Полный текст (686 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بَعضهم خلافًا على أَن هَذَا إِنَّمَا يتَوَهَّم أَن لَو لم يَصح عَن بعض الصَّحَابَة المشاهدين لذَلِك الْأَمر من أَوله إِلَى آخِره حِكَايَة الْإِجْمَاع وَأما بعد أَن صَحَّ عَن مثل ابْن مَسْعُود حِكَايَة إِجْمَاعهم كلهم فَلَا يتَوَهَّم ذَلِك أصلا سِيمَا وَعلي كرم الله وَجهه مِمَّن حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي عِنْد أَنه مَا قدم الْبَصْرَة سُئِلَ عَن مسيره هَل هُوَ بِعَهْد من النَّبِي ﷺ فَذكر مبايعته هُوَ وَبَقِيَّة الصَّحَابَة لأبي بكر وَأَنه لم يخْتَلف عَلَيْهِ مِنْهُم اثْنَان
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَانِي قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول أجمع النَّاس على خلَافَة أبي بكر ﵁ وَذَلِكَ أَنه اضْطِرَاب النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَلم يَجدوا تَحت أَدِيم السَّمَاء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم
وَأخرج أَسد السّنة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ مَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَشكونَ أَن أَبَا بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانُوا يسمونه إِلَّا خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانُوا يَجْتَمعُونَ على خطا وَلَا ضَلَالَة وَأَيْضًا فالأمة أَجمعت على حقية إِمَامَة أحد الثَّلَاثَة ابي بكر وَعلي وَالْعَبَّاس ﵃ ثمَّ إنَّهُمَا لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الْإِجْمَاع لَهُ على إِمَامَته دونهمَا إِذْ لَو لم يكن على حق لنازعاه كَمَا نَازع عَليّ مُعَاوِيَة مَعَ قُوَّة شَوْكَة مُعَاوِيَة عدَّة وعددا على شَوْكَة أبي بكر فَإِذا لم يبال عَليّ بهَا ونازعه فَكَانَت منازعته لأبي بكر أولى وَأَحْرَى فَحَيْثُ لم ينازعه دلّ على اعترافه بحقية خِلَافَته وَلَقَد سَأَلَهُ الْعَبَّاس فِي
стр. 37
أَن يبايعه فَلم يقبل وَلَو علم نصا عَلَيْهِ لقبل سِيمَا وَمَعَهُ الزبير مَعَ شجاعته وَبَنُو هَاشم وَغَيرهم
وَمر أَن الْأَنْصَار كَرهُوا بيعَة أبي بكر وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير فدفعهم ابو بكر بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فانقادوا لَهُ وأطاعوه وَعلي أقوى مِنْهُم شَوْكَة وعدة وعددا وشجاعة فَلَو كَانَ مَعَه نَص لَكَانَ أَحْرَى بالمنازعة وأحق بالإجابة وَلَا يقْدَح فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع تَأَخّر عَليّ وَالزُّبَيْر وَالْعَبَّاس وَطَلْحَة مُدَّة لأمور مِنْهَا أَنهم رَأَوْا أَن الْأَمر تمّ بِمن تيَسّر حُضُوره حِينَئِذٍ من أهل الْحل وَالْعقد وَمِنْهَا أَنهم لما جَاءُوا وَبَايَعُوا اعتذروا كَمَا مر عَن الْأَوَّلين من طرق بِأَنَّهُم أخروا عَن المشورة مَعَ أَن لَهُم فِيهَا حَقًا لَا للقدح فِي خلَافَة الصّديق هَذَا مَعَ الِاحْتِيَاج فِي هَذَا الْأَمر لخطره إِلَى الشورى التَّامَّة وَلِهَذَا مر عَن عمر بِسَنَد صَحِيح أَن تِلْكَ الْبيعَة كَانَت فلتة وَلَكِن وقى الله شَرها
ويوافق مَا مر عَن الْأَوَّلين من الِاعْتِذَار مَا أخرجه الدراقطني من طرق كَثِيرَة أَنَّهُمَا قَالَا عِنْد مبايعتهما لأبي بكر إِلَّا أَنا أخرنا عَن المشورة وَإِنَّا لنرى أَن أَبَا بكر أَحَق النَّاس بهَا إِنَّه لصَاحب الْغَار وَثَانِي اثْنَيْنِ وَإِنَّا لنعرف لَهُ شرفه وخيره وَفِي آخرهَا أَنه اعتذر إِلَيْهِم فَقَالَ وَالله مَا كنت حَرِيصًا على الْإِمَارَة يَوْمًا قطّ وَلَا لَيْلَة وَلَا كنت فِيهَا رَاغِبًا وَلَا سَأَلتهَا الله فِي سر وَلَا عَلَانيَة وَلَكِنِّي أشفقت من الْفِتْنَة وَمَالِي فِي الْإِمَارَة من رَاحَة وَلَقَد قلدت أمرا عَظِيما إِلَى آخر مَا مر فقبلوا مِنْهُ ذَلِك وَمَا اعتذر بِهِ
стр. 38
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة أَن عليا بعث لأبي بكر ﵄ أَن ائتنا فاتاهم أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد اجْتمعت بَنو هَاشم إِلَى عَليّ فَخَطب ومدح أَبَا بكر ثمَّ اعتذر عَن تخلفه عَن الْبيعَة بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حق فِي الْمُشَاورَة وَلم يشاوروه فَلَمَّا فرغ من خطبَته خطب أَبُو بكر وَاعْتذر بِنَحْوِ مَا تقدم ثمَّ بعد ذَلِك بَايعه عَليّ فِي يَوْمه فَرَأى الْمُسلمُونَ أَنه قد أصَاب وَفِي // الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته // التَّصْرِيح بِهَذِهِ الْقِصَّة بأبسط من هَذَا
روى البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن فَاطِمَة ﵂ أرْسلت إِلَى أبي بكر ﵁ تسأله عَن مِيرَاثهَا من النَّبِي ﷺ مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله من الْمَدِينَة وفدك وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر فَقَالَ أَبُو بكر إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال) وَإِنِّي وَالله لَا أغير شَيْئا من صَدَقَة رَسُول الله ﷺ عَن حَالهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ ولأعملن فِيهَا بِمَا عمل رَسُول الله ﷺ فَأبى أَبُو بكر أَن يدْفع إِلَى فَاطِمَة مِنْهَا شَيْئا فَوجدت فَاطِمَة على أبي بكر ذَلِك فَهجرَته فَلم تكَلمه حَتَّى توفيت وَعَاشَتْ بعد النَّبِي ﷺ سِتَّة أشهر فَلَمَّا توفيت دَفنهَا زَوجهَا عَليّ لَيْلًا وَلم يُؤذن بهَا أَبَا بكر وَصلى عَلَيْهَا وَكَانَ لعَلي من النَّاس وَجه حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا توفيت استنكر عَليّ وُجُوه النَّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته وَلم يكن بَايع تِلْكَ الْأَشْهر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا يأتينا مَعَك أحد كَرَاهِيَة ليحضر عمر فَقَالَ عمر لَا وَالله مَا تدخل
стр. 39
عَلَيْهِم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر وَمَا عسيتهم أَن يَفْعَلُوا بِي وَالله لآتينهم فَدخل عَلَيْهِم أَبُو بكر ﵁ فَتشهد عَليّ فَقَالَ إِنَّا قد عرفنَا فضلك وَمَا أَعْطَاك الله وَلم ننفس عَلَيْك خيرا سَاقه الله إِلَيْك وَلَكِنَّك استبددت علينا الْأَمر وَكُنَّا نرى لقرابتنا من رَسُول الله ﷺ أَن لنا نَصِيبا حَتَّى فاضت عينا أبي بكر فَلَمَّا تكلم أَبُو بكر قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَأما الَّذِي شجر بيني وَبَيْنكُم من هَذِه الْأَمْوَال فَإِنِّي لم آل فِيهِ عَن الْخَيْر وَلم أترك أمرا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنعه فِيهَا إِلَّا صَنعته فَقَالَ عَليّ لأبي بكر موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر رقى الْمِنْبَر فَتشهد وَذكر شَأْن عَليّ وتخلفه عَن الْبيعَة وعذره بِالَّذِي اعتذر إِلَيْهِم ثمَّ اسْتغْفر وَتشهد عَليّ فَعظم حق أبي بكر وَحدث أَنه لم يحملهُ على الَّذِي صنع نفاسة على أبي بكر وَلَا إنكارا للَّذي فَضله الله بِهِ وَلَكنَّا كُنَّا نرى لنا فِي هَذَا الْأَمر أَي المشورة كَمَا يدل عَلَيْهِ بَقِيَّة الرِّوَايَات نَصِيبا فاستبد علينا فَوَجَدنَا فِي أَنْفُسنَا فسر بذلك الْمُسلمُونَ وَقَالُوا أصبت وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِلَى عَليّ قَرِيبا حِين رَاجع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
فَتَأمل عذره وَقَوله لم ننفس على أبي بكر خيرا سَاقه الله إِلَيْهِ وَأَنه لَا يُنكر مَا فَضله الله بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث تَجدهُ بَرِيئًا مِمَّا نسبه إِلَيْهِ الرافضة وَنَحْوهم فَقَاتلهُمْ الله مَا أجهلهم وأحمقهم
ثمَّ هَذَا الحَدِيث فِيهِ التَّصْرِيح بتأخر بيعَة عَليّ إِلَى موت فَاطِمَة فينافي مَا تقدم عَن أبي سعيد أَن عليا وَالزُّبَيْر بايعا من أول الْأَمر لَكِن هَذَا الَّذِي مر عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ الَّذِي صَححهُ ابْن حبَان وَغَيره
стр. 40
