في الدنيا والآخرة". أ، هـ.
قوله: وعن محمد بن إسحاق [هو أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المدني، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، تابعي.
رأى أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسمع القاسم بن محمد بن الصديق، وأبان بن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي الباقر، وأبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونافعا مولى ابن عمر، والزهري، وغيرهم، حدث عنه الأئمة العلماء يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان الثوري، وابن جريج، وشعبة، وجرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وشريك بن عبد الله النخعي، وابن عيينة، كان عالما بالسيرة، والمغازي، وأيام الناس، وأخبار المبتدأ، وقصص الأنبياء، وعلم الحديث، والقرآن، والفقه، قدم بغداد وحدث بها، ومات بها سنة خمسين ومائة، وقيل: سنة إحدى وخمسين وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي (١)].
قوله: جاء مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ فقال: أسر ابني عوف، الحديث، الأسير بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار (٢).
قوله: وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، القد بكسر القاف والمهملة
стр. 4808
السير ومنه الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالسير ثم سمي كل [أخيذ] أسيرا وإن كان لم يشد (١) والقد سير يقد أي يقطع من جلد غير مدبوغ (٢) ذكره في شرح مشارق الأنوار.
قوله: فإذا هو بسرح القوم فصاح بهم فأتبع آخرها أولها، الحديث، وسرح القوم مواشيهم.
قوله: فقالت أمه وأسوأتاه وعوف كئيب بألم ما فيه من القد، الكئيب هو الحزين [والكآبة: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن (٣)].
قوله: فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا، الفناء [هو المتسع أمام الدار. ويجمع الفناء على أفنية (٤)].
قوله: ورواه الثعلبي عن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابني أسرة العدو وجزعت أمه فما تأمرني قال: آمرك أن تستكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فانصرف إليها فقالت: ما قال لك رسول الله ﷺ فقال أمرني وإياك أن نستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فجعلا يقولان ذلك فغفل العدو عن ابنه يوما فجاءه وقد استاق [غنمهم] وهي أربعة آلاف شاة
стр. 4809
[فجاء] بها إلى أبيه فنزلت الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وقوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ رواه الواحدي (٢) في أسباب النزول بسند الحاكم ومتنه والله أعلم.
стр. 4810
الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء
٢٤٤٧ - عَن أبي مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ من قَرَأَ بالآيتين من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة (١).
كفتاه أَي أَجْزَأَتَاهُ عَن قيام تِلْكَ اللَّيْلَة وَقيل كفتاه مَا يكون من الْآفَات تِلْكَ اللَّيْلَة وَقيل كفتاه من كل شَيْطَان فَلَا يقربهُ ليلته وَقيل مَعْنَاهُ حَسبه بهما فضلا وَأَجرا وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بَاب ذكر أقل مَا يجزئ من الْقِرَاءَة فِي قيام اللَّيْل ثمَّ ذكره وَهَذَا ظَاهر وَالله أعلم.
قوله: عن ابن مسعود [هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل، بالغين المعجمة والفاء، ابن حبيب بن سمح بن فار، بالفاء وتخفيف الراء، ابن مخزوم بن صاهلة، بالصاد المهملة والهاء، ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ابن نزار الهذلى، حليف بنى زهرة الكوفى، وأمه أم عبد بنت عبدود بن سواء من هذيل أيضا، أسلمت وهاجرت، فهو صحابى ابن صحابية، أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد قبل عمر بن الخطاب بزمان، جاء عنه قال: لقد رأيتنى سادس ستة ما
стр. 4811
على الأرض مسلم غيرنا. رواه الطبرانى بإسناده. وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد، وشهد اليرموك، وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ ، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود فى ذراعه، وكان كثير الولوج على رسول الله ﷺ والخدمة له، وثبت فى صحيح مسلم عنه، قال: قال لى رسول الله ﷺ : "آذنك على أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادى حتى أنهاك"، والسواد بكسر السين: السرار، وكان يعرف بصاحب السواد، والسواك، والنعل. روى له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخارى بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعرى، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعمران بن الحصين، وعمرو بن حريث، وأبو هريرة، وغيرهم من الصحابة، وخلائق لا يحصون من كبار التابعين، نزل الكوفة فى آخر أمره، وتوفى بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: عاد إلى المدينة، واتفقوا على أنه توفى وهو ابن بضع وستين سنة، والذين قالوا: توفى بالمدينة، قالوا: دفن بالبقيع، قيل: وصلى عليه عثمان، وقيل: الزبير، وقيل: عمار ابن ياسر. وكان من كبار الصحابة، وساداتهم، وفقهائهم، ومقدميهم فى القرآن، والفقه، والفتوى، وأصحاب الخلق، وأصحاب الاتباع فى العلم، وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تمسكوا بعهد ابن أم عبد". وبعثه عمر بن الخطاب،
стр. 4812
رضى الله عنه، إلى الكوفة، وكتب إليهم: بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن أهل بدر، فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى، وكان لابن مسعود ثلاثة بنين: عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وعتبة، وأبو عبيدة، واسم أبى عبيدة عامر، وقيل: اسمه كنيته، واتفقوا على أن أبا عبيدة لم يسمع أباه، ورواياته عنه كثيرة وكلها منقطعة، وأما عبد الرحمن، فقال على بن المدينى والأكثرون: سمع أباه. وقال أحمد بن حنبل: توفى ابن مسعود ولابنه عبد الرحمن ست سنين. وقال يحيى بن معين: لم يسمع أباه (١)].
