← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 655

سلوة الأحزان للاجتناب عن مجالسة الأحداث والنسوان

المشتولي

Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.

стр. 36

" تنبيه " اعلم أن المعازف هي آلات اللهو كلها لا خلاف في ذلك، ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر و " الحر " فإن كان بالحاء والراء فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صح عن الصحابة لبسه إذ " الخز " نوعان: أحدهما من الحرير، والآخر من صوف، وقد روى هذا الحديث بالوجهين وأسند ابن ماجه عن مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رءوسهم بالمعازف يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " وإسناده صحيح. وقد توعد الله تعالى مستحلي المعازف بأن يخسف بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان الوعيد على هذه الأفعال فلكل واحد منها قسط في الذم والوعيد. وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : " يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ ". قيل يا رسول الله، متى يكون ذلك؟ قال: " إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر ". وأما حديث عمران الذي رواه الترمذي " يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ ".فقال رجل من المسلمين متى ذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ". وروى أحمد في مسنده وأبو داود عنه أن النبي ﷺ قال: " إن الله حرم الخمر والميسر والمزر والكوبة والغبيراء ". وأما حديث ابن عباس ففي المسند أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر والطبل ".وعن أبي أمامة الباهلي يرويه عن أحمد في مسنده عنه عن النبي ﷺ قال: " تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير فتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم المغنيات ". وعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: " يبيت قوم من هذه الأمة على بطر وأشر ولهو فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير وليصيبهم خسف، وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة دار فلان! خسف الله بيت فلان! ولترسلن عليهن حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور فيها ولترسلن الريح العقيم التي أهلكت عاداً بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم ". وأما حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا غضب الله على أمة ثم لم ينزل عليهم العذاب حتى غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارتها، وحبس عنها أمطارها، ولم تغزر أنهارها وسلط عليها أشرارها ". وأما حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " يكون في أمتي خسف وقذف " قلت: يا رسول الله، وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال: " إذا ظهرت القينات، وظهر الزنا، وشرب الخمر، ولبس الحرير كان ذا عندنا ". وأما حديث عبد الله بن سابط فأسنده ابن أبي الدنيا عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " يكون في أمتي المعازف واستحلوا الخمر ". فصل في موقف القرطبي ممن يجيز السماع بالطارات والشبابات

стр. 37

قال القرطبي ﵀: سمعت بعض من نكب عن الحق، وعدل عن سواء الطريق وقد اجتمع حوله جماعة من الفقراء يقول: السماع بالطارات والشبابات مع الوجوه الحسان والسمع الموجود - جائز وهو مذهبي وبه أقول! فوقع بيني وبينه كلام وهجران، فقلت له: هذا قول مرغوب عنه وفعل حرام بإجماع المسلمين على ما نقله أئمتنا إذ هو فسوق ولأن الطبع البشري يحمل على النظر، وينفح في القلب ما لا يحل، ومن قال إن طباعه مخالفة طبع البشر كذب. فأجاب دافعاً عن نفسه بأن قال: إنما عنيت بالوجوه الحسان التي يتقرب إلى الله تعالى فقلت له: هذا تأويل غير مستقيم وتورية على غير المنهج القويم فكان ينبغي أن يقيد إطلاق كلامك، حتى لا يفهم منه غير ذلك وإنما يتقرب إلى الله تعالى بالقلوب الخاشعة والأفئدة الخاضعة الذي خضعت لعزته، ووجلت لعظمته، وعرفته حق معرفته قال الله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) وقال تعالى: (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) . ولم يقل وجوههم الحسان. وفيض العين، واقشعرار الجلد، إنما يكون صادراً عما حل في القلب من الواردات وهذه الأحوال لا تفتقر إلى سماع أوتار، ولا شبابة وطار، ثم كيف يجوز أن يعبر فيه عن الحق بليلى وسُعْدى بلفظ مؤنث، وإطلاقه على الله إذ فيه تشبيه بالكفرة والَضلال في إطلاقهم لفظ التأنيث على آلهتهم قالوا: اللات والعُزى ومناة الثالثة الأخرى نعوذ بالله من المآثم والمعاصي، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، ونسأله العافية والعصمة إنه على كل شيء قدير. النوع الأول من أنواع القمار: الشطرنج قال شيخنا ﵀: اللعب بالشطرنج مكروه، وقيل: حرام وعلى الأول فإنما يجوز بشروط: الأول: أن لا يكون فيه تصاوير وإلا فيحرم قطعاً. الثاني: أن لا يكون فيه مال وإلا فهو قمار. الثالث: أن لا يضيع حقاً عليه فإن اشتغل به عن الكسب للعيال فحرم في هذه الأحوال. الرابع: أن يسلم لسانه من الغيبة والبهتان، وسمعه عن استماع ذلك. الخامس: أن لا يداوم على لعبه فالمداومة عليه تسقط الشهادة. السادس: أن لا يلعب به على الطريق ذكره بعضهم. السابع: هو كاللعب بالمنقلة. قال الدميري: وكره ابن الأثير اللعب بالمنقلة وشطرنج المغاربة كما هو مبين في المطلب والجواهر والمهمات ونقل نافع عن سفيان الثوري عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " ملعون من لعب الشطرنج، والناظر إليها كآكل لحم الخنزير ". ومر النبي ﷺ بقوم يلعبون الشطرنج فقال: " ما هذه الكربة ألم أنه عن هذا؟! لعنة الله على من لعب بها ". وعن عبد الله بن عمر قال: سئل عمر ﵁ عن الشطرنج قال: " هي شر من النرد ". النوع الثاني من أنواع القمار اللعب بالمنقلة وهي كاللعب بالشطرنج لأنها تحتاج إلى فكر ونظر والشطرنج بفتح الشين وكسرها والفتح أشهر وقال: إن صاحب الشطرنج أكذب الناس يقول: قتلت وما قتل. وعن واثلة بن الأسقع أنه قال: " إن الله ينظر إلى الخلق كل يوم مائة وستون نظرة ليس لصاحب الشطرنج منها نصيب ". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام - الشطرنج والنرد - فلا تسلموا عليهم ". وروى البيهقي عن الشافعي ﵁ أنه قال: اللعب ليس من صفة أهل الدين والمروءة ". النوع الثالث: اللعب بالطاب وهو قريب من اللعب بالنرد وهو حرام. " فرع " قال الشيخ كمال الدين الدميري: أفتى الشيخ ﵀ بتحريم الطاب لأن المعتمد فيه على تخرجه الجرايد الأربع وسئل عنه شيخنا فأجاب بالكراهة، والتحريم فيه أظهر. النوع الرابع: اللعب بالكمنجة فإن كان فيه " مال " فهو قمار. قال الشيخ كمال الدين الدميري: وأما الكمنجة فإن كان فيها عرض فحرام، فلاشك أنه قمار واللعب بالحمام مقتضى كلام الرافعي في باب المسابقة. النوع الخامس: اللعب بالحمام

стр. 38

وهو من الرذائل المسقطة للشهادة وهو من أعمال قوم لوط. وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يتبع حمامة يلعب بها فقال: " شيطان يتبع شيطانه ". قاله البيهقي ﵀ وحمله بعض أهل العلم على " ارمان " صاحب الحمام على إطارته والاشتغال به وارتقابه السطوح التي يشرف منها على بيوت الجيران وحُرمهم لأجله ثم أسنده عن أبي موسى ﵁ قال: " كان ملاعب آل فرعون الحمام ". وعن إبراهيم النخعي ﵁ قال: " من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق الفقر ". وعن سفيان الثوري ﵁ قال: سمعت أن اللعب بالحمام هو من عمل آل لوط. قال الشيخ جمال الدين: واتخاذها للفراخ أو حمل " البطايق " فيجوز ويكره اللعب بالمراجيح. النوع السادس: اللعب بالصُّور وجمع الناس عليها قال عالم من علماء السنة: ففي الحديث الصحيح " كل لهو باطل إلا رمي الرجل بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله ". قال الحليمي ﵀: كل ما يتلهى به الرجال فيما لا فائدة فيه في العاجل ولا في الآجل فهو باطل والإعراض عنه أولى إلا هذه الأمور الثلاثة فهي من الحق. النوع السابع: اللعب بالنرد والشطرنج فقد ورد فيهما أخبار وآيات وجملة القول فيها أن اللعب بهما على شرط المال حرام بإنفاق واللعب بهما على غير شرط المال مختلف فيه. قال: وتحريمه عندي اشبه، ومذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى مكروهة كراهة تحريم. وسئل الإمام أحمد عن الشطرنج أمن الحق هو؟ قيل: فما بعد الحق إلا الضلال ... !! وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ : " من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه ". أخرجه مسلم. قال الحليمي ﵀: ومعنى هذا عند أهل العلم أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير، ودمه بهيئته لأنه يأكله. وبالجملة فإن اللعب النرد كأكل لحم الخنزير. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله ". عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها أرسلت إلى قوم سكان في دار لها عندهم نرد تقول لهم: " لئن لم تخرجوه وإلا أخرجتكم من داري وأنكرت ذلك عليهم ". وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر ﵄ كان إذا وجد أحداً من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. وعن ابن عمر ﵁: كان يقول: " النرد هو الميسر ". ذكره البيهقي. قال الماوردي: النرد موضوع على البروج الاثنى عشر والكواكب السبعة لأن بيوته اثنا عشر، ونقطة من جانبي العرض سبعة وهو فارسي معرب ومعنى شير: حلو. وأول من وضعه: أردشير بن بابك. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " من لعب بالكعبين على قمار فكأنما أكل لحم الخنزير ومن لعب بها على غير قمار كالمدهن شحم خنزير ". وأنواع القمار كثيرة والقمار أخذ المال بنظير عوض على وجه المغالبة إما بعلم الإنسان، وإما بقوة حيوان يملكه، وإما بطاب، أو شطرنج، أو نرد، أو رمي فلوس في حفرة، أو نطاح كباش، أو نقار ديوك، أو غير ذلك. وقد غلب ذلك، وكل ما علق عليه رهن فهو حرام باطل إلا ما استثناه الشرع، من هذا الأصل الممنوع وهو ثلاثة أشياء لأجل مصلحة الجهاد كما قال رسول الله ﷺ : " لا سبق ألا في خف أو حافر أو نصل " فالسبق اسم المال المشروط على مسابقة الإبل وهو الخف، وعلى مسابقة الخيل وهو الحافر، وعلى المناصلة بالنشاب وهو النصل، فلا يحل أخذ مال بالمغالبة إلا في هذه الثلاثة على الشروط التي بينتها الفقهاء في كتب الفقه حتى يخرج عن القمار المحظور خشية الوقوع، ولا بد من محلل بغنم ويغرم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: لأن أُقَلْقِلَ جمرتين في يدي حتى تنطفئ أحب إلي من اللعب بالكعبين. وعن علي ﵁ أنه مر بقومٍ يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فلأن يمسي أحدكم جمراً حتى يطفاء خير له من أن يمسها. وكان يقول الشطرنج ميسر الأعاجم. وسئل ابن عمر ﵁ عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. فصل في تربية القط واقتنائه وما يحرم اقتناؤه

стр. 39

يستحب تربية القط واقتناؤه لقوله ﷺ : " إنها من الطوافين عليكم والطوافات ". قال الحافظ: يستحب تربيته واتخاذه لهذا الخبر، لأنها تقتل الفارة والثعبان، وقتلهما مستحب. وهذه أشياء يحرم على الإنسان أن يقتنيها عنده: منها الكلب لمن لا يحتاج إليه، وكذلك الحدأة والعقرب، والفارة والغراب الأبقع، والخمرة غير المحترمة، والصنم والأوثان والإناء المتخذ من ذهب وفضة أو اكثرها ذهباً أو فضة. وقال أيضاً: يحرم اقتناء الفارة والكوبة وطبل اللهو والنرد وزمارة االرعيان وهو شاهين الرعاء المتخذ من القصب خلافاً للغزالي ويحرم اقتناء الشبابة. قال عالم: واعجبا ممن يعلم أن بين يديه دارين ولا بد له من سكنى أحدهما، وأنه لا يتوصل إلى سكنى دار الخير وينجو من دار الشر إلا بالأعمال الصالحات وأن زيادات الدرجات هنا بزيادة الحسنات ومع ذلك يعلم أن مدة بقائه في الدنيا محدودة، وأن أنفاس عمره عليه معدودة، وهو يلتهي باللعب يمينا وشمالاً ويزداد قلبه بذلك قسوة وخبالاً لقد ضرب بين هذا القلب وبين الخير بسور له باب وأسبل عليه أكنف حجاب فإنا لله وإنا إليه راجعون. فاشتغلوا معاشر المريدين بالله تعالى وطاعته فيما أمركم ونهاكم فمن كان شغله بالله مات على لا إله إلا الله، ومن كان شغله بالسوى ازداد الهوى فيمن هوى يموت المرء على ما عاش عليه. قيل لرجل: قل: " لا إله إلا الله " فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها. وقيل لآخر: قل: " لا إله إلا الله " فقال: شاه رخ غلبتك ثم قضى. وقيل لآخر: قل: " لا إله إلا الله " فجعل يهذي بالغناء حتى قضى. وقيل لآخر: قل: " لا إله إلا الله " فقال: ما ينفعني ما تقول. ولم أدع معصية إلا ارتكبتها ثم قضى ولم يقلها. وقيل لآخر: قل: " لا إله إلا الله " فقال: وما تغني عني وما أعرف إني صليت لله صلاة أبداً!! ولم يقلها. وأخبرني من حضر بعض الشحاتين عند موته: فجعل يقول: فَلْس لله. . فلس لله. حتى قضى. وأخبرني بعض التجار أنه احتضر فجعلوا يلقنونه: " لا إله إلا الله " وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيد، هذه كذا حتى قضى. وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم وإذا كان هذا في حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه فقد تمكن الشيطان منه واستعمله فيما يريده من معاصي الله وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وقد عطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوط قوته واشتغال قلبه ونفسه بما فيه من ألم النزاع وجمع الشيطان له قوته من جهته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصة فإن ذلك أخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه في ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في ذلك الحال فمن ترى يسلم على ذلك فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. قال مجاهد ﵀: ما من ميت إلا يعرض عليه أهل مجالسه الذي كان يجالس عند الموت إن كانوا أهل اللهو فأهل اللهو، وإن كانوا أهل الذكر فأهل الذكر. جعلنا الله وإياكم من الذاكرين. فصل في الحث على مجالسة الأخيار والزجر عن مجالسة الأشرار

стр. 40

عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم ينلك منه أصابك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القين إن لم يصبك ناره أصابك شراره ". قال أبو حاتم ﵁: العقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة سريع انقطاعها بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم. قالوا: يجب على العاقل أن يتجنب أهل الريب لئلا يكون مريبا، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذا صحبة الأشرار تورث الشر. وقال ﷺ لبعض أصحابه: " لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " واسمع قوله تعالى: (يا نوح إنه ليس من أهلك) . فنهى الله نبيه أن يقول لابنه: " إنه من أهلي "؛ لأجل ما خالف الله ورسوله. وقال رسول الله ﷺ لسلمان الفارسي: " سلمان منا أهل البيت " لأجل طاعته الله ورسوله. وقيل للنبي ﷺ : من أحب إليك؟ قال: " كل تقي ". قال الله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهْم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) واعلم رحمك الله وجميع المسلمين بأنه يجب على المسلم أن يحب من أحبه الله، ويقرب من قربه الله تعالى، ويبغض من أبغضه الله تعالى، ويبعد من أبعد الله تعالى، فحينئذ يستوجب رحمة الله. قال ﷺ : " من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ". فمن كان من أهل الطاعة وقرب أهل المعصية أبعده الله، ومن أرضاهم فقد أسخط الله، ومن أكرمهم أهانه الله، ومن أحبهم أبغضه الله وحشره معهم لقوله ﷺ " المرء مع من أحب ". قال عيسى ﵇: " يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي والفسق، والتمسوا رضا الله تعالى إليه بالتباعد عنهم بسخطهم. قالوا: فمن نجالس؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة علمه، ويزيد من فهمكم منطقه " وقال: إذا كان الناسك جيرانه عنه راضون فاعلم أنه مداهن. وقال: لا تجالسوا الأحداث فإن فتنتهم أشد من العذارى. وقال: لا تجالسوا شربة الخمر ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم فإن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسوداً وجهه مزرقاً عينيه مذلقاً لسانه على صدره يسيل لعابه كل من رآه. وينبغي للإنسان أن لا يعاشر إلا أهل طريقته إذا كانت موافقة للكتاب والسنة، ولا يعاشر غير أبناء جنسه من المبتدعين قال الله تعالى: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) أي لا تعاشروا إلا من تبع موافقتكم على أحوالكم وطريقتكم. قال ﷺ فيما يخبر عن ربه : " وإن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه ". وإياك وموالاة أهل البدع بالمودة فإنها تذهب بأنوار القلوب، وتحين أفعالهم يورث المقت من الحق والبعد من الله . وقال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يدنس عرضه ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار ولا يغض عن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار على أن الناس عند الخبرة تتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها. وعن أبي عمرو بن العلاء قال: رآني سعيد بن جبير وأنا جالس مع الشباب قال: ما يجلسك مع الشباب عليك بالشيوخ. وقال أبو الدرداء: لَصَاحِبُ صَالح خيرُ من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الساكت خير من مملي الشر. وقال أبو حاتم: العاقل لا يصاحب الأشرار؛ لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار تُعْقِبُ الضغائن، لا يستقيم وُدُّه ولا يفي بعهدهِ؛ وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيراً تكون مجالسة الكلب خيراً من عشرته، ومن يصاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مدخل السوء يُتّهم، ومن كان أصدقاؤه أشراراً كان هو أشرهم وكما أن الخًيِّر لا يصحب إلا البرَرَة كذلك الرديء لا يصحب إلا الفَجَرة. وقال بعض الحكماء: من جلس مع ثمانية أصناف زاد فيه ثمانية أشياء: من جلس مع الأغنياء زاده قلة الشكر والرضا بقسمة الله تعالى أو عكسها.

стр. 41

ومن جلس مع السلطان زاده الكبر، وقساوة القلب. ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة. ومن جلس مع الصبيان زاده الله اللهو والمزاح ومن جلس مع الفساق زاده الله الجراءة على الذنوب وتسويف التوبة ومن جلس مع الصالحين زاده الله الرغبة في الطاعات ومن جلس مع العلماء زاده الله العلم والورع وقال يحيى بن معاذ: " اجتنب ثلاثة أصناف من الناس: العلماء الغافلين، والفقراء المداهنين، والصوفية الجاهلين ". وقال: " صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الفلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد ". جعلنا الله وإياكم والمسلمين ممن وفق لمجالسة الصالحين. فصل في التحذير عن صحبة أهل البدع ومجالستهم والسلام عليهم وأكثر ما يقع الفساد من مخالطة المبتدعين، قال شيخنا ﵀: اعلم أن من أشد الفتنة النظر في اعتقاد أهل البدع المخالفين لاعتقاد هذه الفرقة الناجية فاحذرهم واحذر النظر في عقائدهم وقد ورد في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة، ولا صدقة، ولا حجاً ولا عمرة، ولا جهاداً، ولا صرفاً ولا عدلاً. يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين ". قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : " من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ". قال الفضيل بن عياض ﵀: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقال: " نظر المؤمن إلى المؤمن جلاء للقلب، ونظر المؤمن لصاحب البدعة يورث العمى ". وقال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فخذ في طريق آخر. وقال: لا يرفع لصاحب بدعة عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. قال سفيان: " من سمع من صاحب بدعة لم ينفعه الله بما سمعه، ومن صافحه فقد نقض عرا الإسلام عروة عروة ". وقال سفيان: ومن أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله تعالى. وقال: لا تصلوا خلف من يقول الإيمان بلا عمل ولا خلف من سب أبا بكر وعمر. وقال: إذا بلغكم خبر رجل من أهل السنة فاهده السلام. قال عبد الصمد بن زيد: سمعت رجلا قال للفضيل: من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر له. قال: فإياك وأهل البدع والأهواء وعليك باتباع أهل الصراط المستقيم قال الله تعالى: (وأن هذا صراطي مْستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وقال ﷺ : " يد الله على الجماعة فإذا شذ شاذ منهم اختطفته الشياطين ". وقال الشافعي ﵁: من أراد أن يفتح قلبه نور العلم فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك مخالطة السفهاء. قال الحافظ الدمياطي: والحذر من مخالطة الظالمين والإعانة لهم وتعظيم أهل البدع ومحبتهم فقد قال النبي ﷺ : " من أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر " وإياك أن تبتسم في وجه ظالم أو توسع له في مجلسه أو تناوله من عطائك. وقال ميمون بن مهران ﵀: صحبة السلطان خطر إن أطعته خاطرت بدينك وإن عصيته خاطرت بنفسك والسلامة أن لا تعرفه ولا يعرفك. وقال القرطبي: قال سفيان الثوري: " من أخذ من ظالم درعاً أو مالاً أو سلاحاً فغزا به في سبيل الله لعن بكل قدم يرفعها ويضعها حتى يرجع ". وإياك ومحبة فاجرٍ أو ظالم أو فاسق أو مبتدع أو تميل إلى أحد منهم أو تَبشَّ في وجهه. قال ﷺ : " لا تجعل لفاجر عندي يداً فترزقه مني محبة وإياك والركون إلى الظلمة " قال الله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) إياك وحب من لا يستحق المحبة من المخطئين أو تقبل منهم إحساناً فإنه جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ". فصل في صحبة الظّلمة والقرب منهم

стр. 42

وأكثر ما يقع من الفساد من صحبة الظلمة والقرب منهم والركون إليهم وأكثر ما يعين على المعاصي والفساد ناس من الظلمة من أهل الشرطة وغيرهم، وأهل المعاصي يتخذون عندهم أيادي ليحموهم ويذبوا عنهم من يتعرض لهم؛ وذلك أن الظلمة جعلوا سحتا مرتبا لهم على أهل المعاصي والفساد من النساء الفاجرات، ومن عنده خمر أو مسكر على اختلاف أنواعه مرصد عنده للبيع، فإذا أخذوا منهم هذا السحت المرتب لهم يحمونهم ممن يشوش عليهم، فيقرونهم على معاصيهم، ويبيحون لهم ذلك قال الله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) . نزلت في اليهود كانوا يسمعون ممن يكذب عندهم، ويأخذون الرشوة ممن يحكمون له، والرشوة ممن يشفعون له، فنزلت هذه الآية الكريمة وذمهم الله تعالى على فعلهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم اعلم أن الله وصف الظالمين ستة عشر وصفاً: الأول: وصفهم بأنهم لا يحبهم الله فقال: (والله لا يحب الظالمين) الثاني: وصفهم بأنهم لا ينصرهم الله فقال: (وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير) . نظيره (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) . الثالث: نهى عن القرب منهم فقال: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) . نظيره: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الرابع: ذكر أنه لا يهديهم فقال: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) الخامس: ذكرهم بأنهم لا يفلحون فقال: (أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون) نظيره: (من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون) السادس: ذكر بأنه أوعدهم وهددهم فقال: (وسيعلم الذين ظلموا لي منقلب ينقلبون) ونظيره: (والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا) السابع: ذكر خراب بيوتهم فقال: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) نظيره: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) الثامن: ذكر أن الويل لهم فقال (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) نظيره: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) التاسع: ذكره أنه قد أعد لهم النار فقال: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً) نظيره (عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) العاشر: ذكر أنه يبعثهم عند الموت فقال: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) نظيره: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) الحادي عشر: ذكر أنه أعد عذاباً أليماً فقال: (إن الظالمين لهم عذاب أليم) ونظيره: (الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق) الثاني عشر: أخبر عن ندامتهم يوم القيامة فقال: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مردّ من سبيل) نظيره (يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) الثالث عشر: لعنهم الله: (أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) نظيره: (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) الرابع عشر: ذكر هلاكهم فقال: (ذلك أَن لَّمْ يكن ربك مهلك القرى الظلم وأهلها غافلون) نظيره قوله: (إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين) الخامس عشر: ذكر حسرتهم على الظالم فقال جل وعلا: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه) نظيره: (وترى الظالمين مشفقين مما كسبوا) السادس عشر: ذكر سوء عواقبهم فقال تعالى: (كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) . نظيره: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماَ وعلواً وقال الصقلي: اقشعرت الأرض وأقلعت السماء من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات لفسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبون الحافظون لرب العالمين، فبادروا - رحمكم الله - بالتوبة والإقلاع عسى أن يندفع بها أمور - في الشدائد - عُظَام قد بدت روايحها فنسأل الله النجاة منها والسلامة منآفاتها. وقال: ستكون فتن لا يستقر ذو دين في بادية لأجل ظلم سلطانهم، ولا يقر أحد في حاضرة لأجل خبث علمائهم، ولا يبقى أحد في ثغر لأجل فسق قرائهم، فلا راحة حينئذ في البدو إلا يبذل المال وصيانة الدين، ولا راحة في الثغر إلا في الانقباض والوحشة والهرب والعزلة والرضى بالذلة والقلة وتوديع الناس جميعاً في الدين والدنيا. فصل في مجانبة الظلمة

стр. 43

وعليك بمجانبة الظلمة والبعد عنهم. قال سيدي أبو الحسن الشاذلي ﵀: ينبغي مجانبة الظلمة. قال عارف من أصحابه: وصدق - رضى الله عنه - قال: بمجانبة الظلمة تقع السلامة في الدين، لأن صحبة الظلمة تكشف نور الإيمان، وبمجانبتهم تكون أيضاً النجاة من عقوبة الله تعالى. (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) وقال بعض العلماء: ينبغي للإنسان أن لايسكن في أماكن الظلمة مخافة أن يصيبهم بلاء فيصاب أو يسرق طباعه من طباعهم. النهي عن الأماكن المذمومة: وقال بعض العلماء: ورد الني عن الأماكن المذمومة وقال: روى أبو داود عن علي رضى الله عنه أنه أدركته الصلاة في " أرض بابل " فأخر الصلاة حتى خرج الناس وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنها أرض ملعونة " وكذلك " أرض ثمود " فإنها قد حل بها الغضب، وكذلك " ديار قوم لوط " و " وادي مُحَسّر " وأشباه ذلك. عن النبي ﷺ : فيما يروى عن ربه أنه قال: (يا عبدي؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تَظَّالموا) . وعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". وقال علي رضى الله عنه: " ويل للباغين من أحكم الحاكمين والعالم بضمير المضمِرين ". فصل في معاملة أهل الذمة وأكثر ما يقع من المفاسد من أهل الذمة والاختلاط بهم واستعمالهم اعلم أنه قد تيسر للفقير كراسة من كلام الشيخ الإمام العالم العلامة جمال الدين عبد الرحيم الإسنائي الشافعي ﵀ تتعلق بمعاملة أهل الذمة فيما يلائمهم وكتبتها في الكتاب وذلك لافتقار أهل زماننا إلى ذلك فإنه قد عمت البلوى بالاختلاط معهم والمؤانسة لهممن الجهال وغيرهم من أهل الفلاحة والزراعة، ومن يجعل نفسه تحت ولاياتهم بسبب صرف أو استخراج مال وما أشبه ذلك - نسأل الله السلامة والعافية من ذلك، وله الحمد والمنة، ونقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثير من خلقه قال الله: (وإذْ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وهذه الآية يسيرة وألفاظها قليلة أرجو إن شاء الله تعالى لمن أهَّلهَ الله للوقوف عليها والعمل بما فيها حصول خير عظيم له وللمسلمين في العاجل والآجل؛ فلا يرجع إلى وسوسة الشيطان في تأخير النظر فيها، ومراجعتها مرة بعد أخرى والعمل بما فيها فإنه عدّو يجري منك مجرى الدم قال الله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) وقال تعالى: (فبسر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) وقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وقال تعالى: (الذين أنْ مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) وقال ﷺ : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليطبعن الله على قلوبكم ثم لتكونن من الغافلين " وقد بين الله تعالى في آية أخرى حال الذين طبع عليهم وغفلوا فقال تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون)

стр. 44

وفي الحديث: " إذا أراد الله بالعبد خيراً ساق إليه من يذكره إذا غفل، وإذا أراد به شراً ساق إليه جليس سوء ينهاه عن الأخذ بالموعظة ". ولما تولى هارون الرشيد جلس للناس مجلساً عاماً فدخل عليه بُهْلُول المجنون فقال يا أمير المؤمنين، أحذر جلساء السوء، واعتمد جليساً صالحاً يذكرك بمحاسن الخلق إذا غفلت، والنظر إليهم فيهم إذا لهوت، فإن هذا نفع لك وللناس، وأكثر في الأجر مما تأتي به من صوم وصلاة وقراءة وحج. إن الرجل يُلقي الكلمة عند ذي سلطان فيعمل بها فتملأ الأرض فساداً. وقال ﷺ : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة فلا يلقي لها بالا فيهوى بها في النار سبعين خريفا ". ولا تكن يا أمير المؤمنين كمن قال الله تعال فيهم: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) . فقال له: زدني فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قد أقاد لك الناس وجعل أمرك فيهم مطاعاً، وكلمتك فيهم نافذة، وأمرك فيهم ماضياً، وما ذلك إلا لتَحْمِلَهم على الإتيان بما أمر الله، والانتهاء عما نهى الله، وتعطي من هذا المال الأرملة واليتيم والشيخ الكبير وابن السبيل. يا أمير المؤمنين أخبرني فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأولين والآخرين في صعيد أحضر الملوك وغيرهم، وولاة أمور الناس فيقول لهم لم أمكنكم من بلادي وأُطِعْ لكم عبادي لجمع الأموال، وحشد الرجال، بل لتجمعوهم على طاعتي، وتنفذوا فيهم أمري ونَهْيى، وتُعِزُّوا أوليائي، وتُذِلّوا أعدائي وتنصروا المظلومين من الظالمين ". يا هارون تفَكَر كيف يكون جوابك في ذلك الموقف إذا حضرت ويداك مغلولتان إلى عنقك، وجهنم بين يديك، والزبانية مُحيطة بك تنظر ما يؤمر فيك!! فبكى هارون بكاء شديداَ! فقال له بعض الحاضرين: كدرت على أمير المؤمنين مجلسه! فقال لهم هارون: - قاتلكم الله - إن المغرور من غَرَرْتُموه، والسعيدَ من بعدتم عنه ثم خرج من عنده. هل يجوز أن يكون صَيْرَفّي بيت المال ذِمّياًّ ؟

стр. 45

قال بعض العلماء: لا يجوز أن يكون صيرفي بيت المال ذمياَ، لأنه لا يُقْبل قوله أنه جيد أو رديْ؛ لأن فيه مرتعاً فكيف بالاستخدام الذي تظاهرت النصوص على منعه قال الله تعالى: (وما كنت متخذ المضلين عضداً) وقال تعالى: (يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فإذا أمر ربك بالإغلاظ فكيف تُقَّربهم وتُحَكِّمُهم. وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً وَدُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) والمراد بالبطانة: من يطلع على حال المسلمين كالاطلاع على مقدار خزائنهم من المال أو عداد جيشهم من الرجال. وقوله: (لا يألونكم خَباَلا) أي: لا يقصرون، والخبال: هو الفساد أي لا يقصرون، ويجتهدون في إيصال الفساد إليكم. وقوله: (ودوا ما عنتم) : العَنَت: هو الضرر، ونحوه. أي: يودون ضَرَركم فتأمل هذه الآية العظيمة. وقال ﷺ : " من ولى أمرأً من أمور أمتي فلم ينصح لهم، ولم يجهد، فالجنة حرام عليه " فأوجب الاجتهاد في الصلح عند تساويها في الصلاح. وقال: " من ولى شخصاً على أمر من أمور أمتي وهو يظن أن فيهم خيراً منه خان الله ورسوله ". وفي استخدام الكفار: من المفاسد العظيمة والأمور القبيحة والأحوال الشنيعة مالا يرضاه العدو لعدوه خصوصاً أن يرضاها عدو المسلمين لأمة محمد ﵊. ومنها زعمهم أن البلاد إلى الآن ملكهم وأن المسلمين قد أخرجوهم منها بغير استحقاق فيسرقون الأموال ما قدروا عليه، ويعتقدون أنهم لم يخونوا ولم يظلموا، ويرون أن احتمال المصادرة والعقوبة عنهم كاحتمال المرض قد يطرأ على الصحة، ويتواصون على الصبر على العقوبة وإظهار تجلد، فإن اضطروا إلى الإعطاء أخرجوا أقل القليل، فأعطوا بعضه و " برطلوا " ببعضه إلى أن يخلصوا. فمن هذا حاله في اعتقاده وفعله لا يحل لأحد توليته. ومنها أن كثيراً من بلاد المسلمين المرصدة لمصالح المسلمين، والجارية في إقطاع الأمراء والأجناد وكذلك الصدقات الموقوفة على فقراء المسلمين كبلد نسترده وغيرها يخرجونه إلى أنفسهم، وإلى الكنائس و " الديورة " مع أنه لا يجوز صرف شيء من ذلك إليهم وقد قدر على قطعة فلم يفعل، ومكنهم من أخذه وسلطهم عليه ضمنه في الدنيا وطولب به يوم القيامة، وقد تفاحش حالهم في هذه الخصلة حتى تعدى إلى المرتبات والرزق الجارية في مصالح المساجد، فيحملون الأمير الذي يباشرون عنده على قطعها بكل طريق يقدرون عليه إظهاراً للتوفرة عليه، والشفقة، ثم بعد ذلك يخرجونها لأنفسهم وكنائسهم وقد خربت كثير من المساجد القديمة العُمَرِية فدخل المعين لهم على ذلك تحت الوعيد الشديد في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ومنها: أنهم يتحيلون في كل وقت على حريق الجوامع والمساجد، وأملاك المسلمين ويحترق بسببه خلائق من الرجال والنساء والأطفال وقد وقع ذلك قريباً في " عام الغفار " وهو سنة سبع وأربعين ومُسكوا واعترفوا على جماعة مباشرين وأنهم أعانوهم فتحيلوا بإعطاء بعض ما سرقوه بمعاونة كبارهم، والمتحكمين منهم فأفلتوا ولم ينل أحداً منهم مكروه، ولو وقع ذلك لشريف لحل به من العقوبة مالا يوصف. فتأمل - وفقك الله - هذه المفاسد وتدبرها مع أن الأملاك التي أحرقوها خراب إلى الآن مشاهدة فاعتبروا يا أولي الأبصار وكل ذلك فيه تحقيق لقوله تعالى: (لا يألونكم خبالا) أي: لا يقصرون في فساد يوصلونه إليكم. انتهى كلام الشيخ جمال الدين ﵀. تقليد النصارى في أعيادهم ومواسمهم: وقال شيخنا: ومن البدع ما يعمل في " النيروز " من المآكل والمشارب والمفاسد فإن ذلك موافقة للنصارى في أعيادهم ومواسمهم، ولا يجوز موافقتهم في شيء من ذلك، ولا يجوز موافقتهم في المواسم في أكل اللبن وغيره وما يفعل من " نزول الشمس من قطع الكركيش "، " وسبت الظلام " وكل ذلك بدع محرمة يحرم على المسلم مشاركتهم في شيء منها، وقبول هديتهم في مواسمهم بخلاف غيرها. بيان ما جاء في المكَّاسِين والعَشّارين والعُرفاء:

стр. 46

عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل الجنة صاحب مكس ". رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والحاكم. قال البغوي: يريد بصاحب المكس: الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه " مَكْساً " باسم العشر. قال الحافظ: أما الآن فأنهم يأخذون " مكساً " باسم العشر ومكوسا أخرى ليس لها أسم بل شيء يأخذونه حراما وسحتاً، ويأكلونه في بطونهم نارا، وحجتهم فيه داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. وعن الحسن قال: مر عثمان بن أبي العاص على كلاب بن أمية وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة فقال: ما يجلسك هاهنا فقال: استعملني في هذا المكان يعني " زياداً " فقال له عثمان: ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: بلى قال عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كان لداود نبي الله ساعة يوقظُ فيها أهله يقول: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عَشّار " فركب ابن أمية سفينته وأتى زياداً فاستعفاه فأعفاه. رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ولفظه عن النبي ﷺ قال: " تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادى منادٍ هل من داع فيستجاب له وهل من سائل فيعطى؟ هل من مكروب فيفرج عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له إلا زانية تسعى بفرجها أو عَشّار ". وفي رواية له في الكبير أيضاً سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إلا لبَغِيّ بفرجها أو عشار ". وعن أبي الخير قال: عرض مسلمة بن مخلد وكان أميراً على مصر على رويفع ابن ثابت أن يولية العشر فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن صاحب المكس في النار " رواه أحمد من راوية ابن لهيعة والطبراني بنحوه. وروى عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في الصحراء وإذا منادٍ ينادي يا رسول الله، فالتفت فلم يرى أحداً، ثم التفت فرأى ظبيةً مُوثقةً فقالت: ادن مني يا رسول الله فدنا منها فقال: ما حاجتك؟ فقالت: إن لي خشفين في هذا الجبل فحلني حتى أذهب فأرضعهما ثم أرجع إليك قال: وتفعلين؟! قال: عذبني الله عذاب العشار إن لم آتكَ؛ فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها وانتبه الأعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: نعم تطلق هذه فأطلقها فخرجت تغدو وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " رواه الطبراني. بيان العرفاء: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم متعلقة بالثريا يُدلون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء " رواه أحمد. وفي حديث " العرفاء في النار، والقمار في النار ". وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم متعلقة بالثريا يُدلون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء " رواه ابن حبان في صحيحة والحاكم. وروى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في النار حجراً يقال له " ويل " يصعد عليه العرفاء وينزلون ". وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ مرت به جنازة فقال: " طوبى له إن لم يكن عريفاً ". رواه أبو يعلي وإسناده حسن إن شاء الله تعالى. وعن المقدام بن معدى كرب ﵁ أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبيه ثم قال: " أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً ". رواه أبو داود. وعن مودود بن الحارث بن يزيد بن كريب بن يزيد بن يوسف بن حارثة اليربوعي عن أبيه عن جده أنه أتى النبي ﷺ فقال: " يا رسول الله، إن رجلاً من تميم ذهب بمالي كله فقال لي رسول الله ﷺ : " ليس عندي ما أعطيك ثم قال: هل تعرف على قومك أو لا أعرفك على أخوتك قلت: لا. قلت: أما إن العريف يدفع في النار دفعاً ". رواه الطبراني ومودود لا أعرفه.؟

стр. 47

وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قال رسول الله ﷺ : " ليلتينَّ عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك فلا يكونن عريفا ولا شرطيًّا ولا جابياً ولا خازناً " رواه ابن حبان في صحيحه. وهذه الأحاديث كلها أخذتها من الترغيب والترهيب. ؟ فصل ؟؟؟ في الغيرة قال الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) الغيرة على ستة أنواع على كل نوع منها دليل من القرآن اختصرناه خشية التطويل: فالأول: غيرة على أفعال الأبدان أن يخدم بها لغير الله تعالى. الثاني: غيره على أقوال اللسان أن يذكر بها غيره فلا يدعى إلا هو ولا يذكر إلا هو. الثالث: غيرة على خواطر الجنان أن يخطر فيها غيره فلا يراقب إلا هو ولا يطلع عليها إلا هو. الرابع: غيرة على هواجس الضمائر أن يوجد فيها غيره. الخامس: غيرة على مكنون السرائر أن تحتوي على غيره؛ فلا تشتغل إلا به ولا تخلص إلا له. السادس: غيرة على أسرار السرائر أن يطلع عليها غيره ولا تنكشف إلا عنه ولا تخلص إلا هو. واعلم أن الغيرة كراهية مشاركة. ثم الغيرة على ضربين: غيرة الحق للعبد: وهو أن يصونه فلا يجعل للخلق على أفعاله وأقواله وأعماله وأنفاسه وإحساسه وأسراره وإضماره سبيلا. وغيرة العبد للحق: وهو أن يختص في تعظيم حقوقه ويخلص في تصنيفه معرفته فلا يجعل للخلق في أحواله طريقا ولا نصيبا، ولا يقال: غار على الله لأن ذلك جهل، وترك دين وإنما يقال: غار لله قال رسول الله ﷺ : " ما أحد أغير من الله ﷻ ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ". وقال ﵇: " إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه ". قال معروف الكرخي - رحمة الله عليه -: علامة مقت الله تعالى للعبد أن تراه مشتغلاً بما لا يعنيه. وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - تسأله الجنة، وتأتي بما يكره، ما رأيت أقل نظراً منك! غيرة الحق أنه لا يرضى بمشاركة الغير مما هو حق له من طاعات عبده. قال إبراهيم بن أدهم: الغيرة أن يهاجر من سواه حتى يبلغ مقام الأنس ويقف بين الخوف والرجاء. وقيل: مرضت رابعة العدوية ﵂ فقيل لها: ما سبب مرضك؟ قالت: نظرت إلى سواه فأدبني بالغيرة لعلي لا أعود. وقال أبو عبد الله الحصري: رأيت في البادية غلاماً أحنف وهو يمشي بجهد جهيد، وذلك طيب على قلبه فيما كان فيه من مشاهدة الأنس والوصال فقلت: يا ولدي كيف الطريق؟ فقال: هاهنا وأشار إلى السماء فقلت: كيف؟ فقال: الأكوان كلها حجاب في معرفة الملكوت قال: فوجدت قلبي مع كلامه فتمسكت بأطماري وأنا باك شاهق فقال: خُذْ عَنِّي فإنه غيور، أَهْلَك من أَهْلَك لنظرهم إلى الأغيار، وأضل من أضل لتهتكهم حجب الأسرار، ثم غاب عني فكأنه ملك وعظني وانصرف. فتب إلى الله، واحذر من غيرة الله، والزم قلبك الخوف والخوف من الاستدراج قال الله تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) . فصل في الفرار قال الله تعالى: (ففروا إلى الله) الفارون على ثلاثة أصناف: وقد وصف الله تعالى كل واحد منهم بوصف. فصنف منهم هم القاصدون إلى الفرار إلى الله تعالى وهم: التائبون النادمون. الثاني: هم السالكون طرق الفرار إلى الله تعالى وهم: العارفون المعترفون. والثالث: هم الواصلون إلى الله تعالى وهم: المتقون. واعلم أن الفرار على أنواع: الأول: فرار من الدنيا إلى المولى. الثاني: فرار من الشيطان إلى المولى. الثالث: فرار من النفس إلى المولى الرابع: فرار من الهوى إلى المولى الخامس: فرار من المنى إلى المولى السادس: فرار من القلب إلى المولى السابع: فرار من الله إلى الله. وقال أبو العباس: الفرار أربعة: فرار من الخلق، وفرار من النفس، وفرار من القلب إلى الله، وفرار من الله إلى الله والكل يجمعه (ففروا) . قال سهل بن عبد الله: ففروا إلى الله منه ومما سوى الله إلى الله. قال سفيان: ففروا من الجهل بالله إلى العلم بالله.

стр. 48

قال يحيى بن معاذ: إلهنا أبداننا أسراء الدنيا، وقلوبنا أسراء الهوى ونحن بين ذلك مأخوذون بالأوامر والزواجر نتمنى الصفا ساعةً من الدهر، أو نفر إلى بابك بالإخلاص لحظة من عمرنا، فنكتب بالدموع قصة الخشوع، ونمد يد العبودية إلى عز الربوبية، ولا نقدر على ذلك، فها نحن واقفون موقف الاعتذار والاقتراف والاقتراب (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فعليك يا أخي بالصدق مع الله تعالى فيما جمع مما ذكر وما سيذكر والصدق قوام العمل، والصدق مع الله حامل على ترك ما يكره الله تعالى، قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) والصادقون ثلاثة: صادق في أفعاله، وصادق في أقواله، وصادق في أحواله. فأما الصادق في أفعاله، فله ست علامات: إظهار التوبة، ودوام البكاء، وكثرة الخضوع، والمواظبة على الجهد، وصحة المراقبة، والمبادرة إلى الأوامر مع تجنب النواهي. والصادق في أحواله: له ست علامات: الزهد في الدنيا، والبذل إذا أنفق، والإيثار مع الضرورة، وحسن الخلق، وصحة التوكل، وقول الحق وعلمه. وأما الصادق في أقواله: فله ست علامات: الوقوف بين يدي الخوف، والرجاء، ورياضة النفس بالتقوى، واليقين، والقيام بالشكر، والصبر، ومراقبة الحياء، والإخلاص، والعمل بالتسليم، والرضا بحسن الأدب على بساط الانبساط. قال أبو عبد الله: وقد سئل ما أحسن ما توجه العبد به إلى الله؟ قال: الصدق وأقبحه الكذب. وكان يحيى بن معاذ يقول في محاسبته لنفسه: يا من خلفه الأجل وقُدّامَه الأمل لا ينجيك إلا صدق العمل. وقال أحمد بن حضرويه: من أراد أن يكون الله معه فلْيَلْزم الصدق، وهذا الكلام قاله المحققون - رضي الله عنا وعنهم ونفعنا بعلومهم. بيان وطء المرأة في دبرها وهو من الكبائر: قال الله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم) . وقال تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) والحرث: الماء يكون مكان الزرع. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الذي يأتي امرأة في دبرها: " هي اللوطية الصغرى ". وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر ". رواه الترمذي وقال: حديث غريب. وقال ﷺ : " من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر وقال: وقد بريء مما أنزل الله على محمد " رواه أبو داود والترمذي. فصل في معنى قوله (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم) أي مقبلات ومستدبرات، ومستلقيات يعني بذلك في موضع الولد وهذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الحرث في موضع الزرع، وهو الفرج أي كيف شئتم من خلف ومن قدام باركة أو مستلقية، إن شاء مُجَبّية، وإن شاء غير مجبية، ذلك في صمام واحد، ويروى في سام واحد بالسين، قاله الترمذي. وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر: قد أكثر عليك القول إنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع: لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض على المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ (نساؤكم حرث لكم) قال نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله (نساؤكم حرث لكم) . وعن جابر ﵁ أن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول فنزلت (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم) زاد في رواية عن الترمذي: " يعني صماما واحداً ". رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁: " من أتى النساء في أدبارهن والرجل فهو كافر " وعنه أيضاً: " ملعون الذي يأتي المرأة في دبرها ". وقال عمر بن الخطاب ﵁: " استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ". بيان تحريم إتيان النساء في الحيض وإباحة الاستمتاع بهن فيما بين السرة والركبة

стр. 49

قال الله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض) (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن) أي بالماء تغتسل كالغسل قال ﷺ : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " وأنعقد الإجماع على تحريم الوطء في الفرج وما تحت الفرج حرام أيضاً أي الدبر ومن استحلله كفر ومن جامع امرأته في الحيض حصلت له علة مؤلمة. قال الله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى) فبين لهما الضرر الحاصل من جهته. وأما الكفارة والتعزير قال شيخنا ﵀: اعلم أن الوطء في الفرج أثناء الحيض حرام باتفاق العلماء وفاعل ذلك يأثم ويرتكب كبيرة، ويعزره الحاكم بما يراه في تعزيره زجراً ولا يلزمه حدّ ولا كفارة. وعن أبي هريرة ﵁: " مَن وطئ امرأة وهي حائض فقضى بينهما بولد وأصابه جُذام فلا يلومن إلا نفسه ". ويجب عليه في المذهب القديم إن وطئ في حال ضعفه أن يتصدق بنصف دينار. وأما الاستمتاع بما بين السرة والركبة فيه وجهان أحدهما أنه حرام وهو الوطء فإن باشر فوق السرة وتحت الركبة جاز، وإن استمتع بنفس السرة والركبة قال النووي: المختار جوازه ويحرم أن ينام معها في لحاف واحد من غير استمتاع فيما بين السرة والركبة وهذا إذا كانت متزرة بإزار. بيان تحريم مساحقةٍ النساء بعضهن بعضا: وهي من الكبائر وهي إتيان المرأة المرأة. عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : " السحاق زِنا النساء بينهن " وقال أيضاً ﷺ : " عورة المرأة على المرأة " كعورة الرجل على المرأة " وقال أيضاً: " لا تباشر المرأة المرأة إلا وهما زانيتان " وقال أيضاً: " ثلاثة لا يقبل الله منهم قول لا إ له إلا الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر ". وقال علي رضى الله عنه: " إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء كان الخسف والمسخ والقذف من السماء " وقال عطاء: عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " يأتي على الناس زمان يتزوج فيه الغلمان وما يتزوج بالنساء ويتغايرون على الغلمان كما يتغايرون على النساء ". وفي هذه المعصية التعزيز بحسب ما يرتدع به فاعله. قال الشيخ تقي الدين الحصني ﵀ في شرح كتاب أبي شجاع: تساحق النساء للنساء حرام ويُعَزّرْن بذلك لأنه فعل محرم. وقال القاضي أبو الطيب ﵀:وإثم ذلك كإثم الزنا لقوله ﷺ : " إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " وفي الخبر: أن المرأة إذا ركبت المرأة يأمر الله تعالى مَلَكا يضع لها سبعين جلبابا من نار ودرعاً من نار. بيان التخنيث في الرجل وما يوجبه: ومعنى التخنيث: تشبه الرجل بالمرأة في كلامها ولبسها وجميع أحوالها وهو من الكبائر موجب اللعن لتشبهه بالمرأة وكذلك تشبه المرأة بالرجل للحديث قال ابن عباس رضى الله عنه: " لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ". وهو حديث صحيح. وقال أبو هريرة رضى الله عنه: " لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل " رواه أبو داود بإسناد صحيح وقال ﷺ : " صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: قومُ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسياتُ عارياتُ مائلات مميلات رءوسهن كأسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " رواه مسلم في صحيحه.

стр. 50

" تنبيه " وقد عمت البلوى في زماننا هذا بما هو أشد من ذلك وهو أن المرأة تضع على رأسها شيئاً يقال له " الطاقية " و " القبعة " فيصير كالطبق أو كالصومعة وعلى رأس بعضهن شيء يشبه القرب الصغير وربما يلف على هذه الطواقي بمناديل حتى تصير كالعمامة فتدخل في التشبه بالرجال فيجرى عليها وعيد الحديث أيضاً ويحصل من ذلك قصر الإزار وتشميره عن العادة لعلو هذه المصيبة التي وضعتها فوق رأسها حتى أن ثيابها والخف واللباس ينكشف من تحت الإزار. وأما قوله ﷺ : " كاسيات عاريات ": وقد اختلف في قوله: كاسيات عاريات: فقيل: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكره. وقيل: يلبسن ثياباً رقاقاً تصف البشرة منهن. وقال ﷺ : " ألا هلك الرجال حين أطاعوا النساء ". وقال سعيد بن المسيب ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁: " أربع يمشون والله عليهم ساخط: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، ومن غشي بهيمة، ومن عمل عمل قوم لوط ". ويذكر عن ابن عباس ﵁ قال: " لعن رسول الله البيت الذي يدخله المخنثون ". وعنه أيضاً أن النبي ﷺ " لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ". وقال: " أخرجوهم من بيوتكم فأخرجوهم فلاناً وفلاناً ". وقد نص أحمد وإسحاق رحمهما الله تعالى على نفي المخنث. " تنبيه " في النهي عن معاشرة الأحداث والنظر إليهم قال أبو زكريا النووي في فتاويه: " مسألة " هل يحل النظر إلى الأمرد أم لا؟ ولو كان رجل يهوي المرد، وينفق عليهم من ماله، ويهون عيه إعطاؤه للواحد منهم جملة كثيرة، ويشق عليه إعطاؤه درهماً لفقير ذي عيال محتاج هل يحرم عليه اجتماعه هو وهم وإنفاقه على هذا الوجه؟ وهل إذا جمع بينهم يكون آثماً أم لا؟ وهل به تسقط عدالة من جمعهم وداوم على ذلك أم لا؟ وهل قال بإجازة ذلك أحد من العلماء أم لا؟ فالجواب: مجرد النظر إلى الأمرد الحسن حرام سواء كان بشهوة أو غيرها إلا إذا كان له حاجة شرعية كحاجة الشراء والتطيب والتعليم وغيرهم فيباح حينئذ قدر الحاجة وتحرم الزيادة قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) . وقد نص رحمة الله تعالى عليه وغيره من العلماء ﵏ على تحريم النظر إليه من غير حاجة شرعية واحتجوا بالآية الكريمة، وأنه في معنى المرأة بل بعضهم أحسن من كثير من النساء ولأنه يمكن في حق المرأة ويتسهل من طريق الزينة والشر في حقه مالا يتسهل في حق المرأة فهو بالتحريم وأقاويل السلف في التنفير منهم والتحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر، وسموهم " الأنتان "؛ لأنهم مستقذرون شرعاً. وسواء كان ما ذكرناه نظر المنسوب إلى صلاح أو غيره. وأما الخلوة بالأمرد فأشد تحريما من النظر إليه لأنها أفحش وأقرب إلى الشر وسواء خلا به منسوب إلى صلاح أو غيره. وأما جمع المرد على الوجه المذكور فحرام على الجامع والحاضر وإنفاق المال في ذلك حرام شديد التحريم. ومن جمعهم وأصر فسق وردت شهادته وسقطت ولايته ويجب على ولي الأمرد - وفقه الله تعالى - أن يمنعهم من ذلك ويجب على كل مكلف علم حال هؤلاء أن ينكر عليهم بحسب قدرته ومن عجز عن الإنكار عليهم وأمكنه رفع حالهم إلى ولي الأمر لزمه ذلك ولم يقل أحد من العلماء رحمهم الله تعالى بإباحة ذلك على هذا الوجه. فصل في الرجاء والخوف

стр. 51

قال شيخنا في كتابه تحفة الأبرار: اعلم أن من هيأ شيئا رجاء حصوله سمى راجياً فكذلك من أطاع الله رجاء القبول أو تاب ورجا الغفران. وأما من داوم على التفريط ورجا عنه فإنه مغرور لا راج قال ﵇: " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ". وأما الخوف فإنه توقع جناية، وينبغي لكل ذي حظية أن يكون خائفاً من العقوبة وقد يقع من السابقة ومن الخاثمة والمؤمن لابد له من الخوف. قال الدرامي: كل قلب ليس فيه مخافة فهو خراب وقد يقود الخوف إلى القلق والبكاء وقد كان رسول الله ﷺ يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل وقال ﵇: " لما أسرى بي رأيت جبريل ﵇ كالحِلس البالي مُلقى من خشية الله تعالى ". وقد كان أبو بدر الصديق رضى الله عنه يقول: " ليتني شجرة تعضد لم تؤكل ". ولقد مر عمر رضى الله عنه بتبنه فقال: ليتني كنت هذه التبنة. وقال على يوم الجمل: " وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ". وقال أبو عبيدة: " لوددت أي كنت كبشاً فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي ". وقال ابن مسعود: " لو وقفت بين الجنة والنار فخيرت بينهما أو أكون ترابا، لأخترت أن أكون تراباً ". وقال عمران بن حصين: " ليتني كنت رمادا فتذروه الرياح ". وقالت عائشة رضى الله عنها: " ليتني كنت نسياً منسياً ". وخوف السلف وبكاؤهم مشهور. وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما، وقال العارفون: يجب على العبد أن يكون في صحة بدنه خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال مرضه يكون رجاؤه، وفي حال وقوعه في المعصية يكون خائفا فإنه أعون على دفع المعصية. واعلم يا أخي أن القلب إذا خلا من الخوف خرب، والخوف سوق يسوق ويعوق: يسوق إلى الطاعة، ويعوق عن المعصية. قال سيدي عبد العزيز الديريني: الخوف على معان: خوف النار، وخوف البوار، وخوف السابقة، وخوف الخاتمة. نسأل الله تعالى حسن الخاتمة. فصل في بيان المعاصي قال الشيخ عبد العزيز ﵀: اعلم أن المعاصي على قسمين: ترك فريضة وفعل محرم.

стр. 52

وأولهما - معصية إبليس فإنها ترك فريضة. أمر بالسجود، فلم يسجد، ومعصية آدم نُهى عن أكل الشجرة فأكل. ثم تنقسم إلى ما - هو حق الله، وإلى ما هو حق الآدمي. ثم تنقسم من حيث أصولها إلى أربعة أقسام: ربوبية، وشيطانية، وبهيمية، وسبعية. فالربوبية: التشبه بأوصاف الرب سبحانه؛ فمن تشبه بها من الخلق فتكبر، وتجبر، وطلب الرفعة، والعلو والثناء، والاستيلاء على الخلق، فقد نازع الربوبية حقها. والشيطانية: التشيه بالشيطان، ومن صفاته الحسد والبغي والحيلة والخداع والغش والنفاق والدعوة إلى المعاصي والبدع والضلال. والبهيمية: الشهوة والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها تشعب الزنا والسرقة، وأكل مال اليتيم، وجمع الحرام لقضاء الأوطار. والسبعية: الغضب والحقد ومنها يتشعب الصلف والضرب وإيذاء الخلق. وأول ما يستوي على الإنسان البهيمية، فإذا كبر وتزايد فهمه دخلت عليه السبعية، فإذا قويت فكرته، ولم يوفق استعمل عقله في المكر والخداع والصفات الشيطانية، ثم يدخل علية منازعة الربوبية، قال الله : (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار) انتهى كلام سيدي عبد العزيز. وقال ابن القيم: ذكر الإمام أحمد عن وهب: أن الرب ﵎ قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: " إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد ". وذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد: ليجد امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ثم قال: تدري بم هذا؟ قلت: لا قال:: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بعضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. وذكر أيضاً عن وكيع حدثنا زكريا بن عامر قال: كتبت عائشة ﵂ إلى معاوية ﵁: أما بعد. . فإن العبد إذا عمل معصية عاد حامده من الناس ذامّاً. وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتابه الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين أنه لما ركبه الدَّيْن اغتم لذلك فقال: إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته قبل أربعين سنة. وههنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي: أنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فُيْنسى، ويظن العبد أنه لا يغير بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل: إذا لم تغير حائطا في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار وسبحان الله ماذا أهلكت هذه البلية من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وما أكثر المفترين بها فضلا عن الجهال! ولم يعلم أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل. انتهى كلام ابن قيم. فصل في حوادث حدثت زمان المؤلف

стр. 53

قال سيدي عبد العزيز الديريني ﵀ في كتابه الروضة الأنيقة: باب في حوادث حدثت زماننا: اعلم أن الذي دعا إلى تصنيف هذا المختصر أن قوماً في هذا الزمان ابتدعوا طريقاً مخالفة لطريق القوم، وزعموا أن لهم فيها مقاصد صالحة فمنها: الخلوة بالنساء، والحديث معهن، وربما زاد بعضهم المعانقة، والقُبلة، والملامسة مع الأجانب، وسلك آخرون مع الشباب مثل ذلك، وهذا ما لا يخفى على ذي لبابة من حيل الشيطان ومكايده، ومن حبائله ومصايده، قال مخاطبا لأصحاب الرسول ﷺ مع مرتبتهم - في حق نساء النبي ﷺ مع رتبتهن وكونهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم بل أعظم منهن في الوقار والتعظيم - (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) فمن ادعى أنه أقوى إيماناً من الصحابة، أو أن النساء اللاتي يخلو بهن أطهر قلوباً وأملك نفوساً من نساء النبي ﷺ فقد عظم الافتراء، وأكثر الاجتراء في حديث الخلوة وحدها، فكيف بما زاد على ذلك. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ كان معتكفا في رمضان فدخلت عنده زوجته حفصة بنت عمر فتحدثت عنده ساعة ثم خرجت فرأى رجلين في الطريق فقال: هي أمكما حفصة فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ". فإذا كان رسول الله ﷺ خاف أن يوقع الشيطان في نفوس الناس أنه كان عنده امرأة أجنبية، فكيف يسلم غيره من أن يوقع الناس فيه؟! فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا تخلون بامرأة ولو أقرأتموها القرآن ". وروى أن النساء اجتمعن عنده فطلبن أن يعاهدن باليد فقال: لا تمس يدي يد امرأة ولكن قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة فبايعهن بالكلام من غير ملامسة. وروي أنه لما طلبن " البركة " وضع يده في ماء ثم نقل إليهن فوضعن أيديهن فيه. فإذا كان سيد الأولين والآخرين يجتنب هذه الأمور وغيره يقتحم ما هو أعظم منها فكيف يخفى على عاقل قبح ما يتعاطون نسأل الله العافية بمنه وكرمه. وأعظم من ذلك إنكارهم على من يتجنب هذه القبائح وقولهم: " أنت ضعيف القلب ". وليس ضعيف إلا إيمانهم. وقولهم: " الفقير لا يفيده شيء " فهذا باطل فإن المحرمات لا تختص بواحد دون واحد، فإن قصدوا أن الفقير لا يقع في معصية فقد كذبوا فإن هذه الأشياء في نفسها معاصي، فكيف يقال لمن عصى أنه لم يعص، وإن قصدوا بالتغيير أن نعم الله عليه أو توالى الأنوار والكشف لديه فهذا غلط عظيم، فإن الفتوحات والكرامات وطيب الأوقات إنما تكون علامة للقرب إذا كان صاحبها مستقيما على طريق التحقيق، فأما ظهورها مع التخليط ومخالفة الشرع فإنه علامة مكر واستدراج كما قال تعالى: (وسنستدرجهم من حيث لا يعلمون) وأما قولهم: إن من النساء والشباب من له قصد في تحصيل علم أو أدب، فلو أن الناس كلهم يتجنبون عِشْرة النساء والشباب لم يُحَصِّل أحدهم علما ولا أدبا، فالجواب أن التعليم والتأديب يختص بالعلماء العارفين فكيف يقصد تعليم الغير من لا علم عنده ولا معرفة، وهذه مرتبة عظيمة ولا تصلح إلا للراسخين في العلم والمعرفة، ثم إن من يصلح لهذا لا يحل له أن يزيد في الاجتماع بالنساء والشباب على ما تدعو إليه الحاجة وهو أن الاجتماع لا يكون في خلوة، ولا مع انبساط ولا مرح بل لا يتكلم إلا في جد وحزم وموعظة وعلم ولا يلح النظر وإن قدر لم ينظر أصلاً، فقد رأيت بعض مشايخنا العلماء العارفين عود نفسه غض بصره عن الرجال، وصار ذلك عادة له لا يتكلفها مع النساء، ولقد كان بينه وبين نساء عندنا قرابة، فكان يزورهن لصلة الرحم، وأنا معه فيقف على باب الدار حتى تخرج إليه المرأة، فيسلم عليها من بعيد، ويغض بصره، وينصرف فكيف يسلم من يدخل بيوت أزواجهن من غير إذن، ويأكل طعامهم، ثم ينبسط، ويخرج ويفتح عينيه ويمد يديه، وربما زاد فوق هذا، وقد ورد في الصحيح: " العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع، واليدان زناهما اللمس " وهذه الأفعال كلها من الزنا وهل يحل الزنا بنية صالحة؟ وهل تعتبر النيات في المحرمات؟ والحديث إنما ورد في المباحات والطاعات فإن المباح إذا كان بنية صالحة صار طاعة، والطاعة إذا لم يكن فيها إخلاص بنية لله فهي رياء فهذا معنى قول

стр. 54

النبيي ﷺ : " الأعمال بالنيات " فأما المحرمات فإنها معاصي وإذا نوي بها نية حسنة كان جاهلاً فاسقاً. لى الله عليه وسلم: " الأعمال بالنيات " فأما المحرمات فإنها معاصي وإذا نوي بها نية حسنة كان جاهلاً فاسقاً. فصل في مزاعم باطلة وقد زاد قوم فزعموا أن اجتماعهم بالنساء والشباب، وتعاطي هذه الأمور مما يحصل به البركة، وأن قرب المرأة والشباب من الرجل الصالح سبب لحياة القلب، فإن النور يسري من القلب إلى القلب، وأشباه هذه الزخارف الباطلة! فهؤلاء فرقة تشبهوا بالشياطين فإن الشيطان يسول للمحال بأمور محرمة ويزينها بصور باطلة فهذه حيلة فسق، وحيلة مكر، وخديعة كذب، فليت هؤلاء حيث وقعوا في هذه القبائح لم يضيفوا إليها ما هو أقبح منها؛ فإن العرف المعترف بمعصيته أخف إثما، وأقل جُرما، ويجب على من له امرأة أن يردع هؤلاء بالتعزير الشافي، والزجر الكافي، وإذا لم يقدر على ذلك. فَلْيَنْهَهُم نهياً كافياً، فإن لم يقبلوا وجب الإنكار عليهم بالقلب كما قال تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلْهِهم الأمل فسوف يعلمون) انتهى. فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) . فأمر الله في هذه الآية نصاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى في أية أخرى على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقال في الآية التي وصف بها المؤمنين: (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) وفي الحديث: " لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، وليأخذن على الظالم، وليطرأ به على الحق إطراء، وليقصر به على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضا على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم " رواه أبو داود. وفي الحديث أيضاً: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ليوشكن أن يبعث عليكم عقابا ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ". فثبت الكتاب والسنة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأحاديث في ذلك كثيرة. وقال العلماء: إن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين لأن الله تعالى قال: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المنكر) وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) . فثبت بذلك أن أخص أقوال المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقدهم، وسلامة سرائرهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم إن ذلك ليس مما يليق بكل واحد، ولا يجب على كل أحد، وإنما هو من الفروض التي ينبغي أن يقوم بها السلطان للمسلمين إذا كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير موكول إلى رأيه، فينصب في كل بلد وفي كل قرية رجلا صالحاً قوياً إيماناً، عالماً وأن يأمره بمراعاة الأحوال التي تجري فلا يرى ولا يسمع منكراً إلا غيره، ولا يبقي معروفاً محتاجاً إلى الأمر به إلا أمر به، وكلما وجب على فاسق حدٌّ أقامه، ولم يعطله فإنه لا شيء أزرى على المفسدين من إقامة حد الله عليهم، ولا يتعدى المشروع بالذي شرعه أعلم بطريق سياستهم وكل من كان من علماء المسلمين الذين يجمعون بين فضل العلم، وصلاح المسلمين الذين يجمعون بين فضل العلم وصلاح العمل، فعليه أن يدعو إلى المعروف ويزجر عن المنكر، فإن كان يطيق إبطال المنكر ودفعه وردع المتقاضي له عند فعله فإن كان لا يطيق بنفسه، ويطيقه فإن ذلك إلى السلطان دون غيره، وإن كان لا يطيق إلا القول فعليه الأمر باللسان وإن لم يستطع إلا الإنكار بالقلب أنكره، والأمر بالمعروف في هذا مثل النهي عن المنكر إن اتسع للعالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به فعل، وإن لم يقدر إلا على القول. من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

стр. 55

قال الإمام الحليمي: وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مميزا، يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع العنف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم لأنه أليق بهم، وأسمع فيهم، وأن يكون غير محابٍ، ولا مداهن، وأن يُصلح نفسه أولا، ويقومها، ثم يقبل على إصلاح غيره وتقويمه قال الله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) . وعن محمد بن النضر قال: ذُكر رجل عند الربيع بن خثيم قال: ما أنا عن نفسي براضٍ فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها إن العباد خافوا الله على ذنوب غيرهم وأمنوه على ذنوب أنفسهم. ٍ السلطان الذي يتعاطى الفواحش ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الحليمي: والسلطان الذي يتعاطى الفواحش يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأن السلطنة على هذا؛ فلو انقبضت عنه لم يكن سلطانا وليس من دونه في هذا بمثله؛ لأن القيام بهذا الأمر إنما يعتزله عن إمساك السلطان عنه لعلمه وصلاحه، فإذا اختار صلاحه فقد صار مستحقا للتغيير فلا يكون مع ذلك مغيراً على غيره. وفي البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأن تأمرن بالمعروف، وتنهين عن المنكر حتى لا يبقى من المعروف شيء إلا أمرتنا به، ولا يبقى من المنكر شيء إلا نهيتنا عنه، لا نأمر أحداً بمعروف ولا ننهى عن منكر، قال لنا رسول الله ﷺ : " مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله ". قال الحسن البصري: يريد أن لا يظفر الشيطان منكم بهذه الخصلة وهو أن لا تأمروا بالمعروف حتى يأتوا به كله، يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة فمن الذي يعصم عن المعاصي. عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جاءه رجل فقال: يا بن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تحسن أن تفتتح بثلاثة أحرف من كتاب الله : (أتأمرون الناس بالبر) الآية احتكمت هذه الآية؟ قال: لا قال: فالحرف الثاني قوله تعالى: (لم تقولون مالا تفعلون) الآية احتكمت هذه الآية؟ قال: لا قال: فالحرف الثالث قال: قول العبد الصالح: (وما أريد أن أخافكم إلى ما أنهاكم عنه) احتكمت هذه الآية؟ قال: لا قال: فابدأ بنفسك! بيان من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفساد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل الواقع في حدود الله، والمداهن فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم سفل وأصاب بعضهم علو فكان الذين في السفل يستقون للذين في العلو، فيمرون عليهم فيؤذونهم فقال الذين في العلو: آذيتمونا تصبون علينا الماء فأخذوا فأساً فجعلوا يحفرون بالسفينة فقال الذين في العلو: ما تصنعون؟! فإن تركوهم وما يرون غرقوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً " أخرجه البخاري في صحيحه. وأخرج البيهقي عن أبي أمامة فال: قال رسول الله ﷺ : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". وله عن أبي ذر وفيه " فأوصاني أن أقول الحق ولو كان مرا ". وعن حذيفة قال: " الإسلام ثمانية أسهم: فالإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له ". وعن جابر قال رسول الله ﷺ : " أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: فقال: يا رب إن منهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ". وعن مالك بن فضالة قال: اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضُنا بعضا، ولا ينهي بعضُنا بعضاً ولا يذر ذا لله على هذا فليت شعري أي عذاب ينزل! وعن ابن عباس في قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) قال: " يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي ". وعن بلال بن سعد قال: " إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير أضرت بالعامة ". وقال: " إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله تعالى أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه لا تأمر فيه ولا تنهى خوفا مما لا يملك لك ضرا ولا نفعا ". وقال: " من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لا يستخف بحقه ".

стр. 56

فصل في الرّدّ على من قال: إن هذه الأمة فيها خطاب بعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غيره ولا عليه إلا من نفسه، ولا يأمر غيره.

стр. 57

قال أبو بكر الصديق ﵁ في خطبته: أيها الناس، إنكم تقرءون الآية وتتأولونها خلاف تأويلها (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قوم عملوا المعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم ولم يفعل أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده ". وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : " عُذّبَ أهلُ قرية فيها ثمانية عشر ألفاً أعمالهم كأعمال الأنبياء قالوا: يا رسول الله كيف ذلك؟ قال: لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ". وقال الغزالي ﵀: كل من شاهد منكراً ولم تغيره ولم ينكره وسكت عنه فهو شريك فيه، فالمستمع شريك المغتاب، ويجري هذا في جميع المعاصي، حتى في مجالسة من يلبس الديباج، ويتختم بالذهب ويجلس على حرير، والجلوس في دار أو في حمام على حيطانها صور أو فيها أواني من ذهب أو فضة، والجلوس في مسجد يسيء الناس الصلاة فيه فلا يتمون الركوع والسجود، والجلوس في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة، أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإفحاش بالسفه والشتم. وبالجملة من خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان تقياً في نفسه إلا أن يترك المداهنة لا تأخذه في الله لومة لائم، ويشتغل بالحسنة والمنع من المنكر وإنما عنه يسقط الوجوب بأحد أمرين: أحدهما: أن يعلم أنه إن أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر، ونظر إليه بعين الاستهزاء وهو الغالب في منكرات يرتكبها الفقهاء، ومن يزعم أنه من أهل الدين فههنا يجوز السكوت، ولكن يستحب الزجر باللسان إظهاراً لشعائر الدين مما لم يقدر على غير الزجر باللسان، ويجب أن يفارق ذلك الموضع، فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختبار فمن جلس في مجلس الشرب فهو فاسق، وإن لم يشرب، ومن جالس مغتاباً أو لابس حريراً أو آكل ربا أو حرام فهو فاسق فليقم من موضعه. الثاني: أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيرميها فيكسرها، أو يسكب آلة الملاهي من يد صاحبها ويضربها على الأرض ولكن يعلم أنه يُضْرَب أو يصاب بمكروه فههنا يستحب الحِسْبَة لقوله تعالى: (وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) .ولا يجب إلا أن المكروه الذي يصيبه له درجات كثيرة يطول النظر فيها ذكرها الغزالي في الإحياء في كتاب الأمر بالمعروف. وعلى الجملة فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب، أو في ماله بالاستهلاك، أو في وجاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مرؤته. فأما خوف إفحاش المنكر عليه، وخوف تعرضه له باللسان، وعداوته له؛ أو يوهم سعيه في المستقبل بما يسوءه، ويحول بينه وبين زيادة خير ينتظرها؛ فكل ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط الوجوب بها. واعلم أن عمدة الحسبة شيئان: أحدهما: اللطف والرفق والبداية بالوعظ على سبيل الدين لا على سبيل العنف والترفع والإدلال بدالة الصلاح فإن ذلك يؤكد داعية المعصية، ويحمل المعاصي على المناكرة وعلى الإيذاء، ثم إذا أذاه ولم يكن حسن الخلق غضب لنفسه، ويرد الإنكار لله واشتغل بشفاء غليله منه فيصير عاصياً، بل ينبغي أن يكون كارهاً للحسبة يود لو ترك العاصي المعصية بقول غيره، فإذا أحب أن يكون هو المعترض كان ذلك لما في نفسه من حالة الاحتساب وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه ". ووعظ المأمون واعظ بعنف فقال: يا رجل؛ ارفق فقد بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره بالرفق فقال تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) . وروى أبو أمامة أن غلاما شابا أتى النبي ﷺ فقال: أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به فقال النبي ﷺ : " أقروه ادن مني؛ فدنا منه فقال ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: ل - جعلني الله فداك - قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، ثم قال ﷺ : أتحبه لابنتك؟ قال: لا. قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، حتى ذكر له الأخت، والعمة، والخالة، ويقول وكذلك الناس لا يحبونه ثم وضع يده على صدره ثم قال: اللهم طهره واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك

стр. 58

شيء أبغض إليه من الزنا ". وقال بعضهم للفضيل: إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال: ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعاتبه بالرفق فقال: يا أبا علي إن لم تكن من الصالحين فإنا نحب الصالحين. والعمدة الثانية: أن يكون المحتسب قد بدأ بنفسه فهذبها وترك ما ينهى عنه أولا، قال الحسن البصري ﵀: إذا كنت تأمر بالمعروف فكن من أجدى الناس به وإلا هلكت. هذا هو الأولى حتى ينفع كلامه وإلا استهزئ به، وليس هذا شكاً بل يجوز الاحتساب للعاصي أيضاً. ء أبغض إليه من الزنا ". وقال بعضهم للفضيل: إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال: ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعاتبه بالرفق فقال: يا أبا علي إن لم تكن من الصالحين فإنا نحب الصالحين. والعمدة الثانية: أن يكون المحتسب قد بدأ بنفسه فهذبها وترك ما ينهى عنه أولا، قال الحسن البصري ﵀: إذا كنت تأمر بالمعروف فكن من أجدى الناس به وإلا هلكت. هذا هو الأولى حتى ينفع كلامه وإلا استهزئ به، وليس هذا شكاً بل يجوز الاحتساب للعاصي أيضاً. بيان ضرر من يأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ولا ينتهي عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان، مالك؟ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر! فيقول: بلى قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". وخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " المؤمنون بعضهم لبعض نصيحة يوادون عن افترقت منازلهم وأبدانهم والفجرة بعضهم لبعض غششة متخاذلون وإن اجتمعت منازلهم وأبدانهم ". " تنبيهات " الأول: ينبغي للآمر بالمعروف أن يكون عالماً بخلاف العلماء فيما يأمر به وينهي عنه. الثاني: إذا كان لا يقدر إلا بالقلب فليقل عنده إنكاره اللهم إن هذا منكر لا أرضاه ثلاثا، وليدع له عند ذلك بالتوبة، ويعرض عنه وجهه إنكاراً على فعله لا زجراً وانتقاما فاحذر ذلك؛ فقد قال الشيخ أبو الحسن ﵀: أكرموا المؤمنين وإن كانوا فسقة عصاة، وأْمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر واهجروهم رحمة بهم. لا تُقَدّرُوا عليهم.

стр. 59

وقال ﵁: لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع. " تنبيه " وَأْمن يأأيها الأحمق، ويأأيها الجاهل، والفاجر، والسفيه من القيام لنفسك في وجه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصولة عليه والغضب، لتضر نفسك، أو تتغير فيك جارحة تكون منافقاً بذلك جاحداً للأمر والنهي، بل تكون جباراً عنيداً، فإنك تقايس نفسك بنفسه فتجحد أمره ولا تعلم أنه فاسد لك في الأمر والنهي عن الله ورسوله بل تعرف له حقه في الحرمة والوقار والخضوع، والتذلل بين يديه وقبول أمره بالسمع والطاعة، بل تسرع إلى التوبة النصوح والرجوع إلى الله والندم ومتى فعلت بخلاف ذلك وقع بك المقت ولم تجد لك ولياً ولا نصيراً وتعلم أن الله ولى القائم بالحق، الآمر، الناهي عن الباطل وناصره لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم) فيجب عليك أن تعرف له حقه في وقت الأمر، وتستدرك فارطك في الساعة التى يأمرك مخافة أن يريك الشيطان بالغضب على من يأمرك، واعرف قدر منزلته فإن له حرمة القيام عن الله وعن رسوله وحرمة الغيرة لله، والغضب له، وهذه حرمات لا يعقل لها إلا من يريد الله له الخير، والرجوع إليه ألاترى إلى من يكون واقفاً بباب السلطان أو بباب والى بلدك، وأمرك بشيء لا يتعلق بالدين، بل بأمر الدنيا إما أن يأخذ مالك، أو يضرك في ولدك، أو عيالك هل تقدر على مخالفته، أو تقدر أن تجحد أمره، ونهيه؟! فكيف بمن يتكلم عن لسان الرسول الأعظم، وعن أمر ملك الملوك؟! كيف يقدر على المخالفة وما ذاك إلا لعظم غفلتك عن الله وعظم بليتك! فانظر إلى حرمة مخلوق، وإلى سرعة إجابتك له بالسمع والطاعة، وانظر إلى مخالفتك لمن يتكلم عن ملك الملوك وصولتك عليه، وجحودك لأمره ونهيه فاحذر من كثافة نفسك، وغفلة قلبك، واعرف حقوق من يقوم لله ولرسوله، ولولا ذلك لوقع البلاء بالخلق أى لولا القائم لله والأمر والنهي والنصح للخلق والموعظة لهم، ووصية بعضهم بعضاً لحل بهم مالا يعلمه إلا الله فنسأل الله العفو والعافية وأن يوفقنا لطاعته وأن يجنبنا معصيته إنه ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبته وسلم. فصل فيما ينبغي في مجلس الوعظ ينبغي ألا يخلو مجلس الوعظ من الزجر عن المعاصي. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: وما فيه زجر عن المعاصي ولقد تأملت هذا على نفسي فرأيت كثيراً من مجالسي كانت تمضي بين تفسير آية، وذكر خبر وحكايات الصالحين، وأهوال القيامة، وكل ذلك حسن غير أني لسلامة صدري كنت لا اعتقد في المسلمين كثرة الذنوب! والفواحش ولا أكاد أجري تحريم الزنا، ونحو ذلك فتفكرت فرأيت الأولى أن يكون جمهور المجلس في هذا فإن أكثرهم عوام، وهذه العلل فاشية فيهم، فماذا ينفعهم في قيام " سَرِىّ " طول الليل، وجوع " بِشْر الحافي " وزهد " مالك بن دينار "، وإن كان في ذكر ذلك نوع توبيخ للمفرطين، ولكن الأهم أن ينبغي أن يسلك فيكون عموم المجلس على التخويف في عواقب الذنوب والتشديد في النهي عنها فلا يخلو مجلس من شارب خمرٍ، ومعامل بالربا، وحريص على الزنا ثم نذكر شرطاً منه أيضاً في المراعاة للواجبات من أركان الصلاة والزكاة وغير ذلك، ثم يشار في الأخير إلى أحوال الصالحين لكل قوم مشروب، فإذا تقرر هذا يجب عليه أن يجتنب الرياسة ويحسن إلى زوجته وأولاده في توسيع الرزق فإن توسيع الرزق يزيد في العمر، ويصل الرحم، فإن الرحم تتعلق بالعرش، وتقول " أنا الرحم من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ". وفي رواية: شجنة من الرحمن فقال الله : " لأصلَنّ من وصلك ولأقطعن من قطعك ". فعليك بتغيير ما تنكر، وإنكار ما يُوجب الإنكار. طريق العالم في تغيير المنكر:

стр. 60

واعلم أن طريق العالم في تغيير المنكر أن يتكلم في ذلك مما علمه الله طريق الموعظة في مجالسه أو عن المجالس فيذكر الحكم، فإن سمع منه ورجع حصل المراد وأشرك قوله قلبه وكان قد أقام عند الله عذره، وقام بما وجب عليه ويسلم أيضاً من الآفة العظيمة التي عليه في عدم الكلام؛ فإنه قد ورد " أن يوم القيامة يتعلق الرجل بالرجل ولا يعرفه فيقول: ما بالك ما رأيتك فيقول له: بلى رأيتني يوما على منكر فلم تنهني عنه " وهذا أمر خطر قبل أن تقع السلامة منه وبالكلام ينجو من هذا الخطر وإنما يتركها مع رؤيتها لاستئناس النفوس بذلك وذلك أهلك من مضى من الأمم وقد ورد " أن موسى ﵇ مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال: يا رب كيف أهلكتهم وكنت أعرف فيهم رجلا صالحا فأوحى الله تعالى إليه يا موسى: " إنه لم يغَرْ لي ". فأفاد لنا هذا الخبر أنه لو غير عليهم ما هلك، ولا هلكوا والحكم في ذلك أنه مأجور بالتغيير عليهم والإنكار كما أنت مأمورون بترك ما أحدثوا فلما أن وقعوا في المخافة وسكت هو كان وقوعا منه فيما هم فيه لأنه ارتكب ما نهى عنه من السكوت عند رؤية المخالفة فاستوى معهم في ارتكاب المنهي عنه فلم يكن في القرية إذ ذاك من يرفع البلاء عنهم إذا نزل بهم لآن العذاب إنما يرفعه الامتثال، ولم يكن ثم إذ ذاك ممتثل، فحصل ما حصل وهاهو اليوم لاشك فيه ولا خفاء في وقوع هذا الأمر لوقوع ما يقع وسكوت علمائنا في الجمع فلا يتكلمون عند رؤيته ولا يحضون في مجالس علمهم على تركه فلاشك أن نزول موجبات العذاب كلها متواترة عندي في الغالب إلا من عصمه الله تعالى. فصل في أمور يتساهل فيها الناس ويأتي منها البلاء ومن الناس من يتساهل في أمور: دخول الصبية البيوت منها أن الصبي يدخل بيوت بعضهم لقضاء حوائجهم، ويأكل ويشرب معهم من نسائه وبناته إلى أ، تطلع ذقنه، وهو على تلك الحالة فيقول له من عنده علم: إن دخول هذا الشاب البالغ عليكم صار حراماً! فيقول الرجل والمرأة: إن هذا تربى عندنا وبين أولادنا وهو كواحد منهم، ولم نعلم به إلا خيراً، ولم ينكروا هذه المصيبة العظيمة! دخول أبناء الحي وأبناء الجيران ! وكذا إذا كان هناك شاب يدخل عليهم ويقول: إنه أبن حَيِّنَا، وابن جيراننا ولم ينكروا ذلك. وأكثر ما يقع الفساد من هذه المصيبة. إرسال الفقيه المعلم بعض الصبية إلى بيته: وكذا الفقيه المعلم يرسل بعض صبيانه إلى بيته لقضاء حاجته يدخل على زوجته وبناته ويستمر على ذلك إلى حين يبلغ ولم يمنعه. إرسال البالغين إلى البيوت ! ومنهم: من يرسل البالغ لقلة علمه، وهذا جهل عظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ما يترتب على عدم الامتثال: فاعلم أن عدم الامتثال يتطرق منه الفساد بدخول الأجانب على الأجانب، تارة يكون ذلك باختيار الرجل، وتارة يكون باختيار زوجته. إدخال الأخ على الزوجة ! ومن الناس من يدخل أخاه على زوجته ويقول: إنه أخي فلا تستحي منه. من يدير صنعته في بيته ! ومن الناسي من يكون ذا صنعة كالحائك والخياط وما أشبه ذلك يعمل صنعته في داره، وصُناعه وصبيانه يعملون عنده فتدخل زوجته عليهم بحضرته وتكلم الصناع، وتخاطبهم، وتباسطهم ويباسطونها ولا ينكرون التحريم في النظر، ولا في الكلام، وربما غاب المعلم في حاجته في السوق، وأمر زوجته أن تعمل للصانع ما يحتاج إليه من " تدوير " الغزل، أو ما يحتاج إليه، ولا ينكرون ذلك! وصار ذلك عادة وتقع المؤانسة والمحبة بين الأجانب بهذه العادة الخبيثة، ويتكرر الكلام بينهم والمزاح حتى يذهب منهم الحياء، وهذا من عدم المروءات. إدخال الخدم والزارعين والحراثين: ومنهم من يدخل داره ناساً من خدمه وخوله ومزارعين وحراثين وبذارين ومن يحمل علف الدواب، وعزاقين من أحرار وعبيد على عياله وبناته وأهله وجواره وهم لهن أجانب لإخراج آلة العلف والعليق ونحو ذلك مما هم فيه محتاجون إليه ويطلعون على أهله وعياله ولا يستترون منهم وربما تحدث بعضهم مع بعض وصار ذلك عادةً بينهم، ولا يرون ذلك محرماً، ولا ينكرون ذلك، وقل من يمتنع من دخولهم إلا من غيرة على أهله، أو عنده خوف من الله تعالى نسأل الله العافية. فصل في سؤالات سألها بعض الفقراء في أمور ابتدعها جماعة من المسلمين

стр. 61

السؤال الأول: ما قول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين في جماعة من المسلمين أباحوا النظر إلى وجه الأمرد الجميل، ويشترونه بشيء كثير، ويعطون ثمنه لمشايخهم، ويخلون به مع الرجل الأجنبي، فمنهم من يدسه تحت كسائه، ومنهم من يدسه معه في ثوبه ويشرشحه الرجل الأجنبي وهو أن يجعل صدر الأمرد الجميل على صدره ويهزه فيركض قلبه كما يركض الطائر الحمام. وإذا عزموا على رجل غريب أمروه يغسل يديه قبل وضعها في الإناء، فإن مسحها في أثواب بدنه فروا عنهم بأجمعهم، وإن وقعت منه لقمة قالوا له: صارت نجسة، ولا يصلون خلف إمام غريب ولو كان إمام مكة والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام أو البيت المقدس، ولا يسلمون له ولا يقتدون بأفعاله، ويقولون: للرجل: إذا سب الرجل الإمام أبا بكر وعمر ﵄ وتاب هل تقبل توبته؟ فإن قال: نعم تقبل يقتلونه وإن مات عندهم رجل غريب لم يحضروا له جنازة. ولا يزوجون أحدا من غير جنسهم ومتى زوج الرجل رجلاً غريباً قال له مشايخهم: أتزوج فلاناً؟! فيعتزلونه ويمنعون عنه أولاده حتى يرضى عليه المشايخ فهل يطلق على هؤلاء بدْعِيّ؛ ويجب هجرهم، ولا يجوز النظر لوجوههم، ولا تحل معاملتهم؟ وماذا يجب عليهم شرعا؟ وماحكم الله تعالى عندكم في ذلك؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله! الجواب: استحلال ما ذكر أعلاه كفر فإن تابوا وإلا قتلوا. ومسح الرجل يده في ثوبه ليس يحرم. ووقوع اللقمة لا تصير نجسة بل يستحب أكلها. وتوبة الشباب مقبولة، وقتلهم لمن قال إنها مقبولة حرام فإن استحلوا ذلك قتلوا، وهؤلاء أهل بدعة وضلال يجب على ولي الأمر نصرة الله تعالى، ونصر أهل الدين. وإعانة على القيام بمصالح المسلمين الكشف عن هؤلاء الضُلال المبتدعين وأشباههم فإن تابوا وإلا قتلهم بالطريق الشرعي والحالة هذه والله أعلم بالصواب أفتى به الشيخ العلامة شمس الدين بن الإمام أبقاه الله تعالى في خير وسلامة وأفتى وكتبه بيده. جواب آخر عن الأسئلة السابقة: قال الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن الإمام الشاذلي، ثم قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن نصر البغدادي عن هذا السؤال بجواب آخر: أما فعلهم المذكور في الأمرد فهو أقبح القبائح، وأفحش الفواحش، ويجب مقاتلتهم على ذلك بما يلزمهم فيه من حدود وتعزير يليق بهم شرعاً ويردعهم عُرفاً وطَبعا. وأما عدم صلاتهم خلف غيرهم فهو ينافيهم على ما هم فيه من بدعتهم الوضيعة وضلالتهم الشنيعة: إن من خالفهم لاتصح صلاتهم وراءه، وقد كان السلف - رضى الله عنهم - يقع بينهم الخلاف البالغ في كثير من الفروع ولم يكن أحد منهم يمتنع عن الصلاة خلف من خالفه في اعتقاده فإن كلمة الإسلام شاملة لهم. واعتقاد هؤلاء بنجاسة اللقمة التي من جملة جهلهم وضلالتهم. وكذلك اعتقادهم في عدم توبة سبّاب أحد الشيخين - رضى الله عنهما - فهو خلاف ما عليه جمهور المسلمين صحيحة بالنسبة إلى حق الله تعالى. وأما حق المظلوم فهو وإن قيلّ لا يسقط بالتوبة فأنه يكون من أحكام الآخرة، بل تجوز مقاطعة التائب من مظالم الخلق بعد صدقه في توبته لعجزه عن إرضاء خصم فإن الله تعالى أمر بإنظار المعسر لعسرته فكذلك كل عليه حق يعجز عن أدائه وهو معذور ولا يكون قادحاً فيه إذا علم منه الصدق في توبته وإخلاص نيته قلما نعتد هذه الطائفة في دليل على فرط جهلهم، وتمكن الشيطان من نواصيهم ويجب على ولي الأمر - وفقه الله تعالى - زجرهم عن هذه البدعة وردعهم عنها بما يليق بهم شرعاً ويردعهم عرفا وطبعا والله أعلم بالصواب. سؤال حول الأمرد أيضاً ! ما قول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين في جماعة من المسلمين أباحوا النظر إلى وجه الأمرد الجميل، والخلوة به والمعانقة له، وشراءهم الصبي بثمن ليتخذونه خِذْنَّا، ويُسمونه " َشْرشوحاً " أو " بداية " ومنهم فرقة لم يصلوا خلف إمام إلا من يعرفون أباه وجدّه ويقولون للرجل: ما تقولون في سباب أبي بكر وعمر رضى الله عنهما إذا تاب لم تقبل توبته أم لا؟! فإن قال: تقبل توبته قتلوه فهل يُطْلقُ على هؤلاء بِدْعِيّة؟ ويجب هجرهم ولا معاملتهم، وهل يجوز النظر إلى وجوههم؟ وماذا يجب عليهم شرعاً؟ وما حكم الله فيهم؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله. الفتوى:

стр. 62

أجاب سيدنا وشيخنا سعد الدين الديري الحنفي أطال الله بقاءه فقال: الحمد الهادي للحق تكرر السؤال عن هؤلاء الضُّلاّل الجهال، وحصل الجواب المبسوط عن أحكامهم وملخص حكمهم: أن استحلال عِشْرة " الأمرد " على الوجه المذكور كُفر لا سيما إن اعتقد ذلك قُرْبَةً يتقرب بها، وتركه الاقتداء بأئمة المسلمين بدعة ومخالفة للسنة المأثورة. وأما إنكارهم صحة توبة الشباب ففي ذلك رد لدلالة الكتاب المبين؛ فإن عمومه يقتضي جواز التوبة من كل ذنب بشرطه الشرعي ولا ذنب أعظم من جُحود الرب والتائب منه المعترف بحقيقة ربوبيته يقبل ذلك منه وتسقط عقوبته والله تعالى أعلم. ثم أنبأنا الشيخ شهاب الدين السرخسي الشافعي أبقاه الله تعالى وافق هذا الجواب وقال في آخره: جوابي جواب الشيخ سعد الدين الديري رضى الله عنه. وسؤال ثالث: في جماعة يتبعون أقواماً يعرفون " بالمطاوعة " يرون صُحبة الصبيان، والنظر إليهم، والخلوة بهم، ويرون الرقص في المساجد والتصفيق، فورد عليهم ناس من أهل السنة، فقالوا لهم: إن هذا حرام، إنكم ترتكبون بدعّا على غير طريق الحق فرجع منهم جماعة وتابوا إلى الله ثم إنه لما فارقهم أهل الذين تابوا ونهوهم عن اتباع أهل السنة وألزمهم، وأكرهوهم، وحلفوهم ان لا يتبعوا أهل السنة فما حكم هؤلاء المشايخ؟ ومن تبعهم والذين حلّفوهم؟ أجاب سيدنا الإمام العلم شمس الدين بن حميد عفا الله عنه: إن هؤلاء القوم المسَمّوْن " بالمطاوعة " يحرم اتباعهم فيما يعتمدون من المفاسد العظيمة من معاشرة المُرْد والخَلْوة بهم لأن النظر إلى الأمرد بشهوة على ما صححه أهل العلم ومخالطتهم ومعاشرتهم في الخلوة أعظمَ خَطِرٍ. وأما التصفيق بباطن الكف فتشبيهاً بالنساء حرام أيضاً. وكذلك الرقص في المساجد، ولا يحل معاشرتهم ولا أتباعهم على هذه الأفعال المنكرة، ويجب على ولىّ الأمر - أيده الله تعالى - استتابهم، من المنكر، وتفريق شملهم عن هذا الاجتماع الخبيث، ويثاب على ذلك. وأما من تاب من ذلك فلا يجوز له بعد التوبة مخالطتهم، ولا موافقتهم، ومن أكره على معاودتهم، وحَلّفوه مُكْرهًا، وقَدَر على الخلاص منهم بذي قوة منهم، لم يخبث لي ما إذا اعتقد إباحة المعاصي في المساجد وحلها فيها حرام عليهم فإنهم يكفرون بذلك ويُستْتَابون، فإن لم يتوبوا قُتِلوا؛ لأن من استحل ما حرم الله تعالى فقد كفر انتهى. أجاب عن هذا السؤال أيضاً الشيخ الإمام العالم علاء الدين القطني عفا الله عنه بقوله: هؤلاء قوم ضلوا وخرجوا عن طريق الحق، ومذهب أهل السنة. وقد قال رسول الله ﷺ " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية والباقي في النار " فهؤلاء من الفرق الذين هم في النار؛ فإن الفرقة الناجية ما كان هو عليها وأصحابه ﷺ . وقال الإمام مالك رضى الله عنه: ما ظهر من هذا الدين فهو حق، وما بطن منه باطل لقوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) فهؤلاء إن اعتقدوا بأن الخلوة بالأحداث والنظر إليهم مباح فقد كفروا، ويجب على ولاةَ الأمور - أيدهم الله - قتلهم، وتطهير الأرض منهم إن لم يتوبوا. وإن اعتقدوا أنه حرام فقد فسقوا وتسقط عدالتهم فيجب على وُلاة الأمور - أيدهم الله تعالى - تعزيزهم التعزيز البالغ، وزجرَهم وردعهم عن ذلك فإن لم يرجعوا عن هذا قاتلوهم. وأما الذي حلفوه أنه لا يعاشر أهل السنة فإنه لا يجب بمعاشرة أهل السنة كفارة عليه فإنه مكره على اليمين انتهى. ثم أجاب بجواب آخر فقال: لاشك أن أهل السنة صفوة هذه الأمة فمن تابعهم، واقتدى بهم فقد سلك طريق الحق، وسبيل الناجحين ومن ضل عن طريقهم فقد ضل عن الهدى، وسلك طريق الهالكين. وهؤلاء قوم ارتكبوا بِدْعاً، ومحرماتٍ وأموراً منكرات لم يردعن أحد من أئمة السلف بجواز ما يفعلونه إن أصروا على ذلك، فهي من الكبائر الموبقات، وإن اعتقدوا إباحة؛ فربما يؤدي إلى الكفر؛ لأنه من القواعد أنه من اعتقد إباحة محرمٍ فقد كفر؛ فيجب عليهم التوبة من ذلك، والرجوع إلى الحق، واتباع الهدى، فإن لم يفعلوا وجب على ولاة الأمور - أيدهم الله تعالى - تعزيرهم التعزير البليغ، وزجرهم عن ذلك ورجوعهم إلى طريق الحق. وأما من أكره الحلف فلا كفارة عليه إذا رجع وتابع أهل السنة. فصل هل من دواء لهذا الداء

стр. 63

قال ابن القيم: فإن قيل فهل مع ذلك كله دواء لهذا الداء العضال، أي: ما تقدم من ذكر المعاصي! ورُقْيةٍ لهذا السحر القتال؟ وما الحيلة في دفع هذا الخبال؟ وهل من طريق قاصدة إلى التوبة؟ وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل إلى سُوَيْدائه فمن تعلق قلبه وجوارحه فيما تقدم من المعاصي قيل: نعم، ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله، والكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدهما: حسم مادته قبل وصولها. الثاني: قلعها قبل نزولها. وكلاهما يسير على من يسره الله، ومتعذر على من لم يُعِنْه الله؛ فإن أزمة الأمور بيديه. غض البصر وفوائده: وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فأمران: أحدهما: غض البصر كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، وفي غض البصر عدة منافع: أحدها: أنه امتثال أوامر ربه ﵎ وما سعد من سعد في الدنيا إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. الثانية: أن يمنع وصول السهم المسموم الذي لعلمه فيه هلاكه واشتداد قلبه. الثالثة: أنه يورث القلب أُنْساً بالله تعالى، وجمعه على الله، فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته، ويبعده من الله تعالى، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر، فإنه يوجب الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎. الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. الخامسة: أنه يكسب القلب نوراً كما إن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر الله آية في سورة النور عقب الأمر بغض البصر فقال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) . السادسة: أنه يورث فراسة صادقة يفرق بها بين الحق والباطل والصادق والكاذب. وكان شاه الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال، لم تخطئه فراسته. والله يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئاً عوضه الله تعالى خيراً منه، فإذا غض بصره لله عن محارم الله عوضه الله تعالى بأن يطلق نور بصيرته عوضاً عن حبسه بصره لله ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المضيئة التي إنما تنال ببصيرة القلب. وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى: (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) . فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل والعمه الذي هو فساد البصر، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمه البصيرة ويسكر القلب، السابعة: أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة، فيجمع الله تعالى له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة. الثامنة: أنه يفسد على الشيطان مدخله إلى القلب فإنه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي. التاسعة: أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول بينها وبين ذلك، فتنفرط عليه أموره، ويقع في اتباع هواه، وفي الغفلة عن ذكر ربه ﵎، قال الله تعالى: (ولا تُطِع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) . وإطلاق البصر يوجب هذه الأمور الثلاثة فحسب. العاشرة: أن بين العين والقلب منفذاً أو طريقا يوجب انتقال أحدهما بما يشتغل به عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، وإذا فسد النظر فسد القلب له كذلك في جانب الصلاح فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله تعالى ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك لهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها. الأمر الثاني من الدواء: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ويحول بينه وبين الوقوع فيه: وهو إما خوفٌ مقلق، أو حبٌ مزعج، فمتى خلى القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، لم يجد بُداً من عشق الصور. وشرح هذا: أن النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصوله أضر عليها من فوات هذا المحبوب، وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين، إن فقد أحدهما لم ينتفع لنفسه:

стр. 64

أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص أعلاهما، وهذه خاصة للعقل، ولا يُعد عاقلاً من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم احسن حالاً منه. الثاني: قوة عزم وصبر وتمكين يتمكن فيها من هذا الفعل والترك، فكثيراً ما يعرفُ الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه، وهمته وعزيمته على أنه لا يقع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته، ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره. " تنبيهات " الأول: ما تكرر من الآي والأحاديث والفصول في هذا الكتاب فلفائدة زائدة أو منفعة عائدة. الثاني: أن هذا الكتاب موضوع على سبيل الموعظة والإنذار فلا اعتراض إذا انتقل الكلام من مذهب إلى مذهب آخر لأن الكلام في الموعظة لا يتوقف على مذهب المتكلم. سئل شيخنا عن بعض مجالسه يجمع فيها كلاماً من مذهبه ومذهب غيره فقال: إذا كان المتكلم يتكلم في الموعظة فلا يقتصر على مذهب واحد وإذا كان في درس فقه فلا يخرج عن مذهبه إلا لضرورة. خاتمة في بيان التوبة وشروطها، والاستغفار وفضيلته: اللهم إنا نسألك حسن العاقبة بالخاتمة الصالحة بمنَّك وكرمك. فصل في التوبة قال الله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيَّهَ المؤمنون لعلكم تفلحون) ففرض التوبة، وندب إليها وقال: (إن الله يحب التوابين) قال سيدي أبو الحجاج الأقصري: حقيقة التوبة الذهاب إلى الملك الوهاب. والدليل عليه قوله تعالى: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) والتوبة على قسمين: توبة من الله تعالى على العبد، وتوبة من العبد إلى الله تعالى؛ فتوبة من الله تعالى على العبد أن يحبب له الطاعة ويكرِّه إليه المعصية، ويوفقه للعمل بما حبب إليه قوله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) فهذه هي التوبة منه تعالى على العبد وعن هذه التوبة تنشأ توبة العبد قال تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي تاب عليهم لأجل أن يتوبوا لأنه ما لم يتب الله تعالى على العبد لا يتأتى منه التوبة، ولهذا المعنى قيل: " العناية قبل الولاية، واللواحق مبنية على السوابق " وشاهد ذلك من القرآن العظيم قوله تعالى: (يؤفك عنه من أُفِك) أي ينصرف عن الإيمان بالقرآن وسماعه وفهمه من صرف عنه في القدم وقضى عليه بالشقاوة والحرمان وجرى القلم نسأل الكريم الخاتمة. ومما تعُرف توبة التائب في أربعة أشياء: الأول: يملك لسانه عن الفضول والغيبة. الثاني: أن لا يُرى في قلبه حسد ولا عداوة. الثالث: أن يفارق إخوان الشر فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد، ويشوشون عليه صحة هذا العزم. الرابع: أن يكون مستعداً للموت، نادماً مستغفراً لما سلف من ذنوبه مجتهداً. بيان معنى التوبة النصوح: قال شيخنا: قال المشايخ: بلغنا عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: " الندم على الذنب ثم لا تعود فيه أبداً ". وقال ميمون بن مهران ﵁: عن ابن عباس ﵄: كم من تائب يَرِدُ القيامة فظُنّ أنه تائب، وليس بتائب، لأنه لم يُحْكِم أبواب التوبة. قال عبد الله بن شميط ﵁: ما دام قلب العبد مُصِرّاً على ذنب واحد، فعمله معلق في الهواء فإن تاب من ذلك الذنب وإلا بقي عمله معلقاً. وقد قال العلماء ﵃: إذا تاب العبد من ذنب دون ذنب صحت التوبة من الذنب الذي تاب منه، وبقى عليه الذنوب التي لم يتب منها يعاقب عليها، حتى يتوب من الجميع. بيان مقامات التوبة:

стр. 65

قال شيخنا: اعلم أن مقامات التوبة عشرة: الندم على الذنب بالإقلاع، وترك العود فيه مع كثرة الاستغفار، والخروج من سائر الجهل بتعلم ما لابد منه من الواجبات، والانتقال من الصغيرة إلى الكبيرة، ورد المظالم وما لم يتهيأ له رده اعتقد رده. وإذا وجد ما يرد مكان المظلمة، واعتقاد مقت النفس. قال الفُضيل بن عياض ﵀: من مقت نفسه في الله أَمنه الله من مقته. ومنها ترك الشهوات والنقصان وتهجر أخوانك أصحاب السوء، وتصلح مطعمك وملبسك، وتكثر من البكاء والتضرع إلى الله تعالى في العفو عما مضى، وترك الأعمال التي تلحق الإنسان الذنوب في استعمالها وإلا لم تصح توبته. وكل توبة لا يُرى لها علامة على الجوارح فما أسرع رجعتها!! والعلامةُ نقصانٌ في الجسم، وقلة الطمع، وكثرة البكاء ويصحح ذلك قوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) وكذا التائب يحتاج أن يتبين آثار توبته. بيان حقيقة التوبة: علامة التوبة: اعلم أن حقيقة التوبة في القلب أن يبغض التائب الذنب كما كان يحبه، ويبكي منه إذا ذكره، ويتركه كما كان يأخذه. علامة الخذلان: ولكل شيء علامة، وعلامة الخذلان ترك البكاء على الذنب، وعلامة التائب في توبته الاستغفار لله وشدة الكمد، ومعنى الكمد، الخوف المستلزم، والناس في التوبة على خمس جهات: رجل متسوف، وامرأة متسوفة بالتوبة وقد اغتر بطول الأمل، فهذا هو المستوجب العقوبة من الله تعالى. ورجل تاب بقلبه إلا أن نفسه تدعوه إلى ما يكره الله تعالى؛ فهذا يحتاج إلى الأدب لها بالصوم، وقطع الشهوات حتى يُضعفها عما يكره الله تعالى، فإذا ضعفت قوى على مخالفتها؛ فهذا فائدته فالله تعالى يعطيه على قدر صدقه في مجاهدة نفسه. ورجل تائب مدمن المحاسبة قد قام على نفسه مقام الخصم خوفاً على طبعها الأول، فتسقط عن عين الله تعالى، ويظفر به عدوه إبليس وإخوان الشياطين؛ فهذا المستوجب لولاية الله تعالى. واعلم أن أعظم المقامات بعد التوبة الصلاة بشروطها وفروضها وسننها؛ فقد ثبت عنه ﷺ : " أول ما يحاسب الجل على صلاته، ثم بعد ذلك على نسائه وما ملكت يمينه إن أحسن عشرتهم وتعليمهم العبادة أحسن الله إليه ". بيان معنى التوبة:

стр. 66

قال الشيخ الإمام سيدي عبد العزيز الدريرني رحمة الله عليه: معنى التوبة: الرجوع. يقال تاب، وأناب، وآب بمعنى: رجع، والتوبة الرجوع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، ويقال لمن رجع من المخالفات خوفاً من عذاب الله " أناب " فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله " آب " فهو أواب، ويقال: أول التوبة يقظة من الله تعالى تقع في القلب فيتذكر العبد تفريطه وإساءته، مع دوام نعم الله تعالى عليه، فيعلم أن الذنوب سموم قاتلة يخاف منها حصول المكروه وفوات المحبوب في الدنيا والآخرة، فإذا حصل له هذا العلم أثمر حالا، وهو الندم على تضييع حق الله تعالى، ثم يثمر الندم عملاً وهو المبادرة إلى الخيرات، وقضاء الواجبات، ورد الظُلامات، والعزم على إصلاح ما هو آت، فهذه الثلاثة إذا انتظمت فهي التوبة. ومعنى قول النبي ﷺ : " الندم توبة " أي أن أعظم أركانها الندم؛ فإنه لا يحصل حتى يتقدمه الركن الأول وهو العلم بضرر الذنب. ويقال: التوبة الحياء العاصم، والبكاء الدائم. ويقال: التوبة الندم على ما فات وإصلاح ما هو آت. ويقال: التوبة أن يعلم العبد جراءته على الله ويرى حلم الله عنه لم يأذن للأرض أن تخسف به أو النار أن تحرقه بما عمل من المعاصي ثم يتوب من الذنب ويعزم أن لا يرجع إليه كما لا يرجع اللبن في الضرع. ويقال: التوبة خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء. وقال سهل بن عبد الله: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة، والصمت، وأكل الحلال. أي: العزلة عن خلطاء السوء، وفي الحديث: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". وقال سيدي أبو مدين ﵀: انزعاج القلب لروعة الانتباه أرجح من أعمال الثقلين. وقال سهل: التوبة ترك التسويف، وقال سري السقطي، التوبة أن لا تنسى ذنبك. وقال البوشنجي: إذا ذكرت ذنبك فلم تجد له حلاوة فهي التوبة. وقال ذو النون: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون عليك فرار، وتضيق عليك نفسك كما قال الله تعالى: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) الآية. وقيل لأبي حفص: لِمَ يبغض التائب الدنيا؟ قال: لأنها دارٌ عصى الله فيها. وقال بعضهم: التوبة استشعار الرجل إلى الأجل. واعلم أن الذنب بعد التوبة بسبعين قبلها. قال يحيى بن معاذ: زلة بعد التوبة اقبح من سيعين قبلها ولا تستقيم التوبة إلا بدوام المجاهدة وتوالي الأحزان. بيان شروط التوبة: اعلم أن شروط التوبة أربعة: الخروج عن دائرة المخالفة، واستصحاب الندامة، ورد ما يعتني في الذمة، والعزم على أن لا يعود إلى وطن المخالفة. وقال: أول التوبة يقظة العبد من رقدة الغفلة بتوفيق من الله فيرى ما هو عليه من سوء التفريط والتقصير مع دوام نعم الله تعالى فإذا أصغي بقلبه إلى ما يخطر بباله من الزواجر عزم على التوبة فإن وفقه الله للعزم أقلع وتاب واقل ما يجب على التائب هجران إخوانه الذين كان يصحبهم على المعصية. وقال بعض العلماء: ينبغي هجر المواطن التي كان يعصي الله فيها ويسمى هذا: هجرة. وقال ﷺ : " المهاجر من هجر السوء " وقال أيضاً: " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". ثم بالمواظبة على مجالسة الصالحين، ومجالسة مجالس الذكر يقوى خوفه، ويدوم ذكره، فينحل من قلبه عقد الإصرار، ويقف عن تعاطي المحظورات ويرد نفسه عن اتباع الشهوات، فيفارق الزلة في الحال، ويندم على ما سلف من قبيح الأفعال، ويعزم على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال فإن دام على ذلك فهو الموفق قصداً، وإن علا إلى معصية وجب عليه تجديد التوبة، ولا ينبغي قطع الرجاء؛ فإن لكل أجل كتاب وبالله المستعان على كشف الحجاب والعمل بالسنة والكتاب إنه كريم تواب. الاستغفار

стр. 67

قال رسول الله ﷺ : " أكثروا من الإستغفار فإن الاستغفار يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب وكما تأكل الشاة الخضر، وإن صحيفة المرء إذا عرج بها إلى السماء، ولم يكن فيها استغفار لم يكن بها نور، وإذا طلعت وفيها استغفار كان فيها نور يتلألأ، وإن لم يكن فيها الاستغفار يسير، وما جلس قوم بمجلس لغو ثم ختموه بالاستغفار إلا كتب لهم مجلسهم هذا إستغفار كله ". وقال : " أيعجز ابن آدم أن يستغفر لي مائة مرة كل يوم فيغفر له كل يوم ألف ذنب ". ولهذا قال رسول الله ﷺ : " إني ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: " إن الله تعالى وهب لكم ذنوبكم عند الاستغفار فمن استغفر بنية صادقة غفر له، ومن قال لا إله إلا الله رجح ميزانه، ومن صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة ". قال الله تعالى في كتابه العظيم: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) وقال تعالى: (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) قال بعض العباد: عرضت علي ذنوبي في اليوم فما استغفرت الله منه محي وما لم أستغفر منه بقى. وقيل: إن إبليس - لعنه الله تعالى - يقول: زينت المعاصي جداً - أي لهذه الأمة - فقطعوا ظهري بالاستغفار، ولا تنحدر إليهم فتنة لا يستغفرون الله منها إلا فرق أهواءهم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: " أن إبليس قال لربه: وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال له ربه: وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ". رواه الإمام أحمد. انتهى بحمد الله وعونه وحسن توفيقه والله الموفق للصواب، وله الفضل والمنة والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين. وافق الفراغ من نسخ هذه النسخة المباركة يوم الخميس المبارك ثالث عشر شهر جمادى الأولى سنة ١١٦٧هـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. آمين. على يد الفقير المعترف بالذنب والتقصير محمد بن حميد بن حجازي بن محمد الحاتم لقبا المشتولى الشافعي مذهبا الأحمدي طريقاً غفر الله له ولوالديه ولمن دعا له بالمغفرة وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات. تم الكتاب. تكاملت نعم السرور لصاحبه