← Акыда

Акыда · id 6518

التعرف لمذهب أهل التصوف

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (159 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَقَالُوا إِن لله تَعَالَى لم يزل خَالِقًا بارئا مصورا غَفُورًا رحِيما شكُورًا وَكَذَلِكَ جَمِيع صِفَاته الَّتِي وصف بهَا نَفسه يُوصف بهَا كلهَا فِي الْأَزَل كَمَا يُوصف بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والعز والكبرياء وَالْقُوَّة كَذَلِك يُوصف بالتكوين والتصوير والتخليق والإرادة وَالْكَرم والغفران وَالشُّكْر وَلَا يفرقون بَين صفة هِيَ فعل وَبَين صفة لَا يُقَال إِنَّهَا فعل نَحْو العظمة والجلال وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَكَذَلِكَ إِنَّه لما ثَبت أَنه سميع بَصِير قَادر خَالق بارئ مُصَور وَأَنه مدح لَهُ فَلَو اسْتوْجبَ ذَلِك بالخلق والمصور والمبرئ لَكَانَ مُحْتَاجا إِلَى الْخلق وَالْحَاجة أَمارَة الْحَدث وَأُخْرَى أَن ذَلِك يُوجب التَّغَيُّر والزوال من حَال إِلَى حَال فَيكون غير خَالق ثمَّ يكون خَالِقًا وَغير مُرِيد ثمَّ يكون مرِيدا وَذَلِكَ نَحْو الأفول الَّذِي انْتَفَى مِنْهُ خَلِيله إِبْرَاهِيم ﵇ بقوله ﴿لَا أحب الآفلين﴾ والخلق والتكوين وَالْفِعْل صِفَات لله تَعَالَى وَهُوَ بهَا فِي الْأَزَل مَوْصُوف وَالْفِعْل غير الْمَفْعُول وَكَذَلِكَ التخليق والتكوين وَلَو كَانَا جَمِيعًا وَاحِدًا لَكَانَ كَون المكونات بأنفسها لِأَنَّهُ لم يكن من الله إِلَيْهَا معنى سوى أَنَّهَا لم تكن فَكَانَت وَمنع بَعضهم من أَن يكون فِيمَا لم يزل خَالِقًا وَقَالَ إِنَّه يُوجب كَون الْخلق مَعَه فِي الْقدَم وَأَجْمعُوا أَنه لم يزل مَالِكًا إِلَهًا رَبًّا وَلَا مربوب وَلَا مَمْلُوك وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون خَالِقًا بارئا مصورا وَلَا مَخْلُوق وَلَا مبروء وَلَا مُصَور

стр. 37

الْبَاب الثَّامِن اخْتلَافهمْ فِي الْأَسْمَاء وَاخْتلفُوا فِي الْأَسْمَاء فَقَالَ بَعضهم أَسمَاء الله لَيست هِيَ الله وَلَا غَيره كَمَا قَالُوا فِي الصِّفَات وَقَالَ بَعضهم أَسمَاء الله هِيَ الله الْبَاب التَّاسِع قَوْلهم فِي الْقُرْآن أَجمعُوا أَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى على الْحَقِيقَة وَأَنه لَيْسَ بمخلوق وَلَا مُحدث وَلَا حدث وَأَنه متلو بألسنتنا مَكْتُوب فِي مَصَاحِفنَا مَحْفُوظ فِي صدورنا غير حَال فِيهَا كَمَا أَن الله تَعَالَى مَعْلُوم بقلوبنا مَذْكُور بألسنتنا معبود فِي مَسَاجِدنَا غير حَال فِيهَا وَأَجْمعُوا أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض الْبَاب الْعَاشِر اخْتلَافهمْ فِي الْكَلَام مَا هُوَ وَاخْتلفُوا فِي الْكَلَام مَا هُوَ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم كَلَام الله صفة الله لذاته لم يزل وَإنَّهُ لَا يشبه كَلَام المخلوقين بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَيْسَت لَهُ مائية كَمَا أَن ذَاته لَيست لَهَا مائية إِلَّا من جِهَة الْإِثْبَات

стр. 38

وَقَالَ بَعضهم كَلَام الله أَمر وَنهي وَخبر ووعد ووعيد وقصص وأمثال وَالله تَعَالَى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا واعدا موعدا حامدا ذاما إِذا خلقْتُمْ وَبَلغت عقولكم فافعلوا كَذَا وانتم مذمومون على معاصيكم مثابون على طاعتكم إِذا خلقْتُمْ كَمَا أَنا مأمورون مخاطبون بِمَا نزل من القرأن على النَّبِي ﷺ وَلم نخلق بعد وَلم نَكُنْ موجودين وَأجْمع الْجُمْهُور مِنْهُم على أَن كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ بحروف وَلَا صَوت وَلَا هجاء بل الْحُرُوف وَالصَّوْت والهجاء دلالات على الْكَلَام وَأَنَّهَا لِذَوي الْآلَات والجوارح الَّتِي هِيَ اللهوات والشفاه والألسنة وَالله تَعَالَى لَيْسَ بِذِي جارحة وَلَا مُحْتَاج إِلَى آلَة فَلَيْسَ كَلَامه بحروف وَلَا صَوت وَقَالَ بعض كبرائهم فِي الْكَلَام لَهُ من تكلم بالحروف فَهُوَ مَعْلُول وَمن كَانَ كَلَامه باعتقاب فَهُوَ مُضْطَر وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم كَلَام الله حُرُوف وَصَوت وَزَعَمُوا أَنه لَا يعرف كَلَامه إِلَّا كَذَلِك مَعَ إقرارهم أَنه صفة الله تَعَالَى فِي ذَاته غير مَخْلُوق وَهَذَا قَول حَارِث المحاسبي وَمن الْمُتَأَخِّرين ابْن سَالم وَالْأَصْل فِي هَذَا أَنه لما ثَبت أَن الله تَعَالَى قديم وَأَنه غير مشبه لِلْخلقِ من جَمِيع الْوُجُوه كَذَلِك صِفَاته لَا تشبه صِفَات المخلوقين فَلَا يكون كَلَامه حروفا وصوتا ككلام المخلوقين وَلما أثبت الله لنَفسِهِ كلَاما بقوله ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَالَ ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَجب أَن يكون مَوْصُوفا بِهِ لم يزل لِأَنَّهُ لَو لم يكن

стр. 39

مَوْصُوفا بِهِ فِيمَا لم يزل لَكَانَ كَلَامه كَلَام الْمُحدثين ولكان فِي الْأَزَل مَوْصُوفا بضده من سُكُون أَو آفَة وَلما ثَبت أَنه غير متغير وَأَن ذَاته لَيست بِمحل للحوادث وَجب أَن لَا يكون ساكتا ثمَّ صَار متكلما فاذا ثَبت كَلَامه وَثَبت أَنه لَيْسَ بمحدث وَجب الْإِقْرَار بِهِ وَلما لم يثبت أَنه حُرُوف وَصَوت وَجب الامساك عَنهُ ثمَّ الْقُرْآن ينْصَرف فِي اللُّغَة على وُجُوه مِنْهَا مصدر الْقِرَاءَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ أَي قِرَاءَته والحروف الْمُعْجَمَة فِي الْمَصَاحِف تسمى قُرْآنًا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو وَيُسمى كَلَام الله قُرْآنًا فَكل قُرْآن سوى كَلَام الله فمحدث مَخْلُوق وَالْقُرْآن الَّذِي هُوَ كَلَام الله فَغير مُحدث وَلَا مَخْلُوق وَالْقُرْآن إِذا أرسل وَأطلق لم يفهم مِنْهُ غير كَلَام الله تَعَالَى فَهُوَ إِذا غير مَخْلُوق وَالْوَقْف فِيهِ لأحد أَمريْن إِمَّا أَن يقف فِيهِ وَهُوَ يصفه بِصفة الْمُحدث والمخلوق فَهُوَ عِنْده مَخْلُوق ووقوفه تقية أَو يقف وَهُوَ منطو على أَنه صفة لله فِي ذَاته فَلَا معنى لوقوفه عَن عبارَة الْخلق والنطق بِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن ينطوي على أَنه صفة لله وصفات الله غير مخلوقة وَلم يمْتَحن بناف يجب عَلَيْهِ إثْبَاته فَيَقُول الْقُرْآن كَلَام الله ويسكت إِذْ لم يَأْتِ بِغَيْر مَخْلُوق رِوَايَة وَلَا تليت بِهِ آيَة فَهُوَ عِنْد ذَلِك مُصِيب

стр. 40

الْبَاب الْحَادِي عشر قَوْلهم فِي الرُّؤْيَة أَجمعُوا على أَن الله تَعَالَى يرى بالأبصار فِي الْآخِرَة وَأَنه يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ دون الْكَافرين لِأَن ذَلِك كَرَامَة من الله تَعَالَى لقَوْله ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ وجوزوا الرُّؤْيَة بِالْعقلِ وأوحبوها بِالسَّمْعِ وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْعقل لِأَنَّهُ مَوْجُود وكل مَوْجُود فَجَائِز رُؤْيَته إِذا وضع الله تَعَالَى فِينَا الرُّؤْيَة لَهُ وَلَو لم تكن الرُّؤْيَة جَائِزَة عله لَكَانَ سُؤال مُوسَى ﵇ أَرِنِي أنظر إِلَيْك جهلا وَكفرا وَلما علق الله تَعَالَى الرُّؤْيَة بشريطة اسْتِقْرَار الْجَبَل بقوله ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ وَكَانَ مُمكنا فِي الْعقل استقراره لَو أقره الله وَجب أَن تكون الرُّؤْيَة الْمُعَلقَة بِهِ جَائِزَة فِي الْعقل مُمكنَة فَإِذا ثَبت جَوَازه فِي الْعقل ثمَّ جَاءَ السّمع بِوُجُوبِهِ بقوله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَقَوله ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ وَقَوله ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ وَجَاءَت الرِّوَايَة بِأَنَّهَا الرُّؤْيَة وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته يَوْم الْقِيَامَة وَالْأَخْبَار فِي هَذَا مَشْهُورَة متواترة وَجب القَوْل بِهِ وَالْإِيمَان والتصديق لَهُ وَمَا تأولت النافية لَهَا فمستحيل كَقَوْلِهِم فِي ﴿أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ سُؤال

стр. 41

آيَة فَإِنَّهُ قد أرَاهُ آيَاته وَقَوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنه كَمَا لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا كَذَلِك فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا نفى الله تَعَالَى الْإِدْرَاك بالأبصار لِأَن الْإِدْرَاك يُوجب كَيْفيَّة وإحاطة فنفى مَا يُوجب الْكَيْفِيَّة والإحاطة دون الرُّؤْيَة الَّتِي لَيست فِيهَا كَيْفيَّة وإحاطة وَأَجْمعُوا أَنه لَا يرى فِي الدُّنْيَا بالأبصار وَلَا بالقلوب إِلَّا من جِهَة الإيقان لِأَنَّهُ غَايَة الْكَرَامَة وَأفضل النعم وَلَا يجوز أَن يكون ذَلِك إِلَّا فِي أفضل الْمَكَان وَلَو أعْطوا فِي الدُّنْيَا أفضل النعم لم يكن بَين الدُّنْيَا الفانية وَالْجنَّة الْبَاقِيَة فرق وَلما منع الله سُبْحَانَهُ كليمه مُوسَى ﵇ ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَكَانَ من هُوَ دونه أَحْرَى وَأُخْرَى أَن الدُّنْيَا دَار فنَاء وَلَا يجوز أَن يرى الْبَاقِي فِي الدَّار الفانية وَلَو رَأَوْهُ فِي الدُّنْيَا لَكَانَ الْإِيمَان بِهِ ضَرُورَة وَالْجُمْلَة أَن الله تَعَالَى أخبر أَنَّهَا تكون فِي الْآخِرَة وَلم يخبر أَنَّهَا تكون فِي الدُّنْيَا فَوَجَبَ الِانْتِهَاء إِلَى مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ الْبَاب الثَّانِي عشر اخْتِلَاف قَوْلهم فِي رُؤْيَة النَّبِي ﵇ وَاخْتلفُوا فِي النَّبِي ﷺ هَل رأى ربه لَيْلَة المسرى فَقَالَ الْجُمْهُور مِنْهُم والكبار إِنَّه لم يره مُحَمَّد ﷺ ببصره وَلَا اُحْدُ من الْخَلَائق فِي الدُّنْيَا على مَا روى عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت من زعم أَن مُحَمَّدًا رأى ربه فقد كذب مِنْهُم الْجُنَيْد والنوري وَأَبُو سعيد الخراز وَقَالَ بَعضهم رَآهُ النَّبِي ﷺ لَيْلَة المسرى وَإنَّهُ خص من بَين الْخَلَائق بِالرُّؤْيَةِ كَمَا خص مُوسَى ﵇ بالْكلَام وَاحْتَجُّوا بِخَبَر ابْن عَبَّاس وَأَسْمَاء وَأنس مِنْهُم أَبُو عبد الله الْقرشِي والشلبي وَبَعض الْمُتَأَخِّرين

стр. 42

وَقَالَ بَعضهم رَآهُ بِقَلْبِه وَلم يره ببصره وَاسْتدلَّ بقوله ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ وَلَا نعلم أحدا من مَشَايِخ هَذِه الْعصبَة المعروفين مِنْهُم والمتحققين بِهِ وَلم نر فِي كتبهمْ وَلَا مصنفاتهم وَلَا رسائلهم وَلَا فِي الحكايات الصَّحِيحَة عَنْهُم وَلَا سمعنَا مِمَّن أدركنا مِنْهُم زعم أَن الله تَعَالَى يرى فِي الدُّنْيَا أَو رَآهُ أحد من الْخلق إِلَّا طَائِفَة لم يعرفوا بأعيانهم بل زعم بعض النَّاس أَن قوما من الصُّوفِيَّة ادعوها لأَنْفُسِهِمْ وَقد أطبق الْمَشَايِخ كلهم على تضليل من قَالَ ذَلِك وَتَكْذيب من ادَّعَاهُ وصنفوا فِي ذَلِك كتبا مِنْهُم أَبُو سعيد الخراز وللجنيد فِي تَكْذِيب من ادَّعَاهُ وتضليله رسائل وَكَلَام كثير وَزَعَمُوا أَن من ادّعى ذَلِك فَلم يعرف الله وَهَذِه كتبهمْ تشهد على ذَلِك الْبَاب الثَّالِث عشر قَوْلهم فِي الْقدر وَخلق الافعال أَجمعُوا أَن الله تَعَالَى خَالق لأفعال الْعباد كلهَا كَمَا أَنه خَالق لأعيانهم وَأَن كل مَا يَفْعَلُونَهُ من خير وَشر فبقضاء الله وَقدره وإرادته ومشيئته وَلَوْلَا ذَلِك لم يَكُونُوا عبيدا وَلَا مربوبين وَلَا مخلوقين وَقَالَ جلّ وَعز ﴿قل الله خَالق كل شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾

стр. 43

فَلَمَّا كَانَت أفعاهم أَشْيَاء وَجب أَن يكون الله خَالِقهَا وَلَو كَانَت الْأَفْعَال غير مخلوقة لَكَانَ الله جلّ وَعز خَالق بعض الْأَشْيَاء دون جَمِيعهَا ولكان قَوْله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ كذبا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال أَكثر من الْأَعْيَان فَلَو كَانَ الله تَعَالَى خَالق الْأَعْيَان والعباد خالقي الْأَفْعَال لَكَانَ الْخلق أولى بِصفة الْمَدْح فِي الْخلق من اللع تَعَالَى ولكان خلق الْعباد أَكثر من خلق الله وَلَو كَانُوا كَذَلِك لكانوا أتم قدرَة من الله تَعَالَى وَأكْثر خلقا مِنْهُ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ فنفى أَن يكون خَالِقًا غَيره وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وقدرنا فِيهَا السّير﴾ فَأخْبر أَنه قدر سير الْعباد وَقَالَ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ فَدلَّ أَن مِمَّا خلق شرا وَقَالَ ﴿وَلَا تُطِع من أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا﴾ أَي خلقنَا الْغَفْلَة فِيهِ وَقَالَ ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق﴾ فَأخْبر أَن قَوْلهم وسرهم وجهرهم خلق لَهُ وَقَالَ عمر رضى الله عَنهُ يارسول الله أَرَأَيْت مَا نعمل فِيهِ أَعلَى أَمر قد فرغ مِنْهُ أَو أَمر مُبْتَدأ فَقَالَ على أَمر قد فرغ مِنْهُ فَقَالَ عمر أَفلا نَتَّكِل وَنَدع الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ

стр. 44

وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ أَرَأَيْت رقى نسترقيها ودواء نتداوى بِهِ هَل يرد من قدر الله قَالَ إِنَّه من قدر الله وَقَالَ وَالله لَا يُؤمن أحد حَتَّى يُؤمن بِاللَّه وبالقدر خَيره وشره من الله وَلما جَازَ أَن يخلق الله تَعَالَى الْعين الَّذِي هُوَ شَرّ جَازَ أَن يخلق الْفِعْل الَّذِي هُوَ شَرّ وَمجمع على أَن حَرَكَة المرتعش خلق الله فَكَذَلِك حَرَكَة غَيره غير أَن الله تَعَالَى خلق لهَذَا حَرَكَة واختيارا وَخلق للْآخر حَرَكَة وَلم يخلق لَهُ اخْتِيَارا قَالَ أَبُو بكر الوَاسِطِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَله مَا سكن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ قَالَ من ادّعى شَيْئا من ملكه وَهُوَ ماسكن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار من خطرة وحركة أَنَّهَا لَهُ أَو بِهِ أَو إِلَيْهِ أَو مِنْهُ فقد جاذب القبضة وأوهن الْعِزَّة وَفِي قَوْله ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ خلق إِيجَاد وَأمر إِطْلَاق مالم يَأْمر الْجَوَارِح أَمر إِطْلَاق لم توافقه فِي شئ كَذَلِك الْمُخَالفَة الْبَاب الرَّابِع عشر قَوْلهم فِي الِاسْتِطَاعَة أَجمعُوا أَنهم لَا يتنفسون نفسا وَلَا يطرفون طرفَة وَلَا يتحركون حَرَكَة إِلَّا بِقُوَّة يحدثها الله تَعَالَى فيهم واستطاعة يخلقها الله لَهُم مَعَ أفعالهم لَا يتقدمها وَلَا يتَأَخَّر عَنْهَا وَلَا يُوجد الْفِعْل إِلَّا بهَا وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا بِصفة الله تَعَالَى

стр. 45

يَفْعَلُونَ ماشاءوا ويحكمون مَا أَرَادوا وَلم يكن الله القوى الْقَدِير بقوله ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ أولى من عبد حقير ضَعِيف فَقير وَلَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة هِيَ الْأَعْضَاء السليمة لاستوى فِي الْفِعْل كل ذِي أَعْضَاء سليمَة فَلَمَّا رَأينَا ذَوي أَعْضَاء سليمَة وَلم نر أفعالهم ثَبت أَن الِاسْتِطَاعَة مَا يرد من الْقُوَّة على الْأَعْضَاء السليمة وَتلك الْقُوَّة متفاضلة فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَوقت دون وَقت وَهَذَا يُشَاهِدهُ كل من نَفسه ثمَّ لما كَانَت الْقُوَّة عرضا وَالْعرض لَا يبْقى بِنَفسِهِ وَلَا بَقَاء فِيهِ لِأَن مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا يقوم بِهِ غَيره لَا يبْقى بِبَقَاء فِي غَيره لِأَن بَقَاء غَيره لَيْسَ بِبَقَاء لَهُ بَطل أَن يكون لَهُ بَقَاء وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن تكون قُوَّة كل فعل غير قُوَّة غَيره وَلَوْلَا ذَلِك لم تكن لِلْخلقِ حَاجَة إِلَى الله تَعَالَى عِنْد أفعالهم وَلَا كَانُوا فُقَرَاء إِلَيْهِ ولكان قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ لَا معنى لَهُ وَلَو كَانَت الْقُوَّة قبل الْفِعْل وَهِي لَا تبقى لوقت الْفِعْل لَكَانَ الْفِعْل بِقُوَّة مَعْدُومَة وَلَو كَانَت كَذَلِك لَكَانَ وجود الْفِعْل من غير قُوَّة وَفِي ذَلِك إبِْطَال الربوبية والعبودية جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ يجوز وُقُوع فعل من غير قوى وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يكون وجودهَا بأنفسها من غير فَاعل وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى وَالْعَبْد الصَّالح ﴿إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ وَقَوله ﴿ذَلِك تَأْوِيل مَا لم تسطع عَلَيْهِ صبرا﴾ يُرِيد لَا تقوى عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا أَن لَهُم أفعالا واكتسابا على الْحَقِيقَة هم بهَا مثابون وَعَلَيْهَا معاقبون وَلذَلِك جَاءَ الْأَمر وَالنَّهْي وَعَلِيهِ ورد الْوَعْد والوعيد

стр. 46

وَمعنى الِاكْتِسَاب أَن يفعل بِقُوَّة محدثة وَقَالَ بَعضهم معنى الِاكْتِسَاب أَن يفعل لجر مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَأَجْمعُوا أَنهم مختارون لاكتسابهم مريدون لَهُ وَلَيْسوا بمحمولين عَلَيْهِ وَلَا مجبرين فِيهِ وَلَا مستكرهين لَهُ وَمعنى قَوْلنَا مختارون أَن الله تَعَالَى خلق لنا اخْتِيَارا فَانْتفى الْإِكْرَاه فِيهَا وَلَيْسَ ذَلِك على التَّفْوِيض قَالَ الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا إِن الله تَعَالَى لَا يطاع بإكراه وَلَا يعْصى بِغَلَبَة وَلم يهمل الْعباد من المملكة وَقَالَ سهل بن عبد الله إِن الله تَعَالَى لم يقو الْأَبْرَار بالجبر إِنَّمَا قواهم بِالْيَقِينِ وَقَالَ بعض الكبراء من لم يُؤمن بِالْقدرِ فقد كفر وَمن أحَال الْمعاصِي على الله فقد فجر الْبَاب الْخَامِس عشر قَوْلهم فِي الْجَبْر وأحال بَعضهم الْجَبْر وَقَالَ لَا يكون الْجَبْر إِلَّا بَين الممتنعين وَهُوَ أَن يَأْمر الْآمِر وَيمْتَنع الْمَأْمُور فيجبره الْآمِر عَلَيْهِ وَمعنى الْإِجْبَار أَن يستكره الْفَاعِل على إتْيَان فعل هُوَ لَهُ كَارِه وَلغيره مُؤثر فيختار الْمُجبر إتْيَان مَا يكرههُ وَيتْرك الَّذِي يُحِبهُ وَلَوْلَا إكراهه لَهُ وإجباره إِيَّاه لفعل الْمَتْرُوك وَترك الْمَفْعُول وَلم نجد هَذِه الصّفة فِي

стр. 47

اكتسابهم الْإِيمَان وَالْكفْر والطاع وَالْمَعْصِيَة بل اخْتَار الْمُؤمن الْإِيمَان وأحبه وَاسْتَحْسنهُ وأراده وآثره على ضِدّه وَكره الْكفْر وأبغضه واستقبحه وَلم يردهُ وآثر عَلَيْهِ ضِدّه وَالله خلق لَهُ الِاخْتِيَار وَالِاسْتِحْسَان والارادة للْإيمَان وَالْبَعْض وَالْكَرَاهَة والاستقباح للكفر قَالَ الله تَعَالَى ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ وَاخْتَارَ الْكَافِر الْكفْر وَاسْتَحْسنهُ وأحبه وأراده وآثره على ضِدّه وَكره الْإِيمَان وأبغضه واستقبحه وَلم يردهُ وآثر عيه ضِدّه وَالله تَعَالَى خلق ذَلِك كُله قَالَ الله ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ وَلَيْسَ أَحدهمَا بمنوع عَن ضد مَا اخْتَارَهُ وَلَا بمحمول على مَا اكْتَسبهُ وَلذَلِك وَجَبت حجَّة الله عَلَيْهِم وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل من رَبهم ومأوى الْكَافرين النَّار بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا هم الظَّالِمين﴾ وَيفْعل الله مَا يَشَاء ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ قَالَ ابْن الفرغاني مَا من خطرة وَلَا حَرَكَة إِلَّا بِالْأَمر وَهُوَ قَوْله كن فَلهُ الْخلق بِالْأَمر وَله الْأَمر بالخلق والخلق صفته فَلم يدع بِهَذَيْنِ الحرفين لعاقل يدعى شَيْئا من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا لَهُ وَلَا بِهِ وَلَا إِلَيْهِ فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله

стр. 48

الْبَاب السَّادِس عشر قَوْلهم فِي الْأَصْلَح أَجمعُوا على أَن الله تَعَالَى يفعل بعباده مَا يَشَاء وَيحكم فيهم بِمَا يُرِيد كَانَ ذَلِك أصلح لَهُم أولم يكن لِأَن الْخلق خلقه وَالْأَمر أمره ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن بَين العَبْد والرب فرق وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ وَالْقَوْل بالأصلح يُوجب نِهَايَة الْقُدْرَة وتنفيذ مافي الخزائن وتعجيز الله تَعَالَى عَن ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا فعل بهم غَايَة الصّلاح فَلَيْسَ وزاء الْغَايَة شئ فَلَو أَرَادَ أَن يزيدهم على ذَلِك الصّلاح صلاحا آخر لم يقدر عَلَيْهِ وَلم يجد بعد الَّذِي أَعْطَاهُم مَا يعطيهم مِمَّا يصلح لَهُم تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَأَجْمعُوا أَن جَمِيع مَا فعل الله بعباده من الْإِحْسَان وَالصِّحَّة والسلامة وَالْإِيمَان وَالْهِدَايَة واللطف تفضل مِنْهُ وَلَو لم يفعل ذَلِك لَكَانَ جَائِزا وَلَيْسَ على الله بِوَاجِب وَلَو كَانَ مَا يفعل مِمَّا يفعل شَيْئا وَاجِبا عَلَيْهِ لم يكن مُسْتَحقّا للحمد وَالشُّكْر وَأَجْمعُوا أَن الثَّوَاب وَالْعِقَاب لَيْسَ من جِهَة الِاسْتِحْقَاق لكنه من جِهَة

стр. 49

لمشيئة وَالْفضل وَالْعدْل لأَنهم لَا يسْتَحقُّونَ على أجرام مُنْقَطِعَة عقَابا دَائِما وَلَا على أَفعَال مَعْدُودَة ثَوابًا دَائِما غير مَعْدُود وَأَجْمعُوا أَنه لوعذب جَمِيع من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لم يكن ظَالِما لَهُم وَلَو أَدخل جَمِيع الْكَافرين الْجنَّة لم يكن ذَلِك محالا لِأَن الْخلق خلقه وَالْأَمر أمره وَلكنه أخبر أَنه ينعم على الْمُؤمنِينَ أبدا ويعذب الْكَافرين ابدا وَهُوَ صَادِق فِي قَوْله وَخَبره صدق فَوَجَبَ أَن يفعل بهم ذَلِك وَلَا يجوز غَيره لِأَنَّهُ لَا يكذب فِي ذَلِك تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَأَجْمعُوا أَنه لَا يفعل الْأَشْيَاء لعِلَّة وَلَو كَانَ لَهَا عِلّة لَكَانَ للعة عِلّة إِلَى مَا لَا يتناهى وَذَلِكَ بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ اجتباكم﴾ وَقَالَ ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ وَلَا يكون شئ مِنْهُ ظلما وَلَا جورا لِأَن الظُّلم إِنَّمَا صَار ظلما لِأَنَّهُ منهى عَنهُ وَلِأَنَّهُ وضع الشئ فِي غير مَوْضِعه والجور إِنَّمَا كَانَ جورا لِأَنَّهُ عدل عَن الطَّرِيق الَّذِي بَين لَهُ والمثال الَّذِي مثل لَهُ من فَوْقه وَمن هُوَ تَحت قدرته وَلما لم يكن الله تَحت قدرَة قَادر وَلَا كَانَ فَوْقه آمُر وَلَا زاجر لم يكن فِيمَا يَفْعَله ظَالِما ولافي شئ يحكم بِهِ جائرا وَلم يقبح مِنْهُ شئ لآن الْقَبِيح مَا قبحه وَالْحسن مَا حسنه

стр. 50

وَقَالَ بَعضهم الْقَبِيح مَا نهى عَنهُ وَالْحسن مَا أَمر بِهِ وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى إِنَّمَا حسنت المستحسنات بتجليه وقبحت المستقبحات باستتاره وَإِنَّمَا هما نعتان يجريان على الْأَبَد بِمَا جَريا فِي الْأَزَل مَعْنَاهُ كل ماردك إِلَى الْحق من الْأَشْيَاء فَهُوَ حسن وَمَا ردك إِلَى شئ دونه فَهُوَ قَبِيح فالقبيح وَالْحسن مَا حسنه الله فِي الْأَزَل وماقبحه وَمعنى آخر أَن المستحسن هُوَ مَا تخلى عَن ستر النهى فَلم يكن بَين العَبْد وَبَينه ستر والقبيح مَا كَانَ وَرَاء السّتْر وَهُوَ النَّهْي على معنى قَوْله ﵇ وعَلى الْأَبْوَاب ستور مرخاة قيل الْأَبْوَاب المفتحة محارم الله والستور حُدُوده الْبَاب السَّابِع عشر قَوْلهم فِي الْوَعْد والوعيد أَجمعُوا أَن الْوَعيد الْمُطلق فِي الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ والوعد الْمُطلق فِي الْمُؤمنِينَ الْمُحْسِنِينَ وَأوجب بَعضهم غفران الصَّغَائِر باجتناب الْكَبَائِر بقوله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ وَجعلهَا بَعضهم كالكبائر فِي جَوَاز الْعقُوبَة عَلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ وَقَالُوا معنى قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ هُوَ الشّرك وَالْكفْر وَهُوَ أَنْوَاع كَثِيرَة فَجَاز أَن يُطلق عَلَيْهَا اسْم الْجمع وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَن الْخطاب خرج على الْجمع فَكَانَت كَبِيرَة كل وَاحِد مِنْهُم عِنْد الْجمع كَبَائِر

стр. 51

وجوزوا غفران الْكَبَائِر بِالْمَشِيئَةِ والشفاعة وأوجبوا الْخُرُوج من النَّار لأهل الصَّلَاة لَا محَالة بإيمَانهمْ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَجعل الْمَشِيئَة شرطا فِيمَا دون الشّرك وَجُمْلَة قَوْلهم إِن الْمُؤمن بَين الْخَوْف والرجاء يَرْجُو فضل الله فِي غفران الْكَبَائِر وَيخَاف عدله فِي الْعقُوبَة على الصَّغَائِر لِأَن الْمَغْفِرَة مَضْمُون الْمَشِيئَة وَلم يَأْتِ مَعَ الْمَشِيئَة شَرط كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة وَمن شدد وَغلظ فِي شَرَائِط التَّوْبَة وارتكاب الصَّغَائِر فَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُم على إِيجَاب الْوَعيد بل ذَلِك على تَعْظِيم الذَّنب فِي وجوب حق الله فِي الِانْتِهَاء عَمَّا نهى عَنهُ وَلم يجْعَلُوا فِي الذُّنُوب صَغِيرَة إِلَّا عِنْد نِسْبَة بَعْضهَا الى بعض فطالبوا النُّفُوس بإيفاء حق الله تَعَالَى والانتهاء عَمَّا نهى الله عَنهُ وَالْوَفَاء بِمَا أَمر بِهِ الله ورؤية التَّقْصِير فِي شَرَائِط الْعَمَل وهم مَعَ ذَلِك كُله ارجى النَّاس للنَّاس وأشدهم خوفًا على أنفسهم حَتَّى كَانَ الْوَعيد لم يرد إِلَّا فيهم والوعد لم يكن إِلَّا لغَيرهم قيل للفضيل عَشِيَّة عَرَفَة كَيفَ ترى حَال النَّاس قَالَ مغفورون لَوْلَا مَكَاني فيهم وَقَالَ السرى السَّقطِي إِنِّي لأنظر فِي الْمرْآة كل يَوْم مرار مَخَافَة أَن يكون قد اسود وَجْهي وَقَالَ لَا أحب أَن أَمُوت حَيْثُ أعرف مَخَافَة أَن لَا تقبلني الأَرْض فَأَكُون فضيحة

стр. 52

وهم أحسن النَّاس ظنونا برَبهمْ قَالَ يحيى من لم يحسن بِاللَّه ظَنّه لم تقر بِاللَّه عينه وهم أَسْوَأ النَّاس ظنونا بِأَنْفسِهِم وأشدهم إزراء بهَا لَا يرونها أَهلا لشئ من الْخَيْر دينا وَلَا دنيا وَالْجُمْلَة أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ الْآيَة أخبر أَن الْمُؤمن لَهُ عملان صَالح وسيء فالصالح لَهُ والسيء عله وَقد وعد الله تَعَالَى على مَا لَهُ ثَوابًا وأوعد على مَا عَلَيْهِ عقَابا والوعيد حق الله تَعَالَى من الْعباد والوعد حق الْعباد على الله فِيمَا أوجبه على نَفسه فَإِن استوفى مِنْهُم حق نَفسه وَلم يوفهم حَقهم لم يكن ذَلِك لائقا بفضله مَعَ غناهُ عَنْهُم وفقرهم اليه بل الاليق بفضله والاحرى بكرمه أَن يوفيهم حُقُوقهم ويزيدهم من فَضله ويهب مِنْهُم حق نَفسه وَبِذَلِك أخبر عَن نَفسه فَقَالَ ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَفِي قَوْله ﴿من لَدنه﴾ أَنه تفضل وَلَيْسَ بجزاء الْبَاب الثَّامِن عشر قَوْلهم فِي الشَّفَاعَة أَجمعُوا على أَن الاقرار بجملة مَا ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه وَجَاءَت بِهِ الرِّوَايَات عَن النَّبِي ﷺ فِي الشَّفَاعَة وَاجِب لقَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾

стр. 53

﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ وَقَول الْكفَّار ﴿فَمَا لنا من شافعين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (شَفَاعَتِي لاهل الْكَبَائِر من أمتِي (وَقَوله (واختبأت دَعْوَتِي الشَّفَاعَة لامتي ( وأقروا بالصراط وَأَنه جسر يمد على جَهَنَّم وقرأت عاشئة ﵂ ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض﴾ قَالَت فَأَيْنَ النَّاس حِينَئِذٍ يَا رَسُول الله فَقَالَ (على الصِّرَاط ( وأقفراوا بالميزان وَأَن أَعمال الْعباد توزن كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون وَمن خفت مَوَازِينه﴾ وَإِن لم يعلمُوا كَيْفيَّة ذَلِك وَقَوْلهمْ فِي هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا لَا يدْرك الْعباد كيفيته آمنا يما قَالَ الله على مَا أَرَادَ الله آمنا بِمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أَرَادَ رَسُول الله

стр. 54

وأقروا أَن الله تَعَالَى يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث وأقروا بتأبيد الْجنَّة وَالنَّار وأنهما مخلوقتان وأنهما باقيتان أَبَد الابد لَا تفنيان وَلَا تبيدان وَكَذَلِكَ أهلوهما باقون فيهمَا خَالدُونَ مخلدون منعمون ومعذبون لَا ينْفد نعيمهم وَلَا يَنْقَطِع عَذَابهمْ وشهدوا لعامة الْمُؤمنِينَ بالايمان فِي ظَاهر أُمُورهم ووكلوا سرائرهم الى الله تَعَالَى وأقروا أَن الدَّار دَار إِيمَان وَإِسْلَام وَأَن أَهلهَا مُؤمنُونَ مُسلمُونَ وَأهل الْكَبَائِر عِنْدهم مُسلمُونَ مُؤمنُونَ بِمَا مَعَهم من الْإِيمَان فَاسِقُونَ بِمَا فيهم من الْفسق وَرَأَوا الصلاه خلف كل بر وَفَاجِر وَرَأَوا الصَّلَاة على كل من مَاتَ من أهل الْقبْلَة وَرَأَوا الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات والأعياد وَاجِبَة على من لم يكن لَهُ عذر من الْمُسلمين مَعَ كل إِمَام بر أَو فَاجر وَكَذَلِكَ الْجِهَاد مَعَهم وَالْحج

стр. 55

وَرَأَوا الْخلَافَة حَقًا وَأَنَّهَا فِي قُرَيْش وَأَجْمعُوا على تَقْدِيم أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ وَرَأَوا الِاقْتِدَاء بالصحابة وَالسَّلَف الصَّالح وسكتوا عَن القَوْل فِيمَا كَانَ بَينهم من التشاجر وَلم يرَوا ذَلِك قادحا فِيمَا سبق لَهُم من الله من الْحسنى وأقروا أَن من شهد لَهُ رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وَأَنَّهُمْ لَا يُعَذبُونَ بالنَّار وَلَا يرَوْنَ الْخُرُوج على الْوُلَاة بِالسَّيْفِ وَإِن كَانُوا ظلمَة ويرون الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِبا لمن أمكنه بِمَا أمكنه مَعَ شَفَقَة ورأفة ورفق وَرَحْمَة ولطف ولين من القَوْل ويؤمنون بِعَذَاب الْقَبْر وبسؤال مُنكر وَنَكِير وأقروا بمعراج النَّبِي ﷺ وَأَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة وَإِلَى ماشاء الله فِي لَيْلَة فِي الْيَقَظَة بِبدنِهِ ويصدقون بالرؤيا وَأَنَّهَا بِشَارَة للْمُؤْمِنين وإنذار لَهُم وتوقيف وَعِنْدهم أَن من مَاتَ أَو قتل فبأجله وَلَا يَقُولُونَ باخترام الْآجَال وَأَنه إِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ الْبَاب التَّاسِع عشر قَوْلهم فِي الْأَطْفَال وأقروا أَن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة

стр. 56

وَاخْتلفُوا فِي أَطْفَال الْمُشْركين فَمنهمْ من قَالَ لَا يعذب الله بالنَّار إِلَّا بعد لُزُوم الْحجَّة على من عاند وَكفر وَوَجَبَت عَلَيْهِ الْأَحْكَام وأرجأ الْأَكْثَرُونَ أَمرهم إِلَى الله تَعَالَى وجوزوا تعذيبهم وتنعيمهم وَأَجْمعُوا على أَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ حق وجوزوا أَن يرْزق الله الْحَرَام وأنكروا الْجِدَال والمراء فِي الدّين وَالْخُصُومَة فِي الْقدر والتنازع فِيهِ وَرَأَوا التشاغل بِمَا لَهُم وَعَلَيْهِم أولى من الْخُصُومَات فِي الدّين وَرَأَوا طلب الْعلم أفضل الْأَعْمَال وَهُوَ علم الْوَقْت بِمَا يجب عَلَيْهِم ظَاهرا وَبَاطنا وهم أشْفق النَّاس على خلق الله من فصيح وأعجم وأبذل النَّاس بِمَا فِي أَيْديهم وأزهدهم عَمَّا فِي أَيدي النَّاس واشدهم إعْرَاضًا عَن الدُّنْيَا وَأَكْثَرهم طلبا للسّنة والْآثَار وأحرصهم على اتباعها الْبَاب الْعشْرُونَ فِيمَا كلف الله الْبَالِغين أَجمعُوا أَن جَمِيع مَا فرض الله تَعَالَى على الْعباد فِي كِتَابه وأوجبه رَسُول الله

стр. 57

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض وَاجِب وحتم لَازم على الْعُقَلَاء الْبَالِغين لَا يجوز التَّخَلُّف عَنهُ وَلَا يسع التَّفْرِيط فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه لأحد من النَّاس من صديق وَولي وعارف وَإِن بلغ أَعلَى الْمَرَاتِب وَأَعْلَى الدَّرَجَات وأشرف المقامات وَأَرْفَع الْمنَازل وَأَنه لَا مقَام للْعَبد تسْقط مَعَه آدَاب الشَّرِيعَة من إِبَاحَة مَا حظر الله أَو تَحْلِيل مَا حرم الله أَو تَحْرِيم مَا أحل الله أَو سُقُوط فرض من غير عذر وَلَا عِلّة والعذر وَالْعلَّة مَا أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَجَاءَت بِهِ أَحْكَام الشَّرِيعَة وَمن كَانَ أصفى سرا وَأَعْلَى رُتْبَة وأشرف مقَاما فَإِنَّهُ اشد اجْتِهَادًا وأخلص عملا وَأكْثر توقيا

стр. 58

وَأَجْمعُوا أَن الْأَفْعَال لَيست بِسَبَب للسعادة والشقاوة وَأَن السَّعَادَة والشقاوة سابقتان بِمَشِيئَة الله تَعَالَى لَهُم ذَلِك وَكتابه عَلَيْهِم كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث

стр. 59

قَالَ عبد الله بن عمر قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا كتاب من رب الْعَالمين فِيهِ أَسمَاء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجمل على آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم أبدا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أهل النَّار وَقَالَ ﵇ السعيد من سعد فِي بطن أمه والشقي من شقي فِي بطن أمه وَأَجْمعُوا أَنَّهَا لَيست بموجبة للثَّواب وَالْعِقَاب من حَيْثُ الِاسْتِحْقَاق بل من جِهَة الْفضل وَمن جِهَة إِيجَاب الله تَعَالَى ذَلِك وَأَجْمعُوا أَن نعيم الْجنَّة لمن سبق لَهُ من الله السَّعَادَة من غير عِلّة وَأَن عَذَاب النَّار لمن سبق لَهُ من الله الشقاوة من غير عِلّة كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أُبَالِي وَقَالَ ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ وَقَالَ ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَقَالُوا إِنَّهَا أعنى أَفعَال الْعباد عَلَامَات وأمارات على مَا سبق لَهُم من الله كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ

стр. 60

وَقَالَ الْجُنَيْد الطَّاعَة عَاجل بشراه على مَا سبق لَهُم من الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْمعْصِيَة وَقَالَ غَيره الْعِبَادَات حلية الظَّوَاهِر وَالْحق لَا يُبِيح تَعْطِيل الْجَوَارِح من حلاها وَقَالَ مُحَمَّد بن على الكتاني الْأَعْمَال كسْوَة الْعُبُودِيَّة فَمن ابعده الله عِنْد الْقِسْمَة نَزعهَا من قربه أشْفق عَلَيْهَا ولزمها وهم مَعَ ذَلِك مجمعون على أَن الله تَعَالَى يثيب عَلَيْهَا ويعاقب لِأَنَّهُ وعد على صالحها وأوعد على سيئها فَهُوَ ينجز وعده ويحقق وعيده لِأَنَّهُ صَادِق خَبره صدق وَقَالُوا على الْعباد بذل المجهود فِي أَدَاء مَا كلف وإتيان مَا ندب إِلَيْهِ بعد التَّكْلِيف وَبعد إتيانها وإيفاء مَا عَلَيْهِ تكون المشاهدات كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث من عمل بِمَا علم وَرثهُ الله علم مالم يعْمل وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَقَالَ يحيى لن يصل إِلَى قَلْبك روح الْمعرفَة وَله عَلَيْك حق لم تؤده وَقَالَ الْجُنَيْد إِن الله تَعَالَى يُعَامل عباده فِي الآخر على حسب ماعاملهم فِي الأول بدأهم تكرما وَأمرهمْ ترحما وَوَعدهمْ تفضلا ويزيدهم تكرما فَمن شهد بره الْقَدِيم سهل عَلَيْهِ أَدَاء أمره وَمن لزم أمره أدْركهُ وعده وَمن فَازَ بوعده لَا بُد أَن يزِيدهُ من فَضله

стр. 61

وَقَالَ سهل بن عبد الله التسترِي من غمض بَصَره عَن الله طرفَة عين فَلَا يَهْتَدِي طول عمره الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ قَوْلهم فِي معرفَة الله تَعَالَى اجْمَعُوا على أَن الدَّلِيل على الله هُوَ الله وَحده وسبيل الْعقل عِنْدهم سليل الْعَاقِل فِي حَاجته إِلَى الدَّلِيل لِأَنَّهُ مُحدث والمحدث لايدل إِلَّا على مثله وَقَالَ رجل للنوري مَا الدَّلِيل على الله قَالَ الله قَالَ فَمَا الْعقل قَالَ الْعقل عَاجز وَالْعَاجِز لَا يدل إِلَّا على عَاجز مثله وَقَالَ ابْن عَطاء الْعقل آلَة للعبودية لَا للإشراف على الربوبية وَقَالَ غَيره الْعقل يجول حول الْكَوْن فَإِذا نظر إِلَى المكون ذاب وَقَالَ أَبُو بكر القحطبي من لحقته الْعُقُول فَهُوَ مقهور إِلَّا من جِهَة الْإِثْبَات وَلَوْلَا أَنه تعرف إِلَيْهَا الألطاف لما أَدْرَكته من جهه الْإِثْبَات وأنشدونا لبَعض الْكِبَار ... من رامه بِالْعقلِ مسترشدا ... سرحه فِي حيرة يلهو ... وشاب بالتلبيس أسراره ... يَقُول من حيرته هَل هُوَ ... وَقَالَ بعض الْكِبَار لَا يعرفهُ إِلَّا من تعرف إِلَيْهِ وَلَا يوحده إِلَّا من توَحد لَهُ وَلَا يُؤمن بِهِ إِلَّا من لطف بِهِ وَلَا يصفه إِلَّا من تجلى لسره وَلَا يخلص لَهُ إِلَّا من جذبه إِلَيْهِ وَلَا يصلح لَهُ إِلَّا من اصطنعة لنَفسِهِ

стр. 62

معنى من تعرف إِلَيْهِ أَي من تعرف الله إِلَيْهِ وَمعنى من توَحد لَهُ أَي أرَاهُ أَنه وَاحِد وَقَالَ الْجُنَيْد الْمعرفَة معرفتان معرفَة تعرف وَمَعْرِفَة تَعْرِيف معنى التعرف ان يعرفهُمْ الله نَفسه ويعرفهم الْأَشْيَاء بِهِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ لَا أحب الآفلين وَمعنى التَّعْرِيف أَن يُرِيهم آثَار قدرته فِي الْآفَاق والأنفس ثمَّ يحدث فيهم لطفا تدلهم الْأَشْيَاء أَن لَهَا صانعا وَهَذِه معرفَة عَامَّة الْمُؤمنِينَ وَالْأولَى معرفَة الْخَواص وكل لم يعرفهُ فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا وَرَأَيْت الله فِيهِ وَقَالَ غَيره مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا وَرَأَيْت الله قبله وَقَالَ ابْن عَطاء تعرف إِلَى الْعَامَّة بخلقه لقَوْله ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ وَإِلَى الْخَاصَّة بِكَلَامِهِ وَصِفَاته بقوله ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وَقَالَ ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَإِلَى الْأَنْبِيَاء بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَقَالَ ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ وَقَالَ بعض الكبراء من أهل الْمعرفَة ... لم يبْق بيني وَبَين الْحق تبياني ... وَلَا دَلِيل وَلَا آيَات برهاني ... هَذَا تجلى طُلُوع الْحق نائرة ... قد أزهرت فِي تلاليها بسُلْطَان ...

стр. 63

لَا يعرف الْحق إِلَّا من يعرفهُ ... لَا بعرف القدمى المجث الفاني ... لَا يسْتَدلّ على الْبَارِي بصنعته ... رَأَيْتُمْ حَدثا ينبي عَن أزمان ... كَانَ الدَّلِيل لَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ بِهِ ... من شَاهد الْحق فِي تَنْزِيل فرقان ... كَانَ الدَّلِيل لَهُ مِنْهُ بِهِ وَله ... حَقًا وَجَدْنَاهُ بل علما بتبيان ... هَذَا وجودي وتشريحي ومعتقدي ... هَذَا توَحد تَوْحِيد وإيماني ... هَذَا عبارَة أهل الِانْفِرَاد بِهِ ... دوِي المعارف فِي سر وإعلان ... هَذَا وجود وجود الواجدين لَهُ ... بني التجانس أَصْحَابِي وخلاني ... وَقَالَ بعض الكبراء إِن الله تَعَالَى عرفنَا نَفسه بِنَفسِهِ ودلنا على معرفَة نَفسه بِنَفسِهِ فَقَامَ شَاهد الْمعرفَة من الْمعرفَة بالمعرفة بعد تَعْرِيف الْمُعَرّف بهَا مَعْنَاهُ أَن الْمعرفَة لم يكن لَهَا سَبَب غير أَن الله تَعَالَى عرف الْعَارِف فَعرف بتعريفه وَقَالَ بعض الْكِبَار من الْمَشَايِخ البادي من المكونات مَعْرُوف بِنَفسِهِ لهجوم الْعقل عَلَيْهِ وَالْحق اعز من أَن تهجم الْعُقُول عَلَيْهِ وَأَنه عرفنَا نَفسه أَنه رَبنَا فَقَالَ ﴿أَلَسْت بربكم﴾ وَلم يقل من أَنا فتهجم الْعُقُول عَلَيْهِ حِين بدا مُعَرفا فَلذَلِك انْفَرد عَن الْعُقُول وتنزه عَن التحصل غير الْإِثْبَات وَأَجْمعُوا أَنه لَا يعرفهُ إِلَّا ذُو عقل لِأَن الْعقل آلَة للْعَبد يعرف بِهِ مَا عرف وَهُوَ بِنَفسِهِ لَا يعرف الله تَعَالَى

стр. 64

وَقَالَ أَبُو بكر السباك لما خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ من أَنا فَسكت فكحله بِنور الوحدانية فَفتح عَيْنَيْهِ فَقَالَ أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَلم يكن لِلْعَقْلِ ان يعرف الله إِلَّا بِاللَّه الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ اخْتلَافهمْ فِي الْمعرفَة نَفسهَا ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْمعرفَة نَفسهَا مَا هِيَ وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْعلم فَقَالَ الْجُنَيْد الْمعرفَة وجود جهلك عِنْد قيام علمه قيل لَهُ زِدْنَا قَالَ هُوَ الْعَارِف وَهُوَ الْمَعْرُوف مَعْنَاهُ أَنَّك جَاهِل بِهِ من حَيْثُ أَنْت وَإِنَّمَا عَرفته من حَيْثُ هُوَ وَهُوَ كَمَا قَالَ سهل الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة بِالْجَهْلِ وَقَالَ سهل الْعلم يثبت بالمعرفة وَالْعقل يثبت بِالْعلمِ وَأما الْمعرفَة فَأَنَّهَا تثبت بذاتها مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى إِذا عرف عبدا نَفسه فَعرف الله تَعَالَى بتعرفه إِلَيْهِ أحدث لَهُ بعد ذَلِك علما فَأدْرك الْعلم بالمعرفة وَقَامَ الْعقل فِيهِ بِالْعلمِ الَّذِي احدثه فِيهِ وَقَالَ غَيره تبين الْأَشْيَاء على الظَّاهِر علم وتبينها على استكشاف بواطنها معرفَة وَقَالَ غَيره اباح الْعلم للعامة وَخص أولياءه بالمعرفة وَقَالَ ابو بكر الْوراق الْمعرفَة معرفَة الْأَشْيَاء بصورها وسماتها وَالْعلم علم الْأَشْيَاء بحقائقها

стр. 65

وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز الْمعرفَة بِاللَّه هِيَ علم الطّلب لله من قبل الْوُجُود لَهُ وَالْعلم بِاللَّه هُوَ بعد الْوُجُود فالعلم بِاللَّه اخفى وأدق من الْمعرفَة بِاللَّه وَقَالَ فَارس الْمعرفَة هِيَ المستوفية فِي كنه الْمَعْرُوف وَقَالَ غَيره الْمعرفَة هِيَ حقر الأقدار إِلَّا قدر الله وَأَن لَا يشْهد مَعَ قدر الله قدرا وَقيل لذِي النُّون بِمَ عرفت رَبك قَالَ مَا هَمَمْت بِمَعْصِيَة فَذكرت جلال الله إِلَّا استحييت مِنْهُ جعل مَعْرفَته بِقرب الله مِنْهُ دلَالَة الْمعرفَة لَهُ وَقيل لعليان كَيفَ حالك مَعَ الْمولى قَالَ مَا جفوته مُنْذُ عَرفته قيل لَهُ مَتى عَرفته قَالَ مُنْذُ سموني مَجْنُونا جعل دلَالَة مَعْرفَته لَهُ تَعْظِيم قدره عِنْده قَالَ سهل سُبْحَانَ من لم يدْرك الْعباد من مَعْرفَته إِلَّا عَجزا عَن مَعْرفَته الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَوْلهم فِي الرّوح قَالَ الْجُنَيْد الرّوح شئ اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من خلقه وَلَا يجوز الْعبارَة عَنهُ بِأَكْثَرَ من مَوْجُود لقَوْله ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ قَالَ أَبُو عبد الله النباجي الرّوح جسم يلطف عَن الْحس وَيكبر عَن اللَّمْس وَلَا يعبر عَنهُ بِأَكْثَرَ من مَوْجُود

стр. 66

قَالَ ابْن عَطاء خلق الله الْأَرْوَاح قبل الأجساد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي الْأَرْوَاح ﴿ثمَّ صورناكم﴾ يَعْنِي الأجساد وَقَالَ غَيره الرّوح لطيف قَامَ فِي كثيف كالبصر جَوْهَر لطيف قَامَ فِي كثيف وَأجْمع الْجُمْهُور على أَن الرّوح معنى يحيى بِهِ الْجَسَد وَقَالَ بَعضهم هُوَ روح نسيم طيب يكون بِهِ الْحَيَاة وَالنَّفس ريح حارة تكون بهَا الحركات والسكنات والشهوات وَسُئِلَ القحطبي عَن الرّوح فَقَالَ لم يدْخل تَحت ذل كن وَمَعْنَاهُ عِنْده أَنه لَيْسَ إِلَّا الْإِحْيَاء والحي والإحياء صفة المحيي كالتخليق والخلق صفة الْخَالِق وَاسْتدلَّ من قَالَ ذَلِك بِظَاهِر قَوْله ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ قَالُوا أمره كَلَامه وَكَلَامه لَيْسَ بمخلوق كَأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا صَار الْحَيّ حَيا بقوله كن حَيا وَلَيْسَ الرّوح معنى فِي الْجَسَد حَالا مَخْلُوق كالجسد قَالَ الشَّيْخ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيح وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَن الرّوح معنى فِي الْجَسَد مَخْلُوق كالجسد الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ قَوْلهم فِي الْمَلَائِكَة وَالرسل سكت الْجُمْهُور مِنْهُم عَن تَفْضِيل الرُّسُل على الْمَلَائِكَة وتفضيل الْمَلَائِكَة على الرُّسُل وَقَالُوا الْفضل لمن فَضله الله لَيْسَ ذَلِك بالجوهر وَلَا بِالْعَمَلِ وَلم يرَوا أحد الْأَمريْنِ أوجب من الآخر بِخَبَر وَلَا عقل وَفضل بَعضهم الرُّسُل وَبَعْضهمْ الْمَلَائِكَة

стр. 67

وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل جملَة الْمَلَائِكَة أفضل من جملَة الْمُؤمنِينَ وَفِي الْمُؤمنِينَ من هُوَ أفضل من الْمَلَائِكَة كَأَنَّهُ فضل الْأَنْبِيَاء ﵈ وعَلى الْمَلَائِكَة وَأَجْمعُوا ان بَين الرُّسُل تفاضلا لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ وَلم يعينوا الْفَاضِل والمفضول لقَوْله ﵇ لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء وأوجبوا فضل مُحَمَّد ﷺ بالْخبر وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ وَالسَّلَام أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر آدم وَمن دونه تَحت لِوَائِي وَسَائِر الْأَخْبَار الَّتِي جَاءَت وَقَول الله جلّ وَعز ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَلَمَّا كَانَت أمته خير الْأُمَم وَجب أَن يكون نبيها خير الْأَنْبِيَاء وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن من الدَّلَائِل على فَضله وَأَجْمعُوا جَمِيعًا أَن الْأَنْبِيَاء أفضل الْبشر وَلَيْسَ فِي الْبشر من يوازي الْأَنْبِيَاء فِي الْفضل لَا صديق وَلَا ولي وَلَا غَيرهم وَإِن جلّ قدره وَعظم خطره قَالَ النَّبِي ﷺ لعَلي رضى الله عَنهُ هَذَانِ سيدا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين إِلَّا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ يَعْنِي أَبَا بكر وَعمر فَأخْبر ﷺ أَنَّهُمَا خير النَّاس بعد النَّبِيين قَالَ أَبُو يزِيد البسطامي آخر نهايات الصديقين أول أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وَلَيْسَ لنهاية الْأَنْبِيَاء غَايَة تدْرك وَقَالَ سهل بن عبد الله انْتَهَت همم العارفين إِلَى الْحجب فوقفت مطرقة فَأذن لَهَا فَسلمت فَخلع عَلَيْهَا خلع التأييد وَكتب لَهَا بَرَاءَة من الزيغ وهمم الْأَنْبِيَاء

стр. 68

جالت حول الْعَرْش فكسيت الْأَنْوَار وَرفع مِنْهَا الأقذار واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها وَأسْقط مرادها وَجعلهَا متصرفة بِهِ لَهُ قَالَ أَبُو يزِيد لَو بدا لِلْخلقِ من النَّبِي ذرة لم يقم لَهَا مادون الْعَرْش وَقَالَ مَا مثل معرفَة الْخلق وعلمهم بِالنَّبِيِّ إِلَّا مثل نداوة تخرج من رَأس الزف المربوط قَالَ بَعضهم لم ينل أحد من الْأَنْبِيَاء الْكَمَال فِي التَّسْلِيم والتفويض غير الحبيب والخليل صلى الله عَلَيْهِمَا فَلذَلِك أيس الكبراء عَن الْكَمَال وَإِن كَانُوا فِي حَال الْقرْبَة مَعَ تَحْقِيق الْمُشَاهدَة قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء أدنى منَازِل الْمُرْسلين أَعلَى مَرَاتِب النَّبِيين وَأدنى منَازِل الْأَنْبِيَاء أَعلَى مَرَاتِب الصديقين وَأدنى منَازِل الصديقين أَعلَى مَرَاتِب الشُّهَدَاء وَأدنى منَازِل الشُّهَدَاء أَعلَى مَرَاتِب الصَّالِحين وَأدنى منَازِل الصَّالِحين أَعلَى مَرَاتِب الْمُؤمنِينَ الْبَاب الْخَامِس وَالْعشْرُونَ قَوْلهم فِيمَا أضيف إِلَى الْأَنْبِيَاء من الزلل قَالَ الْجُنَيْد والنوري وَغَيرهمَا من الْكِبَار إِن مَا جرى على الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا جرى على ظواهرهم وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الْحق وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿فنسي وَلم نجد لَهُ عزما﴾ وَقَالُوا وَلَا تصح الْأَعْمَال حَتَّى يتقدمها الْعُقُود والنيات وَمَا لَا عقد فِيهِ وَلَا نِيَّة فَلَيْسَ بِفعل وَقد نفى الله تَعَالَى الْفِعْل عَن آدم بقوله ﴿فنسي وَلم نجد لَهُ عزما﴾

стр. 69

قَالُوا ومعاتبات الْحق لَهُم عَلَيْهَا إِنَّمَا جَاءَت إعلاما للأغيار ليعلموا عِنْد إتيانهم الْمعاصِي مَوَاضِع الاسْتِغْفَار وأثبتها بَعضهم وَقَالُوا إِنَّهَا كَانَت على جِهَة التَّأْوِيل والخطإ فِيهِ فعوتبوا عَلَيْهَا لعلو مرتبتهم وارتفاع مَنَازِلهمْ فَكَانَ ذَلِك زجرا لغَيرهم وحفظا لمواضع الْفضل عَلَيْهِم وتأديبا لَهُم وَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا كَانَت على جِهَة السَّهْو الْغَفْلَة وَجعلُوا سهوهم فِي الْأَدْنَى بالأرفع وَهَكَذَا قَالُوا فِي سَهْو النَّبِي ﷺ فِي صلَاته إِن الَّذِي شغله عَن صلَاته كَانَ أعظم من الصَّلَاة لقَوْله وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة فَأخْبر أَن فِي الصَّلَاة مَا تقر بِهِ عينه وَلم يقل جعلت قُرَّة عَيْني الصَّلَاة وكل من أثبتها زللا وخطايا فَإِنَّهُم جعلوها صغائر مقرونة بِالتَّوْبَةِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى مخبرا عَن صَفيه آدم وَزَوجته ﵉ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ وَفِي دَاوُد ﵇ ﴿وَظن دَاوُد أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب﴾ الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ قَوْلهم فِي كرامات الْأَوْلِيَاء اجْمَعُوا على إِثْبَات كرامات الْأَوْلِيَاء وَإِن كَانَت تدخل فِي بَاب المعجزات كالمشي على المَاء وَكَلَام الْبَهَائِم وطي الأَرْض وَظُهُور الشئ فِي غير مَوْضِعه وَوَقته وَقد جَاءَت الْأَخْبَار بهَا وَصحت الرِّوَايَات ونطق بهَا التَّنْزِيل من قصَّة الَّذِي عِنْده

стр. 70

علم من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك﴾ وقصة مَرْيَم حِين قَالَ لَهَا زَكَرِيَّا ﴿أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله﴾ وقصة الرجلَيْن اللَّذين كَانَا عِنْد النَّبِي ﷺ ثمَّ خرجا فأضاء لَهما سوطاهما وَغير ذَلِك وَجَوَاز ذَلِك فِي عصر النَّبِي ﷺ وَغير عصره وَاحِد وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَت فِي عصر النَّبِي للنَّبِي ﷺ على معنى التَّصْدِيق لَهُ كَانَ فِي غير عصره على معنى التَّصْدِيق وَقد كَانَ بعد النَّبِي ﷺ لعمر بن الْخطاب حِين نَادَى سَارِيَة قَالَ لسارية يَا سَارِيَة بن حصن الْجَبَل الْجَبَل وَعمر بِالْمَدِينَةِ على الْمِنْبَر وسارية فِي وَجه الْعَدو على مسيرَة شهر وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة وافرة وَإِنَّمَا أنكر جَوَاز ذَلِك من أنكر لِأَن فِيهِ زعم إبِْطَال النبوات لِأَن النَّبِي لَا يظْهر عَن غَيره إِلَّا بمعجزة يَأْتِي بهَا تدل على صدقه ويعجز عَنْهَا غَيره فَإِذا ظَهرت على يَدي غَيره لم يكن بَينه وَبَين من لَيْسَ بِنَبِي فرق وَلَا دَلِيل على صدقه قَالُوا وَفِيه تعجيز الله عَن إِظْهَار نَبِي عَن من لَيْسَ بِنَبِي وَقَالَ أَبُو بكر الْوراق النَّبِي لم يكن نَبيا للمعجزة وَإِنَّمَا كَانَ نَبيا بإرسال الله تَعَالَى إِيَّاه ووحيه إِلَيْهِ فَمن أرْسلهُ الله وَأوحى إِلَيْهِ فَهُوَ نَبِي كَانَت مَعَه معْجزَة أَو لم تكن وَوَجَب على من دَعَاهُ الرَّسُول الْإِجَابَة لَهُ وَإِن لم يره معْجزَة وَإِنَّمَا كَانَت المعجزات لإِثْبَات الْحجَّة على من أنكر وَوُجُوب كلمة الْعَذَاب على من عاند وَكفر وَإِنَّمَا وَجَبت الْإِجَابَة للنَّبِي بدعوته لِأَنَّهُ يَدعُوهُ إِلَى مَا أوجب الله عَلَيْهِ من

стр. 71

توحيده وَنفي الشُّرَكَاء عَنهُ وإتيان مَا لَيْسَ فِي الْعقل استحالته بل وُجُوبه أَو جَوَازه وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنَّهُمَا عينان نَبِي ومتنبي فالنبي صَادِق والمتنبي كَاذِب وهما يشتبهان فِي الصُّورَة والتركيب وَأَجْمعُوا أَن الصَّادِق يُؤَيّدهُ الله بالمعجزة والكاذب لَا يجوز لَهُ مَا يكون للصادق لِأَن فِي هَذَا تعجيز الله عَن إِظْهَار الصَّادِق من الْكَاذِب فَأَما إِذا كَانَ ولي صَادِق وَلَيْسَ بِنَبِي فَإِنَّهُ لَا لَا يَدعِي النُّبُوَّة وَلَا مَا هُوَ كذب وباطل وَإِنَّمَا يَدْعُو إِلَى مَا هُوَ حق وَصدق فَإِن أظهر الله عَلَيْهِ كَرَامَة لم يقْدَح ذَلِك فِي نبوة النَّبِي وَلَا أوجب شُبْهَة فِيهَا لِأَن الصَّادِق يَقُول مَا يَقُوله النَّبِي وَيَدْعُو إِلَى مَا يدعوا إِلَيْهِ النَّبِي فظهور الْكَرَامَة لَهُ تأييد لنَبِيّ وَإِظْهَار لدعوته وإلزام لحجته وتصديقه فِيمَا يَدعُوهُ ويدعيه من النُّبُوَّة وَإِثْبَات تَوْحِيد الله وَجوز بَعضهم أَن يرى الله أعداءه فِي خَاصَّة أنفسهم وَفِيمَا لَا يُوجب شُبْهَة مَا يخرج من الْعَادَات وَيكون ذَلِك استدراجا لَهُم وسببا لهلاكهم وَذَلِكَ انها تولد فِي أنفسهم تَعَظُّمًا وكبرياء ويرون أَنَّهَا كرامات لَهُم استأهلوها بأعمالهم واستوجبوها بأفعالهم فيتكلون على أَعْمَالهم ويرون لَهُم الْفضل على الْخلق فيزرون بعباده ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده وَأما الْأَوْلِيَاء فَإِنَّهُم إِذا ظهر لَهُم من كرامات الله شئ ازدادوا لله تذللا وخضوعا وخشية واستكانة وإزراء بنفوسهم وإيجابا لحق الله عَلَيْهِم فَيكون ذَلِك زِيَادَة لَهُم فِي أُمُورهم وَقُوَّة على مجاهداتهم وشكرا لله تَعَالَى على مَا أَعْطَاهُم فَالَّذِي للأنبياء معجزات وللأولياء كرامات وللأعداء مخادعات

стр. 72

وَقَالَ بَعضهم إِن كرامات الْأَوْلِيَاء تجْرِي عَلَيْهِم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ والأنبياء تكون لَهُم المعجزات وهم بهَا عالمون بإثباتها ناطقون لِأَن الْأَوْلِيَاء قد يخْشَى عَلَيْهِم الْفِتْنَة مَعَ عدم الْعِصْمَة والأنبياء لَا يخْشَى عَلَيْهِم الْفِتْنَة بهَا لأَنهم معصومون قَالُوا وكرامة الْوَلِيّ بإجابة عوة وَتَمام حَال وَقُوَّة على فعل وكفاية مُؤنَة يقوم لَهُم الْحق بهَا وَهِي مِمَّا يخرج عَن الْعَادَات ومعجزات الْأَنْبِيَاء إِخْرَاج الشئ من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وتقليب الْأَعْيَان وَجوز بعض الْمُتَكَلِّمين وَقوم من الصُّوفِيَّة إظهارها على الْكَذَّابين من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَقت مَا يدعونها فِيمَا لَا يُوجب شُبْهَة كَمَا روى فِي قصَّة فِرْعَوْن من جرى النّيل مَعَه وكما أخبر النَّبِي ﷺ فِي قصَّة الدَّجَّال أَنه يقتل رجلا ثمَّ يحيية فِيمَا يخيل إِلَيْهِ قَالُوا إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَنَّهُمَا ادّعَيَا مَا لَا يُوجب شُبْهَة لِأَن أعيانهما تشهد على كذبهما فِيمَا ادعياه من الربوبية وَاخْتلفُوا فِي الْوَلِيّ هَل يجوز أَن يعرف أَنه ولي ام لَا فَقَالَ بَعضهم لَا يجوز ذَلِك لِأَن معرفَة ذَلِك تزيل عَنهُ خوف الْعَاقِبَة وَزَوَال خوف الْعَاقِبَة يُوجب الْأَمْن وَفِي وجوب الْمَنّ زَوَال الْعُبُودِيَّة لِأَن العَبْد بَين الْخَوْف والرجاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ وَقَالَ الأجلة مِنْهُم والكبار يجوز أَن يعرف الْوَلِيّ ولَايَته لِأَنَّهَا كَرَامَة من الله تَعَالَى للْعَبد والكرامات وَالنعَم يجوز أَن يعلم ذَلِك فَيَقْتَضِي زِيَادَة الشُّكْر وَالْولَايَة ولايتان ولَايَة تخرج من الْعَدَاوَة وَهِي لعامة الْمُؤمنِينَ فَهَذِهِ لَا توجب مَعْرفَتهَا والتحقق بهَا للأعيان لَكِن من جِهَة الْعُمُوم فَيُقَال الْمُؤمن ولي الله ولَايَة اخْتِصَاص واصطفاء واصطناع وَهَذِه توجب مَعْرفَتهَا والتحقق بهَا

стр. 73

وَيكون صَاحبهَا مَحْفُوظًا عَن النّظر إِلَى نَفسه فَلَا يدْخلهُ عجب وَيكون مسلوبا من الْخلق بِمَعْنى النّظر إِلَيْهِم بحظ فَلَا يفتنونه وَيكون مَحْفُوظًا عَن آفَات البشرية وَإِن كَانَ طبع البشرية قَائِما مَعَه بَاقِيا فِيهِ فَلَا يستحلى حظا من حظوظ النَّفس استحلاء يفتنه فِي دينه واستحلاء الطَّبْع قَائِم فِيهِ وَهَذِه هِيَ خُصُوص الْولَايَة من الله للْعَبد وَمن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لم يكن لِلْعَدو إِلَيْهِ طَرِيق بِمَعْنى الإغواء لقَوْله جلّ وَعز ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ وَهُوَ مَعَ هَذَا لَيْسَ بمعصوم من صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة فَإِن وَقع فِي أحديهما قارنته التَّوْبَة الْخَالِصَة وَالنَّبِيّ مَعْصُوم لَا يجْرِي عَلَيْهِ كَبِيرَة بِإِجْمَاع وَلَا صَغِيرَة عِنْد بَعضهم وَزَوَال خوف الْعَاقِبَة لَيْسَ بممتنع بل هُوَ جَائِز فقد أخبر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه بِأَنَّهُم من أهل الْجنَّة وَشهد للعشرة بِالْجنَّةِ والراوي لَهُ سعيد ابْن زيد وَهُوَ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَشَهَادَة النَّبِي ﷺ توجب سكونا إِلَيْهَا وطمأنينة بهَا وَتَصْدِيقًا لَهَا وَهَذَا يُوجب الْأَمْن من التَّغْيِير وَزَوَال خوف التبديل لَا محَالة وَالرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت فِي خوف المبشرين من قَول ابي بكر ﵁ يَا لَيْتَني كنت تَمْرَة ينقرها الطير وَقَول عمر ﵁ ياليتني كنت هَذِه النبتة لَيْتَني لم أك شَيْئا وَقَول أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ وددت أَنِّي كَبْش فيذبحني أَهلِي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي وَقَول عَائِشَة ﵂ يَا ليتي كنت ورقة من هَذِه الشَّجَرَة وَهِي من شهد لَهَا عمار بن يَاسر على مِنْبَر الْكُوفَة فَقَالَ اشْهَدْ أَنَّهَا زَوْجَة النَّبِي ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة

стр. 74

إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُم خوفًا من جَرَيَان المخالفات عَلَيْهِم إجلالا لله تَعَالَى وتعظيما لقدره ووهبية لَهُ وحياء مِنْهُ بِأَنَّهُم أجلوا الْحق أَن يخالفون وَإِن لم يعاقبهم كَمَا قَالَ عمر ﵁ نعم الْمَرْء صُهَيْب لولم يخف الله لم يَعْصِهِ يَعْنِي أَن صهيبا لَيْسَ يتْرك الْمعْصِيَة لله خوف عُقُوبَته وَلكنه يَتْرُكهَا إجلالا لَهُ وتعظيما لقدره وحياء مِنْهُ فخوف المبشرين لم يكن خوفًا من التَّغْيِير والتبديل لِأَن خوف التَّغْيِير والتبديل مَعَ شَهَادَة النَّبِي ﷺ يُوجب شكا فِي أَخْبَار النَّبِي ﷺ وَهَذَا كفر وَلم يكن ذَلِك خوف عقوبه فِي النَّار دون الخلود فِيهَا لعلمهم بِأَنَّهُم لَا يعاقبون بالنَّار على مَا يكون مِنْهُم لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون صغائر فَتكون مغفورة باجتناب الْكَبَائِر أَو بِمَا يصيبهم من الْبلوى فِي الدُّنْيَا قَالَ عبد الله بن عمر فِيمَا روى عَن أبي بكر الصّديق قَالَ كنت عِنْد رَسُول الله ﷺ فأنزلت هَذِه الْآيَة ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أقرئك آيَة أنزلت على قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ فأقرأنيها فَلَا أعلم مَا أصابني إِلَّا أَنِّي وجدت انقصاما فِي ظَهْري فتمطيت لَهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا شَأْنك يَا أَبَا بكر فَقلت يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وأينا لم يعْمل سوءا وَإِنَّا لمجزون بِمَا عَملنَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما أَنْت يَا أَبَا بكر والمؤمنون فتجزون

стр. 75

بذلك فِي الدُّنْيَا حَتَّى تلقوا الله وَلَيْسَ لكم ذنُوب وَأما الْآخرُونَ فَيجمع لَهُم ذَلِك حَتَّى يجزوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة أَو تكون كَبَائِر فتقارنها التَّوْبَة لَا محَالة فَتَصِح بِشَارَة النَّبِي ﷺ لَهُم بِالْجنَّةِ على أَن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَنه يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ذَنْب لَهُ قَالَ النَّبِي ﷺ لعمر وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ بعض النَّاس إِنَّهُم بشروا بِالْجنَّةِ وَلم يبشروا بِأَنَّهُم لَا يعاقبون فَكَانَ خوفهم من النَّار وَإِن علمُوا أَنهم لَا يخلدُونَ فِيهَا لَكَانَ المبشرون وَغَيرهم من الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك سَوَاء لأَنهم لَا محَالة مخرجون مِنْهَا وَلَو جَازَ دُخُول أبي بكر وَعمر النَّار مَعَ قَول النَّبِي ﷺ هما سيا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين جَازَ دُخُول الْحسن وَالْحُسَيْن مَعَ قَوْله هما سيدا شباب أهل الْجنَّة فَإِن كَانَت سادة أهل الْجنَّة يجوز أَن يدخلهم الله النَّار ويعذبهم بهَا لم يجز أَن يدْخل أحد الْجنَّة إِلَّا بعد أَن يعذب بالنَّار وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أهل الدَّرَجَات العلى ليراهم من تَحْتهم كَمَا ترَوْنَ النَّجْم الطالع فِي أفق السَّمَاء وَإِن أَبَا بكر وَعمر مِنْهُم اتعما فَإِن كَانَ هَذَانِ يدخلَانِ النَّار ويخزيان فِيهَا لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ فَكيف بِغَيْرِهِمَا وَقَالَ ابْن عمر إِن رَسُول الله ﷺ دخل الْمَسْجِد وَأَبُو بكر وَعمر
следующие страницы →