قوله ﷺ : "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" الباء في بـ "الآيتين" زائدة، والآيتان هما قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) إلى آخر السورة.
وقوله: "كفتاه" أي: أجزأتاه عن قيام تلك الليلة من الشيطان فلا يكون له عليه سلطان، وقيل: غير ذلك كما ذكره الحافظ (٣)، وروى الدارمي (٤) أبو محمد عن علي بن أبي طالب قال: ما أظن أحدا أعقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما، وروي عن النبي ﷺ أنه [قال: أوتيت] هذه الآيات من آخر سورة البقرة نزلت على من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي، وتقدم
стр. 4813
ذلك، وكان معاذ بن جبل إذا فرغ من قراءة البقرة قال: آمين، قال ابن عطية: [قال القاضي أبو محمد عبد الحق:] هذا يظن به أنه رواه عن النبي ﷺ فإن كان ذلك فكمال وإن كان بالقياس على سورة الفاتحة فحسن (١) أ. هـ قاله في الديباجة (٢).
٢٤٤٨ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ يس فِي لَيْلَة ابْتِغَاء وَجه الله غفر لَهُ رَوَاهُ ابْن السّني وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣).
٢٤٤٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٤).
٢٤٥٠ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين وَمن قَرَأَ مائَة آيَة كتب لَهُ قنوت لَيْلَة وَمن قَرَأَ مِائَتي آيَة كتب من القانتين وَمن قَرَأَ أَرْبَعمِائَة آيَة كتب من العابدين وَمن قَرَأَ خَمْسمِائَة آيَة كتب من الحافظين وَمن قَرَأَ سِتّمائَة آيَة كتب
стр. 4814
من الخاشعين وَمن قَرَأَ ثَمَانمِائَة آيَة كتب من المخبتين وَمن قَرَأَ ألف آيَة أصبح لَهُ قِنْطَار وَالْقِنْطَار ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة وَالْأُوقِية خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض أَو قَالَ خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَمن قَرَأَ ألفي آيَة كَانَ فِي الموجبين (١).
قوله: وعن جندب بن عبد الله ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله: "من قرأ يس قي ليلة ابتغاء وجه الله غفر له" تقدمت أحاديث كثيرة في فضل قراءتها في كتاب قراءة القرآن.
٢٤٥١ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ ثلث الْقُرْآن فِي لَيْلَة فشق ذَلِك عَلَيْهِم وَقَالُوا أَيّنَا يُطيق ذَلِك يَا رَسُول الله فَقَالَ الله الْوَاحِد الصَّمد ثلث الْقُرْآن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (٢).
قوله: وعن أبي سعيد ﵁، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.
٢٤٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَرَأَ كل يَوْم مِائَتي مرّة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحي عَنهُ ذنُوب خمسين سنة إِلَّا أَن يكون
стр. 4815
عَلَيْهِ دين رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب من حَدِيث ثَابت عَن أنس (١).
قوله: عن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "من قرأ كل يوم [مائتي] مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين" الحديث، يعني أنها تكفر الذنوب التي بينه وبين الله تعالى خلا الدين فإنه من حقوق الآدميين.
٢٤٥٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ من قَرَأَ تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك كل لَيْلَة مَنعه الله بهَا من عَذَاب الْقَبْر وَكُنَّا فِي عهد رَسُول الله ﷺ نسميها الْمَانِعَة وَإِنَّهَا فِي كتاب الله سُورَة من قَرَأَ بهَا فِي لَيْلَة فقد أَكثر وأطاب رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢).
قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه وتقدم الحديث في قراءة سورة الملك.
٢٤٥٤ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ فِي لَيْلَة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣) كَانَ لَهُ نور من عدن أبين إِلَى مَكَّة حشوه الْمَلَائِكَة رَوَاهُ الْبَزَّار
стр. 4816
وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا فَرْوَة الْأَسدي لم يرو عَنهُ فِيمَا أعلم غير النَّضر بن شُمَيْل (١).
قوله: وعن عمر بن الخطاب ﵁، تقدم الكلام عليه مبسوطًا.
قوله ﷺ : "من قرأ في ليلة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة"، قوله: "عدن أبين" عدن من مدن اليمن المشهورة على جانب البحر، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها تجلب بضائع هذه الأقاليم من الحرير [والكيمخت] والمسك والعود والطيب والأبنوس وال [عاج والسروج] وثياب الحرير [المتخذة من الحشيش] وغير ذلك [إلى ما لا نهاية لذكره (٣)] وهى عدن أبين على وزن أبيض بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ونون هذا هو المشهور في تقييدها، وذكرها سيبويه بكسر الهمزة وجوز فيها الفتح وسميت برجل من حمير عدن بها أي أقام (٤) وعدن غير منون ولأنه مضاف إلى أبين وأبي كان ينصرف ومنه جنة عدن أي
стр. 4817
جنة الإقامة يقال عدن بالمكان عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه (١) وإن أبين بن زهير بن يمن بن حمير وإن عدن وأبين هما ابنا عدنان أخو معد (٢) والله أعلم.