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأما مَا وَقع فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ وَغَيره من بني هَاشم إِلَى موت فَاطِمَة ﵂ فضعيف فَإِن الزُّهْرِيّ لم يسْندهُ وَأَيْضًا فَالرِّوَايَة الأولى عَن أبي سعيد هِيَ الموصولة فَتكون أصح
وَعَلِيهِ فبينه وَبَين خبر البُخَارِيّ الْمَار عَن عَائِشَة تناف لَكِن جمع بَعضهم بِأَن عليا بَايع أَولا ثمَّ انْقَطع عَن أبي بكر لما وَقع بَينه وَبَين فَاطِمَة ﵂ مَا وَقع فِي مخلفه ﷺ ثمَّ بعد مَوتهَا بَايعه مبايعة أُخْرَى فَتوهم من ذَلِك بعض من لَا يعرف بَاطِن الْأَمر أَن تخلفه إِنَّمَا هُوَ لعدم رِضَاهُ ببيعته فَأطلق ذَلِك من أطلق وَمن ثمَّ أظهر عَليّ مبايعته لأبي بكر ثَانِيًا بعد مَوتهَا على الْمِنْبَر لإِزَالَة هَذِه الشُّبْهَة على أَنه سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الرَّابِع من فَضَائِل عَليّ أَنه لما أَبْطَأَ عَن الْبيعَة لقِيه أَبُو بكر فَقَالَ لَهُ أكرهت إمارتي فَقَالَ لَا وَلَكِن آلَيْت لَا أرتدي بردائي إِلَّا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى أجمع الْقُرْآن فزعموا أَنه كتبه على تَنْزِيله
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعذر الْوَاضِح مِنْهُ ﵁ تعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على حقية خلَافَة الصّديق وَأَنه أهل لَهَا وَذَلِكَ كَاف لَو لم يرد نَص عَلَيْهِ بل الْإِجْمَاع أقوى من النُّصُوص الَّتِي لم تتواتر لِأَن مفاده قَطْعِيّ ومفادها ظَنِّي كَمَا سَيَأْتِي
وَحكى النَّوَوِيّ بأسانيد صَحِيحَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَن من قَالَ إِن عليا كَانَ أَحَق بِالْولَايَةِ فقد خطأ أَبَا بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرَاهُ يرْتَفع لَهُ مَعَ هَذَا عمل إِلَى السَّمَاء وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمار بن يَاسر نَحوه
стр. 41
الْفَصْل الثَّالِث فِي النُّصُوص السمعية الدَّالَّة على خِلَافَته ﵁ من الْقُرْآن وَالسّنة
أما النُّصُوص القرآنية
فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لَا ئم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم
أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هُوَ وَالله أَبُو بكر لما ارْتَدَّت الْعَرَب جاهدهم أَبُو بكر وَأَصْحَابه حَتَّى ردهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخرج يُونُس بن بكير عَن قَتَادَة قَالَ لما توفّي النَّبِي ﷺ ارْتَدَّت الْعَرَب فَذكر قتال أبي بكر لَهُم إِلَى أَن قَالَ فَكُنَّا نتحدث أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي بكر وَأَصْحَابه ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَشرح هَذِه الْقِصَّة مَا أخرجه الذَّهَبِيّ أَن وَفَاة النَّبِي ﷺ لما اشتهرت بالنواحي ارْتَدَّ طوائف كَثِيرَة من الْعَرَب عَن الْإِسْلَام وَمنعُوا الزَّكَاة فَنَهَضَ أَبُو بكر لقتالهم فَأَشَارَ عَلَيْهِ عمر وَغَيره أَن يفتر عَن قِتَالهمْ فَقَالَ وَالله لَو مَنَعُونِي عقَالًا أَو عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول الله ﷺ لقاتلتهم على منعهَا فَقَالَ عمر وَكَيف تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس
стр. 42
حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَمن قَالَهَا عصم مني مَاله وَدَمه إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابه على الله) فَقَالَ أَبُو بكر وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَإِن الزَّكَاة حق المَال وَقد قَالَ إِلَّا بِحَقِّهَا قَالَ عمر فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَيْت الله شرح صدر أبي بكر لِلْقِتَالِ فَعرفت أَنه الْحق وَفِي رِوَايَة أَنه لما خرج أَبُو بكر لقتالهم وَبلغ قريب نجد هربت الْأَعْرَاب فَكَلمهُ النَّاس يُؤمر عَلَيْهِم رجلا وَيرجع فَأمر خَالِدا وَرجع
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر قَالَ لما برز أَبُو بكر واستوى على رَاحِلَته أَخذ عَليّ بزمامها وَقَالَ إِلَى أَيْن يَا خَليفَة رَسُول الله أَقُول لَك مَا قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد شم سَيْفك وَلَا تفجعنا بِنَفْسِك وارجع إِلَى الْمَدِينَة فوَاللَّه لَئِن فجعنا بك لَا يكون لِلْإِسْلَامِ نظام أبدا
وَبعث خَالِدا إِلَى بني أَسد وغَطَفَان فَقتل من قتل وَأسر من أسر وَرجع الْبَاقُونَ إِلَى الْإِسْلَام ثمَّ إِلَى الْيَمَامَة إِلَى قتال مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَالتقى الْجَمْعَانِ ودام الْحصار أَيَّامًا ثمَّ قتل الْكذَّاب لَعنه الله قَتله وَحشِي قَاتل حَمْزَة
ثمَّ فِي السّنة الثَّانِيَة من خِلَافَته بعث الْعَلَاء ابْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْبَحْرين وَكَانُوا قد ارْتَدُّوا فَالْتَقوا بجواثا فنصر الْمُسلمُونَ وَبعث عِكْرِمَة بن أبي جهل إِلَى عمان وَكَانُوا قد ارْتَدُّوا وَبعث المُهَاجر بن أُميَّة إِلَى طَائِفَة من الْمُرْتَدين وَزِيَاد
стр. 43
ابْن لبيد الْأنْصَارِيّ إِلَى طَائِفَة أُخْرَى وَمن ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَن أَبَا بكر اسْتخْلف مَا عبد الله ثمَّ قَالَ الثَّانِيَة ثمَّ قَالَ الثَّالِثَة فَقيل لَهُ مَه يَا أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ وَجه أُسَامَة بن زيد فِي سَبْعمِائة إِلَى الشَّام فَلَمَّا نزل بِذِي خشب قبض النَّبِي ﷺ وارتدت الْعَرَب حول الْمَدِينَة وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَقَالُوا رد هَؤُلَاءِ توجه هَؤُلَاءِ إِلَى الرّوم وَقد ارْتَدَّت الْعَرَب حول الْمَدِينَة فَقَالَ وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَو جرت الْكلاب بأرجل أَزوَاج النَّبِي ﷺ مَا رددت جَيْشًا وَجهه رَسُول الله ﷺ وَلَا حللت لِوَاء عقده فَوجه أُسَامَة لَا يمر بقبيل يُرِيدُونَ الارتداد إِلَّا قَالُوا لَوْلَا أَن لهَؤُلَاء قُوَّة مَا خرج مثل هَؤُلَاءِ من عِنْدهم وَلَكِن ندعهم حَتَّى يلْقوا الرّوم فلقوهم فهزموهم وقتلوهم وَرَجَعُوا سَالِمين فثبتوا على الْإِسْلَام
قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا على عظم علم الصّديق بقوله فِي الحَدِيث السَّابِق فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالله لَو مَنَعُونِي عقَالًا كَانُوا يؤدونه إِلَى النَّبِي ﷺ لقاتلتهم على مَنعه وَاسْتدلَّ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بِهَذَا وَغَيره فِي طبقاته على أَن أَبَا بكر أعلم الصَّحَابَة لأَنهم كلهم وقفُوا على فهم الحكم فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا هُوَ ثمَّ ظهر لَهُم بمباحثته لَهُم أَن قَوْله هُوَ الصَّوَاب فَرَجَعُوا إِلَيْهِ
قَالَ أَعنِي النَّوَوِيّ وروينا عَن ابْن عمر أَنه سُئِلَ من كَانَ يُفْتِي النَّاس فِي زمن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر مَا أعلم غَيرهمَا
стр. 44
لَكِن أخرج ابْن سعد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ كَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي يفتون على عهد رَسُول الله ﷺ
ثمَّ اسْتدلَّ على أعلميته بالْخبر الرَّابِع من الْأَخْبَار الدَّالَّة على خِلَافَته
وَقَالَ ابْن كثير كَانَ الصّديق أَقرَأ الصَّحَابَة أَي أعلمهم بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ ﷺ قدمه إِمَامًا للصَّلَاة بالصحابة مَعَ قَوْله (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله) وَسَيَأْتِي خبر (لَا يَنْبَغِي لقوم فيهم أَبُو بكر ان يؤمهم غَيره) وَكَانَ مَعَ ذَلِك أعلمهم بِالسنةِ كلما رَجَعَ إِلَيْهِ الصَّحَابَة فِي غير مَوضِع يبرز عَلَيْهِم بِنَقْل سنَن عَن النَّبِي ﷺ يحفظها ويستحضرها عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا لَيست عِنْدهم وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد واظب صُحْبَة رَسُول الله ﷺ من أول الْبعْثَة إِلَى الْوَفَاة وَهُوَ مَعَ ذَلِك من أزكى عباد الله وأفضلهم وَإِنَّمَا لم يروعنه من الْأَحَادِيث إِلَّا الْقَلِيل لقصر مدَّته وَسُرْعَة وَفَاته بعد النَّبِي ﷺ وَإِلَّا فَلَو طَالَتْ مدَّته لكثر ذَلِك عَنهُ جدا وَلم يتْرك الناقلون عَنهُ حَدِيثا إِلَّا نقلوه وَلَكِن كَانَ الَّذِي فِي زَمَانه من الصَّحَابَة لَا يحْتَاج أحد مِنْهُم أَن ينْقل عَنهُ مَا قد شَاركهُ هُوَ فِي رِوَايَته فَكَانُوا ينقلون عَنهُ مَا لَيْسَ عِنْدهم
