Полный текст (810 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وفيها تزايد ظلم دقماق نائب القدس الشريف وكثر طمعه وتلاشت أحوال المعاملة واختل نظامها وكثر السراق وأفحشوا في قطع الطرق وقتل الأنفس وبقي الناس في شدة لذلك فإن دقماق - المذكور - كان في مباشرته على طريقة النائب جقمق - المتقدم ذكره - يصدر منه كلمات مهملة في المجالس والمحافل توجب انتقاص الناس له وكان يخاطب آحاد العوام بالترهات الفشرية ويعتمد أفعالا لا تليق منها انه وزن نفسه في القبان وكان يجالس السفهاء ويضحك معهم ويخاطبهم بالمزاح وكان إذا مر بجماعة يقول سلام عليكم جماعة فنقموا عليه بذلك وشرع بعض الناس يرتب ألفاظا ويسجعها منها:
سلام عليكم جماعة … دقماق عنده سقاعة
فبلغه ذلك فطلب ذلك الرجل وقال له تقول عني كذا؟ فقال حاش الله إنما قلت:
سلام عليكم جماعة … دقماق عنده شجاعة
فشرع النائب يضحك ويتكلم بالسخريات.
ووقع له انه حكى عن أخته حكاية معناها انه كان في مكان مخوف وأنه ظهر عليه جماعة وطردوه فهرب منهم فمن ألفاظه أنه قال فأخذت فلسي في كفي وقمت القيام وأشياء من هذا النسق أوجبت تلاشي أحواله واختلال نظامه فكان أمره بخلاف دقماق الاينالي - المتقدم ذكر - فإنه ولي مدة يسيرة وكانت سطوته وهيبته تضرب بهما الأمثال فهو يوافقه في الاسم ويخالفه في الفعل.
وفيها استقر القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم الرجبي المشهور بابن مازن القروي المالكي في وظيفة قضاء المالكية بالقدس الشريف بعد شغورها عن القاضي شرف الدين يحيى الأندلسي - المتقدم ذكره - من أواخر سنة اثنتين وتسعين وكتب توقيعه بذلك في ثامن عشر شوال وورد كتابه إلى القدس الشريف
стр. 772
باستخلاف القاضي كمال الدين أبي البركات محمد بن الشيخ خليفة فباشر عنه من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين.
وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن الغزي سبط الجوهري وبه اشتهر وكان عنده معرفة تامة بالحساب والمباشرة وأحوال الناس وباشر العمالة بالمسجد الأقصى الشريف مدة ثم نزل عنها وكان له مروءة وقيام مع أصحابه مع لين جانب وساد ورأس وكان يترفه بالملبوس الحسن والمأكل وعنده حشمة وتواضع ووفاته في شهر ذي القعدة وقد قارب السبعة ودفن بما ملا وكانت جنازته حافلة ﵀.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثمانمائة فيها حضر الأمير اقبردي الدوادار الكبير إلى جبل نابلس في شهر المحرم بسبب القبض على بني إسماعيل مشايخ جبل نابلس لما حصل منهم التقصير في المهم الشريف ببلاد الروم وبرز الأمر لنائب القدس دقماق باسترجاع مال التجريدة ممن كان دفع إليه من الرجال لما نسب إليهم من التقصير وعودهم من بلاد الروم بغير أذن فأحضر دقماق كل من أخذ شيئا واسترجعه منه بالضرب والحبس وأفحش في الأمور ومن الناس من تسحب فقبض على من يكون منسوبا إليه من أقاربه وأصحابه وجيرانه وشرع يضرب الناس بالمقارع ويضعهم في الحبس وفعل بهم فعلا لم يسمع بمثله في زمن الجاهلية حتى أن بعض الناس باع ابنته كما يباع الرقيق وتفاحش الأمر وبقي الناس في شدة شديدة ومحنة لم تعهد بالأرض المقدسة قبل ذلك فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء وتوجه الدودار الكبير في أوائل جمادي الأولى إلى محل وطنه بالديار المصرية.
وفيها في شهر صفر أحدث النصارى المقيمون بدير صهيون كنيسة ظاهر القدس الشريف بالقرب من الدير زعموا ان مكانها مقام السيدة مريم ﵍ واحكموا بناءها وجعلوا بها من جهة الشرق الهيكل الذي يعمل في الكنائس وصارت كنيسة محدثة بدار الاسلام وكان المساعد لهم دقماق النائب وأذن لهم في البناء
стр. 773
بمال بذل له ولغيره في ذلك وحصل الوهن في الاسلام بذلك فمن الله بزوالها كما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
(تجديد البيعة للسلطان)
وفيها غضب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي نصره الله تعالى من مماليكه فقصد خلع نفسه من الملك والخروج من الديار المصرية وكان ذلك في يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر بحضرة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي العز عبد العزيز ابن يعقوب أعز الله به الدين وقضاة القضاة الأربعة وهم شيخ الاسلام زين الدين أبو محمد زكريا الأنصاري الشافعي وشيخ الاسلام ناصر الدين محمد الاخميمي الحنفي وشيخ الاسلام محي الدين عبد القادر بن تقي المالكي وشيخ الاسلام بدر الدين محمد السعدي الحنبلي وغيرهم من الأمراء وأركان الدولة فوقع منه بحضرتهم ما يؤذن بخلعة بأن قام وخلع سلارية عنه ورمى به بعد ان تبرم من السلطنة وهؤلاء الأمراء وفيهم من هو أهل للسلطنة فاختاروا من شئتم وأنا أتوجه من هنا إلى مكة في جماعة قليلة ولا اعارضكم في سلطنتكم وكلمات أخر نحوا من هذا فجزع الناس لذلك ثم استعطف خاطره واسترضى وجددت له البيعة بالسلطنة وكأني يوما مشهودا.
وفيها حضر إلى القدس الشريف القاضي شمس الدين محمد بن مازن المالكي وبيده التوقيع الشريف بولاية القضاء وكان قدومه في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر.
وفيها قصد أمير عربان جرم وهو أبو العويسر ان يجدد مظلمة على الفلاحين بجبل القدس الشريف ويأخذ منهم مالا وكان أبو العويسر صغيرا دون البلوغ وكان حاجبه هو المدبر لأمره فقام في ذلك شيخ الاسلام نجم الدين بن جماعة
стр. 774
شيخ المدرسة الصلاحية ومنعه من ذلك وجلس بالمسجد الأقصى عند الشباك المطل على عين سلوان وجلس معه شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف والقضاة والمشايخ وكتبوا محضرا ووضعوا خطوطهم به ان ذلك لم تجر به عادة قبل اليوم وجهز المحضر إلى الأمير اقبردي دوادار المقام الشريف وهو بمخيمه بالرملة ولم يمكن أمير جرم من أخذ شيء من الفلاحين وسطرت هذه المثوبة في صحائف شيخ الاسلام النجمي بن جماعة.
وفيها ورد مرسوم شريف في شهر شعبان على يد قاصد من باب الأمير ازبك أمير كبير يتضمن أن رهبان دير صهيون انهوا ان من حقوق ديرهم جميع القبو المجاور له وكان مدفنا لموتاهم وان جماعة من المسلمين زعموا ان به قبر داود ﵇ وبنوا به محرابا للقبلة وليس الأمر كذلك وان العلماء أفتوا بأنه من استحقاق النصارى ولا يجوز ان يكون مسجدا لكونه مقبرة وبرز الأمر بتحرير ذلك وتسليم القبو للنصارى ومنع من يعارضهم وعقد مجلس بدار النيابة بحضرة القضاة وقصد بعض الناس إعانة النصارى على انتزاعه من المسلمين فعز ذلك على أهل الاسلام لكونه بأيديهم وبه قبلة إلى الكعبة المشرفة فخذل الله النصارى ومساعديهم وانصرف المجلس من غير شيء وسنذكر تتمة هذه الحادثة في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
وفيها ورد مرسوم شريف على دقماق نائب القدس الشريف بطلب المباشرين إلى الأبواب الشريفة والحط عليه بسبب تقصيره في سماط سيدنا الخليل ﵇ ومن جملة ألفاظ المرسوم يا معلون ما أنت مسلم وقرئ المرسوم في مجلس حافل بحضرة الخاص والعام بدار النيابة في يوم الجمعة خامس عشري شعبان ومما تضمنه المرسوم عزل القاضي شمس الدين الديري الحنفي من قضاة الحنفية بالقدس الشريف وتجهيزه إلى الأبواب الشريفة.
فأعيد الجواب بالتلطف في مره واستمر مقيما إلى أن حصل الانعام عليه
стр. 775
بإعادته إلى وظيفته أواخر شهر ذي القعدة.
وفي شهر ذي الحجة بعد عيد الأضحى توجه القاضي شمس الدين محمد بن مازن المالكي إلى محل وطنه بغزة واستخلف عنه في الحكم القاضي كمال الدين أبو البركات بن الشيخ خليفة على عادته.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثمانمائة فيها قحط المطر ببيت المقدس حتى مضى غالب الشتاء وانزعج الناس لذلك وصاموا ثلاثة أيام ثم استسقوا في صبيحة يوم الأحد خامس عشر ربيع الآخر بالصخرة الشريفة وخطب الخطيب شرف الدين ابن جماعة خطبة بليغة وتضرع وابتهل وضج الناس إلى الله بالدعاء ودخلوا إلى الجامع الأقصى بالذكر والتهليل ثم انصرفوا ولم يسقوا في يومهم فجزع الناس لذلك وتضرعوا إلى الله تعالى.
فلما مضى النهار وأقبلت ليلة الاثنين أغاث الله عباده بالمطر الغزير فامتلأت الآبار ورويت الأرض وأظهر الله إجابة دعاء عباده الضعفاء فاطمأن الناس وحمدوا الله وأثنوا عليه وله الحمد والمنة.
وفيها اشتد الأمر بسبب التجريدة لقتال بايزيد خان بن عثمان خان ملك الروم وتجهيز الرجال من جبل القدس وجبل الخليل وغيرهما وتوجه الأمير أزبك أمير كبير وصحبته المراء والعساكر فلما وصل إلى مدينة الرملة كتب مرسومه إلى بيت المقدس إلى مشايخ الاسلام والقضاة بسبب رهبان دير صهيون وما أنهوه من جهة القبو الذي يقال إن به قبر داود ﵇ وان يحرر الأمر فيه وإذا تبين انه من استحقاق النصارى بالطرق الشرعي يسلم إليهم.
فعقد مجلس لذلك بالمدرسة التنكزية بحضرة شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف وشيخ الاسلام النجمي بن جماعة ودقق ناظر الحرمين ونائب السلطنة والقضاة ودار الكلام بينهم في تحرير أمره وكتبوا محضرا يتضمن ان هذا المكان به محراب إلى جهة القبلة وأنه بأيدي المسلمين من تقاد السنين وكتب
стр. 776
العلماء والقضاة والفقهاء خطوطهم بالمحضر ولم يتلفت إلى النصارى ولا إلى من يساعدهم في ذلك كل ذلك وهم مستمرون على الفساد لعنة الله عليهم.
(واقعة قبر داود ﵇ والقبة المحدثة عند دير صهيون)
(والكشف على دقماق ناظر الحرمين ونائب القدس الشريف)
وفيها - عقب ما تقدم ذكره من أمر النصارى - كتب شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف للسلطان مكاتبتين إحداهما ذكر فيها ان المسجد الأقصى الشريف قد اختل نظامه واحتاج إلى العمارة وإقامة الشعائر والثانية في معنى القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون وإنها صارت كنيسة محدثة وما وقع بسبب القبو الذي يقال إن به قبر داود ﵇ وجهز المكاتبتين للسلطان فعرضتا عليه واقترن بذلك كثرة الشكاوى على دقمق نائب القدس لما يصدر منه من الظلم والجور وقطع الطرق في أيامه.
فجهز السلطان خاصكيا اسمه أزبك بالكشف على النائب وكتب مرسوم شريف مطلق بما وقع على النائب من شكوى الرعية وما يعمل في حقهم وان يحرر أمره ويعاد الجواب على المسامع الشريفة ورسوم ثان مختص بالشيخ كمال الدين جوابا لمكاتبتيه - المتقدم ذكرهما - وانه يحرر أمر المسجد الأقصى الشريف وما هو يحتاج إليه من العمارة وان ينظر في أمر القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون وإذا كان البناء مخالف للشرع يهدم ويحرر أمر قبر داود ﵇ ويعمل ما يقتضيه الشرع الشريف وإعادة الجواب بما يتحرر من ذلك.
وفصل الخاصكي إلى بلد سيدنا الخليل ﵇ وجلس بالمسجد الشريف الخليلي وحصل الكشف على النائب بمدينة سيدنا الخليل فكثرت عليه الشكوى بسبب سماط سيدنا الخليل ﵇ وما يحصل منه من الضرر لأهل بلد الخليل وكتب محضر بذلك بخط القاضي وأهل البلد.
стр. 777
ثم حضر الخاصكي والنائب صحبته فدخلا إلى القدس الشريف في يوم الخميس آخر جمادي الآخرة وجلسا في محراب المسجد الأقصى وجلس مشايخ الاسلام والقضاة والخاص والعام وقرئ المرسوم الشريف الوارد بالكشف على النائب والمرسوم الثاني بسبب النصارى وما أحدثوه وضج الناس وأكثروا من الشكوى على النائب وأفحشوا له في القول وأصبح الناس في يوم الجمعة جلسوا بالمجمع سفل المدرسة الشرفية وشرعوا في الكشف على النائب وادعى عليه كثير من الناس عند قضاة الشرع الشريف بأمر أنكر بعضها واعترف ببعض.
(هدم القبة)
فلما كان في يوم السبت ثاني شهر رجب توجه شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف وشيخ الاسلام النجمي ابن جماعة ودقماق النائب وأزبك الخاصكي والقضاة والخاص والعام إلى دير صهيون وجلسوا بداخل القبة التي أحدثها النصارى وتكلموا في أمرها فتحرر من أمرها ان النصارى أنهو ان بقرب دير صهيون قبرا يسمى القبر المنسي وأنه يقصد للزيارة وأن مرادهم البناء عليه واثبتوا محضرا ان هذا المكان هو القبر المنسي فبنوا القبة المذكورة اعتمادا على أن القبر المنسي تحتها.
فلما جلس العلماء والقضاة للتحرير تبين أن الأمر بخلاف ما أنهوه لمقتضى ان القبر المنسي في موضع آخر بالقرب من القبة في حاكورة هناك وأمره مجهول لا يعلم ما هو وأن المدفون به حيث كان مسلما فلا مدخل للنصارى في البناء عليه وتحرر أن محل القبة المذكورة إنما هو المكان الذي تزعم النصارى أنه مقام السيدة مريم ﵍ وقد بنيت القبة المذكورة على صفة الكنائس وبها هيكل إلى جهة الشرق.
فلما اتضح ذلك أقيمت البينة عند القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي
стр. 778
ان القبة المذكورة مجدثة في دار الاسلام وان المتولي لبنائها رئيس دير صهيون ورجل آخر من النصارى بسعيهما في ذلك وحضرا بالمجلس وسألهما القاضي عن ذلك فاعترفا ببنائها وأنهما هما المتسببان في ذلك فألزمهما بهدمها ونفذ له بقية القضاة الأربعة ما صدر منه من الالزام بالهدم.
وأما القبو الذي يقال إن به قبر داود ﵇ فتحرر من أمره انه كان قديما بأيدي النصارى وحصل فيه نزاع كثير من المسلمين في الزمن السالف من نحو مائة سنة ورفع أمره إلى الملوك السالفة منهم الملك المؤيد شيخ والأشرف برسباي وغيرهما وكتب مراسيم شريفة في أمره وكثر النزاع في الزمن السالف بين المسلمين والنصارى بسببه وكان تارة يأخذه المسلمون وتارة يسترجعه النصارى ولم يزل أمره في تخبيط إلى زمن الملك الظاهر جقمق رحمة الله عليه فرفع أمره إليه وكان من أمره ما تقدم شرحه في ترجمته في سنة ست وخمسين وثمانمائة واستقر قبر داود من ذلك التاريخ بأيدي المسلمين بمرسوم الملك الظاهر جقمق وبنى به قبلة إلى جهة الكعبة المشرفة وبالقبو المذكور محراب موجه إلى جهة صخرة بيت المقدس وبه صفة قبر يقال أنه قبر داود ﵇ وولي النظر عليه الشيخ يعقوب الرومي الحنفي عالم الحنفية بالقدس الشريف وكتب له مربعات حسبة من الملك الأشرف اينال والملك الظاهر خشقدم بمرتب يصرف للمكان المذكور واستمر بأيدي المسلمين إلى عصرنا من غير منازع وتحرر أمر ذلك على الصفة المذكورة ولم يتبين للنصارى ما يقتضي استحقاقهم له ولا ما يسوغ انتزاعه من المسلمين.
فعند ذلك جلس شيخ الاسلام والقضاة والأعيان بالقبو المذكور وقرؤا القرآن وذكروا الله تعالى ومدح النبي ﷺ وكان يوما مشهودا أعز الله فيه الاسلام وأعلى كلمة الايمان وقمع عبدة الصلبان فلله الحمد والمنة ثم انصرف الناس إلى داخل المدينة للكشف على النائب.
وحصل الاتفاق مع النصارى أنهم في اليوم الثاني وهو نهار الأحد يهدمون
стр. 779
ما أحدثوه من بناء القبة المذكورة وانفصل الأمر على ذلك فلما دخل الناس إلى المدينة ورد الخبر أن السلطان قدم إلى مدينة الرملة ونصب خيامه بها فاضطرب الحال لذلك وشرع الناس من الأعيان والأكابر في التأهب للقاء السلطان وبقي الخلق في هوج وموج فأشار شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف بالمبادرة إلى هدم القبة المذكورة قبل التوجه إلى لقاء السلطان خشية من عارض يحدث.
ثم ركب بنفسه وتوجه وصحبته الخاصكي والنائب والقضاة والجم الغفير وعادوا على الفور إلى دير صهيون وأمروا بهدمها وهم جلوس هناك فأحضرت آلات الهدم وانتهز أهل الاسلام الفرصة وهدموا القبة عن آخرها ودكوها دكا واسبعوا الكافرين صكا واستمر الهدم من ضحى النهار إلى آخره وعمل فيه خلق من الفقهاء والفقراء والصوفية والزهاد والخاص والعام كل ذلك والمسلمون تعلو أصواتهم بالتسبيح والتهليل والتكبير وكان يوما مشهودا يذكر ما سلف من الغزوات نصرة الاسلام على ملة الكفر.
وهذه المثوبة في صحائف شيخ الإسلام الكمالي فإنه هو الذي كان سببا لهذا المعروف فجزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيرا.
فلما انتهى الهدم ولم يبق للقبة أثر ورد الخبر من مدينة الرملة من جماعة حضروا منها في ذلك الوقت ان السلطان لم يكن حضر ولا خرج من القاهرة وان الخبر الوارد بقدومه إلى الرملة لا أثر له فعجب الناس لذلك وعد ذلك من بركة الاسلام فإنه لما ورد الخبر بقدوم السلطان كان السبب إلى الاسراع بهدم القبة ووقع جميع ذلك في يوم السبت ثاني شهر رجب - كما تقدم ذكره.
وكتبت محاضر بما وقع في أمر القبة وهدمه أبحكم الشرع الشريف وما تحرر من أمر قبر داود ﵇ وأنه تبيين انه بأيدي المسلمين من تقادم السنين وما وقع فيه من القراءة والذكر وكتب شيوخ الاسلام والقضاة والفقهاء خطوطهم على المحاضر ولما حضر الخاصكي بالكشف كان القاضي المالكي شمس الدين بن مازن بغزة
стр. 780
فحضر بعد الشروع في الكشف بنحو ثلاثة أيام وكتب خطه مع الجماعة على المحاضر.
وأصبح الناس في يوم الأحد في الشروع فيما يتعلق بالكشف على النائب وحصل التشديد من الخاصكي عليه واغلظ عليه في القول ووضعه في الترسيم وكتب الجواب للسلطان بمحاضر عليها خطوط أعيان بيت المقدس بما تحرر من أمر النائب وسوء سيرته وما اعتمده في حق الرعية من الظلم وعدم سلوك الطريق الحميدة وخراب المسجد الأقصى الشريف وجهزت المحاضر على يد الإمام ناصر الدين ابن الشنتير إمام الصخرة الشريفة.
فبادر النائب وجهز دواداره طرباي خفية إلى القاهرة واجتمع بالأمير اقبردي الدوادار الكبير وأعلمه بما وقع في حق أستاذه ووعده بمال فانتصر للنائب ثم علم بوصول إمام الصخرة وعلى يده المحاضر فجهز له من تلقاه في ظاهر القاهرة وقبض عليه ووضعه في الترسيم ومنعه من الاجتماع بالسلطان.
واستمر الأمر بالقدس الشريف على ما هو عليه من الكشف على النائب وعقود المجالس نحو ستة وعشرين يوما وحصل للنائب شدة من الإساءة عليه من أقل العوام.
فلما كان في اليوم السادس والعشرين من شهر رجب والناس مجتمعون بالمدرسة الأشرفية من المشايخ والقضاة والخاص والعام إذ ورد مرسوم شريف على يد قاصد النائب طرباي يتضمن الانكار على الخاصكي لما وقع منه في حق النائب لكونه رسم عليه بغير مرسوم شريف وان الأبواب الشريفة اقتضت حضور النائب وشيخ الصلاحية والقاضي فخر الدين بن نسيبة وان الخاصكي يعيد للنائب جميع ما وصل إليه منه حتى النفقة فلما ورد هذا الخبر حصل للنائب الفرج بعد الشدة ودق الطبلخانات للبشرى وشرع في تتبع من أساء الأدب في حقه فاختفى كثير من الناس وانزعج الأكابر وانقلب الأمر بنصرة النائب على من خاصمه واسترجع من الخاصكي كل ما دفعه إليه وكانت فتنة فاحشة.
стр. 781
ثم في أوائل شعبان توجه من القدس الشريف كل من النائب وشيخ الاسلام النجمي ابن جماعة والقاضي فخر الدين بن نسيبة ودخلوا إلى القاهرة المحروسة وورد مرسوم شريف لشيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف بالتكلم على المسجد الأقصى الشريف ومقام سيدنا الخليل ﵇ فتوجه إلى بلد الخليل وأقام نظامه وأصلح أمر السماط الكريم.
ولما وصل الجماعة المطلوبون للقاهرة قدر ان شيخ الصلاحية تكلف مبلغا نحو ألف دينار ورسم باستمراره في وظيفته وعاد إلى بيت المقدس في شهر شوال ودخل في الليل والقاضي فخر الدين بن نسيبة حصل له محنة من السلطان وأخرجه إلى ألواح فأقام بها نحو سنتين ثم في سنة سبع وتسعين رسم بعوده إلى القاهرة فعاد وهو مقيم بها إلى يومنا والله لطيف بعباده وأما النائب فإنه انتمى إلى الدوادار الكبير وبذل مالا ورسم باستمراره في النيابة والنظر.
ومما وقع في هذه الحادثة أنه لما توجه ناصر الدين إمام الصخرة بالمحاضر - كما تقدم - وأشهد عليه دقماق انه عزله مما بيده من نصف إمامة الصخرة وقرر فيها القاضي شهاب الدين بن المهندس فلما وصل النائب إلى القاهرة ورسم له باستمراره في النيابة والنظر حصل لإمام الصخرة ناصر الدين بن الشنتير الاجتماع بالسلطان ولامه على ما صدر منه من التكلم فيما لا يعنيه من سفره بالمحاضر وكونه جعل نفسه قاصدا ووبخه بمثل ذلك فاستغفر الله تعالى وكان من لفظه للسلطان يا مولانا السلطان اعف عني عفا الله عنك ووقع بينهما كلام لطيف من جملته ان السلطان أمره ان يرمي بحضرته النشاب فرمى فأعجب السلطان رميه وأمره ان يجعل عمامته كعمامة الجند كما كانت أولا وحصلت له عناية فرسم السلطان باستمراره في نصف الإمامة على عادته وعزل القاضي شهاب الدين بن المهنس وكتب له توقيع شريف بذلك معناه ان يستقر في نصف الإمامة على عادته وعزل شهاب الدين ابن المهندس الذي قرره السيفي دقماق بغير طريق شرعي ولا مرسوم شريف.
стр. 782
وحضر إمام الصخرة إلى القدس الشريف في شهر رمضان وقرئ توقيعه بالمسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة عقب ختم البخاري وإهدائه في صحائف السلطان.
وفي رابع شهر شوال توجه القاضي شمس الدين ابن مازن المالكي إلى وطنه بغزة واستخلف عنه في الحكم بالقدس الشريف القاضي تقي الدين أبا بكر بن العلم المالكي قاضي الرملة كان.
وفيها استقر القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن المهندس المصري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ عوضا عن القاضي شمس الدين الديري بمساعدة دقماق ناظر الحرمين ونائب القدس والسبب في ذلك أنه لما حصل الكشف على النائب حصل له من القاضي شمس الدين الديري كلمات أغلظ فيها عليه فوجد في نفسه فلما تقرر القاضي شهاب الدين بن المهندس في نصف إمامة الصخرة ولم يتم له الأمر سعى له في قضاء الحنفية لكونه سافر في خدمته مساعدا له وأجيب إلى ذلك وبرز الأمر بولايته في ثامن عشري رمضان ووصل مرسوم الاعلام إلى القدس في أواخر شهر ذي القعدة ومنع القاضي شمس الدين الديري من الحكم.
وفيها حضر الأمير اقبردي الدوادار الكبير إلى القدس الشريف متوجها لجهة الغور ووصل إلى القدس في يوم الأحد سابع عشري ذي الحجة ونزل بخان الظاهر واستمر إلى يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر ودخل إلى المسجد الأقصى فصلى ركعتين ثم ركب من حينه وتوجه إلى الغور.
ثم دخلت سنة ست وتسعين وثمانمائة.
وفي يوم الخميس خامس المحرم دخل الأمير دقماق ناظر الحرمين ونائب السلطنة إلى القدس الشريف وهو لابس خلعة الاستمرار كاملية بسمور وصحبته القاضي شهاب الدين بن المهندس الحنفي وهو لابس تشريف الولاية وفي يوم الجمعة ثاني يوم دخلوهما قرئ بالمسجد الأقصى مرسوم السلطان باستمرار النائب وتوقيع القاضي
стр. 783
الحنفي ثم في يوم الاثنين تاسع المحرم توجه النائب إلى الدوادار بالغور واستمر عنده إلى أواخر ربيع الأول وحضر الدوادار من الغور ونزل الرملة على قبة الجاموس وحضر النائب إلى القدس.
وفيها ورد مرسوم شريف بطلب القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي والقاضي شمس الدين الديري الحنفي والشيخ شهاب الدين أحمد بن شروين المقري إلى القاهرة والسبب في ذلك دقماق نائب القدس الشريف بسبب كلام وقع منهم في وقت الكشف عليه في السنة الماضية وتوجهوا من القدس في نصف شهر صفر وتكلفوا مالا وعاد القاضي الشافعي وهو مستمر على الولاية والقاضي شمس الدين الديري وهو مستمر على العزل وكان عودهما إلى القدس في نصف شهر رمضان.
وفي أول شهر ربيع الأول حضر القاضي المالكي شمس الدين بن مازن من غزة إلى القدس الشريف بمباشرة وظيفته.
(واقعة الزيت)
وفي أول شهر ربيع الآخر حضر السيفي قانصوه من مخيم الأمير اقبردي الدوادار الكبير بمرسومه برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على أهل بيت المقدس الخاص والعام من المسلمين واليهود والنصارى كل قنطار بخمسة عشر دينارا ذهبا والسبب في ذلك دقماق نائب القدس الشريف لما حصل عنده من الحنق على أهل بيت المقدس مما وقع منهم حين الكشف عليه في السنة الماضية.
وكان الزيت قبل ذلك من تقادم السنين ومضي الأزمنة يرد من جبل نابلس ويباع بالقدس والرملة بالسعر الواقع من غير حرج على أحد واستمر الأمر على ذلك إلى سنة تسعين وثمانمائة فتسبب بعض وسائط السوقة في أمره فصار يضبط الزيت ويرمي على أربابه وهم التجار الذين يصنعون الصابون بالقدس الشريف ومدينة الرملة ويدفع لهم بقدر معين من غير تعرض إلى أحد غير من يصنع الصابون وحضر
стр. 784
في أوائل الأمر الأمير تغرى ورمش لقبض ثمنه ثم صار يعين في كل سنة بعض المماليك بخدمة الأمير دوادرا كبير للحضور إلى جبل نابلس فيحضر ويضبط الزيت ويبيعه لأربابه ويقبض ثمنه.
فلما كان في هذه السنة خضر الأمير الدوادار من القاهرة - كما تقدم - وقصد بيع الزيت لأربابه على ما جرت به العادة من سنة تسعين فسعى دقماق في رميه على جميع أهل بيت المقدس لينتقم منهم فلما حضر السيفي قانصوه في أول ربيع الآخر - كما تقدم - وجلس مع دقماق بدار النيابة طلب أهل القدس بأسرهم وكتب أسماءهم في قوائم وعين على كل انسان قناطير معينة وأمرهم بشراء الزيت كل قنطار بخمسة عشر دينارا ورسم على الناس وشدد عليهم وضربهم ضربا مؤلما وشرع يحمل كل أحد فوق طاقته ولم يطعه ضربه حتى يكاد يهلك ومن غاب هجم على منزله وأخذ ماله من الأمتعة ومن لم يوجد له أمتعة ولا موجود أحضر زوجته وضرباه وسجنها حتى تدفع ما علي زوجها فهتك كثير من المخدرات ومن لم يظفر بزوجته أحضر من يكون من أقاربه فإن لم يوجد له قريب أحضر من يكون من جيرانه حتى وقع أنه طلب شخصا فلم يجده فقال لأعوانه أحضروا زوجته فقيل له أنها ختفت فقال انظروا من يكون من أقاربه فقيل ليس له قرابة فقال انظروا جيرانه فقيل أن جيرانه قد اختفوا فقال انظروا من يكون جلس عنده وحدثه.
فأحضر الأعوان رجلا وقالوا ان هذا جلس في وقت على حانوته وتحدث معه فأمر دقماق ذلك الرجل ان يدفع ثمن الزيت المعين عليه فقال له لم؟ قال لأنك جلست عنده في وقت وتحدثت معه ثم ضرب ذلك الرجل إلى أن أخذ منه ما على الغائب ومثل هذه الحكاية كثيرة ووقع ما هو أفحش منها وأشنع.
واستمر الناس في الضرب والترسيم والمحنة وهتك الحرم شهر ربيع الآخر بكماله وباع الناس أمتعتهم وثيابهم بأبخس الأثمان وبيع كل مثقال من الذهب
стр. 785
الطيب بدون خمسين درهما وباقي الناس يأخذون الزيت كل قنطار بخمسة عشر دينارا ذهبا ويبيعونه بمائتي درهم وخمسين درهما فضة فكانت الخسارة أكثر من الثلثين.
ثم جهز دقماق دواداره طرباي إلى بلد سيدنا الخليل ﵇ ورمى على أهل بلد الخليل جانبا من الزيت ورسم عليهم إلى أن استوفى منهم الثمن وحملت إلى مخدومه.
وكانت محنة فاحشة لم يسمع بمثلها في عصر من الأعصار بل ولا في ملة من الملل خصوصا في مثل هذه البقعة الشريفة التي فيها أحد المساجد الثلاثة التي تشد لها الرحال وعند مقام نبي الله وخليله إبراهيم ﵇ فالحكم لله العلي الكبير.
ثم توجه دقماق والسيفي قانصوه - المذكوران - بالمبلغ المقبوض ثمنا عن الزيت وهو نحو عشرين ألف دينار إلى مخيم لأمير الدوادار بظاهر مدينة الرملة فانتقم الله تعالى من دقماق أشد انتقام وعزل الأمير دوادار كبير من نظر الحرمين ونيابة السلطنة وأخرجه الله من الأرض المقدسة فسبحان المنتقم بعدله.
وفيها استقر الأمير خضر بك الذي كان نائب القدس الشريف في نظر الحرمين ونيابة السلطنة بالقدس وبلد سيدنا الخليل ﵊ عوضا عن دقماق - المتقدم ذكره - وألبس الخلعة من حضرة دوادار السلطان بظاهر مدينة الرملة في يوم الثلاثاء رابع شهر جمادي الأولى وهو اليوم الذي سافر فيه الأمير دوادار من الرملة قاصدا الأبواب الشريفة ودخل إلى القدس الشريف في يوم الاثنين عاشر جمادي الأولى ومعه من الخلق والعشير ما لا يحصيهم إلا الله تعالى وكان يوما مشهودا لدخوله لم ير مثله لدخول حاكم في هذه الأزمنة واستبشر الناس بولايته وحصل الأمن في الطرق وردع المناحيس.
وكان قبل ذلك بيسير في شهر ربيع الآخر برز الأمر الشريف باخراج مدينة الرملة عن نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي وإضافتها إلى ملك الأمراء أقباي نائب غزة المحروسة ولم تجر بذلك عادة قبل هذا التاريخ ثم في شهر شعبان
стр. 786
ورد على الأمير خضر بك نائب القدس وناظر الحرمين خلعة من الأبواب الشريفة وكتب له توقيع شريف باستقراره في الوظيفتين والبس من ظاهر القدس ودخل الناس في خدمته وكان يوما حافلا وقرئ توقيعه بعد صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى الشريف.
وفيها أخمد الله الفتنة بين الملك الأشرف وبين السلطان بايزيد خان بن عثمان خان ملك الرم وحضر قصاد السلطان بايزيد خان قاضي مدينة برصة لعقد الصلح مع مولانا السلطان عز نصره فأحسن إليهم وأكرمهم وعاد القصاد والقاضي - المشار إليه - وزاروا سيدنا الخليل ﵇ ودخلوا بيت المقدس في شهر رمضان وركب للقائهم الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب السلطنة شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف وشيخ الاسلام النجمي ابن جماعة والقضاة الأربعة والخاص والعام ودخلوا إلى القدس الشريف وكان يوما مشهودا وتوجهوا في الشهر المذكور قاصدين بلاد الروم وحصل الصلح بين الملكين وحصل للرعية الطمأنينة بذلك ولله الحمد والمنة.
وجهز السلطان قاصده الأمير جان بلاط السلطان ابن عثمان لعوق الجواب عن الصلح فحصل له الخير من ملك الروم وبالغ في إكرامه وأكمل الله الصلح بين الملكين وكان ابتداء الفتنة وتجهيز العساكر للتجريدة من أوائل سنة تسع وثمانين وثمانمائة إلى أن لطف الله تعالى بعباده ووقع الصلح في هذا التاريخ بعد وقوع الحرب وافتن نحو ثمان سنين وصرف في التجاريد لذلك ما لا يحصى كثرة وكان عود الأمير جان بلاط من بلاد الروم في شهر ربيع الأول من سنة سبع وتسعين.
وفيها - أعني سنة ست وتسعين - ورد مرسوم شريف على شيخ الاسلام الكمالي يتضمن انه اتصل بالمسامع الشريفة ان القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون لما هدمت بقي بعض بناء من أثرها فتقدم باكمال هدمها ومحو أثرها فتوجه شيخ الاسلام الكمالي وناظر الحرمين ونائب السلطنة الأمير خضر بك والقضاة
стр. 787
إلى دير صهيون ومحى أثرها بهدم ما بقي منها ونبش أساسها بحضورهم وذلك في شهر رمضان وكان يوما مشهودا أعظم من يوم هدمها الأول - كما تقدم في السنة الماضية -.
وفيها في يوم الاثنين سادس عشر شوال دخل قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن الأزرق الأندلسي المالكي إلى القدس الشريف متوليا قضاء المالكية عوضا عن القاضي شمس الدين الغزي وباشر بعفة وتوجه ابن مازن إلى غزة في أوائل شهر ذي القعدة واستمر معزولا إلى أن توفي في خامس عشر ذي الحجة سنة تسعمائة وكانت إقامة ابن الأزرق بالقدس الشريف مدة شهرين وتوفي في يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة وتقدم ذكر ذلك في ترجمته عفا الله عنه.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثمانمائة فيها في شهر ربيع الأول الموافق لكانون الثاني وقع هدم فاحش بكنيسة قمامة بالقدس في الليل من المطر وهلك تحته رجلان من طائفة الحبش واستمر إلى يومنا لم يعمر.
وفيها ورد مرسوم شريف على شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف بالتوجه إلى مدينة غزة وصحبته الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف وإيقاع الصلح بينه وبين المقر الأشرف السيفي اقباي كافل المملكة الغزية بسبب ما بينهما من التنافر وإزالة الكدر والوحشة من بينهما والمعاهدة بينهما على ذلك وكتابة صورة وعرضها على المسامع الشريفة فتوجه من القدس الشريف إلى غزة امتثالا للمراسيم الشريفة وحصل الصلح بين المشار إليهما على أحسن وجه فكان ذلك في جمادي الآخرة.
ودخل الأمير خضر بك إلى القدس الشريف بخلعة كاملية بسمور في بكرة يوم الأربعاء حادي عشري جمادي الآخرة ودخل شيخ الاسلام الكمالي بعد العصر من يوم الخميس بكاملية صوف أبيض سمور.
وفيها دخل الوباء بالطاعون حتى عم جميع المملكة وابتدأ بالقدس الشريف
стр. 788
في عشري جمادي الآخرة واستمر إلى آخر رجب يبلغ عدد الأموات في كل يوم إلى ثلاثين وأربعين وفي يوم الجمعة حادي عشري رجب نحو الخمسين وهي أول جمعة ظهر فيها كثرة الأموات واشتد الأمر في شهر شعبان فبلغ العدد في كل يوم فوق المائة وقيل إنه بلغ في اليوم إلى المائة وثلاثين وبلغ العدد بمدينة سيدنا الخليل ﵊ في دون الخمسين.
وتوفي الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب السلطنة في ليلة الأحد الحادي والعشرين من شعبان وكان لما ولي النيابة في المرة الأولى ساءت سيرته ووقع في أمره ما تقدم شرحه في حوادث سنة اثنتين وتسعين فلما ولي النيابة والنظر في المرة الثانية في سنة ست وتسعين باشر مباشرة حسنة واظهر العدل في الرعية واستعطف خواطر الناس وشرع في سلوك طرق الرياسة واستمر على ذلك إلى أن دخل الوباء فتطير من ذلك وخرج من مدينة القدس إلى ظاهرها وأقام بالكروم أياما واظهر الخوف الزائد فأنكر الناس عليه ذلك فدخل إلى المدينة وأقام يسيرا وتوفيت ابنة له ثم بعد يومين أو ثلاثة توفيت زوجته ثم بعد وفاتها بنحو ستة أيام توفي هو وصلي عليه بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر من يوم الأحد الحادي والعشرين من شعبان ودفن بتربة ما ملا وكان اسند وصيته لشيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف - أمتع الله بحياته - فتوجه إلى التربة وتولى أمره ووقف على دفنه وصحبته جماعة من الأعيان وقضاة الشرع الشريف.
واستمر الوباء بالقدس في قوته إلى سلخ شعبان وأفتى خلقا من الأطفال والشباب وأفتى طائفة الهنود عن آخرهم وكذلك الحبش ومات جماعة من الأخيار الصالحين منهم الشيخ عبد السلام الرضي الحنفي وتقدم ذكر ترجمته ومنهم الشيخ جبريل الكردي الشافعي وكان من أهل الفضل ومن أصحاب شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف.
ومنهم الشيخ الصالح الفاضل يوسف السليماني الحنفي نائب إمام الصخرة
стр. 789
الشريفة وكان من أهل الخير والصلاح والفضل في مذهب أبي حنيفة ﵁ وكان يصلي إماما بالصخرة وعلى قراءته الأنس والجمال.
ومنهم الشيخ الصالح المقري علي الجزولي المالكي نائب إمام المالكية بالمسجد الأقصى وكان من أهل الخير والصلاح حافظا لكتاب الله تعالى وكان يؤم بجامع المغاربة ويؤدي الصلاة على أوضاعها من الطمأنينة في الركوع والسجود.
ومنهم الشيخ صالح موسى المغربي وكان عبدا صالحا يقيمها بالخلوة التي تحت سور الصخرة الشريفة القبلي سفل التاريخ وكان يجلس على باب الخلوة ويجتمع عنده أهل الخير يتلون كتاب الله وكان يجلس غالبا ورأسه مكشوف والصلاح ظاهر عليه.
ومنهم الشيخ الصالح الناسك إسحاق الجبرتي وكان عابدا زاهدا منقطعا إلى الله تعالى في الخلوة التي بصدر جامع النساء بداخل المسجد الأقصى والناس يترددون إليه ويتبركون به وقد ظهر له كرامات ومكاشفات.
ومنهم العدل خير الدين أبو الخير أحمد بن شهاب الدين أحمد بن شمس الدين محمد القلقيلي المقري الحنفي وتقدم ذكر والده وجده مع الفقهاء الشافعية كان يحفظ القرآن ويؤديه بحسن صوت وطيب نغمة واحترف بالشهادة مدة طويلة وباشر عقود الأنكحة ولم يمت بالطاعون وإنما ركب بغلة وتوجه إلى الكروم فوقع بظاهر البلد فكسرت رجله من ركبته وحمل إلى المدينة فمرض أياما وتوفي آخر يوم من رجب.
ومنهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن شروين المقري الخليلي التاجر وكان رجلا من أهل القرآن يتقنه بالروايات وأجازه الشيخ شمس الدين ابن عمران وكان حسن الصوت طيب النغمة بالقراءة وله دنيا واسعة وكانت وفاته في الحادي والعشرين من شعبان رحمة الله عليهم أجمعين وتناقص الوباء من أول شهر رمضان.
стр. 790
وفيها في يوم الاثنين سابع شهر رمضان توفي الخطيب جلال الدين بن جماعة - المتقدم ذكره مع والده عند ذكر خطباء المسجد الأقصى الشريف - وكان بيده نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية والربع والثمن من خطابة المسجد الأقصى.
واستقر بعده فيما بيده من الوظيفتين أولاد عميه وهم الخطيب العلامة برهان الدين أبو السحاق إبراهيم بن شيخ الاسلام النجمي بن جماعة وأخوه لأبيه الخطيب العلامة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن وابن عمهما الخطيب محي الدين عبد الرحيم بن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وأنعمت الصدقات الشريفة عليهم باستقرارهم في ذلك بمال بذلوه.
وكان ارتفاع الوباء من القدس الشريف في أواخر شهر شوال بعد إقامته بها نحو أربعة أشهر وعشرة أيام وبلغ عدد الأموات بالقاهرة المحروسة في كل يوم أكثر من عشرين ألفا وبدمشق في كل يوم ثلاثة آلاف وبحلب في كل يوم ألف وخمسمائة وبغزة في كل يوم نحو أربعمائة وبالرملة في كل يوم نحو المائة وعشرة ولم يمكث في بلدة من البلاد أكثر من بيت المقدس فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء.
وفيها استقر قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة شمس الدين محمد الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف عوضا عن القاضي شهاب الدين بن المهند واستقر قاضي القضاة كمال الدين أبو البركات محمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ خليفة المالكي في وظيفة قضاء المالكية بعد شغورها عن القاضي شمس الدين بن الأزرق - المتقدم ذكره في السنة الماضية - ووصلت الولاية إليهما معا على يد سعد الدين قاصد المقر البدري ابن مزهر كاتب الشريف الشريف في صبيحة يوم الخميس خامس عشر شوال وحصل الجمع بين يدي شيخ الاسلام الكمالي بن أبي شريف بالمدرسة الأشرفية وجماعة من طلبة العلم الشريف والخاص والعام فكان تاريخ توقيع القاضي المالكي خامس عشري رمضان وتوقيع
стр. 791
الحنفي خامس شوال ثم في يوم الجمعة بعد صلاتها قرئ كل من التوقيعين بالمسجد الأقصى الشريف.
وفيها حج إلى أبيت الله الحرام سيدنا ولي الله تعالى الشيخ شمس الدين أبو العون محمد القرشي القادري الشافعي نزيل جلجوليا أعاد الله علينا من بركاته ونفعنا ببركة علومه وصالح دعواته فدخل إلى القدس الشريف من جلجوليا في يوم السبت سابع عشر شوال وتوجه من القدس الشريف إلى بلد سيدنا الخليل ﵊ قاصدا مكة المشرفة بعد الظهر من يوم الاثنين تاسع عشر من شوال فقضى مناسكه وزار النبي ﷺ وعاد إلى محل وطنه ولله الحمد فسح الله في مدته.
وفيها استقر الأمير جان بلاط أخو الأمير خضر بك ووصل إلى القدس الشريف مرسوم السلطان بولايته في شهر رمضان وقدم إلى بلد سيدنا الخليل ﵇ ثم دخل إلى القدس في بكرة يوم السبت ثامن شهر ذي القعدة الحرام وكان يوما مشهودا لدخوله وسلك مسلكا حسنا.
ومما وقع ان أخاه الأمير خضر بك لما توفي ضبط موجوده ومن جملته سبعمائة دينار ذهبا فوضع المال في خزانة بمنزل أخيه بالمدرسة الارغونية مع بعض الموجود المخلف عنه فلما قدم الأمير جان بلاط حضر بالمدرسة الارغونية وحضر شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف والقضاة وفتح المكان واحضر الصندوق فوجد مكسورا والمال قد فقد منه واضطرب الحال لذلك واتهم به جماعة ولم يثبت في جهة أحد منهم ومضى أمره ولم يعلم حقيقة الحال فيه.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثمانمائة
فيها في شهر الله المحرم تعين السيفي قائم الخاصكي للتوجه إلى المملكة الشامية لكشف الأوقاف والمدارس على عادة من تقدمه في ذلك فدخل إلى القدس الشريف في عشية يوم السبت ثالث صفر وجلس في بكرة يوم الأحد بالمدرسة السلطانية بحضور شيخ الاسلام الكمالي بن أبي شريف وشيخ الاسلام النجمي ابن جماعة والأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب السلطنة
стр. 792
الشريفة وقضاة الشرع الشريف وقرئ المرسوم الشريف الوارد على يده بمعنى كشف الأوراق وما تحصل من الترك المخلفة عن الأموات في الوباء المختصة بجهة بيت المال المعمور واستخرج من الأوقاف أموالا نحو الف وخمسمائة دينار وحصل الضرر بذلك للفقراء والفقهاء والحكم لله العلي الكبير وتوجه من القدس في صبيحة يوم السبت عاشر صفر.
وفيها في العشر الأوسط من صفر حضر الأمير اقبردي الدوادار الكبير من الديار المصرية على حين غفلة ولم يعلم به حتى دخل إلى مدينة غزة ثم توجه إلى الرملة ووضع أثقاله بها ثم توجه من فوره هو ومن معه على الخيول إلى جهة نابلس ثم عاد إلى الرملة وأقام بداخل البلد هو وجماعته ولم ينصب مخيمه بظاهرها على ما جرت به العادة ونادى بالأمان وأمر جماعته بعدم التعرض لأحد من الرعية وكان مقامه بالرملة بدار الأمير منصور بن قرابغا يبيت بها ليلا وجلوسه في النهار بدار ابن باكيش المعدة للحكام وجماعة من الخدم وغيرهم نزلوا عند الناس في منازلهم متفرقين.
ثم في يوم الأحد عاشر ربيع الأول حضر إلى القدس الشريف السيفي قانصوه وعلى يده مرسوم الأمير اقبردي الدوادار في الزيت المتحصل من جبل نابلس على التجار المعتادين بعمل الصابون كل قنطار بخمسة عشر دينار ذهبا بعد أن ختم على ما اشتروه ونودي في البلد بالأمان للعوام وان الزيت لا يأخذه إلا أربابه فمن الناس من لم يصدق هذه المنادات وخرج هاربا ومنهم من اطمأن.
ثم شرع قانصوه في كتابة أسماء التجار ومن له عادة بعمل الصابون حتى اطمأن الناس وشرع يقبض عليهم واحدا بعد واحد من التجار وغيرهم ويلزمهم بشراء الزيت على حكم ما فعل بهم في سنة ست وتسعين ورمى على اليهود والنصارى وطلب نساء الغائبين وضرب بعض جماعة ولكنه في هذه المرة أخف وطأة من المرة الأولى التي كانت في سنة ست بمقتضى ان ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس
стр. 793
الأمير جان بلاط اعتنى بأهل بيت المقدس وتلطف بهم فلم يقع فيهم الافحاش كما تقدم في زمن دقماق النائب.
وكان الزيت المرسوم برميه على أهل القدس وبلد الخليل ألف وخمسمائة قنطار من ذلك مائة وستون قنطارا مختصة بأهل بلد الخليل والباقي على أهل القدس ورمى على أهل غزة ألف قنطار ثم رمى على أهل الرملة جانبا من الزيت وضيق عليهم بالضرب والحبس.
وسافر السيفي قانصوه من مدينة القدس صحبة النائب بالمال المقبوض بعد صلاة الجمعة العشرين من ربيع الآخر بعد إقامته بها أربعين يوما وحضر إلى الأمير اقبردي الدوادار الكبير النواب والأمراء إلى الرملة من طرابلس وحماه وصفد والبيرة واهدي إليه من الأموال والمواشي ثم جهز إليه ملك الأمراء قانصوه اليحياوي كافل المملكة الشامية والأمير يونس حاجب الحجاب بالشام وغيرها وحضر الأمير قانصوه اليحياوي إلى القدس الشريف لقصد الزيارة ونزل في تربته التي أنشأها بظاهر باب الأسباط في عشية يوم الخميس رابع جمادي الأولى وتوجه من القدس الشريف في صبيحة يوم الأحد سابع الشهر إلى دمشق.
وتوجه الأمير اقبردي الدودار الكبير من الرملة لجهة الغور لقتال العرب وتوجه إليه الأمير جان بلاط لجهة القدس في بكرة يوم الاثنين ثامن جمادي الأولى وتوجه إلى بلاد حوران وأذرعات وغيرهما وحصل له من الموال والمواشي مالا يحصى كثرة وحضر إليه عامر بن مقلد شيخ العرب فقبض عليه.
وحضر إلى مدينة الرملة في يوم السبت تاسع عشر شهر جمادي الآخرة وتوجه منها قاصدا الديار المصرية في ليلة الجمعة خامس عشري جمادي الآخرة وصحبته من المواشي مالا يحصى كثرة فهلك منها في الطريق غالبها ولم يصل معه منها إلى القاهرة إلا الأقل.
وفيها استقر القاضي كمال الدين أبو البركات محمد بن الشيخ خليفة المالكي في وظيفة
стр. 794
مشيخة المغاربة بالقدس الشريف عوضا عن قاسم المغربي بحكم وفاته وورد التوقيع الشريف عليه بذلك في العشر الأول من شهر ربيع الآخر وتاريخه في حادي عشري ربيع الأول.
وفيها استقر القاضي شهاب الدين بن المهندس في ربع وظيفة مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف بنزول صدر له من الشيخ ناصر الدين محمد بن الشيخ جمال الدين عب الله بن غانم شيخ حرم القدس الشريف وهذا الربع هو الذي كان تأخر بيده من الوظيفة المذكورة وبمقتضى هذا النزول من الشيخ ناصر الدين خرجت مشيخة الخانقاه من يد بني غانم وكانت بأيديهم من زمن الواقف الملك صلاح الدين رحمه الله تعالى وحضر القاضي شهاب الدين بالصوفية في المجمع في شهر رمضان المعظم.
وفيها في شهر شوال حل ركاب الأمير قانصوه نائب قلعة الجبل المنصورة بالديار المصرية في مدينة الرملة متوجها إلى ملك الشرق من الأبواب الشريفة وأوقع الصلح بين أخيه الأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين ونائب القدس الشريف وبين ملك الأمراء المفر السيفي اقباي كافل المملكة الغزية بسبب ما كان بينهما من التنافر والبس الأمير جان بلاط كاملية بسمور وكان ذلك بمدينة الرملة.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثمانمائة فيها في العشر الأوسط من المحرم توجه الأمير جان بلاط نائب القدس إلى قرية القباب - من أعمال الرملة - الجارية تحت نظره وكبسها وأخذ موجود الفلاحين بها واحتج بأنهم عصوا عليه وأنهم تحت نظره وحصل التنافر بينه وبين ملك الأمراء اقباي نائب غزة لكون القرية المذكورة في معاملته ودخل إليها بغير أذنه وحصل بذلك التخبيط في الطرق.
وفيها - عقب الوقعة المذكورة - ورد مرسوم شريف بطلب الأمير جان بلاط - المذكور - إلى الأبواب الشريفة بسبب شكوى جماعة عليه فتوجه من القدس في ليلة السبت تاسع عشري شهر المحرم ولم يعلم أحد بسفره إلا بعد يومين
стр. 795
أو ثلاثة فوصل إلى القاهرة المحروسة وغرم مالا ورسم له بالاستمرار في وظيفته.
وفيها في يوم الثلاثاء تاسع عشري ربيع الأول الموافق السابع كانون الثاني وقع الثلج بالقدس الشريف واستمر ينزل من ظهر الثلاثاء إلى عشية يوم الخميس مستهل ربيع الآخر ليلا ونهارا حتى امتلأت الشوارع والأسطحة والأماكن وحكى الكبار إنهم لم يروا مثل ذلك في هذه الأزمنة من نحو سبعين سنة وكان حجمه فوق الأرض في بعض الأماكن أكثر من أربعة أذرع وأخبرت انه كان في بعض الأماكن أكثر من خمسة أذرع وتقطعت السبل وسدت الشوارع وأصبح الناس يوم الجمعة ثاني ربيع الآخر في شدة شديدة وأقيمت صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى الشريف فلم يحضرها من أهل بيت المقدس النصف بل ولا الثلث ووقع الثلج بمدينة الرملة ولم يعهد وقوعه بها في هذه الأزمنة إلا ما يحكى ان من مدة طويلة نحو ثمانين سنة وقع بها الثلج في سنة فسماها أهل الرملة سنة الثلج ولم يعلم أنه بلغ قدر ما بلغ في هذه المرة فإنه وصل إلى البحر واستمر في شوارع القدس أكثر من عشرين يوما واشتد حتى صار كالحجارة.
ثم وقع البرد الشديد بعد وقوع الثلج بنحو خمسة عشر يوما حتى جمد الماء وصار جليدا ثم في عشية الخميس ليلة الجمعة السادس عشر من ربيع الآخر عاد الثلج ونزل حتى عم الأرض لكنه كان خفيفا ومن الاتفاق ان الثلج كان قد وقع بالقدس في السنة الماضية وهي سنة ثمان وتسعين في يوم تاسع عشري ربيع الأول ثم وقع في هذه السنة في يوم تاسع عشري ربيع الأول لكنه في العام الماضي كان في يوم الجمعة وفي هذا العام في يوم الثلاثاء ثم وقع الثلج بغزة المحروسة ولم يعلم وقوعه بها قبل ذلك فسبحان القادر على ما يشاء.
وأما الأمير جان بلاط نائب القدس فقد تقدم توجهه إلى الأبواب الشريفة والانعام عليه بالاستمرار في وظيفته ثم البس التشريف المستمر بالحضرة الشريفة ودخل في بكرة يوم الخميس ثاني عشري ربيع الآخرة وكان يوما كثير المطر
стр. 796
لم ير مثله في تزاحم العالم وركب الناس للقائه من القضاة والأعيان واستمر المطر ينزل عليهم من عند خان الظاهر إلى دار النيابة ودخل صحبته القاضي برهان الدين الجوهري وعليه خلعة كاملية بسمور ولم يعهد دخول حاكم لبيت المقدس في مثل هذا اليوم إلا جقمق الظالم الفاجر - كما تقدم ذكره في حوادث سنة سبع وسبعين وثمانمائة.
ثم في ثاني يوم دخول الأمير جان بلاط إلى القدس الشريف وهو نهار الجمعة ث الث عشر من ربيع الآخر استمر الثلج نازلا إلى بعد الظهر من يوم السبت حتى بقي حجمه فوق الأرض أكثر من ذراع وامتلأت الشوارع والأسطحة منه وأنزعج الناس لذلك خشية الضرر وأصبح إلى يوم الأحد فأغاث الله عباده بنزول المطر الغزير من بعد الظهر من يوم الأحد إلى آخر ليلة الاثنين فأزال الثلج حتى لم يبق منه إلا القليل ثم وقع الهدم في الأماكن فسقط الكثير من الدور والأبنية.
وفيها استقر ملك الأمراء اقباي نائب غزة في نيابة صفد وتوجه إليها في ربيع الآخر واستقر الأمير قاني بك في نيابة غزة وقدم إليها في جمادي الآخرة وأضيف إليه كشف الرملة في شهر رجب بعد استيلاء نائب الشام عليها وحضر نائب غزة إليها في يوم الثلاثاء ثامن شعبان وحضر إليه الأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف وصحبته قضاة بيت المقدس في يوم السبت ثاني عشر شعبان وعادوا إلى القدس الشريف في يوم الأربعاء سادس عشرة.
وفيها استقر القاضي شهاب الدين بن المهندس الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ والرملة وورد توقيعه مؤرخ في ثامن عشر رجب والبس التشريف من ظاهر مدينة القدس في يوم الاثنين سابع شعبان وكانت ولايته ببيت المقدس عوضا عن القاضي عز الدين الديري والرملة عوضا عن القاضي كمال الدين محمد بن الأحزم النابلسي وحضر إلى محل ولايته بالرملة صحبة ناظر الحرمين الأمير جان بلاط في التاريخ المتقدم ذكره قريبا.
стр. 797
وفيها استقر محمد بن إبراهيم الودياتي في أمرية جرم عوضا عن ثابت الرميني بمساعدة الأمير جان بلاط ومكاتبته مع السلطان وأركان الدولة وقدم إلى مدينة غزة فورد مرسوم شريف لنائب غزة الأمير قاني بك وقرينه مرسوم شريف لناظر الحرمين ونائب القدس الأمير جان بلاط يعلمها ان مكاتبة نائب غزة وردت للأبواب الشريفة تتضمن ان الأمير جرم محمد الودياتي لا يصلح للأمرية لعجزه عن القيام بالقوة وما هو مقرر عليه للخزائن الشريفة وان نائب القدس يتوجه وصحبته قضاة القدس الشريف وأركان الدولة بمدينة غزة ويجتمع نائب غزة وقضاتها وأركان الدولة بها وجميع أمراء جرم ومن كان يصلح للولاية ممن ترضى به الرعية ويقدر على ما هو مقرر ويكتب به محضر شرعي ويعرض على الأبواب الشريفة فتوجه ناظر الحرمين وقضاة القدس الشريف الأربعة من القدس الشريف في ليلة الأحد سابع عشري شعبان ووصلوا إلى غزة في بكرة يوم الاثنين.
وحصل الاجتماع بنائب غزة وقضاتها بدار النيابة بغزة بعد العصر من يوم الثلاثاء ودار الكلام بينهم فيمن يصلح فنائب غزة قصد ان يستقر في الأمرية أبو العويس أبين أبي بكر ونائب القدس قصد استمرار محمد الودياتي لكونه هو الذي سعى في توليته ثم التزم ناظر الحرمين ونائب القدس بما على محمدا الودياتي من القوة والعادة في مدة ولايته وبمبلغ خمسمائة دينار زيادة على ما هو مقرر عليه فلم يحصل اتفاق بين نائب غزة ونائب القدس وانفصل المجلس على غير تراض وكل من النائبين كتب للسلطان بما يختاره.
وتوجه نائب القدس وقضاته من غزة في بكرة يوم الأربعاء سلخ شعبان وبصحبتهم محمد الودياتي أمير جرم ومكنه نائب القدس من الأمرية والبس خلعة السلطان بقرية قرنيا في بكرة يوم الخميس مستهل رمضان وقام في نصرته لكل ممكن.
وفيها أفردت وظيفة قضاء الحنفية بمدينة سيدنا الخليل ﵇ عن قضاء بيت المقدس واستقر فيها القاضي شمس الدين محمد بن أبي الطيب التميمي عوضا
стр. 798
عن القاضي شهاب الدين بن المهندس وكتب توقيعه بذلك في ثامن عشري شعبان فكان استمرار القاضي شهاب الدين بن المهندس في قضاء بلد الخليل مدة أربعين يوما ولم تجر عادة قبل ذلك بأفراد قضاء الحنفية ببلد الخليل بل كانت تضاف لقضاء القدس - كما تقدم -.
فلما وقع ذلك شق على القاضي برهان الدين إبراهيم التميمي الشافعي قاضي بلد الخليل وسعى إلى أن كتب له توقيع شريف باستمراره في قضاء الشافعية بمدينة الخليل وابطال ما كتب للحنفي بالخليل وورد التوقيع بذلك في شهر ذي القعدة فكانت مدة ولاية الحنفي بالخليل دون ثلاثة اشهر.
وفيها ورد مرسوم شريف على الأمير قاني بك نائب غزة بالتوجه إلى القدس الشريف والصلح مع نائب القدس والسبب فيه حادثة وقعت قتل فيها جانم دوادار نائب القدس في قرية بيت لقيا في شهر شوال ونسب قلته لمن هو من جهة نائب غزة فحضر إلى القدس في ضحى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة وحصل الاجتماع بينه وبين الأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب القدس بحضور شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف بمنزله بالمدرسة التنكزية ووقع الصلح بينهما وحصلت الموافقة والمعاهدة بينهما على زوال ما حصل من التنافر وتوجه نائب غزة من القدس في ذلك اليوم.
ثم دخلت سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة وفيها في ثامن المحرم أعيد شمس الدين محمد بن أبي الطيب التميمي إلى قضاء الحنفية بمدينة الخليل وهي ولايته الثانية وكتب توقيعه بذلك وبابطال ما كتب للقاضي شهاب الدين الشافعي المنافي ذلك فكان استمرار منعه من قضاء الحنفية ببلد الخليل وإضافتها للشافعي دون شهرين.
وفيها في شهر الله المحرم أخذ العرب من بني لاد ركب الحج الشامي بالقرب من الكرك ونهبوا الحجاج عن آخرهم وكان عدة جمال الركب ثلاثة عشر الف جمل
стр. 799
لم يسلم من ذلك سوى ستة عشر جملا من غير أحمال وهلك من الرجال والنساء والأطفال خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى وأخذت الأموال وسبي الحريم وكانت حادثة فاحشة وقد اشتهر أمرها فاعتصب من أهل بلد الخليل ﵇ جماعة من الكرك وتوجهوا إلى جهة الأعوان وغيرها وأحضروا جماعة من الحجاج إلى بلد الخليل وإلى القدس الشريف وتسبب شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف وجماعة من أهل الخير في جمع مال من أهل القدس الشريف ودفع لكل واحد من الحجاج ما يكتري به وينفقه عليه إلى أن يصل إلى وطنه فالحكم لله العلي الكبير.
وفيها استقر القاضي عز الدين عبد العزيز الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف عوضا عن القاضي شهاب الدين بن المهندس وتقدم ان القاضي شهاب الدين استقر في قضاء القدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ والرملة وان توقيعه مؤرخ في ثامن عشر رجب سنة تسع وتسعين وتقدم أن قضاء بلد الخليل ﵇ أفرد عنه بعد استمراره بيده أربعين يوما ثم أفرد عنه قضاء الرملة باستقرار القاضي كمال الدين بن الأخرم في يوم الأربعاء مستهل المحرم سنة تسعمائة فكان استمراره في قضاء الرملة خمسة أشهر وأثنى عشر يوما ثم استقر القاضي عز الدين الديري في قضاء القدس الشريف وورد الخبر بولايته وجلس للحكم في يوم السبت ثامن عشري ربيع الأول فكان استمراره في قضاء القدس من حين تمكنه من الحكم في سابع شعبان سنة تسع وتسعين سبعة أشهر وعشرين يوما.
ثم في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الآخر دخل جان بلاط إلى القدس وهو لابس خلعة التشريف الواردة إليه من الأبواب الشريفة ودخل معه القاضي عز الدين الديري وهو لابس خلعة بطرحه.
وفيها كتب توقيع شريف باستمرار القاضي برهان الدين التميمي الشافعي في قضاء بلد سيدنا الخليل ﵇ وابطال ما كتب للقاضي الحنفي بها فكان
стр. 800
استمرار الحنفي في ولايته الثانية نحو ثلاثة أشهر.
وفيها برز الأمر الشريف بإضافة التكلم على كشف مدينة الرملة المحروسة للأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب القدس الشريف وأخرجت عن الأمير قاني بك نائب غزة وتسلمها الأمير جان بلاط في شهر جمادي الأولى وفرح أهل الرملة بزوال نائب غزة لكن حصل تخبيط في الطرق.
وفيها في سادس عشر رجب أعيد شمس الدين محمد بن أبي الطيب إلى قضاء الحنفية بمدينة سيدنا الخليل ﵇ وهي ولايته الثالثة وكتب توقيعه بذلك وابطال ما كتب للقاضي الشافعي المنافي لذلك فكان استمرار منعه من قضاء الحنفية واضافتها للشافعي دون ثلاثة أشهر واستمر إلى يومنا لم يعزل وقد تقدم تاريخ ابتداء ولايته في ثامن عشري شعبان سنة تسع وتسعين فعزل وولي ثلاث مرات في عشرة أشهر وثمانية أيام.
وفيها ورد السيفي علان من الأبواب الشريفة وعلى يده مرسوم شريف برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على أهل القدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ وغزة والرملة على ما جرت به العادة في سنة ست وسنة ثمان وتسعين وثمانمائة فرمي عليهم كل قنطار بالكيل الرملي بخمسة عشر دينارا ذهبا فالذي رمي على أهل القدس وأهل بلد الخليل تسعمائة قنطار وعلى أهل الرملة مائتا قنطار وحصل لأهل البلاد المذكورة الرفق من الأمير جان بلاط النائب فإنه تلطف بهم ولم يحصل منه ضرر ولا تشويش لأحد منهم بل استعطف خواطرهم وأخذهم بالتي هي أحسن ولكن تضرر الفقراء من ذلك لكثرة الخسارة في بيعه فإن كل قنطار بخمسة عشر دينارا وكلفته نحو دينار فبيع بتسعة دنانير فما دونها فكانت الخسارة نحو النصف وكان الرمي على أهل القدس والخليل في الجمادين وعلى أهل الرملة في رجب وشعبان.
ثم ورد مرسوم السلطان إلى الأمير جان بلاط في شهر شوال بأن يرمى على أهل القدس الشريف من الزيت ثلاثمائة قنطار بالسعر المتقدم ذكره فطلب التجار
стр. 801
والناس وألزمهم بأخذ الزيت وكتب إلى كاشفه بالرملة يطلب التجار بأن يرمي عليهم من الزيت جانبا فطلبوا والزموا بذلك وحصل لأهل القدس الشريف والرملة الضرر من ذلك لكونهم تقدم لهم أخذ الزيت ثم رمى عليهم مرة ثانية فانزعج الناس لذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير.
(ذكر الفتنة بين نائب القدس ونائب غزة)
وفيها وقعت فتنة بين الأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب القدس والرملة وبين الأمير قاني بك نائب غزة وهي ان الأمير جان بلاط قدم إلى الرملة بسبب الزيت - المتقدم ذكره - وكان وصوله إلى الرملة في يوم الأحد سادس عشر رجب فلما كان في صبيحة يوم الثلاثاء ثامن عشر رجب أمر كاشفه بالرملة وهو الجمالي يوسف بالركوب هو وجماعته والمشي في معاملة الرملة لحفظها من المناحيس والذب عن الرعية لأنه كان قبل ذلك حضر جماعة من العرب ونهبوا ابقارا لأهل الرملة.
فلما ركب الكاشف بجنده ركب ناظر الحرمين وصحبته دواداره برسباي ومعهما أربعة أنفس وخرجوا إلى ظاهر الرملة للمسايرة فخرج على الكاشف جماعة من العرب وطردوه وطردهم ثم قوى أمرهم عليه فطردوه إلى أن حصروه بالبرج الكائن بقرية خلدا من اعمال الرملة فتحصن به فأخذوا خيوله وقتلوا جماعة ممن معه وكان الأمير جان بلاط بالقرب من قرية تل الجزر فسمع الصوت فسار بمن معه من دواداره برسباي والأربعة أنفس الذين معهم نحو الصوت فخرج عليهم العرب وتواقعوا فقتل برسباي ومن معه حتى لم يبق سوى الأمير جان بلاط بمفرده فثبت لهم وقاتلهم أشد القتال بمفرده حتى تخلص منهم ونجا فكانت عدة القتلى في ذلك اليوم عشرة أنفس منهم رجل شريف وحملوا إلى الرملة ودفنوا بها وتوجه قضاة الرملة إلى تل الجزر وعاينوا بعض القتلى بأرضها وكنت إذ ذاك بالرملة وحضرت هذه الحادثة وكانت في غاية الشناعة.
стр. 802
وكتب محضر بذلك وجهز إلى الأبواب الشريفة مع مكاتبة الأمير جان بلاط المتضمنة ان هذا الفعل بإشارة نائب غزة وهو الواقع لأنه وجد في نفسه من نائب القدس بسبب ما تقدم من ولاية أمير جرم بإشارة نائب القدس دون رضا نائب غزة ثم وقع ان نائب القدس أخذ كشف الرملة وانتزعه من نائب غزة فتأكدت العداوة بينهما فكان نائب غزة يسلط العرب والمفسدين ويغريهم على نائب القدس ويحرضهم على الفساد في معاملته يقصد بذلك التشنيع عليه.
فلما وقع لما ذكر من هذه الفتنة القبيحة وسطرت المحاضر بشرح الحال وجهزت للسلطان كتب نائب غزة إلى السلطان يشتكي من الأمير جان بلاط بكلمات مهملة لا حقيقة لها.
فبرز أمر السلطان بتجهيز السيفي قانصوه الخاصكي وعلى يده مرسوم شريف لشيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف وقضاة غزة والقدس والرملة بالتوجه إلى المكان الذي وقعت فيه الفتنة وتحرير ذلك وإعادة الجواب على المسامع الشريفة فتوجه شيخ الاسلام - المشار إليه - وصحبته قضاة القدس الشريف إلى الرملة في يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان واجتمع به الخاصكي وقضاة الرملة وتوجهوا إلى قريتي تل الجزر وخلد وحرروا الأمر في ذلك فتبين لهم ان الحق بيد نائب القدس وان القتل والفتنة كانا في معامله بأرض الرملة.
وحضر قضاة غزة إلى تل الطافية بأطراف معاملة غزة وامتنعوا من الحضور إلى الرملة والاجتماع بشيخ الاسلام وقضاة القدس والرملة وأظهروا التعصب لنائب غزة فكتب شيخ الاسلام وقضاة القدس والرملة محضرا وكتبوا خطوطهم عليه بما يقتضي ان الحق بيد نائب القدس وناظر الحرمين ثم كتب قضاة غزة محضرا بما اختاروه ومخلصه أن نائب القدس هو المعتدي بدخوله معاملة غزة وجهز كل من المحضرين للسلطان وعاد شيخ الاسلام وقضاة القدس إلى أوطانهم في يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان.
стр. 803
ثم حضر الخاصكي إلى القدس الشريف للزيارة ودخل بخلعة السلطان في شهر رمضان وحضر عيد الفطر بالقدس وتوجه لزيارة سيدنا الخليل ﵊ ثم توجه إلى مدينة غزة ليقيم بها لانتظار الجواب الوارد عليه من المراسيم الشريفة فلما كان العشر الثالث من شهر شوال ورد مرسوم السلطان إلى شيخ الاسلام الكمالي بن أبي شريف الشافعي ومرسوم شريف مطلق لقضاة غزة والقدس الشريف يعلمهم انه لما جهز الأمير قانصوه باقر الخاصكي لكشف هذه الأجوبة وتحريرها وكتابة محضر بقضاة غزة والقدس بما يتضح به الحق وان كلا من النائبين كتب محضرا بما يختاره ولم يتضح للمسامع الشريفة الحق في ذلك وان المرسوم الشريف الوارد على يد الخاصكي أنما برز بكتابة محضر واحد لا محضرين وبرز أمر السلطان ان شيخ الاسلام الكمالي ابن أبي شريف يتوجه بنفسه وصحبته قضاة القدس الشريف والرملة إلى مدينة غزة المحروسة ويجتمعون مع قضاة غزة وتحرر هذه الواقعة من أولها إلى آخرها ويكتب محضر شرعي بما يتضح به الحق وإن لم يحرر ذلك تبرز المراسيم الشريفة لقضاة غزة والقدس بالزامهم بالقيام للخزائن الشريفة بعشرة آلاف دينار مؤرخ المرسوم الشريف في ثالث عشر شوال.
فعند ذلك قابل شيخ الاسلام الكمالي وقضاة القدس الشريف أمر السلطان بالسمع والطاعة وتوجهوا إلى الرملة وسار منها مع من تيسر من قضاتها إلى مدينة غزة وهذه الواقعة من العجائب لأن شيخ الاسلام رجل عظيم الشأن وهو بركة الوجود وعالم المملكة وهو شيخ كبير سنة نحو الثمانين وبنيته ضعيفة والسفر يشق عليه فكلف إلى مالا طاقة لديه في زمن الحر الشديد بسبب واقعة حدثت من العرب المفسدين المحاربين للدين لا إسلام لهم ولا إيمان.
ولما توجه من القدس الشريف حمل في محارة على جمل وكان لا يركب الفرس إلا قليلا لضعف بدنه فقدم إلى مدينة غزة في عشية يوم الخميس مستهل ذي القعدة ونزل بالجامع المنسوب لمولانا السلطان الملك الأشرف وأصبح يوم الجمعة فحضر
стр. 804
بين يديه قضاة غزة وأكابرها للسلام عليه ثم عقب صلاة الجمعة جلس بالجامع - المشار إليه - وجلس معه قانصوه الخاصكي وقضاة غزة والقدس الشريف ومن تيسر من قضاة الرملة ودار الكلام بينهم في تحرير هذه الحادثة وكتبوا محضرا واحدا ملخصه ما كتب في المحضر الأول من قتل جماعة نائب القدس الشريف ونهب خيولهم يزيد فيه ان الجمالي يوسف كاشف الرملة لما خرج من الرملة ووصل إلى آخر معاملتها وجد ثلاثة أنفار من العشير والعوام فطردهم إلى أرض عمورية من عمل غزة المحروسة وقتل منهم فرسين ثم طردوه إلى أن وصل إلى معاملة الرملة عند قرية خلدا وقرية تل الجزر وحصل ما حصل من القتل والنهب - كما تقدم شرحه - وكتب شيخ الاسلام وقضاة غزة والقدس والرملة خطوطهم بالمحضر المذكور وجهز للأبواب الشريفة مكاتبة شيخ الاسلام.
واستمر الخاصكي بغزة لانتظار الجواب وعاد شيخ الاسلام وقضاة القدس إلى أوطانهم وكان سفرهم من غزة في ليلة الاثنين خامس ذي القعدة.
وانتهى الحال إلى أن السلطان عزل نائب غزة ونائب القدس معا.
ومضت سنة تسعمائة وكانت سنة شديدة كثيرة الفتن والحروب والخلف بين الحكام والعسكر في جميع مملكة الاسلام بالديار المصرية والمملكة الشامية والأرض المقدسة والله لطيف بعباده.
وقد انتهى ذكر الحوادث الواقعة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵊ إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فلنذكر ترجمة شيخنا الكمالي ابن أبي شريف كما تقدم الوعد به.
فأقول - وبالله استعين - هو شيخ الاسلام ملك العلماء الأعلام حافظ العصر والزمان بركة الأمة علامة الأئمة كمال الدين أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافعي شيخنا الإمام
стр. 805
الحبر الهمام العالم العلامة الرحلة القدوة المجتهد العمدة سبط قاضي القضاة شهاب الدين أبي العباس أحمد العمري المالكي المشهور بابن عوجان.
مولده في ليلة يسفر صباحها عن يوم السبت خامس شهر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة بمدينة القدس ونشأ بها في عفة وصيانة وتقوى وديانة لم يعلم له صبوة ولا ارتكاب محظور وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والمنهاج للنووي وعرضهما على قاضي القضاة شيخ الاسلام شهاب الدين بن حجر وقاضي القضاة شيخ الاسلام محب الدين بن نصر الله الجبيلي وقاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي وشيخ الاسلام عز الدين المقدسي في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة ثم حفظ ألفية بن مالك وألفية الحديث وقرأ القرآن بالروايات على الشيخ أبي القاسم النويري وسمع عليه وقرأ في العربية وأصول الفقه والمنطق واصطلاح الحديث والتصريف والعروض والقافية وأذن له في التدريس فيها سنة أربع وأربعين وثمانمائة وتفقه بالشيخ زين الدين ماهر والشيخ عماد الدين بن شرف وحضر عند الشيخ شهاب الدين ابن أرسلان والشيخ عز الدين المقدسي واشتغل في العلوم.
ورحل إلى القاهرة في سنة أربع وأربعين وأخذ عن علماء الاسلام منهم شيخ الاسلام ابن حجر وكتب له إجازة ووصفه بالفاضل البارع الأوحد وقال شارك في المباحث الدالة على الاستعداد وتأهل لان يفتي بما يعلمه ويتحققه من مذهب الإمام الشافعي من أراد ويفيد العلوم الحديثية من المتن والاسناد علما بأهليته لذلك وتلوحه في مضائق تلك المسالك انتهى.
وأخذ عن غير واحد من العلماء كالشيخ كمال الدين بن الهمام وقاضي القضاة شمس الدين القاياتي والمقر البغدادي وغيرهم وجد ودأب ولازم الاشتغال والأشغال إلى أن برع وتميز وأشير إليه في حياة شيخه الزيني ماهر وكان يرشد الطلبة للقراءة عليه حين ترك هو الإقراء وكذلك المستفتين ودرس وأفتى من سنة ست وأربعين وثمانمائة ونظم وأنشأ وسمع الحديث على شيخ الاسلام ابن حجر والشيخ
стр. 806
زين الدين الزركشي الحنبلي والشيخ عز الدين بن الفرات وغيرهم من المشايخ الأعيان وتردد إلى القاهرة مرات وحج منها في وسط السنة صحبة القاضي عبد الباسط رئيس المملكة في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة فسمع الحديث بالمدينة الشريفة على المحب الطبري وغيره وبمكة المشرفة على أبي الفتح المراغي وغيره ولم يزل حاله في ازدياد وعلمه في اجتهاد فصار نادرة وقته وأعجوبة زمانه إماما في العلوم محققا لما ينقله وصار قدوة بيت المقدس ومفتيه وعين أعيان المعيدين بالمدرسة الصلاحية.
ثم لما وقعت حادثة أخي أبي العباس - المتقدم شرحها في حوادث سنة خمس وسبعين وثمانمائة - سافر إلى القاهرة المحروسة واجتمع بالسلطان وحوسب فعرف مقامه وأنعم عليه باستقراره في مشيخة المدرسة الصلاحية فتوقف في القبول فألزم به وتمثل بالحضرة الشريفة في شهر صفر سنة ست وسبعين فلما قدم على السلطان نزل عن سرير الملك وتلقاه وأكرمه وفوض إليه الوظيفة المشار إليها وألبسه التشريف وولي معه في ذلك اليوم القاضي شهاب الدين بن عبية قضاء الشافعية والقاضي خير الدين بن عران قضاء الحنفية والشيخ شهاب الدين العميري مشيخة المدرسة الأشرفية التي هدمت وكنت حاضرا ذلك المجلس.
وسافر شيخ الاسلام وصحبته القاضيان - المشار إليهما - من القاهرة المحروسة في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول ودخلوا القدس الشريف في يوم الاثنين ثاني عشري ربيع الأول سنة ست وسبعين وثمانمائة وكان يوما مشهودا وباشر تدريس الصلاحية والنظر عليها مباشرة حسنة عمرها وأوقافها وشدد على الفقهاء وحثهم على الاشتغال وعمل بها الدروس العظيمة فكان يدرس فيها أربعة أيام في الأسبوع فقها وتفسيرا وأصولا وخلافا وأملى فيها مجالس من الأحاديث الواقعة في مختصر المزني واستمر بها أكثر من سنتين ثم استقر فيها شيخ الاسلام النجمي ابن جماعة في شهور سنة ثمان وسبعين - كما تقدم ذكره - فلم يهتم بها بعد ذلك وأسمر بمنزله على ما كان عليه من الاشتغال بالعلم والافتاء.
стр. 807
وتوفي والده الأمير ناصر الدين محمد في جمادي الأولى سنة تسع وسبعين وثمانمائة عن ست وثمانين سنة ودفن بجوار منزله بباب السلسلة.
ثم في سنة إحدى وثمانين توجه شيخ الاسلام إلى القاهرة المحروسة واستوطنها وتردد إليه الطلبة والفضلاء واشتغلوا عليه في العلوم وانتفعوا به وعظمت هيبته وارتفعت كلمته عند السلطان وأركان الدولة وفي شوال سنة ثمان وثمانين حضر إلى القدس الشريف زائرا ثم توجه إلى القاهرة في جمادي الآخرة سنة تسع وثمانين - كما تقدم ذكر ذلك -.
ولما وقع ما تقدم ذكره من هدم المدرسة الأشرفية القديمة وبناء المدرسة المستجدة المنسوبة لملك العصر مولانا السلطان الملك الأشرف وانتهت عمارتها وقدر الله تعالى وفاة الشيخ شهاب الدين العميري قبل تقرير أمرها وترتيب وظائفها - كما تقدم ذكره - برز أمر السلطان باستقرار شيخ الاسلام الكمالي فيها وطلبه إلى حضرته وشافهه بالولاية وسأله في القبول فأجاب لذلك وألبسه كاملية بسمور وحضر إلى القدس الشريف هو ومن معه من أركان الدولة الشريفة وباشرها - كما تقدم ذكره في حوادث سنة تسعين وثمانمائة -.
وحصل للمدرسة المشار إليها وللأرض المقدسة بل ولسائر مملكة الاسلام الجمال والهيبة والوقار بقدومه وانتضم أمر الفقهاء وحكام الشريعة المطهرة بوجوده وبركة علومه ونشر العلم وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وازداد شأنه عظما وعلت كلمته ونفذت أوامره عند السلطان فمن دونه وبرزت إليه المراسيم الشريفة في كل وقت بما يحدث من الوقائع والنظر في أحوال الرعية وترجم فيها بالجناب العالي شيخ الاسلام ووقع له ما لم يقع لغيره ممن تقدمه من العلماء والأكابر وبقي صدر المجالس وطراز المحافل المرجع في القول إليه والتعويل في الأمور كلها عليه وقلده أهل المذاهب كلها وقبلت فتواه على مذهبه ومذهب غيره ووردت الفتاى إليه من مصر والشام وحلب وغيرها وبعد صيته وانتشرت مصنفاته في سائر الأقطار
стр. 808
وصار حجة بين الأنام في سائر ممالك الاسلام.
ومن أعظم محاسنه التي شكرت له في الدنيا ويرفع الله بها درجاته في الآخرة ما فعله في القبة المستجدة عند دير صهيون وقيامه في هدمها بعد أن صارت كنيسة محدثة في دار الاسلام في بيت الله المقدس وقيامه في منع النصارى من انتزاع القبو المجاور لدير صهيون المشهور أن به قبر سيدنا داود ﵇ بعد بقائه في أيدي المسلمين مدة طويلة وبنى قبلة فيه لجهة الكعبة المشرفة - كما تقدم ذكر ذلك مفصلا في حوادث سنة خمس وسنة ست وتسعين وثمانمائة وغير ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيامه على حكام الشرطة ومنعهم من الظلم ومواجهتهم بالكلام الزاجر لهم.
وفي شهر شوال سنة تسعمائة ورد عليه مرسوم شريف بأن يكون متكلما على الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف ينظر في أمرها وعمل مصالحها فحضرها في عشية يوم الاثنين سادس شوال وجلس بالمجمع مع الصوفية في مجلس الشيخ وحصل للخانقاه وأهلها الجمال بحضوره ثم بعد فراغ الحضور جلس على تفرقة الخبز على مشايخها وتصرف فيها بإجازة الوقف والنظر في أمره وشرع في عمارة الخانقاه واصلاح ما اختل من نظامها وأضيف إليه التكلم على المدرسة الجوهرية وغيرها لما هو معلوم من ديانته وورعه واجتهاده في لعل الخيرات وإزالة المنكرات وأما سمته وهيبته فمن العجائب في الأبهة والنورانية رؤيته تذكر السلف الصالح ومن رآه علم أنه من العلماء العاملين برؤية شكله وإن لم يكن يعرفه وأما خطه وعبارته في الفتوى فنهاية في الحسن وبالجملة فمحاسنه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وهو أعظم من أن ينبه مثلي على فضله ولو ذكرت حقه في الترجمة لطال الفصل فإن مناقبه وذكر مشايخه يحتمل الأفراد بالتأليف والمراد هنا الاختصار.
ومن تصانيفه الاسعاد شرح الارشاد في الفقه والدرر اللوامع بتحرير
стр. 809
جمع الجوامع في الأصول والفرائد في حل شرح العقائد والمسامرة بشرح المسايرة وكتب قطعة على تفسير البيضاوي وقطعة على صحيح البخاري وقطعة على شرح المنهاج وقطعة على صفوة الزبد للشيخ شهاب الدين بن أرسلان وغير ذلك.
وقد عرضت عليه في حياة الوالد ﵀ قطعة من كتاب المقنع في الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵁ ثم عرضت عليه مرة ثانية ما حفظت بعد العرض الأول وأجازني في شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وحضرت بعض مجالسه من الدروس والاملاء بالمدرسة الصلاحية وحضرت كثيرا من مجالسه بالمسجد الأقصى الشريف قبل رحلته إلى القاهرة المحروسة وبعد قدومه إلى بيت المقدس وحصلت الإجازة منه غير مرة خاصة وعامة.
ومن إنشاده في بيت المقدس - بعد غيبته عنه مدة طويلة -:
أحيي بقاع القدس ما هبت الصبا … فتلك رباع الأنس في زمن الصبا
وما زلت من شوق إليها مواصلا … سلامي على تلك المعاهد والربا
وقد سمعتهما من لفظه بدرس القدس حين عوده من غزة المحروسة في شهر ذي القعدة الحرام سنة تسعمائة وأجازني بروايتهما عنه أعز الله به الدين وأدام بقاءه للمسلمين.
قال المؤلف:
وهذا آخر ما تيسر ذكره من أخبار بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل ﵇ وغيرهما مما تقدم الوعد بذكره فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فهو من شأن الانسان والمسؤول من كل واقف عليه من الاخوان في الله تعالى ستر ما فيه من الخطأ وإصلاح ما يمكن إصلاحه وعدم المؤاخذة بما فيه من نقص أو خلل فإني اجتهدت في تحرير ما نقلته وتتبعت التراجم والحوادث ما استطعت وجمعتها من كتب وأوراق متفرقة وكثير منها من حفظي للوقائع والاطلاع عليها
стр. 810
ومع ذلك لم أستوعب ما هو المقصود من التاريخ لعدم الاطلاع على شيء استمد منه في هذا المختصر ما لم يوجد في غيره مما يتعلق بالقدس الشريف وبلد سيدنا
الخليل ﵇ وقد تفحصت فلم أظفر بغير ما نقلت والله الموفق.
وكان ابتدائي في جمعه في خامس عشري ذي الحجة سنة تسعمائة من جمعه وترتيبه في دون أربعة أشهر مع ما تخلل في ذلك من عوارض الدهر نحو شهر لم أكتب فيه شيئا ومع اشتغال الفكرة بأمور الدنيا والله لطيف بعباده.
وإن فسح الله في الأجل جعلت له ذيلا أذكر فيه ما يقع من الحوادث بالقدس الشريف وبلاد سيدنا الخليل ﵇ وغيرهما من أولى سنة إحدى وتسعمائة إلى آخر وقت يريده الله تعالى فيما بقي من العمر.
حمدا لمن يسر لنا إتمام هذا التاريخ الجميل المسمى ب (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل) وهو مشتمل على جل ما احتوى عليه تواريخ القدس مع زيادات نافعة مثل ذكر وفيات العلماء الأعلام ومن تولى القضاء منهم في المذاهب الأربعة بين الأنام وذكر الوقائع الحاصلة بالشام في مدة السلطان قايتباي من ابتداء سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة إلى التسعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وبالجملة فهو كتاب عظيم الفوائد وافر الموائد يبتهج المطالعون بدراري أخباره ويتشف السامعون بدرر آثاره.
وقد تم طبعه وأينع طلعه بالمطبعة الوهبية الكائنة بمصر المحمية في أوائل جمادى الأولى من سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين من هجرة سيد الأولين والآخرين ﷺ وشرف وكرم وعظم آمين.