← Сира

Сира · id 6587

وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام

ابن قنفذ

Полный текст (108 стр.). Показаны 71–108 · переход к 76.

стр. 71

إِلَّا الْعمرَة وَلما منعُوا منع رَسُول الله ﷺ هَدْيه وَحلق رَأسه وَفعل النَّاس مثله وَبَعْضهمْ قصر وَلم يَقع سعي وَلَا طواف وحملت الرّيح شعر رؤوسهم من الْحل إِلَى الْحرم ولدلك عدت عمْرَة فِي عمره ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْفَتْح واستبشر الْمُسلمُونَ فصل وَفِي السّنة السَّابِعَة كَانَت غَزْوَة خَيْبَر وحاصرهم ﷺ بضع عشر لَيْلَة وفيهَا أعْطى النَّبِي ﷺ لعَلي وَكَانَ بِهِ رمد فبصق فِي عَيْنَيْهِ فأذهبه الله وَفتح الله على يَده فِي شهر محرم من السّنة السَّابِعَة وَأخذت حصنا بعد حصن وَقسم فِيهَا الْغَنَائِم وَكَانَت قبل غطفان جَاءَت لنصرة الْيَهُود فغلب على ظنهم أَن الْمُسلمين خالفوهم إِلَى أهلهم فَرَجَعُوا على أَعْقَابهم وَقَاتل أَبُو بكر بِالنَّاسِ وَرجع ثمَّ قَاتل عمر بِالنَّاسِ وَرجع فَقَالَ ﷺ (لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله وَيفتح الله على يَدَيْهِ) فَخرج بهَا عَليّ بن أبي طَالب وَلما قرب من الْحصن قَالَ لَهُ يَهُودِيّ من أَنْت فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ علوتم فَسَأَلَهُ حقن دِمَائِهِمْ فَفعل وَطلب الصُّلْح فَرد وصالحوا وَكَانَت خَالِصَة للنَّبِي ﷺ وعامل أهل خَيْبَر لمعرفتهم بِخِدْمَة نخيلهم وفيهَا اصْطفى النَّبِي ﷺ صَفِيَّة لنَفسِهِ وفيهَا جعل لَهُ الْيَهُودِيّ السم فِي ذِرَاع شَاة مشوية فَتكلم الذِّرَاع بعد ان

стр. 72

نهش مِنْهُ وَرمى مَا فِي فِيهِ وفيهَا خرج يَهُودِيّ من زعمائهم فطالب البرَاز فبارزه مُحَمَّد بن مسلمة وَقَتله وَخرج آخر من زعمائهم فَخرج إِلَيْهِ الزبير بن الْعَوام فَقتله وَرجع ﷺ إِلَى الْمَدِينَة غانما وَأقَام بهَا فَبعث سَرَايَا ثمَّ خرج فِي ذِي الْقعدَة من السّنة السَّابِعَة ليعتمر مَكَان الْعمرَة الَّتِي صد عَنْهَا وَتسَمى عمْرَة الْقَضِيَّة والقضية عبارَة عَن الصُّلْح الَّذِي كتب فِيهَا مَعَ قُرَيْش وَتسَمى عمْرَة الْقَضَاء لِأَنَّهَا كَانَت قَضَاء عَن الْعمرَة الَّتِي صد عَنْهَا وَفِي سَفَره هَذَا تزوج مَيْمُونَة وَاخْتلف هَل عقد عَلَيْهَا قبل الاحرام أَو بعده وَاعْتمر من الْجِعِرَّانَة وَهُوَ اسْم مَاء على مَكَّة وَدخل النَّبِي ﷺ على شُرُوط شرطتها قُرَيْش فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي طواف هَذِه الْعمرَة هرول النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه ليرى الْمُشْركُونَ قوتهم لقَولهم وهنتهم حمى يثرب وَلما فرغوا من الْعمرَة طلب الْمُشْركُونَ خُرُوجهمْ وَقَالُوا قد انْقَضى الْأَجَل الَّذِي ضَرَبْنَاهُ فِي الْعَهْد فَخرج رَسُول الله ﷺ فِي شهر ذِي الْحجَّة ومنعوه من الْحَج وَرجع إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام الْمُشْركُونَ الْحَج فِي هَذِه السّنة فصل وَفِي السّنة الثَّامِنَة بعث النَّبِي ﷺ جَيْشًا يبلغ ثَلَاثَة آلَاف فَخَرجُوا فِي جُمَادَى الأولى لغزو الرّوم بِالشَّام وَأمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ إِن أُصِيب فجعفر بن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة فَإِن أُصِيب فَمن يرى الْمُسلمُونَ وَلما قربوا من أَرض الشَّام بَلغهُمْ أَن ملك النَّصَارَى اجْتمع فِي مائَة ألف من الرّوم وَمِائَة ألف من غَيرهم فتوافقوا وَأَرَادُوا أَن يكتبوا بذلك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة وَالله مَا قتال الْمُسلمين بِعَدَد وَلَا قُوَّة وَإِنَّمَا قِتَالهمْ بِالدّينِ فَقَالُوا صدقت والتقوا بقرية يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَقَاتل زيد حَتَّى قتل فَأخذ الرَّايَة حعفر بن أبي طَالب فقاتل حَتَّى

стр. 73

قتل وَلما ضربت يَده الْيُمْنَى جعل الرَّايَة فِي الْيُسْرَى وَلما قطعت الْيُسْرَى جعل الرَّايَة بعضده وَلما ضرب فِي الْعَضُد جعل الرَّايَة بَين قَدَمَيْهِ وَلم يَتْرُكهَا حَتَّى سقط بعد تسعين ضَرْبَة كلهَا فِي مُقَدّمَة وَلَيْسَ فِي ظَهره مِنْهَا شَيْء وَكَانَ يَقُول (يَا حبذا الْجنَّة واقترابها واقرابها ... طيبَة وباردا شرابها) وَكَانَ حِين اشْتَدَّ الْأَمر نزل عَن فرسه وعقره لِئَلَّا ينْتَفع بِهِ الْعَدو وَقَاتل على قدمه وَهَذِه قُوَّة النُّبُوَّة وَلما سقط بضربات الرّوم قطع نِصْفَيْنِ بَادر عبد الله بن رَوَاحَة وَأخذ الرَّايَة وَقَاتل حَتَّى قتل فَاجْتمع النَّاس على خَالِد بن الْوَلِيد ودافعوا الْعَدو مدافعة حَتَّى انحاز الْجَيْش وَانْصَرفُوا وَخرج رَسُول الله ﷺ يَوْم الوقيعة وَأعلم النَّاس بِمَا وَقع وَهَذَا من أخباره بالغيوب وَقَالَ (لقد رفعوا إِلَى الْجنَّة على سَرِير من ذهب) وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (دخلت الْجنَّة فَإِذا فِيهَا جَعْفَر يطير مَعَ الْمَلَائِكَة وَإِذا حَمْزَة مَعَ أَصْحَابه) وَقَالَ ﷺ فِي يَوْم أخباره (لَا تغفلوا آل جَعْفَر واصنعوا لَهُم طَعَاما فَإِنَّهُم قد شغلوا بِأَمْر صَاحبهمْ) وَلما قدم النَّاس بعد مُدَّة تلقاهم النَّبِي ﷺ وَرمى النَّاس التُّرَاب عَلَيْهِم وهم يَقُولُونَ فررتم واختفى مُحَمَّد بن مسلمة بن هَاشم أَيَّامًا فَإِنَّهُ كَانَ إِذا خرج تبعه الصّبيان ويصيحون يافار بافار وَقَالَ النَّبِي ﷺ (هم الكرار إِن شَاءَ الله) وَفِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة غزا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 74

مَكَّة وَفتحهَا وَهُوَ فِي عشرَة آلَاف وأعمى الله الْأَخْبَار من قُرَيْش بدعوة النَّبِي ﷺ ذَلِك أَن قُريْشًا نقضوا الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي ﷺ وَلما قرب الْمُسلمُونَ مَكَّة ركب الْعَبَّاس بغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء بِاللَّيْلِ ليأمن أهل مَكَّة من يحضه على الانقياد فَاجْتمع بِأبي سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة وَقَالَ لَهُ إِن ظفر النَّاس بك قتلوك فأردفه وَرَاءه وَجَاء بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فتوقف ثمَّ أسلم وَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا فَأمر النَّبِي ﷺ مناديا يُنَادي من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَقَالَ ﷺ للْعَبَّاس (سر بِهِ واحبسه بمضيق الْوَادي حَتَّى يمر عَلَيْهِ الْجَيْش كُله) فَفعل وَالنَّاس تمر عَلَيْهِ قَبيلَة بعد أُخْرَى وَهُوَ يسْأَل ويتعجب حَتَّى جَاءَت الكتيبة الْعَظِيمَة وفيهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا يرى مِنْهُم إِلَّا الحدق من لبس الْحَدِيد فَقَالَ أَبُو سُفْيَان للْعَبَّاس لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما فَقَالَ الْعَبَّاس إِنَّهَا النُّبُوَّة وَدخل ﷺ عنْوَة وَقيل صلحا وَضربت للنَّبِي ﷺ قبَّة بِأَعْلَى مَكَّة وَغفر وصفح إِلَّا ابْن خضل فَإِنَّهُ قتل لشدَّة إذايته للْمُسلمين وَأذن بِلَال عِنْد الْكَعْبَة وَقيل عَلَيْهَا وَأحلت لَهُ ﷺ سَاعَة من نَهَار وَلم تحل لأحد قبله وَلَا بعده وَقَرَأَ النَّبِي ﷺ إِنَّا فتحنا وَرفع بهَا صَوته وَلَا خَفَاء إِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر والغادر مغلوب والناكث مسلوب وَسبب نقض الْعَهْد مِنْهُم أَن قوما من كنَانَة من حلف قُرَيْش عدت على خُزَاعَة من حلف الْمُسلمين وأعانتهم قُرَيْش بِالسِّلَاحِ وَبعث إِلَى بَعضهم وَأسلم يَوْم الْفَتْح كثير مِنْهُم كَأبي قُحَافَة وَأبي سُفْيَان وزوجه هِنْد وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم وفر من فر وَمِنْهُم من رَجَعَ بعد فراره وَأسلم كعكرمة بن أبي جهل وَمِنْهُم من أَقَامَ على أَمَان وعامل النَّبِي ﷺ أهل مَكَّة بِمَا كَانَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق وعَلى القَوْل بإنها دَخلهَا عنْوَة فقد من