قوله: أبو فروة الأسدي [لم يرو عنه إلا النضر بن شميل].
قوله: النضر بن شميل [بضم الشين المعجمة، هو الإمام أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عميرة بن عروة بن جاهمة بن مجدر بن خزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرة بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار المازني البصرى، الإمام فى العربية واللغة، سكن مرو، وهو من تابعى التابعين، سمع إسماعيل بن أبى خالد، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، وابن عون، وعيسى ابن سويد، وحماد بن سلمة، وعوف بن أبى جميلة، وسعيد بن أبى عروبة، وشعبة، وسليمان بن المغيرة، والخليل بن أحمد، وهشاما الدستوائي، وهشام بن حسان، وابن جريج، وآخرين، روى عنه على بن المدينى، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو قدامة، وعبدة ابن عبد الرحيم، وإسحاق بن منصور، والحسين بن حريث، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن رافع، والليث بن خالد البلخى، وخلائف آخرون. واتفقوا على توثيقه، وفضيلته. روى له البخاري ومسلم فى صحيحيهما.
стр. 4818
قال ابن المبارك: لم يكن أحد فى أصحاب الخليل يدانيه. وقال أيضا: هو درة ضائعة بين مروين، يعنى كورة مرو، ومرو الروز. وقال العباس بن مصعب: كان النضر إماما فى العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبا كثيرة لم يسبق إليها، وولى قضاء مرو، وقال أبو حاتم: هو ثقة، صاحب سنة. وقال ابن منجويه: كان النضر من فصحاء الناس وعلمائهم بالأدب وأيام الناس، ولد سنة ثلاث أو ثنتين وعشرين ومائة، وتوفى سنة أربع، وقيل: ثلاث ومائتين عن محمد بن ناصح الأهوازي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون فى سمرة، فدخلت ليلة وعلى قميص مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين فى هذه الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، ثم أجرينا وأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز"، فأورده بفتح السين، فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبى جميلة، عن الحسن بن على بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز"، وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال: يا نضر، كيف قلت سداد؟ قلت: لأن السداد هنا لحن، فقال: وتلحنى؟ فقلت: إنما لحن هشيم،
стр. 4819
وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح القصد فى الدين والسبيل، والسداد بالكسر البلغة، وكلما سددت به شيئا فهو سداد، قال: وتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجى يقول: ليوم كريهة وسداد ثغر أضاعونى وأى فتى أضاعوا. فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له، ثم أطرق مليا، ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة لى بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إنى إلى ذلك لمحتاج، فأخذ القرطاس ولا أدرى ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يترب؟ قلت: أتربه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن الطين، قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين، فقال: هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام، أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل ابن سهل، قال: فلما قرأ الكتاب، قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه، فقال: ألحنت أمير المؤمنين؟ فقلت: كلا، إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد يتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار، ثم أمر لى الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف أستفيد منى (١)].
٢٤٥٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَرَأَ كل لَيْلَة سُورَة الْوَاقِعَة لم تصبه فاقة وَفِي المسبحات آيَة كألف آيَة ذكره رزين فِي
стр. 4820
جَامعه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول وَذكره أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد (١).
قوله: وعن ابن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة" الفاقة: الفقر، وفي بعض ألفاظ الحديث لم تصبه فاقة أبدا قال: فكان أبو ظبية لا يدعها أبدا، وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة، ذكره الثعلبي، وعن هلال بن يساف قال مسروق: من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة ذكره القرطبي في كتابه التذكار في فضل قراءة القرآن.
قوله ﷺ : "وفي المسبحات آية كألف آية" وأول المسبحات سورة الحديد والحشر.
فائدة: عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو في ذلك اليوم فقد أوجب الله له الجنة" وذكر الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 4821
"من قرأ آخر سورة الحشر ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾ (١) فمات من ليلته مات شهيدًا".
٢٤٥٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ سُورَة الدُّخان فِي لَيْلَة أصبح يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (٢).
وَفِي رِوَايَة للدارقطني من قَرَأَ سُورَة يس فِي لَيْلَة أصبح مغفورا لَهُ وَمن قَرَأَ الدُّخان لَيْلَة الْجُمُعَة أصبح مغفورًا لَهُ (٣).
قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "من قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" تقدم هذا الحديث.
٢٤٥٧ - وَعَن أبي الْمُنْذر الْجُهَنِيّ ﵁ قَالَ قلت يَا نَبِي الله عَلمنِي أفضل الْكَلَام قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر قل لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله
стр. 4822
الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة فِي يَوْم فَإنَّك يَوْمئِذٍ أفضل النَّاس عملا إِلَّا من قَالَ مثل مَا قلت الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (١).
٢٤٥٨ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله مائَة مرّة فِي كل يَوْم لم يصبهُ فقر أبدا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أَسد بن ودَاعَة عَن النَّبِي ﷺ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أسدا (٢).
قوله: وعن أبي المنذر الجهني ﵁ تقدم الكلام عليه، وكذلك الحديث.