стр. 45
وَأخرج أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ كَانَ أَبُو بكر إِذا ورد عَلَيْهِ الْخصم نظر فِي كتاب الله فَإِن وجد فِيهِ مَا يقْضِي بَينهم قضى بِهِ وَإِن لم يكن فِي الْكتاب وَعلم من رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك الْأَمر سنة قضى بهَا فَإِن أعياه خرج فَسَأَلَ الْمُسلمين وَقَالَ أَتَانِي كَذَا وَكَذَا فَهَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي ذَلِك بِقَضَاء فَرُبمَا اجْتمع إِلَيْهِ النَّفر كلهم يذكر عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ قَضَاء فَيَقُول ابو بكر الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا من يحفظ عَن نَبينَا فَإِن أعياه أَن يجد فِيهِ سنة من رَسُول الله ﷺ جمع رُؤُوس النَّاس وخيارهم واستشارهم فَإِن أجمع أَمرهم على رَأْي قضى بِهِ وَكَانَ عمر يفعل ذَلِك فَإِن أعياه أَن يجد فِي الْقُرْآن أَو السّنة نظر هَل كَانَ لأبي بكر فِيهِ قَضَاء فَإِن وجد أَبَا بكر قد قضى فِيهِ بِقَضَاء قضى بِهِ وَإِلَّا دَعَا رُؤُوس الْمُسلمين فَإِذا اجْتَمعُوا على أَمر قضى بِهِ
وَمن الْآيَات الدَّالَّة على خِلَافَته أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جُوَيْبِر أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم هم بَنو حنيفَة وَمن ثمَّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم وَابْن قُتَيْبَة وَغَيرهمَا هَذِه الْآيَة حجَّة على خلَافَة الصّديق لِأَنَّهُ الَّذِي دَعَا إِلَى قِتَالهمْ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ إِمَام أهل السّنة سَمِعت
стр. 46
الإِمَام أَبَا الْعَبَّاس بن سُرَيج يَقُول خلَافَة الصّديق فِي الْقُرْآن فِي هَذِه الْآيَة قَالَ لِأَن أهل الْعلم أَجمعُوا على أَنه لم يكن بعد نُزُولهَا قتال دعوا إِلَيْهِ إِلَّا دُعَاء أبي بكر لَهُم وَلِلنَّاسِ إِلَى قتال أهل الرِّدَّة وَمن منع الزَّكَاة قَالَ فَدلَّ ذَلِك على وجوب خلَافَة أبي بكر وافتراض طَاعَته إِذْ أخبر الله أَن الْمُتَوَلِي عَن ذَلِك يعذب عذَابا أَلِيمًا قَالَ ابْن كثير وَمن فسر الْقَوْم بِأَنَّهُم فَارس وَالروم فالصديق هُوَ الَّذِي جهز الجيوش إِلَيْهِم وَتَمام أَمرهم كَانَ على يَد عمر وَعُثْمَان وهما فرعا الصّديق
فَإِن قلت يُمكن أَن يُرَاد بالداعي فِي الْآيَة النَّبِي ﷺ أَو عَليّ ﵁
قلت لَا يُمكن ذَلِك مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لن تتبعونا﴾ وَمن ثمَّ لم يدعوا إِلَى محاربة فِي حَيَاته ﷺ إِجْمَاعًا كَمَا مر وَأما عَليّ فَلم يتَّفق لَهُ فِي خِلَافَته قتال لطلب الْإِسْلَام أصلا بل لطلب الْإِمَامَة ورعاية حُقُوقهَا وَأما من بعده فهم عندنَا ظلمَة وَعِنْدهم كفار فَتعين أَن ذَلِك الدَّاعِي الَّذِي يجب باتباعه الْأجر الْحسن وبعصيانه الْعَذَاب الْأَلِيم أحد الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَحِينَئِذٍ فَيلْزم عَلَيْهِ حقية خلَافَة أبي بكر على كل تَقْدِير لِأَن حقية خلَافَة الآخرين فرع عَن حقية خِلَافَته إِذْ هما فرعاها الناشئان عَنْهَا والمترتبان عَلَيْهَا
وَمن تِلْكَ الْآيَات أَيْضا قَوْله تَعَالَى وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم
стр. 47
دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا)
قَالَ ابْن كثير هَذِه الْآيَة منطبقة على خلَافَة الصّديق
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد الْمهرِي قَالَ إِن ولَايَة أبي بكر وَعمر فِي كتاب الله يَقُول الله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض﴾ الْآيَة ٣
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ هم الصادقون﴾
وَجه الدّلَالَة أَن الله تَعَالَى سماهم صَادِقين وَمن شهد لَهُ الله بِالصّدقِ لَا يكذب فَلَزِمَ أَن مَا أطبقوا عَلَيْهِ من قَوْلهم لأبي بكر يَا خَليفَة رَسُول الله صَادِقُونَ فِيهِ فَحِينَئِذٍ كَانَت الْآيَة ناصة على خِلَافَته أخرجه الْخَطِيب عَن أبي بكر بن عَيَّاش وَهُوَ استنباط حسن كَمَا قَالَه ابْن كثير
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾
قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ هَذِه الْآيَة تدل على إِمَامَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
стр. 48
لِأَنَّهُ ذكر أَن تَقْدِير الْآيَة اهدنا صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم وَالله تَعَالَى قد بَين فِي الْآيَة الْأُخْرَى أَن الَّذين أنعم عَلَيْهِم من هم بقوله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ وَلَا شكّ أَن رَأس الصديقين وَرَئِيسهمْ أَبُو بكر ﵁ فَكَانَ معنى الْآيَة أَن الله تَعَالَى أَمر أَن نطلب الْهِدَايَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَبُو بكر وَسَائِر الصديقين وَلَو كَانَ أَبُو بكر ﵁ ظَالِما لما جَازَ الِاقْتِدَاء بِهِ فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة هَذِه الْآيَة على إِمَامَة أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ
стр. 49
وَأما النُّصُوص الْوَارِدَة عَنهُ ﷺ المصرحة بخلافته والمشيرة إِلَيْهَا فكثيرة جدا الأول أخرج الشَّيْخَانِ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ أَتَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَأمرهَا أَن ترجع إِلَيْهِ فَقَالَت أَرَأَيْت إِن جِئْت وَلم أجدك كَأَنَّهَا تَقول الْمَوْت قَالَ (إِن لم تجديني فأت أَبَا بكر)
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ تسأله شَيْئا فَقَالَ لَهَا (تعودين) فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن عدت فَلم أجدك تعرض بِالْمَوْتِ فَقَالَ (إِن جِئْت فَلم تجديني فأت أَبَا بكر فَإِنَّهُ الْخَلِيفَة من بعدِي)
الثَّانِي أخرج أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ بِسَنَد حسن عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يكون خَلْفي اثْنَا عشر خَليفَة أَبُو بكر لَا يلبث إِلَّا قَلِيلا) قَالَ الْأَئِمَّة صدر هَذَا الحَدِيث مجمع على صِحَّته وَأورد من طرق عدَّة أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا فَمن تِلْكَ الطّرق لَا يزَال هَذَا الْأَمر عَزِيزًا ينْصرُونَ على من ناو أهم عَلَيْهِ إِلَى اثْنَي عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش) رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد بِسَنَد صَحِيح
стр. 50
وَمِنْهَا لَا يزَال هَذَا الْأَمر صَالحا
وَمِنْهَا لَا يزَال هَذَا الْأَمر مَاضِيا رَوَاهُمَا أَحْمد
وَمِنْهَا لَا يزَال أَمر النَّاس مَاضِيا مَا وليهم اثْنَا عشر رجلا
وَمِنْهَا إِن هَذَا الْأَمر لَا يَنْقَضِي حَتَّى يمْضِي فيهم اثْنَا عشر خَليفَة
وَمِنْهَا لَا يزَال الْإِسْلَام عَزِيزًا منيعا إِلَى اثْنَي عشر خَليفَة رَوَاهَا مُسلم
وَمِنْهَا للبزار لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما حَتَّى يمْضِي اثْنَا عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش زَاد أَبُو دَاوُد فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى منزله أَتَتْهُ قُرَيْش فَقَالُوا ثمَّ يكون مَاذَا قَالَ ثمَّ يكون الْهَرج
وَمِنْهَا لأبي دَاوُد لَا يزَال هَذَا الدّين قَائِما حَتَّى يكون عَلَيْكُم اثْنَا عشر خَليفَة كلهم تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْأمة
وَعَن ابْن مَسْعُود بِسَنَد حسن أَنه سُئِلَ كم يملك هَذِه الْأمة من خَليفَة فَقَالَ سَأَلنَا عَنْهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (اثْنَا عشر كعدة نقباء بني إِسْرَائِيل)
стр. 51
قَالَ القَاضِي عِيَاض لَعَلَّ المُرَاد بالاثني عشر فِي هَذِه الْأَحَادِيث وَمَا شابهها أَنهم يكونُونَ فِي مُدَّة عزة الْخلَافَة وَقُوَّة الْإِسْلَام واستقامة أُمُوره وَالْإِجْمَاع على من يقوم بالخلافة وَقد وجد هَذَا فِيمَن اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس إِلَى أَن اضْطربَ أَمر بني أُميَّة وَوَقعت بَينهم الْفِتْنَة زمن الْوَلِيد بن يزِيد فاتصلت تِلْكَ الْفِتَن بَينهم إِلَى أَن قَامَت الدولة العباسية فاستأصلوا أَمرهم
قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي فتح الْبَارِي كَلَام القَاضِي هَذَا أحسن مَا قيل فِي هَذَا الحَدِيث وأرجحه لتأييده بقوله فِي بعض طرقه الصَّحِيحَة كلهم يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس وَالْمرَاد باجتماعهم انقيادهم لبيعته وَالَّذِي اجْتَمعُوا عَلَيْهِ الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة ثمَّ عَليّ إِلَى أَن وَقع أَمر الْحكمَيْنِ فِي صفّين فتسمى مُعَاوِيَة يَوْمئِذٍ بالخلافة ثمَّ اجْتَمعُوا عَلَيْهِ عِنْد صلح الْحسن ثمَّ على وَلَده يزِيد وَلم يَنْتَظِم للحسين أَمر بل قتل قبل ذَلِك ثمَّ لما مَاتَ يزِيد اخْتلفُوا إِلَى أَن اجْتَمعُوا على عبد الْملك بعد قتل ابْن الزبير ثمَّ على أَوْلَاده الْأَرْبَعَة الْوَلِيد فسليمان فيزيد فهشام وتخلل بَين سُلَيْمَان وَيزِيد عمر بن عبد الْعَزِيز فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة بعد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالثَّانِي عشر الْوَلِيد ابْن يزِيد بن عبد الْملك اجْتَمعُوا عَلَيْهِ لما مَاتَ عَمه هِشَام فولي نَحْو أَربع سِنِين ثمَّ قَامُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وانتشرت الْفِتَن وتغيرت الْأَحْوَال من يَوْمئِذٍ وَلم يتَّفق أَن يجْتَمع النَّاس على خَليفَة بعد ذَلِك لوُقُوع الْفِتَن بَين من بَقِي من بني أُميَّة ولخروج الْمغرب الْأَقْصَى عَن العباسيين بتغلب المروانيين على الأندلس إِلَى أَن تسموا بالخلافة وانفرط الْأَمر إِلَى أَن لم يبْق فِي الْخلَافَة إِلَّا الِاسْم بعد أَن كَانَ يخْطب لعبد الْملك فِي جَمِيع أقطار الأَرْض شرقا وغربا يَمِينا وَشمَالًا مِمَّا غلب عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَلَا
стр. 52
يتَوَلَّى أحد فِي بلد إِمَارَة فِي شَيْء إِلَّا بِأَمْر الْخَلِيفَة
وَقيل المُرَاد وجود اثْنَي عشر خَليفَة فِي جَمِيع مُدَّة الْإِسْلَام إِلَى الْقِيَامَة يعْملُونَ بِالْحَقِّ وَإِن لم يتوالوا وَيُؤَيِّدهُ قَول أبي الْجلد كلهم يعْمل بِالْهدى وَدين الْحق مِنْهُم رجلَانِ من أهل بَيت مُحَمَّد ﷺ فَعَلَيهِ المُرَاد بالهرج الْفِتَن الْكِبَار كالدجال وَمَا بعده وبالاثني عشر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَالْحسن وَمُعَاوِيَة وَابْن الزبير وَعمر بن عبد الْعَزِيز قيل وَيحْتَمل أَن يضم إِلَيْهِم الْمهْدي العباسي لِأَنَّهُ فِي العباسيين كعمر بن عبد الْعَزِيز فِي الأمويين والطاهر العباسي أَيْضا لما أوتيه من الْعدْل وَيبقى الِاثْنَان المنتظران أَحدهمَا الْمهْدي لِأَنَّهُ من آل بَيت مُحَمَّد ﷺ وَحمل بعض الْمُحدثين الحَدِيث السَّابِق على مَا يَأْتِي بعد الْمهْدي لرِوَايَة ثمَّ يَلِي الْأَمر بعده اثْنَا عشر رجلا سِتَّة من ولد الْحسن وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن وَآخر من غَيرهم لَكِن سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة من فَضَائِل أهل الْبَيْت أَن هَذِه الرِّوَايَة واهية جدا فَلَا يعول عَلَيْهَا
الثَّالِث أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر) وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَالْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود
стр. 53
وروى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن حُذَيْفَة إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قدر بقائي فِيكُم فاقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وتمسكوا بِهَدي عمار وَمَا حَدثكُمْ ابْن مَسْعُود فصدقوا
وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَالرُّويَانِيّ عَن حُذَيْفَة وَابْن عدي عَن أنس اقتدوا باللذين من بعدِي من أَصْحَابِي أبي بكر وَعمر واهتدوا بِهَدي عمار وتمسكوا بِعَهْد ابْن مَسْعُود
الرَّابِع أخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ خطب رَسُول الله ﷺ النَّاس وَقَالَ (إِن الله ﵎ خير عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ ذَلِك العَبْد مَا عِنْد الله) فَبكى أَبُو بكر وَقَالَ بل نفديك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا فعجبنا لبكائه أَن يخبر رَسُول الله ﷺ عَن عبد خَيره الله فَكَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ الْمُخَير وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن من أَمن النَّاس عَليّ فِي صحبته وَمَاله أَبَا بكر وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا غير رَبِّي لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته لَا يبْقين بَاب إِلَّا سد إِلَّا بَاب أبي بكر
وَفِي لفظ لَهما لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد غير خوخة إِلَّا خوخة أبي بكر
وَفِي آخر لعبد الله بن أَحْمد أَبُو بكر صَاحِبي ومؤنسي فِي الْغَار سدوا كل خوخة فِي الْمَسْجِد غير خوخة أبي بكر
стр. 54
وَفِي آخر للْبُخَارِيّ لَيْسَ فِي النَّاس أحد أَمن عَليّ فِي نَفسِي وَمَالِي من أبي بكر بن أبي قُحَافَة وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن خلة الْإِسْلَام افضل سدوا عني كل خوخة فِي هَذَا الْمَسْجِد غير خوخة أبي بكر
وَفِي آخر لِابْنِ عدي سدوا هَذِه الْأَبْوَاب الشارعة فِي الْمَسْجِد إِلَّا بَاب أبي بكر وطرقه كَثِيرَة مِنْهَا عَن حُذَيْفَة وَأنس وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
قَالَ الْعلمَاء فِي هَذِه الْأَحَادِيث إِشَارَة إِلَى خلَافَة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم وَجهه لِأَن الْخَلِيفَة يحْتَاج إِلَى الْقرب من الْمَسْجِد لشدَّة احْتِيَاج النَّاس إِلَى ملازمته لَهُ للصَّلَاة بهم وَغَيرهَا
الْخَامِس أخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أنس قَالَ بَعَثَنِي بَنو المصطلق إِلَى رَسُول الله ﷺ أَن سَله إِلَى من ندفع صَدَقَاتنَا بعْدك فَأَتَيْته فَسَأَلته فَقَالَ إِلَى أبي بكر وَمن لَازم دفع الصَّدَقَة إِلَيْهِ كَونه خَليفَة إِذْ هُوَ الْمُتَوَلِي قبض الصَّدقَات
السَّادِس أخرج مُسلم عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ لي رَسُول ﷺ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ (ادعِي لي أَبَاك وأخاك حَتَّى أكتب كتابا فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمن وَيَقُول قَائِل أَنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر)
وَأخرجه أَحْمد وَغَيره من طرق عَنْهَا وَفِي بَعْضهَا قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 55
فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ادعِي لي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف عَلَيْهِ أحد ثمَّ قَالَ دعيه معَاذ الله أَن يخْتَلف الْمُؤْمِنُونَ فِي أبي بكر
وَفِي رِوَايَة عَن عبد الله بن أَحْمد أَبى الله والمؤمنون أَن يخْتَلف عَلَيْك يَا أَبَا بكر
السَّابِع أخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ مرض النَّبِي ﷺ فَاشْتَدَّ مَرضه فَقَالَ (مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) قَالَت عَائِشَة يَا رَسُول الله إِنَّه رجل رَقِيق الْقلب إِذا قَامَ مقامك لم يسْتَطع أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَالَ (مري أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) فَعَادَت فَقَالَ (مري أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِب يُوسُف) فَأَتَاهُ الرَّسُول فصلى بِالنَّاسِ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ
وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا لما راجعته فَلم يرجع لَهَا قَالَت لحفصة قولي لَهُ يَأْمر عمر فَقَالَت لَهُ فَأبى حَتَّى غضب وَقَالَ (أنتن أَو إنكن أَو لأنتن صَوَاحِب يُوسُف مروا أَبَا بكر)
اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث متواتر فَإِنَّهُ ورد من حَدِيث عَائِشَة وَابْن مَسْعُود وَابْن
стр. 56
عَبَّاس وَابْن عمر وَعبد الله بن زَمعَة وَأبي سعيد وَعلي بن أبي طَالب وَحَفْصَة وَفِي بعض طرقه عَن عَائِشَة لقد راجعت رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك وَمَا حَملَنِي على كَثْرَة مُرَاجعَته إِلَّا أَنه لم يَقع فِي قلبِي أَن يحب النَّاس بعده رجلا قَامَ مقَامه أبدا وَلَا كنت أرى أَنه لن يقوم أحد مقَامه إِلَّا تشاءم النَّاس بِهِ فَأَرَدْت أَن يعدل ذَلِك رَسُول الله ﷺ عَن أبي بكر
وَفِي حَدِيث ابْن زَمعَة أَن رَسُول الله ﷺ أَمرهم بِالصَّلَاةِ وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا فَتقدم عمر فصلى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا لَا لَا يَأْبَى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر فَيصَلي بِالنَّاسِ أَبُو بكر
وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ لَهُ (أخرج وَقل لأبي بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ) فَخرج فَلم يجد على الْبَاب إِلَّا عمر فِي جمَاعَة لَيْسَ فيهم أَبُو بكر فَقَالَ يَا عمر صل بِالنَّاسِ فَلَمَّا كبر وَكَانَ صيتًا وَسمع ﷺ صَوته قَالَ (يَأْبَى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر يَأْبَى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر يَأْبَى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر) وَفِي حَدِيث ابْن عمر كبر عمر فَسمع رَسُول الله ﷺ تكبيره فَأطلع رَأسه مغضبا فَقَالَ (أَيْن ابْن أبي قُحَافَة)
قَالَ الْعلمَاء فِي هَذَا الحَدِيث أوضح دلَالَة على أَن الصّديق أفضل الصَّحَابَة على الْإِطْلَاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بِالْإِمَامَةِ
стр. 57
قَالَ الْأَشْعَرِيّ قد علم بِالضَّرُورَةِ أَن رَسُول الله ﷺ أَمر الصّديق أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ مَعَ حُضُور الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار مَعَ قَوْله (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله) فَدلَّ على أَنه كَانَ أقرأهم أَي أعلمهم بِالْقُرْآنِ انْتهى
وَقد اسْتدلَّ الصَّحَابَة أنفسهم بِهَذَا على أَنه أَحَق بالخلافة مِنْهُم عمر وَمر كَلَامه فِي فصل الْمُبَايعَة وَمِنْهُم عَليّ فقد أخرج ابْن عَسَاكِر عَنهُ لقد أَمر النَّبِي ﷺ أَبَا بكر أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَإِنِّي لشاهد وَمَا أَنا بغائب وَمَا بِي مرض فرضينا لدنيانا مَا رضيه النَّبِي ﷺ لديننا
قَالَ الْعلمَاء وَقد كَانَ مَعْرُوفا بأهلية الْإِمَامَة فِي زمَان النَّبِي ﷺ
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا عَن سهل بن سعد قَالَ كَانَ قتال بَين بني عَمْرو وَبني عَوْف فَبلغ النَّبِي ﷺ فَأَتَاهُم بعد الظّهْر ليصلح بَينهم فَقَالَ (يَا بِلَال إِن حضرت الصَّلَاة وَلم آتٍ فَمر أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) فَلَمَّا حضرت صَلَاة الْعَصْر أَقَامَ بِلَال الصَّلَاة ثمَّ أَمر أَبَا بكر فصلى
وَوجه مَا تقرر من أَن الْأَمر بتقديمه للصَّلَاة كَمَا ذكر فِيهِ الْإِشَارَة أَو التَّصْرِيح بأحقيته بالخلافة إِذْ الْقَصْد الذاتي من نصب الإِمَام الْعَالم إِقَامَة شَعَائِر
стр. 58
الدّين على الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ من أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات وإحياء السّنَن وإماتة الْبدع وَأما الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وتدبيرها كاستيفاء الْأَمْوَال من وجوهها وإيصالها لمستحقها وَدفع الظُّلم وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ مَقْصُودا بِالذَّاتِ بل ليتفرغ النَّاس لأمور دينهم إِذْ لَا يتم تفرغهم لَهُ إِلَّا إِذا انتظمت أُمُور معاشهم بِنَحْوِ الْأَمْن على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال ووصول كل ذِي حق إِلَى حَقه فَلذَلِك رَضِي النَّبِي ﷺ لأمر الدّين وَهُوَ الْإِمَامَة الْعُظْمَى أَبَا بكر بتقديمه للْإِمَامَة فِي الصَّلَاة كَمَا ذكرنَا وَمن ثمَّ أَجمعُوا على ذَلِك كَمَا مر
وَأخرج ابْن عدي عَن أبي بكر بن عَيَّاش قَالَ قَالَ لي الرشيد يَا أَبَا بكر كَيفَ اسْتخْلف النَّاس أَبَا بكر الصّديق ﵁ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سكت الله وَسكت رَسُوله وَسكت الْمُؤْمِنُونَ قَالَ وَالله مَا زدتني إِلَّا عماء قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مرض النَّبِي ﷺ ثَمَانِيَة أَيَّام فَدخل عَلَيْهِ بِلَال فَقَالَ يَا رَسُول الله من يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ (مر أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) فصلى أَبُو بكر بِالنَّاسِ ثَمَانِيَة أَيَّام وَالْوَحي ينزل عَلَيْهِ فَسكت رَسُول الله ﷺ لسكوت الله وَسكت الْمُؤْمِنُونَ لسكوت رَسُول الله ﷺ فأعجبه فَقَالَ بَارك الله فِيك
الثَّامِن أخرج ابْن حبَان عَن سفينة لما بنى رَسُول الله ﷺ الْمَسْجِد وضع فِي الْبناء حجرا وَقَالَ لأبي بكر (ضع حجرك إِلَى جنب حجري) ثمَّ قَالَ لعمر (ضع حجرك إِلَى جنب حجر أبي بكر) ثمَّ قَالَ لعُثْمَان (ضع حجرك إِلَى
стр. 59
جنب حجر عمر) ثمَّ قَالَ (هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء بعدِي) قَالَ أَبُو زرْعَة إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَغَيرهمَا وَقَوله لعُثْمَان مَا ذكر يرد على من زعم أَن هَذَا إِشَارَة إِلَى قُبُورهم على أَن قَوْله آخر الحَدِيث هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء بعدِي صَرِيح فِيمَا أَفَادَهُ التَّرْتِيب الأول أَن المُرَاد بِهِ تَرْتِيب الْخلَافَة
التَّاسِع أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (رَأَيْت كَأَنِّي أنزع بِدَلْو بكرَة بِسُكُون الْكَاف على قليب أَي بِئْر لم تطو فجَاء ابو بكر فَنزع ذنوبا أَي بِفَتْح الْمُعْجَمَة دلوا ممتلئة مَاء أَو قريبَة من ملئه أَو ذنوبين نزعا ضَعِيفا وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ جَاءَ عمر فاستقى فاستحالت غربا أَي دلوا عَظِيما فَلم أر عبقريا أَي رجلا قَوِيا شَدِيدا من النَّاس يفري فريه أَي يعْمل عمله حَتَّى رُوِيَ النَّاس وضربوا بِعَطَن) والعطن مَا تناخ فِيهِ الْإِبِل إِذا رويت
وَفِي رِوَايَة لَهما بَينا أَنا نَائِم رَأَيْتنِي على قليب عَلَيْهَا دلو فنزعت مِنْهَا مَا شَاءَ الله ثمَّ أَخذهَا ابْن أبي قُحَافَة فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين وَفِي نَزعه ضعف وَالله يغْفر لَهُ ضعفه ثمَّ استحالت غربا فَأَخذهَا ابْن الْخطاب فَلم أر عبقريا من النَّاس ينْزع نزع عمر حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن
وَفِي أُخْرَى لَهما بَينا أَنا على بِئْر أنزع مِنْهَا إِذْ جَاءَنِي أَبُو بكر وَعمر فَأخذ أَبُو بكر الدَّلْو فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين وَفِي نَزعه ضعف يغْفر الله لَهُ ضعفه ثمَّ أَخذ
стр. 60
ابْن الْخطاب من يَد أبي بكر فاستحالت فِي يَده غربا فَلم أر عبقريا من النَّاس يفري فريه حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن وَفِي رِوَايَة فَلم يزل ينْزع حَتَّى تولى النَّاس والحوض يتفجر وَفِي رِوَايَة فَأَتَانِي أَبُو بكر فَأخذ الدَّلْو من يَدي ليريحني وَفِي رِوَايَة رَأَيْت النَّاس اجْتَمعُوا فَقَامَ أَبُو بكر فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين وَفِي نَزعه ضعف إِلَى آخِره
قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه قَالَ الْعلمَاء هَذَا إِشَارَة إِلَى خلَافَة أبي بكر وَعمر ﵄ وَكَثْرَة الْفتُوح وَظُهُور الْإِسْلَام فِي زمن عمر
وَقَالَ فِي غَيره هَذَا الْمَنَام مِثَال لما جرى للخليفتين من ظُهُور آثارهما الصَّالِحَة وانتفاع النَّاس بهما وكل ذَلِك مَأْخُوذ من النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ صَاحب الْأَمر فَقَامَ بِهِ أكمل مقَام وَقرر قَوَاعِد الدّين ثمَّ خَلفه أَبُو بكر فقاتل أهل الرِّدَّة وَقطع دابرهم ثمَّ خَلفه عمر فاتسع الْإِسْلَام فِي زَمَنه فَشبه أَمر الْمُسلمين بقليب فِيهِ المَاء الَّذِي فِيهِ حياتهم وصلاحهم وأميرهم بالمستسقي مِنْهَا لَهُم وَفِي قَوْله (أَخذ أَي أَبُو بكر الدَّلْو من يَدي ليريحني) إِشَارَة إِلَى خلَافَة أبي بكر بعد مَوته ﷺ لِأَن الْمَوْت رَاحَة من كد الدُّنْيَا وتعبها فَقَامَ أَبُو بكر بتدبير أَمر الْأمة ومعاناة أَحْوَالهم وَأما قَوْله (وَفِي نَزعه ضعف) فَهُوَ إِخْبَار عَن حَاله فِي قصر مُدَّة ولَايَته وَأما ولَايَة عمر فَإِنَّهَا لما طَالَتْ كثر انْتِفَاع النَّاس بهَا واتسعت دَائِرَة الْإِسْلَام بِكَثْرَة الْفتُوح وتمصير الْأَمْصَار وَتَدْوِين الدَّوَاوِين وَلَيْسَ فِي قَوْله ﷺ (وَيغْفر الله لَهُ)
стр. 61
نقص وَلَا إِشَارَة إِلَى أَنه وَقع فِي ذَنْب وَإِنَّمَا هِيَ كلمة كَانُوا يَقُولُونَهَا عِنْد الاعتناء بِالْأَمر
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله رَأَيْت كَأَن دلوا دُلي من السَّمَاء فجَاء أَبُو بكر فَأخذ بهَا فَشرب شربا ضَعِيفا ثمَّ جَاءَ عمر فَأخذ بهَا وَشرب حَتَّى تضلع ثمَّ جَاءَ عُثْمَان فَأخذ بهَا فَشرب حَتَّى تضلع ثمَّ جَاءَ عَليّ فانتشطت أَي اجتذبت وَرفعت وانتضح عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء
الْعَاشِر أخرج أَبُو بكر الشَّافِعِي فِي الغيلانيات وَابْن عَسَاكِر عَن حَفْصَة أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ إِذا أَنْت ترمت قدمت أَبَا بكر قَالَ (لست أَنا أقدمه وَلَكِن الله قدمه)
الْحَادِي عشر أخرج أَحْمد عَن سفينة وَأخرجه أَيْضا أَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ ابْن حبَان وَغَيره قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (الْخلَافَة ثَلَاثُونَ عَاما ثمَّ يكون بعد ذَلِك الْملك)
وَفِي رِوَايَة الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا عَضُوضًا أَي يُصِيب
стр. 62
الرّعية فِيهِ عنف وظلم كَأَنَّهُمْ يعضون فِيهِ عضا
قَالَ الْعلمَاء لم يكن فِي الثَّلَاثِينَ بعده ﷺ إِلَّا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَأَيَّام الْحسن وَوجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه حكم بحقية الْخلَافَة عَنهُ فِي أَمر الدّين هَذِه الْمدَّة دون مَا بعْدهَا وَحِينَئِذٍ فَيكون هَذَا دَلِيلا وَاضحا فِي حقية خلَافَة كل من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة
وَقيل لسَعِيد بن جمْهَان إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم فَقَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء بل هم مُلُوك من شَرّ الْمُلُوك
فَإِن قلت يُنَافِي هَذَا خبر الاثْنَي عشر خَليفَة السَّابِق
قلت لَا يُنَافِيهِ لِأَن أل هُنَا للكمال فَيكون المُرَاد هُنَا الْخلَافَة الْكَامِلَة ثَلَاثُونَ سنة وَهِي منحصرة فِي الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَالْحسن لِأَن مدَّته هِيَ المكملة للثلاثين وَالْمرَاد ثمَّ مُطلق الْخلَافَة الَّتِي فِيهَا كَمَال وَغَيره لما مر أَن من جُمْلَتهمْ نَحْو يزِيد بن مُعَاوِيَة وعَلى القَوْل الثَّانِي السَّابِق ثمَّ فَلَيْسَ الْخُلَفَاء المذكورون على هَذَا القَوْل حاوين من الْكَمَال مَا حواه الْخَمْسَة
الثَّانِي عشر أخرج الدَّارَقُطْنِيّ والخطيب وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ (سَأَلت الله أَن يقدمك ثَلَاثًا فَأبى عَليّ إِلَّا تَقْدِيم أبي بكر)
стр. 63
الثَّالِث عشر أخرج ابْن سعد عَن الْحسن قَالَ قَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله مَا أَزَال أَرَانِي أَطَأ فِي عذرات النَّاس قَالَ (لتكونن من النَّاس بسبيل) قَالَ وَرَأَيْت فِي صَدْرِي كالرقمتين قَالَ (سنتَيْن)
الرَّابِع عشر أخرج الْبَزَّار بِسَنَد حسن عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن أول دينكُمْ بَدْء بنبوة وَرَحْمَة ثمَّ يكون خلَافَة وَرَحْمَة ثمَّ يكون ملكا وَجَبْرِيَّة) وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه اثْبتْ لخلافة أبي بكر أَنَّهَا خلَافَة وَرَحْمَة إِذْ هِيَ الَّتِي وليت مُدَّة النُّبُوَّة وَالرَّحْمَة وَحِينَئِذٍ فَيلْزم حقيتها وَيلْزم من حقيتها حقية خلَافَة بَقِيَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ﵃
واخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة قَالَ أتيت عمر وَبَين يَدَيْهِ قوم يَأْكُلُون فَرمى ببصره فِي مُؤخر الْقَوْم إِلَى رجل فَقَالَ مَا تَجِد فِيمَا يقْرَأ قبلك من الْكتب قَالَ خَليفَة النَّبِي ﷺ صديقه
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن الزبير قَالَ أَرْسلنِي عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْحسن الْبَصْرِيّ أسأله عَن أَشْيَاء فَجِئْته فَقلت لَهُ أشفني فِيمَا اخْتلف فِيهِ النَّاس هَل كَانَ رَسُول الله ﷺ اسْتخْلف أَبَا بكر فَاسْتَوَى الْحسن قَاعِدا فَقَالَ أَو فِي شكّ هُوَ لَا أَبَا لَك أَي وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لقد اسْتَخْلَفَهُ وَلَهو كَانَ أعلم بِاللَّه وَأتقى لَهُ وَأشْهد لَهُ مَخَافَة من أَن يَمُوت عَلَيْهَا لَو لم يؤمره
стр. 64
الْخَامِس عشر أخرج الْبَزَّار عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ لما اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه قَالَ (ائْتُونِي بداوة وكتف أَو قرطاس أكتب لأبي بكر كتابا أَن لَا يخْتَلف النَّاس عَلَيْهِ) ثمَّ قَالَ (معَاذ الله أَن يخْتَلف النَّاس على أبي بكر)
فَهَذَا نَص صَرِيح كَمَا قَالَه بعض الْمُحَقِّقين على خلَافَة ابي بكر وَأَنه ﷺ إِنَّمَا ترك معولا كِتَابه على أَنه لَا يَقع إِلَّا كَذَلِك وَبِهَذَا يبطل قَول من ظن أَنه إِنَّمَا أَرَادَ أَن يكْتب كتابا بِزِيَادَة أَحْكَام خشِي عمر عجز النَّاس عَنْهَا بل الصَّوَاب أَنه إِنَّمَا أَرَادَ أَن يكْتب فِي ذَلِك الْكتاب النَّص على خلَافَة أبي بكر لَكِن لما تنازعوا وَاشْتَدَّ مَرضه ﷺ عدل عَن ذَلِك معولا على مَا هُوَ الأَصْل فِي ذَلِك من استخلافه على الصَّلَاة
وَفِي مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ أَنه ﷺ قَالَ (ادعِي لي أَبَاك وأخاك أكتب كتابا فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمن وَيَقُول قَائِل أَنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر)
стр. 65
الْفَصْل الرَّابِع فِي بَيَان أَن النَّبِي ﷺ هَل نَص على خلَافَة أبي بكر ﵁
اعْلَم أَنهم اخْتلفُوا فِي ذَلِك وَمن تَأمل الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها علم من أَكْثَرهَا أَنه نَص عَلَيْهَا نصا ظَاهرا وعَلى ذَلِك جمَاعَة من الْمُحَقِّقين وَهُوَ الْحق وَقَالَ جُمْهُور أهل السّنة والمعتزلة والخوارج لم ينص على أحد
ويؤيدهم مَا أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالُوا يَا رَسُول الله أَلا تسْتَخْلف علينا قَالَ (إِنِّي إِن اسْتخْلف عَلَيْكُم فتعصون خليفتي ينزل عَلَيْكُم الْعَذَاب) وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك لَكِن فِي // سَنَده ضعف //
وَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ حِين طعن إِن أستخلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترككم فقد ترككم من هُوَ خير مني رَسُول الله ﷺ
وَمَا أخرجه أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ // بِسَنَد حسن // عَن عَليّ ﵁ أَنه لما ظهر عَليّ يَوْم الْجمل قَالَ أَيهَا النَّاس إِن رَسُول الله ﷺ لم يعْهَد إِلَيْنَا فِي هَذِه الْإِمَارَة
стр. 66
شَيْئا حَتَّى رَأينَا من الرَّأْي أَن نستخلف أَبَا بكر فَأَقَامَ واستقام حَتَّى مضى لسبيله ثمَّ إِن أَبَا بكر رأى من الرَّأْي أَن يسْتَخْلف عمر فَأَقَامَ واستقام حَتَّى ضرب الدّين بجرانه ثمَّ إِن أَقْوَامًا طلبُوا الدُّنْيَا فَكَانَت أُمُور يقْضِي الله فِيهَا
والجران بِكَسْر الْجِيم بَاطِن عنق الْبَعِير يُقَال ضرب بجرانه الشَّيْء أَي اسْتَقر وَثَبت
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ أَنه قيل لعَلي أَلا تسْتَخْلف علينا فَقَالَ مَا اسْتخْلف رَسُول الله ﷺ فأستخلف وَلَكِن إِن يرد الله بِالنَّاسِ خيرا فسيجمعهم بعدِي على خَيرهمْ كَمَا جمعهم بعد نَبِيّهم على خَيرهمْ
وَمَا أخرجه ابْن سعد عَن عَليّ أَيْضا قَالَ قَالَ عَليّ لما قبض النَّبِي ﷺ نَظرنَا فِي أمرنَا فَوَجَدنَا النَّبِي ﷺ قد قدم أَبَا بكر فِي الصَّلَاة فرضينا لدنيانا مَا رضيه النَّبِي ﷺ لديننا فقدمنا أَبَا بكر وَقَول البُخَارِيّ فِي تَارِيخه رُوِيَ عَن ابْن جمْهَان عَن سفينة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان (هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء بعدِي) قَالَ البُخَارِيّ وَلم يُتَابع على هَذَا لِأَن عمر وعليا وَعُثْمَان قَالُوا لم يسْتَخْلف النَّبِي ﷺ انْتهى
стр. 67
وَمر أَن هَذَا الحَدِيث أَعنِي قَوْله هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء بعدِي صَحِيح وَلَا مُنَافَاة بَين القَوْل بالاستخلاف وَالْقَوْل بِعَدَمِهِ لِأَن مُرَاد من نَفَاهُ أَنه لم ينص عِنْد الْمَوْت على اسْتِخْلَاف أحد بِعَيْنِه وَمُرَاد من أثْبته أَنه ﷺ نَص عَلَيْهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ قبل ذَلِك وَلَا شكّ أَن النَّص على ذَلِك قبل قرب الْوَفَاة يتَطَرَّق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال وَإِن بعد بِخِلَافِهِ عِنْد الْمَوْت فَلذَلِك نفى الْجُمْهُور كعلي وَعمر وَعُثْمَان الِاسْتِخْلَاف وَيُؤَيّد ذَلِك قَول بعض الْمُحَقِّقين من متأخري الْأُصُولِيِّينَ معنى لم ينص عَلَيْهَا لأحد لم يَأْمر بهَا لأحد على أَنه قد يُؤْخَذ مِمَّا فِي البُخَارِيّ عَن عُثْمَان أَن خلَافَة أبي بكر مَنْصُوص عَلَيْهَا وَالَّذِي فِيهِ فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَنهُ من جملَة حَدِيث أَنه قَالَ وصحبت رَسُول الله ﷺ وبايعته وَوَاللَّه مَا عصيته وَلَا غششته حَتَّى توفاه الله ثمَّ اسْتخْلف الله أَبَا بكر فوَاللَّه مَا عصيته وَلَا غششته ثمَّ اسْتخْلف عمر فوَاللَّه مَا عصيته وَلَا غششته الحَدِيث
فَتَأمل قَوْله فِي أبي بكر ثمَّ اسْتخْلف الله أَبَا بكر وَفِي عمر ثمَّ اسْتخْلف عمر تعلم دلَالَته على مَا ذكرته من النَّص على خلَافَة أبي بكر وَإِذا أفهم كَلَامه هَذَا ذَلِك مَعَ مَا مر عَنهُ من أَنَّهَا غير مَنْصُوص عَلَيْهَا تعين الْجمع بَين كلاميه بِمَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَ اشْتِمَال كلاميه على ذَيْنك مؤيدا للْجمع الَّذِي قدمْنَاهُ وعَلى كل فَهُوَ ﷺ كَانَ يعلم لمن هِيَ بعده بإعلام الله لَهُ وَمَعَ ذَلِك فَلم يُؤمر بتبليغ الْأمة النَّص على وَاحِد بِعَيْنِه عِنْد الْمَوْت وَإِنَّمَا وَردت عَنهُ ظواهر تدل على أَنه علم بإعلام الله لَهُ أَنَّهَا لأبي بكر فَأخْبر بذلك كَمَا مر وَإِذا أعلمها فَأَما أَن يعلمهَا علما وَاقعا مُوَافقا للحق فِي نفس الْأَمر أَو أمرا وَاقعا مُخَالفا لَهُ وعَلى كل حَال لَو وَجب على الْأمة مبايعة غير أبي بكر لبالغ رَسُول الله ﷺ فِي تَبْلِيغ ذَلِك
стр. 68
الْوَاجِب إِلَيْهِم بِأَن ينص عَلَيْهِ نصا جليا ينْقل مشتهرا حَتَّى يبلغ الْأمة مَا لَزِمَهُم وَلما لم ينْقل كَذَلِك مَعَ توفر الدَّوَاعِي على نَقله دلّ على أَنه لَا نَص وتوهم أَن عدم تبليغه لعلمه بِأَنَّهُم لَا يأتمرون بأَمْره فَلَا فَائِدَة فِيهِ بَاطِل فَإِن ذَلِك غير مسْقط لوُجُوب التَّبْلِيغ عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه بلغ سَائِر التكاليف للآحاد مَعَ الَّذين علم مِنْهُم أَنهم لَا يأتمرون فَلم يسْقط الْعلم بِعَدَمِ ائتمارهم التَّبْلِيغ عَنهُ وَاحْتِمَال أَنه بلغ أَمر الْإِمَامَة سرا وَاحِدًا واثنين وَنقل كَذَلِك لَا يُفِيد لِأَن سَبِيل مثله الشُّهْرَة لصيرورته بِتَعَدُّد التَّبْلِيغ وَكَثْرَة المبلغين أمرا مَشْهُورا إِذْ هُوَ من أهم الْأُمُور لما يتَعَلَّق بِهِ من مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا كَمَا مر مَعَ مَا فِيهِ من دفع مَا قد يتَوَهَّم من إثارة فتْنَة
وَاحْتِمَال أَنه بلغه مشتهرا وَلم ينْقل أَو نقل وَلم يشْتَهر فِيمَا بعد عصره بَاطِل أَيْضا إِذْ لَو اشْتهر لَكَانَ سَبيله أَن ينْقل نقل الْفَرَائِض لتوفر الدَّوَاعِي على نقل مهمات الدّين فالشهرة هُنَا لَازِمَة لوُجُود النَّص فَحَيْثُ لَا شهرة لَا نَص بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدّم لَا لعَلي وَلَا لغيره فَلَزِمَ من ذَلِك بطلَان مَا نَقله الشِّيعَة وَغَيرهم من الأكاذيب وسودوا بِهِ أوراقهم من نَحْو خبر أَنْت الْخَلِيفَة من بعدِي وَخبر سلمُوا على عَليّ بإمرة الْمُؤمنِينَ وَغير ذَلِك مِمَّا يَأْتِي إِذْ لَا وجود لما نقلوه فضلا عَن اشتهاره كَيفَ وَمَا نقلوه لم يبلغ مبلغ الْآحَاد المطعون فِيهَا إِذْ لم يصل علمه لأئمة الحَدِيث المثابرين على التنقيب عَنهُ كَمَا اتَّصل
стр. 69
بهم كثير مِمَّا ضَعَّفُوهُ وَكَيف يجوز فِي الْعَادة أَن ينْفَرد هَؤُلَاءِ أَن بِعلم صِحَة تِلْكَ الْآحَاد مَعَ أَنهم لم يتصفوا قطّ بِرِوَايَة وَلَا بِصُحْبَة مُحدث ويجهل تِلْكَ الْآحَاد مهرَة الحَدِيث وسباقه الَّذين افنوا أعمارهم فِي الرحلات والأسفار الْبَعِيدَة وبذلوا جهدهمْ فِي طلبه وَفِي السَّعْي إِلَى كل من ظنُّوا عِنْده قَلِيلا مِنْهُ فَلذَلِك قَضَت الْعَادة المطردة القطيعة بكذبهم وَاخْتِلَافهمْ فِيمَا زعموه من نَص على عَليّ صَحَّ آحادا عِنْدهم دون غَيرهم مَعَ عدم اتصافهم بِرِوَايَة حَدِيث وَلَا صُحْبَة لمحدث كَمَا تقرر
نعم رُوِيَ آحادا خبر أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وَخبر من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ
وَسَيَأْتِي الْجَواب عَنْهُمَا وَاضحا مَبْسُوطا وَأَنه لَا دلَالَة لوَاحِد مِنْهُمَا على خلَافَة عَليّ لَا نصا وَلَا إِشَارَة وَإِلَّا لزم نِسْبَة جَمِيع الصَّحَابَة إِلَى الْخَطَأ وَهُوَ بَاطِل
стр. 70
لعصمتهم من أَن يجتمعوا على ضَلَالَة فإجماعهم على خلاف مَا زَعمه أُولَئِكَ المبتدعة الْجُهَّال قَاطع بِأَن مَا توهموه من هذَيْن الْحَدِيثين غير مُرَاد إِذْ لَو فرض احتمالهما لما قَالُوهُ فَكيف وهما لَا يحتملانه كَمَا يَأْتِي فَظهر أَن مَا سودوا بِهِ أوراقهم من تِلْكَ الْآحَاد لَا تدل لما زعموه
وَاحْتِمَال أَن ثمَّ نصا غير مَا زعموه يُعلمهُ عَليّ أَو أحد الْمُهَاجِرين أَو الْأَنْصَار بَاطِل أَيْضا وَإِلَّا لأورده الْعَالم بِهِ يَوْم السَّقِيفَة حِين تكلمُوا فِي الْخلَافَة أَو فِيمَا بعده لوُجُوب إِيرَاده حِينَئِذٍ
وَقَوله ترك عَليّ إِيرَاده مَعَ علمه بِهِ تقية بَاطِل إِذْ لَا خوف يتوهمه من لَهُ أدنى مسكة وإحاطة بِعلم أَحْوَالهم فِي مُجَرّد ذكره لَهُم ومنازعته فِي الْإِمَامَة بِهِ كَيفَ وَقد نَازع من هُوَ أَضْعَف مِنْهُ وَأَقل شَوْكَة ومنعة من غير أَن يُقيم دَلِيلا على مَا يَقُوله وَمَعَ ذَلِك فَلم يؤذ بِكَلِمَة فضلا عَن أَن يقتل فَبَان بطلَان هَذِه التقية المشؤومة عَلَيْهِم سِيمَا وَعلي قد علم بواقعة الْحباب وبعدم إيذائه بقول أَو فعل مَعَ أَن دَعْوَاهُ لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَمَعَ ضعفه وَضعف قومه بِالنِّسْبَةِ لعَلي وَقَومه
وَأَيْضًا فَيمْتَنع عَادَة من مثلهم أَنه يذكرهُ لَهُم وَلَا يرجعُونَ إِلَيْهِ كَيفَ وهم أطوع لله وأعمل بِالْوُقُوفِ عِنْد حُدُوده وابعد عَن اتِّبَاع حظوظ النَّفس لعصمتهم السَّابِقَة وللخبر الصَّحِيح خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ
стр. 71
وَأَيْضًا ففيهم الْعشْرَة المبشرون بِالْجنَّةِ وَمِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة أَمِين هَذِه الْأمة كَمَا صَحَّ من طرق فَلَا يتَوَهَّم فيهم وهم بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الجليلة أَنهم يتركون الْعَمَل بِمَا يرويهِ لَهُم من تقبل رِوَايَته بِلَا دَلِيل أرجح يعولون عَلَيْهِ معَاذ الله أَن يجوز ذَلِك عَلَيْهِم شرعا أَو عَادَة إِذْ هُوَ خِيَانَة فِي الدّين وَإِلَّا لارتفع الْأمان فِي كل مَا نقلوه عَنهُ من الْقُرْآن وَالْأَحْكَام وَلم يجْزم بِشَيْء من أُمُور الدّين مَعَ أَنه بِجَمِيعِ أُصُوله وفروعه إِنَّمَا أَخذ مِنْهُم على أَن فِي نِسْبَة عَليّ إِلَى الكتم غَايَة نقص لَهُ لما يلْزم عَلَيْهِ من نسبته وَهُوَ أَشْجَع النَّاس إِلَى الْجُبْن وَالظُّلم وَلِهَذَا التَّوَهُّم كفره بعض الْمُلْحِدِينَ كَمَا يَأْتِي فَعلم مِمَّا تقرر جَمِيعه أَنه لَا نَص على إِمَامَة عَليّ حَتَّى وَلَا بِالْإِشَارَةِ وَأما أَبُو بكر فقد علمت من النُّصُوص السَّابِقَة المصرحة بخلافته وعَلى فرض أَن لَا نَص عَلَيْهِ أَيْضا فَفِي إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَيْهَا غنى عَن النَّص إِذْ هُوَ أقوى مِنْهُ لِأَن مَدْلُوله قَطْعِيّ ومدلول خبر الْوَاحِد ظَنِّي
وَأما تخلف جمع كعلي وَالْعَبَّاس وَالزُّبَيْر والمقداد عَن الْبيعَة وَقت عقدهَا فَمر الْجَواب عَنهُ مُسْتَوفى وَحَاصِله مَعَ الزِّيَادَة أَن أَبَا بكر أرسل إِلَيْهِم بعد فجاؤوا فَقَالَ للصحابة هَذَا عَليّ وَلَا بيعَة لي فِي عُنُقه وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أمره أَلا فَأنْتم بِالْخِيَارِ جَمِيعًا فِي بيعتكم إيَّايَ فَإِن رَأَيْتُمْ لَهَا غَيْرِي فَأَنا أول من يبايعه فَقَالَ عَليّ لَا نرى لَهَا أحدا غَيْرك فَبَايعهُ هُوَ وَسَائِر المتخلفين
стр. 72
الْفَصْل الْخَامِس فِي ذكر شبه الشِّيعَة والرافضة وَنَحْوهمَا وَبَيَان بُطْلَانهَا بأوضح الْأَدِلَّة وأظهرها
الشُّبْهَة الأولى زَعَمُوا أَنه ﷺ لم يول أَبَا بكر عملا يُقيم فِيهِ قوانين الشَّرْع والسياسة فَدلَّ ذَلِك على أَنه لَا يحسنهما وَإِذا لم يحسنهما لم تصح إِمَامَته لِأَن من شُرُوط الإِمَام أَن يكون شجاعا
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك بطلَان مَا زعموه من أَنه ﷺ لم يوله عملا فَفِي البُخَارِيّ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ سبع غزوات وَخرجت فِيمَا يبْعَث من الْبعُوث تسع غزوات مرّة علينا أَبُو بكر وَمرَّة علينا أُسَامَة
وولاه ﷺ الْحَج بِالنَّاسِ سنة تسع
وَمَا زعموه من أَنه لَا يحسن ذَلِك بَاطِل أَيْضا كَيفَ وَعلي كرم الله وَجهه معترف بِأَنَّهُ أَشْجَع الصَّحَابَة فقد أخرج الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن عَليّ أَنه قَالَ أخبروني من أَشْجَع النَّاس قَالُوا أَنْت قَالَ أما إِنِّي مَا بارزت أحدا إِلَّا انتصفت
стр. 73
مِنْهُ وَلَكِن أخبروني بأشجع النَّاس قَالُوا لَا نعلم فَمن قَالَ أَبُو بكر إِنَّه لما كَانَ يَوْم بدر جعلنَا لرَسُول الله ﷺ عَرِيشًا فَقُلْنَا من يكون مَعَ رَسُول الله ﷺ لِئَلَّا يهوي إِلَيْهِ أحد من الْمُشْركين فوَاللَّه مَا دنا منا أحد إِلَّا أَبُو بكر شاهرا بِالسَّيْفِ على رَأس رَسُول الله ﷺ لَا يهوي إِلَيْهِ أحد إِلَّا أَهْوى إِلَيْهِ فَهَذَا أَشْجَع النَّاس قَالَ عَليّ وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وأخذته قُرَيْش فَهَذَا يجؤه وَهَذَا يتلتله وهم يَقُولُونَ أَنْت الَّذِي جعلت الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا قَالَ فوَاللَّه مَا دنا منا أحد إِلَّا أَبُو بكر يضْرب هَذَا ويجؤ هَذَا ويتلتل هَذَا وَهُوَ يَقُول وَيْلكُمْ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله ثمَّ رفع عَليّ بردة كَانَت عَلَيْهِ فَبكى حَتَّى اخضلت لحيته ثمَّ قَالَ أمؤمن آل فِرْعَوْن خير أم أَبُو بكر فَسكت الْقَوْم فَقَالَ أَلا تُجِيبُونِي فوَاللَّه لساعة من أبي بكر خير من مثل مُؤمن آل فِرْعَوْن ذَلِك رجل يكتم إيمَانه وَهَذَا رجل أعلن إيمَانه
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير سَأَلت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن أَشد مَا صنع الْمُشْركُونَ برَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت عقبَة بن أبي معيط جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوضع رِدَاءَهُ فِي عُنُقه فخنقه خنقا شَدِيدا فجَاء أَبُو بكر حَتَّى دَفعه عَنهُ وَقَالَ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ ﵁ قَالَ لما اسْلَمْ أَبُو بكر أظهر إِسْلَامه ودعا إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله
стр. 74
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ تباشرت الْمَلَائِكَة يَوْم بدر فَقَالُوا أما ترَوْنَ أَن أَبَا بكر الصّديق مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْعَريش
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم عَن عَليّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر وَلأبي بكر مَعَ أحد كَمَا جِبْرِيل وَمَعَ الآخر مِيكَائِيل
قَالَ بَعضهم وَمن الدَّلِيل على أَنه أَشْجَع من عَليّ أَن عليا أخبرهُ النَّبِي ﷺ بقتْله على يَد ابْن ملجم فَكَانَ إِذا لَقِي ابْن ملجم يَقُول لَهُ مَتى تخضب هَذِه من هَذِه وَكَانَ يَقُول إِنَّه قاتلي كَمَا يَأْتِي فِي أَوَاخِر تَرْجَمته فَحِينَئِذٍ كَانَ إِذا دخل الْحَرْب ولاقى الْخصم يعلم أَنه لَا قدرَة لَهُ على قَتله فَهُوَ مَعَه كَأَنَّهُ نَائِم على فرَاش وَأما أَبُو بكر فَلم يخبر بقاتله فَكَانَ إِذا دخل الْحَرْب لَا يدْرِي هَل يقتل أم لَا فَمن يدْخل الْحَرْب وَهُوَ لَا يدْرِي ذَلِك يقاسي من الْكر والفر والجزع والفزع مَا يقاسي بِخِلَاف من يدخلهَا كَأَنَّهُ نَائِم على فرَاشه
وَمن باهر شجاعته مَا وَقع لَهُ فِي قتال أهل الرِّدَّة فقد أخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عمر ﵁ لما قبض رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّ من ارْتَدَّ من الْعَرَب وَقَالُوا لَا نصلي وَلَا نزكي فَأتيت أَبَا بكر فَقلت يَا خَليفَة رَسُول الله تألف النَّاس
стр. 75
وارفق بهم فَإِنَّهُم بِمَنْزِلَة الْوَحْش فَقَالَ رَجَوْت نصرتك وجئتني بخذلانك جَبَّار فِي الْجَاهِلِيَّة خوار فِي الْإِسْلَام بِمَاذَا شِئْت أتألفهم بِشعر مفتعل أَو بِسحر مفترى هَيْهَات هَيْهَات مضى النَّبِي ﷺ وَانْقطع الْوَحْي وَالله لأجاهدنهم مَا استمسك السَّيْف فِي يَدي وَإِن مَنَعُونِي عقَالًا قَالَ عمر فَوَجَدته فِي ذَلِك أمضى مني وأحزم وأدب النَّاس على أُمُور هَانَتْ عَليّ كثيرا من مؤنتهم حِين وليتهم
فَعلم بِمَا تقرر عظم شجاعته وَلَقَد كَانَ عِنْده ﷺ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة من الْعلم بشجاعته وثباته فِي الْأَمر مَا أوجب لَهُم تَقْدِيمه للْإِمَامَة الْعُظْمَى إِذْ هَذَانِ الوصفان هما الأهمان فِي أَمر الْإِمَامَة لَا سِيمَا فِي ذَلِك الْوَقْت الْمُحْتَاج فِيهِ إِلَى قتال أهل الرِّدَّة وَغَيرهم
وَمن الدَّلِيل على اتصافه بهما أَيْضا قَوْله كَمَا فِي الصَّحِيح فِي صلح الْحُدَيْبِيَة لعروة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ حِين قَالَ للنَّبِي ﷺ كَأَنِّي بك وَقد فر عَنْك هَؤُلَاءِ امصص بظر اللات أَنَحْنُ نفر عَنهُ أَو ندعه استبعاد أَن يَقع ذَلِك
قَالَ الْعلمَاء وَهَذَا مُبَالغَة من أبي بكر ﵁ فِي سبّ عُرْوَة فَإِنَّهُ أَقَامَ معبود عُرْوَة وَهُوَ صنمه مقَام أمته وَحمله على ذَلِك مَا أغضبهُ بِهِ من نسبته إِلَى الْفِرَار والبظر بموحدة مَفْتُوحَة فمعجمة سَاكِنة قِطْعَة تبقى بفرج الْمَرْأَة بعد الْخِتَان وَاللات اسْم صنم وَالْعرب تطلق هَذَا اللَّفْظ فِي معرض الذَّم
فَانْظُر كَيفَ نطق لهَذَا الْكَافِر الشَّديد الْقُوَّة والمنعة حِينَئِذٍ بِهَذَا السب الَّذِي لَا سبّ فَوْقه عِنْد الْعَرَب وَلم يخْش شوكته مَعَ قوتها بِحَيْثُ صدوا النَّبِي ﷺ عَن
следующие страницы →