стр. 75

عَلَيْهِم وأمنهم فِي أنفسهم وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا على الصَّحِيح وَأقَام ﷺ نصف شهر وَهُوَ يقصر الصَّلَاة ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ وَاسْتعْمل على مَكَّة عتاب بن أسيد وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة وَكَانَ مِمَّن أسلم يَوْم الْفَتْح وَحج بِالْمُسْلِمين فِي ذَلِك الْعَام وَحج الْمُشْركُونَ على عَادَتهم وَلم يزل عتاب واليا على مَكَّة حَتَّى توفّي فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ أَبُو بكر وَكَانَ خيرا فَاضلا صَالحا وَكَانَ رزقه فِي ولَايَته درهما وَاحِدًا فِي كل يَوْم وَمَا اكْتسب فِي ولَايَته كلهَا غير قَمِيص وَاحِد وَخرج رَسُول الله ﷺ فِي عشرَة آلَاف الَّذين فتح الله بهم وَفِي أَلفَيْنِ من أَهلهَا وغزا غَزْوَة حنين وأعجبتهم كثرتهم وَكَانَ مَالك بن عَوْف قبل إِسْلَامه جمع هوَازن بعد الْفَتْح وَهِي قَبيلَة وافرة من قيس وَنزل بهم أَوْطَاس وَلما انحصر الْمُسلمُونَ فِي الصُّبْح كَانَ الْعَدو كامنا فِي شعاب ذَلِك الْمَكَان ومضائقه فَخرج الْعَدو خُرُوج اجْتِمَاع والمسلمون على افْتِرَاق فَانْهَزَمُوا كلهم إِلَّا من كَانَ قَرِيبا من النَّبِي ﷺ وَلما رأى النَّبِي ﷺ شدَّة الامر نزل عَن بغلته فِي يَمِين الْقَوْم وَقَالَ بِأَعْلَى صَوته (أَيهَا النَّاس أَنا رَسُول الله وَمَعَهُ نفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَعشرَة من أهل الْبَيْت عَليّ بن أبي طَالب وقرابته) فَانْدفع عَليّ بن أبي طَالب بعد انهزام الْمُسلمين على صَاحب رايتهم السَّوْدَاء وصرعه بِالْأَرْضِ وَضرب آخر فَمَاتَ وَضرب أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَحده عشْرين وَأخذ سلبهم وَأخذ رَسُول الله ﷺ كفا من تُرَاب وَرَمَاهُمْ بِهِ وَقَالَ (شَاهَت الْوُجُوه من التشويه) فَجعل كل وَاحِد من الْعَدو يمسح التُّرَاب عَن عَيْنَيْهِ وَانْهَزَمَ الْعَدو وسبا بقدرة الله تَعَالَى وَاجْتمعَ السَّبي سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء وَمن الْإِبِل وَالْغنم مَا لَا يُحْصى عدده إِلَّا الله وَمَا رَجَعَ الْمُسلمُونَ من هزيمتهم حَتَّى وجدوا الْأُسَارَى مكتفين عِنْد النَّبِي ﷺ وَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة﴾ وَعَفا الله عَن الفارين يَوْم حنين عُثْمَان بن عَفَّان وَغَيره وَمَا رَجَعَ عُثْمَان إِلَّا

стр. 76

بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَأنزل قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ وَأما الَّذين ثبتوا مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم حنين فهم أَبُو بكر وَعمر وَالْعَبَّاس وَالْفضل ابْنه وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث ابْن عَمه ﷺ وَكَانَ حابسا بلجام بغلته ﷺ وَكَانَ يُحِبهُ وَشهد لَهُ بِالْجنَّةِ وَكَانَ لَا يرفع رَأسه للنَّبِي ﷺ حَيَاء مِنْهُ لإذايته لَهُ قبل إِسْلَامه وَكَانَ مَعَه ابْنه جَعْفَر بن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأُسَامَة بن زيد أَخُوهُ لأمه أَي من بن عُمَيْر وَاسْتشْهدَ فِي ذَلِك الْيَوْم وَثَبت أَيْضا أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵃ وَفِي هَذَا الْيَوْم قَالَ رَسُول الله ﷺ (لصوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من مائَة رجل وانشد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب (نصرنَا رَسُول الله فِي الْحَرْب سَبْعَة ... وفر من فر فاقشعوا) (وثامننا لَقِي الْحمام بِسَيْفِهِ ... فِيمَا مَسّه وَهُوَ لَا يتوجع) وَلما فرغ رَسُول الله ﷺ من غَزْوَة حنين غزا غَزْوَة الطَّائِف وَهِي الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف وحصرهم أَيَّامًا من الشَّهْر وَرَمَاهُمْ بالمنجنيق وَقطع عَنْهُم وَدخل قوم من الْمُسلمين تَحت جِدَار الطَّائِف للنقب فأرسلوا عَلَيْهِم سِكَك الْحَدِيد محماة بالنَّار فَخَرجُوا وَقتل بَعضهم بِالسِّهَامِ وهرب من الطَّائِف مَالك بن عَوْف النضري الَّذِي آوى إِلَيْهِم فِي هزيمَة هوَازن وَأسلم ورد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَهله وَمَاله وزاده مائَة من الْإِبِل وَقدمه ﷺ على من أسلم من قومه فَكَانَ يُقَاتل بهم ثَقِيف وَأعْطى النَّبِي ﷺ من سبي هوَازن عَطاء جزيلا أعْطى الْمُؤَلّفَة مائَة بعير كل إِنْسَان وَأعْطى الْعَبَّاس بن مرداس الشَّاعِر مائَة ثمَّ زَاده وَقَالَ أقطعوا عني لِسَانه يَعْنِي بالعطاء وَكَانَ من الْمُؤَلّفَة أشرار من النَّاس يتآلفهم بالعطاء ويحبب لَهُم الْإِسْلَام مثل أبي سُفْيَان بن حَرْب وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام وَصَفوَان بن أُميَّة

стр. 77

والْحَارث بن كنده وَمَالك بن عَوْف وَغَيرهم أعْطى لكل رجل من هَؤُلَاءِ مائَة من الْإِبِل وَأعْطى لبقيتهم دون ذَلِك طَبَقَات وَفِي هَذَا الْمحل قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا ألفيتموني بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كذابا وَمَالِي من فيئيكم غير الْخمس وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم) وَأعْطى النَّبِي ﷺ الْقَبَائِل كلهم وَلم يُعْط الْأَنْصَار شَيْئا فوجدوا لذَلِك فَكَلَّمَهُمْ خيرا ودعا لَهُم فبكوا من الْفَرح وَقَالُوا رَضِينَا يَا رَسُول الله وارتحل رَسُول الله ﷺ على الطَّائِف وَقَالَ (لم يُؤذن لي فِي ثَقِيف) فَقَالَ رجل ادعوا عَلَيْهِم يَا رَسُول الله فَقَالَ (اللَّهُمَّ أهد ثقيفا) فَكَانَ كَذَلِك وَقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة من الطَّائِف بِذِي الْحجَّة مكمل السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَلم يبْق عَرَبِيّ إِلَّا وَقد أسلم بعد رُجُوعه ﷺ فصل وَفِي السّنة التَّاسِعَة فِي رَجَب مِنْهَا غزا غَزْوَة تَبُوك وَتسَمى غَزْوَة الْعسرَة وتبوك أسم مَكَان انْتهى إِلَيْهِ سفرهم وَكَانَت بَين هَذِه الْغَزَوَات سَرَايَا وحض النَّبِي ﷺ الْأَغْنِيَاء على النَّفَقَة فَأخْرج عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ ألفا من الْإِبِل تنقص أَرْبَعِينَ فكمل الْألف بِأَرْبَعِينَ فرسا وصب فِي حجر النَّبِي ﷺ ألف دِينَار ذَهَبا قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ ارْض عَن عُثْمَان فَإِنِّي عَنهُ رَاض) وَلذَلِك يُقَال مَنَاقِب عُثْمَان أَنه جهز الْعسرَة وَجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ بأَرْبعَة آلَاف دِينَار ذَهَبا يعين بهَا الْمُسلمين وَخرج رَسُول الله ﷺ وجيشه يزِيد على ثَلَاثِينَ ألفا وَهُوَ يُرِيد الرّوم بِأَرْض الشَّام وَفِي هَذِه الْغَزْوَة احْتَاجَ النَّاس المَاء وَاشْتَدَّ الْعَطش فَوضع رَسُول الله ﷺ يَده فِي المَاء قيل وتفجر المَاء من بَين أَصَابِعه حَتَّى ارتووا وحملوا وَشرب الْجَيْش كُله وَهَذِه عَادَته ﷺ فِي أَسْفَاره إِذا أصبح النَّاس وَلَا مَاء مَعَهم وَلما نزل ﷺ تَبُوك يُرِيد الشَّام أَقَامَ بهَا وَبنى بهَا مَسْجِدا وَهُوَ بهَا إِلَى الْيَوْم وَفِي سَفَره هَذَا بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى مَدِينَة الجندل وَهُوَ حصن مَشْهُور فَأتى بِصَاحِبِهِ وَصَالَحَهُ على الْجِزْيَة وَفِي هَذِه الْغَزْوَة

стр. 78

خلف رَسُول الله ﷺ على الْمَدِينَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَكَانَت الْيَهُود قَالَت إِن كَانَ نَبيا فَيخرج إِلَى الشَّام أَرض الْأَنْبِيَاء وَمِنْهَا يَقع التَّمَكُّن بغزو الرّوم فَنزل فِي تَبُوك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَادُوا ليستفزونك من الأَرْض﴾ وَأمره جلّ وَعلا بِالرُّجُوعِ وَأخْبرهُ أَن مأمنه بِالْمَدِينَةِ وَبهَا يبْعَث فَرجع رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا سميت غَزْوَة الْعسرَة لِأَنَّهَا وَقعت فِي زمَان عسير وحر وَكثير وَتعذر الطُّهْر والزاد وَرُبمَا اقتسم التمرة الْوَاحِدَة رجلَانِ وَكَانَ رُجُوع النَّبِي ﷺ فِي شهر رَمَضَان من سنة تسع من الْهِجْرَة وَفِي هَذِه السّنة أَمر النَّبِي ﷺ أَبَا بكر أَن يُقيم الْحَج بِالنَّاسِ وَهِي أول حجَّة كَانَت فِي الْإِسْلَام وكل فرض فبالمدينة نزل إِلَّا فرض الصَّلَاة فبمكة وَالسَّبَب فِي حجه على مَا أخرجه السُّهيْلي وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ لما خرج إِلَى تَبُوك نقض الْمُشْركُونَ الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين الْمُسلمين فِي الطّواف وَذكر مُخَالفَة الْمُشْركين للْمُسلمين فِي الطّواف وكونهم عُرَاة فِي طوافهم فَأمْسك ﷺ وَبعث أَبَا بكر ﵁ وَنزلت بعده سُورَة بَرَاءَة بِنَقص الْعَهْد وانكشفت سرائر الْمُشْركين وَلذَلِك تسمى الفاضحة فامر ﷺ عليا بن أبي طَالب ﵁ أَن يخرج بهَا ويقرأها على النَّاس يَوْم النَّحْر فَرجع أَبُو بكر فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا هَذَا فَقَالَ (أردْت أَن يبلغ عني من هُوَ من أهل بَيْتِي) فَمضى وَأقَام أَبُو بكر الْحَج بِالنَّاسِ وَفعل عَليّ مَا أمره بِهِ وَجعل الْمُشْركُونَ أَرْبَعَة أشهر من يَوْم النَّحْر ليرْجع كل وَاحِد إِلَى مامنه وَلَا عهد لَهُ بعد ذَلِك وَأمر عَليّ أَبَا هُرَيْرَة أَن يطوف بالمنازل وَأَن يطوف بِأَرْبَع وَهِي لَا يدْخل الْجنَّة مُشْرك إِلَّا مُؤمن وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عهد فَلهُ أجل أَرْبَعَة أشهر ثمَّ لَا عهد لَهُ فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِذا انْقَضى الْأَجَل فَلَيْسَ بَيْننَا وَبَيْنكُم إِلَّا الطعْن بِالرِّمَاحِ وَالضَّرْب بِالسُّيُوفِ فَخَالف الله ظنهم وَدخل النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا افواجا

