← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَحكى ابْن أبي زرع فِي اسْتِيلَاء ابْن غانية على بجاية وَجها آخر قَالَ دخل الميورقي وَهُوَ عَليّ بن إِسْحَاق الْمَذْكُور مَدِينَة بجاية يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس من شعْبَان سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ أَبْوَاب المدن قبل ذَلِك لَا تغلق وَقت صَلَاة الْجُمُعَة فَارْتَقِبْ ابْن غانية النَّاس حَتَّى أَحْرمُوا بِصَلَاة الْجُمُعَة ثمَّ اقتحم عَلَيْهِم الْمَدِينَة وَعمد إِلَى الْجَامِع الْأَعْظَم وأدار بِهِ الْخَيل وَالرجل فَمن بَايعه خلى سَبيله وَمن توقف عَن بيعَته ضرب عُنُقه قَالَ وَأقَام بهَا سَبْعَة أشهر ثمَّ استرجعت من يَده قَالَ وَمن ذَلِك الْيَوْم اتخذ النَّاس غلق أَبْوَاب المدن يَوْم الْجُمُعَة وَقت الصَّلَاة وَالله أعلم ثمَّ استولى عَليّ بن إِسْحَاق على الجزائر ثمَّ على مازونة ثمَّ على مليانة ثمَّ على القلعة ثمَّ نَازل قسنطينة فامتنعت عَلَيْهِ واتصل الْخَبَر بالمنصور فسرح السَّيِّد أَبَا زيد بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن وَعقد لَهُ على حَرْب ابْن غانية وَعقد لمُحَمد بن إِبْرَاهِيم بن جَامع على الأساطيل وَإِلَى نظره أَبُو مُحَمَّد بن عطوش وَأحمد الصّقليّ فوصل السَّيِّد أَبُو زيد إِلَى أفريقية وشرد ابْن غانية عَنْهَا إِلَى الصَّحرَاء فِي أَخْبَار طَوِيلَة ثمَّ عاود ابْن غانية الإجلاب على بِلَاد إفريقية وَظَاهره على ذَلِك قراقوش الْغَزِّي من موَالِي السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْكرْدِي صَاحب مصر وَكَانَ قد تغلب على طرابلس وَمَا والاها وَبلغ الْمَنْصُور أَن ابْن غانية قد استولى على قفصة فَنَهَضَ بِنَفسِهِ من حَضْرَة مراكش ثَالِث شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَوصل إِلَى فاس فأراح بهَا ثمَّ سَار إِلَى رِبَاط تازا ثمَّ سَار على التعبية إِلَى تونس وَجمع ابْن غانية من إِلَيْهِ من الملثمين وَالْعرب وَجَاء مَعَه قراقوش الْغَزِّي صَاحب طرابلس فسرح إِلَيْهِم الْمَنْصُور مُقَدّمَة من جَيْشه لنظر السَّيِّد

стр. 387

أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن السَّيِّد أبي حَفْص عمر بن عبد الْمُؤمن فَلَقِيَهُمْ ابْن غانية فِي جموعه فانتصر عَلَيْهِم وَانْهَزَمَ الموحدون وَقبل جمَاعَة من وُجُوههم وَأسر عَليّ بن الروبرتير فِي آخَرين وامتلأت أَيدي الْعَرَب من أثاثهم وأسلابهم وَوصل سرعَان النَّاس إِلَى الْمَنْصُور وَهُوَ بتونس فَنَهَضَ إِلَيْهِم فِي الْحَال وَنزل القيروان ثمَّ أغذ السّير إِلَى الحامة فَالتقى الْجَمْعَانِ وأنشبوا الْحَرْب فَكَانَت الْهَزِيمَة على ابْن غانية وأحزابه وأفلت من المعركة بذماء نَفسه وَمَعَهُ خَلِيله قراقوش وأتى الْقَتْل على أَكْثَرهم ثمَّ صبح الْمَنْصُور مَدِينَة قابس وَكَانَت فِي يَد قراقوش فافتتحها وَنقل من كَانَ بهَا من حرم ابْن غانية وَذَوِيهِ فِي الْبَحْر إِلَى تونس وثنى الْعَنَان إِلَى توزر فافتتحها وَقتل من وجد بهَا ثمَّ إِلَى قفصة فنازلها أَيَّامًا حَتَّى نزلُوا على حكمه فَقتل من كَانَ بهَا من الحشود وَهدم سورها واستبقى أَهلهَا وَجعل أملاكهم بِأَيْدِيهِم على حكم الْمُسَاقَاة وَلما فرغ من أَمر قفصة نَهَضَ إِلَى عرب إفريقية ففتك بهم واستباح حللهم وَأَمْوَالهمْ وشردهم فِي كل وَجه ثمَّ بعد ذَلِك جاؤوه تَائِبين خاضعين فَنقل أهل الْفِتْنَة وَالْخلاف مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَرجع إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة الْخَبَر عَن انْتِقَال الْعَرَب من جزيرتهم إِلَى ارْض إفريقية ثمَّ مِنْهَا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَالسَّبَب فِي ذَلِك أعلم أَن أَرض إفريقية وَالْمغْرب لم تكن للْعَرَب بوطن فِي الْأَيَّام السالفة لَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي صدر الْإِسْلَام وَإِنَّمَا كَانَ الْمغرب وطنا لأمة البربر خَاصَّة لَا يشاركهم فِيهِ غَيرهم وَلما جَاءَت الْملَّة الإسلامية وأظهرها الله على الدّين كُله زحفت جيوش

стр. 388

الْمُسلمين من الْعَرَب إِلَى أَرض الْمغرب فِي جملَة مَا زحف إِلَيْهِ من أقطار الأَرْض لَكِن الْعَرَب الداخلون إِلَى أَرض الْمغرب فِي ذَلِك الْعَصْر إِنَّمَا كَانُوا يدْخلُونَ إِلَيْهِ غزَاة مجاهدين على ظُهُور خيولهم فيقضون الوطر من فتح الأقطار والأمصار ثمَّ يَنْقَلِب جمهورهم إِلَى وطنهم ومقرهم من جَزِيرَة الْعَرَب وَإِن بَقِي الْقَلِيل مِنْهُم بِهِ فَإِنَّمَا كَانُوا يستوطنون مِنْهُ الْأَمْصَار دون الْبَادِيَة ويسكنون الْقُصُور دون الْخيام فَلم تكن الْعَرَب تسكن الْمغرب يَوْمئِذٍ بقبائلهم وخيامهم وَلَا استوطنوه بأحيائهم وحللهم كَمَا هُوَ شَأْنهمْ الْيَوْم لِأَن الْملك الَّذِي حصل لَهُم والغلب الَّذِي مكنهم الله مِنْهُ كَانَ يمنعهُم من سُكْنى الْبَادِيَة ويعدل بهم إِلَى الحضارة وَلَا بُد فَكَانَت الْخَيْمَة بِأَرْض الْمغرب مَعْدُومَة رَأْسا أَو قَليلَة جدا لبَعض البربر مِمَّن كَانَ يتخذها مِنْهُم وهم قَلِيل وَإِنَّمَا كَانَ يسكن الْجُمْهُور مِنْهُم بالمداشر وكهوف الْجبَال وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة فَدخلت الْعَرَب أَرض إفريقية واستوطنها بحللهم وخيامهم ثمَّ لما كَانَت أَوَاخِر الْمِائَة السَّادِسَة فِي دولة يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ نقل الْكثير مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فاستوطنوه بحللهم وخيامهم كَذَلِك وَصَارَت أَرض الْمغرب منقسمة بَين أمتين أمة الْعَرَب أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَأمة البربر أهل اللِّسَان الْبَرْبَرِي بعد أَن كَانَت بِلَاده خَاصَّة بالبربر لَا يشاركهم فِيهَا غَيرهم كَمَا قُلْنَا وَاعْلَم أَن أمة الْعَرَب تَنْقَسِم أَولا إِلَى قسمَيْنِ عدنان وقحطان ثمَّ يَنْقَسِم كل من عدنان وقحطان إِلَى شعبين عظيمين فَأَما عدنان وهم الإسماعيلية ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ فينقسمون إِلَى ربيعَة وَمُضر وَأما قحطان وهم اليمانية ذُرِّيَّة قحطان بن عَابِر بن شالح بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ فينقسمون إِلَى حمير وكهلان هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف الْمَشْهُور من نسب الْفَرِيقَيْنِ وَقد يذكر النسابون لكل مِنْهُمَا شعوبا

стр. 389

أخر لَكنا لم نعتبرها إِمَّا لانقراضها أَو لقُوَّة الْخلاف فِيهَا أَو لقلتهَا جدا واندراجها فِيمَن ذَكرْنَاهُ. ثمَّ يتشعب كل من هَذِه الشعوب الْأَرْبَعَة إِلَى قبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لَا حصر لَهَا لكننا ننبه على الْغَرَض الْمَقْصُود مِنْهَا فَنَقُول من جملَة قبائل مُضر بَنو سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر وَمن قبائلها أَيْضا بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوازان بن مَنْصُور الْمَذْكُور فِي النّسَب السَّابِق وَقد نسبت الخنساء جشم هَذَا إِلَى جده فَقَالَت تهجو دُرَيْد بن الصمَّة (معَاذ الله ينكحني حبركي ... قصير الشبر من جشم بن بكر) وَمن قبائلها أَيْضا بَنو هِلَال بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر الْمَذْكُور أَيْضا وَمن جملَة قبائل كهلان القحطانيين بَنو الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن مذْحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وكهلان هُوَ ابْن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل الْأَرْبَعَة الَّتِي ذَكرنَاهَا هِيَ الَّتِي ذكر المؤرخون أَنَّهَا انْتَقَلت إِلَى أفريقية وَالْمغْرب وَقد يُضَاف إِلَيْهِم غَيرهم من قبائل الْعَرَب لكِنهمْ لَيْسُوا بمشهورين كالأربعة الْمَذْكُورَة وَأما خبر دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب وَالسَّبَب فِيهِ فقد ذكر المؤرخون أَن بني سليم بن مَنْصُور وَبني هِلَال بن عَامر لم يزَالُوا بِجَزِيرَة الْعَرَب بُرْهَة من الدَّهْر إِلَى أَن مضى الصَّدْر من دولة بني الْعَبَّاس وَكَانُوا أَحيَاء ناجعة بِأَرْض الْحجاز ونجد فبنوا سليم مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة المنورة وَبَنُو هِلَال فِي جبل غَزوَان عِنْد الطَّائِف ثمَّ تحيز بَنو سليم وَالْكثير من هِلَال بن عَامر إِلَى الْبَحْرين وعمان وصاروا جندا للقرامطة ثمَّ غلب القرامطة على بِلَاد الشَّام وظاهرهم على

стр. 390

ذَلِك بَنو سليم وَبَنُو هِلَال ثمَّ انْتَقَلت دولة العبيديين من إفريقية إِلَى مصر وغلبوا القرامطة على الشَّام وانتزعوه مِنْهُم وردوهم على أَعْقَابهم إِلَى الْبَحْرين ونقلوا أشياعهم من بني سليم وَبني هِلَال فأنزلوهم بصعيد مصر فِي العدوة الشرقية من بَحر النّيل فأقاموا هُنَالك وَكَانَ لَهُم أضرار بالبلاد وَلما انْتَقَلت الدولة العبيدية من إفريقية إِلَى مصر كَمَا قُلْنَا استنابوا على إفريقية بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين فملكوها وَكَانُوا يخطبون بملوك العبيديين على منابرهم ويضربون السِّكَّة بِأَسْمَائِهِمْ ويؤدون إِلَيْهِم إتاوة مَعْلُومَة وَطَاعَة مَعْرُوفَة وَلما انساق ملك إفريقية إِلَى الْمعز بن باديس بن الْمَنْصُور بن بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي كَانَ لَهُ رَغْبَة فِي مَذْهَب أهل السّنة خَالف فِيهِ أسلافه الَّذين كَانُوا على مَذْهَب الشِّيعَة الرافضة وَكَانَ الْخَلِيفَة من العبيديين بِمصْر يَوْمئِذٍ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه معد بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم بن الْعَزِيز بن الْمعز لدين الله والمعز هَذَا هُوَ الَّذِي انْتقل إِلَى مصر وَبنى مَدِينَة الْقَاهِرَة وَكَانَ الْمعز بن باديس الصنهاجي لَا تزَال المراسلات والهدايا تخْتَلف بَينه وَبَين الْمُسْتَنْصر العبيدي صَاحب مصر كَمَا كَانَت أسلافهما ثمَّ إِن الْمعز بن باديس ركب ذَات يَوْم لبَعض مذاهبه وَذَلِكَ فِي أول ولَايَته فكبا بِهِ فرسه فَنَادَى مستغيثا بالشيخين أبي بكر وَعمر ﵄ فَسَمعته الْعَامَّة وَكَانَ جمهورهم سنيا فثاروا بالرافضة وقتلوهم أَبْرَح قتل وأعلنوا بالمعتقد الْحق وَنَادَوْا بشعار الْإِيمَان وَقَطعُوا من الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة فِي أَيَّام الظَّاهِر العبيدي وَالِد الْمُسْتَنْصر فكاتب الْمعز بن باديس فِي ذَلِك فَاعْتَذر إِلَيْهِ بالعامة فأغضى عَنهُ وَاسْتمرّ ابْن باديس على إِقَامَة الدعْوَة لَهُم والمهاداة مَعَهم وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك يُكَاتب وزيرهم الْقَائِم بِأُمُور دولتهم أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد الجرجرائي ويستميله ويعرض ببني عبيد وشيعتهم ويغض مِنْهُم ثمَّ هلك الْوَزير أَبُو الْقَاسِم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولي الوزارة

стр. 391

بعده أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ اليازوري أَصله من قرى فلسطين وَكَانَ أَبوهُ فلاحا بهَا فَلَمَّا ولي الوزارة خاطبه الْمعز بن باديس دون مَا كَانَ يُخَاطب بِهِ من قبله من الوزراء كَانَ يَقُول فِي كِتَابه إِلَيْهِم عبدكم وَصَارَ يَقُول فِي كتاب اليازوري صنيعتكم فحقد ذَلِك عَلَيْهِ وَصَارَت القوارص تسري من بَعضهم إِلَى بعض إِلَى أَن أظلم الجو بَين الْمعز بن باديس وَبَين الْمُسْتَنْصر العبيدي ووزيره اليازوري فَقطع ابْن باديس الْخطْبَة بهم على منابره سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وأحرق بنود الْمُسْتَنْصر ومحا اسْمه من السبكة والطرز ودعا للقائم العباسي خَليفَة بَغْدَاد وجاءه خطابه وَكتاب عَهده فقرئ بِجَامِع القيروان ونشرت الرَّايَات السود وهدمت دور الإسماعيلية وَبلغ الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْمُسْتَنْصر بِالْقَاهِرَةِ فَقَامَتْ قِيَامَته ففاوض وزيره أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ اليازوري فِي أَمر ابْن باديس فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يسرح لَهُ الْعَرَب من بني هِلَال وَبني جشم الَّذين بالصعيد وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِم بالاصطناع ويستميل مشايخهم بالعطاء وتولية أَعمال إفريقية وتقليدهم أمرهَا بَدَلا من صنهاجة الَّذين بهَا لينصروا الشِّيعَة ويدافعوا عَنْهُم فَإِن صدقت المخيلة فِي ظفرهم بِابْن باديس وَقَومه صنهاجة كَانُوا أَوْلِيَاء للدولة وعمالا بِتِلْكَ القاصية وارتفع عدوانهم من ساحة الْخلَافَة وَإِن كَانَت الْأُخْرَى فلهَا مَا بعْدهَا وَأمر الْعَرَب على كل حَال أَهْون على الدولة من أَمر صنهاجة الْمُلُوك فَبعث الْمُسْتَنْصر وزيره إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاء وأرضخ لأمرائهم فِي الْعَطاء وَوصل عامتهم بِبَعِير ودينار لكل وَاحِد مِنْهُم وأباح لَهُم إجَازَة النّيل وَقَالَ لَهُم قد أعطيناكم الْمغرب وَملك ابْن باديس العَبْد الآباق فَلَا تفتقرون بعْدهَا وَكتب اليازوري إِلَى الْمعز أما بعد فقد أنفذنا إِلَيْكُم خيولا فحولا وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهَا رجَالًا كهولا ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا فشرهت الْعَرَب إِذْ ذَاك وعبروا النّيل إِلَى برقة فنزلوا بهَا واستباحوها

стр. 392

وافتتحوا أمصارها وأعجبتهم الْبِلَاد فَكَتَبُوا لإخوانهم الَّذين بقوا شَرْقي النّيل يرغبونهم فِي الْبِلَاد فأجازوا إِلَيْهِم بعد أَن أعْطوا للمستنصر لكل رَأس دينارين فَأخذ مِنْهُم أَضْعَاف مَا أَخَذُوهُ وتقارعوا على الْبِلَاد فَحصل لبني سليم شرقها ولبني هِلَال غربها ثمَّ انتشروا فِي أقطار أفريقية مثل الْجَرَاد لَا يؤمرون بِشَيْء إِلَّا أَتَوا عَلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلم تمر إِلَّا مُدَّة يسيرَة حَتَّى استولوا على ضواحي إفريقية ونازلوا أمصارها واقتضوا من أَهلهَا الإتاوة وحضروا ابْن باديس فِي مصره وصاهرهم ببناته تأليفا لَهُم وَمَعَ ذَلِك فَلم يجد شَيْئا والْحَدِيث فِي ذَلِك طَوِيل وَلَيْسَ تتبعه من غرضنا قَالَ ابْن خلدون ولهؤلاء الهلاليين فِي الْحِكَايَة عَن دُخُولهمْ إِلَى إفريقية طرق يَزْعمُونَ أَن الشريف ابْن هَاشم كَانَ صَاحب الْحجاز وَمَكَّة ويسمونه شكر بن أبي الْفتُوح وَأَنه أصهر إِلَى الْحسن بن سرحان فِي أُخْته جازية فأنكحه إِيَّاهَا وَولدت مِنْهُ ولدا واسْمه مُحَمَّد وَإنَّهُ حدث بَينهم وَبَين الشريف الْمَذْكُور مغاضبة وفتنة فَأَجْمعُوا الرحلة عَن أَرض نجد إِلَى إفريقية وتحيلوا عَلَيْهِ فِي استرجاع أختهم جازية الْمَذْكُورَة فطالبته بزيارة أَبَوَيْهَا فأزارها إيَّاهُم وَخرج بهَا إِلَى حللهم وَأقَام مَعهَا مُدَّة الزِّيَارَة فارتحلوا بِهِ وَبهَا وكتموا رحلتهم عَنهُ وموهوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُم يباكرون بِهِ للصَّيْد والقنص وَيَرُوحُونَ بِهِ إِلَى بُيُوتهم بعد بنائها فَلم يشْعر بالرحلة إِلَى أَن فَارق مَوضِع ملكه وَصَارَ حَيْثُ لَا يملك أمرهَا عَلَيْهِم ففارقوه وَرجع إِلَى مَكَانَهُ من مَكَّة وَبَين جوانحه من حبها دَاء دخيل وَأَنَّهَا من بعد ذَلِك كلفت بِهِ مثل مَا كلف بهَا الى ان مَاتَت من حبه ويتناقلون من أَخْبَارهَا فِي ذَلِك مَا يعفي على خبر قيس وليلى ويروون كثيرا من أشعارها محكمَة المباني مثقفة الْأَطْرَاف وفيهَا المطبوع والمنتحل والمصنوع لم يفقد فِيهَا من البلاغة شَيْء وَإِنَّمَا فقد مِنْهَا الْإِعْرَاب فَقَط وَلَا مدْخل لَهُ فِي البلاغة وَفِي هَذِه الْأَشْعَار شَيْء كثير دَخلته الصَّنْعَة وفقدت فِيهِ صِحَة الرِّوَايَة

стр. 393

فَلذَلِك لَا يوثق بِهِ وَلَو صحت رِوَايَته لكَانَتْ فِيهِ شَوَاهِد بآياتهم ووقائعهم مَعَ زناتة وحروبهم وَضبط لأسماء رجالاتهم وَكثير من أَحْوَالهم لَكنا لَا نثق بروايتها وَرُبمَا يشْعر الْبَصِير بالبلاغة بالمصنوع مِنْهَا وَغَيره وهم متفقون على الْخَبَر عَن حَال جازية هَذِه والشريف خلفا عَن سلف وجيلا عَن جيل ويكاد القادح فِيهَا والمستريب فِي أمرهَا أَن يرْمى عِنْدهم بالجنون لتواترها بَينهم وَهَذَا الشريف الَّذِي يشيرون إِلَيْهِ هُوَ من الهواشم وَهُوَ شكر بن أبي الْفتُوح الْحسن بن جَعْفَر بن أبي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد الْأَكْبَر ابْن مُوسَى الثَّانِي ابْن عبد الله أبي الْكِرَام بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَأَبُو الْفتُوح هُوَ الَّذِي خطب لنَفسِهِ بِمَكَّة أَيَّام الْحَاكِم العبيدي وَبَايع لَهُ بَنو الْجراح أُمَرَاء طيىء بِالشَّام وبعثوا عَنهُ فوصل إِلَى أحيائهم وَبَايع لَهُ كَافَّة الْعَرَب ثمَّ غلبتهم عَسَاكِر الْحَاكِم العبيدي وَرجع إِلَى مَكَّة وَهلك سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فولي بعده ابْنه شكر هَذَا وَهلك سنة ثَلَاث وَخمسين وَولي بعده ابْنه مُحَمَّد الَّذِي يزْعم هَؤُلَاءِ الهلاليون أَنه من جازية هَذِه وَقَالَ ابْن حزم إِن شكر بن أبي الْفتُوح لم يُولد لَهُ قطّ وَإِنَّمَا صَار أَمر مَكَّة من بعده إِلَى عبد كَانَ لَهُ وَقَالَ ابْن خلدون بل أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ من الهلاليين لهَذَا الْعَهْد أَنه وقف على بِلَاد الشريف شكر بن أبي الْفتُوح وَأَنَّهَا بقْعَة من أَرض نجد مِمَّا يَلِي الْفُرَات وَإِن وَلَده بهَا لهَذَا الْعَهْد وَالله أعلم وَاعْلَم أَن جازية بنت سرحان هَذِه كَانَت من بني دُرَيْد بن أثبج بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة فَهِيَ هلالية أثبجية دريدية وَمن مزاعمهم أَنَّهَا لما صَارَت إِلَى إفريقية وَفَارَقت الشريف ابْن هَاشم الْمَذْكُور خَلفه عَلَيْهَا مِنْهُم ماضي بن مقرب من رجالات دُرَيْد فأقامت

стр. 394

عِنْده مُدَّة ثمَّ غاضبته وَلَحِقت بأخيها الْحسن بن سرحان فَمنعهَا مِنْهُ فَقَامَتْ عشيرة ماضي بن مقرب مَعَه وقاتلوا الْحسن بن سرحان وعشيرته وثارت الْفِتْنَة بَينهم وَقتل فِيهَا الْحسن بن سرحان واستمرت الْعَدَاوَة بَينهم إِلَى أَيَّام الْمُوَحِّدين فَهَذَا سَبَب انْتِقَال هَؤُلَاءِ الْعَرَب من الْحجاز ونجد إِلَى إفريقية وَأما سَبَب انتقالهم من إفريقية إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فقد ذكرنَا أَن بني سليم بن مَنْصُور وَبني هِلَال بن عَامر اقترعوا على بِلَاد إفريقية فَكَانَ لبني سليم شرقها ولبني هِلَال غربها ثمَّ تغلبُوا على ضواحيها وأمصارها وضايقوا مُلُوكهَا بهَا وانضم إِلَى بني هِلَال بن عَامر بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر فعلت أَيْديهم على الْجَمِيع وَاسْتمرّ أَمرهم على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت دولة يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي ﵀ وثار ابْن غانية بِبِلَاد إفريقية كَمَا تقدم فظاهرته الْعَرَب من جشم وهلال على الْمُوَحِّدين وأوقعوا بمقدمة الْمَنْصُور فَنَهَضَ إِلَيْهِم من تونس وأوقع بالملثمين أَولا ثمَّ بالعرب ثَانِيًا وَقل جمعهم وَاتبع آثَارهم إِلَى أَن شردهم إِلَى صحارى برقة وانتزع تِلْكَ الْبِلَاد من أَيْديهم ثمَّ راجعوا بصائرهم فَأتوهُ طائعين خاضعين حَسْبَمَا قدمنَا الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى وَكَانَ الَّذين قَاتلُوهُ أَولا ثمَّ راجعوا طَاعَته ثَانِيًا هم قبائل هِلَال بن عَامر وجشم بن مُعَاوِيَة بن بكر كَمَا قُلْنَا وهم أَصْحَاب غرب إفريقية وَأما بَنو سليم بن مَنْصُور فَلم يقاتله مِنْهُم أحد فَلذَلِك بَقِي بَنو سليم بِأَرْض إفريقية وَنقل الْمَنْصُور ﵀ بني هِلَال وَبني جشم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى حِين أَتَوْهُ طائعين وَكَانَ ذَلِك سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَأنْزل قَبيلَة ريَاح من بني هِلَال بِبِلَاد الهبط فِيمَا بَين قصر كتامة الْمَعْرُوف بِالْقصرِ الْكَبِير إِلَى أزغار الْبَسِيط الأفيح هُنَاكَ إِلَى سَاحل الْبَحْر الْأَخْضَر فاستقروا بهَا وطاب لَهُم الْمقَام وَأنزل قبائل جشم بِلَاد تامسنا الْبَسِيط الأفيح مَا بَين سلا

стр. 395

ومراكش وَهُوَ أَوسط بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وأبعدها عَن الثنايا المفضية إِلَى القفار لإحاطة جبل الدَّرن بهَا فَلم ييمموا بعْدهَا قفرا وَلَا أبعدوا رحْلَة وَاعْلَم أَن هذَيْن البسيطين يسميان الْيَوْم فِي عرف عَامَّة أهل الْمغرب بالغرب والحوز فالغرب عبارَة عَن بِلَاد الهبط وأزغار وَمَا فِي حكمهَا والحوز عبارَة عَن بِلَاد تامسنا وَمَا اتَّصل بهَا إِلَى مراكش فَكَانَ لرياح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ لجشم بِلَاد الْحَوْز ثمَّ أعلم أَيْضا أَن قَبيلَة ريَاح هم بَنو ريَاح بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وهم بطُون كَثِيرَة وجلهم قد بَقِي بِأَرْض إفريقية وَالَّذين انتقلوا مِنْهُم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى كَانَ رئيسهم فِي ذَلِك الْعَصْر مَسْعُود بن سُلْطَان بن زِمَام الذوادي من بني ذواد بن مرداس بن ريَاح فَأَقَامَ مَعَهم مُدَّة ثمَّ جمع جمَاعَة من قومه وفر إِلَى إفريقية وَذَلِكَ فِي حُدُود التسعين وَخَمْسمِائة وأبدأ وَأعَاد هُنَالك فِي الإجلاب مَعَ الثوار إِلَى أَن هلك فِي بعض تِلْكَ الْمدَّة وَأقَام الْبَاقُونَ بعد فرار كَبِيرهمْ مَسْعُود الْمَذْكُور بِبِلَاد الهبط وأزغار إِلَى أَن انقرضت دولة الْمُوَحِّدين وَكَانَ عُثْمَان بن نصر رئيسهم أَيَّام الْمَأْمُون الموحدي وَقَتله سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَلما تغلب بَنو مرين على ضواحي الْمغرب ضرب الموحدون على ريَاح هَؤُلَاءِ الْبَعْث مَعَ عساكرهم فَقَامُوا بحماية ضواحيهم وانضم إِلَيْهِم بَنو عَسْكَر بن مُحَمَّد المرينيون حِين خالفوا إخْوَانهمْ بني حمامة بن مُحَمَّد سلف الْمُلُوك مِنْهُم فَكَانَت بَين الْفَرِيقَيْنِ جَوْلَة قتل فِيهَا عبد الْحق بن محيو بن أبي بكر بن حمامة أَبُو الْمُلُوك المرينيين وَقتل مَعَه ابْنه إِدْرِيس فأوجدت ريَاح السَّبِيل لبني مرين على أنفسهم فِي طلب الثأر فأثخنوا فيهم بعد أَن ملكوا الْمغرب واستلحموهم قتلا وسبيا مرّة بعد أُخْرَى وَكَانَ آخر من أوقع بهم السُّلْطَان أَبُو ثَابت المريني سنة سبع وَسَبْعمائة تتبعهم بِالْقَتْلِ إِلَى أَن لَحِقُوا برؤوس الهضاب وأسنمه الرِّبَا المتوسطة فِي

стр. 396

المرج المستبحر بأزغار فصاروا إِلَى عدد قَلِيل وَلَحِقُوا بالقبائل الغارمة وَذَهَبت ريَاح أدراج الرِّيَاح هَذَا خبرهم على الْجُمْلَة وَأما بَنو جشم أَصْحَاب تامسنا فَإِن الْمَنْصُور لما نقلهم إِلَيْهَا نقل مَعَهم قبائل أُخْرَى كَانُوا قد قَاتلُوهُ مَعَهم وَلم يَكُونُوا ن نسبهم وَلَكنهُمْ كَانُوا مندرجين فيهم فَكَانَ يُطلق على الْجَمِيع جشم وَهَؤُلَاء الْقَبَائِل هم الْمُقدم والعاصم من بني هِلَال بن عَامر ثمَّ من الأثبج مِنْهُم وقرة من بني هِلَال أَيْضا والخلط من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر فَهَؤُلَاءِ الْقَبَائِل لَيْسُوا من جشم كَمَا ترى وَلَكنهُمْ لما انغمروا فيهم وانتقلوا إِلَى الْمغرب بانتقالهم أطلق على الْجَمِيع جشم فَأَما الْمُقدم والعاصم فهما ابْنا مشرف بن أثبج بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَأما قُرَّة فهم بَنو قُرَّة بن عبد منَاف بن أبي ربيعَة بن نهيك بن هِلَال فَهَؤُلَاءِ الْقَبَائِل الثَّلَاثَة أَعنِي الْمُقدم والعاصم وقرة هلاليون وَأما الْخَلْط فهم بطن من بني عقيل بِالتَّصْغِيرِ قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ الْخَلْط بَنو عَوْف وَبَنُو مُعَاوِيَة ابْني المنتفق بن عَامر بن عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة الْمَذْكُور فِي الْأَنْسَاب الْمُتَقَدّمَة فقد بَان لَك بِهَذَا أَن هَذِه الْقَبَائِل الْأَرْبَع أَعنِي العاصم ومقدما وقرة والخلط لَيْسُوا من بني جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر من حَيْثُ النّسَب وَأَن الثَّلَاث الأول من بني هِلَال بن عَامر وَأَن الرَّابِعَة وَهِي الْخَلْط من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر يجْتَمع الْجَمِيع كَمَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَالله تَعَالَى أعلم ولنتكلم الْآن على أَخْبَار جشم على الْجُمْلَة فَنَقُول لما نزل بَنو جشم ببسيط تامسنا أَقَامُوا بِهِ بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ تميز جمهورهم إِلَى العاصم ومقدم وَبني جَابر وسُفْيَان والخلط فَأَما مقدم والعاصم فَكَانُوا مَعَ إخْوَانهمْ ببسيط تامسنا الْمَذْكُور وَكَانَ

