Полный текст (686 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَفِي الْمحبَّة قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ آل عمرَان وَقَالَ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى ٢٣
الْآيَة الرَّابِعَة قَوْله تَعَالَى ﴿وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون﴾ الصافات ٢٤
أخرج الديلمي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون عَن ولَايَة عَليّ)
وَكَأن هَذَا هُوَ مُرَاد الواحدي بقوله رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون﴾ أَي عَن ولَايَة عَليّ وَأهل الْبَيْت لِأَن الله أَمر نبيه ﷺ أَن يعرف الْخلق أَنه لَا يسألهم على تَبْلِيغ الرسَالَة أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَالْمعْنَى أَنهم يسْأَلُون هَل وَالوهم حق الْمُوَالَاة كَمَا أوصاهم النَّبِي ﷺ أم أضاعوها وأهملوها فَتكون عَلَيْهِم الْمُطَالبَة والتبعة
انْتهى
وَأَشَارَ بقوله كَمَا أوصاهم النَّبِي ﷺ إِلَى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك وَهِي كَثِيرَة وَسَيَأْتِي مِنْهَا جملَة فِي الْفَصْل الثَّانِي
وَمن ذَلِك حَدِيث مُسلم عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ
(أما بعد أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوشك أَن يأتني رَسُول رَبِّي فَأُجِيبَهُ وَإِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن أَولهمَا كتاب الله فِيهِ الْهدى والنور فَتمسكُوا بِكِتَاب الله وخذوا بِهِ وحث فِيهِ وَرغب فِيهِ ثمَّ قَالَ وَأهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي) ثَلَاث مَرَّات فَقيل لزيد من
стр. 422
أهل بَيته أَلَيْسَ نساؤه من أهل بَيته قَالَ بلَى إِن نِسَاءَهُ من أهل بَيته لَكِن أهل بَيته من حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة بعده قَالَ وَمن هم قَالَ هم عَليّ وَآل جَعْفَر وَآل عقيل وَآل عَبَّاس قَالَ كل هَؤُلَاءِ حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة قَالَ نعم
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب أَنه ﷺ قَالَ (إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا)
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده بِمَعْنَاهُ وَلَفظه (إِنِّي أوشك أَن أدعى فَأُجِيب وَإِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَإِن اللَّطِيف الْخَبِير أَخْبرنِي أَنَّهُمَا لن يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فانظروا بِمَ تخلفوني فيهمَا وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ
وَفِي رِوَايَة أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع وَفِي اخرى مثله يَعْنِي كتاب الله كسفينة نوح من ركب فِيهَا نجا وَمثلهمْ أَي أهل بَيته كَمثل بَاب حطة من
стр. 423
دخله غفرت لَهُ الذُّنُوب
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ لذَلِك فِي الْعِلَل المتناهية وهم أَو غَفلَة عَن استحضار بَقِيَّة طرقه بل فِي مُسلم عَن زيد بن أَرقم أَنه ﷺ قَالَ ذَلِك يَوْم غَدِير خم وَهُوَ مَاء بِالْجُحْفَةِ كَمَا مر وَزَاد (أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي) قُلْنَا لزيد من أهل بَيته نساؤه قَالَ لَا وأيم الله إِن الْمَرْأَة تكون من الرجل الْعَصْر من الدَّهْر ثمَّ يطلقهَا فترجع إِلَى أَبِيهَا وقومها أهل بَيته أَهله وعصبته الَّذين حرمُوا الصَّدَقَة بعده
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (إِنِّي تَارِك فِيكُم أَمريْن لن تضلوا إِن تبعتموهما وهما كتاب الله وَأهل بَيْتِي عِتْرَتِي)
زَاد الطَّبَرَانِيّ (إِنِّي سَأَلت ذَلِك لَهما فَلَا تقدموهما فَتَهْلكُوا وَلَا تقصرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلكُوا وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم)
وَفِي رِوَايَة كتاب الله وسنتي وَهِي المُرَاد من الْأَحَادِيث المقتصرة على الْكتاب لِأَن السّنة مبينَة لَهُ فأغنى ذكره عَن ذكرهَا
وَالْحَاصِل أَن الْحَث وَقع على التَّمَسُّك بِالْكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل الْبَيْت وَيُسْتَفَاد من مَجْمُوع ذَلِك بَقَاء الْأُمُور الثَّلَاثَة إِلَى قيام السَّاعَة
стр. 424
ثمَّ اعْلَم أَن لحَدِيث التَّمَسُّك بذلك طرقا كَثِيرَة وَردت عَن نَيف وَعشْرين صحابيا وَمر لَهُ طرق مبسوطة فِي حادي عشر الشّبَه وَفِي بعض تِلْكَ الطّرق انه قَالَ ذَلِك بِحجَّة الْوَدَاع بعرقة وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَه بِالْمَدِينَةِ فِي مَرضه وَقد امْتَلَأت الْحُجْرَة بِأَصْحَابِهِ وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَ ذَلِك بغدير خم وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَه لما قَامَ خَطِيبًا بعد انْصِرَافه من الطَّائِف كَمَا مر وَلَا تنَافِي إِذْ لَا مَانع من أَنه كرر عَلَيْهِم ذَلِك فِي تِلْكَ المواطن وَغَيرهَا اهمتاما بشأن الْكتاب الْعَزِيز والعترة الطاهرة
وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ (أخلفوني فِي أهل بَيْتِي)
وَفِي أُخْرَى عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَأبي الشَّيْخ (إِن لله ثَلَاث حرمات فَمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه وَمن لم يحفظهن لم يحفظ الله دُنْيَاهُ وَلَا آخرته) قلت مَا هن قَالَ (حُرْمَة الْإِسْلَام وحرمتي وَحُرْمَة رحمي)
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن الصّديق ﵁ من قَوْله يَا أَيهَا النَّاس ارقبوا
стр. 425
مُحَمَّدًا ﷺ فِي أهل بَيته
أَي احفظوه فيهم فَلَا تؤذوهم
وَأخرج ابْن سعد والملا فِي سيرته أَنه ﷺ قَالَ (اسْتَوْصُوا بِأَهْل بَيْتِي خيرا فَإِنِّي أخاصمكم عَنْهُم غَدا وَمن أكن خَصمه أخصمه وَمن أخصمه دخل النَّار)
وَأَنه قَالَ (من حفظني فِي أهل بَيْتِي فقد اتخذ عِنْد الله عهدا)
وَأخرج الأول (أَنا وَأهل بَيْتِي شَجَرَة فِي الْجنَّة وَأَغْصَانهَا فِي الدُّنْيَا فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا)
وَالثَّانِي حَدِيث (فِي كل خلف من أمتِي عدُول من أهل بَيْتِي ينفون عَن هَذَا الدّين تَحْرِيف الضَّالّين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين أَلا وَإِن أئمتكم وفدكم إِلَى الله فانظروا من توفدون)
وَأخرج أَحْمد خبر (الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا الْحِكْمَة أهل الْبَيْت)
وَفِي خبر حسن (أَلا إِن عيبتي وكرشي أهل بَيْتِي وَالْأَنْصَار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عَن مسيئهم)
تَنْبِيه سمى رَسُول الله ﷺ الْقُرْآن وعترته وَهِي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة الْأَهْل
стр. 426
والنسل والرهط الأدنون ثقلين لِأَن الثّقل كل نَفِيس خطير مصون وَهَذَانِ كَذَلِك إِذْ كل مِنْهُمَا مَعْدن الْعُلُوم الدينة والأسرار وَالْحكم الْعلية وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلذَا حث ﷺ على الِاقْتِدَاء والتمسك بهم والتعلم مِنْهُم وَقَالَ (الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا الْحِكْمَة أهل الْبَيْت)
وَقيل سميا ثقلين لثقل وجوب رِعَايَة حقوقهما ثمَّ الَّذين وَقع الْحَث عَلَيْهِم مِنْهُم إِنَّمَا هم العارفون بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ إِذْ هم الَّذين لَا يفارقون الْكتاب إِلَى الْحَوْض وَيُؤَيِّدهُ الْخَبَر السَّابِق (وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم)
وتميزوا بذلك لأَنهم عَن بَقِيَّة الْعلمَاء لِأَن الله أذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة وَقد مر بَعْضهَا وَسَيَأْتِي الْخَبَر الَّذِي فِي قُرَيْش (تعلمُوا مِنْهُم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم) فَإِذا ثَبت هَذَا الْعُمُوم لقريش فَأهل الْبَيْت مِنْهُم أولى مِنْهُم بذلك امتازوا عَنْهُم بخصوصيات لَا يشاركهم فِيهَا بَقِيَّة قُرَيْش
وَفِي أَحَادِيث الْحَث على التَّمَسُّك بِأَهْل الْبَيْت إِشَارَة إِلَى عدم انْقِطَاع متأهل مِنْهُم للتمسك بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا أَن الْكتاب الْعَزِيز كَذَلِك وَلِهَذَا كَانُوا أَمَانًا لأهل الأَرْض كَمَا يَأْتِي وَيشْهد لذَلِك الْخَبَر السَّابِق (فِي كل خلف من أمتِي عدُول من أهل بَيْتِي) إِلَى آخِره
ثمَّ أَحَق من يتَمَسَّك بِهِ مِنْهُم إمَامهمْ وعالمهم عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه لما قدمْنَاهُ من مزِيد علمه ودقائق مستنبطاته وَمن ثمَّ قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ
стр. 427
عَليّ عترة رَسُول الله ﷺ
أَي الَّذين حث على التَّمَسُّك بهم فخصه بِمَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ خصّه ﷺ بِمَا مر يَوْم غَدِير خم
وَالْمرَاد بالعيبة والكرش فِي الْخَبَر السَّابِق آنِفا أَنهم مَوضِع سره وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته إِذْ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فِيهِ مِمَّا بِهِ القوام وَالصَّلَاح لِأَن الأول لما يحرز فِيهِ نفائس الْأَمْتِعَة وَالثَّانِي مُسْتَقر الْغذَاء الَّذِي بِهِ النمو وقوام البنية وَقيل هما مثلان لاختصاصهم بالأمور الظَّاهِرَة والباطنة إِذْ مظروف الكرش بَاطِن والعيبة ظَاهر وعَلى كل فَهَذَا غَايَة فِي التعطف عَلَيْهِم وَالْوَصِيَّة بهم
وَمعنى (وتجاوزوا عَن مسيئهم) أَي فِي غير الْحُدُود وَحُقُوق الْآدَمِيّين
وَهَذَا أَيْضا محمل الْخَبَر الصَّحِيح (أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم) وَمن ثمَّ ورد فِي رِوَايَة (إِلَّا الْحُدُود) وفسرهم الشَّافِعِي بِأَنَّهُم الَّذين لَا يعْرفُونَ بِالشَّرِّ
وَيقرب مِنْهُ قَول غَيره هم أَصْحَاب الصَّغَائِر دون الْكَبَائِر وَقيل من إِذا أذْنب تَابَ
الْآيَة الْخَامِسَة قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ آل عمرَان ١٠٣
стр. 428
أخرج الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيرهَا عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ أَنه قَالَ نَحن حَبل الله الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَكَانَ جده زين العابدين إِذا تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ التَّوْبَة ١١٩ يَقُول دُعَاء طَويلا يشْتَمل على طلب اللحوق بِدَرَجَة الصَّادِقين والدرجات الْعلية وعَلى وصف المحن وَمَا انتحلته المبتدعة المفارقون لأئمة الدّين والشجرة النَّبَوِيَّة ثمَّ يَقُول وَذهب آخَرُونَ إِلَى التَّقْصِير فِي أمرنَا وَاحْتَجُّوا بمتشابه الْقُرْآن فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الْخَبَر ... إِلَى أَن قَالَ فَإلَى من يفزع خلف هَذِه الْأمة وَقد درست أَعْلَام هَذِه الْملَّة ودانت الْأمة بالفرقة وَالِاخْتِلَاف يكفر بَعضهم بَعْضًا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ آل عمرَان ١٠٥ فَمن الموثوق بِهِ على إبلاغ الْحجَّة وَتَأْويل الحكم إِلَى أهل الْكتاب وَأَبْنَاء أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الدجى الَّذين احْتج الله بهم على عباده وَلم يدع الْخلق سدى من غير حجَّة هَل تعرفونهم أَو تجدونهم إِلَّا من فروع الشَّجَرَة الْمُبَارَكَة وبقايا الصفوة الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا وبرأهم من الْآفَات وافترض مَوَدَّتهمْ فِي الْكتاب
الْآيَة السَّادِسَة قَوْله تَعَالَى ﴿أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ النِّسَاء ٥٤
أخرج أَبُو الْحسن المغازلي عَن الباقر ﵁ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة نَحن النَّاس وَالله
стр. 429
الْآيَة السا بعة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ الْأَنْفَال ٣٣
أَشَارَ ﷺ إِلَى وجود ذَلِك الْمَعْنى فِي أهل بَيته وَإِنَّهُم أَمَان لأهل الأَرْض كَمَا كَانَ هُوَ ﷺ أَمَانًا لَهُم وَفِي ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة يَأْتِي بَعْضهَا وَمِنْهَا (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي) أخرجه جمَاعَة كلهم بِسَنَد ضَعِيف وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة أَيْضا (أهل بَيْتِي أَمَان لأهل الأَرْض فَإِذا هلك أهل بَيْتِي جَاءَ أهل الأَرْض من الْآيَات مَا كَانُوا يوعدون)
وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَد (فَإِذا ذهب النُّجُوم ذهب أهل السَّمَاء وَإِذا ذهب أهل بَيْتِي ذهب أهل الأَرْض)
وَفِي رِوَايَة صححها الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ (النُّجُوم أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي من الِاخْتِلَاف فَإِذا خالفتها قَبيلَة من الْعَرَب اخْتلفُوا فصاروا حزب إِبْلِيس)
وَجَاء من طرق عديدة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا (إِنَّمَا مثل أهل بَيْتِي فِيكُم كَمثل سفينة نوح من ركبهَا نجا) وَفِي رِوَايَة مُسلم (وَمن تخلف عَنْهَا غرق) وَفِي رِوَايَة
стр. 430
(هلك وَإِنَّمَا مثل أهل بَيْتِي فِيكُم مثل بَاب حطة فِي بني إِسْرَائِيل من دخله غفر لَهُ) وَفِي رِوَايَة (غفر لَهُ الذُّنُوب)
وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن المُرَاد بِأَهْل الْبَيْت الَّذين هم أَمَان علماؤهم لأَنهم الَّذين يهتدى بهم كَالنُّجُومِ وَالَّذين إِذا فقدوا جَاءَ أهل الأَرْض من الْآيَات مَا يوعدون وَذَلِكَ عِنْد نزُول الْمهْدي لما يَأْتِي فِي أَحَادِيثه أَن عِيسَى يُصَلِّي خَلفه وَيقتل الدَّجَّال فِي زَمَنه وَبعد ذَلِك تتتابع الايات بل فِي مُسلم أَن النَّاس بعد قتل عِيسَى للدجال يمكثون سبع سِنِين ثمَّ يُرْسل الله ريحًا بَارِدَة من قبل الشَّام فَلَا يبْقى على وَجه الأَرْض أحد فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خير أَو إِيمَان إِلَّا قَبضه فَيبقى شرار فِي خفَّة الطير وأحلام السبَاع لَا يعْرفُونَ مَعْرُوفا وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا
الحَدِيث
قَالَ وَيحْتَمل وَهُوَ الْأَظْهر عِنْدِي أَن المُرَاد بهم سَائِر أهل الْبَيْت فَإِن الله لما خلق الدُّنْيَا بأسرها من أجل النَّبِي ﷺ جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بَيته لأَنهم يساوونه فِي أَشْيَاء مر عَن الرَّازِيّ بَعْضهَا وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي حَقهم (اللَّهُمَّ إِنَّهُم مني وَأَنا مِنْهُم) وَلِأَنَّهُم بضعَة مِنْهُ بِوَاسِطَة أَن فَاطِمَة ﵂ أمّهم بضعته فأقيموا مقَامه فِي الْأمان
انْتهى مُلَخصا
وَوجه تشبيههم بالسفينة فِيمَا مر أَن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة
стр. 431
٣ - مشرفهم ﷺ وَأخذ بِهَدي عُلَمَائهمْ نجا من ظلمَة المخالفات وَمن تخلف عَن ذَلِك غرق فِي بَحر كفر النعم وَهلك فِي مفاوز الطغيان
وَمر فِي خبر (أَن من حفظ حُرْمَة الْإِسْلَام وَحُرْمَة النَّبِي ﷺ وَحُرْمَة رَحمَه حفظ الله تَعَالَى دينه ودنياه وَمن لم يحفظ لم يحفظ الله دُنْيَاهُ وَلَا آخرته)
وَورد (يرد الْحَوْض أهل بَيْتِي وَمن أحبهم من أمتِي كهاتين السبابتين) وَيشْهد لَهُ خبر (الْمَرْء مَعَ من أحب)
وبباب حطة أَن الله تَعَالَى جعل دُخُول ذَلِك الْبَاب الَّذِي هُوَ بَاب أريحاء أَو بَيت الْمُقَدّس مَعَ التَّوَاضُع وَالِاسْتِغْفَار سَببا للمغفرة وَجعل لهَذِهِ الْأمة مَوَدَّة أهل الْبَيْت سَببا لَهَا كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا
الْآيَة الثَّامِنَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ طه ٨٢
قَالَ ثَابت الْبنانِيّ اهْتَدَى إِلَى ولَايَة أهل بَيته ﷺ
وَجَاء ذَلِك عَن أبي جَعْفَر الباقر أَيْضا
وَأخرج الديلمي مَرْفُوعا (إِنَّمَا سميت ابْنَتي فَاطِمَة لِأَن الله فطمها ومحبيها
стр. 432
عَن النَّار)
وَأخرج أَحْمد أَنه ﷺ أَخذ بيد الحسنين وَقَالَ (من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن واباهما وأمهما كَانَ معي فِي درجتي يَوْم الْقيام)
وَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب (وَكَانَ معي فِي الْجنَّة)
وَمعنى الْمَعِيَّة هُنَا معية الْقرب وَالشُّهُود لَا معية الْمَكَان والمنزل
وَأخرج ابْن سعد عَن عَليّ أَخْبرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أول من يدْخل الْجنَّة أَنا وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن قلت يَا رَسُول الله فمحبونا قَالَ من وَرَائِكُمْ
وَمر فِي فَضَائِل أبي بكر ﵁ أَنه أول من يدْخل الْجنَّة
وَفِي فَضَائِل عمر ﵁ ذَلِك أَيْضا وَمر الْجمع بَينهمَا بِمَا يعلم بِهِ محمل هَذَا الحَدِيث
وَلَا تتوهم الرافضة والشيعة قبحهم الله من هَذِه الْأَحَادِيث أَنهم محبوا
стр. 433
أهل الْبَيْت لأَنهم أفرطوا فِي محبتهم حَتَّى جرهم ذَلِك إِلَى تَكْفِير الصَّحَابَة وتضليل الْأمة وَقد قَالَ عَليّ يهْلك فِي محب مفرط يقرظني بِمَا لَيْسَ فِي
وَمر خبر لَا يجْتَمع حب عَليّ وبغض أبي بكر وَعمر فِي قلب مُؤمن
وَهَؤُلَاء الضالون الحمقى أفرطوا فِيهِ وَفِي اهل بَيته فَكَانَت محبتهم عارا عَلَيْهِم وبوارا قَاتلهم الله أَنى يؤفكون
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف أَن عليا أُتِي يَوْم الْبَصْرَة بِذَهَب وَفِضة فَقَالَ ابيضي واصفري غري غَيْرِي غري أهل الشَّام غَدا إِذا ظَهَرُوا عَلَيْك
فشق قَوْله ذَلِك على النَّاس فَذكر ذَلِك لَهُ فَأذن فِي النَّاس فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ إِن خليلي ﷺ قَالَ (يَا عَليّ إِنَّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين وَيقدم عَلَيْهِ عَدوك غضابا مقمحين) ثمَّ جمع عَليّ يَده إِلَى عُنُقه يُرِيهم الإقماح
وشيعته هم أهل السّنة لأَنهم الَّذين أحبوهم كَمَا أَمر الله أمرنَا وَرَسُوله وَأما غَيرهم فاعداؤه فِي الْحَقِيقَة لِأَن الْمحبَّة الْخَارِجَة عَن الشَّرْع الجائرة عَن سنَن الْهدى هِيَ الْعَدَاوَة الْكُبْرَى فَلِذَا كَانَت سَببا لهلاكهم كَمَا مر آنِفا عَن لاصادص المصدوق ﷺ
وأعداؤهم الْخَوَارِج وَنَحْوهم من أهل الشَّام لَا مُعَاوِيَة وَنَحْوه من الصَّحَابَة لأَنهم متأولون فَلهم أجر وَله هُوَ وشيعته أَجْرَانِ ﵃
وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ من أَن أُولَئِكَ المبتدعة الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا لَيْسُوا من شيعَة
стр. 434
عَليّ وَذريته بل من أعدائهم مَا أخرجه صَاحب المطالب الْعَالِيَة عَن عَليّ وَمن جملَته أَنه مر على جمع فَأَسْرعُوا إِلَيْهِ قيَاما فَقَالَ من الْقَوْم فَقَالُوا من شيعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَقَالَ لَهُم خيرا ثمَّ قَالَ يَا هَؤُلَاءِ مَالِي لَا أرى فِيكُم سمة شِيعَتِنَا وَحلية أحبتنا فأمسكوا حَيَاء فَقَالَ لَهُ من مَعَه نَسْأَلك بِالَّذِي أكْرمكُم أهل الْبَيْت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بِصفة شيعتكم
فَقَالَ شِيعَتِنَا هم العارفون بِاللَّه الْعَامِلُونَ بِأَمْر الله أهل الْفَضَائِل الناطقون بِالصَّوَابِ مأكولهم الْقُوت وملبوسهم الاقتصاد ومشيهم التَّوَاضُع نجعوا لله بِطَاعَتِهِ وخضعوا إِلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ مضوا غاضين أَبْصَارهم عَمَّا حرم الله عَلَيْهِم رامقين أسماعهم على الْعلم برَبهمْ نزلت أنفسهم مِنْهُم فِي الْبلَاء كَالَّتِي نزلت مِنْهُم فِي الرخَاء رَضوا عَن الله تَعَالَى بِالْقضَاءِ فلولا الْآجَال الَّتِي كتب الله تَعَالَى لَهُم لم تَسْتَقِر أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم طرفَة عين شوقا إِلَى لِقَاء الله وَالثَّوَاب وخوفا من أَلِيم الْعقَاب عظم الْخَالِق فِي انفسهم وَصغر مَا دونه فِي أَعينهم فهم وَالْجنَّة كمن رَآهَا فهم على أرائكها متكئون وهم وَالنَّار كمن رَآهَا فهم فِيهَا معذبون صَبَرُوا أَيَّامًا قَليلَة فأعقبتهم رَاحَة طَوِيلَة أرادتهم الدُّنْيَا فَلم يريدوها وطلبتهم فأعجزوها أما اللَّيْل فصافون أَقْدَامهم تالون لأجزاء الْقُرْآن ترتيلا يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تَارَة وَتارَة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أَقْدَامهم تجْرِي دموعهم على خدودهم يمجدون جبارا عَظِيما ويجأرون
стр. 435
إِلَيْهِ فِي فكاك رقابهم
هَذَا ليلهم فَأَما نهارهم فحكماء عُلَمَاء بررة أتقياء براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى أَو قد خولطوا وَمَا هم بذلك بل خاسرهم من عَظمَة رَبهم وَشدَّة سُلْطَانه مَا طاشت لَهُ قُلُوبهم وذهلت مِنْهُ عُقُولهمْ فَإِذا أشفقوا من ذَلِك بَادرُوا إِلَى الله تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الزاكية لَا يرضون لَهُ بِالْقَلِيلِ وَلَا يستكثرون لَهُ الجزيل فهم لأَنْفُسِهِمْ متهمون وَمن أَعْمَالهم مشفقون ترى لأَحَدهم قُوَّة فِي دين وحزما فِي لين وإيمانا فِي يَقِين وحرصا على علم وفهما فِي فقه وعلما فِي حلم وكيسا فِي قصد وقصدا فِي غنى وتجملا فِي فاقة وصبرا فِي شَفَقَة وخشوعا فِي عبَادَة وَرَحْمَة لمجهود وَإِعْطَاء فِي حق ورفقا فِي كسب وطلبا فِي حَلَال ونشاطا فِي هدى واعتصاما فِي شَهْوَة لَا يغره مَا جَهله وَلَا يدع إحصاء مَا عمله يستبطىء نَفسه فِي الْعلم وَهُوَ من صَالح عمله على وَجل يصبح وشغله الذّكر ويمسي وهمه الشُّكْر يبيت حذرا من سنة الْغَفْلَة وَيُصْبِح فَرحا بِمَا أصَاب من الْفضل وَالرَّحْمَة ورغبته فِيمَا يبْقى وزهادته فِيمَا يفنى وَقد قرن الْعلم بِالْعَمَلِ وَالْعلم بالحلم دَائِما نشاطه بَعيدا كسله قَرِيبا أمله قَلِيلا زلله متوقعا أَجله عَاشِقًا قلبه شاكرا ربه قانعا نَفسه محرزا دينه كاظما غيظه آمنا مِنْهُ جَاره سهلا أمره مَعْدُوما كبره بَينا صبره كثيرا ذكره لَا يعْمل شَيْئا من الْخَيْر رِيَاء وَلَا يتْركهُ حَيَاء
أُولَئِكَ شِيعَتِنَا وأحبتنا وَمنا ومعنا أَلا هَؤُلَاءِ شوقا إِلَيْهِم
стр. 436
فصاح بعض من مَعَه وَهُوَ همام بن عباد بن خَيْثَم وَكَانَ من المتعبدين صَيْحَة فَوَقع مغشيا عَلَيْهِ فحركوه فَإِذا هُوَ فَارق الدُّنْيَا فَغسل وَصلى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن مَعَه
فَتَأمل وفقك الله لطاعته وأدام عَلَيْك من سوابغ نعمه وحمايته هَذِه الْأَوْصَاف الجليلة الرفيعة الباهرة الْكَامِلَة المنيعة تعلم أَنَّهَا لَا تُوجد إِلَّا فِي أكَابِر العارفين لأئمة الْوَارِثين فَهَؤُلَاءِ هم شيعَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأهل بَيته
وَأما الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا إخْوَان الشَّيَاطِين وأعداء الدّين وسفهاء الْعُقُول ومخالفوا الْفُرُوع وَالْأُصُول ومنتحلو الضلال ومستحقو عَظِيم الْعقَاب والنكال فهم لَيْسُوا بشيعة لأهل الْبَيْت المبرئين من الرجس المطهرين من شوائب الدنس لأَنهم أفرطوا وفرطوا فِي جنب الله فاستحقوا مِنْهُ أَن يبقيهم متحيرين فِي مهالك الضلال والاشتباه وَإِنَّمَا هم شيعَة إِبْلِيس اللعين وحلفاء أبنائه المتمردين فَعَلَيْهِم لعنة الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَكَيف يزْعم محبَّة قوم من لم يتخلق قطّ بِخلق من أَخْلَاقهم وَلَا عمل فِي عمره بقول من أَقْوَالهم وَلَا تأسى فِي دهره بِفعل من أفعالهم وَلَا تأهل لفهم شَيْء من أَحْوَالهم لَيست هَذِه محبَّة فِي الْحَقِيقَة بل بغضة عِنْد أَئِمَّة الشَّرِيعَة والطريقة إِذْ حَقِيقَة الْمحبَّة طَاعَة المحبوب وإيثار محابه ومرضاته على محاب النَّفس ومرضاتها والتأدب بآدابه وأخلاقه وَمن ثمَّ قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لَا يجْتَمع حبي وبغض أبي بكر وَعمر
لِأَنَّهُمَا ضدان وهما لَا يَجْتَمِعَانِ
стр. 437
الْآيَة التَّاسِعَة قَوْله تَعَالَى فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا منساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين آل عمرَان ٦١
قَالَ فِي الْكَشَّاف لَا دَلِيل أقوى من هَذَا على فضل أَصْحَاب الكساء وهم عَليّ وَفَاطِمَة والحسنان لِأَنَّهَا لما نزلت دعاهم ﷺ فاحتضن الْحُسَيْن وَأخذ بيد الْحسن ومشت فَاطِمَة خَلفه وَعلي خلفهمَا فَعلم أَنهم المُرَاد من الْآيَة وَأَن أَوْلَاد فَاطِمَة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إِلَيْهِ نِسْبَة صَحِيحَة نافعة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
ويوضح ذَلِك أَحَادِيث نذكرها مَعَ مَا يتَعَلَّق بهَا تتميما للفائدة فَنَقُول
صَحَّ عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ على الْمِنْبَر (مَا بَال أَقوام يَقُولُونَ إِن رحم رَسُول الله ﷺ لَا ينفع قومه يَوْم الْقِيَامَة بلَى وَالله إِن رحمي مَوْصُولَة افي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنِّي أَيهَا النَّاس فرط لكم على الْحَوْض)
وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة وَإِن صححها الْحَاكِم أَنه ﷺ بلغه أَن قَائِلا قَالَ لبريدة إِن مُحَمَّدًا لن يُغني عَنْك من الله شَيْئا
فَخَطب ثمَّ قَالَ (مَا بَال أَقوام يَزْعمُونَ أَن رحمي لَا ينفع بل حَتَّى حاء وَحكم أَي هما قبيلتان من الْيمن أَنِّي لأشفع فأشفع حَتَّى إِن من أشفع لَهُ فَيشفع حَتَّى إِن إِبْلِيس ليتطاول طَمَعا فِي الشَّفَاعَة)
стр. 438
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن عليا يَوْم الشورى احْتج على أَهلهَا فَقَالَ لَهُم أنْشدكُمْ بِاللَّه هَل فِيكُم أحد أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي الرَّحِم مني وَمن جعله ﷺ نَفسه وأبناءه أبناءه ونساؤه نِسَاءَهُ غَيْرِي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا الحَدِيث
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ إِن الله جعل ذُرِّيَّة كل نَبِي فِي صلبه وَإِن الله تَعَالَى جعل ذريتي فِي صلب عَليّ بن أبي طَالب
وَأخرج أَبُو الْخَيْر الحاكمي وَصَاحب كنوز المطالب فِي بني أبي طَالب أَن عليا دخل على النَّبِي ﷺ وَعِنْده الْعَبَّاس فَسلم فَرد عَلَيْهِ ﷺ السَّلَام وَقَامَ فعانقه وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَأَجْلسهُ عَن يَمِينه فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس أَتُحِبُّهُ قَالَ يَا عَم وَالله لله أَشد حبا لَهُ مني إِن الله جعل ذُرِّيَّة كل نَبِي فِي صلبه وَجعل ذريتي فِي صلب هَذَا زَاد الثَّانِي فِي رِوَايَته إِنَّه إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دعِي النَّاس بأسماء أمهاتهم سترا من الله عَلَيْهِم إِلَّا هَذَا وَذريته فَإِنَّهُم يدعونَ بأسماء آبَائِهِم لصِحَّة ولادتهم
стр. 439
وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ (كل بني أم ينتمون إِلَى عصبَة إِلَّا ولد فَاطِمَة فَأَنا وليهم وَأَنا عصبتهم) وَله طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا وَقَول ابْن الْجَوْزِيّ بعد أَن أورد ذَلِك فِي الْعِلَل المتناهية إِنَّه لَا يَصح
غير جيد كَيفَ وَكَثْرَة طرقه رُبمَا توصله إِلَى دَرَجَة الْحسن بل صَحَّ عَن عمر أَنه خطب أم كُلْثُوم من عَليّ فاعتل بصغرها وَبِأَنَّهُ أعدهَا لِابْنِ أَخِيه جَعْفَر فَقَالَ لَهُ مَا أردْت الْبَاءَة وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة مَا خلا سببي ونسبي وكل بني أُنْثَى عصبتهم لأبيهم مَا خلا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا أبوهم وعصبتهم) وَفِي رِوَايَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد رِجَاله من أكَابِر أهل الْبَيْت أَن عليا عزل بَنَاته لولد أَخِيه جَعْفَر فَلَقِيَهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحسن أنكحني ابْنَتك أم كُلْثُوم بنت فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ
فَقَالَ قد حبستها لولد أخي جَعْفَر
فَقَالَ عمر إِنَّه وَالله مَا على وَجه الأَرْض من يرصد من حسن صحبتهَا مَا أرصد فأنكحني يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ
стр. 440
قد أنكحتكها فَعَاد عمر إِلَى مَجْلِسه بالروضة مجْلِس الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَقَالَ رفئوني قَالُوا بِمن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ بِأم كُلْثُوم بنت عَليّ وَأخذ يحدث أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول (كل صهر أَو سَبَب أَو نسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا صهري وسببي ونسبي) وَأَنه كَانَ لي صُحْبَة فَأَحْبَبْت أَن يكون لي مَعهَا سَبَب
وَبِهَذَا الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طَريقَة أهل الْبَيْت يزْدَاد التَّعَجُّب من إِنْكَار جمَاعَة من جهلة أهل الْبَيْت فِي أزمنتنا تَزْوِيج عمر بِأم كُلْثُوم
لَكِن لَا عجب لِأَن أُولَئِكَ لم يخالطوا الْعلمَاء وَمَعَ ذَلِك استولى على عُقُولهمْ جهلة الروافض فأدخلوا فِيهَا ذَلِك فقلدوهم فِيهِ وَمَا دروا أَنه عين الْكَذِب ومكابرة للحس إِذْ من مارس الْعلم وطالع كتب الْأَخْبَار وَالسّنَن علم ضَرُورَة أَن عليا زَوجهَا لَهُ وَأَن إِنْكَار ذَلِك جهل وعناد ومكابرة للحس وخبال فِي الْعقل وَفَسَاد فِي الدّين
وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَن عمر لما قَالَ فَأَحْبَبْت ان يكون لي من رَسُول الله ﷺ سَبَب وَنسب فَقَامَ عَليّ للحسنين زوجا عمكما
فَقَالَا هِيَ امْرَأَة من النِّسَاء تخْتَار لنَفسهَا
فَقَامَ عَليّ مغضبا فَأمْسك الْحسن ثَوْبه وَقَالَ لَا صَبر لنا على هجرانك يَا أبتاه فزوجاه
وَفِي رِوَايَة أَن عمر صعد الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّه وَالله مَا حَملَنِي على الإلحاح على عَليّ فِي ابْنَته إِلَّا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل سَبَب
стр. 441
وَنسب وصهر يَنْقَطِع إِلَّا سببي وصهري وإنهما يأتيان يَوْم الْقِيَامَة فيشفعان لصاحبهما وَفِي رِوَايَة أَنه لما أَكثر تردده إِلَى عَليّ اعتل بصغرها فَقَالَ لَهُ مَا حَملَنِي على كَثْرَة ترددي إِلَيْك إِلَّا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل حسب وَنسب وَسبب وصهر يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا حسبي ونسبي وسببي وصهري فَأمر بهَا عَليّ فزينت وَبعث بهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا قَامَ إِلَيْهَا وأجلسها فِي حجره وَقبلهَا ودعا لَهَا فَلَمَّا قَامَت أَخذ بساقها وَقَالَ لَهَا قولي لأَبِيك قد رضيت قد رضيت فَلَمَّا جَاءَت قَالَ لَهَا مَا قَالَ لَك فَذكرت لَهُ جَمِيع مَا فعله وَمَا قَالَه وأنكحها إِيَّاه فَولدت لَهُ زيدا مَاتَ رجلا
وَفِي رِوَايَة أَنه لما خطبهَا إِلَيْهِ قَالَ حَتَّى اسْتَأْذن فَاسْتَأْذن ولد فَاطِمَة فأذنوا لَهُ
وَفِي رِوَايَة أَن الْحُسَيْن سكت وَتكلم الْحسن فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أبتاه من بعد عمر صحب رَسُول الله ﷺ وَتُوفِّي وَهُوَ عَنهُ رَاض ثمَّ ولي الْخلَافَة فَعدل
فَقَالَ لَهُ أَبوهُ صدقت وَلَكِن كرهت أَن أقطع أمرا دونكما ثمَّ قَالَ لَهَا انطلقي إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقولِي لَهُ إِن أبي يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك إِنَّا قد قضينا حَاجَتك الَّتِي طلبت فَأَخذهَا عمر وَضمّهَا إِلَيْهِ وَأعلم من عِنْده أَنه تزَوجهَا فَقيل لَهُ إِنَّهَا صبية صَغِيرَة فَذكر الحَدِيث السَّابِق وَفِي آخِره أردْت أَن يكون بيني وَبَين رَسُول الله ﷺ سَبَب وصهر
وَتَقْبِيله وضمه لَهَا على جِهَة الْإِكْرَام لِأَنَّهَا لصغرها لم تبلغ حدا تشْتَهى حَتَّى يحرم ذَلِك وَلَوْلَا صغرها لما بعث بهَا أَبوهَا كَذَلِك ثمَّ حَدِيث عمر هَذَا جَاءَ عَن جمَاعَة آخَرين من الصَّحَابَة كالمنذر
стр. 442
وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَابْن عمر
قَالَ الذَّهَبِيّ وَإِسْنَاده صَالح
تَنْبِيه علم مِمَّا ذكر فِي هَذِه الْأَحَادِيث عَظِيم نفع الانتساب إِلَيْهِ ﷺ وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي أَحَادِيث أخر من حثه لأهل بَيته على خشيَة الله واتقائه وطاعته وَأَن الْقرب إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ بالتقوى فَمن ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ الشُّعَرَاء ٢١٤ دَعَا قُريْشًا فَاجْتمعُوا فَعم وَخص وَطلب مِنْهُم أَن ينقذوا أنفسهم من النَّار إِلَى أَن قَالَ (يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد يَا صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب يَا بني عبد الْمطلب لَا أملك لكم من الله شَيْئا غير أَن لكم رحما سيأبلها بِبلَالِهَا)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن حبَان (يَا بني هَاشم لَا يَأْتِين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بِالآخِرَة يحملونها على ظُهُورهمْ وتأتون بالدنيا على ظهوركم لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا)
وَأخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد (إِن أوليائي يَوْم الْقِيَامَة المتقون وَإِن كَانَ نسب أقرب من نسب لَا تَأتي النَّاس بِالْأَعْمَالِ وتأتون بالدنيا تحملونها على رِقَابكُمْ فتقولون يَا مُحَمَّد فَأَقُول هَكَذَا وَهَكَذَا) وَأعْرض فِي كلا عطفيه
стр. 443
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ (إِن أهل بَيْتِي هَؤُلَاءِ يرَوْنَ أَنهم أولى النَّاس بِي وَلَيْسَ كَذَلِك إِن أوليائي مِنْكُم المتقون من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا)
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ جهارا غير سر يَقُول (إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا بأوليائي إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ) زَاد البُخَارِيّ (لَكِن لَهُم رحم سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا)
يَعْنِي سأصلها بصلتها
وَوجه عدم الْمُنَافَاة كَمَا قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ وَغَيره من الْعلمَاء أَنه ﷺ لَا يملك لأحد شَيْئا لَا نفعا وَلَا ضرا لَكِن الله يملكهُ نفع أَقَاربه وَجَمِيع أمته بالشفاعة الْعَامَّة والخاصة فَهُوَ لَا يملك إِلَّا مَا يملكهُ لَهُ مَوْلَاهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (غير أَن لكم رحما سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا) وَكَذَا معنى قَوْله (لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا) أَي بِمُجَرَّد نَفسِي من غير مَا يكرمني بِهِ الله من نَحْو شَفَاعَة أَو مغْفرَة وخاطبهم بذلك رِعَايَة لمقام التخويف والحث على الْعَمَل والحرص على أَن يَكُونُوا أولى النَّاس حظا فِي تقوى الله وخشيته ثمَّ أَوْمَأ إِلَى حق رَحمَه إِشَارَة إِلَى
стр. 444
إِدْخَال نوع طمأنينة عَلَيْهِم
وَقيل هَذَا قبل علمه بِأَن الانتساب إِلَيْهِ ينفع وَبِأَنَّهُ يشفع فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَرفع دَرَجَات آخَرين وَإِخْرَاج قوم من النَّار وَلما خَفِي ذَلِك الْجمع عَن بَعضهم حمل حَدِيث (كل سَبَب وَنسب) على أَن المُرَاد أَن أمته ﷺ يَوْم الْقِيَامَة ينسبون إِلَيْهِ بِخِلَاف أُمَم الْأَنْبِيَاء لَا ينسبون إِلَيْهِم وَهُوَ بعيد
وَإِن حَكَاهُ وَجها فِي الرَّوْضَة بل يردهُ مَا مر من استناد عمر إِلَيْهِ فِي الْحِرْص على تَزْوِيجه بِأم كُلْثُوم وَإِقْرَار عَليّ والمهاجرين وَالْأَنْصَار لَهُ على ذَلِك وَيَردهُ على ذَلِك وَيَردهُ أَيْضا ذكر الصهر والحسب مَعَ السَّبَب وَالنّسب كَمَا مر وغضبه ﷺ لما قيل إِن قرَابَته لَا تَنْفَع
على أَن فِي حَدِيث البُخَارِيّ مَا يَقْتَضِي نِسْبَة بَقِيَّة الْأُمَم إِلَى أَنْبِيَائهمْ فَإِن فِيهِ (يَجِيء نوح ﵇ وَأمته فَيَقُول الله تَعَالَى هَل بلغت فَيَقُول أَي رب نعم فَيَقُول لأمته هَل بَلغَكُمْ. .) الحَدِيث
وَكَذَا جَاءَ فِي غَيره
وَاعْلَم أَنه اسْتُفِيدَ من قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث السَّابِق (إِن أوليائي مِنْكُم المتقون) وَقَوله (إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ) أَن نفع رَحمَه وقرابته وشفاعته للمذنبين من أهل بَيته وَإِن لم تنتف لَكِن يَنْتَفِي عَنْهُم بِسَبَب عصيانهم ولَايَة الله وَرَسُوله لكفرانهم نعْمَة قرب النّسَب إِلَيْهِ بارتكابهم مَا يسوءه ﷺ عِنْد عرض عَمَلهم عَلَيْهِ وَمن ثمَّ يعرض ﷺ عَمَّن يَقُول لَهُ مِنْهُم يَوْم الْقِيَامَة يَا مُحَمَّد
стр. 445
كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق
وَقد قَالَ الْحسن بن الْحسن السبط لبَعض الغلاة فيهم وَيحكم أحبونا لله فَإِن أَطعْنَا الله فأحبونا وَإِن عَصَيْنَاهُ فابغضونا وَيحكم لَو كل الله نَافِعًا بِقرَابَة من رَسُول الله ﷺ بِغَيْر عمل بِطَاعَتِهِ لنفع بذلك من هُوَ أقرب إِلَيْهِ منا وَالله إِنِّي أَخَاف أَن يُضَاعف للعاصي منا الْعَذَاب ضعفين وَإِن يُؤْتى المحسن منا أجره مرَّتَيْنِ
وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ الْأَحْزَاب ٣٠
خَاتِمَة علم من الْأَحَادِيث السَّابِقَة اتجاه قَول صَاحب التَّلْخِيص من أَصْحَابنَا من خَصَائِصه ﷺ أَن أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ ﷺ وَأَوْلَاد بَنَات غَيره لَا ينسبون إِلَى جدهم من الْكَفَاءَة وَغَيرهَا وَأنكر ذَلِك الْقفال وَقَالَ لَا خُصُوصِيَّة بل كَانَ أحد ينْسب إِلَيْهِ اولاد بَنَاته
وَيَردهُ الْخَبَر السَّابِق (كل بني أم ينتمون إِلَى عصبَة) إِلَى آخِره ثمَّ معنى الانتساب إِلَيْهِ ﷺ الَّذِي هُوَ من خصوصياته أَنه يُطلق عَلَيْهِ أَنه أَب لَهُم وَأَنَّهُمْ بنوه حَتَّى يعْتَبر ذَلِك فِي الْكَفَاءَة فَلَا يكافىء شريفة هاشمية غير شرِيف
وَقَوْلهمْ إِن بني هَاشم وَالْمطلب أكفاء مَحَله فِيمَا عدا هَذِه الصُّورَة كَمَا بَينته بِمَا فِيهِ كِفَايَة فِي إِفْتَاء طَوِيل مسطر فِي الْفَتَاوَى وَحَتَّى
стр. 446
يدْخلُونَ فِي الْوَقْف على أَوْلَاده وَالْوَصِيَّة لَهُم وَأما أَوْلَاد بَنَات غَيره فَلَا تجْرِي فيهم مَعَ جدهم لأمهم هَذِه الْأَحْكَام
نعم يَسْتَوِي الْجد للْأَب وَالأُم فِي الانتساب إِلَيْهِمَا من حَيْثُ تطلق الذُّرِّيَّة والنسل والعقب عَلَيْهِم فَأَرَادَ صَاحب التَّلْخِيص بالخصوصية مَا مر وَأَرَادَ الْقفال بعدمها هَذَا وَحِينَئِذٍ فَلَا خلاف بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة
وَمن فَوَائِد ذَلِك أَيْضا أَنه يجوز أَن يُقَال للحسنين أَبنَاء رَسُول الله ﷺ وَهُوَ أَب لَهما اتِّفَاقًا وَلَا يجْرِي فِيهِ القَوْل الضَّعِيف لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال لَهُ ﷺ أَب الْمُؤمنِينَ وَلَا عِبْرَة بِمن منع ذَلِك حَتَّى فِي الحسنين من الأمويين للْخَبَر الصَّحِيح الْآتِي فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد
وَمُعَاوِيَة وَإِن نقل الْقُرْطُبِيّ عَنهُ ذَلِك لَكِن نقل عَنهُ مَا يَقْتَضِي أَنه رَجَعَ عَن ذَلِك وَغير مُعَاوِيَة من بَقِيَّة الأمويين الْمَانِع لذَلِك لَا يعْتد بِهِ وعَلى الْأَصَح فَقَوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ الْأَحْزَاب ٤٠ إِنَّمَا سيق لانْقِطَاع حكم التبني لَا لمنع هَذَا الْإِطْلَاق المُرَاد بِهِ أَنه أَبُو الْمُؤمنِينَ فِي الاحترام وَالْإِكْرَام
الْآيَة الْعَاشِرَة قَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ الضُّحَى ٥
نقل الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ رَضِي مُحَمَّد ﷺ أَن لَا يدْخل أحد من أهل بَيته النَّار وَقَالَهُ السّديّ
انْتهى
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ أَنه ﷺ قَالَ (وَعَدَني رَبِّي فِي أهل بَيْتِي
стр. 447
من أقرّ مِنْهُم لله بِالتَّوْحِيدِ ولي بالبلاغ أَن لَا يعذبهم)
وَأخرج الملا (سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل النَّار أحد من أهل بَيْتِي فَأَعْطَانِي ذَلِك)
وَأخرج أَحْمد فِي المناقب أَنه ﷺ قَالَ (يَا معشر بني هَاشم وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا لَو أخذت بِحَلقَة الْجنَّة مَا بدأت إِلَّا بكم)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (أول من يرد عَليّ الْحَوْض أهل بَيْتِي وَمن أَحبَّنِي من أمتِي)
وَهُوَ ضَعِيف وَالَّذِي صَحَّ (أول من يرد عَليّ الْحَوْض فُقَرَاء الْمُهَاجِرين) فَإِن صَحَّ الأول أَيْضا حمل على أَن أُولَئِكَ أول من يرد بعد هَؤُلَاءِ
وَأخرج المخلص وَالطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (أول من أشفع لَهُ من أمتِي أهل بَيْتِي ثمَّ
стр. 448
الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من قُرَيْش ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ من آمن بِي واتبعني من الْيمن ثمَّ سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم وَمن أشفع لَهُ أَولا أفضل)
وَعند الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا (أول من أشفع لَهُ من أمتِي من أهل الْمَدِينَة ثمَّ أهل مَكَّة ثمَّ أهل الطَّائِف)
وَيجمع بَينهمَا بِأَن ذَاك فِيهِ تَرْتِيب من حَيْثُ الْقَبَائِل وَهَذَا فِيهِ تَرْتِيب من حَيْثُ الْبلدَانِ فَيحْتَمل أَن المُرَاد الْبدَاءَة فِي قُرَيْش بِأَهْل الْمَدِينَة ثمَّ مَكَّة ثمَّ الطَّائِف وَكَذَا فِي الْأَنْصَار ثمَّ من بعدهمْ وَمن أهل مَكَّة بذلك على هَذَا التَّرْتِيب وَمن أهل الطَّائِف بذلك كَذَلِك
وَأخرج تَمام وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ (إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار) وَفِي رِوَايَة (فَحَرمهَا الله وذريتها على النَّار)
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الدِّمَشْقِي أَنه قَالَ (يَا فَاطِمَة لم سميت فَاطِمَة) قَالَ عَليّ لم سميت فَاطِمَة يَا رَسُول الله قَالَ (إِن الله قد فطمها
стр. 449
وذريتها من النَّار)
وَأخرج النَّسَائِيّ (إِن ابْنَتي فَاطِمَة حوراء آدمية لم تَحض وَلم تطمث إِنَّمَا سَمَّاهَا فَاطِمَة لِأَن الله فطمها ومحبيها عَن النَّار)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد رِجَاله ثِقَات أَنه ﷺ قَالَ لَهَا (إِن الله غير معذبك وَلَا أحد من ولدك)
وَورد أَيْضا (يَا عَبَّاس إِن الله غير معذبك وَلَا أحد من ولدك)
وَصَحَّ (يَا بني عبد الْمطلب) وَفِي رِوَايَة (يَا بني هَاشم إِنِّي قد سَأَلت الله لكم أَن يجعلكم رحماء نجباء وَسَأَلته أَن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم)
وَأخرج الديلمي وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ (نَحن بَنو عبد الْمطلب سَادَات أهل
стр. 450
الْجنَّة أَنا وَحَمْزَة وجعفر بن أبي طَالب وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَالْمهْدِي)
وَفِي حَدِيث ضَعِيف عَن عَليّ شَكَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ حسد النَّاس فَقَالَ لي (أما ترْضى أَن تكون رَابِع أَرْبَعَة أول من يدْخل الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأَزْوَاجنَا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا وَذُرِّيَّتنَا خلف أَزوَاجنَا)
وَأخرج أَحْمد فِي المناقب أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (أما ترْضى أَنَّك معي فِي الْجنَّة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَذُرِّيَّتنَا خلف ظُهُورنَا وَأَزْوَاجنَا خلف ذريتنا وشيعتنا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا)
وَمر عَن عَليّ فِي الْآيَة الثَّامِنَة بَيَان صفة تِلْكَ الشِّيعَة فراجع ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ وَبِه تبين لَك أَن أَن الْفرْقَة الْمُسَمَّاة بالشيعة الْآن إِنَّمَا هم شيعَة إِبْلِيس لِأَنَّهُ استولى على عُقُولهمْ فأضلها ضلالا مُبينًا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (أول أَرْبَعَة يدْخلُونَ الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَذُرِّيَّاتنَا خلف ظُهُورنَا وَأَزْوَاجنَا خلف ذرياتنا وشيعتنا عَن
стр. 451
وَسَنَده ضَعِيف لَكِن يشْهد لَهُ مَا صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس (إِن الله يرفع ذُرِّيَّة الْمُؤمن مَعَه فِي دَرَجَته وَإِن كَانُوا دونه فِي الْعَمَل) ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ الطّور ٢١ الْآيَة
وَأخرج الديلمي (يَا عَليّ إِن الله قد غفر لَك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فَإنَّك الأنزع البطين)
وَهُوَ // ضَعِيف //
وَكَذَا خبر (أَنْت وشيعتك تردون عَليّ الْحَوْض رُوَاة مرويين مبيضة وُجُوهكُم وَإِن عَدوك يردون عَليّ الْحَوْض ظماء مقمحين)
ضَعِيف أَيْضا
وَمر بَيَان صِفَات شيعته فاحذر من غرور الضَّالّين وتمويه الجاحدين الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا ﴿قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾ التَّوْبَة ٣٠
الْآيَة الْحَادِيَة عشرَة قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ الْبَيِّنَة ٧
أخرج الْحَافِظ جمال الدّين الزرندي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن هَذِه
стр. 452
الْآيَة لما نزلت قَالَ النَّبِي ﷺ لعَلي (هُوَ أَنْت وشيعتك تَأتي أَنْت وشيعتك يَوْم الْقِيَامَة راضين مرضيين وَيَأْتِي عَدوك غضابا مقمحين) قَالَ وَمن عدوي قَالَ (من تَبرأ مِنْك ولعنك)
وَخبر (السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة طُوبَى لَهُم)
قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ (شيعتك يَا عَليّ ومحبوك) فِيهِ كَذَّاب
واستحضر مَا مر فِي صِفَات شيعته واستحضر أَيْضا الْأَخْبَار السَّابِقَة فِي الْمُقدمَات أول الْبَاب فِي الرافضة
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ (يَا أَبَا الْحسن أما أَنْت وشيعتك فِي الْجنَّة وَإِن قوما يَزْعمُونَ أَنهم يحبونك يصغرون الْإِسْلَام ثمَّ يلفظونه يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة فَإِن أدركتهم فَقَاتلهُمْ فَإِنَّهُم مشركون)
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لهَذَا الحَدِيث عندنَا طرقات كَثِيرَة ثمَّ أخرج عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت كَانَت لَيْلَتي وَكَانَ النَّبِي ﷺ عِنْدِي فَأَتَتْهُ فَاطِمَة فتبعها عَليّ ﵄ فَقَالَ النَّبِي ﷺ (يَا عَليّ أَنْت وَأَصْحَابك فِي الْجنَّة أَنْت وشيعتك فِي الْجنَّة إِلَّا أَنه مِمَّن يزْعم مِمَّن يحبك أَقوام يصغرون الْإِسْلَام يلفظونه يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة فجاهدهم فَإِنَّهُم مشركون) قَالُوا يَا رَسُول الله مَا الْعَلامَة فيهم قَالَ (لَا
стр. 453
يشْهدُونَ جُمُعَة وَلَا جمَاعَة ويطعنون على السّلف)
وَمن ثمَّ قَالَ مُوسَى بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ وَكَانَ فَاضلا عَن أَبِيه عَن جده إِنَّمَا شِيعَتِنَا منأطاع الله وَرَسُوله وَعمل أَعمالنَا
الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾ الزخرف ٦١
قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان وَمن تبعه من الْمُفَسّرين إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمهْدي وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيث المصرحة بِأَنَّهُ من أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ وَحِينَئِذٍ فَفِي الْآيَة دلَالَة على الْبركَة فِي نسل فَاطِمَة ﵄ وَأَن الله ليخرج مِنْهُمَا كثيرا طيبا وَأَن يَجْعَل نسلهما مَفَاتِيح الْحِكْمَة ومعادن الرَّحْمَة
وسر ذَلِك أَنه ﷺ أعاذها وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم
ودعا لعَلي بِمثل ذَلِك وَشرح ذَلِك كُله يعلم بسياق الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَيْهِ
وَأخرج النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح أَن نَفرا من الْأَنْصَار قَالُوا لعَلي ﵁ لَو كَانَت عنْدك فَاطِمَة
فَدخل على النَّبِي ﷺ يَعْنِي ليخطيها فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ (مَا حَاجَة ابْن أبي طَالب) قَالَ فَذكرت فَاطِمَة
فَقَالَ ﷺ (مرْحَبًا وَأهلا) فَخرج إِلَى الرَّهْط من الْأَنْصَار ينتظرونه فَقَالُوا لَهُ مَا وَرَاءَك قَالَ مَا أَدْرِي غير أَنه قَالَ لي مرْحَبًا وَأهلا قَالُوا يَكْفِيك من رَسُول الله ﷺ أَحدهمَا قد أَعْطَاك الْأَهْل وأعطاك الرحب فَلَمَّا كَانَ بعد مَا زوجه قَالَ لَهُ (يَا
стр. 454
عَليّ إِنَّه لَا بُد للعرس من وَلِيمَة)
قَالَ سعد ﵁ عِنْدِي كَبْش وَجمع لَهُ رَهْط من الْأَنْصَار آصعا من ذرة فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْبناء قَالَ (يَا عَليّ لَا تحدث شَيْئا حَتَّى تَلقانِي) فَدَعَا ﷺ بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ ثمَّ أفرغه على عَليّ وَفَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ (اللَّهُمَّ بَارك فيهمَا وَبَارك عَلَيْهِمَا وَبَارك لَهما فِي نسلهما) وَفِي رِوَايَة (فِي شملهما) وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ الْجِمَاع وَفِي أُخْرَى (شبليهما) قيل وَهُوَ تَضْعِيف فَإِن صحت فالشبل ولد الْأسد فَيكون ذَلِك كشفا واطلاعا مِنْهُ ﷺ على أَنَّهَا تَلد الحسنين فَأطلق عَلَيْهِمَا شبلين وهما كَذَلِك
وَأخرج أَبُو عَليّ الْحسن بن شَاذان أَن جِبْرِيل جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تزوج فَاطِمَة من عَليّ فَدَعَا ﷺ جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ (الْحَمد لله الْمَحْمُود بنعمته) الْخطْبَة الْمَشْهُورَة ثمَّ زوج عليا وَكَانَ غَائِبا وَفِي آخرهَا (فَجمع الله شملهما وأطاب نسلهما وَجعل نسلهما مَفَاتِيح الرَّحْمَة ومعادن الْحِكْمَة وَأمن الْأمة) فَلَمَّا حضر عَليّ تَبَسم ﷺ وَقَالَ لَهُ (إِن الله أَمرنِي أَن أزَوجك فَاطِمَة على أَرْبَعمِائَة مِثْقَال فضَّة أرضيت بذلك) فَقَالَ قد
стр. 455
رضيتها يَا رَسُول الله ثمَّ خر عَليّ سَاجِدا لله شكرا فَلَمَّا رفع رَأسه قَالَ لَهُ ﷺ (بَارك الله لَكمَا وَبَارك فيكما وأعز جدكما وَأخرج مِنْكُمَا الْكثير الطّيب)
قَالَ أنس ﵁ وَالله لقد أخرج الله مِنْهُمَا الْكثير الطّيب وَأخرج أَكْثَره أَبُو الْخَيْر الْقزْوِينِي الحاكمي
وَالْعقد لَهُ مَعَ غيبته سَائِغ لِأَن من خَصَائِصه ﷺ أَن ينْكح من شَاءَ لمن شَاءَ بِلَا إِذن لِأَنَّهُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم على أَنه يحْتَمل أَنه بِحُضُور وَكيله وَيحْتَمل أَنه إِعْلَام لَهُم بِمَا سيفعله وَقَوله قد رضيتها يحْتَمل أَنه إِخْبَار عَن رِضَاهُ بِوُقُوع العقد السَّابِق من وَكيله فَهِيَ وَاقعَة حَال مُحْتَملَة
وَأخرج أَبُو دَاوُد السجسْتانِي أَن أَبَا بكر خطبهَا فَأَعْرض عَنهُ ﷺ ثمَّ عمر فَأَعْرض عَنهُ فَأتيَا عليا فنبهاه إِلَى خطبتها فجَاء فَخَطَبَهَا فَقَالَ لَهُ ﷺ (مَا مَعَك) فَقَالَ فرسي وبدني
قَالَ (أما فرسك فَلَا بُد لَك مِنْهُ وَأما بدنك فبعها وائتني بهَا) فَبَاعَهَا باربعمائة وَثَمَانِينَ ثمَّ وَضعهَا فِي حجره فَقبض مِنْهَا قَبْضَة وَأمر بِلَالًا أَن يَشْتَرِي بهَا طيبا ثمَّ أَمرهم أَن يجهزوها فَعمل لَهَا سريرا شريط وَفِي شريط وسَادَة من أَدَم حشوها لِيف وملأ الْبَيْت كثيبا يَعْنِي رملا وَأمر أم أَيمن أَن تَنْطَلِق إِلَى ابْنَته وَقَالَ لعَلي (لَا تعجل حَتَّى آتِيك) ثمَّ أَتَاهُم ﷺ فَقَالَ لأم أَيمن هَهُنَا أخي قَالَت أَخُوك وتزوجه ابْنَتك قَالَ (نعم) فَدخل على فَاطِمَة
стр. 456
ودعا بِمَاء فَأَتَتْهُ بقدح فِيهِ مَاء فمج فِيهِ ثمَّ نضح على رَأسهَا وَبَين ثدييها وَقَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم) ثمَّ قَالَ لعَلي (ائْتِنِي بِمَاء) فَعلمت مَا يُرِيد فملأت الْقَعْب فَأَتَيْته بِهِ فنضح مِنْهُ على رَأْسِي وَبَين كَتِفي وَقَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُعِيذهُ بك وَذريته من الشَّيْطَان الرَّجِيم)
ثمَّ قَالَ (ادخل بأهلك على اسْم الله تَعَالَى وبركته) وَأخرج أَحْمد وَأَبُو حَاتِم نَحوه
وَقد ظَهرت بركَة دُعَائِهِ ﷺ فِي نسلهما فَكَانَ مِنْهُ من مضى وَمن يَأْتِي وَلَو لم يكن فِي الآتين إِلَّا الإِمَام الْمهْدي لكفى وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْل الثَّانِي جملَة مستكثرة من الْأَحَادِيث المبشرة بِهِ
وَمن ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ وَآخَرُونَ (الْمهْدي من عِتْرَتِي من ولد فَاطِمَة)
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (لَو لم يبْق من الدَّهْر إِلَّا يَوْم لبعث الله فِيهِ رجلا من عِتْرَتِي) وَفِي رِوَايَة (رجلا من أهل بَيْتِي يملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا) وَفِي رِوَايَة لمن عدا الْأَخير (لَا تذْهب الدُّنْيَا وَلَا تَنْقَضِي حَتَّى يملك رجل من أهل بَيْتِي يواطىء اسْمه اسْمِي) وَفِي أُخْرَى لأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (لَو لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا يَوْم وَاحِد لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يبْعَث الله
стр. 457
فِيهِ رجلا من أهل بَيْتِي يواطىء اسْمه اسْمِي وَاسم أَبِيه اسْم أبي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت جورا وظلما)
وَأحمد وَغَيره (الْمهْدي منا أهل الْبَيْت يصلحه الله فِي لَيْلَة)
وَالطَّبَرَانِيّ (الْمهْدي منا يخْتم الدّين بِنَا كَمَا فتح بِنَا)
وَالْحَاكِم فِي صَحِيحه (يحل بأمتي فِي آخر الزَّمَان بلَاء شَدِيد من سلطانهم لم يسمع بلَاء أَشد مِنْهُ حَتَّى لَا يجد الرجل ملْجأ فيبعث الله رجلا من عِتْرَتِي أهل بَيْتِي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت ظلما وجورا يُحِبهُ سَاكن الأَرْض وَسَاكن السَّمَاء وَترسل السَّمَاء قطرها وَتخرج الأَرْض نباتها لَا تمسك فِيهَا شَيْئا يعِيش فيهم سبع سِنِين أَو ثمانيا أَو تسعا يتَمَنَّى الْأَحْيَاء الْأَمْوَات مِمَّا صنع الله بِأَهْل الأَرْض من خَيره)
وروى االطبراني وَالْبَزَّار نَحوه وَفِيه (يمْكث فِيكُم سبعا أَو ثمانيا فَإِن أَكثر فتسعا)
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالْحَاكِم (يملك فِيكُم سبع سِنِين) وَفِي أُخْرَى لِلتِّرْمِذِي
(إِن فِي أمتِي الْمهْدي يخرج يعِيش خمْسا أَو سبعا أَو تسعا فَيَجِيء إِلَيْهِ الرجل فَيَقُول يَا مهْدي أَعْطِنِي أَعْطِنِي فيحثي لَهُ فِي ثَوْبه مَا اسْتَطَاعَ أَن)
стр. 458
يعْمل رِوَايَة وَفِي رِوَايَة (فيلبث فِي ذَلِك سِتا أَو سبعا أَو ثمانيا أَو تسع سِنِين)
وَسَيَأْتِي أَن الَّذِي اتّفقت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث سبع سِنِين من غير شكّ
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم (يكون فِي آخر الزَّمَان خَليفَة يحثو المَال حثيا وَلَا يعده عدا)
وَابْن مَاجَه مَرْفُوعا (يخرج نَاس من الْمشرق فيوطئون للمهدي سُلْطَانه)
وَصَحَّ أَن اسْمه يُوَافق اسْم النَّبِي ﷺ وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه
وَأخرج ابْن ماجة بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ أقبل فِئَة من بني هَاشم فَلَمَّا رَآهُمْ ﷺ اغرورقت عَيناهُ وَتغَير لَونه
قَالَ فَقلت مَا نزال نرى فِي وَجهك شَيْئا نكرهه فَقَالَ (إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَإِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي بلَاء شَدِيدا وتطريدا حَتَّى يَأْتِي قوم من قبل الْمشرق مَعَهم رايات سود فيسالون الْخَيْر فَلَا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون مَا سَأَلُوا فَلَا يقبلونه حَتَّى يدفعوها إِلَى رجل من أهل بَيْتِي فيملؤها قسطا كَمَا ملأوها جورا فَمن أدْرك ذَلِك مِنْكُم فليأتهم وَلَو حبوا على الثَّلج)
وَفِي سَنَده من هُوَ سيء الْحِفْظ مَعَ اخْتِلَاطه فِي آخر عمره
وَأخرج أَحْمد عَن ثَوْبَان مَرْفُوعا (إِذا رَأَيْتُمْ الرَّايَات السود قد خرجت من خُرَاسَان فأتوها وَلَو حبوا على الثَّلج فَإِن فِيهَا خَليفَة الله الْمهْدي) وَفِي سَنَده مضعف لَهُ مَنَاكِير
وَإِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة وَلَا حجَّة فِي هَذَا وَالَّذِي قبله لَو
стр. 459
فرض انهما صَحِيحَانِ لمن زعم أَن الْمهْدي ثَالِث خلفاء بني الْعَبَّاس
وَأخرج نصير بن حَمَّاد مَرْفُوعا (هُوَ رجل من عِتْرَتِي يُقَاتل عَن سنتي كَمَا قَاتَلت انا على الْوَحْي
وَأخرج أَبُو نعيم ليبْعَثن الله رجلا من عِتْرَتِي أفرق الثنايا أجلى الْجَبْهَة يمْلَأ الأَرْض عدلا يفِيض المَال فيضا)
وَأخرج الرَّوْيَانِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا (الْمهْدي من وَلَدي وَجهه كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي اللَّوْن لون عَرَبِيّ والجسم جسم إسرائيلي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا يرضى لخلافته أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض وَالطير فِي الجو يملك عشْرين سنة)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا (يلْتَفت الْمهْدي وَقد نزل عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ كَأَنَّمَا يقطر من شعره المَاء فَيَقُول الْمهْدي تقدم فصل بِالنَّاسِ فَيَقُول عِيسَى إِنَّمَا أُقِيمَت الصَّلَاة لَك فَيصَلي خلف رجل من وَلَدي) الحَدِيث
وَفِي صَحِيح ابْن حبَان فِي إِمَامَة الْمهْدي نَحوه
وَصَحَّ مَرْفُوعا (ينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم فَيَقُول أَمِيرهمْ الْمهْدي تعال صل بِنَا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم أَئِمَّة على بعض تكرمة الله هَذِه الْأمة)
وَأخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم أَنه ﷺ قَالَ (لَا يزْدَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا الدُّنْيَا
стр. 460
إِلَّا إدبارا وَلَا النَّاس إِلَّا شحا وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَلَا مهْدي إِلَّا عِيسَى ابْن مَرْيَم) أَي لَا مهْدي على الْحَقِيقَة سواهُ لوضعه الْجِزْيَة وإهلاكه الْملَل الْمُخَالفَة لملتنا كَمَا صحت بِهِ الْأَحَادِيث أَو لَا مهْدي مَعْصُوما إِلَّا هُوَ وَلَقَد قَالَ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة لطاوس عمر بن عبد الْعَزِيز الْمهْدي قَالَ لَا إِنَّه لم يستكمل الْعدْل كُله
أَي فَهُوَ من جملَة المهديين وَلَيْسَ الْمَوْعُود بِهِ آخر الزَّمَان وَقد صرح أَحْمد وَغَيره بِأَنَّهُ من المهديين الْمَذْكُورين فِي قَوْله ﷺ (عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي)
ثمَّ تَأْوِيل حَدِيث (لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى) إِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير ثُبُوته وَإِلَّا فقد قَالَ الْحَاكِم أوردته تَعَجبا لَا محتجا بِهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن خَالِد وَقد قَالَ الْحَاكِم إِنَّه مَجْهُول وَاخْتلف عَنهُ فِي إِسْنَاده وَصرح النَّسَائِيّ بِأَنَّهُ مُنكر وَجزم غَيره من الْحفاظ بَان الْأَحَادِيث الَّتِي قبله أَي الناصة على أَن الْمهْدي من ولد فَاطِمَة أصح إِسْنَادًا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ (إِذا قَامَ قَائِم آل مُحَمَّد ﷺ جمع الله أهل الْمشرق وَأهل الْمغرب فَأَما الرفقاء فَمن أهل الْكُوفَة وَأما الأبدال فَمن أهل الشَّام) وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (يكون اخْتِلَاف عِنْد موت خَليفَة فَيخرج رجل من الْمَدِينَة
следующие страницы →