стр. 79

فصل وَفِي السّنة الْعَاشِرَة لَازم رَسُول الله ﷺ الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ وجاءته وُفُود الْعَرَب من كل وَجه وَبعث رسله إِلَى مُلُوك الأَرْض وَنزلت عَلَيْهِ ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ وَقد أعلم أَنه نعى إِلَيْهِ نَفسه وَخرج رَسُول الله ﷺ إِلَى مَكَّة لخمس لَيَال بقيت من ذِي الْقعدَة وَلم يذكر للنَّاس وَأقَام النَّاس حجهم وَمَعَهُمْ من الْمُسلمين أَرْبَعُونَ ألفا وَكَانَت الوقفة الْجُمُعَة بِاتِّفَاق وَفِي ذَلِك الْيَوْم بِعَرَفَات نزل قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي﴾ وَتسَمى حجَّة الْوَدَاع لِأَن النَّبِي ﷺ وادع النَّاس فِيهَا تعريضا وَلم يحجّ ﷺ بعد فرض الْحَج فِي السّنة التَّاسِعَة غير حجَّة الْوَدَاع فِي السّنة الْعَاشِرَة وَحج قبلهَا مرَّتَيْنِ تَطَوّعا وَاعْتمر ﷺ أَربع مَرَّات عمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة حَيْثُ صده الْمُشْركُونَ وَعمرَة ذِي الْقعدَة من عَام مقبل حَيْثُ صَالحهمْ وَعمرَة الْجِعِرَّانَة وَعمرَة مَعَ حجه وَقَالَ عمْرَة فِي رَمَضَان كحجة وَقَالَ ﷺ (الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جُزْء إِلَّا الْجنَّة) وَقَالَ (من حج هَذَا الْبَيْت لم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه) وَلما بلغ رَسُول الله ﷺ السَّرف بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَهُوَ اسْم مَكَان على أَمْيَال قريبَة من مَكَّة وَأمر النَّاس أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ إِلَّا من سَاق الْهَدْي مَعَه وَدخل النَّبِي ﷺ مَكَّة محرما بِعُمْرَة وَحجَّة وَقيل بِحجَّة وَقيل مُتَمَتِّعا وَالصَّحِيح أَنه أحرم بِحجَّة ثمَّ أحرم بعد ذَلِك بِعُمْرَة أدخلها فِي الْحَج فَصَارَ قَارنا وَأحرم عَليّ بن أبي طَالب بِمَا أحرم رَسُول الله ﷺ وشركه فِي الْهَدْي وخطب رَسُول الله ﷺ يَوْم عَرَفَة خطْبَة طَوِيلَة جليلة

стр. 80

مُشْتَمِلَة على كثير من الْوَصَايَا والمواعظ وَالْفِقْه فِي الدّين ولنذكر بَعْضهَا وَكَانَ أول مَا استفتح بِهِ بَيَان مَا يحْتَاج إِلَيْهِ النَّاس فِي حجهم ثمَّ قَالَ (الْحَمد لله نستعينه ونتوب إِلَيْهِ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا وَمن يضلل الله فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أوصيكم عباد الله بتقوى الله الْعَظِيم واحتكموا على طَاعَة الله واستفتح بِالَّذِي هُوَ خير أما بعد أَيهَا النَّاس اسمعوا أبين لكم أَنكُمْ سَتَلْقَوْنَ ربكُم يسألكم عَن أَعمالكُم فَلَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض إِنِّي تركت فِيكُم مَا إِن أَخَذْتُم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وَإِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم وَلَيْسَ لعربي على عجمي فضل إِلَّا بالتقوى وكل رَبًّا فِي الْجَاهِلِيَّة مَوْضُوع إِن الله قسم لكل وَارِث نصِيبه فَلَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا فِي أَكثر من الثُّلُث الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر أَن الله حرم دمائكم واموالكم إِلَّا بِحَقِّهَا إِلَى أَن تلقونَ ربكُم كمحرمة شهركم هَذَا وكل عَرَفَة مَوْقُوفَة إِلَى آخر خطبَته ﷺ وَلم يكن صَائِما فِي يَوْمه ذَلِك ووقف رَاكِبًا ليقصد للسؤال وَلما فرغ من حجه رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فِي بَقِيَّة ذِي الْحجَّة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 81

الْفَصْل الثَّالِث فِي وَفَاته ﷺ وَلما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من حجه أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة شهر ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى عشر من الْهِجْرَة وَأكْثر شهر صفر هُوَ ﷺ بَين الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَدب وَمرض رَسُول الله ﷺ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من صفر وَسمع فِي ذَلِك الْيَوْم عَائِشَة وَهِي تَقول من صداع أَصَابَهَا وارأساه ثمَّ تَبَسم ودام وَجَعه وَهُوَ يَدُور على نِسَائِهِ ولازم بَيت عَائِشَة وَخرج فِي ابْتِدَاء مَرضه وَجلسَ على الْمِنْبَر وَحمد الله تَعَالَى واثنى عَلَيْهِ واستغفر لأهل أحد ثمَّ قَالَ (إِن عبدا من عباد الله خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاخْتَارَ مَا

стр. 82

عِنْد الله) فَبكى أَبُو بكر فَقَالَ (على رسلك يَا أَبَا بكر) ثمَّ قَالَ سدوا هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي فِي الْمَسْجِد وَهِي جعلهَا بعض الصَّحَابَة مرفقا لمنزله إِلَّا بَاب أبي بكر وَقَالَ فِي مَرضه (مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا فصلى عمر بِالنَّاسِ وَسمع صَوته بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ أَيْن أَبَا بكر يَأْبَى الله ذَلِك والمسلمون مروا أَبَا بكر فصلى أَبُو بكر وَقَالَ لَو كنت متخذا من النَّاس خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر وَلَكِن صُحْبَة وايخاء حَتَّى يجمع الله بَيْننَا عِنْده وَمرض ﷺ أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن لشهر ربيع الأول من سنة إِحْدَى عشر من الْهِجْرَة وَوَافَقَ شهر اشتنبر وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي قبض فِيهِ خرج إِلَى النَّاس وهم يصلونَ الصُّبْح ففرح النَّاس وهم فِي الصَّلَاة ووسعوا لَهُ الفرجة وَأَشَارَ إِلَى أبي بكر أَن يثبت فَجَلَسَ إِلَى جَانب أبي بكر عَن يَمِينه وَصلى قَاعِدا وَكَانَ أَمر أُسَامَة بن زيد على بعث ودعى وَطعن فِي امارة الْمُنَافِقين فتوقف أُسَامَة لأجل مَرضه ﷺ وَقَالَ اكره أَن اسْأَل عَنهُ النَّاس وَتُوفِّي ﷺ حِين اشْتَدَّ الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم قَالَت عَائِشَة ﵂ لما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من الْمَسْجِد اضْطجع فِي حجري فَدخل عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بِيَدِهِ سواك فَنظر إِلَيْهِ فَعلمت أَنه يُرِيد السِّوَاك فَقلت آخذه لَك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ نعم فَأَخَذته ولينته وأعطيته إِيَّاه فاستن بِهِ جيدا وَوَضعه ثمَّ ثقل فِي حجري فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا بَصَره شخص وَهُوَ يَقُول بالرفيق الْأَعْلَى من الْجنَّة فَعلمت أَنه خير فَقبض قَالَت فَمن سفهي وحداثة سني وضعت رَأسه على الوسادة وَقمت مَعَ النَّاس أضْرب وَجْهي فَقَالَ عمر مَا مَاتَ وَلَكِن ذهب إِلَى ربه كَمَا ذهب مُوسَى ثمَّ دخل أَبُو بكر وكشف عَن وَجهه وَقَبله وَبكى ثمَّ خرج إِلَى النَّاس فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه ﷺ وَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ قَرَأَ وَمَا

стр. 83

مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل) فَأَخذهَا النَّاس فِي أَفْوَاههم وَقَالَ عمر مَا كَأَنِّي سَمعتهَا وانحاز الانصار فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وتشوفوا إِلَى الْخلَافَة واشتعل عَليّ بالمصاب الْعَظِيم وَاجْتمعَ الْمُهَاجِرُونَ بِأبي بكر وأفصح فَقَالَ بعض الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير وَكثر اللَّغط فَأخذ أَبُو بكر بيد عمر وبيد أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَقَالَ رضيت لكم هذَيْن الرجلَيْن وَقَالَ عمر لَا تَأمر على قوم فيهم أَبُو بكر وَقَالَ غَيره رجل ارْتَضَاهُ رَسُول الله ﷺ لديننا أَفلا نرضاه لدنيانا فَبَايعهُ عمر وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثمَّ الْأَنْصَار فَقَامَ أَبُو بكر فَخَطب بِمَا يَنْبَغِي وَقَالَ أَيهَا النَّاس أَطِيعُونِي مَا اطعت الله وَرَسُوله وَإِن عصيت الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم وَسَأَلَ أَبُو قُحَافَة فَقيل لَهُ بُويِعَ أَبُو بكر فَقَالَ لَا مَانع لما أعْطى الله وكملت الْبيعَة يَوْم الثُّلَاثَاء وفيهَا غسل رَسُول الله ﷺ وَتَوَلَّى غسله عَمه الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب وَالْفضل بن الْعَبَّاس وَأَخُوهُ قثم وَكَانَ يصب المَاء أُسَامَة بن زيد وشقران وَعلي بن أبي طَالب يدلكه فِي قَمِيصه وَكَانَ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة أَي نسج الْقرْيَة الَّتِي يُقَال لَهَا سحولا وَاخْتلف فِي مَكَان دَفنه فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ قبض فحفر لَهُ فِي مَكَان فرَاشه) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو طَلْحَة يحفران للموتى احتسابا لله ورغبة فِي الْأجر وَأَبُو عُبَيْدَة يشق وَأَبُو طَلْحَة يلْحد فَبعث إِلَيْهِم الْعَبَّاس وَقَالَ اللَّهُمَّ اختر لنبيك فَوجدَ أَبُو طَلْحَة يلْحد لَهُ وَكَانَ ﷺ جمع أَهله ونساءه فِي بَيت عَائِشَة وأعلمهم بِحُضُور أحله فَبكى وَبكوا فَقَالَ من يصل عَلَيْك يَا رَسُول الله وَكَأَنَّهُم سَأَلُوهُ عَن الْخلَافَة بعده فَقَالَ (مهلا عَلَيْكُم غفر الله لكم وأجزاكم خيرا عَن نَبِيكُم) إِذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على شَفير

стр. 84

قَبْرِي ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة فَإِن أول من يُصَلِّي عَليّ جِبْرِيل ثمَّ مِيكَائِيل ثمَّ إسْرَافيل ثمَّ ملك الْمَوْت وَجُنُوده ثمَّ الْمَلَائِكَة ثمَّ ادخُلُوا عَليّ فوجا فوجا فصلوا عَليّ وسلموا تَسْلِيمًا وَسَأَلَ النَّاس عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فَقَالُوا كَيفَ نصلي عَلَيْهِ فَقَالَ اسألوا عَليّ بن أبي طَالب فسألوا عليا فَقَالَ قُولُوا ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَلما وقف عمر للصَّلَاة اثنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر بعض محامده ثمَّ صلى عَلَيْهِ أهل بَيته ثمَّ الرِّجَال ثمَّ النِّسَاء ثمَّ الصّبيان وَلم يؤمهم أحد وَدفن ﷺ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَأدْخلهُ فِي قَبره عَمه الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب وَالْفضل بن عَبَّاس وَقثم بن الْعَبَّاس وَقَالَت بَنو زهرَة نَحن أَخْوَاله فادخلوا منا رجلا فادخلوا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَدخل أُسَامَة بن زيد مَوْلَاهُ وشقران مَوْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي ألْقى القطيفة تَحْتَهُ وَدخل الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَآخرهمْ خُرُوجًا قثم بن الْعَبَّاس وَقيل الْمُغيرَة بن شُعْبَة ودك التُّرَاب وَانْقطع الْوَحْي وانقرضت النبوءة وتأنس الْمُسلمُونَ بعده بِكِتَاب الله وَحَدِيثه ﷺ فَيُقَال انْزِلْ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ووقفت فَاطِمَة ابْنَته ﷺ على قَبره بعد دَفنه وانشدت (قل للمغيب تَحت أطباق الثرا ... هَل تسمعن صراخي وندايا) (هَذَا على من شم تربة أَحْمد ... ألايشم مدى الزَّمَان غواليا) (صبَّتْ عَليّ مصائب لوانها ... صبَّتْ على الْأَيَّام عدن لياليا) وَبكى النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم بكاء شَدِيدا ورثاه أَبُو بكر وَعمر وَغَيرهمَا وأنشدت أَيْضا (قد كَانَت بعْدك أنباء ... لَو كنت تشهدها لم يكثر الخطبا)

стр. 85

(إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها ... واختل قَوْمك بعد الْعَهْد واحتزبا) (قد كَانَ جِبْرِيل بِالْآيَاتِ يؤنسنا ... فَغَاب عَنَّا وكل الْخَيْر محتجبا) (وَقد رزئنا لم يرزه أحد ... من الْبَريَّة لَا عجما وَلَا عربا) وارتد كثير من أحلاف الاعراب بعد مَوته ﷺ وَظهر النِّفَاق ثمَّ اصلح الله الْأَمر بِولَايَة أبي بكر وَثَبت الله الْإِسْلَام بخلافته فصل وَأما حكم تركته ﷺ فألأصل فِي ذَلِك مَا خرجه البُخَارِيّ عَن عمر بن الْحَارِث قَالَ مَا ترك ﷺ عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة وَلَا شَيْئا إِلَّا بغلته الْبَيْضَاء وسلاحه وأرضا جعلهَا صَدَقَة وَقَالَ ﷺ إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا فَهُوَ صَدَقَة وَأجْمع أهل السّنة أَن هَذَا حكم جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَقَالَ ابْن علية إِن ذَلِك لنبينا مُحَمَّد ﷺ وَحده دون النَّبِيين وَالَّذِي يسْتَحق مِيرَاثه ﷺ لَكَانَ موروثا زَوْجَاته التسع وَابْنَته فَاطِمَة وَعَمه الْعَبَّاس خَاصَّة وحساب الْمَسْأَلَة اثْنَان وَسَبْعُونَ وَقَالَ ﷺ (لَا نورث مَا تركنَا فَهُوَ صَدَقَة) هُوَ بِرَفْع صَدَقَة وَبِه أجَاب أَبُو بكر فَاطِمَة فَإِن مذهبها الارث حِين طلبت مِيرَاثهَا فَمنعهَا وَزعم عبد الله بن الْمعلم من أَئِمَّة الإمامية أَن صَدَقَة بِالنّصب على الْحَال ونورث بِالْيَاءِ وَذَلِكَ بَاطِل فصل وَكَانَ لرَسُول الله ﷺ من الْخَيل عشرَة مِنْهُم فرس يُقَال لَهَا السكب قَاتل عَلَيْهِ يَوْم أحد وَكَانَ غرا محجلا وَفرس الْيُمْنَى اسْمهَا

стр. 86

سنجة وسابق عَلَيْهِ فَسبق وَآخر يُقَال لَهَا المرتجز وَآخر يُقَال لَهَا المذرار وأهداها لَهُ الْمُقَوْقس ملك الاسكندرية وَآخر يُقَال لَهَا النجيب أهداها لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ وَآخر اشْتَرَاهُ من تجار الْيمن وَسبق عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات وَمسح ﷺ وَجهه بردائه وَقَالَ (مَا أَنْت إِلَّا مجر) وَكَانَ لَهُ ﷺ من البغال ثَلَاثَة الدلْدل وَهِي الَّتِي أهداها لَهُ الْمُقَوْقس وَآخر أهداها لَهُ أَبُو بكر وَآخر أهداها لَهُ لَيْلَة وَكَانَ لَهُ حمَار يُقَال لَهُ اليعفور وَكَانَ يُرْسِلهُ لمن أَرَادَ من أَصْحَابه فَيضْرب الْبَاب بِرَأْسِهِ فَيخرج ويمضي مَعَه وَلما توفّي رَسُول الله ﷺ ألْقى الْحمار نَفسه فِي الْبِئْر وَمَات بعد أَن تكلم وَقَالَ لَا يركبني أحد بعده وَلم يقتن ﷺ من الْبَقر شَيْئا وَكَانَت لَهُ عشرُون لقحة بِالْغَابَةِ وَكَانَت لَهُ مهرية أهداها لَهُ سعد بن عبَادَة وَكَانَت لَهُ نَاقَة عَجِيبَة يُقَال لَهَا العضباء وَكَانَ لَا يحملهُ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي غَيرهَا وَكَانَت أُخْرَى يُقَال لَهَا الجدعاء وسبقها غَيرهَا مرّة فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ ﷺ إِن حَقًا على الله أَلا يرفع شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وَكَانَت لَهُ ﷺ مائَة من الْغنم مِنْهَا شَاة يشرب لَبنهَا اسْمهَا غيثة وَكَانَ فِي منزله ديك أَبيض فصل وسلاحه ﷺ ثَمَانِيَة أسياف مِنْهَا سيف وَرثهُ من أَبِيه وارفعه قسي كلهَا عَرَبِيَّة وَكَانَت لَهُ خَمْسَة أرماح وَكَانَت لَهُ من الدروع سِتَّة فِيهَا درع

стр. 87

دَاوُود ﵇ وَكَانَ لَهُ ترس أهْدى لَهُ وَكَانَت فِيهِ صُورَة عِقَاب فَوضع عَلَيْهِ يَده فامتحى وَكَانَ لَهُ علمَان أكحل وأبيض وَهُوَ اللِّوَاء وَكَانَ لَهُ مغفر وَهُوَ زرد لكسوة الرَّأْس وَبَعض الْوَجْه وَكَانَت لَهُ منْطقَة من جلد مبشورة فِيهَا ثَلَاثَة حلق من فضَّة وأبزيم من فضَّة وطرف من فضَّة وَلها قضيب يُسمى المشوق وَكَانَت لَهُ عنزة وَهِي عماد الرمْح تركز أَمَامه ستْرَة للصَّلَاة وَبقيت إِلَى أَيَّام الْمَأْمُون وَكَانَ نصل سيف رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ قبعة وَمَا بَين ذَلِك حلق من فضَّة فصل وَترك رَسُول الله ﷺ يَوْم مَاتَ من الثِّيَاب أَرْبَعَة أزر وقميصا وجبة وَكسَاء وَمِلْحَفَة وقميصا وعمامة وبردة حَمْرَاء وقلانس وقباء ورداء وفراشا وقطيفة حَمْرَاء وسريرا وثيابا للْجُمُعَة غير الَّتِي يلبس فِي سَائِر الْأَيَّام ومنديلا يمسح بِهِ بعد الْوضُوء للصَّلَاة وَكَانَت لَهُ ﷺ جوبة فِيهَا مرْآة ومشطة من عاج ومكحلة ومقراض وَهُوَ المقص وَسوَاك وَكَانَ لَهُ قدح مضبب بِالْفِضَّةِ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَكَانَ لَهُ تنور من حجر وَهُوَ إِنَاء يشبه الطست ومغتسل من صفر يشبه السطل الْوَاسِع وارجانه وَهِي لغسل الثِّيَاب وَكَانَ لَهُ إِنَاء من نُحَاس يشبه الْكوز يعْمل فِيهِ الْحِنَّاء والكتم وَكَانَت لَهُ قَصْعَة تسمى الغراء يحملهَا أَرْبَعَة رجال وركوة وَصَاع لزكاة الْفطْرَة وَمد للكيل