قوله: وروي عنه، تقدم وكذلك تقدم الكلام على قوله ﷺ : "لا حول ولا قوة إلا بالله".
قوله: رواه ابن أبي الدنيا عن أسد بن وداعة [أبو المعلى، وقيل: أبو العلاء، أسد بن وداعة، الطائي، الشامي، الحمصي، توفي سنة ست، أو سبع وثلاثين ومائة، من الرابعة، من صغار التابعين من عباد أهل الشام، وقرائهم، ناصبي، قال ابن معين: كان هو وأزهر الحرازي وجماعة يسبون عليا، وقال النسائي: ثقة].
стр. 4823
٢٤٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَت لَهُ عدل عشر رِقَاب وكتبت لَهُ مائَة حَسَنَة ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة وَكانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أحد عمل أَكثر من ذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَزَاد مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَمن قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْم مائَة مرّة حطت خطاياه وَلَو كانَت مثل زبد الْبَحْر (١).
٢٤٦٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير مِائَتي مرّة فِي يَوْم لم يسْبقهُ أحد كَانَ قبله وَلم يُدْرِكهُ أحد بعده إِلَّا من عمل بِأَفْضَل من عمله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ (٢).
٢٤٦١ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ من عبد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مائَة مرّة إِلَّا بَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَلم
стр. 4824
يرفع يَوْمئِذٍ لَاحَدَّ عمل أفضل من عمله إِلَّا من قَالَ مثل قَوْله أَو زَاد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١).
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.
قوله: وزاد مسلم والترمذي والنسائي "ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" قال الحافظ العسقلاني المشهور بابن حجر (٢): قلت: هذه الزيادة عند البخاري أيضا إلا أنه أفردها أ. هـ.
٢٤٦٢ - وَعَن عَليّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن سرك أَن تعبد الله لَيْلَة حق عِبَادَته فَقل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد حمدا خَالِدا مَعَ خلودك وَلَك الْحَمد حمدا دَائِما لَا مُنْتَهى لَهُ دون مشيئتك وَعند كل طرفَة عين أَو تنفس نفس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣).
وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَلَفظه قَالَ يَا مُحَمَّد إِن سرك أَن تعبد الله لَيْلًا حق عِبَادَته أَو يَوْمًا فَقل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد حمدا خَالِدا مَعَ خلودك وَلَك الْحَمد حمدا لَا جَزَاء لقائله إِلَّا رضاك وَلَك الْحَمد عِنْد كل طرفَة عين أَو تنفس نفس وَفِي إسنادهما عَليّ بن الصَّلْت العامري لَا يحضرني حَاله وَتقدم بِنَحْوِهِ عِنْد
стр. 4825
الْبَيْهَقِيّ وَالله أعلم (١).
قوله: وعن علي ﵁، تقدم الكلام عليه وتقدم الحديث أيضا بنحوه.
قوله: وفي إسنادهما علي بن الصلت العامري [علي بن الصلت لا يعرف عن أبي أيوب الأنصاري وقال ابن خزيمة لا يحتج به، وذكره ابن حبان فى الثقات].
стр. 4826
الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات
٢٤٦٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَتَوا رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى وَالنَّعِيم الْمُقِيم قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتصَدَّقُونَ وَلَا نتصدق ويعتقون وَلَا نعتق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَفلا أعلمكُم شَيْئا تدركون بِهِ من سبقكم وتسبقون بِهِ من بعدكم وَلَا يكون أحد أفضل مِنْكُم إِلَّا من صنع مثل مَا صَنَعْتُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صَلَاة ثَلَاًثا وَثَلَاثِينَ مرّة.
قَالَ أَبُو صَالح فَرجع فُقَرَاء الْمُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا سمع إِخْوَاننَا أهل الْأَمْوَال بِمَا فعلنَا فَفَعَلُوا مثله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء قَالَ سمي فَحدثت بعض أَهلِي بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ وهمت إِنَّمَا قَالَ لَك تسبح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتحمد ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ قَالَ فَرَجَعت إِلَى أبي صَالح فَقلت لَهُ ذَلِك فَأخذ بيَدي فَقَالَ الله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله الله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله حَتَّى يبلغ من جَمِيعهنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١).
٢٤٦٤ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سبح فِي دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحمد الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكبر الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَتلك
стр. 4827
تِسْعَة وَتسْعُونَ ثمَّ قَالَ تَمام الْمِائَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير غفرت لَهُ خطاياه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر (١).
وَرَوَاهُ مَالك وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِلَفْظ هَذِه إِلَّا أَن مَالِكًا قَالَ غفرت لَهُ ذنُوبه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر (٢).
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ أَبُو ذَر يَا رَسُول الله ذهب أَصْحَاب الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَلَهُم فضل أَمْوَال يتصدقون بهَا وَلَيْسَ لنا مَال نتصدق بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا ذَر أَلا أعلمك كَلِمَات تدْرك بهَا من سَبَقَك وَلَا يلحقك من خَلفك إِلَّا من أَخذ بِمثل عَمَلك قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تكبر الله دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتسبحه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتختمها بِلَا إِلَه إِلَا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير غفرت ذنوبك وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر (٣).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس نَحوه وَقَالا فِيهِ فَإِذا صليتم فَقولُوا سُبْحَانَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مرّة وَالْحَمْد لله ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ مرّة وَالله أكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ مرّة وَلَا إِلَه إِلَّا الله عشر مَرَّات فَإِنَّكُم تدركون من سبقكم
стр. 4828
وَلَا يسبقكم من بعدكم (١).
الدُّثُور بِضَم الدَّال الْمُهْملَة جمعه دثر وَهُوَ المَال الْكثير.
قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، والعلى جمع العليا تأنيث العلى وذكر النعيم المقيم تعريض بالنعيم العاجل فإنه قلما يصفوا وإن صفا فهو وشيك الزوال وسرعة الانتقال وفيه إن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، وسيأتي الكلام على هذا مبسوطًا في محله والله أعلم وتقدم الكلام على الدثور أنه جمع دثر وهو المال الكثير، المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبيل الخيرات المقربة إلى الله تعالى سبب موصل له إلى الله تعالى وهو لمن أنفقه في معاصي الله تعالى واستعان به على نيل أغراضه المحرمة واشتغل به عن طاعة الله تعالى سبب قاطع له عن الله تعالى لما قال أبو سليمان الداراني: الدنيا حجب عن الله لأعدائه وقطيعة موصلة إليه لأوليائه وقد مدح الله في كتابه العزيز القسم الأول وذم القسم الثاني فقال في مدح الأولين ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إلي قوله ﴿يَحْزَنُونَ﴾ (٢) وغيره من الآيات، وقال في ذم الآخرين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله:
стр. 4829
﴿الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، والأحاديث في مدح من أنفق في سبل الخيرات وفي ذم من لم يؤد حق الله منه كثيرة جدًّا، فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقه ويضعه في حقه فله أجر ذلك كله وكل ما أنفق منه يبتغي به وجه الله تعالى فهو صدقة وما يطعم ولده فهو له صدقة وما يطعم أهله هو له صدقة وما يطعم خادمه فهو وله صدقة وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي ﷺ من هذا القسم، قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه ينفقان في طاعته وكانت معاملتهما لله تعالى بقلوبهما ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله تعالى من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁ وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ إلى قوله ﴿يَرْضَى﴾ (٢) وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله ﷺ يطول ذكرها جدا فكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله تعالى من الحج والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في الفضائل وقد ذكرهم الله في كتابه العزيز بذلك فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (٣) نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء
стр. 4830
المسلمين أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم لا أجد ما أحملكم عليه فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ ، قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها لأن الموت في مواطن يراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع رءوس الرجال على كواهلها بالسيوف فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذاك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة، بيت:
سهر العيون لغير وجهك باطل ... وبكاؤهن لغير فقدك ضائع
إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم، قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكى فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله، وددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله لما سمع الصحابة ﵃ قول الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) فهموا من ذلك أن المراد أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشى أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن ولفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم في الدنيا
стр. 4831
وحظوظها الفانية فلما رأى النبي ﷺ تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيب قلوبهم ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم وهو الذكر عقب الصلوات المفروضات، وقد اختلفت الروايات في أنواعه وعدده والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم، وقالت طائفة من السلف ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١) إن القرض الحسن قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والصدقة بغير المال نوعان، أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق فيكون صدقة عليهم وربما كان أفضل من الصدقة بالمال وهذا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دعاء على طاعة الله وكف عن معاصيه وذلك خير من النفع بالمال وكذلك تعليم العلم النافع ودفع الأذى عنهم وقال معاذ ﵁: تعليم علم لمن لا يفمهمه صدقة عليه، وروي مرفوعا في الصدقة أحاديث يطول ذكرها؛ النوع الثاني من الصدقة: التي ليست ماليه ما نفعه قاصر على فاعله كأنواع الذكر والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وكذلك المشي إلى المساجد صدقة ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج والجهاد أنه صدقة وأكثر هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية لأنه إنما ذكر ذلك جوابا للفقراء الذين سألوا عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم، وأما
стр. 4832
الفرائض فقد كانوا مشتركين فيها، وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من الأعمال كما في حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم".
وقوله: "وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة" وتقدم، وفي ذلك أحاديث يطول ذكرها ففي الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من شدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم من الخيرات مما يقدر عليه غيرهم فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدرون عليها الأغنياء ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلاته، وقد أخبر الله عنهم فقال في كتابه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية وفي هذا الحديث أن الفقراء أغبط أهل الدثور والدثور هي الأموال بما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم فدلهم النبي ﷺ على صدقات يقدرون عليهم ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن الصدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي ﷺ أن جميع أنواع المعروف والإحسان صدقة وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "كل معروف صدقة" والصدقة تطلق على جميع فعل المعروف والإحسان حتى أن فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم اهـ كلام ابن رجب في اللطائف (٢) قاله ابن العماد في العمدة.
стр. 4833
قوله "ذهب أهل الدثور بالأجور" الحديث، وفيه دليل على أن درجات الجنة ومنازلها تقسم بحسب الأعمال الصالحة وأما دخول الجنة فبرحمة الله تعالى والنعيم المقيم هو الذي يؤمن زواله.
قوله "يصلون كما نصلي" فيه دليل على تفضيل الصلاة على الصوم وهو الأصح وقيل الصوم أفضل من الصلاة وقيل الصلاة بمكة أفضل والصوم بالمدينة أفضل.
قوله "ويتصدقون ولا نتصدق" فيه دليل على تفضيل الصدقة على العتق وإنما كانت الصدقة أفضل من العتق لاشتمالها على الصدقة الواجبة وهي الزكاة والعتق مستحب والواجب أفضل من المستحب بسبعين درجة.
قوله ﷺ "ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم" الحديث، هذا قد يعارضه قوله ﷺ "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والجواب أن بعض العلماء ذهب إلى أن المراد يلونهم في العمل وإن كانوا من آخر الأمة وليس المراد الذين يلونهم في الزمان ويدل له قوله ﷺ "أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
قوله "وتسبقون به من بعدكم" أي من لم يعمل بهذا العمل، وأما التسبيحات فالمعنى الذي لأجله طلب العمل الخاص أن لله تسعة وتسعين اسما وأسماء الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يرجع إلى الذات وهو الله تعالى.
وقسم يرجع إلى الجلال كالملك والكبير والقادر والظاهر.
стр. 4834
وقسم يرجع إلى الجمال كالرب والمحسن والمحيي والرزاق.
وقد قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (١) أي نزه أسماؤه عن الإلحاد فيها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٢) فكما يجب تنزيه ذاته تعالى كذلك يجب تنزيه صفاته وأسمائه ولما كانت الكفرة قد ألحدوا في أسمائه تعالى فاشتقوا من الله اللات ومن اسمه العزيز العزى ومن المنان مناة وجب علينا أن ننزه صفاته والمناسب أن يؤتى بأسماء الذات بالتسبيح والتسبيح هو التنزيه عن الشريك وعكا لا يليق وقد سئل النبي ﷺ عن معنى سبحان فقال سبحان الله تنزيه الله ويناسب أسباب الجلال التكبير ويناسب أسماء الجمال التحميد لأن الحمد يكون على النعم ولهذا كانت الأعداد تسعة وتسعين بعدد أسماء الله الحسنى وختمت المائة بلا إله إلا الله في إحدى الروايتين وفي رواية أخرى بأربعة وثلاثين تكبيرة لأنه قيل إن اسم الله الأعظم هو تمام المائة واسم الله الأعظم داخل في أسماء الجلال ولهذا أتى فيه بالتكبير وهذا المعنى يحصل بهذا العدد وبالزيادة عليه وإنما [التنصيص] على هذا العدد للمعنى السابق ولأن عدد درج الجنة مائة على عدد أسماء الله الحسنى ومما يدل على عدم اعتباره منع الزائد عموم قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣)
стр. 4835
وقوله تعالى ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (١) وقوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة "من قال في دبر كل صلاة عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات في خمس صلوات فتلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان" اهـ.
فائدة: واستدل بالحديث على أن الغني الشاكر أي القائم بحقوق المال أفضل من الفقير الصابر لامتيازه بعبادات لا يصل الفقير إليها من إخراج الزكاة وصدقة التطوع والعتق ووجوب الحج والعمرة والتزوج ودفع منة الخلق بالقدرة على المكافأة وحمد الله تعالى على مزيد فضله ومزيد الرحم ومعرفة المنعم والاعتراف له بما أنعم وذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفوس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى فكان أفضل بمعنى الشرف (٢) وممن رجح أن الشكر أولى من الصبر الغزالي قال: لأن الشكر يوجب المحبة ويدوم في الجنة بخلاف الصبر فإنه عبادة تنقطع ولا تدوم وبسطنا ذكره أن الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الصبر على طاعة الله.
والثاني: الصبر عن المعاصي.
والثالث: الصبر على المعصية.
стр. 4836
والأقسام الثلاثة في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (١) فالأول الصبر على المعصية والثاني عن المعصية لأنه من المثابرة التي هي المفاعلة لأن فيها مغالبة النفس والشيطان والثالث الصبر على أداء الواجبات وهي الرباط وأصل الرباط حبس النفس على ما تكره والصبر على المكروهات لا يوجب المحبة بخلاف الشكر فإنه يكون على ما تحبه النفس من النعمة والمسرة وزيادة البسط في الرزق جاء في الخبر أن للصبر على الطاعة ثلاثمائة درجة كل درجة كما بين السماء والأرض والصبر على النفس سبع مائة درجة كل درجة كما بين السماء والأرض ثلاثا (٢) وإنما كان الشكر يدوم في الجنة بخلاف الصبر لأن الجنة ليس فيها مكروهات يصبر العبد عليها وإنما هي دار نعيم وسرور.
قوله "وكبر" أي قال الله أكبر والتكبير هو التعظيم.
قوله "في دبر كل صلاة" أي عقبها.
стр. 4837
فائدة في كيفية التسبيحات والتكبيرات والتحميدات:
قوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الأحاديث قال القاضي عياض (١) وهو أولى من تأويل أبي صالح وأما قول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثا وثلاثين بل معهم زيادة يجب قبولها وفي رواية تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي رواية إن التكبيرات أربع وثلاثون وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ولقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخرها ليجمع بين الروايات.
واتفق العلماء أنه لو قدم بعض هذه الأنواع على بعض لحصلت السنة والدبر آخر أوقات الشيء والمراد هنا عقب السلام بينته الرواية الأخرى كان إذا فرغ من الصلاة سلم يقال عن أبي الزبير قال كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاةٍ حين يسلم: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله،
стр. 4838
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (١) وإنما شرع هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتمل عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثواب المرتب على الأذكار: يرد كثيرا مع خفة الأذكار على اللسان وقلتها وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأن كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء (٢)، انتهى.
٢٤٦٥ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مُعَقِّبَات لَا يخيب قائلهن أَو فاعلهن دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة ثَلَاث وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَة وَأَرْبع وَثَلَاتُونَ تَكْبِيرَة رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٣).
قوله: وعن كعب بن عجرة ﵁: [وعجرة بضم العين، هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق كعب بن عجرة بن أمية بن عدى بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن قران بن بلى حليف الأنصار.
تأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
стр. 4839
وطارق بن شهاب، وأبو وائل، وابن أبى ليلى، وبنوه إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع أولاد كعب، وزيد بن وهب، والشعبى، وغيرهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). سكن الكوفة، وتوفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله سبع وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة (٢)].
قوله ﷺ "معقبات" ومعقبات بكسر القاف من التعقيب في الصلاة وهو الجلوس بعد القضاء بها لدعاء ونحوه قال الهروي قال شمر: معناه تسبيحات تفعل أقاب الصلوات وقال أبو الهيثم: سميت معقبات لأنها تفعل مرة بعد أخرى والمعقب من كل شيء: ما جاء عقيب ما قبله قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ (٣) أي ملائكة يعقب بعضهم بعضا وملائكة الليل وملائكة النهار معقبات أيضا لأن بعضهم يعقب بعضا ومنه الحديث "فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة" أي يتعاقبونه في الركوب واحدا بعد واحد. يقال: دارت عقبة فلان: أي جاءت نوبته ووقت ركوبه. ومنه حديث أبي هريرة "كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا" أي يتناوبونه في القيام إلى الصلاة. قاله في النهاية (٤).
стр. 4840
قوله ﷺ "لا يخيب قائلهن أو فاعلهن" والخيبة الحرمان والخسران واعلم أن حديث كعب بن عجرة هذا ذكره الدارقطني في استدراكاته على مسلم وقال الصواب أنه موقوف على كعب وهذا الذي قاله الدارقطني مردود لأن مسلما رواه من طرق كلها مرفوعة وذكره الدارقطني أيضا من طرق أخرى مرفوعة وقد اختلف عليهما أيضا في رفعه وبين الدارقطني ذلك وقد بين النووي (١) أول شرح مسلم أن الحديث الذي روي موقوفا ومرفوعا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون والله أعلم.
قوله ﷺ : "دبر كل صلاة مكتوبة" أي مفروضة والدبر هو بضم الدال والباء هذا هو المشهور في اللغة والمعروف من الروايات قال أبو عمر المطرز في كتابه اليواقيت دبر كل شيء بفتح الدال وسكون الباء آخر أوقاته من الصلاة وغيرها قال هذا هو المعروف في اللغة وأما الجارحة فبالضم وقال الداودي عن ابن الأعرابي دبر الشيء ودبر بالضم والفتح آخر أوقاته والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره وتقدم الكلام على قوله "ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة".
فائدة: فائدة في كيفية التسبيحات والتكبيرات والتحميدات:
قوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة
стр. 4841
وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الأحاديث قال القاضي عياض وهو أولى من تأويل أبي صالح وأما قول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثا وثلاثين بل معهم زيادة يجب قبولها وفي رواية تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي رواية إن التكبيرات أربع وثلاثون وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ويقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخرها ليجمع بين الروايات (١).
واتفق العلماء أنه لو قدم بعض هذه الأنواع على بعض لحصلت السنة والكل واسع فمن أحب الأفضل أتى بالاكثر ومن شاء أتى بهذا مرة وبهذا مرة مع حضور القلب في الجميع وفيه دليل على صحة الحساب وعلمه وجمع التفصيل وهو الذي يسمى الفذلكة بقوله فتلك تسعة وتسعون وأما ما ورد من قوله "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب" [ ....... ] أشار في حسابه بالأصابع وحث على العقد بالأصابع فأراد أن الله يفتح على قلوبنا ويلهمنا الصواب مع راحتنا من الحساب والكتاب لا أنه محرم عليه ولا أنه نقص فينا فعلم الحساب يجب لتخليص الحقوق وتمييز الفروض وكذلك الكتابة
стр. 4842
لحفظ المكتوب وإفادة العلوم وقد قال بعضهم إنه ما مات ﵇ حتى علمه الله الكتابة وإنما كان لا يعلمه في أول الأمر، ويدل على طلب تعلم الحساب قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١) اهـ.
تنبيه: يستحب عقد التسبيح على الأنامل لما ورد عن يسيرة -بضم الياء وفتح السين المهملة- ﵂، الصحابية وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله ﷺ "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس والتكبير واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فتنسين الرحمة". رواه الترمذي وأبو داود بإسناد حسن (٢)، أ. هـ.
فإن قلت: ما وجه تخصيص هذه الأذكار؟ قلت: التسبيح إشارة إلى النقائض عند المسمى إلى إثبات الكمالات له، والتكبير إلى أنة حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام أو تعرفها الأفهام.
٢٤٦٦ - وَعَن عَليّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ لما زوجه فَاطِمَة بعث مَعهَا بخميلة ووسادة من أَدَم حشوها لِيف ورحيين وسقاء وجرتين فَقَالَ عَليّ ﵁ لفاطمة ﵂ ذَات يَوْم وَالله لقد سنوت حَتَّى اشتكيت صَدْرِي وَقد جَاءَ الله
ثِقَات وَعَطَاء بن السَّائِب ثِقَة وَقد سمع مِنْهُ حَمَّاد بن سَلمَة قبل اخْتِلَاطه وَالله أعلم.
الخميلة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كسَاء لَهُ خمل يَجْعَل غَالِبا وَهُوَ القطيفة أَيْضا من أَدَم بِفَتْح الْألف وَالدَّال أَي من جلد وَقيل من جلد أَحْمَر.
رحيين بِفَتْح الرَّاء والحاء وَتَخْفِيف الْيَاء مثنى رحى وَقَوله سنوت بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون أَي أستقيت من الْبِئْر فَكنت مَكَان السانية وَهِي النَّاقة الَّتِي تسقى عَلَيْهَا الأرضون.
وَقَوله: فاستخدميه أَي اسأليه خَادِمًا وَكَذَلِكَ قَوْله فأخدمنا بِكَسْر الدَّال أَي أعطنا خَادِمًا وَقَوْلها مجلت يداي بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا أَي تقطعت من كَثْرَة الطَّحْن.
قوله: قال علي ﵁: فوالله ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين، فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق قاتلكم الله ولا ليلة صفين، الحديث، الرجل القائل لعليل ﵁: ولا ليلة صفين، اسمه عبد الله بن الكواء، وصفين: بكسر الصاد وتشديد الفاء وبعدها ياء في الأحوال الثلات الرفع والنصب والجر هذه هي اللغة المشهورة وفيها لغة أخرى حكاها أبو عمرو الزاهد عن ثعلب عن الفراء، وحكاها صاحب المطالع وغيره من المتأخرين، صفون بالواو في حال الرفع وفي حديث أبي وائل شهدت صفين وبئست الصفون، والحاصل أن فيها وفي أمثالها لغتين إحداهما إجراء الإعراب على ما قبل النون وتركها مفتوحة
стр. 4845
كجمع السلامة كما قال أبو وائل، والثانية أن تجعل النون حرف الإعراب وتقر الياء بحالها فتقول هذه صفين ورأين صفين ومررت بصفين، وكذلك تقول في قنسرين وفلسطين وبنوين والله أعلم قاله في النهاية (١)، وصفين هو الموضع المشهور على شاطئ الفرات وكانت به الوقعة المشهورة بين أهل الشام والعراق مع علي ومعاوية ﵄ وخلافة علي بن أبي طالب صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته ولم يكن لمعاوية خلافة، وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء وأما الحروب التي جرت بينهما فكان لكل طائفة شبهة [اعتقدت] تصويب [أنفسها] بسببها وكلهم [عدول] متأولون في حروبهم ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن عدالته لأنهم مجتهدون واختلفوا فى مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل الدماء وغيرهم ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم وسبب تلك الحروب أن القضايا اشتبهت فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم، واتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم فيجب الإمساك عما شجر بين الصحابة في ذلك، قال ﷺ : "إياكم وما شجر بين أصحابي" أي ما وقع بينهم من الاختلاف، يقال: اشتجر القوم وتشاجروا إذا تنازعوا واختلفوا (٢)، قاله فى الديباجة (٣) وغيرها، أ. هـ.
стр. 4846
ووقعة صفين كانت في خلافة علي ﵁ فإن معاوية لما بلغه مسير علي ﵁ من العراق وخرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من محرم فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقرب الماء من الفرات، وبنى قصرا ليست ماله وصفين صحراء ذات كدى وأكمات وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات ولم يكن ثم مشرعة سواها للواردين والواردات فمنعت عليا ﵁ إياها وجمتها تلك الكمات فذكرهم بالمواعظ الحسنة والآيات وحذرهم بقول النبي ﷺ "فمن منع فضل ماء بالفلاة" فردوا قوله وأجابوه [بالستة] الطغاة إلى أن قاتلهم بالقواضب [والسمهريات (١)] فلما غلبهم عليها أباحها للشاربين والشاربات، ثم بنى مسجدا على تل بأعلى الفرات وحضرها مع علي جماعة من البدريين وممن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين وكان لمقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا، وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين ذكره الثقة العدل أبو إسحاق بن الحسين الكسائي الهمداني المعروف بابن ديزبل وكان القتال بعد صلاتهم الصبح ومرت مواقيت أربع صلوات واقتتلوا إلى نصف الليل وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين قاله الإمام أحمد في تاريخه وكان أهل الشام يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة ألف وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثة