← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فَقدم عَلَيْهِ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الكنتافي صَاحب الْجَبَل مستأمنا بالمرابط أبي عَليّ الْحسن بن تيمكيلشت فقابله السُّلْطَان بِالْعَفو والصفح وَأكْرم وفادته وولاه على إخوانه وانقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا وَلما حضر عيد المولد الْكَرِيم احتفل السُّلْطَان أيده الله غَايَة الاحتفال على عَادَة أسلافه الْكِرَام قدس الله أَرْوَاحهم وَجعل فِي عليين عدوهم ورواحهم وتشنفت الأسماع بالأمداح النَّبَوِيَّة فِي اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة بِالْمَسْجِدِ الْمعد لذَلِك وأنشدت قصائد لأدباء الْعَصْر وَبعد الْعِيد كسا السُّلْطَان نَصره الله جَمِيع الْجَيْش والعسكر وَالْكتاب حَتَّى الْأُمَنَاء والطلبة وَفِي مهل ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة خرج من مراكش يؤم بِلَاد الغرب فَجعل طَرِيقه على ثغر الجديدة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا بعد أَن زار تربة بني آمغار برباط تيط وتفقد أَحْوَال ثغر الجديدة ووقف على أبراجها وأسوارها وباشر فِي الرماية بالمدفع وَكَانَ رميه صَوَابا بِحَيْثُ أصَاب الْغَرَض أعزه الله وَأهْدى لَهُ جَمِيع تجارها من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود فَقبل ذَلِك وكافأ عَلَيْهِ وَكَانَ أعزه الله حِين عزم على النهوض من مراكش قد كتب إِلَى عَامله على مَدِينَة آنفى وَهُوَ الْقَائِد الْأَجَل الأنصح أَبُو عبد الله الْحَاج مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن حمان الجراري أَن يتَقَدَّم إِلَى ثغر الجديدة وَيُقِيم هُنَالك حَتَّى يَأْمُرهُ بِمَا يكون عَلَيْهِ عمله فامتثل الْقَائِد الْمَذْكُور وَلما قدم السُّلْطَان أعزه الله إِلَى الثغر الْمَذْكُور اجْتمع بِهِ الْقَائِد الْمَذْكُور وَطلب مِنْهُ أَن يجدد لَهُ ظهيرا بالتوقير والاحترام حَسْبَمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ ووالده من قبله مَعَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى عبد الرَّحْمَن وَابْنه السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد رحمهمَا الله فَأَجَابَهُ أعزه الله إِلَى ذَلِك وَكتب لَهُ ظهيرا يَقُول فِيهِ مَا نَصه الْحَمد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله كتَابنَا هَذَا أسماه الله وأعز أمره وَجعل فِي الصَّالِحَات طيه ونشره يسْتَقرّ بيد ماسكه خديمنا الأرضى الطَّالِب مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري ويتعرف مِنْهُ أننا بحول الله وقوته أَنزَلْنَاهُ الْمنزلَة الَّتِي كَانَ بهَا هُوَ ووالده عِنْد أسلافنا الْكِرَام ولحظناه بِعَين الرِّعَايَة والبرور والاحترام هُوَ وَأَوْلَاده وَإِخْوَته فَلَا يرَوا من جانبنا العالي بِاللَّه إِلَّا الْخَيْر لأَنهم خدام أَبنَاء خدام ودارهم دَار الْمحبَّة والنصيحة فَلَا نسلمهم وَلَا نفوتهم وَلَا نضيع لَهُم

стр. 1682

سالف خدمتهم وَلَا نكشف عَنْهُم جِلْبَاب حرمتهم بحول الله وقوته وَالسَّلَام صدر بِهِ أمرنَا المعتز بِاللَّه فِي تَاسِع ربيع الثَّانِي عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلما قضى السُّلْطَان أعزه الله أربه من ثغر الجديدة نَهَضَ إِلَى آزمور فَتَلقاهُ أَهلهَا بالفرح وَالسُّرُور والبهجة والحبور فهش لَهُم وقابلهم بِمَا يُنَاسب ودعا لَهُم بِخَير وزار ضريح الشَّيْخ أبي شُعَيْب وَأبي عبد الله مُحَمَّد واعدود ﵄ وَقدم لضريحهما ذَبَائِح وَطَاف بأسوار الْبَلَد وأبراجه وَأمر بتحصين برج هُنَالك كَانَ مُقَابلا للمرسى ثمَّ خرج من آزمور بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَانْتهى إِلَى مَدِينَة آنفى فَدَخلَهَا فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي الْمَذْكُور وعزل عَنْهَا الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري وَولى مَكَانَهُ الْحَاج عبد الله بن قَاسم حِصَار السلاوي ثمَّ كتب إِلَى أبي عبد الله الجراري الْمَذْكُور بولايته على الجديدة وأعمالها وَنَصّ كِتَابه إِلَيْهِ خديمنا الأرضى الطَّالِب مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإنَّا أعفيناك من ولَايَة الدَّار الْبَيْضَاء ووليناك على الجديدة وَلم نعزلك عَنْهَا سخطا لسيرتك وَلَا هضما لجَانب خدمتك وَإِنَّمَا اقْتَضَت الْمصلحَة ذَلِك تَقْدِيمًا للأهم فالأهم وَأَنت منا وإلينا ودارك دَار الْخدمَة وَالصَّلَاح فَلَا نسلمكم وَلَا نفوتكم وَلَا نهضم لكم جانبا وَالسَّلَام فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اهـ وَاعْلَم أَن هَذَا الْعَامِل من أمثل عُمَّال السُّلْطَان نَصره الله وأعقلهم وأرجحهم وأنصحهم قد اسْتَعْملهُ الْمُلُوك الثَّلَاثَة الْمولى عبد الرَّحْمَن وَابْنه سَيِّدي مُحَمَّد وَابْنه الْمولى الْحسن ﵃ فظهرت كِفَايَته ونصيحته وحمدت ولَايَته وَسيرَته وَهُوَ الْآن بِهَذَا الْحَال حفظنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين آمين وَلما احتل السُّلْطَان أعزه الله بِالدَّار الْبَيْضَاء طَاف فِي أبراجها وَأمر الطبجية بِنصب الْأَغْرَاض الْمُسَمَّاة بالقريبيات فِي الْبَحْر ثمَّ أَمر برميها وَهُوَ حَاضر وَرُبمَا بَاشر مَعَهم ثمَّ اجتاز بعد الْفَرَاغ على بَاب المرسى وَمحل وضع السّلْعَة للتجار بهَا فَوقف عَلَيْهِ وتأمله كَمَا فعل بثغر الجديدة ووعد

стр. 1683

بإصلاح المون على شاطىء الْبَحْر لِأَن البحرية يتعبون فِيهِ وَقت إِنْزَال السّلع ووسقها وَأقَام بِالدَّار الْبَيْضَاء بالمحلة خَارج الْبَلَد يَوْمَيْنِ وَأهْدى إِلَيْهِ تجارها من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَالْمُسْلِمين وَأظْهر النَّصَارَى الْفَرح وَأَكْثرُوا من تَعْلِيق الصناجق وَإِيقَاد الحراقيات بِاللَّيْلِ وإرسالها فِي الجو فقابلهم السُّلْطَان أعزه الله بالجميل وَحمل النَّصَارَى مِنْهُم على خيل مُكَافَأَة لَهُم على هديتهم فطاروا بذلك فَرحا حَتَّى أَنهم كتبُوا بذلك لأهل دولتهم ونشروه فِي كوازيطهم وأجوبتهم وَفِي هَذِه الْمدَّة وَجه السُّلْطَان أعزه الله خديمه الأنجد الْفَاضِل أَبَا عبد الله الْحَاج مُحَمَّد بن الْحَاج الطَّاهِر الزُّبْدِيُّ الرباطي باشدورا وسفيرا عَنهُ إِلَى دوَل الإفرنج مثل دولة افرانسا ودولة النجليز ودولة الطاليان ودولة البلجيك واستصحب مَعَه هَدَايَا نفيسة وأموالا طائلة صيرها فِي وجهته تِلْكَ ورافقه فِي سفارته هَذِه الْأمين الأرضى السَّيِّد بناصر ابْن السَّيِّد الْحَاج أَحْمد غَنَّام الرباطي برسم الْقيام بخطة الْأَمَانَة والقهرمانية وصاحبنا الْفَقِيه الأديب فلكي الْعَصْر وحاسبه الشريف أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس بن مُحَمَّد الجعيدي السلاوي برسم الْقيام بخطة الْكِتَابَة فوصلوا إِلَى أهل هَذِه الدول وقضوا الْغَرَض على أكمل الْوُجُوه وأحسنها وعادوا مسرورين فِي أَوَاخِر شعْبَان من السّنة وَفِي هَذِه الوجهة قيد صاحبنا أَبُو الْعَلَاء الْمَذْكُور رحلته البديعة الْمُسَمَّاة بتحفة الْأَحْبَار بِغَرَائِب الْأَخْبَار قد اشْتَمَلت على كل نادرة وغريبة وأفصحت عَن صنائع الفرنج وحيلها العجيبة وَعند قفوله وقدومه على حَضْرَة السُّلْطَان أيده الله مدحه بقصيدة جَيِّدَة مطْلعهَا (أسالم دهري فِي المرام وَفِي الْقَصْد ... فينقض مَا أبرمت للصلح من عقد) (وأسأله الرحمى فيبدي ازوراره ... ونفرته عني فيا عظم مَا يُبْدِي) (وَكم لي استرضيه وَهُوَ مغاضب ... وَلَا يرعوي عَمَّا جناه على عمد) وَمِنْهَا فِي آخرهَا (وهذي بَنَات الْفِكر مني هَدِيَّة ... إِلَى الْملك الْمَنْصُور ذِي الْجُود والرفد)

стр. 1684

(فَإِن أهملت عدلا فَإِنِّي مهمل ... وإ، صادفت وَقت الْقبُول فيا سعدي) (وَمَا كنت فِي بَاب القريض مبرزا ... شهيرا وَلَكِنِّي تعاطيته جهدي) (لأجل امتحاني لذت فِيهِ بربنا ... فَأَصْبَحت ذَا وجد وَقد كنت ذَا فقد) (فها أَنا ضيف زائر لحماكم ... وحسبي رضاكم فَهُوَ نفس المنى عِنْدِي) (وَيَا رَبنَا أعْط الْأَمِير مرامه ... وظفره بالمطلوب مِنْك وبالقصد) ثمَّ إِن السُّلْطَان أعزه الله نَهَضَ من الدَّار الْبَيْضَاء وَمَعَهُ الْجند الوافر والعسكر المجر والجم الْغَفِير من قبائل الْحَوْز وَأهل دكالة وتامسنا فأوقع بعرب الزيايدة أهل تامسنا وَتقدم إِلَى رِبَاط الْفَتْح فدخله غرَّة جُمَادَى الأولى من السّنة فَمَكثَ بِهِ نَحْو سَبْعَة أَيَّام وَعبر إِلَى سلا فزار أولياءها وَدخل مَسْجِدهَا الْأَعْظَم وَصلى الظّهْر بِهِ وَأمه فِي صلَاته يَوْمئِذٍ صاحبنا الْفَقِيه الْعَلامَة البارع أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي بن خضراء وَدخل السُّلْطَان أعزه الله خزانَة الْكتب العلمية بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور وتأملها وَمَعَهُ يَوْمئِذٍ شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي أَبُو بكر بن مُحَمَّد عواد فَطلب من السُّلْطَان أيده الله أَن يزِيد فِي شِرَاء الْكتب للخزانة الْمَذْكُورَة فَأذن لَهُ بِأَن يَشْتَرِي من ذَلِك مَا ثمنه نَحْو مائَة ريال فَفعل وَهِي يَوْمئِذٍ بالخزانة الْمَذْكُورَة وَوصل أيده الله عُلَمَاء العدوتين ومجاهديها على الْعَادة وَقد كنت أنشأت قصيدة فِي غَرَض من الْأَغْرَاض فَلَمَّا اتّفق قدوم السُّلْطَان أيده الله هَذِه الْمرة حولتها إِلَى مدحه وَنَصهَا (قلب كواه من النَّوَى مقباس ... فغدا بِهِ الوسواس والخناس) (ونحول جسم يشتكي ألم الضنى ... وجوى بِهِ تتصاعد الأنفاس) (والدمع فِي الوجنات محمرا غَدا ... ولدى الوشاة بِهِ انْتَفَى الإلباس) (إِن الألى يستعذبون ملامه ... مَا أَن لَهُم بعذابه إحساس) (قدما عذلت ذَوي الغرام سفاهة ... حَتَّى غَدَوْت بمنسميه أداس) (وحسبته حُلْو الجنى فأساغني ... من بأسه مَا لَا يسيغ الباس) (إِن الَّذين علقتهم قد انجدوا ... بمها الْخُدُور ودونها الحراس) (أبدا أُؤَمِّل فِي حَياتِي وصلهم ... وَالْيَوْم قد غلب الرَّجَاء الياس)

стр. 1685

(مَا كنت أَحسب قبل إلمامي بهم ... إِن الظباء لَهَا الْبيُوت كناس) (تحكى بدور التم يخفي ضوءها ... ضوء الشموس إِذا بِهن تقاس) (من كل خود كاعب يهدي لنا ... نشر الخزامي عطفها المياس) (تسبي بقد السمهري وباسم ... يَرْمِي الشعاع كَأَنَّهَا النبراس) (وَكَأن هاتيك الخدود وفاحما ... فِي ظلها ورد حواه الآس) (لله مَا عَيْش تقضي بَيْننَا ... فَكَأَنَّمَا أَيَّامه الأعراس) (طَابَ السرُور لنا بِهِ وتأرجت ... آصاله وافترت الأغراس) (أَيَّام روض اللَّهْو غض نوره ... ومنادمي فِيهِ المنى والكاس) (بِاللَّه يَا قلب استفق ودع الْهوى ... إِن الْهوى غول النهى الفراس) (أَو مَا رَأَيْت المخلدين إِلَى المنا ... سكنوا الثرى وعراهم الإفلاس) (واعمل ليَوْم لَا تخس شعيرَة ... فِيهِ إِذا مَا ينصب القسطاس) (وابك الذُّنُوب بكاء خندف بَعْلهَا ... لما جلا عَن ربعهَا الياس) (وَإِذا حوت كَفاك فَابْن مبادرا ... مجدا تخلده لَك الأنقاس) (من غير تبذير لمَالِك لَا تكن ... حُلْو الجنا فتلوكك الأضراس) (كم من فَتى جَازَ الحضيض إِلَى الذرى ... وَبنى على لم تبله الأرماس) (وَإِذا وعدت فَكُن لوعدك مُنجزا ... كَيْمَا ترى لَك فِي الفخار غراس) (فالمنع فِي جنب الْوَفَاء صَنِيعَة ... والتبر فِي جنب المطال نُحَاس) (وَإِذا حصلت على الرياسة فاذكرن ... من كَانَ يجمعه بك الإيناس) (وَاحْذَرْ مناصبة الدنى فَرُبمَا ... خَان الحسام وطاشت الأقواس) (كم يغن يَوْمًا عَن كُلَيْب مجده ... لما حشاه بالقنا جساس) (وَإِذا تصاحب فاصحبن مهذب ... راز النهى وَله بِهن مراس) (فالمرء وَيحك إِنَّمَا يذري بِهِ ... ويزينه الْأَصْحَاب والجلاس) (وَإِذا البذي جفاك يَوْمًا فاحتسب ... فالجهل بالطبع الْكَرِيم يساس) (وَإِذا عرتك ملمة فاصبر وَلَا ... تكن الجزوع وهمك الإيجاس) (واحفظ لسَانك واله من عيب الورى ... كل امرىء بفعاله منقاس) (وادأب على حفظ الْعُلُوم وَكن بهَا ... ذَا خبْرَة وملاذك الأطراس)

стр. 1686

(فالعلم أَنْفَع للفتى وأجله ... مَا قد وعاه الْقلب لَا القرطاس) (وارو الحَدِيث وَكن بِهِ متأدبا ... وَالْفِقْه حَقَّقَهُ يطعك قِيَاس) (وأقم بِعلم النَّحْو لفظك ولتكن ... فِيهِ الْمُقدم إِذْ بِهِ الإيناس) (كل الْعُلُوم إِذا نظرت رَأَيْتهَا ... والنحو مِصْبَاح لَهَا وأساس) (واكتب من الشّعْر الْمُهَذّب نبذة ... فالشعر أفضل مَا وعاه الراس) (إِن لم تقله فَكُن لَهُ مستحضرا ... إِن رمت نطقا يرتضيه النَّاس) (كم من وضيع قد علا بقريضه ... رتبا تشرفه وحسبك شَاس) (إِذْ خلصته من الأسار وقده ... أَبْيَات عَلْقَمَة الْفَتى القنعاس) (وَإِذا قصدت أَخا النوال بمدحة ... فاقصد فَتى لَهُ فِي الندى آراس) (مثل الإِمَام أبي عَليّ الرضي ... حسن الَّذِي هُوَ فِي العلى نبراس) (الْمَاجِد الْملك الْهمام المرتضى ... فَخر الْمُلُوك سنامها والراس) (شملت بِلَاد الغرب رأفته وَقد ... بهج الزَّمَان وعمت الأرغاس) (وحبا الورى من نيله حَتَّى لقد ... طَابَ السرُور وَطَابَتْ الأنفاس) (سعدت بمقدمه سلا وتقدست ... مراكش الْحَمْرَاء مِنْهُ وفاس) (أبدا سيوف الْعَزْم مِنْهُ على العدا ... برق وغيث نواله بجاس) (شهم بَصِير بالأمور مجرب ... يقظان من دَاء الضَّلَالَة ياس) (حلب الزَّمَان شطوره فَمَتَى اعتصى ... دَاء الخطوب فرأيه النسطاس) (يلقى الْوُفُود بحشمة وطلاقة ... لَا يختشى مِنْهُ أَذَى وشماس) (فِي الْجُود كَعْب والبسالة عَامر ... والحلم قيس والذكاء إِيَاس) (فَالله يحفظه ويحفظ ملكه ... حَتَّى يُصِيب عداهُ مِنْهُ عماس) (ويشيد لِلْإِسْلَامِ من عزماته ... عزا تطأطىء دونه الْأَجْنَاس) (وينيله مجدا ينسى ذكره ... فِي عزة قعساء لَيْسَ نقاس) (فليعل ملك بني على وليدم ... مَا خلدت مَرْوَان وَالْعَبَّاس) وَقد تَبِعنِي صاحبنا شَاعِر الْعَصْر الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر حركات فِي رُوِيَ هَذِه القصيدة دون بحرها وَهِي من ميلادياته قَالَ

стр. 1687

(أدر كؤوسك فالسراء فِي الكأس ... واشرب على طرب بروضك الكاسي) (وقم لتنظر وَجه الدَّهْر مبتهجا ... مُسْتَبْشِرًا بعد تقطيب وتعباس) (والأفق طلق وَذَا النسيم منطلق ... مسكي نشر خلال الجو جواس) (وَالْأَرْض تضحك من بكا الْغَمَام كَمَا ... يشكو الكئيب على مستهزىء قاسي) (كَأَنَّهَا وَهِي بِالربيعِ حَالية ... عواطل قد تحلت يَوْم أعراس) (وَالْوَرق من ضحك الأزهار نائحة ... كنوح صب على أحبابه آسى) (والدوح زاهية الأفنان زاهرة ... تهدي الْبَهَاء إِلَى البهار والآس) (كَأَنَّمَا الزهر إِذْ ترَاهُ منتثرا ... على جداولها الْحباب فِي الكاس) (كَأَنَّمَا طيب نشره شمائل من ... قد سَاد بالمكرمات سَائِر النَّاس) (إمامنا الْحسن المجلي بطلعته ... عَن الورى كل أزمة وقسقاس) (كسا الرّعية أَثوَاب المنى جددا ... من بعد مَا اشْتَمَلت بِكُل إدراس) (سبط الرَّسُول وَفرع من سلالته ... طيب الْفُرُوع ترى بِطيب أغراس) (خَليفَة الله من دَانَتْ لعزته ... شم الْمُلُوك برغم كل دمناس) (أنداهم فِي الندى كفا وأشجعهم ... قلبا وأسطاهم بِكُل دعاس) (من ذَا ينازله عِنْد الجلاد وَهل ... يهول اللَّيْث يَوْمًا صوب ولاس) (قد عَمه النَّصْر فِي ورد وَفِي صدر ... وحفه الْيمن من سَاق إِلَى راس) (مولى تردى رِدَاء المكرمات فَقل ... مَا شِئْت فِي شيم لَهُ واتواس) (لم يمض مشبهه على الْحَقِيقَة فِي ... بني أُميَّة أَو أَبنَاء عَبَّاس) (من ذَا يدانيه فِي حلم وَفِي كرم ... وَمن يضاهيه فِي الْإِقْدَام والباس) (يَا كم بِهِ قوي الضَّعِيف وامتلأت ... كف الْفَقِير وأثرى رب إفلاس) (سلا كَمثل سلا الغرا وضرتها ... أَو مثل مراكش وحضرتي فاس) (فكم بهَا من مآثر لَهُ كرمت ... لَيست تعد بأقلام وأنقاس) (بل كل مصر وقرية لَهُ ديم ... تهمي لأهلهما بِكُل ارغاس) (فدا الْأَمِير أدام الله عزته ... طول المدى كل أنفس وأنفاس) (إليكها أَيهَا الجحجاح مائسة ... أزرت طلاوتها بِكُل مياس) (خريدة من بَنَات الْفِكر غانية ... لرقمها يتَمَنَّى كل قرطاس)

стр. 1688

(جاءتك تطلبك الْقبُول عائذة ... بِاللَّه من شَرّ وسواس وخناس) (فليهنها أَنَّهَا تشرفت بك إِذْ ... حوت مَعَاني من مديحك الراسي) (وَأَنَّهَا لَك قد وافت مهنئة ... بليلة ذَات أسفار وإهلاس) (أكْرم بهَا لَيْلَة غراء قد فضلت ... بِأَفْضَل الرُّسُل كل ذَات إغباس) (إِذْ أشرق الْكَوْن من أنوار مولده ... حَتَّى كَفاهُ سناها كل نبراس) (والشرك فِي الْهون قد أضحت طوائفه ... مستيقنين حُلُول الْبُؤْس والبأس) (إِذْ هالهم أَمر أَحْمد وأوقعهم ... فِي حيرة عبثت بهم وإبلاس) (تيقنوا أَنه مَا كَانَ يُخْبِرهُمْ ... بِشَأْنِهِ كل قسيس وشماس) (وأصبحت جملَة الْأَصْنَام سَاقِطَة ... منكسات الرؤوس أَي تنكاس) (وَفِي انصداع الْبناء أَصبَحت عبر ... لَهُم كَذَا فِي خمود نَار أَفْرَاس) (وَالْجِنّ لَا تصل السَّمَاء إِذْ منعت ... مِنْهَا بشهب لرميها وحراس) (وَمن يرم مِنْهُم للسمع مسترقا ... ينحط محترقا مِنْهَا بمقباس) (مُحَمَّد صفوة الْبَارِي وَخيرته ... من خلقه الْجِنّ والأملاك وَالنَّاس) (جَاءَت شَرِيعَته البيضا مطهرة ... للدّين من كل أدران وأدناس) (وَلم تزل أمد الْأَعْصَار رَافِعَة ... عَن الْهَدْي كل شُبْهَة وتدلاس) (أصل الْهدى والندى فَلَيْسَ يُشبههُ ... هطال غيث وَلَا تيار رجاس) (فَلَا تقسه بِشَيْء فِي مكارمه ... فَمَا ترام خلاله بمقياس) (فَإِنَّهُ الْبَحْر فِي فضل وَفِي كرم ... وَفِي الشجَاعَة ضيغم بأخياس) (كَانُوا بِهِ يَتَّقُونَ فِي الوغا بَدَلا ... عَن اتِّخَاذ مغافر وأتراس) (أسرى بِهِ الْملك الْأَعْلَى لحضرته ... وَالروح مونسه أتم إيناس) (وَاللَّيْل أحرس لَيْسَ فِيهِ يسمع من ... صياح ديك وَلَا عواء لواس) (حَتَّى دنا فَتَدَلَّى ثمَّ كَلمه ... وَقد رأى ربه بمقة الراس) (ونال من فَضله عزت جلالته ... مَا لَا يسام بأوهام وأحداس) (فآب وَالدّين أسست قَوَاعِده ... على أصُول حميدة وأساس) (ترَاهُ كَالْقَمَرِ الْمُنِير فِي غسق ... من الدجى بَين أَصْحَاب وجلاس) (غَدا يحدث والملا يصدقهُ ... وَلَيْسَ يرتاب غير المائق الماس)

стр. 1689

(دَعَا على المعتدي عتيبة فغدا ... يَوْمًا بدعوته قَتِيل هماس) (ورد عين قَتَادَة فَصَارَ بهَا ... بعد الْعَمى ذَا تمقل وإيناس) (وَالْمَاء من كَفه السمحاء سَالَ فكم ... من وَارِد عذبه الروي وَكم حاسي) (هُوَ الرَّسُول الَّذِي جمت فضائله ... فَلَيْسَ تحصر أَو تحصى بأطراس) (مديم ذكر فَإِن تذهل لواحظه ... فالقلب لَيْسَ بذاهل وَلَا ناسي) (فالأرض طاولت السَّمَاء قائلة ... لخير رسل بِبَطن خير ارماس) (كل النَّبِيين طرا لائذون بِهِ ... كَمثل نوح وَيُونُس والياس) (كَذَاك مُوسَى وَعِيسَى والخليل بِهِ ... لدفع باس بِيَوْم الْحَشْر أباس) (يَا أكْرم الْخلق يَا خير الورى شرفا ... يَا من أَتَانَا بتطهير وتقداس) (أشكوك دَاء أساي فأسه كرما ... فَمَا لداء الأسى سواك من آسى) (قسا الزَّمَان وَفِي قسم النوائب لم ... يعدل فيا ويحه من قَاسم قاسي) (لَكِن قصدتك والكريم قاصده ... مَا أَن يرد بخيبة وَلَا يأس) (وَقد توسلت للْمولى بجاهك أَن ... يشد بالشرعة الْبَيْضَاء أمراسي) (وَأَن يحسن أعمالي ومعتقدي ... فِيهِ ويكشف بلبالي ووسواسي) (وَأَن يعاملني بِالْعَفو عَن زللي ... وَأَن يُبدل إقلالي بإقعاس) (وَأَن يهيىء أَسبَاب السَّعَادَة لي ... حَتَّى أُنِيخ بِذَاكَ الْبَيْت عرماسي) (إِذْ قلت من أم طيبتي وَمَات بهَا ... نَالَ الشَّفَاعَة فِي أهل وَفِي نَاس) (صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا نفحت ... نوافح الزهر من دوح وأخياس) (صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا اعتصمت ... بك الْخَلَائق من عَار وَمن كاس) (صلى عَلَيْك إِلَه الْعَرْش مَا رمقت ... بيض الْقَرَاطِيس يَوْمًا سود أنقاس) (والآل مَا قَالَ نشوان بحبهم ... أدر كؤوسك فالسراء فِي الكاس) ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان أعزه الله من رِبَاط الْفَتْح فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف قَاصِدا مكناسة وَجعل طَرِيقه على زمور الشلح فَخَرجُوا إِلَيْهِ متذللين خاضعين متقربين إِلَيْهِ بالهدايا والضيافات فَضرب عَلَيْهِم الإتاوة والبعث فانقادوا ثمَّ دخل أعزه الله مكناسة ثامن عشر الشَّهْر الْمَذْكُور فَمَكثَ بهَا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ نَهَضَ إِلَى فاس فَمَكثَ بهَا أَيَّامًا يسيرَة كَذَلِك ريثما

стр. 1690

اجْتمعت إِلَيْهِ الْجنُود وَخرج قَاصِدا بِلَاد وَجدّة وَبني يزناسن وَكَبِيرهمْ الْحَاج مُحَمَّد بن البشير بن مَسْعُود وَكَانَ خُرُوجه من فاس منتصف جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة فاجتاز بتازا وأناخ على قَبيلَة غياثة جاعلا الهضبة الْمَعْرُوفَة بِذِرَاع اللوز أَمَامه قبْلَة ووظف عَلَيْهِم الْمُؤْنَة قيل إِنَّه وظف عَلَيْهِم مائَة صَحْفَة من الْقَمْح وَالشعِير فدفعوا شَيْئا يَسِيرا وعجزوا وتعللوا بِأَن هَذَا الَّذِي جرت الْعَادة أَن يدفعوا للملوك من قبل وَكَانَت هَذِه الْقَبِيلَة لم يهجها هيج مُنْذُ قديم لتحصنهم بجبالهم وأوعارهم وَلَهُم استطالة على أهل تازا يركبونهم كل خسف فَظهر للسُّلْطَان أعزه الله قِتَالهمْ فَقَاتلهُمْ يَوْم الْخَمِيس أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور واقتحم عَلَيْهِم حصنهمْ الْمَعْرُوف بالشقة وَهُوَ خَنْدَق بَين جبلين فِيهِ وَاد وعَلى حافتيه بناءات ودور فَحرق ذَلِك كُله وهدمه وانتسف مَا فِيهِ من قَمح وشعير وأدام وَغير ذَلِك وَقطع مِنْهُم رؤوسا يسيرَة وَلما كَانَ الْغَد وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعشْرُونَ من الشَّهْر الْمَذْكُور ركب السُّلْطَان أيده الله وَركب مَعَه أهل الْمحلة إِلَّا قَلِيلا وَقدم المدافع والمهاريس أَمَامه واقتحم الشقة فَتَبِعَهُ النَّاس ودخلوا بِلَاد غياثة وتوسطوها وقاتلوا أَهلهَا فهزموهم وَالسُّلْطَان أَمَام الْجَيْش فِي موكبه فَسَار حَتَّى بلغ المداشر وَرمى عَلَيْهَا من الكور والبنب شَيْئا يَسِيرا وَكَانَت غياثة قد وضعت الكمائن على الأنقاب وشحنوها بالرماة وَتركُوا منفذا وَاحِدًا يُفْضِي إِلَى مهواة متلفة ذَات شقوق غامضة وأشجار شائكة وصخور متراكمة لَا يدْرك قعرها وَلَا يبصرها إِلَّا من وقف عَلَيْهَا وَلما وغل الْجَيْش فِي مَزَارِعهمْ ومداشرهم خرجت الكمائن من خَلفهم ورموهم عَن يَد وَاحِدَة بالرصاص فدهش النَّاس وتذكروا فعلهم الْقَدِيم من الانهزام عَن الْمُلُوك بِلَا مُوجب إِذْ لم يكن فِي شَوْكَة غياثة هَؤُلَاءِ وكثرتهم مَا ينهزم مِنْهُ ذَلِك الْجَيْش اللهام وَلَو تلبثوا يَسِيرا وقاوموهم لهزموهم فِي الْحَال كَمَا هزموهم أول مرّة وَلَكِن الْعَادة الْعَادة فَوَلوا مُدبرين لَا يلوون على شَيْء وتكاثر الرصاص على موكب السُّلْطَان حَتَّى سقط حَامِل الرَّايَة وجرح الْمولى عَرَفَة أَخُو السُّلْطَان وَقتل سَيِّدي مُحَمَّد بن الحبيب نقيب الْأَشْرَاف بالعدوتين وَأما الْجَيْش وقواده فَإِنَّهُم لما انْهَزمُوا صرفُوا وُجُوههم إِلَى المهواة

стр. 1691

الَّتِي ذكرنَا وقصدوها على عمياء وَقد ارْتَفع دُخان البارود وغبار الْخَيل فتهافتوا فِيهَا تهافت الْفراش فِي النَّار لَا يعلم اللَّاحِق مَا وَقع بالسابق إِلَى أَن امْتَلَأت من الْخَيل وَالرِّجَال والأثاث وَمَا كَادَت وَكَانَ ذَلِك قَضَاء من الله وتمحيصا مِنْهُ فَهَلَك من النَّاس وَالْخَيْل مَا لَا يُحْصى وَبقيت أشلاؤهم ناشبة فِي تِلْكَ الأوعار تلوح مثل المجزرة وترجل السُّلْطَان أعزه الله عَن فرسه حَتَّى خلص من تِلْكَ الشقوق ثمَّ ركب وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ وراجعوا بصائرهم بعد الكائنة ثمَّ انشمر غياثة بعْدهَا إِلَى رُؤُوس الْجبَال وَتركُوا المداشر والجنات فاقتحهما السُّلْطَان بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة عَلَيْهِم فَلم يقف أَمَامه مِنْهُم أحد فعاث فِيهَا وحرقها وَجعلهَا حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس وَكتب أيده الله بذلك إِلَى الْآفَاق وَذكر فِي كِتَابه أَن الْخَيل وَالرُّمَاة قد انتسفوا بِلَادهمْ انتسافا ودوخوها أماما وخلفا حَتَّى أشرفوا على بِلَاد جيرانهم وأناخوا فِيهَا بكلكلهم وجرانهم ثمَّ توجه السُّلْطَان نَصره الله إِلَى نواحي وَجدّة فَانْتهى إِلَيْهَا أَوَائِل شعْبَان من السّنة فَتَلقاهُ بَنو يزناسن خاضعين تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم لكَوْنهم ثغرا من ثغور الْمُسلمين وعصبة تدخر لنصرة الدّين إِلَّا أَنه عزل عَنْهُم ولد البشير وَبعث بِهِ مسجونا إِلَى فاس وَولى عَلَيْهِم قوادا مِنْهُم من أهل الحزم والنجدة ووظف عَلَيْهِم قدرا صَالحا من المَال فشرعوا فِي دَفعه فِي الْحَال والتزموا رد مَا تعلق بذممهم من الْمَظَالِم وصلحت أَحْوَالهم واستقام أَمر تِلْكَ النَّاحِيَة وَلما قضى السُّلْطَان أعزه الله غَرَضه مِنْهَا قفل رَاجعا إِلَى فاس فَدَخلَهَا لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْمُعظم وَكتب بذلك إِلَى الْأَمْصَار يَقُول هَذَا وَقد كتبنَا لكم هَذَا بعد القفول من حركتنا السعيدة وحلولنا بحضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه بفاس بالفتوحات الجديدة والإنعامات المزيدة حُلُول عز وظفر وإسعاد وَنصر من لَدنه لم يكن بحيلة وَلَا استعداد وَذَلِكَ بعد الْفَرَاغ من تَرْتِيب تِلْكَ الْقَبَائِل وتطهيرها مِمَّا تعلق بهَا من الرذائل ونلنا بِفضل الله فِي هَذِه الْحَرَكَة من أثر الْخَيْر واليمن وَالْبركَة مَا أثلج الصُّدُور وحمدنا غبه فِي الْوُرُود والصدور وَتَركنَا أهل تِلْكَ النواحي وساكني جبالها والضواحي على أحسن مَا يكون صلاحا واطمئنانا وسلوكا للجادة المخزنية بِالْقَلْبِ والقالب سرا

стр. 1692

وإعلانا وأبقينا طَائِفَة من جيشنا السعيد عِنْد قبائل الرِّيف زِيَادَة فِي الاطمئنان والتأليف بِقصد اسْتِيفَاء مَا بذممهم من الْوَاجِب واستخلاص مَا تعلق بهم من الْحُقُوق الَّتِي ألزموها ضَرْبَة لازب وَذَلِكَ كُله من تيسير الله ورفده وفضله على عَبده فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده فَأَما نَحن فَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة وَلَا أنصار مرجوة وَلَا نعتمد على عدَّة وَلَا عدد بل على فَضله تَعَالَى الْمعول وَالْمُعْتَمد عرفنَا الله حق النِّعْمَة وألهمنا شكرها وحمدها وأجرانا على عوائده الجميلة وفوائده الجليلة الَّتِي لَا يقدر قلم الواصف أَن يدْرك حصرها وَحدهَا وَقد اقْتضى نَظرنَا العالي بِاللَّه إعلامكم بذلك لِتَأْخُذُوا حظكم من الْفَرح بتأييد الله وَنَصره وتخلصوا فِي حمد نعمه الجزيلة وشكره وَالسَّلَام فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه اسْتمرّ السُّلْطَان أعزه الله مُقيما بفاس وجد فِي بِنَاء مقاصيره ومنتزهاته ببستان آمِنَة من فاس الْجَدِيد وَكتب أيده الله إِلَى وصيفه أَحْمد بن مَالك قَائِد الْجَيْش السُّوسِي بالمنشية من حَضْرَة مراكش أَن بيني لَهُ على الْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب الرئيس من الدَّار الْكُبْرَى بالحضرة المراكشية قبَّة فارهة ويبالغ فِي رَفعهَا وتنجيدها وتنميقها فشرع فِيهَا فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكُنَّا يَوْمئِذٍ نتولى إحصاء صائرها وصائر غَيرهَا من البناءات المراكشية فَكَانَ مَا صير على الْقبَّة وَحدهَا أَكثر من مائَة ألف مِثْقَال وَكَذَلِكَ بنى بمكناسة الْقبَّة الْعَظِيمَة الَّتِي طاولت السَّمَاء ترفعا وَذَهَبت فِي الجو صعدا بِحَيْثُ أشرفت على مَا حولهَا من بسيط سائس وَغَيره حَتَّى صَارَت مثلا فِي الطول والاشتهار وَبنى أعزه الله قبَّة عَظِيمَة حفيلة على ضريح الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الصَّالح ابْن الْمُعْطِي الشرقاوي بِأبي الْجَعْد فصير عَلَيْهَا أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف مِثْقَال تقبل الله مِنْهُ وَفِي عَاشر شَوَّال من هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الناسك قَاضِي رِبَاط الْفَتْح أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن التهامي البريبري وَدفن بزاوية حنصالة من الْبَلَد الْمَذْكُور وَكَانَ ﵀ من أمثل قُضَاة الْوَقْت وَمن المتحريين للعدل ولي

стр. 1693

الْقَضَاء برباط الْفَتْح أَكثر من عشْرين سنة ثمَّ تخلى عَنهُ من غير عزل وَدخل دَاره فَلم يخرج بعد فَاحْتمل السُّلْطَان وَالنَّاس ذَلِك واعتقدوه وَاسْتمرّ حَاله على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور رحمنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من محرم مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب شَاعِر الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد أكنسوس المراكشي وَدفن قرب ضريح الإِمَام أبي الْقَاسِم السُّهيْلي خَارج بَاب الرب من مراكش وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من النَّاس وَهُوَ صَاحب كتاب الْجَيْش ﵀ وَفِي صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع عشر من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ولد لنا ولد سميناه مُحَمَّدًا الْعَرَبِيّ وَكَانَ من عَجِيب صنع الله أَنه ولد مختونا وَلذَا ذَكرْنَاهُ هُنَا وَهُوَ الْآن حَيّ أصلحه الله وأنبته نباتا حسنا وَجعله من عباد الله الصَّالِحين وَمن الْعلمَاء العاملين آمين وَفِي جُمَادَى الأولى من السّنة أَخذ السُّلْطَان أعزه الله فِي الاستعداد بالحضرة الفاسية للحركة اسْتِعْدَادًا لم يتَقَدَّم لَهُ مثله حَتَّى أَنه كتب إِلَى أَخِيه وخليفته بمراكش الْمولى عُثْمَان بن مُحَمَّد أَن يُوَجه إِلَيْهِ من الْعدة الرومية وَهِي مكاحل مركبة فِيهَا توافلها مَا قدرهَا ألف وسِتمِائَة وَعِشْرُونَ مكحلة تخرج أبخاشها بالحبة الرومية وَأَن يُوَجه إِلَيْهِ أَرْبَعمِائَة ألف وَعشرَة آلَاف من الْحبَّة الْمَذْكُورَة وَعشرَة قناطير من البارود وَمِائَة قِنْطَار من ملحه ومدفعين وَكتب أعزه الله إِلَى أُمَنَاء الصائر بِأَن يبعثوا إِلَيْهِ بثلاثمائة وَسِتِّينَ سرجا وسِتمِائَة كسْوَة من الملف للعسكر وَخَمْسَة عشر ألفا من الْبلْغَة وَمثلهَا من النعالة وَبعث أعزه الله عَمه الْمولى الْأمين بن عبد الرَّحْمَن إِلَى رِبَاط الْفَتْح لجمع عَسَاكِر الثغور وحشد قبائل دكالة وتامسنا والغرب وَبني حسن وَغَيرهم وَوجه أَخَاهُ الْمولى الْحسن الصَّغِير لحشد قبائل الدَّيْر والجيش المتفرق بهَا ثمَّ كَانَ خُرُوج السُّلْطَان من فاس إِلَى مكناسة أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما سَمِعت قبائل البربر بِخُرُوجِهِ ارتابت وحذرت وظنت كل قَبيلَة أَنَّهَا الْمَقْصُودَة ففرت مجاط وَبَنُو مطير إِلَى رُؤُوس الْجبَال

стр. 1694

وفرت عرب عَامر من بني حسن إِلَى زمور الشلح وَكَانَ النَّاس يظنون أَن السُّلْطَان يَغْزُو فِي هَذِه السّنة برابرة الْجبَال والصحراء فَخرج الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَفِي هَذِه الْمدَّة وَفد على السُّلْطَان أيده الله عدَّة باشدورات للآجناس مثل باشدور الفرنسيس والإصبنيول والبرتغال وَتكلم الفرنسيس فِي شَأْن بابور الْبر والتلغراف وإجرائهما بالمغرب كَمَا هما بِسَائِر بِلَاد الْمَعْمُور وَزعم أَن فِي ذَلِك نفعا كَبِيرا للْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَهُوَ الله عين الضَّرَر وَإِنَّمَا النَّصَارَى أجربوا سَائِر الْبِلَاد فأرادوا أَن يجربوا هَذَا الْقطر السعيد الَّذِي طهره الله من دنسهم نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ أَن يكْتب كيدهم ويحفظ الْمُسلمين من شرهم ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان نَصره الله من مكناسة فِي أواسط رَجَب فِي جمع وافر وعدة كَامِلَة فاجتاز بِبِلَاد زمور الشلح فأظهروا لَهُ غَايَة الطَّاعَة والخضوع وقدمت عَلَيْهِ وفودهم من كل جَانب رافعين أعلامهم وشارتهم وزينتهم الَّتِي يستعملونها فِي مواسمهم وأعيادهم وأدوا لَهُ من المَال والمؤن والضيافات مَا استكثر النَّاس ذَلِك وتحدثوا بِهِ ثمَّ زحف إِلَى عرب السهول من أَعمال سلا فأوقع بهم وشرد بهم من خَلفهم وَكتب أعزه الله فِي الْعشْرين من رَمَضَان إِلَى الْآفَاق يعلمهُمْ بِمَا أتاح الله لَهُ من الظُّهُور والنصر والسعادة وخضوع قبائل البربر لَهُ وتباريهم فِي طَاعَته وخدمته وبذلهم من الجباية مَا لم يَكُونُوا يبذلون الْقَلِيل مِنْهُ لغيره وَذكر فِي كِتَابه أَن ذَلِك كُله بمحض فضل الله ومجاري السَّعَادَة وَحسن السياسة من غير ضرب وَلَا طعن وَلَا سفك دم حَتَّى أَن قَبيلَة بني حكم قد أظهرُوا بعض الاعوجاج فَقَامَ إِلَيْهِم إخْوَانهمْ من زمور فَقومُوا اعوجاجهم حَتَّى فاؤوا إِلَى أَمر الله وَكفى الله السُّلْطَان أَمرهم ثمَّ ذكر فِي كِتَابه أعزه الله أَمر السهول وَأَنه بعد أَن أوقع بهم أَمر بِجمع فَلهم وَرَأى استصلاح كلهم تَأْمِين جلهم لعمارة بِلَادهمْ بهم رَجَاء نفع مَا تقدم من أدبهم وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الرَّابِع عشر من شعْبَان من السّنة خسف الْقَمَر خسوفا

стр. 1695

كليا بِحَيْثُ ذهب نوره واختفى شخصه حَتَّى لم ير مِنْهُ شَيْء وَبَقِي كَذَلِك نَحْو ساعتين ثمَّ أَخذ فِي التجلي شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن عَاد إِلَى امتلائه وَفِي هَذِه الْمدَّة قلت فلوس النّحاس بمراكش وأعمالها حَتَّى كَادَت تنعدم وَذَلِكَ بِسَبَب غلاء الريال الإفرنجي بمراكش ورخصه بفاس فَكَانَ صرفه بمراكش يَوْمئِذٍ بِثَلَاث وَسِتِّينَ أُوقِيَّة وَصَرفه بفاس بِثَلَاث وَخمسين أُوقِيَّة فَصَارَ التُّجَّار يجلبون فلوس النّحاس من مراكش إِلَى فاس ويصرفونها بالريال فيربحون فِي كل ريال نَحْو مِثْقَال وتمالؤوا على ذَلِك وتوفرت دواعيهم عَلَيْهِ حَتَّى قلت الْفُلُوس بمراكش وتقاعد النَّاس عَلَيْهَا لما فِيهَا من الرِّبْح وتعطل معاش الضُّعَفَاء بذلك وَلحق النَّاس ضَرَر كثير فَكَانَ الرجل يطوف بالبسيطة والريال فِي الْأَسْوَاق فَلَا يجد من يصرفهُ لَهُ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَن يَشْتَرِي من ضروريات معاشه مَا قِيمَته أقل من بسيطة واتصل الْخَبَر بالسلطان أعزه الله فَكتب فِي الْآفَاق يَأْمر النَّاس برد صرف الريال إِلَى الثَّلَاثَة مَثَاقِيل وَربع مِثْقَال فامتثل النَّاس ذَلِك وَنُودِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق فانعكس الْحَال على التُّجَّار وتقاعدوا على الريال والبسيطة وفاضت الْفُلُوس فِي الْأَسْوَاق حَتَّى صَارَت مُعَاملَة النَّاس لَيست إِلَّا بهَا وَحصل للتجار من الضَّرَر فِي رخص الريال مَا كَانَ حصل للضعفاء فِي قلَّة الْفُلُوس لِأَن التُّجَّار حِينَئِذٍ صَارُوا يبيعون سلعهم الَّتِي بذلوا فِيهَا الريال الغالي بالقراريط النحاسية الَّتِي صَار صرف الريال فِيهَا على النّصْف فَأمْسك النَّاس سلعهم وامتنعوا من بيعهَا وتعطلت الْمرَافِق أَو كَادَت فَكتب السُّلْطَان ثَانِيًا برد أسعار السّلع والأقوات على النّصْف مِمَّا كَانَت حَتَّى تحصل الْمُسَاوَاة بَين الْأَثْمَان والمثمنات فَنَشَأَ بذلك هرج كَبِير وضرر للنَّاس فِي معاشهم وأبى الله إِلَّا أَن تعود السِّكَّة إِلَى حالتها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقد بَينا الْعلَّة فِي ذَلِك قبل هَذَا وَأَن السكَك والأسعار لَا تزَال فِي الزِّيَادَة مَا دَامَت المخالطة مَعَ الفرنج تكْثر بكثرتها وتقل بقلتها وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث رَمَضَان من السّنة توفّي عَالم الْمغرب السَّيِّد الْمهْدي بن الطَّالِب ابْن سَوْدَة الفاسي كَانَ عَلامَة متقنا فصيحا عَارِفًا بصناعة الدَّرْس حسن الْإِيرَاد فِيهِ بِحَيْثُ فاق أهل زَمَانه يُقَال إِن لَهُ تآليف لَكِن لم

стр. 1696

نقف على شَيْء مِنْهَا ﵀ ثمَّ عيد السُّلْطَان عيد الْفطر من هَذِه السّنة بزبيدة من بِلَاد زعير وَلم يدْخل رِبَاط الْفَتْح على قربه مِنْهَا ووفدت عَلَيْهِ هُنَالك قبائل الْمغرب وَأهل الْأَمْصَار فَشَهِدُوا الْعِيد مَعَه وَأَجَازَهُمْ وكساهم على الْعَادة وَلما فرغ من أَمر الْعِيد عين عَامل رِبَاط الْفَتْح وَهُوَ الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مُحَمَّد السُّوسِي وَعين الْحَاج عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بريشاء التطاوني والحاج مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق ابْن شقرون الفاسي للذهاب إِلَى مادريد دَار ملك الإصبنيول بِقصد السفارة عَنهُ إِلَى دولتهم والمكافأة لَهُم على مَجِيء باشدورهم حَسْبَمَا مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَفَعَلُوا وعادوا بِحَيْثُ أدركوا عيد الْأَضْحَى من السّنة مَعَ السُّلْطَان أعزه الله بمراكش ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان بعد عيد الْفطر من زبيدة يؤم الْبِلَاد المراكشية فاجتاز بتادلا وَسكن قبائلها وأوقع ببني عُمَيْر وَقبض مِنْهُم على مَا يناهز أَرْبَعمِائَة مسجون سيقت فِي السلَاسِل والأغلال إِلَى السجْن وفر بَنو مُوسَى إِلَى رُؤُوس الْجبَال حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ السُّلْطَان على الْأمان ودخلوا فِي الطَّاعَة والتزموا الْخدمَة ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان أيده الله إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي عشر ذِي الْحجَّة من السّنة فَكَانَ بهَا عيد لم يعْهَد النَّاس مثله مُنْذُ قديم وَكتب إِلَى الْآفَاق يعلم النَّاس بِمَا من الله بِهِ من النَّصْر والتأييد وَالْفَتْح والعز المديد وَأقَام السُّلْطَان بمراكش فِي هَذِه الْمرة مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَكَانَت هَذِه السّنة من أَشد السنين على الْمُسلمين قد تعدّدت فِيهَا المصائب والكروب وتلونت فِيهَا النوائب والخطوب لَا أَعَادَهَا الله عَلَيْهِم فَكَانَ فِيهَا أَولا غلاء الأسعار وَكَانَ منشأه وابتداؤه من تثقيف السِّكَّة فِي آخر السّنة الْمَاضِيَة ثمَّ عقب ذَلِك انحباس الْمَطَر لم تنزل من السَّمَاء قَطْرَة وأجيحت النَّاس وَهَلَكت الدَّوَابّ والأنعام وعقب ذَلِك الْجُوع ثمَّ الوباء على ثَلَاثَة أَصْنَاف كَانَت أَولا بالإسهال والقيء فِي أوساط النَّاس بادية وحاضرة ثمَّ كَانَ الْمَوْت بِالْجُوعِ فِي أهل الْبَادِيَة خَاصَّة هلك مِنْهُم الجم الْغَفِير وَكَانَ إخْوَانهمْ يحفرون على من دفن مِنْهُم لَيْلًا ويستلبونهم من أكفانهم عثر بسلا على عدد مِنْهُم وَأمر

стр. 1697

السُّلْطَان أعزه الله عُمَّال الْأَمْصَار وأمناءها أَن يرتبوا للنَّاس من الأقوات مَا ينتعشون بِهِ فَفَعَلُوا وَبعد هَذَا كُله حدث الوباء بالحمى فِي أَعْيَان النَّاس وأماثلهم فَهَلَك مِنْهُم عدد كثير وَفِي هَذِه المسغبة مد النَّصَارَى أَيْديهم إِلَى الرَّقِيق فاشتروه وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك أَنهم كَانُوا يعاملون ضعفاء الْمُسلمين وصبيانهم بالصدقات والإرفاقات ثمَّ تجاوزوا ذَلِك إِلَى شِرَاء الرَّقِيق مِنْهُم وَالْأَمر لله وَحده يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَكَانَ فِي أوائلها موت النَّاس بالحمى كَمَا قُلْنَا فَمَاتَ فِي الْمحرم مِنْهَا الْوَزير الْأَعْظَم أَبُو عمرَان مُوسَى بن أَحْمد وَكَانَ شعلة ذكاء وتمثال فطنة ودهاء غفر الله لنا وَله واستوزر السُّلْطَان مَكَانَهُ الْفَقِيه الْأَخير أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ بن الْمُخْتَار بن عبد الْملك الجامعي من بَيت الوزارة وَأهل العراقة فِيهَا ويبلغنا عَنهُ أَنه يحب أهل الْخَيْر ويلين جَانِبه للضعفاء وَالْمَسَاكِين وَيُحب السُّلْطَان وَينْصَح لَهُ ويغار على جَانِبه الْمُعظم وحماه الْمُحْتَرَم ويتجافى عَن الطمع الَّذِي هُوَ أصل كل مفْسدَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا سدده الله وَفِي ظهر يَوْم الْأَحَد عَاشر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي شَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي أَبُو بكر ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة القَاضِي سَيِّدي مُحَمَّد عواد كَانَ ﵀ من أهل الْمُشَاركَة فِي الْعلم والاعتناء بِهِ كثير الدَّرْس كثير التَّقْيِيد ختمنا عَلَيْهِ ﵀ عدَّة كتب كبار جعلهَا الله فِي ميزَان حَسَنَاته مِنْهَا صَحِيح البُخَارِيّ نَحْو عشر مَرَّات وصحيح مُسلم ثَلَاث مَرَّات وشفاء القَاضِي عِيَاض مرَارًا وَكتاب الاكتفا لأبي الرّبيع الكلَاعِي مرّة وَأُخْرَى إِلَى غَزْوَة خَيْبَر وشمائل التِّرْمِذِيّ مرَّتَيْنِ بشرح أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم جسوس وإحياء الْغَزالِيّ ﵁ وعوارف المعارف للسهروردي وتآليف غَيرهَا من كتب النَّحْو وَالْفِقْه وَالْبَيَان وَالْكَلَام وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَبِالْجُمْلَةِ فقد انتفعنا عَلَيْهِ واستفدنا مِنْهُ ﵀ ونفعنا بِهِ وَولي الْقَضَاء بعده الْفَقِيه الْعَالم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْجريرِي عرف بِابْن الْفَقِيه من بَيت الْعلم وَالدّين والصون وَهُوَ ﵀ يتحَرَّى المعدلة فِي أَحْكَامه وينتهج صَرِيح الشَّرْع فِي جَمِيع أُمُوره سدده الله وكلاه وَتَوَلَّى

стр. 1698

الخطابة بِالْمَسْجِدِ بعد شَيخنَا الْمَذْكُور شقيقه الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد عواد وَهُوَ مجيد فِي الخطابة وَمن أهل الْمُرُوءَة وَالدّين وَالْعلم وفقنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين لما يُحِبهُ ويرضاه وَفِي هَذِه الْأَيَّام استدعى السُّلْطَان أيده الله خديمه الْأمين الأرضى السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحَاج مُحَمَّد التازي الرباطي إِلَى حَضرته الْعَالِيَة بِاللَّه بمراكش فَقدم عَلَيْهِ الْأمين الْمَذْكُور وَأجل السُّلْطَان مقدمه وَأسْندَ إِلَيْهِ أَمر خراج الْمغرب ومراسيه ومستفاداتها وَمَا يتبع ذَلِك من صوائرها وفوض إِلَيْهِ فِي ذَلِك تفويضا تَاما لعلمه بنصحه وأمانته وَضَبطه وَهَذَا الرجل من أمثل أهل الْمغرب وأصدقهم وأنصحهم للسُّلْطَان وأشدهم غيرَة على الدّين والوطن حَتَّى لَو كَانَ فِي الدولة عشرَة رجال على شاكلته ومذهبه لَكَانَ يظنّ أَن يكون لَهَا بذلك النجاح التَّام نسْأَل الله تَعَالَى أَن يصلح أمرهَا ويشيد بمنه عزها وَفَخْرهَا وَفِي ربيع الثَّانِي من السّنة ورد أَمر السُّلْطَان أعزه الله على وُلَاة العدوتين أَن يوجهوا عددا من أمنائهم وعدولهم للْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بالمراسي المغربية فقدموا عَلَيْهِ بمراكش وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ أخونا فِي الله الْفَقِيه الْعَلامَة الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي بن خضراء السلاوي فَقَالَ قصيدة فِي مدح السُّلْطَان نَصره الله نَصهَا (لبيْك لبيْك يَا خير السلاطين ... أدامك الله فِي عز وتمكين) (دَعَوْت عَبدك فَاسْتَجَاب مبتدرا ... وَقد اناخ على الطير الميامين) (يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مباركة ... أذكى وَأطيب من مسك ونسرين) (ممرغا وجنتيه فارحا جذلا ... إِذا فَازَ مِنْك بتخصيص وَتَعْيِين) (مؤملا راجيا بُلُوغ مقْصده ... مُسْتَبْشِرًا برضى بالنجح مقرون) (يَا نجح سعيي وَيَا بشراي قد سعدت ... حَالي وفزت بتقريب وتأمين) (من مبلغ معشري أَنِّي أويت إِلَى ... ظلّ مديد يُظِلنِي ويؤويني) (ظلّ الْإِلَه على عباده وَكفى ... بِهِ كَفِيلا وذخرا للْمَسَاكِين) (رب السماح فَمَا معن بن زَائِدَة ... وَأَيْنَ من راحتيه نهر سيحون) (لله من ملك جلت مآثره ... عَن أَن يُحِيط بهَا حصر بتدوين) (دَعَا الْمَعَالِي فانقادت ملبية ... يضيق عَن وصفهَا بطن الدَّوَاوِين)

стр. 1699

(لَهُ السَّعَادَة قد أَلْقَت أزمتها ... وَالْفَتْح رائده فِي كل مَا حِين) (وَبشر طلعته يسر ذَا حزن ... وَأَيْنَ مَا حل كَانَ خير مَيْمُون) (حامي الشَّرِيعَة والرحمن ناصره ... ماضي الْعَزِيمَة لَا يرضى بتوهين) (فِي كل قطر ثَنَاء عَنهُ منتشر ... أَي انتشار يفوق مسك دارين) (سَاس الْعباد بتدبير ومعدلة ... وَأحسن الْأَمر فِي الدُّنْيَا وَفِي الدّين) (وَلَيْسَ يعبأ بالدنيا وَزينتهَا ... لكنه بَين مَفْرُوض ومسنون) (وطبق الأَرْض عدله وَنعمته ... مجاله بَين تسكين وتحسين) (بسعده الغرب قد بَدَت محاسنه ... فجر ذيلا على بَغْدَاد والصين) (وتاه مزدريا بِكُل مملكة ... يميس فِي حلل ذَوَات تلوين) (نعم الإِمَام الْهمام المرتضى حسن ... فَخر الْمُلُوك سلالة السلاطين) (السَّيِّد الْملك ابْن السَّيِّد الْملك ابْن ... السَّيِّد الْملك الْمَعْرُوف باللين) (بَحر خضم مغيث سيد بَطل ... بُد الليوث وفرسان الميادين) (دَانَتْ بِطَاعَتِهِ العدا بأجمعها ... مذ البست ملبس الصغار والهون) (وفَاق من قبله حلما ومكرمة ... وسطوة بهرت أهل الأواوين) (لَا غرو إِن نَالَ مَا فَاتَ الألى غبروا ... وشاد مَا عجزوا عَنهُ بتحصين) (قد يدْرك الآخر الشأو الَّذِي قصرت ... عَنهُ الْأَوَائِل فِي ماضي الْأَحَايِين) (تبَارك الله مَا أسمى مفاخره ... كسبا وَارِثا من الشم العرانين) (وَلَا ترى الْغَرْس قد زكتْ أرومنه ... إِلَّا أَتَى الْفَرْع مِنْهُ فِي أفانين) (يَا خير من أمه الراجي وَأكْرم من ... يثني عَلَيْهِ بمعرب وملحون) (وَيَا ابْن خير الْأَنَام من نبوته ... لَهُ وآدَم بَين المَاء والطين) (وَيَا ملاذ الورى يَا من سما كرما ... يَا نعْمَة عظمت يَا كنز مِسْكين) (يَا منبع الْجُود يَا تَاج الفخار وَيَا ... مأوى العفاة وَيَا سلوان محزون) (يَا من روى عَن أَبِيه رفع سؤدده ... يَا من أوامره إِلَيْهِ تَدعُونِي) (وفدت ملتمسا رضاك يَا سندي ... وَلَيْسَ شَيْء سوى رضاك يرضيني) (فأمنن عَليّ بعطفة تُصَاحِبنِي ... مدى الدهور وللعلى ترقيني) (بقيت مَا شِئْت فِي عز ومقدرة ... ودمت فِي نعم بِحَق جبرين)

стр. 1700

وَلما وقف السُّلْطَان أعزه الله على هَذِه القصيدة هزت من عطفه وَأمر أَن يسْأَل منشئها عَن مطلبه فاقترح أَن يُؤذن لَهُ فِي الْإِفْتَاء وَأَن يعْطى ظهيرا بالتوقير والاحترام وَأَن ينعم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي الاعتناء بِهِ فأنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان أعزه الله بِالْإِذْنِ فِي الْإِفْتَاء وبظهير الاحترام وَنفذ لَهُ راتبا من أحباس جَامع ابْن يُوسُف إِعَانَة لَهُ على الدَّرْس بِهِ ثمَّ كَانَ نهوض السُّلْطَان أيده الله من مراكش قَاصِدا بِلَاد الغرب غرَّة جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فاجتاز فِي طَرِيقه بتادلا وأناخ على قَبيلَة آيت أعتاب فأوقع بهم فِي أوعارهم وأعز معاقلهم وأوكارهم وَقطع مِنْهُم وَاحِدًا وَعشْرين رَأْسا ثمَّ زحف إِلَى بني مُوسَى فأدوا الطَّاعَة وَقَامُوا بواجبها ثمَّ سَار محفوفا بالنصر واليمن إِلَى أَن دنا من مكناسة الزَّيْتُون فزحف إِلَى بني مطير وَكَانَ شررهم قد استطار فِي تِلْكَ النواحي كل مطير فَإِنَّهُ لما سَافر السُّلْطَان نَصره الله عَن مكناسة سنة أَربع وَتِسْعين كَمَا مر زحف بَنو مطير هَؤُلَاءِ إِلَى عرب دخيسة وَأَوْلَاد نصير الَّذين أنزلهم السُّلْطَان بسايس وبوأهم إِيَّاه عوض مجاط وأوقعوا بهم وقْعَة شنعاء وَقد صبرت الْعَرَب فِي ذَلِك الْيَوْم صبرا جميلا حَتَّى أَن جمَاعَة مِنْهُم قد عقلوا أنفسهم فِي حومة الْحَرْب لِئَلَّا يَفروا وَقَاتل إخْوَانهمْ دونهم حَتَّى كثرهم البربر فقبضوا عَلَيْهِم بِالْيَدِ وضربوا أَعْنَاقهم وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو مِائَتَيْنِ وَهلك من البربر مثل ذَلِك أَو أَكثر وَلما انْهَزَمت الْعَرَب عمد بَنو مطير إِلَى مجاط فأنزلوهم بسائس على مَا كَانُوا عَلَيْهِ قبل ثمَّ انْطَلقُوا فِي الطرقات بالعيث والإفساد فِيهَا والنهب للمارة وَلم يدخروا شَيْئا من الشيطنة ليَوْم آخر وَكَثُرت الشكايات بهم على السُّلْطَان وَهُوَ بمراكش فَلَمَّا قدم أعزه الله قَدمته هَذِه لم يقدم شَيْئا على تأديبهم فَنَهَضَ إِلَى رَأس بِلَادهمْ ومزرعة فسادهم آكراي والحاجب وَغَيرهمَا وتقرى آثَارهم فِي تِلْكَ الْجِهَات حَتَّى جَاوَزت عساكره الْحَاجِب بمسايف كَثِيرَة وتوغلت البربر فِي قنن الْجبَال فَأمر السُّلْطَان أدام الله علاهُ بني مكيلد أَن يزحفوا إِلَيْهِم من نَاحيَة قبْلَة آكراي فزحفوا وانبثوا على حدودهم إِلَى غابة افقفاق الَّتِي هِيَ الْحَد بَين بني مكيلد وآيت شغروسن وآيت يوسي فحصروهم من تِلْكَ الْجِهَات ثمَّ نزل بإزائهم

стр. 1701

آيت يوسي وآيت شغروسن وآيت عَيَّاش وآيت والان من جِهَة الشمَال وامتدوا امتدوا إِلَى حُدُود وَادي النجَاة وربط حذوهم من جِهَة الغرب وَرَاء وَادي النجَاة الْقَائِد الْعَرَبِيّ بن مُحَمَّد الشَّرْقِي الْمَدْعُو بَابا مُحَمَّد وَوصل جنَاحه عَلَيْهِم قبائل الغرب والحوز وَصَارَ بَنو مطير فِي مثل أفحوص القطاة وضاق بهم رحب الفضاء وأيقنوا بِالْهَلَاكِ والبوار ولفظتهم السهول والأوعار ونهبت الْجنُود زُرُوعهمْ الْقَائِم والحصيد واستخرجت من مخزونهم الْكثير والعتيد وَلما انْتهى الْحَال بهم إِلَى هَذِه الْغَايَة تطارحوا على السُّلْطَان بالشفاعات وَأَكْثرُوا من التوسل بالذبائح والعارات فرق لَهُم وأقلع عَنْهُم بعد أَن ألزمهم إِعْطَاء خَمْسمِائَة مَرْهُون ووظف عَلَيْهِم مائَة وَخمسين ألف ريال بعد أَدَاء الْحُقُوق ورد الْمَظَالِم وَشرط عَلَيْهِم إِخْرَاج قَبيلَة مجاط من بَين أظهرهم وضمنهم طَرِيق مكناسة وفاس وَجعل الْعهْدَة فِيهَا عَلَيْهِم جَريا على عَادَتهم الْقَدِيمَة من جعلهم النزائل بهَا والحراس فالتزموا ذَلِك كُله وأدوه وَبعد ذَلِك نَهَضَ السُّلْطَان عَنْهُم إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا أَوَاخِر رَجَب الْفَرد من السّنة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَنَهَضَ إِلَى فاس وَلما احتل بهَا فرق الجيوش فِي النواحي لجباية الزكوات والأعشار والوظائف المخزنية فانتهت السَّرَايَا والبعوث إِلَى آيت يزدق من برابرة الصَّحرَاء فأذعنوا وأدوا مَا كلفوا بِهِ من الزكوات والأعشار وَغَيرهَا وَإِلَى آيت يوسي وَغَيرهم فأطاعوا وأذعنوا إِلَّا آيت حلى وهم بطن من آيت يوسي فَإِنَّهُم انحرفوا عَن عاملهم وأبوا من أَدَاء مَا وظف عَلَيْهِم فأوقع بهم جَيش السُّلْطَان وَقَطعُوا مِنْهُم عددا من الرؤوس وَسَاقُوا مثلهَا من المساجين فعلقت الرؤوس بأسوار فاس وَبعد ذَلِك أذعن آيت حلى للطاعة فقبلهم السُّلْطَان أيده الله وألزمهم ولَايَة عاملهم الَّذِي كَانُوا منحرفين عَنهُ وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَاخِر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ كَانَ عيد المولد الْكَرِيم فاحتفل لَهُ السُّلْطَان على الْعَادة وَبعث إِلَى حَضرته صاحبنا الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن خضراء بقصيدة ميلادية يَقُول فِيهَا (أمل المديح محبرا يَا منشد ... وأعده تطريبا فَذَلِك أَحْمد) (هَذَا أَوَان مَسَرَّة وسعادة ... هذي اللَّيَالِي الغر هَذَا الْموعد)

стр. 1702

(أَو مَا ترى علم الْبشَارَة لائحة ... أَو مَا تشاهد نورها يتَرَدَّد) (هَذَا زمَان ظُهُور طلعة أَحْمد ... فِي عَالم الأجساد هَذَا المولد) (طُوبَى لمن يروي غَرِيب حَدِيثه ... متأدبا ويعيده ويردد) (طُوبَى لمن يقْضِي حُقُوق مديحه ... ويجيده نظما بديعا ينشد) (فمديح خير الْخلق أعظم قربَة ... لكنه فِي ذَا الأوان مُؤَكد) (يَا لَيْلَة مَا كَانَ أعظم قدرهَا ... مَعَ فجرها طلع النَّبِي مُحَمَّد) (فاسرد شمائله الحسان وَمَا لَهُ ... من معجزات بِالنُّبُوَّةِ تشهد) (وَاذْكُر عجائب مولد قرت بِهِ ... عين الْمُحب وضاق مِنْهُ الأحقد) (وَاجعَل دعاءك للْإِمَام المرتضى ... إِن الدُّعَاء لَهُ لحق أوكد) (واملأ بدر مديحه أسماع من ... حَضَرُوا لَدَيْهِ وضمهم ذَا المشهد) (سَاس الرّعية صَادِقا فعنت لَهُ ... أُمَم وَقد كَانَت قَدِيما تشرد) (من كَفه فاضت مواهب جمة ... فالكف مِنْهُ للعفاة المورد) (طود أتآد شامخ ذُو همة ... علياء يقصر عَن علاها الفرقد) (مَا جود حَاتِم طيىء مَا حلم أحنف ... إِن ذَا لَهو الْحَلِيم الأجود) (أزكى الْمُلُوك أرومة وأجلهم ... قدرا وأسبقهم لأمر يحمد) (باهى بِهِ الغرب الممالك فاغتدى ... مِنْهُ يغار قريبها والأبعد) وَمن آخرهَا (مولَايَ يَا تَاج الْمُلُوك وفخرهم ... فليهنك الْعِيد الْأَغَر الأسعد) (لله موسم مولد لَك عَائِد ... بمسرة مَوْصُولَة تتجدد) (لَا زلت ممنوحا جلائل أنعم ... مَا اهتز فِي روض بهي أملد) (لَا زلت محروسا بِعَين عناية ... مَا رنم الْحَادِي وَحبر منشد) وَفِي ربيع الثَّانِي من سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورد كتاب السُّلْطَان أعزه الله على قَاضِي سلا بِتَعْيِين صاحبنا الشريف الأديب فلكي الْعَصْر أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن مُحَمَّد الجعيدي السلاوي للذهاب إِلَى مراكش برسم الْقيام على إحصاء صائر السُّلْطَان بهَا بَدَلا عَن الْفَقِيه أبي مُحَمَّد عبد الله بن

стр. 1703

خضراء فامتثل الشريف الْمَذْكُور وسافر فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور ومدح جناب السُّلْطَان أسماه الله بِهَذِهِ القصيدة الَّتِي يَقُول فِيهَا (لبيْك يَا منقذي من لجة الْعَدَم ... سعيا على الجفن لَا مشيا على الْقدَم) (فَذا أَوَان سعود كنت أرصده ... وَذي مناي كَمَا فِي سَابق الْقدَم) (فَهُوَ المرام وكل الْعِزّ يعقبه ... وَلَا يُحَال بِأَنِّي أَحْقَر الخدم) (قصدت أعتاب ملك شامخ بهج ... يقري الضيوف ويغني صَاحب الْعَدَم) (أنزلت رحلي بهَا وَعِنْدهَا أملي ... وَهل يخيب نزيل الْجُود وَالْكَرم) (شمرت عَن ساعدي وَالْأُذن وَاعِيَة ... فهاب أهل الحسام سطوة الْقَلَم) (أرْضى بِذَاكَ الَّذِي أَضَاء مغربنا ... بعدله فغدا يميس فِي نعم) (أزكى الْأَئِمَّة شِيمَة وأرفعهم ... قدرا وأسبقهم لكل مغتنم) (أميرنا الْحسن الْمَحْمُود سيرته ... تروع صولته الْأسود فِي الأجم) (نجل السلاطين قد أَحْيَا مآثرهم ... ونال مَا عجزت عَنهُ ذَوُو الهمم) (قد شاد للدولة الغراء مفخرها ... فَسَاد عِنْد مُلُوك الْعَرَب والعجم) (تَاج الْمُلُوك وفخرهم وسيدهم ... وَخير من قد مضى فِي غابر الْأُمَم) (قد لاحظته السُّعُود وَهِي فِي شرف ... وكل نحس عداهُ وَهُوَ عَنهُ عَم) (النَّصْر سابقه والسعد قائده ... وَالْفَتْح يَخْدمه من جملَة الخدم) (والجود سيرته والحلم حليته ... وَالْجد عَادَته فاحذر من النَّدَم) (لَيْث إِذا مَا أحس الْحَيّ سطوته ... ألقوا سِلَاحهمْ مَخَافَة النقم) (غيث إِذا الأَرْض يَوْمًا مَسهَا عَطش ... غوث توسل بِهِ لبارىء النسم) (مدير عَالم مفكر فطن ... ومفحم باهر بأفصح الْكَلم) (كل الفهوم لَهُ أَلْقَت أزمتها ... ونوره يَهْتَدِي بِهِ لَدَى الظُّلم) (بهَا يُقَاوم من بغى ويدمغه ... بهَا يدافع أهل الريب والتهم) (كم دبر الرّوم من كرّ وَمن حيل ... توجو النجاح بهَا والنجح فِي عقم) (يرى بِنور حجاه كل عَاقِبَة ... وَعين تَدْبيره لِلْأَمْرِ لم تنم) (فصل الْخطاب حباه الله مكرمَة ... وَحِكْمَة عظمت من أبدع الحكم) (فاطلب رِضَاهُ وَدم على محبته ... مدا الدهور وجانب دَاعِي السأم)

стр. 1704

(فَهُوَ المنى لِذَوي الحجا وبغيتهم ... وسيب يمناه مثل الزاخر العرم) (يدني الْأُصُول إِلَى نيل الْوُصُول ويحيينا ... بنعمته كالأرض بالديم) (مَا زَالَ يحيى بهَا بِلَاد مغربنا ... فاقرع بصدقك بَاب الْجُود تغتنم) (واسلك سَبِيل الصَّفَا تنَلْ بِهِ شرفا ... وَاقْبَلْ نصيحة من حباك واستقم) (يَا غَايَة الْقَصْد إِنِّي رَاغِب طرب ... مستمسك بجوار مِنْك لم يضم) (مولَايَ يَا من مزاياه وأنعمه ... فِي النَّاس أشهر من نَار على علم) (مولَايَ أَنْت الَّذِي تغني الضَّعِيف إِذا ... مَا الدَّهْر أفْضى بِهِ لقبضة الْهَرم) (بِشِرَاك إِن الفرنج سَوف يُدْرِكهَا ... مِنْكُم صغَار بِهِ تداس بالقدم) (فَأَنت ذُو مدد وهم ذَوُو نكد ... وَأَنت ذُو جذل وهم ذَوُو غمم) (مولَايَ جد برضاك لي وَخذ بيَدي ... واحرس جنابي بِهِ من سَائِر الْأَلَم) (وَاجعَل ثِيَاب الرضى سترا عَليّ وَلَا ... يرى بِهِ حَبل عروتي بمنفصم) (فها أَنا ذَاك عِنْد بَاب سيدنَا ... أَرْجُو قبولا ووصلا غير منصرم) (أبقاك رَبك فِي عز ومكرمة ... بِاللَّه أَمرك نَافِذ على الْأُمَم) (أدامك الله مَنْصُور اللِّوَاء على ... كل الأعادي وَلَا بَرحت فِي نعم) وَفِي آخر هَذِه السّنة ورد كتاب السُّلْطَان أيده الله باستدعاء صاحبنا أبي مُحَمَّد بن خضراء الْمَذْكُور آنِفا لتوليته خطة الْقَضَاء بِحَضْرَة مراكش فامتثل ووفد على أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله علاهُ بِحَضْرَتِهِ السعيدة من فاس المحروسة بِاللَّه فولاه الْقَضَاء بمراكش وَسَار إِلَيْهَا وَهُوَ الْآن بهَا مَحْمُود السِّيرَة حسن السريرة سدده الله وكلاه وَقَالَ فِي وفادته على الحضرة الشَّرِيفَة قصيدة يمدح بهَا الجناب المولوي وَنَصهَا (لبيْك دمت مؤيدا ومظفرا ... وَلَك الْكَمَال كَمَا تشَاء موفرا) (وافى خديمك أَمرك العالي الَّذِي ... فِي ضمنه إسعاده بَين الورى) (إِذْ خص دونهم بأشرف دَعْوَة ... يَا سعد من أضحى بهَا مُسْتَبْشِرًا) (فَأجَاب مبتدرا إِجَابَة صَادِق ... لم يلهه أهل وَلَا حب الذرى) (وطوى المراحل كي يحل بِحَضْرَة ... يلقى بهَا وَجه الْأَمَانِي مُسْفِرًا)

стр. 1705

(فبدت لَهُ الدَّار المنيفة يَا لَهَا ... دَارا أعز حمى وأبهى منْظرًا) (ونحا الجناب المستجار بظله ... وأناخ فِيهِ خاضعا ومعفرا) (يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مختارة ... أذكى من الْمسك الذكي وأعطرا) (ويمد كفيه بِصدق دَاعيا ... لَك بِالْبَقَاءِ مهنئا وَمُبشرا) (ويجيد شكر مواهب أوليتها ... كرما وَحقّ لمثلهَا أَن يشكرا) (وَيُعِيد ذكر محَاسِن أوتيتها ... ويصوغ مدحك صوغ تبر أحمرا) (ويروم إقبالا عَلَيْهِ بالرضى ... يَا فوزه إِن بالرضى هُوَ بشرا) (إِن ناله نجحت لَهُ آماله ... وَدنت مناه وارتقى واستبشرا) (يَا من يؤمل رفْعَة وسعادة ... يمم حمى الْمولى الْهمام لتظفرا) (ملك عَظِيم الْقدر جلّ كَمَاله ... عَن أَن تعد خصاله أَو تحصرا) (ملك كريم الطَّبْع عز مِثَاله ... خلقا كَرِيمًا لم يضاه ومفخرا) (ملك جزيل الْفضل عَم نواله ... كل الْأَنَام وفَاق غيثا ممطرا) (ملك أَفَاضَ على الرّعية خَيره ... وأنامهم فِي ظله متبصرا) (ملك جميل سياسة وسريرة ... وَيدل ظَاهره على مَا أضمرا) (ملك ترقى فِي سَمَاء مَكَارِم ... فغدا بِهِ أفق المكرم مقعرا) (ملك رَحِيم خاشع متواضع ... وَيرى اكْتِسَاب الْحَمد أربح متجرا) (قرت بِهِ عين الْخلَافَة واغتدى ... من سعده ذَا الْقطر أنعم أزهرا) (من أهل بَيت الْمُصْطَفى أكْرم بِهِ ... نسبا شريفا مَا أجل وأطهرا) (جمع المفاخر مكسبا ووراثة ... وحوى مآثر حَقّهَا أَن تؤثرا) (ماضي الْعَزِيمَة فِي الْأُمُور مُسَدّد ... فِي رَأْيه الميمون لَيْسَ مقصرا) (قل للمحاول شأوه فِي مجده ... أَو رفده أَو حلمه أطرق كرا) (هَذَا همام لَا يشق غباره ... هَذَا همام لن يجارى إِن جرى) (مولَايَ يَا أزكى الْأَئِمَّة شِيمَة ... وافيت بابك أَبْتَغِي مِنْك القرا) (لَا أَبْتَغِي إِلَّا الرضى وَكفى بِهِ ... فأنلني الْحَظ الجزيل الأوفرا) (مولَايَ مَا عِنْدِي إِلَيْك هَدِيَّة ... إِلَّا مديحك هاك مِنْهُ جوهرا) (نظمته فكرة مخلص متودد ... خُذْهُ إِلَيْك منظما ومحبرا)

стр. 1706

(لَا زلت فِي نعم تدوم ونصرة ... وسعادة لَا زلت أَنْت الأكبرا) (لَا زلت فِي حلل الْعِنَايَة رافلا ... لَا زلت فِي ملك كَبِير أبهرا) وَاعْلَم أَن الأمداح فِي جناب هَذَا الْملك الْجَلِيل الشريف الْأَصِيل كَثِيرَة والقصائد المفصحة عَن علو قدره وشموخ مجده وفخره شهيرة خطيرة لَا سِيمَا لِأَصْحَابِنَا السلاويين مِمَّن ذَكرْنَاهُ مِنْهُم وَمِمَّنْ لم نذكرهُ وَلَوْلَا خوف الإطالة لأثبتنا من ذَلِك مَا يزرى بالحبر ويفصح بالذكرى والعبر وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله يَجْزِي كلا بنيته وخلوص طويته ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا تَجَدَّدَتْ الشُّرُوط بَين السُّلْطَان أعزه الله وَبَين أَجنَاس الفرنج فِي سَبِيل تَأْكِيد المهادنة وجلب نفع التِّجَارَة وَكَانَ من جُمْلَتهَا أَن النَّصَارَى وَأهل حمايتهم يلزمون بغرامة الْوَظَائِف المخزنية الْمرتبَة على الْأَبْوَاب كَسَائِر رعية السُّلْطَان وَقدر ذَلِك الوظيف سِتَّة بلايين لكل حمل وَفِي هَذِه الْمدَّة الَّتِي هِيَ أواسط السّنة الْمَذْكُورَة أَخذ السُّلْطَان أعزه الله فِي التأهب للحركة والنهوض من مكناسة الزَّيْتُون قَاصِدا حَضْرَة مراكش الْحَمْرَاء فاحتلها فِي آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَعِيد بهَا عيد الْأَضْحَى ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا تحرّك السُّلْطَان أعزه الله لغزو بِلَاد السوس الْأَقْصَى فَأخذ فِي التأهب والاستعداد لذَلِك وَأمر قبائل دكالة وتامسنا بِحمْل الْقَمْح وَالشعِير والتبن إِلَى مرسى الجديدة ومرسى الدَّار الْبَيْضَاء ليحمل مِنْهُمَا فِي المراكب إِلَى سَاحل السوس الْأَقْصَى بِقصد إرفاق الْجَيْش وإعانته وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن جنس الإصبنيول كَانَ متشوفا لتملك بعض المراسي السوسية مُنْذُ انْعِقَاد الْهُدْنَة مَعَه عقب حَرْب تطاوين وَكَثِيرًا مَا كَانَت مراكبه الحربية والتجارية تَتَرَدَّد إِلَى تِلْكَ النواحي فيستهوي أَهلهَا بِأَسْبَاب التِّجَارَة ونيل الأرباح فَرُبمَا سكنوا إِلَيْهِ وَرُبمَا نفروا مِنْهُ وَتكلم السُّلْطَان أعزه الله مَعَ كبرائهم فِي ذَلِك فاحتجوا بِأَن صلح تطاوين كَانَ منعقدا على فتح بعض المراسي السوسية وَأَنَّهُمْ الْآن قد عزموا على الْأَخْذ بشرطهم

стр. 1707

الْمَذْكُور وَإِلَّا أفْضى الْحَال إِلَى مَا لَا يَلِيق فَرَأى السُّلْطَان أعزه الله أَن من الْوَاجِب أَن ينْهض إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد ليباشر أمرهَا بِنَفسِهِ لَا سِيمَا وَكَانَ أَهلهَا قد بعد عَهدهم بإجراء الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِيمَا بَينهم على مقتضياتها فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَانْتهى مِنْهَا إِلَى قرب وَادي نول ومهد أقطارها وَولى على أَهلهَا الْقُضَاة والعمال وَاتخذ هُنَاكَ مرسى للوسق والوضع تسمى آساكا وَكتب فِي ذَلِك كتابا لولاة الْمغرب يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح أما بعد فَإنَّا لما نهضنا من مراكش بحول الله وقوته وسطوته الباهرة وصولته وجيوش الله المظفرة موفورة وَجُنُوده سُبْحَانَهُ مقطورة وأعلامها منشورة منصورة نهضة مُعْتَمد على مَوْلَاهُ متقلد لما قذف فِي قلبه فأبداه متمسك بعروته الوثقى الَّتِي من استمسك بهَا بلغ مناه وانتهينا بمعونة الله لمبدأ هَذِه الأقطار السوسية وامتطينا صهوتها وَهِي ذلولا فِي ربوع الْيمن ساعيه وبنود الله خافقة على مفارق الظفر وبذرى الْمجد سامية تواردت على حضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه الْوُفُود متناسقة متتابعة وانتظمت فِي سلك السّمع وَالطَّاعَة والخدمة الجامعة فتسارعوا إِلَى مَا إِلَيْهِ دعوا وتلقوه تلقي الظمآن فنهلوا وكرعوا وأوقدوا لوفود كبرائهم وأعيانهم وأشياخهم مصباحا واستضاؤوا بضياء نور الله غدوا ورواحا ومدوا أَعْنَاق الإذعان وبسطوا أَيدي المسالمة والإبقاء عَلَيْهِم والامتنان بعد مَا كَانَت قد بلغت مِنْهُم الْقُلُوب الْحَنَاجِر وارتعدت فرائصهم من هَيْبَة الله ثمَّ اطْمَأَن الْبر وشرق الْفَاجِر وانتهبت أجفان المراسم المخزنية الَّتِي عفت بعد نومتها فَانْظُر إِلَى أثر رَحْمَة الله كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وصرفنا إِلَيْهِم عنان التَّرْتِيب بعد أَن وطأنا لَهُم كنف الترحيب فبوأنا من توسمنا فِيهِ الْأَهْلِيَّة للتولية على إخوانه مهادا وقلدناه أَمرهم جمعا وفرادى وضربنا للْكُلّ فِيهَا على مُقْتَضى السياسة بمعونة الله بِسَهْم مُصِيب وأرعيناه من مربع خدمتنا الشَّرِيفَة المرعى الخصيب حَتَّى وَقع التَّمَكُّن من أزمتهم وأجلسنا خاصتهم وعمالهم على أسرتهم فاتصلت بهم المخزنية اتِّصَال الْأَرْوَاح بالأجساد واستنارت هَذِه الأرجاء بِنور الله اسْتِنَارَة عَمت الْحَاضِر والباد فأدوا من الطّرف والهدايا مَا فِيهِ غنية لمن ركب متن المزايا

стр. 1708

مَعَ كَون الْبِلَاد لم تنْكح بالمخزن مُدَّة من السنين تنيف على عدد السِّتين وَلَو لم ننل من هَذ الْفتُوح الباهرة بِفضل الله إِلَّا عشرا لَكَانَ فِي جنب من قدم عَهده بالمخزنية كثرا ولكان مَا عودنا سُبْحَانَهُ إِلَّا الْجَمِيل إِذْ هُوَ الْمُتَصَرف الْغَنِيّ القاهر الْقوي الْكَفِيل وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل ثمَّ ولينا عَلَيْهِم من الْقُضَاة من فيهم الْكِفَايَة لإِقَامَة شرائع الدّين وَلم نأل جهدا فِي انتخابهم من أمثل المقلدين علما بِأَن الشَّرْع عَلَيْهِ المبنى وَبِه يعمر المغنى ويغزر الْحس وَالْمعْنَى ثمَّ تطارح شرفاؤهم ومرابطوهم على أَعلَى جنابنا بإقرارهم على عوائدهم وإبقائهم على أعرافهم ومحاتدهم الَّتِي عِنْدهم عَلَيْهَا ظهائر أسلافنا المقدسين أَئِمَّة الْمُسلمين وأمراء الْمُؤمنِينَ وَكَذَا ظهائر من غبر من الْمُلُوك الْمُتَقَدِّمين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فانتهجنا نهجهم وسمكنا بحول الله أوجهم وساعدناهم فأقررنا وجددنا لكل ظهيره وأجريناه على مَا أسس لَهُ من الْمجد وجعلناه نجيه وسميره وَحَيْثُ كَانَ الْقَصْد الأهم من هَذِه الوجهة الْمُبَارَكَة هُوَ حماية ذمار هَؤُلَاءِ الْمُسلمين والدفاع عَن بِلَادهمْ ورقابهم وَأَمْوَالهمْ مِمَّا طمحت إِلَيْهِ نفوس المؤملين وَكَانَ ملاك ذَلِك هُوَ فتح المرسى بوادي نول بِمحل يُسمى آساكا بِأَرْض قبيلتي تكنة وآيت باعمران إِذْ بِفَتْحِهَا يَسْتَقِيم أَمر الدفاع ويسهل على أهل ذَلِك الْمحل البيع والابتياع يَقِينا بِأَن سد أَبْوَاب الضَّرَر من الْأَمر المحتوم وإرشاد الضال فِي الشَّرْع من الْمُقَرّر الْمَعْلُوم تسابق القبيلتان المذكورتان اللَّتَان تلقيتا جنابنا العالي حِين عبرنا وَادي والغاس وقصدنا بجيوش الله بِلَادهمْ قصد طَبِيب آس فتلقوا رِكَابنَا السعيد بِمحل يعرف بآمصاو قرب مرسى تسمى باكلو إِذْ هُوَ الطّرف الموَالِي لآيت باعمران الْمُسَمّى بالسَّاحل وَإِلَيْهِ شدت هَذِه المراحل وَبَين آمصاو وَمحل المرسى الَّذِي أُرِيد فَتحه مرحلتان وبثلاث عشرَة سَاعَة ميقاتية مقدرتان فَأتوا بشرفائهم وفقهائهم ومرابطيهم وأعيانهم وأشياخهم المالكين لقيادهم فقوبلوا بِمَا قوبل بِهِ أمثالهم وناسب أَن يَتَّصِف بِهِ حَالهم ثمَّ ولينا عَلَيْهِم عدَّة من الْعمَّال جعلناهم بحول الله عدَّة فِي تِلْكَ الْأَعْمَال وَحِينَئِذٍ وَقع الْكَلَام مَعَهم فِي شَأْن المرسى فامتثلوا مَا أمرناهم بِهِ من فتحهَا امْتِثَال

стр. 1709

من أضحى يتقلب فِي رضَا الله وَرَسُوله وَأمسى ثمَّ وجهنا مَعَهم سَرِيَّة من أَعْيَان الْجَيْش مُعْتَبرَة وَمَعَهُمْ من الْفُقَهَاء والمهندسين من يعْتد بهم فِي رسم تِلْكَ المرسى وتخطيطها على نهج الْقَوَاعِد المقررة والأعمال المحررة اقْتضى الْمقَام وَالْحَال تسبيقها رفقا بعباد الله واعتبارا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد قضى الْغَرَض ووهبه وأسداه وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله قل إِن الْفضل بيد الله وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله ثمَّ أَقَمْنَا فِي الْمحل الْمَذْكُور لانتظارهم فِي تشييد منارهم فَإِن انقلبوا بِالْمَقْصُودِ فَالْحَمْد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَإِن لم يشفوا الغليل شددنا بحول الله لذَلِك المرسى عَزمَات الرحيل وقطعنا تِلْكَ المفازات هَذَا وَقد نصبنا قائدا من قواد جيشنا السعيد مُخْتَارًا من ذَوي الرَّأْي السديد وأقمناه بقصبة تيزنيت مَحل المخزن فِي الْقَدِيم بِقصد أَن يكون إِعَانَة لسَائِر عُمَّال الْقطر السُّوسِي من وَادي والغاس إِلَى مُنْتَهى وَادي نول وكليميم يتفاوضون مَعَه فِيمَا عَسى أَن يعرض لَهُم من الْمُهِمَّات وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المخزن بَعيدا عَن هَذِه الشرفات بعد مَا عرفناهم بِأَنا أقمناه مشرفا للتفاوض مَعَه وبصيرة على مَا قصدنا من فتح ذَلِك المرسى إيثارا للنعمى ودفعا للبؤسى فَفَرِحُوا بذلك فَرح الظمآن الْوَارِد والضال الْوَاجِد وَوَقع الْإِشْهَاد عَلَيْهِم بِكُل مَا فصلناه وأبرم عقده مَعَهم على نَحْو مَا رسمناه فَكَانَ ذَلِك تَمام الْعَمَل الَّذِي قصدناه والمورد الَّذِي أردناه وانتحيناه وَالله تَعَالَى يخلص فِي ذَاته الْعَمَل وَيجْعَل هَذِه الوجهة الْمُبَارَكَة بفضله ومنته من الْجِهَاد المتقبل إِنَّه جواد كريم متفضل غَنِي حَلِيم وَالسَّلَام فِي متم شعْبَان عَام تِسْعَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أيده الله وَفِي أَوَاخِر صفر سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَألف قَامَ نواب الإصبنيول من مراسي الْمغرب الْأَقْصَى بعد أَن أَقَامُوا بهَا نيفا وَعشْرين سنة لِاسْتِيفَاء مَا وَقع الصُّلْح عَلَيْهِ فِي حَرْب تطاوين وَكَانَ جملَة المَال الْمصَالح عَلَيْهِ عشْرين مليونا من الريال الْكَبِير وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ﵀ قد دفع مِنْهُ عشرَة ملايين مُعجلَة وَالْعشرَة الْبَاقِيَة هِيَ الَّتِي استوفاها الإصبنيول فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة أَقَامَ أمناءه مَعَ أُمَنَاء السُّلْطَان بمراسي الْمغرب

стр. 1710

فَكَانَ كل فريق يَسْتَوْفِي نصف الدَّاخِل حَتَّى تمّ الْعَمَل وَفِي صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الشَّيْخ الْمنور الذاكر الخاشع أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْهَاشِمِي الطَّالِبِيُّ من صلحاء أهل سلا وَكَانَت وَفَاته فَجْأَة تعشى تِلْكَ اللَّيْلَة عشَاء خَفِيفا على عَادَته وَصلى الْعشَاء وتلا أوراده مُنْفَردا فِي بَيته كَمَا كَانَ يفعل ثمَّ أصبح مَيتا من غير أَن يحضرهُ أحد وَكَانَ قد ناهز الثَّمَانِينَ وشاخ وابيضت لحيته وَرَأسه وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من أهل العدوتين سلا والرباط وازدحموا على نعشه وتناوبوه تبركا بِهِ وَصلى عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الْأَعْظَم من سلا عقب صَلَاة الظّهْر وَدفن بِالْبَيْتِ القبلي من دَاره وَتردد الطّلبَة إِلَى قَبره مُدَّة لقِرَاءَة الْقُرْآن والبردة وَغَيرهَا من الأمداح وَعظم مصاب النَّاس بِمَوْتِهِ وَكَيف لَا وَقد كَانَ مِصْبَاح العدوتين بل وَغَيرهمَا فِي زَمَانه مَعَ مَا اكرمه الله تَعَالَى بِهِ من التَّوَاضُع وَحسن الْخلق ولين الْجَانِب مَعَ النَّاس بِحَيْثُ لم يعْهَد ذَلِك وَلم يرو إِلَّا عَن السّلف الصَّالح وَمن سلك سبيلهم من أمثالهم ﵃ وَكَانَ مَجْلِسه مجْلِس علم وحياء وَوعظ وَذكر للأولياء وَالصَّالِحِينَ وسيرهم وأخبارهم لَا يسمع فِي مَجْلِسه لَغْو وَلَا خوض فِي دنيا إِنَّمَا هُوَ سرد الْأَحَادِيث وأخبار الصَّالِحين وَنَحْو ذَلِك محافظا على الصَّلَوَات وَقيام اللَّيْل والأذكار وبذل الْمَعْرُوف وَالْأَمر بِهِ مَا أمكن وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ فِي سيرته وأخلاقه على مُقْتَضى السّنة النَّبَوِيَّة وآثار السّلف الصَّالح ﵃ ونفعنا بمحبتهم ومحبة أمثالهم آمين وَبعد غرُوب الشَّمْس من لَيْلَة الْجُمُعَة فاتح ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة البارع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْمدنِي كنون عَالم فاس وَالْمغْرب وَصلى عَلَيْهِ عقب صَلَاة الْجُمُعَة بِجَامِع الأندلس من فاس حرسها الله وَدفن بالموضع الْمَعْرُوف بالقباب وَكَانَ ﵀ فَقِيها عَالما متضلعا قولا بِالْحَقِّ صادعا بِهِ لَا يهاب فِي ذَلِك كَبِيرا وَلَا صَغِيرا وَلَقَد امتحن فِي ذَلِك من قبل السُّلْطَان فَلم يفل ذَلِك من غربه وَلم يوه من صرامته وَلَا حَده وَله عدَّة تآليف من أحْسنهَا اخْتِصَار حَاشِيَة الرهوني على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل جدد الله عَلَيْهِ الرحمات آمين

стр. 1711

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَألف فَفِي لَيْلَة الْعشْرين من صفر مِنْهَا وَقع فِي النُّجُوم تناثر كَبِير وَرمي شَدِيد تشريقا وتغريبا وَغير ذَلِك على خلاف الْمُعْتَاد حَتَّى لقد أذكرت قَول بشار بن برد الْأَعْمَى فِي وصف الْحَرْب (كَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه) ودام ذَلِك من وَقت الْغُرُوب إِلَى نصف اللَّيْل وَفِي هَذِه الْأَيَّام كَانَت بَين جيوش الرجل الْمَنْصُور الْقَائِم بِبِلَاد الْحَبَشَة والنوبة المتسمي بالمهدي وَبَين جَيش النجليز حروب عَظِيمَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا وَكَانَ للمهدي الْمَذْكُور على النجليز غَايَة النَّصْر والظهور وَلَوْلَا أَن التَّعَرُّض لخبره لَيْسَ من مَوْضُوع الْكتاب لشرحت ذَلِك فَإِن أمره عَجِيب جدا وَفِي أواسط ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ورد أَمر السُّلْطَان أيده الله بتسريح مَا كَانَ موظفا على أَبْوَاب المدن والقرى مِمَّا كَانَت تُؤَدِّيه الْعَامَّة على أحمال السّلع والتجارات من المكوس وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عَامل سلا وقته بِمَا نَصه بعد الِافْتِتَاح والطابع الْمُشْتَمل على اسْم السُّلْطَان أيده الله خديمنا الأرضى الْحَاج مُحَمَّد بن سعيد السلاوي وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبعد فقد شرح الله صدرنا لرفع الْعَطاء فِي سَائِر الْأَبْوَاب بالمدن والمراسي عَن كل مَا يمر بِهِ عَلَيْهَا دَاخِلا وخارجا وأصدرنا أمرنَا الشريف لأمين المستفادات بثغر سلا المحروس بِاللَّه كَغَيْرِهِ بإنهاض المشترين لأبوابه الجالسين للقبض بهَا والمتصرفين فِي شؤونها لحَال سبيلهم وإعمال الْحساب مَعَ مشتريها الْمَذْكُورين على مَا تصرفوا فِيهِ إِلَى يَوْم الإنهاض وتوجيه الْقَائِمَة بذلك لحضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه وَغير الْأَبْوَاب من الْأَمَاكِن الْمُعْطى فِيهَا وَعَلَيْهَا تبقى على حَالهَا حَتَّى نَنْظُر فِي أمرهَا بحول الله وأعلمناك لتَكون على بَال وَالسَّلَام فِي ثَانِي ربيع الأول عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف وَلما ورد هَذَا الْكتاب فَرح النَّاس بِهِ ودعوا للسُّلْطَان بالنصر والتأييد من خَالص نياتهم نطلب الله تَعَالَى أَن يتمم نعْمَته على الْمُسلمين بتسريح مَا بَقِي موظفا من مبيعات الْأَسْوَاق ويريح النَّاس من شؤمه فَإِنَّهُ لَا شَيْء أشأم من هَذِه المكوس على الدول نسْأَل الله الْعَافِيَة وَفِي عَاشر جُمَادَى الثَّانِيَة من

стр. 1712

السّنة الْمَذْكُورَة خرج السُّلْطَان مولَايَ الْحسن أيده الله من حَضْرَة مراكش غازيا بِلَاد السوس الْأَقْصَى وَمَا وَرَاءَهَا من عرب معقل وَسَائِر قبائل الصَّحرَاء لما بلغه من اضْطِرَاب الرعايا بِتِلْكَ الْبِلَاد وخروجهم على ولاتهم وَأَن بعض تجار النجليز قد تسور على مرسى بِتِلْكَ السواحل يُسمى طرفاية وَوصل يَده فِي البيع وَالشِّرَاء بِبَعْض الْقَبَائِل الَّذين هُنَاكَ وَأَرَادَ أَن يَبْنِي بِالْمحل الْمَذْكُور فَنَهَضَ السُّلْطَان أيده الله لحسم مَادَّة هَذَا الْفساد وَلما توَسط بِلَاد السوس وَأصْلح أحوالها وثقف أطرافها كتب كتابا إِلَى وُلَاة الْمغرب يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح مَا نَصه وَبعد فَإنَّا بحول الله الْقوي الْمعِين الفاتح لما اغلق كَمَا يَشَاء فِي الْحِين أَو بعد حِين الْمُؤَيد بعنايته عَبده فِي كل مصدر ومورد وتحريك وتسكين كتبنَا إِلَيْكُم هَذَا يَوْم حلولنا وسط خدامنا قبائل آيت باعمران بحبوحة مجامع قبائل السوس الْأَقْصَى ومناخ الْأَعْيَان نعلمكم بِمَا وَاجَهنَا الْمولى سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْحَرَكَة الْمُبَارَكَة من تعاقب المنن والأيادي وابتسام ثغر الزَّمَان بِمَا أملناه من الْعلي المنان فِي هَذَا النادي لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَبِيَدِهِ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْوَلِيّ والنصير والسميع والبصير فَكَانَ من أَمر هَذِه الْقَبَائِل السوسية والقساملة الساحلية أَن تلقوا رِكَابنَا السعيد أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا ناشرين أَعْلَام الْفَرح تجاه جيوش الله المظفرة سري وإدلاجا حاشدين جموعهم مصحوبة بأعيانهم وَمن يعْتد بِهِ من فقهائهم وشرفائهم ومرابطيهم من غير أَن يكون جمعهم خداجا مستنتجين للفوز بخاطرنا الشريف مُقَدمَات الِامْتِثَال والسمع وَالطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ استنتاجا مقدمين بَين يديهم هداياهم متترسين بأبنائهم وإخوانهم وسراياهم مادين أَعْنَاق الِامْتِثَال عاضين بالنواجذ على الْخدمَة وَصَالح الْأَعْمَال فَأتوا بمؤنتهم على قدر الِاسْتِطَاعَة ومهدوا لسلوك الْجَيْش السعيد مَا صَعب من طرقهم حَتَّى صَارَت مسلوكة مشاعة وَنحن فِي كل ذَلِك نعاملهم بالبرور ونبسط الْبشر إِلَيْهِم ونقابلهم بِمَا ارتسم فيهم من السرُور وَهَا نَحن بحول الله جادون فِي الخلوص إِلَى الْمَقْصد الَّذِي لأَجله نقلنا هَذِه الخطوات واستعملنا

стр. 1713

فِيهِ الْفِكر وأسهرنا أحداق الاعتبارات من صرف النّظر لفتح مرسى آساكا مَرْكَز سَاحل وَادي نول وَمجمع الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة والبربرية ومنتهى ذَلِك المسكون وَلَا سِيمَا من جَاءَت بَينهمَا كالام والعنصر وهما كالتوأمين لَهَا يستمدان مِنْهَا ويرضعان خُلَاصَة لبن ثديها وهما القبيلتان الباعمرانية والتكنة وَمن تراكم عَلَيْهِمَا وارتدف من قبائل الْعَرَب والبربر أَو كَانَ على حكمهمَا فِيمَا ارتضع وارتشف هَذَا إِن كَانَت تصلح لذَلِك وتعود مَنْفَعَتهَا على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام بعد الاستخارة مرَارًا فِي اختطاطها وتتحقق بصلاحيتها كشفا واستبصارا ونتوخى فِي الْإِقْدَام على ذَلِك بحول الله الْأسد من الأنظار والمنهاج القويم الْجَارِي على اعْتِرَاف هاتيك الأقطار ثمَّ إِن كَانَت مُوَافقَة للأصلح أقدمنا وَإِن لم يظْهر وَجه الْمصلحَة أعرضنا عَنْهَا إِلَى غَيرهَا قَالَ الله الْعَظِيم ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ الْبَقَرَة ١٠٦ وَمَا آل إِلَيْهِ الْأَمر نعلمكم بِهِ ونشنف آذانكم بِمَا سنح من سره فَإِنَّهُ لكل عمل نتيجة بعد العنوان وَالله الْمولى الْمُسْتَعَان وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل وَهُوَ نعم الْمولى وَنعم الْوَكِيل وَالسَّلَام فِي تَاسِع شعْبَان الأبرك عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف ثمَّ تجَاوز السُّلْطَان أيده الله قطر السوس الْأَقْصَى إِلَى صحراء كليميم فوفدت عَلَيْهِ هُنَاكَ أَشْيَاخ عرب معقل وكبراؤها خاضعين مُطِيعِينَ وفرحوا بِمقدم السُّلْطَان ووطئه بِلَادهمْ غَايَة الْفَرح حَتَّى لقد اتَّخذُوا مَوضِع خبائه الَّذِي كَانَ مَضْرُوبا بِهِ مزارا يتبركون بِهِ إِلَى الْآن إِذْ لم يَكُونُوا هم وَلَا آباؤهم من قبل رَأَوْا سُلْطَانا بأرضهم وَلَا سمعُوا بوصوله إِلَيْهَا وأجروا خيولهم وإبلهم بمحضره ولعبوا عَلَيْهَا بالبارود إِذْ عَادَة عرب الصَّحرَاء أَن يسابقوا على الْإِبِل كَمَا يسابقون على الْخَيل وَمن هُنَاكَ وَجه السُّلْطَان أيده الله كَتِيبَة من جَيْشه إِلَى مرسى طرفاية فغيروا مَا كَانَ أحدثه أُولَئِكَ التُّجَّار من النجليز بهَا وطمسوا أَعْلَامه وفر من كَانَ بهَا من النَّصَارَى إِلَى بابوراتهم الَّتِي كَانَت على ذَلِك السَّاحِل وَأمر أيده الله بِبِنَاء مرسى آساكا واتخاذها محلا للوسق والوضع هُنَاكَ ورتب الحامية والعسات بِتِلْكَ

стр. 1714

السواحل من آكادير إِلَى كليميم وَكتب بذلك كُله إِلَى وُلَاة الْمغرب وقفل رَاجعا فأوقع فِي رُجُوعه بقبيلة ذاوتنان من أهل السوس الْأَقْصَى ثمَّ كَانَت عَاقِبَة الْقَضِيَّة النجليزية أَن قَامَ فهيا أَرْبَاب دولتهم وقعدوا وخبوا فِي التشغيب على عَادَتهم وَوَضَعُوا حَتَّى وَقع الصُّلْح على مَال دَفعه السُّلْطَان إِلَيْهِم تسكينا لِلْأَمْرِ ودفعا لما هُوَ أعظم وَالْأَمر لله وَحده وَفِي عَشِيَّة يَوْم الثُّلَاثَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة الْمَذْكُورَة غيمت السَّمَاء غيما كثيفا أسود وَذَلِكَ بمراكش ونواحيها وهبت ريح سَوْدَاء مَعَ رعد قاصف ثمَّ نزل برد مثل الْبيض وَأعظم وتهدمت بمراكش دور كَثِيرَة وَمَات تَحت الْهدم خلق كثير نيفوا فِيمَا قيل على الْمِائَة وفر النَّاس إِلَى أضرحة الْأَوْلِيَاء بعد أَن ودعوا عَشَائِرهمْ وأحبتهم ولزموا الاسْتِغْفَار والتضرع إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى انجلى الْغَيْم بعد نَحْو ساعتين وَالْحَمْد لله على حلمه بعد علمه وعَلى عَفوه بعد قدرته وَفِي هَذِه السّنة اشْتَدَّ حرص أَجنَاس الفرنج على تنقيص صاكة الأعشار وطلبوا من السُّلْطَان أيده الله أَن يحط عَنْهُم من صاكة السّلع الموسوقة الَّتِي كَانَت مسرحة من قبل وَأَن يسرح لَهُم مَا كَانَ مثقفا قبل ذَلِك وأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا وَقَامُوا فِيهِ وقعدوا فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أيده الله شدَّة حرصهم وتكالبهم كتب كتابا إِلَى الرّعية يستشيرهم فِيهِ وَيَقُول بعد الِافْتِتَاح أما بعد فقد كَانَ طلب منا بعض نواب الْأَجْنَاس بطنجة على وَجه الْخَيْر والمحبة فِيمَا سلف من أَعْوَام تَجْدِيد شُرُوط التِّجَارَة بِقصد تَسْرِيح الْأَشْيَاء الممنوعة الوسق كالحبوب مُطلقًا والأنعام والبهائم وَنَحْو ذَلِك ونقصان صاكة الْخَارِج ذاكرين أَن تَسْرِيح ذَلِك فَهِيَ النَّفْع لبيت المَال وللرعية وَهَذِه مُدَّة من خَمْسَة أَعْوَام وَنحن ندافع ونسدد ونقارب بِمَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْت وَالْحَال عملا بقول سيد الْوُجُود ﷺ فِي وقائع وقضايا سددوا وقاربوا لإبقاء مَا كَانَ على مَا كَانَ إِذْ لَا أقل من ذَلِك سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بقوله يَأْتِي على النَّاس زمَان يمر فِيهِ الْحَيّ على قبر الْمَيِّت فَيَقُول لَيْتَني مَكَانك وحاشى لله

стр. 1715

أَن نتسبب للْمُسلمين فِي غلاء أَو نوافق لَهُم على ضَرَر وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَكَيف وَالله سُبْحَانَهُ قد استرعانا عَلَيْهِم وَالنَّبِيّ ﷺ يَقُول كلكُمْ رَاع وكل رَاع مسؤول عَن رَعيته والآن قد اشْتَدَّ حرصهم على ذَلِك وتمالؤوا فِيهِ على كلمة وَاحِدَة وصمموا عَلَيْهِ وَلما أفْضى الْحَال إِلَى مَا افضى إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَلم يُمكن إِلَّا الإعلان بذلك والمشاورة فِيهِ مَعَ من يعْتد بِهِ استشرنا فِيهِ جَمِيع من يشار إِلَيْهِ بِالْخَيرِ وَالْفضل وَالدّين وَالْعقل والذكاء والدهاء موثوقا بديانته وأمانته فَلم يشيروا فِيهِ بِخَير وَاتَّفَقُوا على أَن لَا مصلحَة فِي تَسْرِيح ذَلِك أصلا وبينوا مَا يَتَرَتَّب على الْكل من الْمَفَاسِد ففصل الْحَيَوَان أول مَا يَتَرَتَّب على تسريحه من الضَّرَر غلاؤه على ضعفاء الرّعية بل يُؤَدِّي إِلَى فَقده بِالْكُلِّيَّةِ من هَذِه الإيالة وَأَشْيَاء أخر لَا يَفِي بهَا التَّعْبِير هُنَا وَفصل النَّقْص من الصاكة يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ضعف الْمَدْخُول الَّذِي مِنْهُ يقوم المخزن الْجَيْش والعسكر ومصالح الرّعية وَأَعْظَمهَا تَضْعِيف الرّعية بِالْقَبْضِ مِنْهُم كتضعيف المكوس وَضرب الْخراج عَلَيْهَا تَقْوِيَة لبيت المَال والجيوش وَمَا أبداه بعض نواب الْأَجْنَاس الراغبون فِي تَسْرِيح ذَلِك من الْمصَالح الْمَالِيَّة العائدة على رعيتنا السعيدة على مُقْتَضى مَا ظهر لَهُم ردُّوهُ بِمَا يطول شَرحه وَلَا يَفِي بِهِ قرطاس وَلما رَأينَا الْأَمر اسْتَحَالَ إِلَى أَسْوَأ حَال أَو كَاد تداركنا هَذَا الْخرق بالرفء وجنحنا إِلَى السّلم امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا﴾ الْأَنْفَال ٦١ الْآيَة وارتكبنا أخف الضررين فَاقْتضى نَظرنَا الشريف أَن ظهر لكم درءا لتِلْك الْمَفَاسِد الْمُقدم على جلب الْمصَالح أَن يساعدوا على تَسْرِيح أَشْيَاء بِقصد الاختبار من تِلْكَ الْأُمُور الممنوعة الوسق كالقمح وَالشعِير وذكران الْبَقر وَالْغنم والمعز وَالْحمير ثَلَاث سِنِين فَقَط على شَرط الاختبار فِي الْمَنْفَعَة الَّتِي ذكروها فِي تسريحه الْكل بأعشاره الْمَعْلُومَة فِي مثله على أَن يكون تَسْرِيح ذَلِك فِي وَقت غَلَّته مَعَ وجود الخصب مُدَّة من ثَلَاثَة أشهر وَبعد مضيها يثقف وَلَا يسمع كَلَام من أحد فِي تسريحه وَلَا يقبل مِنْهُ عذر فِيهِ وَفِي الْعَام الْمقبل إِذا كَانَ صَالحا يسرح ثَلَاثَة أشهر بِقصد الاختبار أَيْضا وَإِذا كَانَ نَاقِصا لَا يَقع اختبار بتسريحه الْمدَّة

стр. 1716

المحدودة وَيبقى مثقفا على أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الاختبار حَتَّى يظْهر ولتعلموا أَنكُمْ لن تزالوا فِي سَعَة فَإِن ظهر لكم ذَلِك فَالْأَمْر يبْقى بِحَالهِ وَإِن ظهر لكم مَا هُوَ أَسد وأحوط فِي الدفاع عَن الْمُسلمين فأعلمونا بِهِ إِذْ مَا أَنا إِلَّا وَاحِد من الْمُسلمين وأعلمناكم بِمَا كَانَ امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿لَهُم وشاورهم فِي﴾ آل عمرَان ١٥٩ وَإِلَّا فَمَا ﴿مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو وَمن التِّجَارَة وَالله خير الرازقين﴾ الجمعه ١١ وَالسَّلَام فِي سَابِع رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام ثَلَاثَة وثلاثمائة وَألف انْتهى كتاب السُّلْطَان أعزه الله وَلما قرىء هَذَا الْكتاب على خَاصَّة النَّاس وعامتهم أجابوا كلهم بِأَن الرَّأْي مَا رَآهُ السُّلْطَان وَفقه الله إِلَّا مَا كَانَ من بعض الْعَامَّة الأغمار الَّذين لم يجربوا الْأُمُور وَلَا اهتدوا إِلَى النّظر فِي العواقب فَإِنَّهُم قَالُوا مَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف لَكِن لم يلْتَفت إِلَيْهِم وَقد كتبت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة جَوَابا مطولا رَأَيْت إثْبَاته هُنَا خشيَة ضيَاعه وَنَصه اعلموا حفظكم الله أَن النّظر فِي هَذِه النَّازِلَة يكون من وُجُوه أَحدهَا من جِهَة الْفِقْه وَالْحكم الشَّرْعِيّ ثَانِيهَا من جِهَة الرَّأْي والسياسة وَهَذَا لَا بُد أَن يجْرِي على ضَابِط الْفِقْه أَيْضا ثَالِثهَا من جِهَة الْفَهم عَن الله تَعَالَى وَالنَّظَر فِي تَصَرُّفَاته سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْوُجُود بِعَين الِاعْتِبَار فَأَما الْوَجْه الأول فَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم قد نصوا على أَنه لَا يجوز بيع آلَة الْحَرْب من السِّلَاح والكراع والسروج والترسة وَنَحْو ذَلِك من الْكفَّار الْحَرْبِيين لما يخْشَى من تقويهم بذلك على الْمُسلمين هَذِه عِلّة الْمَنْع وَهِي تفِيد أَمريْن أَحدهمَا أَن كل ماهو فِي معنى السِّلَاح مِمَّا يفيدهم تَقْوِيَة حكمه حكم السِّلَاح فِي الْمَنْع وَهُوَ مَنْصُوص عَلَيْهِ فَلَا نحتاج إِلَى التَّطْوِيل بجلبه ثَانِيهمَا إِن مَا لَا يتقوون بِهِ وَيجوز بَيْعه مِنْهُم كَيفَ مَا كَانَ وَعدم التقوي يكون بِأحد وَجْهَيْن إِمَّا يكون ذَلِك الْمَبِيع لَيْسَ من شَأْنه التقوي بِهِ فِي الْحَرْب كبعض المأكولات والملبوسات وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مسرح لَهُم الْيَوْم وَقَبله بِزَمَان وَإِمَّا بِكَوْنِهِ من شَأْنه أَن يتقوى بِهِ فِيهَا وَلكنه عديم الْفَائِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالهم الْيَوْم لما تقرر من أَنهم صَارُوا من الْقُوَّة والاستعداد والتفنن فِي أَنْوَاع الْآلَات الحربية إِلَى

стр. 1717

حَيْثُ صَارَت آلاتنا عِنْدهم هِيَ والحطب سَوَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم يبيعوننا أنواعا من الْآلَات الحربية نقضي الْعجب من جودتها وإتقانها وَمَعَ ذَلِك فينقل لنا عَنْهُم أَنهم لَا يبيعوننا مِنْهَا إِلَّا مَا انعدمت فَائِدَته عِنْدهم لكَوْنهم ترقوا عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَجود مِنْهَا واستنبطوا مَا هُوَ أتقن وأنفع إِلَّا فِيمَا قل وعَلى هَذَا فتنبغي الْيَوْم الْفَتْوَى بِجَوَاز بيع سِلَاحنَا مِنْهُم فضلا عَن غَيره لجزمنا بِأَن ذَلِك لَا يفيدهم فِي معنى التقوي شَيْئا وَإِن كَانَت هُنَاكَ فَائِدَة فَهِيَ كلا فَائِدَة هَذَا إِذا لم نتوقع ضَرَرا مِنْهُم عِنْد امتناعنا من البيع فَأَما إِذا كُنَّا نتوقعه مِنْهُم كَمَا هُوَ حَالنَا الْيَوْم فيرتقي الحكم عَن الْجَوَاز إِلَى مَا هُوَ فَوْقه وللضرورة أَحْكَام تخصها فَإِن قلت فقد أقدمت بِهَذَا الْكَلَام على مَا لم يقدم عَلَيْهِ أحد قبلك فِي استجازتك بيع السِّلَاح من الْحَرْبِيين قلت إِنَّمَا ذكرت السِّلَاح تَوْطِئَة لما الْكَلَام فِيهِ حَتَّى يُؤْخَذ حكمه بالأحرى ثمَّ إِنِّي مَا أقدمت عَلَيْهِ إِلَّا بالقاعدة الْفِقْهِيَّة لَا مجازفة كَمَا أقدم من قبلي على إجَازَة بِنَاء الْكَنَائِس بِأَرْض الْمُسلمين لأجل الضَّرُورَة الداعية إِلَى ذَلِك فقد أفتى عُلَمَاء الأندلس فِي الْقرن الْخَامِس بِالْإِذْنِ لِلنَّصَارَى فِي إِحْدَاث الْكَنَائِس بِأَرْض العنوة وَبِمَا اختطه الْمُسلمُونَ من الْأَمْصَار مَعَ أَن الْمَوْجُود فِي كتب السّلف هُوَ الْمَنْع وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَن الْأَحْكَام الْمرتبَة على الْأَعْرَاف تخْتَلف باخْتلَاف تِلْكَ الْأَعْرَاف قَالَ الْقَرَافِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام فِي الْفرق بَين الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام فِي السُّؤَال التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ مَا نَصه إِن قلت مَا الصَّحِيح فِي هَذِه الْأَحْكَام الْوَاقِعَة فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا الْمرتبَة على الْعَادة وَالْعرْف اللَّذين كَانَا حاصلين حَالَة جزم الْعلمَاء بِهَذِهِ الْأَحْكَام فَهَل إِذا تَغَيَّرت تِلْكَ العوائد وَصَارَت تدل على ضد مَا كَانَت تدل عَلَيْهِ أَولا فَهَل تبطل هَذِه الْفَتَاوَى المسطورة فِي الْكتب ونفتي بِمَا تَقْتَضِيه هَذِه العوائد المتجددة أَو يُقَال نَحن مقلدون وَمَا لنا أَحْدَاث شرع لعدم أهليتنا للِاجْتِهَاد فنفتي بِمَا فِي الْكتب المنقولة عَن الْمُجْتَهدين فَالْجَوَاب إِن إِجْرَاء هَذِه الْأَحْكَام الَّتِي مدركها العوائد مَعَ تغير تِلْكَ العوائد خلاف الْإِجْمَاع وجهالة فِي الدّين بل كل مَا هُوَ فِي الشَّرِيعَة يتبع العوائد يتَغَيَّر الحكم فِيهِ عِنْد تغير الْعَادة إِلَى مَا تَقْتَضِيه الْعَادة

стр. 1718

المتجددة وَلَيْسَ ذَلِك تجديدا للِاجْتِهَاد من الْمُقَلّد حَتَّى تشْتَرط فِيهِ أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد بل هَذِه قَاعِدَة اجْتهد فِيهَا الْعلمَاء وَأَجْمعُوا عَلَيْهَا فَنحْن نتبعهم فِيهَا من غير اسْتِئْنَاف اجْتِهَاد اهـ وَنَحْوه لَهُ فِي كتاب الفروق وَنَقله عَنهُ الْأَئِمَّة واعتمدوه فَبَان من هَذَا أَنه لَا معنى للإفتاء الْيَوْم بِمَنْع بيع شَيْء من الْكفَّار أيا كَانَ إِلَّا الْمُصحف وَالْمُسلم وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا لأَنهم بلغُوا الْيَوْم من الْقُوَّة إِلَى الْحَد الَّذِي لم يكن لأحد فِي ظن وَلَا حِسَاب إِلَّا أَن يُرِيد الله كفايتنا إيَّاهُم بِأَمْر من عِنْده فَهُوَ سُبْحَانَهُ ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وَذَلِكَ ظننا بِهِ تَعَالَى فَإِن قلت هَهُنَا مضرَّة أُخْرَى تمنع من بيع مَا طلبوه وَهِي التَّضْيِيق على الْمُسلمين فِي مَعَايشهمْ ومرافقهم لأَنهم إِذا أَكَبُّوا على شِرَاء هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا بُد أَن تغلو وترتفع أثمانها وَفِي ذَلِك من الْإِضْرَار بِالْمُسْلِمين مَا لَا يخفى وَلذَا أفتى الْأَئِمَّة بِمَنْع الحكرة فِي كل مَا للنَّاس بِهِ حَاجَة من طَعَام وأدام وعروض فَإِن كَانَ فِي الْحَال سَعَة وَلم يضر الاحتكار بِالنَّاسِ جَازَ فِي الطَّعَام وَغَيره قلت وَالنَّاس الْيَوْم وَالْحَمْد لله فِي سَعَة وَأما حُصُول التَّضْيِيق عَلَيْهِم فِي مَعَايشهمْ ومرافقهم بِسَبَب تَسْرِيح وسق هَذِه الْأَشْيَاء لِلنَّصَارَى فمشكوك فِيهِ قد يحصل وَقد لَا يحصل وَالشَّكّ مطروح فِي نظر الشَّرْع بِخِلَاف الْمضرَّة المتوقعة مِنْهُم عِنْد الْمَنْع والمحاربة فمقطوع بهَا نظرا للقرائن القوية وَالْعَادَة فَإِن قلت بل الْغَالِب حُصُول التَّضْيِيق لَا أَنه مَشْكُوك فَقَط قلت لَيْسَ بغالب فقد رأيناهم مُنْذُ أزمان وهم مكبون على وسق أَشْيَاء كَثِيرَة مثل القطاني وَغَيرهَا وَمَعَ ذَلِك لم يحصل فِيهَا وَالْحَمْد لله إِلَّا الرخَاء بل الْحق إِن هَذَا من علم الْغَيْب لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحكم عَلَيْهِ بِغَلَبَة وَلَا قلَّة لِأَن الحكم فِي ذَلِك بالتخمين من بَاب التخرص على الله تَعَالَى فِي غيبه وَهُوَ حرَام على أَن النَّصَارَى إِذا اشْتَروا منا شَيْئا من ذَلِك فَإِنَّمَا يشترونه بِالثّمن الَّذِي لَهُ بَال ويعشرونه بالصاكة الَّتِي لَهَا بَال فَتحصل الأرباح للرعية وللسلطان وَهَذِه مَنْفَعَة مَقْطُوع بهَا وَأما الغلاء فمشكوك كَمَا قُلْنَا وَالْحَاصِل أَن الأبحاث والتفريعات فِي هَذَا الْمَوْضُوع كَثِيرَة وَفِي هَذِه النبذة كِفَايَة لمن استبصر وَالله الْمُوفق وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ النّظر من جِهَة الرَّأْي والسياسة وَلَا بُد فِيهِ من

стр. 1719

الْفِقْه أَيْضا إِذْ كل سياسة لَا تستضيء بِنور الشَّرْع فَهِيَ ضلال فَنَقُول لَا يخفى أَن النَّصَارَى الْيَوْم على غَايَة من الْقُوَّة والاستعداد والمسلمون لم الله شعثهم وجبر كسرهم على غَايَة من الضعْف والاختلال وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف يسوغ فِي الرَّأْي والسياسة بل وَفِي الشَّرْع أَيْضا أَن ينابذ الضَّعِيف الْقوي أَو يحارب الأعزل الشاكي السِّلَاح وَكَيف يستجاز فِي الطَّبْع أَن يصارع المقعد الْقَائِم على رجلَيْهِ أَو يعقل فِي النّظر أَن تناطح الشَّاة الْجَمَّاء الشَّاة القرناء كَمَا قَالَ الشَّاعِر (أهم بِأَمْر الحزم لَو أستطيعه ... وَقد حيل بَين العير والنزوان) فالمحاربة على هَذَا الْوَجْه مِمَّا لم تقل بِهِ سياسة وَلَا وَردت بِهِ شَرِيعَة فَهَذَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ خير الْخلق عِنْد ربه وَأكْرمهمْ لَدَيْهِ قد صَالح الْمُشْركين يَوْم الْحُدَيْبِيَة صلحا قَالَ فِيهِ بعض كبار الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم نَحن الْمُسلمُونَ فَكيف نعطي الدنية فِي ديننَا ورد أَبَا جندل ﵁ إِلَى الْمُشْركين وَهُوَ يرسف فِي قيوده ويصرخ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر الْمُسلمين كَيفَ أرد إِلَى الْمُشْركين يفتنونني فِي ديني والقصة مَشْهُورَة لَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بهَا وَقد عزم رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَحْزَاب أَن يُعْطي عُيَيْنَة بن حصن والْحَارث بن عَوْف وهما قائدا غطفان ثلث تمر الْمَدِينَة على أَن يرجعا بِمن مَعَهُمَا عَنهُ وَعَن أَصْحَابه حَتَّى رده عَن ذَلِك سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة ﵄ حِين أحسوا من أنفسهم بمقاومة الْعَدو وَأَيْنَ نَحن مِنْهُم دينا ويقينا وبصيرة وثباتا فِي الْحَرْب وَقد أفتى الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم لأجل هَذَا الْوَارِد عَن رَسُول الله ﷺ بِجَوَاز عقد الْهُدْنَة مَعَ الْكفَّار على إِعْطَاء المَال انْظُر الْمُخْتَصر وَغَيره فَإِذا كَانَ إِعْطَاء المَال مجَّانا جَائِزا عِنْد الضَّرُورَة فَكيف لايجوز إِعْطَاء بعض المتمولات بأثمانها الَّتِي لَهَا بَال وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ الْأَجْنَاس إِنَّمَا دَعونَا فِي ظَاهر الْأَمر إِلَى السّلم لَا إِلَى الْحَرْب وَغَايَة مطلوبهم فِي هَذِه النَّازِلَة الاستكثار من ضروب المتاجرة الَّتِي ينشأ عَنْهَا فِي الْغَالِب كَثْرَة المازجة بَيْننَا وَبينهمْ ولعمري أَن فِي اختلاطهم بِنَا وممازجتهم لنا لمضرة وَأي مضرَّة وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَلكنهَا تستصغر بِالنِّسْبَةِ إِلَى

стр. 1720

مضرَّة الْمُحَاربَة وَلَيْسَ من الرَّأْي والسياسة أَن يَدْعُوك خصمك إِلَى السّلم فتدعوه إِلَى الْحَرْب مَا وجدت إِلَى السّلم سَبِيلا وَهَذَا هُوَ الَّذِي فعله رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِنَّهُ قَالَ لأَصْحَابه لما اغتاظوا من ذَلِك الصُّلْح وَقَالَ بَعضهم وَالله مَا هَذَا بِفَتْح لقد صُدِدْنَا عَن الْبَيْت وَصد هدينَا بل هُوَ أعظم الْفتُوح قد رَضِي الْمُشْركُونَ أَن يَدْفَعُوكُمْ بِالرَّاحِ عَن بِلَادهمْ وَيَسْأَلُوكُمْ الْقَضِيَّة وَيرغبُوا إِلَيْكُم من الْأمان إِلَى آخر مَا قَالَه ﷺ وَإِلَى هَذَا وَنَحْوه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا وتوكل على الله﴾ الْأَنْفَال ٦١ ذكر تَعَالَى ذَلِك عقب قَوْله ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ الْأَنْفَال ٦٠ إِشَارَة إِلَى أَن الصُّلْح يجوز وَلَو كَانَ بِالْمُسْلِمين قُوَّة واستعداد كَمَا نبه عَلَيْهِ بعض الْمُفَسّرين فَكيف وَلَا قُوَّة وَلَا استعداد إِلَّا أَن يتداركنا الله بلطف من عِنْده وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ هَل الْآيَة مَنْسُوخَة أم لَا وَالصَّحِيح كَمَا فِي الْكَشَّاف وَغَيره إِن الْأَمر مَوْقُوف على مايرى فِيهِ الإِمَام مصلحَة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله من حَرْب أَو سلم وَلَيْسَ بحتم أَن يقاتلوا أبدا أَو يجابوا إِلَى الْهُدْنَة أبدا اهـ وهذ مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا وَلذَلِك جَازَت عندنَا الْهُدْنَة وَإِن على مَال كَمَا مر فدلت الْآيَة الْكَرِيمَة على أَن السّلم أولى من الْحَرْب وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُوم الْمُسلم شرعا وطبعا أما الشَّرْع فَهَذِهِ الْآيَة وقصة الْحُدَيْبِيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْح خير﴾ النِّسَاء ١٢٨ وَقَوله ﴿والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ الْبَقَرَة ١٩١ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ وَإِن نزلتا فِي شَيْء خَاص لَكِن يجوز الاستشهاد بهما فِيمَا نَحن فِيهِ وَفِي غَيره إِذْ هما من الْكَلَام الْجَامِع الْجَارِي مجْرى الْمثل وَالْحكمَة وَعَن عَليّ ﵁ مَا دَعَوْت إِلَى المبارزة قطّ وَمَا دَعَاني أحد إِلَيْهَا إِلَّا أَجَبْته فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ الدَّاعِي إِلَى الْحَرْب بَاغ والباغي مصروع وَأما الطَّبْع فَلَا يحْتَاج إِلَى شَاهد لِأَن كل عَاقل يعلم أَن السّلم خير من الْحَرْب وَقد قَالَ شريك لمعاوية ﵄ فِي مقاولة جرت بَينهمَا إِنَّك ابْن حَرْب وَالسّلم خير من الْحَرْب وَقَالَ الْحصين بن نمير السكونِي لِابْنِ الزبير ﵁ يَوْم مَاتَ يزِيد اذْهَبْ معي إِلَى الشَّام لأدعو النَّاس إِلَى بيعتك فَلَا يتَخَلَّف عَنْك أحد فَقَالَ ابْن
следующие страницы →