← Акыда

Акыда · id 6550

حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر

ابن الحاج القناوي

Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.

стр. 71

فَوَقع إِيمَان الْمُؤمنِينَ بمشيئتهم وَنفى أَن يشاءوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلِهَذَا أفرطت الْمُجبرَة لما رَأَوْا أَن هدايتهم معذوف بمشيئته تَعَالَى فَقَالُوا الْخلق مَجْبُورُونَ فِي طاعتهم كلهَا إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وفرطت الْقَدَرِيَّة لما رَأَوْا أَن هدايتهم إِلَى الْإِيمَان معذوف بِمَشِيئَة الْعباد فَقَالُوا الْخلق خالقون لأفعالهم إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ومذهبنا هُوَ الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ مَذْهَب بَين مذهبي الْمُجبرَة والقدرية وَخير الْأُمُور أوساطها وَذَلِكَ أَن أهل الْحق قَالُوا نَحن نفرق بَين مَا اضطررنا إِلَيْهِ وَبَين مَا اخترناه بِمَا كُنَّا قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب وَهُوَ أَنا ندرك تفرقه بَينه بَين حَرَكَة الارتعاش الْوَاقِعَة فِي يَد الانسان بِغَيْر محاولته وإرادته وَلَا مقرونة بقدرته وَبَين حَرَكَة الِاخْتِيَار إِذا حرك يَده حَرَكَة مماثلة لحركة الارتعاش وَمن لَا يفرق بَين الحركتين حَرَكَة الِاخْتِيَار وحركة الارتعاش وهما موجودتان فِي ذَاته ومحسوستان فِي يَده لمشاهدته وَإِدْرَاك حاسته فَهُوَ معتوه فِي عقله ومختل فِي حسه وخارج من حزب الْعُقَلَاء هَذَا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ طَرِيق بَين طريقي الافراط والتفريط وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَبِهَذَا الِاعْتِبَار إختار أهل النّظر من الْعلمَاء أَن سموا هَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين كسبا وَأخذُوا هَذِه التَّسْمِيَة من كتاب الله وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَظهر لَك من هَذَا أَن إكتسابات الْعباد خلق لله تَعَالَى دونهم وَكسب لَهُم دون الله تَعَالَى لِأَن الْكسْب لَا يتَصَوَّر من الله تَعَالَى لتَعَلُّقه بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَلَا يتَصَوَّر الْخلق من المخلوقين لعدم علمهمْ بتفاصيل مَا يصدر مِنْهُم وَلما قَامَ من الدَّلِيل أَن لَا خَالق إِلَّا الله وللفقيه أبي الْقَاسِم رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تصنيف ممتع بَين فِيهِ حَقِيقَة الْكسْب أملاه عَليّ فاطلبه وَقد قَامَت الْأَدِلَّة البراهينية فِي الْآيَات الْكِتَابِيَّة أَن الله سُبْحَانَهُ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَأَن كلا من عِنْد الله وَأَن الله ﴿خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾

стр. 72

﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي وعملكم و ﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ و ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ و ﴿لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وأمثالها فِي الْقُرْآن كثير وَقَول النَّبِي ﷺ كنز من كنوز الْجنَّة لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ أَتَدْرُونَ مَا تَفْسِيرهَا لَا حول عَن مَعْصِيّة الله وَلَا قُوَّة على طَاعَة الله إِلَّا بِاللَّه وَقَوله ﵇ إِن الله خَالق كل صانع وصنعته وَشبه هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة الْكَلَام أَنه حرف وَصَوت وَاخْتلفُوا فِي إِجْرَاء صفة الْكَلَام على الله تَعَالَى فَقَالَت الحشوية هُوَ من صِفَات الله تَعَالَى هربا من أَن يَجْعَلُوهُ مُحدثا وَقَالَت الْمُعْتَزلَة هُوَ من صِفَات أَفعاله هربا من أَن يجْعَلُوا الصَّوْت والحرف قَدِيما فوصفت الحشوية رَبهَا بِأَنَّهُ فِي أزل أزله مُتَكَلم بِصَوْت وحرف وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَلَام مُحدث مَخْلُوق فلزمهم أَن يكون ﷻ قبل أَن يحدث كَلَامه إِمَّا ساكتا وَإِمَّا أخرس وَكِلَاهُمَا صفتا ذمّ تَعَالَى الله عَن قبولهما وَكَونه متكلما صفة كَمَال وَهُوَ أَحَق أَن يُوصف بهَا وَيلْزم الْمُعْتَزلَة لما أحدث كَلَامه إِمَّا أَن يكون أحدثه فِي ذَاته فَيصير محلا للحوادث وَإِذا كَانَ محلا للحوادث وَجب أَن يكون مُحدثا وإم أَن يكون خلقه وأحدثه لَا فِي مل وَهَذَا يُوجب قيام الصّفة بِنَفسِهَا لَا فِي مَحل وَهُوَ مُسْتَحِيل وَإِمَّا أَن يكون خلق كَلَامه وأحدثه فِي غَيره كَمَا قَالَ بَعضهم خلقه فِي الشَّجَرَة فيلزمهم أَن تكون الشّجر هِيَ المكلمة لمُوسَى ﵇ وَأَن تكون هِيَ القائلة أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِنَّمَا أعمت قُلُوبهم أَنه وَردت فِي كتاب الله تَعَالَى لم يفقهوا وَهِي قَوْله تَعَالَى

стр. 73

﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ ولايشك عَاقل أَن الْقُرْآن مُحدث التَّنْزِيل وَلم ينزل الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ إِلَّا نجوما شَيْء بعد شَيْء فِي نَيف وَعشْرين سنة فَالله يَقُول لنَبيه ﵇ ﴿مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ وَقَوله بعد النُّبُوَّة والرسالة ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ حَتَّى

стр. 74

نسخت بقوله ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ الْآيَات الواردات فِيهِ ﷺ وَفِي الْمُؤمنِينَ وَفِي الْمُشْركين إِلَى قَوْله ﴿وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ فَلَو كَانَت هَذِه الْآيَات نزلت عَلَيْهِ أَولا لما قَالَ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ وَهَذِه جَهَالَة من أهل الاعتزال بِصِفَات ذِي الْجلَال والكمال والحشوية أَصَابُوا الْحق من حَيْثُ قَالُوا أَنه مُتَكَلم فِي أزله بِكَلَام قديم أزلي كَسَائِر صِفَاته الذاتية وأخطأوا فِي قَوْلهم أَن كَلَامه صَوت وحرف والمعتزلة أخطأوا فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله صَوت وحرف واصابوا فِي كَونهم نزهوا ذَات الله عَن الْحَرْف وَالصَّوْت وَلكنه تَنْزِيه فِيهِ عدم التَّنْزِيه فَلَزِمَ مِنْهُ جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ ومذهبنا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ مَذْهَب بَين طريقي الافراط من الْمُعْتَزلَة والتفريط من الحشوية وَهُوَ أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام أزلي قديم كَسَائِر صِفَاته وَأَن حَقِيقَة الْكَلَام أَنه معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَإِنَّمَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالحروف والأصوات ليفهم الْغَيْر تَارَة للحاضر إِذا كَانَ يفهم لغتنا وبلغته تَارَة إِذا كَانَ عجميا وَتارَة بالحروف وَحدهَا إِذا كَانَ غَائِبا وَإِن كَانَ حَاضرا وَهُوَ أخرس فيستدل على الْكَلَام الْقَائِم بذاتنا لَهُ بِالْإِشَارَةِ والإيماء وَلَا يُطيق اُحْدُ من الْبشر أَن يُوصل كَلَامه الْقَائِم بِذَاتِهِ إِلَى إفهام غَيره من الْخلق إِلَّا بالحروف والأصوات فَأَما رَبنَا جلّ وَعلا فيكلم خلقه على ثَلَاثَة أنحاء أما إلهاما كالخضر ﵇ وَإِمَّا من وَرَاء حجاب كموسى ﵇ وَإِمَّا بإرسال رَسُول كمحمد ﷺ قَالَ الله

стр. 75

تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَأَيْنَ الْحَرْف وَالصَّوْت هَا هُنَا وَأَيْنَ اشْتبهَ عَلَيْهِم فِي تكليم مُوسَى وإرسال الرَّسُول فَمَا فِي إلهام الْخضر ﵇ إشتباه وَالْحَمْد لله فَلْيتَأَمَّل فَفِيهَا شِفَاء للصدور وَكَذَلِكَ لايطيق الْبشر أَن يَتْلُو كَلَام الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾ تَأمل قَوْله ﴿يسرناه﴾ فَفِيهِ معنى الصنع وَقَوله ﴿بلسانك﴾ فَفِيهِ معنى لُغَة الغرب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فَفِي جَعَلْنَاهُ معنى صيرناه وَفِي قَوْله عَرَبيا معنى اللُّغَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ فَانْظُر إِلَى فضل الله سُبْحَانَهُ ولطفه بخلقه وعظيم كَلَامه فِي طي حُرُوف وأصوات هِيَ صِفَات أنفسهم كَمَا يصنع الْخلق فِي إفهام كَلَامهم الصَّادِر عَن أنوار عُقُولهمْ إِلَى بواطن الْبَهَائِم فِيمَا يُرَاد من تَقْدِيمهَا وتأخيرها ومشيها ووقوفها وشربها المَاء بوسيلة صِفَات الْبَهَائِم من النقر والصفير والأصوات الَّتِي تشاكلها وَكَذَلِكَ الطِّفْل الصَّغِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ عِنْد الزّجر والتخويف وَالتَّرْغِيب والتفهيم فِي الْأَشْيَاء الْمضرَّة المفزعة والأشياء الملذة الْحَسَنَة بِنَوْع من الْأَلْفَاظ المشاكلة لفهمه فَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة تعظم وتوقر وتحترم إِذا كتب بهَا كَلَام الله أَو تلِي وَإِذا لم يكْتب بهَا إِلَّا الشّعْر وَكَلَام المخلوقين لم يكن لَهَا حُرْمَة وَلَا تَعْظِيم وَلَا توقير وَلَا يُوجب ذَلِك قدمهَا كحجارة الْبَيْت الْعَتِيق قطعت من الْجَبَل

стр. 76

فبنيت بهَا الْكَعْبَة فعظمت بِالطّوافِ حولهَا وَلَا يقربهَا حَائِض وَلَا جنب وَلَا من على غير وضوء فَكَذَلِك الْمُصحف ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَلَا يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو إحتراما لكَلَام الله تَعَالَى وَلَا يُوجب ذَلِك قدم الْمُصحف كَمَا لَا يُوجب قدم الْكَعْبَة وَلَا قدم الْحجر الْأسود الَّذِي يعظم وَيقبل ويلتزم وَكَذَلِكَ تَعْظِيم الْأَنْبِيَاء واحترامهم لَا يُوجب قدمهم فَمَا أعظم جهل الحشوية وَمَا أحمقهم وَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة كَأَنَّهَا جَسَد لروح كَلَام الله وَصَارَ كَلَام الله كَأَنَّهُ روح الأجساد الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة وَمَا أحسن مَا تفطن لَهُ بعض الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وأنما جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ... وَقد أخبر عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا بقوله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذا جاؤوك حيوك بِمَا لم يحيك بِهِ الله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ أَلا تراهم كَيفَ لما دخلُوا على النَّبِي ﷺ غشاوة فِي التَّحِيَّة بالنطق بلسانهم وَأخْبر الله عَن كَلَامهم الْمَوْجُود فِي بواطنهم بقوله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا نقُول﴾ وَاعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من الْعقل الْمَحْض والحشوية تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من ظَاهر الشَّرْع

стр. 77

الْمَحْض وَمن الْعرف الْجَارِي بِهِ الْعَادة فِيمَا يتخاطب بِهِ الْخلق فظنوا أَن كَلَام الله مثل كَلَامهم فحكموا على الْغَائِب عَنْهُم بِالشَّاهِدِ عِنْدهم وَمن قَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فقد أَخطَأ عِنْد جمَاعَة الْمُتَكَلِّمين واهل الْعقل أجميعن فَلَا يحمل علم الْعَالم على جهل الْجَاهِل وكونهم يَقُولُونَ لَا يفهم كلَاما إِلَّا صَوتا وحرفا فَكَلَام الْعَوام وَمن لَا يدْرِي شَيْئا وَلَا يعرف أحقيقة لَا وَلَا مجَازًا وَسبب ذَلِك كُله عدم ممارستهم للْعُلَمَاء بل لطلبة الْعلم من أهل الْكَلَام فَهَؤُلَاءِ فرطوا وَأُولَئِكَ أفرطوا وَأهل الْحق جمعُوا بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول أَي بَين الْعقل وَالشَّرْع واستعانوا فِي دَرك الْحَقَائِق بمجموعهما فسلكوا طَرِيقا بَين طريقي الافراط والتفريط وسنضرب لَك مِثَالا يقرب من إفهام القاصرين ذكره الْعلمَاء كَمَا أَن الله تَعَالَى يضْرب الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون فَنَقُول لِذَوي الْعُقُول مِثَال الْعقل الْعين الباصرة مِثَال الشَّرْع الشَّمْس المضيئة فَمن اسْتعْمل الْعقل دون الشَّرْع كَانَ بِمَنْزِلَة من خرج فِي اللَّيْل الْأسود البهيم وَفتح بَصَره يُرِيد أَن يدْرك المرئيات وَيفرق بَين المبصرات فَيعرف الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود والأحمر من الْأَخْضَر والأصفر ويجتهد فِي تحديق الْبَصَر فَلَا يدْرك مَا أَرَادَ ابدا مَعَ عدم الشَّمْس المنيرة وَإِن كَانَ ذَا بصر وبصيرة وَمِثَال من اسْتعْمل الشَّرْع دون الْعقل مِثَال من خرج نَهَارا جهارا وَهُوَ أعمى أَو مغمض الْعَينَيْنِ يُرِيد أَن يدْرك الألوان وَيفرق بَين الْأَعْرَاض فَلَا يدْرك الآخر شَيْئا ابدا وَمِثَال من اسْتعْمل الْعقل وَالشَّرْع جَمِيعًا مِثَال من خرج بِالنَّهَارِ وَهُوَ سَالم الْبَصَر مَفْتُوح الْعَينَيْنِ وَالشَّمْس ظَاهِرَة مضيئة فَمَا أجدره وأحقه ان يدْرك الألوان على خقائقها وَيفرق بَين اسودها وأحمرها وأبيضها وأصفرها فَنحْن بِحَمْد الله السالكون لهَذِهِ الطَّرِيق وَهِي الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وصراط الله الْمُبين وَمن زل عَنْهَا وحاد وَقع فِي طَرِيق الشَّيْطَان المتشعبة عَن الْيَمين وَالشمَال قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾

стр. 78

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ تَفَرَّقت بَنو اسرائيل على أثنتين وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين يزِيد عَلَيْهِم مِلَّة وَاحِدَة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَسَأَلُوهُ عَن هَذِه الْوَاحِدَة فَقَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي فَالله تَعَالَى يثبتنا عَلَيْهَا وَلَا يحيد بِنَا عَنْهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَسَأَلت بعض الْعلمَاء العارفين مَا هَذِه الْفرْقَة الَّتِي زَادَت فِي فرق أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وسلسم فَقَالَ رايت فِي كَلَام الْمُحَقِّقين الباحثين العرافين أَن هَذِه الْفرْقَة الزَّائِدَة فِي هَذِه الْأمة قوم يتعرضون الْعلمَاء ويعادون الْفُقَهَاء وَلم يكن ذَلِك قطّ فِي الْأُمَم السالفة ففتشت فَوجدت ذَلِك صَحِيحا فَللَّه الْحَمد وَله الْمِنَّة فَإِنَّمَا أطلنا الْكَلَام هُنَا لِأَن هَذِه الْآيَة وَمثلهَا من الْآيَات فِي الْقُرْآن كثير تَتَضَمَّن تَعْلِيق الْهِدَايَة بِمَشِيئَة الرب سُبْحَانَهُ فأوضحنا القَوْل فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي إِيصَال الْمَقْصُود مِنْهَا إِلَى فهم الْقَاصِر والتارك النّظر فِي علم الْكَلَام ونقرب من إفهام الْعَوام وَالله الْمُوفق للصَّوَاب سُورَة الْمَلَائِكَة ﵈ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات إِن الله عليم بِمَا يصنعون﴾ وَقد تقدم ذكرهَا

стр. 79

سُورَة يس فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد حق القَوْل على أَكْثَرهم فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ سُورَة الصافات قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَأمل قَوْله ﴿أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَلَا يستريب فِي أَن الله خلق الْخلق وأعمالهم لأَنهم كَانُوا ينحتون الْأَصْنَام ويعبدونها من دون الله فأزرى عَلَيْهِم وبكتهم لِأَن النحت فعلهم وعملهم وَقد اخبرك الله أَنه خلقهمْ وعملهم وَمن عَمَلهم ايضا سجودهم للأصنام وَهِي عِبَادَتهم لَهَا فأزرى عَلَيْهِم وَقَالَ انا خلقتكم وخلقت أَعمالكُم وَهُوَ نحتكم للأصنام وسجودكم لَهَا فَكيف تَعْبدُونَ مَا تنحتون وَأَنا الْخَالِق لكم ولأعمالكم فَأنْتم ملكي وَأَعْمَالكُمْ خلقي فَكيف تَعْبدُونَ غَيْرِي بِمَا خلقته فِيكُم مَعَ كونكم خلقي وملكي على نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ لِأَن الْمَسَاجِد هِيَ الاراب

стр. 80

السَّبْعَة وَهِي الْوَجْه وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَالرُّكْبَتَانِ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول هَذِه الاراب خلقي وملكي وَكَيف تسجدون عَلَيْهَا لغيري فَاعْتبر الِاثْنَيْنِ وتأملهما واجل فكرك فيهمَا فَلَا عبَادَة كالتفكر سَحَاب يمطر الْحِكْمَة فتفكر فِي آيَات الْكتاب وَفِي آيَات صنعه تعثر على الصَّوَاب سُورَة الزمر يَقُول فِيهَا ﴿أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب أفأنت تنقذ من فِي النَّار﴾ وفيهَا يَقُول ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ وفيهَا يَقُول ﴿ويخوفونك بالذين من دونه وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد وَمن يهد الله فَمَا لَهُ من مضل أَلَيْسَ الله بعزيز ذِي انتقام﴾

стр. 81

سُورَة الْمُؤمن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لكم من الله من عَاصِم وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ سُورَة الشورى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمون مَا لَهُم من ولي وَلَا نصير﴾ جَريا على سنته فِيمَا تقدم من الْآيَات وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي آخر السُّورَة ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من ولي من بعده وَترى الظَّالِمين لما رَأَوْا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَل إِلَى مرد من سَبِيل﴾ قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ فَافْهَم راشدا هَذِه النكت توفق إِن شَاءَ الله

стр. 82

سُورَة الجاثية فِيهَا قَوْله ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾ هَذِه الْآيَة ذابحة لحلوق الْقَدَرِيَّة والامامية وَمن سلك سبيلهم فِي الِاعْتِقَاد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ سُورَة الحجرات فِي أَولهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا شريك مَعَ الله فِي خلق ذَوَات الْخلق وَخلق أفعالهم وصفاتهم وَاخْتِلَاف ألسنتهم وألوانهم فَإِنَّهُ الْوَاحِد القهار يخلق مَا يَشَاء ويختار وَفِي آخرهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ سُورَة الْقَمَر سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا حَفْص عمر الذَّهَبِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تسحب الْقَدَرِيَّة فِي النَّار على وُجُوههم وَيُقَال لَهُم ﴿ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَوجدت فِي كتاب

стр. 83

التَّحْصِيل للمهدي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر﴾ قيل المجرمون فِي هَذِه الْآيَة الْقَدَرِيَّة وَفِيه يَقُول قَالَ أَبُو هُرَيْرَة جَاءَ مشركو الْعَرَب إِلَى رَسُول الله ﷺ يخاصمونه فِي الْقدر فَنزلت ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وتشبه هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ وَقبلهَا ﴿وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾ الْآيَة سُورَة المجادلة فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ والقدرية يَقُولُونَ إِنَّهُم يمحون مَا كتب الله فِي قُلُوبهم إِذا هموا وَأَرَادُوا وَهَذِه مغالبة تَعَالَى الله فِي جلال تعاليه علوا كَبِيرا بل قَالَ سُبْحَانَهُ قبل هَذِه الْآيَة ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إِن الله قوي عَزِيز﴾ وَهَذَا هُوَ الْحق الْمُبين لمن هداه الله وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾

стр. 84

سُورَة الْملك قَوْله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ اسْتدلَّ على علمه سُبْحَانَهُ بِخلق أَفعَال الْعباد فَفِيهَا رد على الْقَدَرِيَّة والمعتزلة والحشوية وَذَلِكَ أَن فِيهَا دلَالَة على خلق أَفعَال الْعباد وعَلى علمه سُبْحَانَهُ وعَلى أَن القَوْل يكون تَارَة فِي النَّفس وَتارَة بالصوت والحرف فَاعْلَم وَفِي سُورَة ن قَوْله فِي شان يُونُس ﵇ ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم فاجتباه ربه فَجعله من الصَّالِحين﴾ جَريا على عَادَته مَعَ الْأَنْبِيَاء ﵈ فِيمَا تقدم سُورَة المدثر قَوْله تَعَالَى فِي شَأْن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي ﴿سأصليه سقر وَمَا أَدْرَاك مَا سقر لَا تبقي وَلَا تذر لواحة للبشر عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ لما نزلت الْآيَة قَالَ أَبُو جهل يَا معشر قُرَيْش أتعجزون وَأَنْتُم الْمَلأ أَن يَكْفِينِي كل مائَة مِنْكُم رجلا وَاحِدًا إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَن لَيْسَ يعذب فِي النَّار إِلَّا تِسْعَة عشر فَأنْزل الله تَعَالَى عقيب ذَلِك ﴿وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾

стр. 85

يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِأَن ذَلِك فِي كِتَابهمْ الْمنزل على نَبِيّهم ﴿ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا﴾ بِمَا وجدوا عِنْد أهل الْكتاب مُوَافقا لما عِنْدهم فِي كِتَابهمْ ﴿وَلَا يرتاب الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ أَي لَا يشركُونَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِم فِي كِتَابهمْ والمؤمنون أَيْضا كَذَلِك فِيمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ ﴿وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقين ﴿والكافرون﴾ يَعْنِي قُريْشًا ﴿مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا﴾ فأجابهم الله سُبْحَانَهُ بقوله تَعَالَى ﴿كَذَلِك يضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾ قَالَ فِي التَّفْسِير أَي كَمَا أضلّ الله هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين وَالْمُشْرِكين كَذَلِك يضل الله من يَشَاء من خلقه فيخذله عَن إِصَابَة الْحق وَيهْدِي من يَشَاء فيوفقه للحق وَفِي التَّنْزِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ فَتَأمل أَن آيَة وَاحِدَة يضل بهَا قوما وَيهْدِي بهَا آخَرين بل يزيدهم بهَا إِيمَانًا وهم يستبشرون كهذه الْآيَة الَّتِي قَالَ فِيهَا

стр. 86

﴿ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا﴾ وَالْكتاب لمن تَأمله يشد بعضه بَعْضًا وَيشْهد بعضه لبَعض وفيهَا ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾ هَل أَتَى على الانسان فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَفِي آخرهَا ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ سُورَة التكوير قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾

стр. 87

سُورَة الشَّمْس وَضُحَاهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ ذَا احْتج مُحْتَج بِهَذِهِ الْآيَة على الْقَدَرِيَّة وَهِي قَوْله ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ أَي من زكى الله نَفسه ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ قَالَ الضَّمِير فِي زكى يعود على من وَلَا يعود على الله كَمَا فعلوا فِي الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ كَمَا تقدم من قَوْلهم أَن الضَّمِير فِي يشْرَح وَفِي يَجْعَل يعود على من وَلَا يعود على الله تَعَالَى فَيُقَال لمن قَالَ ذَلِك فَمَا تصنع فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ ويشد هَذَا القَوْل النَّبِي ﷺ فِي دُعَائِهِ المقتبس من الْكتاب الْعَزِيز اللَّهُمَّ آتٍ نَفسِي تقواها وزكها أَنْت خير من زكاها أَنْت وَليهَا ومولاها وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾

стр. 88

سُورَة وَاللَّيْل إِذا يغشى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ حَدثنَا الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْحباب ﵁ باسناده إِلَى رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد قَالَ فَأَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَقعدَ وقعدنا حوله وَمَعَهُ مخصره فَنَكس راسه فَجعل ينكت بمخصرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب مَكَانهَا من الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا وَقد كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَمن كَانَ منا من أهل السَّعَادَة فسيصير إِلَى عمل أهل السَّعَادَة وَمن كَانَ منا من أهل الشَّقَاء فسيصير إِلَى عمل أهل الشَّقَاء فَقَالَ ﵇ إعملوا فَكل ميسر أما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة وَأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثمَّ قَرَأَ ﷺ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ والقدرية تَقول إِنَّمَا ذَلِك من الله تَعَالَى على طَرِيق الْجَزَاء فَيُقَال لَهُم من مذهبكم أَن الله تَعَالَى يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ فَمَا باله عرضهمْ للنار بتيسير عمل العسرى اما كَانَ ييسر عَلَيْهِم طَرِيق التَّوْبَة والإنابة وَالصَّلَاح والفلاح فَيكون ذَلِك اصلح لَهُم وَذَلِكَ عنْدكُمْ هُوَ وَاجِب على الله أَن يَفْعَله

стр. 89

لِعِبَادِهِ وَإِلَّا خرج عَن الْحِكْمَة وانعزل عَن الإلهية وَمَا باله أَن لم يفعل لَهُم ذَلِك مَا أماتهم أطفالا قبل أَن يبلغُوا الْحلم فيبخلوا بِالْمَالِ ينفقونه فِي سَبِيل الله ويستغنون عَن رَبهم فَلم يَرْغَبُوا فِي الْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَلم يكذبوا بِالْحُسْنَى وَإِذا فعل لَهُم ذَلِك وأماتهم صغَارًا أدخلهم الْجنَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ فَإِذا دخلُوا إِلَى الْجنَّة ونظروا إِلَى أهل الْأَعْمَال فِي عليين قَالُوا يَا رَبنَا مَا بالك لم تُعْطِنَا كَمَا أَعْطَيْت أهل عليين فَيَقُول هَؤُلَاءِ أهل الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَأَنْتُم متم صغَارًا لم تبلغوا وَلم تعملوا فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا فَأَنت أمتنَا صغَارًا وَلم تنظر لنا بالأصلح وَلَو أبقيتنا حَتَّى نبلغ الْحلم لعملنا كَمَا عمل أهل عليين فجازينا كَمَا جازيتهم فَيَقُول لَهُم علمت أَنكُمْ إِذا بَلغْتُمْ كَفرْتُمْ وعصيتم فأدخلكم النَّار فَنَظَرت لكم بِالْمَصْلَحَةِ فأمتكم صغَارًا فأدخلتكم الْجنَّة وَهَذَا هُوَ الْأَصْلَح لكم فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادي أهل النَّار من دركات لظى واجواره يَا رَبنَا لَو أمتنَا صغَارًا كَانَ الْأَصْلَح لنا أَن نَكُون مَعَ أَطْفَال أهل الْجنَّة فِي أقل منازلها فيخصم الرب ﷻ على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة ويتعالى حكم ذَلِك الْجلَال أَن يُوزن بميزان اهل الاعتزال سُورَة وَالضُّحَى فِيهَا قَوْله ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى ووجدك ضَالًّا فهدى ووجدك عائلا فأغنى﴾ ثمَّ أمره بِثَلَاثَة فِي مُقَابلَة هَذِه الثَّلَاثَة فَقَالَ سُبْحَانَهُ ٢ فِي مُقَابلَة ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى﴾ ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ وَقَالَ فِي مُقَابلَة ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ ﴿وَأما السَّائِل فَلَا تنهر﴾ فَمن استرشدك فارشده وَمن سَأَلَك فأجبه

стр. 90

وَلَا تَنْهَرهُ وَقَالَ فِي مُقَابلَة ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ فَإِذا فعل ذَلِك فقد قَامَ بشكر مَا أَتَاهُ الله من نعْمَة الَّتِي أولاه إِيَّاهَا فتفهم راشدا إِن شَاءَ الله كَذَلِك أَيْضا عدد عَلَيْهِ نعْمَة الله فِي ﴿ألم نشرح لَك صدرك﴾ إِلَى قَوْله ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ مِم ألزمهُ بشكر ذَلِك فَقَالَ ﴿فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب﴾ سُورَة الفلق قَوْله تَعَالَى ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ والقدرية تَقول مَا خلق الله شرا كَمَا يَقُول الْمَجُوس وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة وَذَلِكَ أَن من الْمَجُوس من يَقُول بالتثنية فَيَقُولُونَ للْعَالم إلهان أَحدهمَا يخلق الْخَيْر والأنوار وَهُوَ الرَّحْمَن وَالْآخر يخلق الشَّرّ والظلمة وَهُوَ الشَّيْطَان وَأَنَّهَا اخْتلفَا ثمَّ تهادنا إِلَى وَقت مَخْصُوص مَعْلُوم يعبرون عَنهُ بالقيامة ويسمون بالثنوية والمانوية ينسبون إِلَى ماني الْمَجُوسِيّ الَّذِي كَانَ فِي زمَان كسْرَى وهم الَّذين عناهم المتنبي بقوله

стр. 91

. وَكم لظلام اللَّيْل عنْدك من يَد تخبر أَن المانوية تكذب ... وقاك ردى الْأَعْدَاء يسري عَلَيْهِم وزادك فِيهِ ذُو الدَّلال المحجب ... يَقُول للمدوح إِنَّك تفعل الْخيرَات فِي ظلام اللَّيْل وتنال الظفر بأعدائك فِي اللَّيْل وَمن مَذْهَب الثنوية أَن الظلام لَيْسَ فِيهِ وَلَا عِنْده خير وَأَنت أَيهَا الممدوح قد نصرت على أعدائك ونلت الْمَطْلُوب من مرادك فِي ظلام اللَّيْل وَهَذِه الْأَحْوَال تكذب المانوية الَّذين يقلون تِلْكَ الْمقَالة وَشر الشرور إِبْلِيس اللعين وَالله خالقه وَبث الشَّرّ مِنْهُ وَقيل لقدري كَيفَ يَقُول مَا خلق الله شرا وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ فَقَالَ لست أقرؤها هَكَذَا قيل لَهُ فَكيف تقرؤها فَقَالَ من شَرّ مَا خلق فينون شرا وَيجْعَل مَا نفيا فتعجبوا يَا أولي الْأَلْبَاب من هَذَا الْعجب العجاب يفسدون الْقُرْآن ويخالفون رَبهم حَتَّى يصلحوا إعتقادهم ومذهبهم وَفِيمَا أخذناه عَن سيدنَا الْفَقِيه الشَّيْخ ابي الْقَاسِم ﵁ مَا أخبرنَا بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لأبي بكر ﵁ يَا أَبَا بكر لَو أَرَادَ الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس

стр. 92

فصل فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة مِمَّا أوردهُ الشَّيْخ الْفَقِيه ابو الْقَاسِم ﵀ فِي كتاب الاملاء لَهُ الَّذِي املاه عَليّ وَأَنا أكتب من ذَلِك مَا حَدثنَا بِهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَافع بن خديج مِمَّا حمله سعيد بن الْمسيب ذكر ذَلِك عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ كُنَّا عِنْد سعيد بن الْمسيب فَذكرُوا رجَالًا يَقُولُونَ قدر الله كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال قَالَ فوَاللَّه مَا رَأَيْت سعيدا غضب غَضبا قطّ أَشد مِنْهُ يَوْمئِذٍ حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ أَنه سكن فَقَالَ أتتكلمون بِهِ وَالله لقد سَمِعت فيهم حَدِيثا كفى بهم شرا ويحهم لَو يعلمُونَ قَالَ فَقلت يَرْحَمك الله يَا أَبَا مُحَمَّد فَمَا هُوَ قَالَ فَنظر إِلَيّ وَقد سكت بعض غَضَبه فَقَالَ حَدثنِي رَافع بن خديج أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول يكون فِي أمتِي قوم يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ كَمَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ فَقلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله كَيفَ ذَلِك قَالَ تقرون بِبَعْض وتكفرون بِبَعْض قَالَ قلت جعلت فدَاك يَا رَسُول الله فَكيف يَقُولُونَ قَالَ يجْعَلُونَ إِبْلِيس عدلا لله فِي خلقه وقوته ورزقه ويقلون الْخَيْر من الله وَالشَّر من إِبْلِيس قَالَ فيكفرون بِاللَّه ثمَّ يقرأون على ذَلِك الْكتاب فيكفرون بِالْقُرْآنِ بعد الْإِيمَان والمعرفة قَالَ فَمَا تلقى أمتِي مِنْهُم من الْعَدَاوَة والبغضاء والجدال أُولَئِكَ زنادقة هَذِه الْأمة فِي زمانهم يكون ظلم السُّلْطَان فيا لَهُ من ظلم وحيف واثراه ثمَّ يبْعَث الله تَعَالَى طاعونا فيفنى عامتهم ثمَّ يكون الْخَسْف فَقل من ينجو مِنْهُ الْمُؤمن يَوْمئِذٍ قَلِيل فرحه شَدِيد غمه قَالَ يكون المسخ فيسمخ الله عَامَّة أُولَئِكَ قردة وَخَنَازِير قَالَ ثمَّ يخرج الدَّجَّال على أثر ذَلِك قَرِيبا ثمَّ بَكَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى بكينا لبكائه ثمَّ قُلْنَا مَا هَذَا الْبكاء يَا رَسُول الله قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رَحْمَة لَهُم الأشقياء فَإِن مِنْهُم المتعبد وَمِنْهُم الْمُجْتَهد مَعَ أَنهم لَيْسُوا بِأول من سبق إِلَى هَذَا القَوْل وضاق بِحمْلِهِ ذرعا إِن عَامَّة من هلك من بني إِسْرَائِيل بالتكذيب أَنه قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله فَقل لي كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ فَقَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَحده وانه لَا يملك اُحْدُ مَعَه ضرا وَلَا نفعا وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم ان الله تَعَالَى خلقهما قبل الْخلق ثمَّ خلق خلقه فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَمن شَاءَ إِلَى

стр. 93

النَّار عدلا مِنْهُ كل ذَلِك كل يعْمل بِمَا قد فرغ مِنْهُ وَهُوَ صائر إِلَى مَا خلق لَهُ فَقلت صدق الله وَرَسُوله ثمَّ ذكر الْفَقِيه طرق هَذَا الحَدِيث وَشَرحه فالتمسه فِي كتاب الاملاء لَهُ تَجدهُ إِن شَاءَ الله وَمن ذَلِك قَالَ الْفَقِيه مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم قَالَ الْفَقِيه فَهَذَا الْخَبَر فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة إِذْ هُوَ ﷺ لَا ينْهَى عَن مجالسة أهل الدّين إقتداء لما علمه الله تَعَالَى إِذْ يَقُول فِي سُورَة مَكِّيَّة ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقد بَين الله سُبْحَانَهُ عُقُوبَة من فعل ذَلِك وَخَالف مَا أمره الله إِذْ يَقُول فِي سُورَة مَدَنِيَّة ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ فَبين سُبْحَانَهُ بقوله ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ مَا كَانَ أَمرهم بِهِ من قَوْله فِي السُّورَة المكية ﴿فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ثمَّ بَين فِي هَذِه السُّورَة المدنية أَن مجالسة من هَذِه صفته لُحُوق بِهِ فِي إعتقاده وَقد ذهب قوم من أَئِمَّة هَذِه الْأمة إِلَى هَذَا الْمَذْهَب وَحكم بِمُوجب هَذِه الْآيَات فِي مجَالِس أهل الْبدع على المعاشرة والمخالطة مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن

стр. 94

الْمُبَارك فَإِنَّهُم قَالُوا فِي رجل شَأْنه مجالسة أهل الْبدع قَالُوا ينْهَى عَن مجالستهم فَإِن انْتهى وَإِلَّا ألحق بهم يعنون فِي الحكم قيل لَهُم فَإِنَّهُ يَقُول إِنِّي أجالسهم لأباينهم وأرد عَلَيْهِم قَالُوا ينْهَى عَن مجالستهم فَإِن لم ينْتَه ألحق بهم قَالَ وَفِيمَا رَوَاهُ أنس بن مَالك قَالَ رَسُول الله ﷺ مجوس الْعَرَب وَإِن صَامُوا وصلوا الْقَدَرِيَّة وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم قَالَ وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي آخر أمتِي قوم يتفقهون فِي دين الله ويقرأون كتاب الله كَمَا يشرب المَاء الْبَارِد لَا يُجَاوز تراقيهم يكذبُون بأقدار الله هم مجوس أمتِي هم مجوس أمتِي هم مجوس أمتِي وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل أمة مجوسا وَإِن مجوس هَذِه الْأمة الْقَدَرِيَّة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم قَالَ وروى أَبُو الزبير مُرْسلا عَن رَسُول الله ﷺ انه قَالَ إِن مجوس هَذِه الْأمة المكذبون بأقدار الله جلّ وَعز إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن لقيتموهم فَلَا تسلموا عَلَيْهِم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم وَخرج أَبُو دَاوُد حَدِيث ابْن عمر فيهم الَّذِي سقناه وَخرج عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل أمة مجوس ومجوس هَذِه الْأمة الَّذين يَقُولُونَ لَا قدر من مَاتَ مِنْهُم فَلَا تشهدوا جنَازَته وَمن مرض مِنْهُم فَلَا تعودوهم وهم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بالدجال

стр. 95

خبر غيلَان القدري وَمثله على كفره بِالْقدرِ ونورد هَا هُنَا خبر غيلَان القدري وَمثله على كفره بِالْقدرِ قَالَ بعض المصنفين الْأَخْبَار قَالَ عون بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَن غيلَان القدري يتَكَلَّم فِي الْقدر فَبعث إِلَيْهِ وَنَهَاهُ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إبعث إِلَيّ من يكلمني ويناظرني بَين يَديك فَإِن ظفر بِي فاقتلني وَإِن ظَفرت بِهِ فَمَا لَك عَليّ من سَبِيل قَالَ فَبعث أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْأَوْزَاعِيّ فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ غيلَان القدري فَقَالَ لَهُ خاطبه وناظره وحاججه فوَاللَّه لَئِن ظَفرت بِهِ لأقتلنه فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيّ تَسْأَلنِي أَو أَسأَلك فَقَالَ لَهُ القدري سلني وَلَا تكثره فَقَالَ لَهُ الاوزاعي أَسأَلك عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء وَبعدهَا أَرْبَعَة أُخْرَى هَل علمت ان الله قضى على مَا نهى عَنهُ فَقَالَ لَهُ قضى على مَا نهى عَنهُ مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيّ هَل علمت أَن الله حَال دون مَا أَمر بِهِ فَقَالَ القدري هَذِه أعظم من الأولى مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ هَل علمت أَن الله أعَان على مَا حرم فَقَالَ القدري هَذِه أعظم من الإثنتين مَا عِنْدِي من هَذَا علم فَأمر بِهِ هِشَام فَقتل ثمَّ قَالَ هِشَام للأوزاعي يَا أَبَا عَمْرو تَكَلَّمت ففسره قَالَ الاوزاعي سَأَلته عَن ثَلَاث كَلِمَات من كتاب الله تَعَالَى قلت لَهُ هَل علمت أَن الله تَعَالَى قضى على مَا نهى عَنهُ نهى آدم ﵇ عَن أكل الشَّجَرَة وَقضى عَلَيْهِ بأكلها وَقلت لَهُ هَل علمت أَن الله حَال دون مَا أَمر بِهِ أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَحَال بَينه وَبَين ذَلِك وَقلت لَهُ هَل علمت أَن الله أعَان على مَا حرم حرم الْميتَة وأعان الْمُضْطَر على أكلهَا ثمَّ قَالَ هِشَام أَخْبرنِي عَن الرَّابِعَة مَا هِيَ قَالَ كنت أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن

стр. 96

مشيئتك أَهِي متفقة مَعَ مَشِيئَة الله أَو مشيئتكم دون مَشِيئَة الله تَعَالَى فَأَيّهمَا أجابني فِيهِ حل دَمه ثمَّ قَالَ هِشَام للأوزاعي فَأَخْبرنِي عَن الْأَرْبَعَة الْأُخْرَى مَا هِيَ وَمَا كنت تَقول لَهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ كنت أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله خلقك كَمَا يَشَاء أَو كَمَا شِئْت قَالَ فَكَانَ يَقُول كَمَا شَاءَ ثمَّ أَقُول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله يرزقك إِذْ شِئْت أَو إِذا شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِذا شَاءَ ثمَّ اقول لَهُ أَخْبرنِي عَن الله يتوفاك إِذا شِئْت أَو إِذا شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِذا شَاءَ ثمَّ اقول لَهُ فَإِذا توفاك أَيْن مصيرك حَيْثُ شِئْت أَو حَيْثُ شَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول حَيْثُ شَاءَ ثمَّ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من لم يُمكنهُ أَن يحس خلقه وَلَا يزِيد فِي رزقه وَلَا يُؤَخر فِي أَجله وَلَا يصير نَفسه حَيْثُ شَاءَ فَأَي شَيْء فِي يَدَيْهِ من الْمَشِيئَة قَالَ هِشَام صدقت يَا أَبَا عَمْرو قَوْله فأيها أجَاب بِهِ حل دَمه تَفْسِيره كَلَام عَليّ ﵇ لقدري إِن زعمت أَنَّك تملكه مَعَ الله فقد جعلت مَعَ الله مَالِكًا وَإِن زعمت أَنَّك تملكه دون الله فقد جعلت من دون الله مَالِكًا قَالَ الْأَوْزَاعِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقَدَرِيَّة مَا رَضوا بقول الله وَلَا بقول الْمَلَائِكَة وَلَا بقول الْأَنْبِيَاء ﵈ الْخَبَر الَّذِي أوردناه فِي صدر الْكتاب وَبينا فِيهِ مَا قَالَ الله وَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة إِلَى آخر الْخَبَر إِلَّا أَنه قَالَ فِي هَذَا الْخَبَر أما قَول الله فَإِنَّهُ قَالَ ﴿فاجتباه ربه فَجعله من الصَّالِحين﴾ وَمر إِلَى آخِره على مَا كُنَّا شرحناه واما حَدِيث عَليّ ﵇ مَعَ القدري فَإِن عليا ﵇ مر بِنَفر من أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا يَقُول ان أَفعاله تكون بمشيئته فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇ اخبرني هَل ملكك الله شَيْئا فَأَنت تملكه ام لَا فَقَالَ نعم ملكني صَلَاتي وصيامي وحجي وجهادي وَعتق رقيقي وَطَلَاق نسَائِي فَقَالَ عَليّ ﵇ أشيئا مَعَ الله تملكه أم شَيْئا دون الله تملكه قَالَ إِنِّي لَا أسمع فَقَالَ عَليّ ﵇ إِنِّي لأتكلم بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين إِن زعمت أَنَّك تملكه مَعَ الله فقد جعلت مَعَ الله مَالِكًا وَإِن زعمت أَنَّك تملكه من دون الله فقد جعلت من دون الله مَالِكًا

стр. 97

وَفِي رِوَايَة قَالَ عَليّ ﵇ وأيها قلت أخذت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك فبهت وَانْقطع وَسَأَلَ عليا ﵇ بعض أَصْحَابه فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت أفعالنا هِيَ خلق لله أم لنا فَقَالَ الله خلقهَا وَأَنت تعملها لَا تسْأَل عَن هَذَا اُحْدُ غَيْرِي قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم كل ذَلِك وَردت عَنهُ ﵇ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح والأقوال الْوَاضِحَة تَأمل قَوْله الله خلقهَا وَأَنت تعملها أخْبرك أَن الله خَالِقهَا وَأَنه خَالق كل شَيْء وَلَا خَالق سواهُ قَوْله وَأَنت تعملها إِشَارَة إِلَى مَا شرحناه أَولا لَك فِي معرفَة الْكسْب وَمَا يصدر من الْإِنْسَان على وَجه المحاولة لَهُ والإيثار كَمَا ورد فِي الْقُرْآن بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَبِمَا كُنْتُم تكسبون وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ كَمَا تَقول هَذَا لونك وَهَذِه صحتك وَهَذَا أَيْضا فعلك وعملك وكسبك لكل مَا حاولته وآثرته على التّرْك فَعِنْدَ المحاولة أجْرى الْعَادة وطرد السّنة أَن يخلق الْقُدْرَة عَلَيْهِ ويخلق لَك الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ الْمُخَالف لحركة الارتعاش الَّتِي لَيست هِيَ بمحاولتك وَلَا إرادتك وَلَا مقرونة بقدرتك وَكَذَلِكَ الزج فِي الصبب إِذا كنت قَائِما على جبل عَال وقدامك صبب إِلَى أَسْفَل الْجَبَل وزجك زاح من علو الْجَبَل فِي ذَلِك الصبب اَوْ تعاطيت إِن خطوت خطوَات ثمَّ هِبته فَأَرَدْت الْوُقُوف وَالرُّجُوع فَلم تَجِد لذَلِك سَبِيلا فَانْظُر إِلَى حركاتك وَنقل أقدامك هَل هِيَ وَاقعَة بِحَسب إرادتك ومشيئتك وقدرتك أَو بِخِلَاف ذَلِك وَإنَّك لتفرق الْآن بَين من يقطع الْمسَافَة إختيارا اَوْ بَين من يقطعهَا سحبا اَوْ زجا كحركة الارتعاش وحركة تماثلها فِي يدك وَاقعَة بمشيئتك واختيارك وَالْكل من الْفِعْلَيْنِ خلق لله وَإِنَّمَا أَحدهمَا وَقع بقدرة الله لَا بقدرتك وبمشيئة الله لَا بمشيئتك وَالْآخر وَقع بقدرة الله ومشيئته لَكِن مَعَ محاولة مِنْك وإيثار فنسب إِلَيْك بِهَذَا الْوَجْه فَيُقَال هَذَا عَمَلك وفعلك وكسبك كَمَا يُقَال هَذَا لونك وصحتك وشبعك وريك وَمَا اشبهه فَصَارَ مَا يكتسبه الْإِنْسَان خلقا لله دون الْإِنْسَان وكسبا للانسان دون الله وَالْكَسْب محَال وجوده من الله كَمَا أَن الْخلق والإيجاد محَال وجوده من الْإِنْسَان فَاعْلَم

стр. 98

وسنورد لَك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصلا من كَلَام الْفَقِيه أبي الْقَاسِم فِي هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ ان الْفَقِيه وَفقه الله أَشَارَ إِلَى خبر القدري مَعَ جَعْفَر الصَّادِق ﵁ فِي قَوْله يَا ابْن بنت رَسُول الله ﷺ تَعَالَى الله أَن يخلق الْفَحْشَاء فَأَجَابَهُ وَجل رَبنَا ان يكون فِي ملكه مَا لَا يَشَاء الْخَبَر الَّذِي قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب فإنقال قَائِل فَإِذا قُلْتُمْ إِن حَرَكَة الإرتعاش لم تقترن بهَا قدرَة العَبْد واقترنت قدرته بالحركة الاختيارية فقد صَارَت الْقُدْرَة مُؤثرَة فِي مقدورها وَصَارَ العَبْد شَرِيكا مَعَ الله فِي إِحْدَاث مقدوراته الاختيارية الَّتِي تسمونها كسبا فَالْجَوَاب إِنَّا نقُول إِن تعلق الْقُدْرَة بالمقدور كتعلق سَائِر الصِّفَات بِهِ وَإِن تعلقهَا بِهِ لَا يَقْتَضِي إنْشَاء الْمَقْدُور وإبداعه وَلَا إبداع وصف فِيهِ كَمَا ان الْعلم يتَعَلَّق بالمعلوم وَلَا يَقْتَضِي حُدُوثه معنى فِيهِ وَهَذِه الْإِرَادَة تتَعَلَّق بالمراد وَلَا تُؤثر فِي إبداعه وَلَا إبداع معنى فِيهِ وَهَذِه الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالمرىء فَلَا تحدثه الرُّؤْيَة وَلَا تحدث معنى فِيهِ وَلَا تُؤثر فِيهِ وَهَذَا السّمع يتَعَلَّق بالمسموع وَلَا يُؤثر فِيهِ وَلَا فِي وصف لَهُ فَيُقَال هَذَا مَعْلُوم لفُلَان وَمُرَاد لَهُ ومرىء لَهُ ومسموع فَكَذَلِك يُقَال هَذَا مَقْدُور لفُلَان لتَعلق قدرته بِهِ لَا غير وَهُوَ تعلق اقتران لَا تعلق إِحْدَاث وَهَذِه أَوْصَاف كلهَا معقولة كَمَا ترى من غير أَن تَقْتَضِي إِحْدَاث الْمَقْدُور وَلَا إِحْدَاث وصف فِيهِ غير أَن الْقُدْرَة تعلقهَا بالمقدور مُخَالفَة للْعلم والإرادة والإدراك كَمَا أَن الْعلم مُخَالف فِي تعلقه للإدراك والإرادة وَالْقُدْرَة فَاعْلَم ذَلِك وَقد نجز الْمَقْصُود وَللَّه الْمِنَّة

стр. 99

فصل وَقد رَأَيْت سلك الله بك طَرِيق هدايته ان أنقل لَك فصلا مقنعا أملاه الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بِمَكَّة حرسها الله عِنْدَمَا سَأَلَهُ سَائل عَن الْقدر وَمَا يجب على الْمُكَلف إعتقاده فِيهِ فَقَالَ ﵁ من الْحق الْمُبين الَّذِي لَا ريب فِيهِ وَالْيَقِين الَّذِي لَا شكّ يَعْتَرِيه إِن الله تَعَالَى خَالق كل مُحدث ومبدع كل مخترع لما دلّ عَلَيْهِ من الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة والشرعية اما الْعَقْلِيَّة فجهل الْمُخْتَار منا للْفِعْل بتفاصيل إِرَادَته ومراداته وَلَا بُد من معرفَة المريد بمراده ليتَحَقَّق اخْتِيَاره لَهُ وَلَا يَصح ان يكون خَالِقًا بِالِاخْتِيَارِ على مَا شرحناه فِي مَسْأَلَة الْكسْب وَفِي غير مَوضِع وَأما الشَّرْعِيَّة فأولها قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ فَأخْبر أَن تيسير الْأَعْمَال إِنَّمَا هُوَ بِهِ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَبين أَن الْفُجُور وَالتَّقوى بإلهامه لِلْفَاجِرِ والتقي وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ فَأخْبر أَنه خلقهمْ

стр. 100

كفَّارًا ومؤمنين كَمَا قَالَ ﴿فأخرجنا بِهِ ثَمَرَات مُخْتَلفا ألوانها وَمن الْجبَال جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود وَمن النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام مُخْتَلف ألوانه﴾ كَذَلِك فَبين أَنه خلق ألوانها كَمَا خلق ذواتها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ فأبان أَنه خلق اللُّغَات وَالْخطاب وَجعل وجود ذَلِك دلَالَة عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا يدل عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فعله كَمَا أَن فعل غَيره يدل على فَاعله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي خَلقكُم وَأَعْمَالكُمْ وَقَوله ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ وَأما السّنة فأكبر من أَن تحصى وَأقرب ذَلِك قَوْله ﷺ إِن الله خَالق كل صانع وصنعته فنص على أَنه خَالق الصَّنْعَة كَمَا انه خَالق الصَّانِع وَقَوله ﵇ تمّ الْعلم وجف الْقَلَم وَأُمُور تقضى فِي كتاب قد خلا فَأخْبر ان الْقَضَاء جَار بِحَسب مَا كتب فِي الْكتاب الاول قبل خلق الْخلق وَقَوْلهمْ ففيما الْعَمَل يَا رَسُول الله فَقَالَ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقازة وَكَقَوْلِه فِي

стр. 101

كَيْفيَّة الْإِيمَان بِالْقدرِ لما سُئِلَ عَن كَيْفيَّة الْإِيمَان بِهِ قَالَ أَن تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطاك لم يكن ليصيبك وان تعلم أَن الله خلق الْجنَّة وَخلق منَازِل أَهلهَا فِيهَا قبل خلقهمْ وَخلق النَّار وَخلق منَازِل أَهلهَا فِيهَا قبل كَونهم وَقَوله ﷺ إِن خلق احدكم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله ملكا فَيُؤْمَر باربع كَلِمَات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وأشقي ام سعيد وَمثله قَول ابْن عَبَّاس ﵁ فِي قصَّة الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر ﵇ وَأما الْغُلَام فطبع يَوْم طبع كَافِرًا لَا تغفل عَنهُ نكته النكت مَذْهَب هَؤُلَاءِ الْمُذَبْذَبِينَ إِنَّهُم يَعْتَقِدُونَ أَن الله تَعَالَى حَكِيم فَلَا يصدر مِنْهُ لأحد من خلقه ظلم فَيخرج عَن الْحِكْمَة وَلَا يظلم مِثْقَال ذرة وَنحن نقُول أَنه كَيفَ مَا تصرف فِي خلقه فَلَا ينْسب إِلَيْهِ ظلم لِأَنَّهُ تصرف فِي ملكه بِمَا شَاءَ كَيفَ شَاءَ فالظلم لَا يتَصَوَّر مِنْهُ وَفِي أمره للخضر ﵇ بقتل الصَّبِي وَهُوَ دون الْبلُوغ جور عَظِيم وظلم كَبِير على مُقْتَضى مَذْهَبهم وَقَول عَليّ ﵇ وَقد سُئِلَ عَن أَفعَال الْعباد فِي خلقهَا قَالَ الله خلقهَا وَأَنت عملتها لَا تسئل عَن هَذَا أحد غَيْرِي فنص عَليّ خلق الله تَعَالَى للأعمال وعَلى نسبتها إِلَى العَبْد بِأَنَّهَا عمله من حَيْثُ الِاكْتِسَاب وَكَانَت نِسْبَة الْعَمَل إِلَى العَبْد على حد نِسْبَة اللَّوْن الْمَوْجُود فِيهِ والشبع والري وَالصِّحَّة والسقم فالموت والحياة لَهُ فَيُقَال لَونه وشبعه وريه وَصِحَّته وسقمه كَذَلِك يُقَال عمله وَالْفرق بَين هَذِه وَتلك بِالْإِضَافَة إِلَى العَبْد ان الله خلق فِي العَبْد صفة مُتَعَلقَة بحركاته وسكناته وَصلَاته واجتهاده واكتسابه وَلم يَجْعَل لتِلْك

стр. 102

الصّفة تعلقا بلونه وحياته وَمَوته وشبعه وريه وَهِي الصّفة الَّتِي يفرق بهَا الْإِنْسَان حسا بَين كَونه قَاطعا للمسافة سحبا وجذبا ودفعا وزجا وَبَين قطعه لَهَا اخْتِيَارا وإيثارا وبحسب الْمَشِيئَة إِذا تحققت هَذِه الْجُمْلَة فَاعْلَم أَن الشَّرْع رتب على العَبْد مطالبات بأفعاله الَّتِي هِيَ اكتسابه كَمَا بَيناهُ أمراوزجرا وندبا وَلم يرتب هَذِه المطالبات فِي الْقسم الآخر وَالَّذِي هُوَ ملازم لَهُ لَا بمحاولة مِنْهُ ثمَّ اجرى الْعَادة وطرد السّنة أَنه مَتى حاول الْفِعْل الَّذِي هُوَ اكتسابه وَاخْتَارَهُ اعطاه الْقُدْرَة وَخلق مَعهَا الْفِعْل الَّذِي حاوله وَمَتى آثر التّرْك وَفعل الضِّدّ فعل لَهُ ذَلِك على حسب اخْتِيَاره الْعَادة جَارِيَة وَسنة مطردَة وأجرى التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي على هَذَا النَّحْو ولأجله حسن الامتنان بقوله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ واجرى التَّكْلِيف كَذَلِك فَإِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم إِذن أَن الَّذِي كلف الله سُبْحَانَهُ الْعباد تكليفان أَحدهمَا الْإِيمَان بِالْقدرِ وَصفته كَمَا وَصفه ﷺ فِي قَوْله وَإِن تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَتَحْقِيق هَذَا الايمان أَن يدْفع عَن نَفسك لَو وليت وَلَوْلَا فَلَا تَقول لَيْتَني فعلت كَذَا إِذْ الْمَقْدُور لَا بُد كَائِن وَأمر الله على كل حَال نَافِذ وَكَذَا فَلَا تَقول لَو كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا فَلَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله وَمَا قَضَاهُ وَمَا قدره وأمضاه وَكَذَا أَيْضا فَلَا تَقول لَوْلَا كَذَا لَكَانَ كَذَا لِأَن أَمر الله نَافِذ وقضاؤه وَقدره ماضيان هَذَا كُله فِيمَا لَيْسَ عنْدك فِيهِ من الله خبر فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قدر الْأَشْيَاء على جِهَتَيْنِ مُطلقَة ومعلقة فالمطلقة كَمَا أبدع الْأَشْيَاء لَا من شَيْء فَقَالَ لما شَاءَ مِنْهَا كن فَكَانَ والمعلقة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات لم تعلموهم أَن تطؤوهم فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء لَو تزيلوا لعذبنا الَّذين كفرُوا مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾

стр. 103

وَقَول النَّبِي ﷺ لأبي بكر ﵁ يَا ابا بكر لَو اراد الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس فأعلمنا الله سُبْحَانَهُ كَيْفيَّة جَرَيَان قدره فِي تخليق هَذَا الْمَخْلُوق وَهُوَ تَعْذِيب الْمُشْركين من أهل مَكَّة على أَي وَجه يكون وَأَنه لَا يكون إِلَّا بِشَرْط وَإِن الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات من بَينهم وَمثله ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقَوله ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء﴾ وأمثال هَذِه الْآيَات وَحسن من الله سُبْحَانَهُ ذَلِك لعلمه بمجاري أقداره وَكَيف جرى تَقْدِيره فِي خلقه وَحسن هَذَا من رَسُول الله ﷺ لعلمه ذَلِك من الله تَعَالَى بِالْوَحْي فِي قَوْله لَو اراد الله ان لَا يعْصى لما خلق إِبْلِيس أَو لم يخلق إِبْلِيس أَو كَمَا قَالَ ﵇ واستقام ذَلِك النَّبِي ﷺ وَلم يستقم لغيره لجهل الْغَيْر بِعلم الله وَتَقْدِيره وَهُوَ معنى نَهْيه ﵇ عَن الْخَوْض فِي سر الْقدر وَقد فسر النَّبِي ﷺ فِي خبر الفارسين والحطاب اللَّذين اخذ أَحدهمَا مَال الآخر وَقتل الآخر الْحطاب ووحيه سُبْحَانَهُ إِلَى نبيه ان ابا هَذَا أَخذ مَال أبي صَاحبه فرددن عَلَيْهِ مَاله وَأَن الْحطاب قتل أَبَا الْقَاتِل فاقدته بِهِ وَلَا تعارضني فِي قدري

стр. 104

وَكَذَلِكَ الْخَبَر الْأُخَر عَن أحد عباد بني إِسْرَائِيل عِنْدَمَا رأى بعض العصاة قد ارْتكب بعض الْمعاصِي فَقَالَ وَالله لَا يغْفر الله لهَذَا ابدا فَأوحى الله إِلَى نَبِي ذَلِك الزَّمَان قل للعابد أَنْت المتالي عَليّ لَا أَغفر قد غفرت لَهُ وأحبطت عَمَلك فاستأنف الْعَمَل فَلم يكن لأحد الْخَوْض فِي تعْيين قدر الله تَعَالَى إِلَّا بِالْوَحْي مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَهَذَا أحد التكليفين وَهُوَ إِقَامَة الْإِيمَان بِالْقدرِ على حُدُوده وَأما التَّكْلِيف الثَّانِي فالتزام أَحْكَام الشَّرِيعَة أقداما وإنكفافا فَإِذا نَهَانَا الشَّرْع عَن تنَاول السمائم والتوجي بالحدائد انزجرنا عَن ذَلِك ولانقول لَعَلَّ الْأَجَل لم يحضر وَالسُّيُوف مأمورة وَلَا صَاد إِلَّا الله وَلَعَلَّ الْجَارِي فِي قدر الله دوَام الْبَقَاء وَلَا يكون إِلَّا الْمَقْدُور فالحال فِي التكوين هَذَا لَكِن لَا بُد من إِعْطَاء النَّهْي الشَّرْعِيّ حَقه والانكفاف عَن المهلكات فِي الْعَادة وَكَذَلِكَ فِي الْوُقُوف عَن امْتِثَال الْأَوَامِر وَترك التَّوَجُّه إِلَى الْحَج مثلا فِي أَوَانه حِين تعين التَّكْلِيف وَترك النهوض إِلَى الصَّلَوَات إعتمادا على ان الله سُبْحَانَهُ إِذا قضى الْأَثر بموضوع فَلَا بُد من بُلُوغه وَإِذا قدر النهوض إِلَى الصَّلَاة فَلَا بُد من وُقُوعه فَلَا بُد من النهوض للْقِيَام بِحُقُوق الْعِبَادَات على مَا جرت بِهِ الْعَادَات فَمن أخل بذلك أخل بِوَاجِب الْعِبَادَة وَهُوَ تَكْلِيف يجْرِي على الْجَوَارِح والأعضاء وَمن هَذَا الْجِنْس قَول الْقَائِل إِن قدر أَنِّي من أهل السَّعَادَة فقد حصلت وَإِن قدر عَليّ الشقاوة فَلَا يَنْفَعنِي العناء الناجز وَترك الشَّهَوَات الَّتِي النَّفس إِلَيْهَا تائقة فَأَكُون قد جمعت على نَفسِي بلاءين حرمانها شهواتها ومحبوباتها فِي العاجل وحرمانها بِمَا جرى عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي الْأَجَل فَلَيْسَ الْحَال على ذَلِك وَالْقدر نَافِذ على كل الْأَحْوَال والقيم بِحُقُوق الْوَاجِبَات والتكاليف هُوَ وَظِيفَة الْحَاضِر وَهُوَ معنى قَوْله ﷺ لمن قَالَ لَهُ أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَقَالَ لَا إعملوا وسددوا وقاربوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ

стр. 105

فَأمرنَا بِالْعَمَلِ للْقِيَام بِحُقُوق التَّكْلِيف والنهوض بِحَق امْتِثَال الاوامر الشَّرْعِيَّة والانكفاف عَن الزواجر الْوَارِدَة فِي الشَّرِيعَة فإياك أَن يخْتَلط عَلَيْك ترك اُحْدُ التكليفين والاخلال بِإِحْدَى العبادتين فتقيم حُقُوق التَّكْلِيف فِي الْإِيمَان بِالْقدرِ إِيمَانًا لَا يتعارك مَعَه الشكوك فِي استدفاع ضرا وساتجلاب سراء وَنَدم على ترك الْفِعْل لأجل فَوَات مَطْلُوب فالتشكيك فِي شَيْء مِنْهُ قَادِح فِي الْإِيمَان بِالْقدرِ وإخلال بِهَذِهِ الْوَظِيفَة من التَّكْلِيف وَإِيَّاك أَن تقدم على المهالك أَو تتعرض للمعاصي اَوْ المعاطب للاستيناس بِهَذَا الْإِيمَان فتخل بِالْقيامِ بِحُقُوق الْعِبَادَة فِي الِامْتِنَاع مِمَّا اوجب الشَّرْع الِامْتِنَاع مِنْهُ فأعط كلا العبادتين حَقّهَا فِي الِاعْتِقَاد والتصديق وَذَلِكَ فِي الاقدام والانزجار فحيئذ تكون قد نهضت بِوَاجِب الْإِيمَان والطاعات وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بقوله اعْمَلُوا وسددوا وقاربوا فَحَث على الْقيام بِحُقُوق التَّكْلِيف فِي الْعَمَل ثمَّ قَالَ فَكل ميسر لما خلق لَهُ كَأَنَّهُ يَقُول وَإِيَّاك أَن تظن انك لما أمرت بِالتَّشْدِيدِ والمقارنة إِنَّمَا أمرت بذلك لتجري عَلَيْك الْمَقَادِير بِحَسب هَوَاك فِي استجلاب النَّفْع وَدفع الضَّرَر وَلَكِن تَيَقّن ان الْأَمر يجْرِي عَلَيْك بِحَسب إِرَادَة الله سُبْحَانَهُ فِيك وإجرائه قدره عَلَيْك بِأَن لَا تيَسّر إِلَّا لما خلقت لَهُ من خير أَو شَرّ ومعافاة اَوْ بلَاء أَو إِيمَان أَو كفر فاعرف هَذِه الْجُمْلَة فَهِيَ مِمَّا يكثر غلط الخائضين فِي هَذَا الْفَنّ فِيهِ سددك الله وأرشدك وَشرح للْإيمَان صدرك وَيسر لطاعته حركاتك وسكناتك وَغفر لنا وَلَك ولسائر الْمُسلمين وَالْحَمْد لله وصلواته على مُحَمَّد وَآله وَسَلَامه قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم ﵁ مَجْمُوع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى ألزم كل مُكَلّف تكليفين أَحدهمَا إعتقاد وَهُوَ الْإِيمَان بجريان الْقدر بِحَسب تَقْدِير الله وَالثَّانِي إِقَامَة الْعِبَادَات فَلَا تخل بالعبادات لأجل الِاعْتِقَاد وَلَا بالاعتقاد لإِقَامَة الْعِبَادَات فَحِينَئِذٍ يكون الْمُكَلف قد نَهَضَ بوظيفة التكليفين وَقَامَ بِحُقُوق العبادتين هَذَا آخر كَلَام الْفَقِيه يرحمه الله

стр. 106

فصل يَا من استبعد أَن تكون أَفعَال الْعباد خلقا لبارىء الْعباد إنفرد بخلقها دون خلقه أَتُرِيدُ أَن تشاهد خلق الله لَهَا ضَرُورَة وَلَا يلحقك شكّ وَلَا ارتياب فِي أَن الله خَالق أَفعَال الْعباد فقد ارشدك مَوْلَاك أَن كنت تعقل فَقَالَ ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ تَأمل قراءتك الْقُرْآن وَأَنت تحفظه حفظا بليغا هَل إِذْ قَرَأت تعرف نظم الْكَلم بَعْضهَا إِلَى بعض وَضم الْحُرُوف بَعْضهَا إِلَى بعض حَتَّى إِذا قلت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تقصد الْكَلِمَة فتجعله حذاء الْكَلِمَة الَّتِي قبلهَا والحرف حذاء الحدف الَّذِي قبله فتبتديء بِالْبَاء ثمَّ بِالسِّين ثمَّ بِالْمِيم قَاصِدا إِلَى ذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى آخر مَا تَقْرَأهُ وَالله إِنَّك لتعلم من نَفسك وكل قارىء مثلك ذهولك عَن تَرْتِيب الْحُرُوف والكلم شَيْئا فَشَيْئًا وَالدَّلِيل على ذَلِك وَأَنت تعلمه أَنَّك تقْرَأ الْآيَة وَالسورَة وَأَنت ساه ذاهل لاه تَأمل قولي لَك قراءتك تَجِد مَا قلته لَك ونبهتك عَلَيْهِ لَا يعتريك فِيهِ ريب وَلَا شكّ وَإِن غالطت نَفسك وَقلت أَنا الَّذِي أَتَى بالكلم وأرضفها وبالحروف وأنظمها فالحس يكذبك والمشاهدة تخجلك وَهُوَ إِذا وقفت فِي أثْنَاء محفوظاتك وتتحير فَلَا تعرف مَا بعد الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلَا جرى لسَانك بل كَأَنَّك لم تحفظه قطّ وَرُبمَا قطعت الْقِرَاءَة وركعت ثمَّ أخذت الْمُصحف فتنظر الْكَلِمَة الَّتِي غربت عَلَيْك فتخرجها ثمَّ تعود إِلَى قراءك أَو إسترشدت قَارِئًا إِن كَانَ حَاضرا فَإِذا عرفك الْآيَة أخذت تتعجب من نَفسك وَربا قرأتها مرّة أُخْرَى فوقفت عَلَيْهَا وَلم يفتح لَك بِمَا بعْدهَا كَمَا وقفت اولا ثمَّ تجتهد فِي أَن تعرفها وَتقول قد ردهَا عَليّ فلَان يَوْم كَذَا أَو يلحقك هَذَا فِي أيسر السُّور المحفوظات وَلَا وقفت فِيهِ قطّ لَا سِيمَا وَقد جَاءَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك﴾ الْآيَة إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا جَاءَهُ جِبْرِيل يقرئه الْقُرْآن يستعجل ﷺ قصدا مِنْهُ أَن يضبطه وَلَا ينفلت مِنْهُ فَأوحى الله إِلَيْهِ ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ إِن علينا جمعه وقرآنه فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾

стр. 107

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿سنقرئك فَلَا تنسى﴾ وَهَذَا يشبه مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي الدَّلِيل الْقَاطِع على أَفعَال الْعباد وَفِي مسئلة الْكسْب لَهُ وَفِي كتاب الاملاء وَفِي غير مَوضِع من كَلَامه وَبَينه فِي حَرَكَة الْيَد الاختيارية دون حَرَكَة الارتعاش فَإِن الْقَدَرِيَّة وافقونا فِي حَرَكَة الارتعاش أَنَّهَا خلق الله تَعَالَى وخالفوا فِي حَرَكَة الِاخْتِيَار لأجل إقترانها بقدرة العَبْد وإرادته فَقَالُوا هَذِه من خلقنَا دون الله تَعَالَى قَالَ الْفَقِيه لَا يَصح لفاعل شَيْء أَن يكون فَاعِلا على الْجُمْلَة غير فَاعل لَهُ على التَّفْصِيل وَالْفَاعِل لهَذِهِ الْحَرَكَة الاختيارية لَا يَصح ان يكون خَالِقًا لَهَا إِلَّا بعد الْقَصْد إِلَى كل جُزْء فِيهَا وَالْفَاعِل المحرك منا ذاهل عَن تفاصيل أَجْزَائِهَا غير عَارِف بكمية أعداد أَجْزَائِهَا ومراداته مِنْهَا وكيفياتها وَمن أنصف من نَفسه أقرّ بِالْعَجزِ عَن ذَلِك كُله وَلَو سُئِلَ القدري عَن جُمْلَتهَا وَهُوَ المحرك ليده وَقيل لَهُ إِن كنت خَالِقًا لَهَا وفاعلا لَهَا على زعمك فَهَل تعلم أجزء الْحَرَكَة على التَّفْصِيل حَتَّى تعلم كم جَوْهَر قطعته وَكم حَرَكَة قَامَت بِتِلْكَ الْأَجْزَاء بهم وَمن أَيْن ابتدأت الْحَرَكَة بِمَا قطعته من الأحياز وَإِلَى أَي مَوضِع انْتَهَت ووقفت الْيَد عَنهُ وَأَيْنَ جِهَة إرتفاعها وَأَيْنَ جِهَة إنخفاضها وَإِن كنت أَنْت خلقتها وَأَنت فاعلها فحرك يدك حَرَكَة مثلهَا فِي أعداد أَجْزَائِهَا وإعداد وحركتها الْقَائِمَة بهَا وابتدأ فِي حَيْثُ ابتدأت أَولا وقف حَيْثُ انْتَهَت يدك أَولا وَلَا تعلي يدك فَوق الْجِهَة الَّتِي كَانَت أَولا وَلَا تخفضها عنهاولا الْيَد مسرعة فِي حركتها بل على نَحْو الْحَرَكَة الأولى وَقيل لَهُ إِن كنت تعلم ذَلِك كُله فاذكره صَادِقا فَإِن أنصف قَالَ مَا أعلم شَيْئا من ذَلِك فَيُقَال فابحث عَن من يعلم ذَلِك كُله على النَّحْو الَّذِي شرحناه فَأن وَجَدْنَاهُ فَذَلِك هُوَ الْفَاعِل للحركة الموجد لَهَا دون غَيره وَلَا تَجِد ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد القهار لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار حَقًا وَقد نطق بِهِ الْكتاب الْعَزِيز

стр. 108

﴿قل من رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ وَفِي حِكَايَة عَن الْجُنَيْد رَحْمَة الله عَلَيْهِ قيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب وَهُوَ إِمَام وقته فِي علم الْأُصُول ﵁ أَنْت تَتَكَلَّم على كَلَام كل أحد وَهَا هُنَا رجل يُقَال لَهُ الْجُنَيْد فَانْظُر هَل تعترض عَلَيْهِ أم لَا فَحَضَرَ حلقته فَسَأَلَ عبد الله الْجُنَيْد عَن التَّوْحِيد فَأَجَابَهُ فتحير عبد الله فِي كَلَامه وَحسن جَوَابه وَقَالَ أعد عَليّ مَا قلته فَعَاد وَلَكِن لَا بِتِلْكَ الْعبارَة فَقَالَ عبد الله هَذَا شَيْء أجدني لم أحفظه فأعد عَليّ بِهِ مرّة أُخْرَى فَأَعَادَ بِعِبَارَة اخرى فَقَالَ عبد الله لَيْسَ يمكنني حفظ مَا تَقول أمله عَليّ فَقَالَ إِن كنت أجريه فَأَنا أمليه وَقَامَ عبد الله وَقَالَ بفضله واعترف بعلو شَأْنه فَانْظُر وَتَأمل كَلَامه إِلَى آخر مَا أسده وأبلغه وَمَا أدله على مَا قُلْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْل عِنْد قِرَاءَة القارىء لِلْقُرْآنِ على مَا قدمْنَاهُ وبيناه وَبِمَا أحسن هَذَا الْجَواب وَمَا اسده وَمَا ابلغه وَمَا أَعْلَاهُ فِي تفهيم مقصودنا حَيْثُ قَالَ ابْن كلاب لَيْسَ يمكنني حفظ مَا تَقول أمله عَليّ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد إِن كنت أجريه فَأَنا أمليه وَمَا أسْرع بديهته وَأسد مقَالَته يتصاغر عِنْده روية اهل الْأُصُول والبلغاء والفصحاء وَلَو أجبْت عَنْهَا بملء صحيفتين وَثَلَاث وَأَرْبع لما بلغت مبلغ هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ فِي إفهام من يَقُول إِنِّي خَالق لفعلي وَالله ولي التَّوْفِيق التَّوْفِيق من أَرَادَ من خلقه

стр. 109

ونختم كتَابنَا هَذَا بِدُعَاء نتيمن بِهِ وَهُوَ دُعَاء لبَعض العارفين مشاكل لمضمون كتَابنَا هَذَا لَعَلَّ الله يستجيب لنا وَلَعَلَّ يَدْعُو بِهِ دَاع عِنْد الْوُقُوف عَلَيْهِ فيصادف سَاعَة رأفة وَرَحْمَة وَإجَابَة لدَعْوَة أَخ فِي الله حسن إعتقاده فِينَا فيرحمنا الله بِحسن نِيَّته وَقبُول دَعوته وهذ هُوَ الدُّعَاء اللَّهُمَّ إِنِّي لم اعصك معاندة لَك وَلكنهَا مقاديرك الَّتِي قدرتها عَليّ وَلَا حجَّة لي فِي ذَلِك بل الْحجَّة الْبَالِغَة لَك اللَّهُمَّ إِنِّي لم أعمل الحسنا ت إِلَّا بِمَا أَعْطَيْت وَلم أعمل السَّيِّئَات إِلَّا بِمَا قضيت فلولا عطاؤك لَكنا من الخاسرين وَلَوْلَا قضاؤك لَكنا من الفائزين فجد بِمَا اعطيت على مَا قضيت حَتَّى تغْفر هَذَا بِهَذَا يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من ضرّ ينزل بِي يضطرني إِلَى معصيتك ويحول بيني وَبَين أَدَاء فرضك وَأَعُوذ بك أَن أَقُول الْحق أُرِيد بِهِ سواك وَأَعُوذ بك أَن أتزين للنَّاس بِشَيْء يشينني عنْدك وَأَعُوذ بك أَن يكون اُحْدُ أسعد مني بِمَا أَعْطَيْتنِي وَأَعُوذ بك أَن تجعلني عِبْرَة للْعَالمين وعلكا فِي أَفْوَاه الماضغين بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ أبين رجائي وخوفي حَتَّى لَا أرجوك إِلَّا خَائفًا وَلَا أخافك إِلَّا راجيا اللَّهُمَّ اجْعَل ثَمَرَة خوفي مِنْك الاقلاع عَن معصيتك وَثَمَرَة رجائي فِيك الاسراع إِلَى طَاعَتك يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ وَالصَّلَاة على سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْم الدّين