стр. 88

وفسطاط وَهُوَ الخباء وخفان ساجزان وَخَاتم نقشه مُحَمَّد رَسُول الله وانتقل إِلَى أبي بكر ثمَّ إِلَى عمر ثمَّ إِلَى عُثْمَان وَسقط من يَده فِي الْبِئْر فَلم يُوجد وتنزه رَسُول الله ﷺ عَن الدُّنْيَا وَأعْرض عَنْهَا جملَة وأوتى خزائنها وَأحلت لَهُ غنائمها وَأعْرض عَن ذَلِك كُله وَلَا يَأْخُذ من أَمْوَال الدُّنْيَا إِلَّا مَا هُوَ ضَرُورَة وَلَا يبيت عِنْده دِينَار وَلَا دِرْهَم وَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك أَتُحِبُّ أَن يَجْعَل لَك هَذِه الْجبَال ذَهَبا تكون مَعَك حَيْثُ تكون فاطرق سَاعَة ثمَّ قَالَ (يَا جِبْرِيل إِن الدُّنْيَا دَار من لَا دَار لَهُ وَمَال من لَا مَال لَهُ قد يجمعها من لَا عقل لَهُ) فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ثبتك الله بالْقَوْل الثَّابِت يَا مُحَمَّد ﷺ وعَلى آله وَصَحبه

стр. 89

الْبَاب الرَّابِع فِي نبذ من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 90

أعلم أَن معجزات النَّبِي ﷺ كَثِيرَة وَلَا يُحِيط بهَا أحد وَلَا يحصرها عدد قد جمع الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بأنوار الْفجْر ألف معْجزَة واعترف بِالْعَجزِ مِنْهَا الْقُرْآن وَهُوَ من أعظم المعجزات وَوجه اعجازه التآم كَلِمَاته وبراع براعته فِي أَحْكَامه وقصصه وَكَونه نزل بدار أَرْبَاب الفصاحة ورؤساء البلاغة وَنُودِيَ بِهِ على رؤوسهم ومجتمعهم فِي مُدَّة تزيد على عشْرين سنة وعجزوا عَن الْمُعَارضَة وَصدر مِنْهُ ﷺ فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة من الْعُلُوم وَالسّنَن والآداب والمحاسن ومصالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَا تعجز عَنهُ الْأُمَم الْمَاضِيَة فِي آلَاف السنين فصل وَمن آيَاته أَنه ﷺ مَخْتُومًا ويروى مَقْطُوع السُّرَّة وَقَالَ جده عبد الْمطلب سَيكون لبني هَذَا شَأْن عَظِيم وَعَن انس أَن رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيل وَهُوَ يلْعَب مَعَ الغلمان وصرعه وشق جَوْفه واستخرج مِنْهُ الْقلب وأزال مِنْهُ علقَة وَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك ثمَّ غسله فِي طست من ذهب بِمَاء زَمْزَم ثمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانَهُ وَقَالَ الغلمان قتل مُحَمَّد قَالَ أنس وَكنت أرى ذَلِك الْخَيط فِي مُدَّة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اني لأعرف حجرا

стр. 91

بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث) وظللته الغمامة قبل أَن يبْعَث واستدار ظلّ الشَّجَرَة إِلَيْهِ حِين سبقه النَّاس إِلَى ظلها وَهُوَ لم يبلغ الْحلم وَكَانَت لَهُ فِي صغره ﷺ عجائب وآيات فصل وَمن معجزاته ﷺ اخباره عَن بَيت الْمُقَدّس وَقد رفع إِلَيْهِ وَهُوَ يصفه وَمِنْهَا ان أهل مَكَّة سَأَلُوهُ أَن يُرِيهم آيَة فَأَرَاهُم انْشِقَاق الْقَمَر فلقه وَهِي معْجزَة الانشقاق وَمِنْهَا أَن الْمَلأ من قُرَيْش تعاقدوا على قَتله وجلسوا عِنْد بَابه فَخرج إِلَيْهِم وَبِيَدِهِ كف من تُرَاب وَسَقَطت أذقانهم فِي صُدُورهمْ وَجعل التُّرَاب على رؤوسهم وَمِنْهَا أَنه قَامَ ﷺ يُصَلِّي بِمَكَّة فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو جهل ليؤذيه ثمَّ رَجَعَ هَارِبا فَقيل لَهُ مَاذَا قَالَ رَأَيْت بيني وَبَينه خَنْدَقًا من نَار وَمِنْهَا أَن أَبَا جهل اشْترى من رجل إبِلا وماطله بِالثّمن فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش من يخرج لي حَقي فدلوه على رَسُول الله ﷺ وهم يهزأون بِهِ فَقَامَ مَعَه ودق الْبَاب على أبي جهل وَقَالَ (أعْطه حَقه) فَقَالَ نعم وَلما دفع لَهُ خرج سَأَلُوهُ وَقَالَ رَأَيْت فَوق رَأْسِي فحلا من الْإِبِل لَو امْتنعت لأكلني وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى بعض نواحي مَكَّة فَمَا استقبله حجر وَلَا شجر إِلَّا وَهُوَ يَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَمِنْهَا حنين الْجذع قَالَ أنس كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب ويستند إِلَى جذع فاتخذوا لَهُ منبرا فحن الْجذع حنين النَّاقة فَنزل ﷺ ومسه فسكن وَمِنْهَا دَعْوَة الْعرق من النّخل عَن ابْن عَبَّاس جَاءَ إِلَيْهِ أَعْرَابِي قَالَ لَهُ بِمَ اعرف أَنَّك نَبِي قَالَ (إِن دَعَوْت هَذَا الْعرق من هَذِه النَّخْلَة تشهد أَنِّي رَسُول الله) قَالَ نعم فَدَعَاهُ فَجعل ينزل حَتَّى وصل ثمَّ قَالَ لَهُ ارْجع فَرجع فَأسلم الاعرابي

стр. 92

وَمِنْهَا أَنه مسح على وَجه عَمْرو بن الأخطب فَدَعَا لَهُ فَعَاشَ مائَة وَعشْرين سنة وَلَيْسَ فِي رَأسه إِلَّا شَعرَات بيض وَمِنْهَا رجف أحد روى أنس أَن رَسُول الله ﷺ صعد جبل أحد وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَرَجَفَ بهم فَقَالَ (اسكن إِنَّمَا عَلَيْك نَبِي وصديق وشهيدان) وَمِنْهَا أَنه رمى يَوْم حنين بقبضة من تُرَاب فِي وُجُوه الْقَوْم فَهَزَمَهُمْ الله وَمِنْهَا مَا كَانَ من سراقَة بن مَالك حِين تبعه فِي الْهِجْرَة فساخت قَوَائِم فرسه فِي أَرض يابسة واستغاث بِهِ فأغاثه وَمِنْهَا شَاة أم معبد وَكَانَت حائلة فَمسح على ظهرهَا فَدرت بِاللَّبنِ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عبد الله بن مَسْعُود قَالَ كنت غُلَاما أرعى غنما فجَاء النَّبِي ﷺ حِين فر من الْمُشْركين فَقَالَ (يَا غُلَام هَل عنْدك لبن) فَقَالَ أَنِّي مؤتمن قَالَ (هَل عنْدك جَذَعَة غنم لم يأتها فَحل) فَأَتَيْته بهَا فَمسح على ضرْعهَا ودر لَبنهَا وَمِنْهَا أَنه مسح على ضرع شَاة خباب التَّمِيمِي فَدرت بِاللَّبنِ وَمِنْهَا تَكْثِير الْقَلِيل فِي التَّمْر وَفِي الْخبز وَفِي الطَّعَام الْمَصْنُوع وتكرر ذَلِك وَكثر مَعَ أهل الصّفة وَغَيرهم وَأهل الصّفة أضياف الْإِسْلَام لَا أهل لَهُم وَلَا مَال وَإِذا أَتَت صَدَقَة بعث بهَا إِلَيْهِم وَدخل عِنْد ابي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ حِين قدم الْمَدِينَة فَصنعَ لَهُ طَعَاما قَلِيلا لعزة وجوده فَقَالَ (ادْع ثَلَاثِينَ) فَأَكَلُوا فَقَالَ (ادْع سِتِّينَ) فَأكل من ذَلِك الطَّعَام الْقَلِيل مائَة وَثَمَانُونَ من الْأَنْصَار

стр. 93

وَأَسْلمُوا كلهم ودعا أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ لأقراص من شعير بادام فَقَامَ بِمن مَعَه من النَّاس فَجعلُوا عَلَيْهِ عشرَة بعد عشرَة حَتَّى شَبِعُوا وهم ثَمَانُون وَكَانَ ﷺ عروسا بِزَيْنَب فأهدي لَهُ طَعَام قَلِيل فَقَالَ (يَا انس ادْع لي فلَانا وَفُلَانًا تمّ ادْع لي من لقِيت) فَفعلت وَاجْتمعَ النَّاس نَحْو ثَلَاثمِائَة فاكلوا كلهم مِنْهُ وَلما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ دعاهم وجمعهم على فَخذ شَاة وقدح لبن فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَشَرِبُوا حَتَّى رووا وَأطْعم ألفا من صَاع بالخندق وشبعوا وَالطَّعَام أَكثر مِمَّا كَانَ وَأطْعم جمَاعَة من تمر يسير وَأجْمع فضل الأزواد على النطع ثمَّ قسمهَا على الْعَسْكَر وَأَتَاهُ أَبُو هُرَيْرَة بتمرات فِي يَده فمسها فاكتال أَو سقا ودعا أَبُو هُرَيْرَة أهل الصّفة إِلَى قَصْعَة من ثريد فَلم يجلس أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى قَامَ الْقَوْم وَلم يفضلوا غير لقْمَة فمسها ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ كل يَا أَبَا هُرَيْرَة فَأكل منهاحتى شبع وأهدت لَهُ أم مَالك سمنا فِي عكة فَلَمَّا فرغ رجعت مَمْلُوءَة كَمَا كَانَت وَقَالَ لَهَا (هَذِه بركَة عجل الله لَك ثَوَابهَا واعلمها أَن تَقول دبر كل صَلَاة سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَالله أكبر عشر مَرَّات) وَمِنْهَا نبع المَاء من بَين أَصَابِعه فِي قدح وَقَالَ (هلموا) ووقف فِي غَزْوَة تَبُوك على مَاء قَلِيل فغرس فِيهِ سَهْما من كِنَانَته ففار المَاء وارتوى الْقَوْم وَكَانُوا ثَلَاثِينَ ألفا وشكى إِلَيْهِ قوم ملوحة بئرهم فَوقف على الْبِئْر فتفل فِيهِ فتفجر بِالْمَاءِ العذب وَدخل حَائِط جَابر فَوَجَدَهُ قد جمع تَمرا قَلِيلا وشكا إِلَيْهِ بغرمائه فمسه بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ اقْضِ مَا عَلَيْك فأوفى غرماءه وَفضل

стр. 94

ثَلَاثَة عشرَة وسْقا وَمِنْهَا إِجَابَة الجمادات دَعَا لحجر فجَاء إِلَيْهِ ودعا لشَجَرَة فَجَاءَت بعروقها وأمرها أَن ترجع فَرَجَعت وَسبح الْحَصَى فِي كَفه كَذَلِك الطَّعَام قَالَ أَبُو ذَر سَمِعت تَسْبِيح الْحَصَى فِي كَفه ثمَّ كَذَلِك لعمرثم كَذَلِك لعُثْمَان ثمَّ وضعهن فخرص وَجَاء رَسُول الله ﷺ إِلَى منزل الْعَبَّاس فَقَالَ (السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله) فَقَالَ (وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله) قَالَ (كَيفَ اصبحتم) قَالُوا أَصْبَحْنَا بِخَير وَالْحَمْد لله فَقَالَ كَيفَ أَصبَحت يَا نَبِي الله قَالَ (أَصبَحت بِخَير بِحَمْد الله) ثمَّ قَالَ (تقاربوا) يُرِيد بَعضهم إِلَى بعض ثمَّ اشْتَمَل عَلَيْهِم بملاءة وَقَالَ يَا رب هَذَا عمي صنو أبي وَهَؤُلَاء أهل بَيْتِي فاسترهم من النَّار فَقَالَت الاسكفة آمين آمين آمين والاسكفة عتبَة الْبَاب الَّتِي يُوطأ عَلَيْهَا وَجعلت الْيَهُود لَهُ شَاة فِيهَا سم فَأخْبر الذِّرَاع أَنَّهَا مَسْمُومَة فَقَالَ لَهُم (مَا حملكم على ذَلِك) فَقَالُوا أردنَا إِن كنت كَاذِبًا نستريح مِنْك وَإِن كنت صَادِقا لن يَضرك فَتَجَاوز ﷺ وَقَالَ لَهُ إِنْسَان ادْع لشجرتين فدعاهما واجتمعتا عَلَيْهِ فَلَمَّا استيقظت ذكرت لما جاءتا فَقَالَ ﷺ (هَذِه اسْتَأْذَنت رَبهَا أَن تسلم عَليّ فَأذن لَهَا) وَشهِدت لَهُ شَجَرَة بالرسالة ثَلَاث مَرَّات حِين طلب الْأَعرَابِي مِنْهُ ذَلِك وَأسلم وشكا إِلَيْهِ بعير قلَّة الْعلف وَكَثْرَة الْعَمَل وَسَأَلته الظبية أَن يخلصها من الرِّبَاط لترضع وَلَدهَا ثمَّ تعود فخلصها ونطقت بِالشَّهَادَةِ وَدخل عَام الْفَتْح فَوجدَ الْأَصْنَام عِنْد الْكَعْبَة فَأَشَارَ إِلَيْهَا بالفضيب وَقَالَ (جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل) فتساقطت وَشهد الضَّب بنبوءته ﷺ وَمن معجزاته ﷺ إِجَابَة دَعوته فِي غير مَا مَوضِع قَالَ جَابر بن عبد الله كنت أَسِير على جمل ضَعِيف فَدَعَا لَهُ بِالْقُوَّةِ فَسَار سيرا شَدِيدا وَقَالَ عبد الله بن أبي الْجَعْدِي كنت فِي غَزْوَة على فرس ضَعِيفَة فَمر بهَا وَقَالَ (اللَّهُمَّ بَارك فِيهَا فَمَا ملكت رَأسهَا وبعت من بَطنهَا بِاثْنَيْ عشر ألفا) ودعا لعَلي بن أبي طَالب أَن يذهب عَنهُ الْحر وَالْبرد فَكَانَ

стр. 95

سَوَاء عِنْده ودعا لأنس بِكَثْرَة المَال وَالْولد وَطول الْعُمر فَكَانَ كَذَلِك وَبعث الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي إِلَى قومه وَقَالَ (اللَّهُمَّ اهد دوسا وَاجعَل لَهُ آيَة) فَجعل الله لَهُ نورا فِي طرف سَوْطه يضيء فِي الظُّلُمَات وَأسْلمت قبيلته وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة شَكَوْت إِلَيْهِ كَثْرَة نسياني فَقَالَ (ابْسُطْ رداءك) فبسطته ودعا وَقَالَ (ضمه) فَمَا نسيت شَيْئا بعد ذَلِك وَقَالَ قلت يارسول الله أدع أُمِّي لِلْإِسْلَامِ فَدَعَا وَلما رجعت إِلَى الْبَيْت وَجدتهَا تَغْتَسِل لِلْإِسْلَامِ وَقَالَ قلت يَا رَسُول الله أدع الله أَن يحببني لأمتك فَدَعَا لي فَهُوَ مَحْبُوب عِنْد الْأمة وَقَالَ عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ قلت يارسول الله دخلني النسْيَان فَدَعَا لي فَمَا نسيت شَيْئا ودعا الله أَن يعز الْإِسْلَام بعمر فَأسلم ودعا لِابْنِ عَبَّاس فِي الْفِقْه فِي الدّين إِلَى غير ذَلِك من مَوَاطِن دعواته المقبولة وَمن معجزاته ﷺ ذهَاب الْأَلَم وشفاء المرضى أَتَت إِلَيْهِ امْرَأَة بِابْن لَهَا ذهب عقله فَمَضْمض ﷺ بِالْمَاءِ فَقَالَ (اسْقِهِ) فَفعلت ذَلِك فَصَارَ أَعقل النَّاس وَجِيء بمصروع فَمسح عَلَيْهِ فبرئ وَقَالَ عتبَة بن فرقد أصابني ألم فَجِئْته فتفل فِي يَدي وَمسح ظَهْري وبطني فَذهب الْأَلَم ولازمني ريح أطيب من الْمسك وَلما أسلمت زنيرة مولاة أَبُو بكر وَكَانَت رُومِية عميت بعد ذَلِك فَقَالَ الْمُشْركُونَ كفرت بالصنم فعميت فَرد الله عَلَيْهَا بصرها وَجَاء رجل أعمى إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أدع الله أَن يكْشف لي عَن بَصرِي فَقَالَ (تَوَضَّأ وصل رَكْعَتَيْنِ) (وَقل اللَّهُمَّ إِنِّي تَوَجَّهت إِلَيْك بنبيك نَبِي الرَّحْمَة أَن تكشف لي عَن بَصرِي) فَفعل فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره وَجَاءَت إِلَيْهِ امْرَأَة بِابْن لَهَا صغيرأصابه الصرع فَقَالَ (أخرج عَدو الله أَنا رَسُول الله فبرئ) وأهدت لَهُ بعد ذَلِك كبشين فَقبل أَحدهمَا ورد الآخر وَقَالَ عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أصابني وجع فشكوت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لي (ضع يدك عَلَيْهِ وَقل أعوذ بعزة الله وَقدرته من شَرّ مَا

стр. 96

أجد سبع مَرَّات) فَفعلت وَذهب عني وَمسح على رجل أَبى رَافع حِين انْكَسَرت فانجبرت وَمسح ﷺ على رَأس مُحَمَّد بن أنس بن فضَالة وَهُوَ ابْن عشر سِنِين فطال عمره وشاب مِنْهُ كل شَيْء إِلَّا مَوضِع يَده ﷺ وَضرب سَلمَة بن الْأَكْوَع يَوْم حنين فِي سَاقه وَقَوي وَجَعه فتفل ﷺ على مَكَان الوجع فبرئ وَجِيء بِأم زفر حِين أَصَابَهَا الْجُنُون فَقَالَ لأَهْلهَا إِن شِئْتُم دَعْوَة الله وتبرأ وَإِن شِئْتُم تَرَكْتُمُوهَا وَلَا حِسَاب عَلَيْهَا فَخَيرهَا أَهلهَا فَاخْتَارَتْ الا حِسَاب عَلَيْهَا وَمسح ﷺ على رَأس أَقرع فَاسْتَوَى شعره ورد عين قَتَادَة بعد أَن سَالَتْ على خَدّه وَمن معجزاته ﷺ الْإِخْبَار بالغيوب والتكلم على مَا فِي الضمائر وَذَلِكَ فِي غيرما موطن بِمَا هُوَ كثير شَائِع وَمن ذَلِك قَوْله لعمَّار بن يَاسر تقتلك الفئة الباغية وَآخر شربة شربهَا من الدُّنْيَا شربة لبن وَتقدم لِلْقِتَالِ يَوْم صفّين وَقَاتل حَتَّى قتل وَأخْبر ﷺ عَن مصَارِع الْمُشْركين يَوْم بدر فَوجدَ كل وَاحِد فِي مصرعه الَّذِي أخبر بِهِ وَأخْبر عَن الَّذين يغزون فِي الْبَحْر وَأَن أم حزَام بنت لمحان مِنْهُم فَكَانَ كَذَلِك وَقَالَ فِي عُثْمَان بن عَفَّان تصيبه بلوى شَدِيدَة وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَقَالَ للْأَنْصَار إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ اثرة فَكَانَت فِي أَيَّام مُعَاوِيَة وَقَالَ فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد وَأَن سيصلح بِهِ بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين وَأصْلح الله بِتَأْخِيرِهِ عَن الْخلَافَة لمعاوية بَين أهل الْعرَاق وهم أَرْبَعُونَ ألفا وَبَين أهل الشَّام وَأخْبر بقتل الْعَبَّاس الْكذَّاب وَمن يقْتله فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا وَهُوَ بِصَنْعَاء وَقَالَ لِثَابِت بن قيس تعيش سعيدا وَتقتل شَهِيدا فَقتل يَوْم الْيَمَامَة وارتد رجل بعد أَن حفظ من الْقُرْآن شَيْئا فَبَلغهُ أَنه مَاتَ فَقَالَ إِن الأَرْض لَا تقله فَكلما دفن وجد على وَجه الأَرْض فَترك وَقَالَ لفاطمة إِنَّك أول أهل بَيْتِي لُحُوقا بِي فَكَانَ كَذَلِك وهاج ريح فَقَالَ (هَذِه بعثت لمَوْت مُنَافِق) فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ رجل من عُظَمَاء الْمُنَافِقين وَمن معجزاته ﷺ ظُهُور بركته التَّامَّة وَمِنْهَا أَن أم جميل أُخْت أبي سُفْيَان امْرَأَة أبي لَهب قصدته بِحجر حِين نزلت

стр. 97

﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ فَلم تره وَقَالَ ﷺ (حَال بيني وَبَينهَا ملك) وانكسر سيف عكاشة يَوْم بدر فَنَاوَلَهُ عودا من حطب فَصَارَ سَيْفا وَكَذَلِكَ فعل مَعَ عبد الله بن جحش يَوْم أحد وَورث عَنهُ وَبيع بِمِائَة دِينَار وَعرضت لَهُم فِي حفر الخَنْدَق صَخْرَة شَدِيدَة فَأخذ ﷺ الْمعول وضربها فتفتت كالرمل وَمر رَسُول الله ﷺ بِجمع من الرُّمَاة وهم يرْمونَ وَفِيهِمْ ابْن الأدرع كَذَا فَقَالَ (ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع) فَأَبَوا فَقَالَ (ارموا وَأَنا مَعكُمْ كليكم) فرموا يومهم فَتَفَرَّقُوا على السَّرَّاء لم يغلب بَعضهم بَعْضًا وَانْصَرف قَتَادَة فِي لَيْلَة مظْلمَة فَنَاوَلَهُ عرجونا فضاء لَهُ كالمصباح فمضيا فِي ضوئية وَاحِدَة حَتَّى افْتَرقَا فِي الطَّرِيق ضاءت الْأُخْرَى لِلْأُخْرَى وَركب ﷺ فرسا قطوفا لأبي طَلْحَة فَمَا سبق بعد ذَلِك الْيَوْم وهاج جمل وَلم يسْتَطع أحد عَلَيْهِ فَدَعَاهُ وَجَاء فبرك بَين يَدَيْهِ حَتَّى حَبسه صَاحبه وَسجد لَهُ ﷺ الْغنم والجمل فَقَالَ أَبُو بكر نَحن أَحَق بِالسُّجُود مِنْهُم فَقَالَ ﷺ (لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يسْجد لأحد وَلَو ابْتغِي لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا) وَقَالَ سفينة مولى رَسُول الله ﷺ خرجت من الْبَحْر فِي أَرض الرّوم وخطأت أَنا وَمن معي الطَّرِيق فَخرج علينا الْأسد فَقلت أَبَا الْحَارِث أَنا سفينة خديم رَسُول الله ﷺ قَالَ فَمشى بَين أَيْدِينَا حَتَّى وقفنا على الطَّرِيق ووقف كَأَنَّهُ يوادعنا قَالَ سفينة وَخرجت مرّة مَعَ رَسُول الله ﷺ فثقل على أَصْحَابه مَتَاعهمْ فَقَالَ (ابْسُطْ كساءك) وبسطتها وَجعلُوا مَتَاعهمْ فِيهَا وحملتها وَوجدت خفَّة فَقَالَ ﷺ (مَا أَنْت إِلَّا سفينة)

стр. 98

وصنعت امْرَأَة طَعَاما لرَسُول الله ﷺ بِشَاة أَخَذتهَا بِغَيْر إِذن أَهلهَا حَتَّى تؤديها فَأخذ من الطَّعَام لقْمَة وَثمّ وَضعهَا وأخبرها بِمَا فعلت وَقَالَ (اطعميه الْأُسَارَى) وَمن معجزاته ﷺ شَهَادَة الْمَوْتَى لَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ فَتكلم زيد بن خَارِجَة بعد مَوته فَقَالَ أَحْمد صدق صدق وَأَبُو بكر صدق صدق وَعُثْمَان بن عَفَّان على منهاجهما وَتكلم ثَابت بن قيس وهم يدخلونه فِي قَبره فَقَالَ مُحَمَّد رَسُول الله أَبُو بكر الصّديق عمر الشَّهِيد عُثْمَان بن عَفَّان وَتكلم رفيع بن حداش بعد مَوته وَكَانَ كثير الصَّوْم وَالصَّلَاة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك لقِيت رَبِّي فتلقاني بِروح وَرَيْحَان وَهُوَ رَاض غير غَضْبَان وكساني ثيابًا خضرًا من سندس أَخْضَر وَمن معجزات النَّبِي ﷺ كثير من أَن يحصرها كتاب ويجمعها ديوَان والقليل مِنْهَا دلّ على الْكثير

стр. 99

الْبَاب الْخَامِس فِي ذكر بعض السّنيَّة أَحْوَاله وَفضل الصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى أَهله وَآله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 100

الْفَصْل الأول فِي ذكر بعض السّنيَّة أَحْوَاله أما صفته ﷺ فَكَانَ لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير ضخم الرَّأْس كثير الشّعْر كثيف اللِّحْيَة أَبيض اللَّوْن مشوب بحمرة فِي وَجهه تدوير أدعج الْعَينَيْنِ أهدب الأشفار يفضله ناظره فِي جماله على الشَّمْس وَالْقَمَر إِذا مَشى كَأَنَّمَا يمشي فِي صبب وَإِذا الْتفت الْتفت بِجَمِيعِ الْبدن وَبَين كَتفيهِ خَاتم النبوءة كرز الحجلة بِفَتْح وَهِي غرَّة الْفرس الَّتِي بَين عينيها وَقيل كالتفاحة من رَآهُ هابه وَمن قرب مِنْهُ أحبه عرقه طيب ورائحته أطيب من رَائِحَة الْمسك وَكَانَ أَجود النَّاس كفا وأوسعهم صَدرا وأصدقهم لهجة وأوفرهم ذمَّة وألينهم عَرِيكَة وَأكْرمهمْ عشيرة يَقُول ناعته لم أرقبله وَلَا بعده مثله وَقد أثنى الله على خلقه الْجَمِيل فَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ يُرِيد أَنه يعْفُو ويصفح وَيحسن ويعرض عَن الْجَاهِل وَفِي مدحه قَالَ بَعضهم (يَا أَيهَا المتعاطي وصف سؤدده ... لَا تعرض اللَّيْل وَالْبَحْر بالقمر) (فَإِنَّهُ كَانَ مفطورا على شيم ... مَعْدُومَة الْمثل لم يلحقن فِي الْبشر) فَكَانَ ﷺ فِيهِ الْحلم وَالِاحْتِمَال وَالْعَفو مَعَ الْقُدْرَة فِي جَمِيع

стр. 101

الْأَحْوَال وَالصَّبْر والجود والسخاء وَالْكَرم والشفقة والتواضع والحياة وَحسن الْعشْرَة والصدق والعفاف وَالْوَفَاء وَحسن الْعَهْد لين الْجَانِب والزهد فِي الدُّنْيَا وَالْقُوَّة فِي الْأَعْضَاء وَكَانَ يُجيب من دَعَاهُ وَيقبل الْهَدِيَّة ويكافي عَلَيْهَا وَيكثر التبسم ويتخلق بِالْقُرْآنِ وَلما صدر من قومه مَا صدر فَقَالَ (اللَّهُمَّ اهد قومِي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ) وَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ قلبت مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَلم أجد أفضل من مُحَمَّد ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ (عرض عَليّ أَن يَجْعَل بطحاء مَكَّة ذَهَبا وَفِضة فَقلت (لَا يَا رب أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا) (فَأَما الَّذِي أجوع فِيهِ فأتضرع إِلَيْك وَأما الَّذِي أشْبع فِيهِ فأحمدك وأثني عَلَيْك) وَقَالَ (أَفلا أكون عبدا شكُورًا) وَأعْطى الله لنَبيه مُحَمَّد ﷺ من الْفَضَائِل مَا لم يُعْطه لأحد من خلقه قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَنا أكْرم الْأَوَّلين والآخرين وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَأَنا اول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول شَافِع وَأول مُشَفع وفضلت على الْأَنْبِيَاء بست أَعْطَيْت جَوَامِع الْكَلم ونصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَأحلت لي الْغَنَائِم وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة وَختم بِي النَّبِيين) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْكَوْثَر الَّذِي وعدنيه رَبِّي نهر فِي الْجنَّة حافتاه من ذهب وَمَجْرَاهُ على الدروالياقوت وماؤه أحلى من الْعَسَل وَأَشد بَيَاضًا من الثَّلج وَمن أعظم دَرَجَة المبرة أَن أقسم جلّ وَعلا بحياته فَقَالَ ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ وَمَا أقسم الله بحياة أحد إِلَّا بحياته وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ اقْسمْ بغبار خيله فَقَالَ ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ وَقَالَ الْجَوْزِيّ اقْسمْ بِتُرَاب قَدَمَيْهِ فَقَالَ ﴿لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد﴾ واقسم جلّ وَعلا على تَحْقِيق مكانته فَقَالَ وَالضُّحَى إِلَى

стр. 102

آخرهَا وَفِي الْعَرْش مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله اتيته بعلمي واستشفع بِهِ آدم ومُوسَى وانفلق لَهُ الْبَحْر حَتَّى توسل بِهِ وَمن خواصه ﷺ أَنه كَانَ يرى فِي الظلمَة مَا يرَاهُ فِي الضَّوْء وَيرى من خَلفه مثل مَا يرى من أَمَامه وَكَانَ شَيْطَانه كَافِرًا فَأسلم وَكَانَت الأَرْض تبتلع بَوْله وفضلته ويفوح من ذَلِك الْمَكَان مَا هُوَ من أطيب من ريح الْمسك وَكَانَ لَا ينزل عَلَيْهِ الذُّبَاب وَكَانَ مَحْفُوظًا من الْوَسخ فِي الثَّوْب وَالْبدن من الْقمل وَالْحَدَث فِي النّوم والاحتلام والتثآب وَكَانَ يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ والمصافحة وَيكرم من يدْخل عَلَيْهِ ويرحب بِهِ ويناوله الوسادة وَلَا يقطع على أحد حَدِيثه وَيَدْعُو أَصْحَابه بِأحب أسمائهم إِلَيْهِم وَيجْلس حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْجُلُوس وَدخل عَلَيْهِ رجل فأصابته من هيبته رعدة فَقَالَ (هون عَلَيْك فَإِنِّي لست بِملك) وَقَالَ (إِنَّمَا أَنا عبد الله وَرَسُوله ﷺ )

стр. 103

الْفَصْل الثَّانِي فِي ﷺ وعَلى آله اتّفق الْعلمَاء على أَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فَرِيضَة وَاخْتلفُوا فِي مَحل الْفَرِيضَة فالجمهور مرّة فِي الْعُمر وَمَا بعد ذَلِك مَنْدُوب إِلَيْهِ وَاخْتلف فِي مَحل النّدب فَقيل مرّة فِي الْمجْلس الَّذِي يجْرِي فِيهِ ذكره ﷺ وَقيل كل مَا جرى ذكره وَذهب الشَّافِعِي وَابْن الْمَوَّاز من الْمَالِكِيَّة ان من لم يصل عَلَيْهِ بعد التَّشَهُّد الثَّانِي وَقبل السَّلَام فِي صَلَاة الْفَرْض فَصلَاته بَاطِلَة ومشهور مَذْهَبنَا وَهُوَ قَول الْخطابِيّ من الشَّافِعِيَّة انها صَحِيحَة وَفرق إِسْحَاق بَين السَّهْو والعمد فَتبْطل فِي الأول دون الثَّانِي وَقد ورد فِي الْحَث عَلَيْهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة دلّت على مَنْزِلَته الشَّرِيفَة عِنْد ربه جلّ وَعلا وَلَا خلاف فِي جَوَاز الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وأزواجه وذرياته مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ عِنْد ذكر فَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وأبيهما وَهُوَ قولي صلى الله على الْجد وَالْأَب والام والبنين وَهَذَا لَا يردهُ مُؤمن وتعسف وابتدع وَانْفَرَدَ صلى الله على الْجد وَرَضي عَن الْأُم والبنين وَلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة أَنه من آله وَقد قيل لَهُ كَيفَ نصلي عَلَيْك يَا رَسُول الله قَالَ (قُولُوا صلى الله على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) قَالَ ﷺ (أَنا شَجَرَة وَعلي وَفَاطِمَة فرعها وَالْحسن وَالْحُسَيْن ثَمَرَتهَا ومحبوبهم من أمتِي وَرقهَا) وَعَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه ارْتَفع حَتَّى رأى فِي الفردوس قصرا من الْيَاقُوت الْأَحْمَر وَفِيه عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَرجع آدم متفخرا بهم

стр. 104

لخروجهم من صلبه وَأنْشد الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو عبد الله الْأَنْبَارِي ﵀ (يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن انزله) (يكفيكم من عَظِيم الْفَخر أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ) يُرِيد مَا يَقُول الْمُصَلِّي فِي آخر التَّشَهُّد أخذا بقول ابْن الْمَوَّاز وَأَن من لم يقل وعَلى آل مُحَمَّد لم يجزه قَول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد دون ذكر الصَّلَاة على الْآل وَكَذَلِكَ وَقع لي فِي بعض خطبي وَلم اسْمَعْهُ من غَيْرِي وَهُوَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد أَنا من سوالك بتَخْفِيف الْوَاو والفقر إِلَى نوالك لَا نجد شَفِيعًا إِلَيْك أفضل من سيدنَا مُحَمَّد ﷺ ومعرفتنا إِنَّك أعظم من لَجأ إِلَيْهِ المضطرون فَتَأمل ذَلِك حشرنا الله مَعَهم ونفعنا بمحبتهم وَاخْتلف فِي جَوَاز الصَّلَاة على أَزوَاجه ﷺ وَذريته على الِانْفِرَاد من غير الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ على ثَلَاثَة أَقْوَال الأول الْجَوَاز لِأَن معنى الصَّلَاة الترحم وَالدُّعَاء وَالْقَوْل الثَّانِي الْمَنْع وَاخْتَارَهُ ابْن عبد الْبر وَالْقَوْل الثَّالِث الْكَرَاهَة وَهَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة جَارِيَة فِي غَيرهم من النَّاس وَفِي الصَّلَاة على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بانفرادهم دون ذكر النَّبِي ﷺ قَولَانِ الْجَوَاز وَالْمَنْع الأول مَرْوِيّ عَن مَالك وَالثَّانِي لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة فصل فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فضل كثير قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول وصلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ثمَّ اسألوا لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ فَمن سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ الشَّفَاعَة) وَقَالَ (من صلي عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر

стр. 105

صلوَات وَحط عَلَيْهِ عشر خطيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكتب لَهُ عشر حَسَنَات) وَجَاء جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله يَقُول من سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ وَمن صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ (إِن أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة) وَقَالَ ﷺ (من قَالَ حِين يسمع النداء وَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتٍ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي وعدته غفرت لَهُ ذنُوبه) وَقَالَ (من سلم عَليّ عشرا فَكَأَنَّمَا عتق رَقَبَة) وَقَالَ (من قَالَ اللَّهُمَّ صل عل محمدوعلى آل مُحَمَّد وَأنزل وانزله الْمنزل المقرب مِنْك يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي) وَقَالَ أَبُو بكر الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ أمحق للذنوب من المَاء الْبَارِد على النَّار وَالسَّلَام عَلَيْهِ أفضل من عتق الرّقاب وَقَالَ ﷺ (من صلى عَليّ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِك الْكتاب) وَقَالَ مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ وَمن صلى عَليّ بِقرب سمعته وَمن صلى عَليّ نَائِبا بلغته وَفِي الْخَبَر أَن الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِلَّا أذا صلي عَليّ وَصفَة السَّلَام ﵇ عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَصفَة الصَّلَاة عَلَيْهِ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَهَذِه هِيَ الصَّلَاة التَّامَّة وَيَكْفِي الذاكر اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد فصل وزيارة قَبره ﷺ سنة من سنَن الْمُرْسلين وفضيلة مرغب فِيهَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (من زارقبري وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي) وَقَالَ (من زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي) والزيارة شَأْن من ربح ليتبرك بوقوفه عِنْد قَبره وبالصلاة فِي مَسْجده وَالصَّلَاة عَلَيْهِ مُقَدّمَة على

стр. 106

تَحِيَّة الْمَسْجِد وتبليغ السَّلَام لَهُ جَائِز يَقُول فلَان يسلم عَلَيْك وروى ابْن وهب عَن مَالك إِذا سلم على النَّبِي ﷺ فَيكون وَجهه إِلَى الْقَبْر لَا إِلَى الْقبْلَة وَلَا يمس الْقَبْر بِيَدِهِ وَلَا يرفع صَوته وَقَالَ ﷺ (صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا خير من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام) مَعْنَاهُ أَن الصَّلَاة فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ أفضل من الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِدُونِ الْألف وَفِي الْخَبَر مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَقَالَ ﷺ (الْمَدِينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ) وَقَالَ (من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنِّي أشفع لمن يَمُوت بهَا) وَقد اخْتلف الْعلمَاء أَيهمَا أفضل مَكَّة أَو الْمَدِينَة قَالَ تَعَالَى ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس للَّذي ببكة﴾ إِلَى قَوْله ءامنا يَعْنِي من النَّار قَالَه أَهله التَّفْسِير فصل وأجمعت الْأمة على عصمَة النَّبِي ﷺ وعَلى سَلَامَته من الوساوس وعَلى مَا كَانَ طَرِيقه الْبَلَاغ أَنه لَا يَعْتَرِيه فِيهَا وهم وَلَا غلط وَلَا نِسْيَان وَلَا خلف فِي القَوْل مُطلقًا لَا فِيمَا أَخذ بِهِ عَن ربه وَلَا فِي غَيره وَأَنه يجوز عَلَيْهِ مَا يجوز على غَيره من الْأَحْوَال البشرية كالمرض والجوع وَالنَّوْم إِلَّا الْجُنُون فَإِنَّهُ مبرأ مِنْهُ وَلَا يجوز عَلَيْهِ الْإِغْمَاء كَمَا صرح بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة انْظُر الشفا لِأَن الْإِغْمَاء نوع من الْجُنُون وَهُوَ عبارَة عَن غيبوبة الْعقل وَهُوَ محَال وَلَو فِي حَال الْمَرَض لِأَنَّهُ لَا يستولي على قلبه ﷺ وأجمعت الْأمة على وجوب تَعْظِيمه وتوقيره وتوقير آله وَأَصْحَابه وَمن سير السّلف الصَّالح وَالْأَئِمَّة الماضين أَنه إِذا ذكر النَّبِي ﷺ أَخذهم الخضوع

стр. 107

والخشوع والسكينة وَالْوَقار وَكَانَ جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِذا ذكر النَّبِي ﷺ اصفر لَونه وَكَانَ مَالك لَا يحدث إِلَّا على طَهَارَة وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵃ إِذا ذكر النَّبِي ﷺ احمر لَونه ورجف لِسَانه هَيْبَة لَهُ وَكَانَ عَامر بن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام إِذا ذكر عِنْده النَّبِي ﷺ بَكَى حَتَّى لَا تبقى فِي عَيْنَيْهِ دموع وَكَانُوا إِذا ذكر الحَدِيث لَا يرفع أحد صَوته وَقَالَ مَالك حرمته مَيتا كحرمته حَيا فصل وَأجْمع الْعلمَاء من أهل الْفَتْوَى أَن من عَابَ النَّبِي ﷺ وَألْحق بِهِ نقصا فِي نَفسه أَو نسبه أَو دينه أَو خصْلَة من خصاله أَو عرض بِهِ أَو نسب لَهُ شَيْئا على طَرِيق الازدراء وَالتَّقْصِير لشأنه فَحكمه حكم الساب قتل وَإِن

стр. 108

تَابَ نفعته التَّوْبَة فِيمَا بَينه وَبَين الله وَلَا يرْتَفع عَنهُ الْقَتْل وَيكون قَتله حدا لَا كفرا وَمَا كَانَ دون ذَلِك فالعقوبة وَهِي موكلة إِلَى الْحَاكِم وَحكم سَائِر الْأَنْبِيَاء حكم نَبينَا ﷺ وَسَب آل بَيته وَأَصْحَابه وأزواجه وذرياته ﷺ وتنقيصهم حرَام تجب فِيهِ الْعقُوبَة الشَّدِيدَة وَيحد قاذفهم قَالَ ﷺ (من سبّ أَصْحَابِي فاجلدوه) وَقَالَ (لَا تسبوا أَصْحَابِي وَمن سبهم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) لَا يقبل الله مِنْهُم صرفا وَلَا عدلا وَقد انْتهى قَوْلنَا فِيمَا حررناه على الْوَجْه الَّذِي قدمْنَاهُ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم ونسأله جلّ وَعلا أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم وَأَن يتقبله منا بفضله الْعَظِيم وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وأزواجه وذرياته وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا أثيرا مجددا دَائِما أبدا إِلَى يَوْم الدّين وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين تمّ بِحَمْد الله وَحسن عونه وتوفيقه يَوْم الْجُمُعَة عِنْد الضُّحَى فِي شهر الله الْمُعظم سنة تسع وَتِسْعين بعد الْمِائَة وَالْألف على يَد ناسخه أَحْمد بن باباس بن أبي عبد الله بن أبي سِتَّة البلخيري ثمَّ الْعمريّ نسبا ومنشأ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا وَآخر دَعونَا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين