيزيل خواطر السوء عَنهُ وَترد شُبُهَات النَّاظر لَهُ إِذْ لَا يجوز أَن يكون لما خَالف الْحق دَلَائِل الْحق فَهَذَا لَا تعترضه الشكوك أَو يكون مِمَّن قد وَقع لَهُ صِحَة الْإِيمَان وَيرد الله تَعَالَى عَنهُ خواطر السوء باعتصامه بِالْجُمْلَةِ وَيرد عَنهُ الله النَّاظر المشكك لَهُ لطفا بِهِ فَلَا يُقَابله فَيسلم لَهُ صِحَة إيمَانه وَإِن لم يكن عِنْده من الْبَيَان مَا يحْتَاج مناظرة ناظره وَلَا مَا يزِيل خاطره أَو يكون مِمَّن وَقع لَهُ صِحَة مَا أقرّ بِهِ شُهُودًا أَو كشوفا كَمَا أخبر حَارِثَة عَن نَفسه من شُهُوده مَا أقرّ بِهِ حَتَّى حل مَا غَابَ عَنهُ من ذَلِك مَحل مَا حضر وَأكْثر لِأَنَّهُ أخبر أَنه عزف عَن الشَّاهِد فَصَارَ الْغَيْب لَهُ شُهُودًا وَالشَّاهِد غَائِبا كَمَا قَالَ الدَّارَانِي انفتحت عُيُون قُلُوبهم فانطبعت عُيُون رؤوسهم فَمن وَقع لَهُ صِحَة ماأقر بِهِ من هَذِه الْجِهَة لم يرجع عَن الاخرة إِلَى الدُّنْيَا وَلَا ترك الأولى للأدنى وَهَذَا كُله أَسبَاب الْعِصْمَة من الله لَهُ وتصديق مَا وعد بقوله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ فقد صَحَّ أَن الْمُؤمن الْحَقِيقِيّ لَا ينْتَقل عَن الْإِيمَان لِأَنَّهُ موهبة لَهُ من الله جلّ وَعز وَعَطَاء وَفضل واختصاص وحاشا الْحق أَن يرجع فِيمَا وهب أَو يسيرد مَا أعْطى

стр. 128

وَصُورَة الْإِيمَان الْحَقِيقِيّ والرسمي فِي الظَّاهِر صُورَة وَاحِدَة وحقائقها مُخْتَلفَة فَأَما الفناء وَغَيره من مقامات الإختصاص فَإِن صورها مُخْتَلفَة وحقائقها وَاحِدَة لِأَنَّهَا لَيست من جِهَة الإكتساب لَكِن من جِهَة الْفضل وَقَول من قَالَ إِن الفاني يرد إِلَى أَوْصَافه محَال لِأَن الْقَائِل إِذْ أقرّ بِأَن الله تَعَالَى اخْتصَّ عبدا واصطنعه لنَفسِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّه يردهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ يخْتَص مَالا يخْتَص ويصطنع مَالا يصطنع وَهَذَا محَال وجوازه من حهة التربية وَالْحِفْظ عَن الْفِتْنَة لَا يَصح أَيْضا لِأَن الله تَعَالَى لَا يحفظ على العَبْد مَا آتَاهُ من جِهَة السَّلب وَلَا بِأَن يردهُ إِلَى الأوضع عَن الأرفع وَلَو جَازَ هَذَا جَازَ أَن لَا يحفظ مَوَاضِع الْفِتَن من الْأَنْبِيَاء بِأَن يردهم من رُتْبَة النُّبُوَّة إِلَى رُتْبَة الْولَايَة أَو مَا دونهَا وَهَذَا غير جَائِز ولطائف الله تَعَالَى فِي عصمَة أنبيائه وَحفظ أوليائه من الْفِتْنَة أَكثر من أَن تقع تَحت الأحصاء وَالْعد وَقدرته أتم من أَن تحصر على فعل دون غَيره فَأن عورض بِالَّذِي آتَاهُ آيَاته ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ لم يعْتَرض لِأَن الَّذِي انْسَلَخَ لم يكن قطّ شَاهد حَالا وَلَا وجد مقَاما وَلَا كَانَ مُخْتَصًّا قطّ وَلَا مصطنعا بل كَانَ مستدرجا مخدوعا ممكورا بِهِ وَإِنَّمَا أجْرى على ظَاهره من اعلام المختصين وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة من المردودين وَإِنَّمَا حلى ظَاهره بالوظائف الْحَسَنَة والأوراد الزكية وَهُوَ فِي الْقلب مَحْجُوب السِّرّ لم يجد قطّ طعم الْخُصُوص وَلَا ذاق لَذَّة الْإِيمَان وَلَا عرف الله قطّ من جِهَة الشُّهُود كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله ﴿فَكَانَ من الغاوين﴾ وكما أخبر عَن إِبْلِيس بقوله ﴿وَكَانَ من الْكَافرين﴾

стр. 129

قَالَ الْجُنَيْد إِن إِبْلِيس لم أينل مشاهدته فِي طَاعَته وآدَم لم يفقد مشاهدته فِي مَعْصِيَته وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان وَالله مَا رَجَعَ من رَجَعَ إِلَّا من الطَّرِيق وَلَو وصلوا إِلَيْهِ مَا رجعُوا عَنهُ والفاني يكون مَحْفُوظًا فِي وظائف الْحق كَمَا قَالَ الْجُنَيْد وَقيل لَهُ ان أَبَا الْحُسَيْن النوري قَائِم فِي مَسْجِد الشونيزي مُنْذُ أَيَّام لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا ينَام وَهُوَ يَقُول الله الله وَيُصلي الصَّلَوَات لأوقاتها فَقَالَ بعض من حَضَره إِنَّه صَاح فَقَالَ الْجُنَيْد لَا وَلَكِن أَرْبَاب المواجيد محفوظون بَين يَدي الله فِي مواجيدهم فَإِن رد الفاني إِلَى الْأَوْصَاف لم يرد إِلَى أَوْصَاف نَفسه وَلَكِن يُقَام مقَام الْبَقَاء بأوصاف الْحق وَلَيْسَ الفاني بالصعق وَلَا الْمَعْتُوه وَلَا الزائل عَنهُ أَوْصَاف البشرية فَيصير ملكا أَو روحانيا وَلكنه مِمَّن فنى عَن شُهُود حظوظه كَمَا أخبرنَا قبل والفاني أحد عينين إِمَّا عين لم ينصب إِمَامًا وَلَا قدوة فَيجوز أَن يكون فناؤه غيبَة عَن أَوْصَافه فَيرى بِعَين العتاهه وَزَوَال الْعقل لزوَال تَمْيِيزه فِي مرافق نَفسه وَطلب حظوظه وَهُوَ على ذَلِك مَحْفُوظ فِي وظائف الْحق عَلَيْهِ وَقد كَانَ فِي الْأمة مِنْهُم كثير مِنْهُم هِلَال الحبشي عبد كَانَ للْمُغِيرَة بن شُعْبَة فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ نبه عَنهُ النَّبِي ﷺ وأويس الْقَرنِي فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب نبه عَلَيْهِ عمر وَعلي ﵄ وَخلق كثير إِلَى أَن كَانَ عليا الْمَجْنُون وسعدون وَغَيرهمَا أَو يكون إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ ويربط بِهِ غَيره مِمَّن يسوسه فأقيم مقَام السياسة

стр. 130

والتأديب فَهَذَا ينْقل إِلَى حَالَة الْبَقَاء فَيكون تصرفه بأوصاف الْحق لَا بأوصاف نَفسه والمتصرف بأوصاف الْحق هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ قبل وَسُئِلَ الْجُنَيْد عَن الفراسة فَقَالَ هِيَ مصادفة الْإِصَابَة فَقيل لَهُ هِيَ للمتفرس فِي وَقت المصادفة أَو على الْأَوْقَات قَالَ لَا بل على الْأَوْقَات لِأَنَّهَا موهبة فَهِيَ مَعَه كائنة دائمة فَأخْبر أَن الْمَوَاهِب تكون دائمة وَمن يتتبع كتب الْقَوْم وَفهم إشاراتهم علم أَن قَوْلهم مَا حكيناه عَنْهُم فَإِن هَذِه الْمَسْأَلَة وأمثالها لَيست بمنصوصات لَهُم وَلَا مُفْرَدَات بل يعرف ذَلِك من قَوْلهم بفهم رموزهم ودرك إشاراتهم وَالله أعلم الْبَاب السِّتُّونَ قَوْلهم فِي حقائق الْمعرفَة قَالَ بعض الشُّيُوخ الْمعرفَة معرفاتان معرفَة حق وَمَعْرِفَة حَقِيقَة فمعرفة الْحق إِثْبَات وحدانية الله تَعَالَى على مَا أبرز من الصِّفَات والحقيقة على أَن لَا سَبِيل إِلَيْهَا لِامْتِنَاع الصمدية وَتحقّق الربوبية عَن الْإِحَاطَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ لِأَن الصَّمد هُوَ الَّذِي لَا تدْرك حقائق نعوته وَصِفَاته

стр. 131

وَقَالَ بعض الكبراء الْمعرفَة إِحْضَار السِّرّ بصنوف الْفِكر فِي مُرَاعَاة مواجيد الْأَذْكَار على حسب توالي أَعْلَام الكشوف وَمَعْنَاهُ أَن يُشَاهد السِّرّ من عَظمَة الله وتعظيم حَقه وإجلال قدرَة مَا تعجز عَنهُ الْعبارَة سُئِلَ الْجُنَيْد عَن الْمعرفَة فَقَالَ هِيَ تردد السِّرّ بَين تَعْظِيم الْحق من الْإِحَاطَة وإجلاله عَن الدَّرك وَقد سُئِلَ عَن العرفة فَقَالَ أَن تعلم أَن مَا تصور فِي قَلْبك فَالْحق بِخِلَافِهِ فيا لَهَا حيرة لَا لَهُ حَظّ من أحد وَلَا لأحد مِنْهُ حَظّ وَإِنَّمَا وجود يتَرَدَّد فِي الْعَدَم لاتتهيأ الْعبارَة عَنهُ لِأَن الْمَخْلُوق مَسْبُوق والمسبوق غير مُحِيط بالسابق معنى هُوَ وجود يتَرَدَّد فِي الْعَدَم يَعْنِي صَاحب الْحَال يَقُول هُوَ مَوْجُود عيَانًا وشخصا وَكَأَنَّهُ مَعْدُوم صفة ونعتا وَعَن الْجُنَيْد أَيْضا قَالَ الْمعرفَة هِيَ شُهُود الخاطر بعواقب الْمصير وَأَن لَا يتَصَرَّف الْعَارِف بسرف وَلَا تَقْصِير وَمَعْنَاهُ أَن لَا يشْهد حَاله وَأَن يشْهد سَابق علم الْحق فِيهِ وَأَن مصيره إِلَى مَا سبق لَهُ مِنْهُ وَيكون مصرفا فِي الْخدمَة وَالتَّقْصِير وَقَالَ بَعضهم الْمعرفَة إِذا وَردت على السِّرّ ضَاقَ السِّرّ عَن حملهَا كَالشَّمْسِ يمْنَع شعاعها عَن إِدْرَاك نهايتها وجوهرها قَالَ ابْن الفرغاني من عرف الرَّسْم تجبر وَمن عرف الوسم تحير وَمن عرف السَّبق تعطل وَمن عرف الْحق تمكن وَمن عرف المتولى تذلل مَعْنَاهُ من شَاهد نَفسه قَائِما بوظائف الْحق أعجب وَمن شَاهد مَا سبق لَهُ من الله تحير لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا علم الْحق فِيهِ وبماذا جرى الْقَلَم بِهِ وَمن عرف أَن مَا سبق لَهُ من الْقِسْمَة لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر تعطل عَن الطّلب وَمن عرف الله بِالْقُدْرَةِ

стр. 132

عَلَيْهِ والكفاية لَهُ تمكن فَلَا يضطرب عِنْد المخوفات وَلَا عِنْد الْحَاجَات وَمن عرف ان الله متولى أُمُوره تدلل لَهُ فِي أَحْكَامه وأقضيته وَقَالَ بعض الْكِبَار إِذا عرفه الْحق إِيَّاه أوقف الْمعرفَة حَيْثُ لَا يشْهد محبَّة وَلَا خوفًا وَلَا رَجَاء وَلَا فقرا وَلَا غنى لِأَنَّهَا دون الغايات وَالْحق وَرَاء النهايات مَعْنَاهُ أَنه لَا يشْهد هَذِه الاحوال لِأَنَّهَا أَوْصَافه وأوصافه أقصر من أَن تبلغ مَا يسْتَحقّهُ الْحق من ذَلِك أنشدونا لبَعض الْكِبَار ... راعيتنى بالحفاظ حَتَّى حميت عَن مرتع وبى فَأَنت عِنْد الْخِصَام عذرى وَفِي ظمائي فَأَنت ريى إِذا امتطى الْعَارِف الْمُعَلَّى سرا إِلَى منظر على وغاص فِي أبحر غزار تفيض بالخاطر الوحى فض ختام الغيوب عَمَّا يحيى فؤاد الشبحي الْوَلِيّ من حَار فِي دهشة التلاقى أبصرته مَيتا كحى ... يعْنى من حيرته دهشه مَا يَبْدُو لَهُ من الله من شَاهد تَعْظِيم الله وإجلاله أبصرته حَيا كميت يفنى عَن رُؤْيَة مَا مِنْهُ وَلَا يجد لَهُ مُتَقَدما وَلَا مُتَأَخِّرًا الْبَاب الْحَادِي وَالسِّتُّونَ قَوْلهم فِي التَّوْحِيد اركان التَّوْحِيد سَبْعَة إِفْرَاد الْقدَم عَن الْحَدث وتنزيه الْقَدِيم عَن إِدْرَاك الْمُحدث لَهُ وَترك التساوى بَين النعوت وَإِزَالَة الْعلَّة عَن الربوبية وإجلال الْحق عَن أَن تجرى قدرَة الْحَدث عَلَيْهِ فتلونه وتنزيهه عَن التَّمْيِيز والتأمل وتبرئته عَن الْقيَاس

стр. 133

قَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الوَاسِطِيّ جملَة التَّوْحِيد أَن كل مَا يَتَّسِع بِهِ اللِّسَان أَو يُشِير اليه الْبَيَان من تَعْظِيم أَو تَجْرِيد أَو تفريد فَهُوَ مَعْلُول والحقيقة وَرَاء ذَلِك مَعْنَاهُ أكل ذَلِك من أوصافك وصفاتك محدثة معلولة مثلك وَحَقِيقَة الْحق هُوَ وَصفه لَهُ وَقَالَ بعض الكبراء التَّوْحِيد إفرادك متوحدا وَهُوَ أَن لَا يشهدك الْحق إياك قَالَ فَارس لَا يَصح التَّوْحِيد مَا بقيت عَلَيْك علقَة من التَّجْرِيد والموحد بالْقَوْل لَا يشْهد السِّرّ مُنْفَردا بِهِ والموحد بِالْحَال غَائِب بِحَالهِ عَن الاقوال ورؤية الْحق حَال لَا يشهده إِلَّا كل مَا لَهُ وَلَا سَبِيل الى توحيده بِلَا قَالَ وَلَا حَال وَقَالَ بَعضهم التَّوْحِيد هُوَ الْخُرُوج عَن جميعك بِشَرْط اسْتِيفَاء مَا عَلَيْك وَأَن لَا يعود عَلَيْك مَا يقطعك عَنهُ مَعْنَاهُ تبذل مجهود فِي أَدَاء حق الله ثمَّ تتبرأ من رُؤْيَة أَدَاء حَقه ويستوفيك التَّوْحِيد عَن أوصافك فَلَا يعود عَلَيْك مِنْهَا شَيْء فَإِنَّهُ قَاطع لَك عَنهُ قَالَ الشبلى لَا يتَحَقَّق العَبْد بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى يستوحش من سره وَحْشَة لظُهُور الْحق عَلَيْهِ وَقَالَ بَعضهم الموحد من حَال الله بَينه وَبَين الدَّاريْنِ جَمِيعًا لَان الْحق يحمى حريمه قَالَ جلّ وَعز ﴿نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ فَلَا نردكم إِلَى معنى سوانا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وعلامة الموحد أَن لَا يجرى عَلَيْهِ ذكر إخطار مَا لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد الْحق

стр. 134

فالشواهد عَن سره مصروفة والاعواض عَن قلبه مطرودة فَلَا شَاهد يشهده وَلَا عوض يعبده وَلَا سر يطالعه وَلَا بر يلاحظه هُوَ فِي حَقه عَن حَقه مَحْجُوب وَفِي حَظه عَن حَظه مسلوب فَلَا نصيب لَهُ فِي نصيب وَهُوَ مأسور فِي أوفر النَّصِيب وَالْحق أوفر نصيب من فَاتَهُ الْحق فَلَيْسَ لَهُ شَيْء وَإِن ملك الْكَوْن وَمن وجد الْحق فَلهُ كل شَيْء وَإِن لم يملك ذرة مَعْنَاهُ هُوَ قَائِم بِحقِّهِ مَحْجُوب عَن رُؤْيَة قِيَامه بِحقِّهِ وَهُوَ مسلوب عَن حظوظه وَهُوَ يرى نَفسه قَائِمَة بحظوظها ونصيبه من الْحق وجود الْحق وَهُوَ فِيهِ مأسور وَلَيْسَ لَهُ مُتَقَدم وَلَا مُتَأَخّر وأنسدونا لبَعْضهِم ... مواجيد حق أوجد الْحق كلهَا وَإِن عجزت عَنْهَا فهوم الاكابر ... الْبَاب الثَّانِي وَالسِّتُّونَ قَوْلهم فِي صفة الْعَارِف سُئِلَ الْحسن بن عَليّ بن يزدانيار مَتى بِكَوْن الْعَارِف بمسهد الْحق قَالَ إِذا بدا الشَّاهِد وفنى الشواهد وَذهب الْحَواس واضمحل الاخلاص معنى بدا الشَّاهِد يعْنى شَاهد الْحق وَهُوَ أَفعاله بك مِمَّا سبق مِنْهُ أليك من بره لَك وإكرامه إياك بمعرفته وتوحيده والايمان بِهِ تفنى رُؤْيَة ذَلِك مِنْك رُؤْيَة أفعالك وبرك وطاعتك فترى كثير مَا مِنْك مُسْتَغْرقا فِي قَلِيل مَا مِنْهُ وَأَن كَانَ مَا مِنْهُ لَيْسَ بِقَلِيل وَمَا مِنْك لَيْسَ بِكَثِير وفناء الشواهد بِسُقُوط رُؤْيَة الْخلق عَنْك بِمَعْنى الضّر والنفع والذم والمدح وَذَهَاب الْحَواس هُوَ معنى قَوْله فبى ينْطق وَبِي يبصر الحَدِيث وَمعنى اضمحل الاخلاص أَن لَا يراك مخلصا وَمَا خلص من أفعالك إِن خلص وَلنْ يخلص أبدا إِذا رَأَيْت صِفَتك فَإِن أوصافك معلولة مثلك

стр. 135

سُئِلَ ذُو النُّون عَن نِهَايَة الْعَارِف فَقَالَ إِذا كَانَ كَمَا كَانَ حَيْثُ كَانَ قبل أَن يكون مَعْنَاهُ أَن يُشَاهد الله وأفعاله دون شَاهده وأفعاله قَالَ بَعضهم أعرف الْخلق بِاللَّه أَشَّدهم تحيرا فِيهِ قيل لذِي النُّون مَا أول دَرَجَة يرقاها الْعَارِف فَقَالَ التحير ثمَّ الافتقار ثمَّ الِاتِّصَال ثمَّ التحير الْحيرَة الاولى فِي أَفعاله بِهِ ونعمه عِنْده فَلَا يرى شكره يوازى نعمه وَهُوَ يعلم أَنه مطَالب بشكرها وَإِن شكر كَانَ شكره نعْمَة يجب عَلَيْهِ شكرها وَلَا يرى أَفعاله أَهلا أَن يُقَابله بهَا استحقارا لَهَا ويراها وَاجِبَة عَلَيْهِ لَا يجوز لَهُ التَّخَلُّف عَنْهَا وَقيل قَامَ الشبلي يَوْمًا يُصَلِّي فَبَقيَ طَويلا ثمَّ صلى فَلَمَّا انْفَتَلَ عَن صلَاته قَالَ يَا ويلاه إِن صليت جحدت وَإِن لم أصل كفرت أَي جحدت عظم النِّعْمَة وَكَمَال الْفضل حَيْثُ قابلت ذَلِك بفعلي شكرا لَهُ مَعَ حقارته ثمَّ أنْشد ... الْحَمد لله على أنني كضفدع يسكن فِي اليم إِن هِيَ فاهت مَلَأت فمها أَو سكتت مَاتَت من الْغم ... والحيرة الاخيرة أَن يتحير فِي متاهات التَّوْحِيد فيضل فهمه ويخنس عقله فِي عظم قدرَة الله تَعَالَى وهيبته وجلاله وَقد قيل دون التَّوْحِيد متاهات تضل فِيهَا الافكار سَأَلَ أَبُو السَّوْدَاء بعض الْكِبَار فَقَالَ هَل للعارف وَقت قَالَ لَا

стр. 136

فَقَالَ لم قَالَ لَان الْوَقْت فُرْجَة تنفس عَن الْكُرْبَة والمعرفة أمواج تغط وترفع تحط فالعارف وقته أسود مظلم ثمَّ قَالَ ... شَرط الْعَارِف محو الْكل مِنْك إِذا بُد المريد بلحظ غير مطلع ... قَالَ فَارس الْعَارِف من كَانَ علمه حَالَة وَكَانَت حركاته غَلَبَة عَلَيْهِ سُئِلَ الْجُنَيْد عَن الْعَارِف فَقَالَ لون المَاء لون الاناء يَعْنِي انه يكون فِي كل حَال بِمَا هُوَ أولى فيختلف أَحْوَاله وَلذَلِك قيل هُوَ ابْن وقته سُئِلَ ذُو النُّون عَن الْعَارِف فَقَالَ كَانَ هَا هُنَا فَذهب يعْنى أَنَّك لَا ترَاهُ فِي وَقْتَيْنِ بِحَالَة وَاحِدَة لَان مصرفه غَيره وانشدونا لِابْنِ عَطاء ... وَلَو نطقت فِي ألسن الدَّهْر خبرت بِأَنِّي فِي ثوب الصبابة أرفل وَمَا إِن لَهَا علم بقدري وَمَوْضِعِي وَمَا ذَاك موهوم لاني أنقل ... وَقَالَ سهل بن عبد الله أول مقَام فِي الْمعرفَة أَن يعْطى العَبْد يَقِينا فِي سره تسكن بِهِ جوارحه وتوكلا فِي جوارحه يسلم بِهِ فِي دُنْيَاهُ وحياة فِي قلبه يفوز بهَا فِي عقباه قُلْنَا الْعَارِف هُوَ الَّذِي بذل مجهوده فِيمَا لله وَتحقّق مَعْرفَته بِمَا من الله وَصَحَّ رُجُوعه من الاشياء إِلَى الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾

стр. 137

يجوز أَن يكون مَا عرفُوا من الله من بره وإحسانه بِقَصْدِهِ إِلَيْهِم وإقباله عَلَيْهِم واختصاصه إيَّاهُم من بَين ذويهم كَمَا قَالَ أبي بن كَعْب حِين قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك فَقَالَ يَا رَسُول الله أَو ذكرت هُنَاكَ قَالَ نعم فَبكى أبي لم ير حَالا يُقَابله بهَا وَلَا شكر يوازي نعمه وَلَا ذكرا كَمَا يسْتَحقّهُ فَانْقَطع فَبكى وَقَالَ النَّبِي ﷺ لحارثة عرفت فَالْزَمْ نسبه الى الْمعرفَة والزمه إِيَّاهَا وَلم يدله على عمل سُئِلَ ذُو النُّون عَن الْعَارِف فَقَالَ هُوَ رجل مَعَهم باين عَنْهُم قَالَ سهل أهل الْمعرفَة بِاللَّه كأصحاب الاعراف يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ أقامهم مقَاما أشرف بهم على الدَّاريْنِ وعرفهم الْملكَيْنِ انسدونا لبَعْضهِم ... يَا لهف نَفسِي على قوم مضوا فقضوا لم أقض مِنْهُم وَإِن طاولتهم وطرى هم المخافيت فِي كبر الْمُلُوك إِذا أبصرتهم قلت إِضْمَار بِلَا صور ... الْبَاب الثَّالِث وَالسِّتُّونَ قَوْلهم فِي المريد وَالْمرَاد المريد مُرَاد فِي الْحَقِيقَة وَالْمرَاد مُرِيد لِأَن المريد لله تَعَالَى لَا يُرِيد إِلَّا بِإِرَادَة من الله تقدّمت لَهُ

стр. 138

قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ فَكَانَت إِرَادَته لَهُم سَبَب إرادتهم لَهُ إِذْ عِلّة كل شَيْء صنعه وَلَا عِلّة لصنعه وَمن أَرَادَهُ الْحق فمحال أَن لَا يُريدهُ العَبْد فَجعل المريد مرَادا وَالْمرَاد مرِيدا غير أَن المريد هُوَ الَّذِي سبق اجْتِهَاده كشوفه وَالْمرَاد هُوَ الَّذِي سبق كشوفه اجْتِهَاده فالمريد هُوَ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى عَنهُ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ وَهُوَ الَّذِي يُريدهُ الله تَعَالَى فَيقبل بِقَلْبِه وَيحدث فِيهِ لطفا يثير مِنْهُ فِيهِ الِاجْتِهَاد فِيهِ والاقبال عَلَيْهِ والارادة لَهُ ثمَّ يكاشفه الاحوال كَمَا قَالَ حَارِثَة عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلِي ثمَّ قَالَ وَكَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا فَأخْبر أَن كشوف أَحْوَال الْغَيْب لَهُ كَانَ عقيب عزوفه عَن الدُّنْيَا وَالْمرَاد هُوَ الَّذِي يجذبه الْحق جذبه الْقُدْرَة ويكاشفه بالاحوال فيثير قُوَّة الشُّهُود مِنْهُ اجْتِهَادًا فِيهِ وإقبالا عَلَيْهِ وتحملا لاثقاله كسحرة فِرْعَوْن لما كوشفوا بِالْحَال فِي الْوَقْت سهل عَلَيْهِم تحمل مَا توعدهم بِهِ فِرْعَوْن فَقَالُوا ﴿لن نؤثرك على مَا جَاءَنَا من الْبَينَات وَالَّذِي فطرنا فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ وكما فعل بعمر بن الْخطاب ﵁ أقبل يُرِيد قتل رَسُول الله فَأسرهُ الْحق فِي سَبيله

стр. 139

وكقصة إِبْرَاهِيم بن ادهم خرج يطْلب الصَّيْد متلهيا فَنُوديَ مَا لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت مرَّتَيْنِ وَنُودِيَ فِي الثَّالِثَة من قربوس سَرْجه فَقَالَ وَالله لَا عصيت الله بعد يومي هَذَا مَا عصمني رَبِّي هَذِه جذبة الْقُدْرَة كوشوفوا بالاحوال فأسفطوا عَن النُّفُوس والاموال أَنْشدني الْفَقِيه أَبُو عبد الله البرقي لنَفسِهِ ... مُرِيد صفا مِنْهُ سر الْفُؤَاد فهام بِهِ السِّرّ فِي كل وَاد فَفِي أَي وَاد سعى لم يجد لَهُ ملْجأ غير مولى الْعباد صفا بِالْوَفَاءِ وفى بالصفا وَنور الصفاء سراج الْفُؤَاد أَرَادَ وَمَا كَانَ حَتَّى أُرِيد فطوبى لَهُ من مُرِيد مُرَاد ... الْبَاب الرَّابِع وَالسِّتُّونَ قَوْلهم فِي المجاهدات والمعاملات قَالَ بعض الكبراء التَّعَبُّد إتْيَان مَا وظف الله على شَرط الْوَاجِب وَشرط الْوَاجِب الْإِتْيَان بِهِ على غير مُطَالبَة عوض وَإِن شهدته فضلا بل يستوفيك عَن رُؤْيَة الْفضل والعوض مَا لله عَلَيْك فِي الْعَمَل فِي قَوْله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ قَالَ ليعبدوه بِالرّقِّ لَا بالطمع قيل لابي بكر الوَاسِطِيّ بِأَيّ شَاهد يَنْبَغِي أَن يكون العَبْد فِي حركات مَا يسْعَى قَالَ بِشَاهِد الفناء عَن حركاته الَّتِي هِيَ كائنة بِغَيْرِهِ قَالَ أَبُو عبد الله النياجي استحلاء الطَّاعَة ثَمَرَة الوحشة عَن الْحق جلّ وَعز

стр. 140

إِذْ لَا يواصل الْحق بهَا وَلَا يفاصل وَلَا يعْتَمد عَلَيْهَا اعْتِمَاد معول وَلَا يَتْرُكهَا ترك معاند بل يُقيم وظائف الْحق رقا وعبودية وَيكون الِاعْتِمَاد على مَا فِي الازل يُرِيد باستحلاء الطَّاعَة رؤيتها من نَفسك دون مُشَاهدَة فضل الله عَلَيْك فِي التَّوْفِيق فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ قَالَ أكبر من أَن تبلغه أفهامكم وتحويه عقولكم وَيجْرِي على أَلْسِنَتكُم وَحَقِيقَة الذّكر هُوَ نِسْيَان مَا سواهُ فِيهِ لقَوْله ﴿وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ أَي الخالية عَن ذكر الله لِتَعْلَمُوا أَنكُمْ بفضله نلتم لَا بأعمالكم قَالَ أَبُو بكر القحطبي نفوس الْمُوَحِّدين نفوس سئمت من جَمِيع مَا ظهر من نعوتها وصفاتها واستقبحت كل باد بدا مِنْهَا وانقطعت عَن الشواهد والعوائد والفوائد وعجزت عَن إِظْهَار الدَّعْوَى بَين يَدَيْهِ لما سَمِعت قَوْله ﴿وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ الشواهد الْخلق والعوائد الاعواض والفوائد الاعراض قَالَ أَبُو بكر الوَاسِطِيّ معنى التَّكْبِير فِي الصَّلَاة كَأَنَّك تَقول جللت عَن أَن تواصل بهَا أَو تفاصل بِتَرْكِهَا إِذْ الْفَصْل والوصل لَيْسَ بحركات بل هُوَ بِمَا سبق فِي الازل قَالَ الْجُنَيْد لَا يكونن همك فِي صَلَاتك إِقَامَتهَا دون الْفَرح وَالسُّرُور بالاتصال بِمن لَا وَسِيلَة إِلَيْهِ إِلَّا بِهِ قَالَ ابْن عَطاء لَا يكونن همك فِي صَلَاتك إِقَامَتهَا دون الهيبة والاجلال لمن رآك فِيهَا

стр. 141

وَقَالَ غَيره معنى الصَّلَاة التَّجْرِيد عَن العلائق والتفريد بالحقائق والعلائق مَا سوى الله والحقائق مالله وَمن الله وَقَالَ آخر الصَّلَاة وصل قَالَ سَمِعت فَارِسًا يَقُول معنى الصَّوْم الْغَيْبَة عَن رُؤْيَة الْخلق بِرُؤْيَة الْحق لقَوْله تَعَالَى فِي قصَّة مَرْيَم ﴿إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ قَالَ لغيبتي عَنْهُم بِرُؤْيَة الْحق فَلَا أستجيز فِي صومي أَن يشغلني عَنهُ شاغل أَو يقطعني عَنهُ قَاطع وَيدل على قَول النَّبِي ﷺ الصَّوْم جنَّة أَي حجاب عَمَّا دون الله فِي قَوْله تَعَالَى الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ قَالَ بعض الْكِبَار أَي أَنا الْجَزَاء بِهِ وَقَالَ أَبُو الْحسن بن أبي ذَر أَي معرفتي هِيَ الْجَزَاء لَهُ بِهِ قَالَ وحسبه ذَلِك جَزَاء فَمَا يبلغهَا شَيْء وَلَا يدانيها سَمِعت أَبَا الْحسن الْحسنى الْهَمدَانِي يَقُول معنى قَوْله الصَّوْم لي كي يَنْقَطِع الاطماع عَنهُ طمع الْعَدو أَن يُفْسِدهُ لَان مَا لله فَلَا يطْمع فِيهِ الْعَدو وطمع النَّفس أَن تعجب بِهِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تعجب بِمَا لَهَا وطمع الْخُصُوم فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ مَا للْعَبد دون مَا لله هَذَا معنى مَا فهمت من قَوْله قَالَ بَعضهم جهد الْبلَاء النّظر الى النُّفُوس والاعتماد على الافعال فَإِن وكل إِلَيْهَا فَهُوَ دَرك الشَّقَاء وَفِي دَرك الشَّقَاء شماتة الاعداء أنشدونا للنورى

стр. 142

. أَقُول أكاد الْيَوْم أَن أبلغ المدى فيبعد عَنى مَا أَقُول أكاد فَمَا لي جِهَاد غير أَنى مقصر وعجزي عَن طول الْجِهَاد جِهَاد وَإِن رجائي عودة مِنْك بِالرِّضَا وَإِلَّا فحظي فِي الْمعَاد بعاد ... انشدونا لغيره ... هبني أراعيك بالاذكار ملتمسا مَا يبتغيه ذَوُو التلوين بِالْغَيْر فَكيف لي بِشُهُود مِنْك يحملني عَن فتْنَة الْوَقْت بل عَن حجبة الاثر ... يَقُول إِن طالعت فِي أفعالي ومجاهداتي ثوابك عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يَطْلُبهُ أَرْبَاب لمجاهدات وَأَصْحَاب الْمُعَامَلَات فيكف أطالع سهود مَا يحملني عَن خوف الْعَاقِبَة من تَغْيِير الْأَحْوَال والاوقات وَعَن النّظر إِلَى حركاتي ومجاهداتي وَهِي الَّتِي تحجبني عَنْك الْبَاب الْخَامِس وَالسِّتُّونَ حَالهم فِي الْكَلَام على النَّاس قيل للنوري مَتى يسْتَحق الانسان الْكَلَام على النَّاس قَالَ إِذا فهم عَن الله ﷻ صلح أَن يفهم عباد الله وَإِذا لم يفهم عَن الله كَانَ بلاؤه عَاما فِي بِلَاده وعَلى عباده قَالَ السرى السَّقطِي إِنِّي أذكر مَجِيء النَّاس إِلَى فَأَقُول اللَّهُمَّ هَب لَهُم من الْعلم مَا يشغلهم عني فَإِنِّي لَا أحب مجيئهم إِلَى قَالَ سهل بن عبد الله أَنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة أكلم الله وَالنَّاس يتوهمون أَنى أكلمهم

стр. 143

قَالَ الجنيدي للشبلي نَحن حبرنا هَذَا الْعلم تحبيرا ثمَّ خبأناه فِي السراديب فَجئْت أَنْت فأظهرته على رُؤُوس الْمَلأ فَقَالَ أَنا أَقُول وَأَنا أسمع فَهَل فِي الدَّاريْنِ غَيْرِي وَقَالَ بعض الْكِبَار للجنيد وَهُوَ يتَكَلَّم على النَّاس يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله لَا يرضى عَن الْعَالم بِالْعلمِ حَتَّى يجده فِي الْعلم فَإِن كنت فِي الْعلم فَالْزَمْ مَكَانك وَإِلَّا فَانْزِل فَقَامَ الْجُنَيْد وَلم يتَكَلَّم على النَّاس شَهْرَيْن ثمَّ خرج فَقَالَ لَوْلَا أَنه بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي آخر الزَّمَان يكون زعيم الْقَوْم أرذلهم مَا خرجت اليكم وَقَالَ الْجُنَيْد مَا تَكَلَّمت على النَّاس حَتَّى أَشَارَ إِلَى وعَلى ثَلَاثُونَ من البدلاء إِنَّك تصلح أَن تَدْعُو إِلَى الله وَقيل لبَعض الْكِبَار لم لَا تَتَكَلَّم فَقَالَ هَذَا علم قد أدبر وَتَوَلَّى والمقبل على الْمُدبر أدبر من الْمُدبر قَالَ أَبُو مَنْصُور البنجخينى لأبي الْقَاسِم الْحَكِيم بِأَيّ نِيَّة أَتكَلّم على النَّاس فَقَالَ لَا أعلم للمعصية نِيَّة غير التّرْك وَاسْتَأْذَنَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل الرَّازِيّ أَبَا حَفْص الْحداد وَكَانَ تِلْمِيذه فِي الْكَلَام على النَّاس فَقَالَ لَهُ أَبُو حَفْص وَمَا يَدْعُوك إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عُثْمَان الشَّفَقَة عَلَيْهِم والنصيحة لَهُم فَقَالَ وَمَا بلغ من شفقتك عَلَيْهِم فَقَالَ لَو علمت أَن الله يُعَذِّبنِي بدل جَمِيع من آمن بِهِ ويدخلنهم الْجنَّة وجدت من قلبِي الرِّضَا بِهِ

стр. 144

فَأذن لَهُ وَشهد أَبُو حَفْص مَجْلِسه فَلَمَّا قضى أَبُو عُثْمَان كَلَامه قَامَ سَائل فَسبق أَبُو عُثْمَان فَأعْطَاهُ ثوبا كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو حَفْص يَا كَذَّاب إياك أَن تَتَكَلَّم على النَّاس وفيك هَذَا الشَّيْء فَقَالَ أَبُو عُثْمَان وَمَا ذَاك يَا أستاذ قَالَ أما كَانَ فِيك من النَّصِيحَة لَهُم والشفقة عَلَيْهِم أَن تؤثرهم على نَفسك بِثَوَاب السَّبق ثمَّ تتلوهم سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الانماطي يَقُول كُنَّا عِنْد الْجُنَيْد إِذْ مر بِهِ الوري فَسلم فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد وَعَلَيْك السَّلَام يَا أَمِير الْقُلُوب تكلم فَقَالَ النوري يَا أَبَا الْقَاسِم غششتهم فأجلسوك على المنابر ونصحتهم فرموني فِي الْمَزَابِل فَقَالَ الْجُنَيْد مَا رَأَيْت قلبِي أَحْزَن مِنْهُ فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ خرج علينا فِي الْجُمُعَة الاخرى فَقَالَ إِذا رَأَيْتهمْ الصُّوفِي يتَكَلَّم على النَّاس فاعلموا أَنه فارغ وَقَالَ ابْن عَطاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا﴾ قَالَ على مِقْدَار فهومهم ومبلغ عُقُولهمْ وَقَالَ غَيره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَي لَو نطق بالمواجيد على أهل الرسوم يدل عَلَيْهِ قَوْله ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَلم يقل بلغ مَا تعرفنا بِهِ إِلَيْك رأى الْحُسَيْن المغازلي رُوَيْم بن مُحَمَّد وَهُوَ يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْفقر فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ

стр. 145

. وَمَا تصنع بِالسَّيْفِ إِذا لم تَكُ قتالا أَلا ابتعت بِمَا حلي ت هَذَا السَّيْف خلخالا ... عبر بعبارته عَن حَال لَيْسَ هُوَ فِيهَا قَالَ بعض الْكِبَار من تكلم عَن غير مَعْنَاهُ فقد تحمر فِي دَعْوَاهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾ الْبَاب السَّادِس وَالسِّتُّونَ فِي توقي الْقَوْم ومجاهداتهم ورث حَارِث المحاسبي من أَبِيه أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَلم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ إِنَّه كَانَ يرى الْقدر قَالَ أَبُو عُثْمَان كُنَّا فِي دَار أبي بكر بن أبي حنيفَة مَعَ أبي حَفْص فَجرى ذكر صديق غَائِب عَنَّا فَقَالَ أَبُو حَفْص لَو كَانَ عندنَا كاغد كتبنَا أليه فَقلت هَا هُنَا كاغد وَكَانَ أَبُو بكر قد خرج إِلَى السُّوق فَقَالَ أَبُو حَفْص لَعَلَّ أَبَا بكر قد مَاتَ وَلم نعلم وَصَارَ الكاغد للْوَرَثَة فَترك الْكتاب وَقَالَ أَبُو عُثْمَان كنت عِنْد أبي حَفْص وَبَين يَدَيْهِ زبيب فَأخذت زبيبة ووضعتها فِي فمي فَأخذ بحلقي وَقَالَ يَا خائن تَأْكُل ربيبي فَقلت لِثِقَتِي بزهادتك فِي الدُّنْيَا وَعلمِي بإثارك أخذت الزبيبة فَقَالَ يَا جَاهِل تثق بقلب لَا يملكهُ صَاحبه سَمِعت كثيرا من مشائخنا يَقُولُونَ كَانَ الشُّيُوخ يهجرون الْفَقِير لثلاث إِذا حج عَن غَيره بِمَال وَإِذا أَتَى خُرَاسَان وَإِذا دخل الْيمن
следующие страницы →