стр. 397

للموحدين عَلَيْهِم عسكرة وجباية وَكَانَ شيخ العاصم لعهد الْمُوَحِّدين ثمَّ عهد الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور مِنْهُم حسن بن زيد وَكَانَ لَهُ أثر فِي الْفِتْنَة الَّتِي ثارت بَين الْمَأْمُون وَبَين يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور وَلما هلك يحيى الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَمر الرشيد بن الْمَأْمُون بقتل حسن بن زيد الْمَذْكُور مَعَ قَائِد وقائد ابْني عَامر من شُيُوخ بني جَابر كل مِنْهُمَا اسْمه قَائِد فَقتلُوا جَمِيعًا ثمَّ صَارَت الرياسة لأبي عياد وبنيه وَكَانَ رئيسهم لعهد بني مرين عياد بن أبي عياد وَكَانَ لَهُ تلون على الدولة فِي النفرة تَارَة والاستقامة أُخْرَى فر إِلَى تلمسان وَرجع مِنْهَا أَعْوَام تسعين وسِتمِائَة وفر إِلَى السوس وَرجع مِنْهُ سنة سبع وَسَبْعمائة وَلم يزل هَذَا دأبه وَكَانَت لَهُ ولَايَة مَعَ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني من قبل ذَلِك ومقاماته فِي الْجِهَاد مَعَه مَذْكُورَة وَبقيت رياسته فِي بنيه إِلَى أَن انقرض أَمرهم وتلاشوا وَالله خير الْوَارِثين وَأما بَنو جَابر بن جشم فَكَانَت لَهُم شَوْكَة أَيْضا وَكَانَ لَهُم أثر فِي الْفِتْنَة الناشئة بَين الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور وَيحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور فَكَانُوا شيعَة ليحيى وَلما ولي الرشيد بن الْمَأْمُون أَمر بقتل قَائِد وقائد ابْني عَامر وهما يَوْمئِذٍ شَيخا بني جَابر فقتلا وَقتل مَعَهم حسن بن زيد شيخ العاصم كَمَا تقدم وَكَانُوا جَمِيعًا معتقلين عِنْد الرشيد وَولي أَمر بني جَابر بعدهمَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن قيطون ثمَّ قبض عَلَيْهِ قَائِد الْمُوَحِّدين أَبُو الْحسن بن يَعْلُو وَكَانَ ذَلِك بِأَمْر أبي حَفْص المرتضى الموحدي وَولي رياسة بني جَابر بعده إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب بن قيطون ثمَّ تحيز بَنو جَابر هَؤُلَاءِ عَن أَحيَاء جشم إِلَى سفح الْجَبَل بتادلا وَمَا إِلَيْهَا يجاورون هُنَالك صناكة من البربر الساكنين بقنته وهضابه فيسهلون إِلَى الْبَسِيط تَارَة ويأوون إِلَى الْجَبَل فِي حلف البربر وجوارهم أُخْرَى إِذا دهمتهم مَخَافَة من السُّلْطَان

стр. 398

قَالَ ابْن خلدون والرياسة فيهم لهَذِهِ العصور يَعْنِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّامِنَة فِي ورديغة من بطونهم قَالَ أدْركْت شَيخا عَلَيْهِم لعهد السُّلْطَان أبي عنان حُسَيْن بن عَليّ الورديغي ثمَّ هلك وأقيم مقَامه ابْنه النَّاصِر بن حُسَيْن وَلحق بهم الْوَزير الْحسن بن عمر عِنْد نزوعه عَن السُّلْطَان أبي سَالم المريني سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة ونهضت إِلَيْهِم عَسَاكِر السُّلْطَان فأمكنوا مِنْهُ ثمَّ لحق بهم أَبُو الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم عِنْد فراره من مراكش سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ونازله السُّلْطَان عبد العزيز المريني وأحاط بِهِ وبهم فلحق ببرابرة صناكة ثمَّ أمكنوا مِنْهُ على مَال حمل إِلَيْهِم وَلحق بهم أثْنَاء هَذِه الْفِتَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن المريني على عهد الْوَزير عمر بن عبد الله المتغلب على الْمغرب وَطَلَبه الْوَزير عمر فأخرجوه عَنْهُم وَطَالَ بذلك مراس النَّاصِر هَذَا للفتنة فنكرته الدولة وتقبضت عَلَيْهِ وأودعته السجْن فَمَكثَ فِيهِ سِنِين ثمَّ تجافت عَنهُ الدولة من بعد ذَلِك وأطلقته ثمَّ رَجَعَ من الْمشرق فتقبض عَلَيْهِ الْوَزير أَبُو بكر بن غَازِي المستبد بالمغرب على ولد السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأودعه السجْن ونقلوا الرياسة عَن بَيته إِلَى غَيرهم وَالله تَعَالَى مُقَلِّب الْأُمُور وَقد يزْعم كثير من النَّاس أَن ورديغة من بني جَابر لَيْسُوا من جشم وَأَنَّهُمْ بطن من بطُون سدراته إِحْدَى شعوب لواتة من البربر ويستدلون على ذَلِك بموطنهم وجوارهم البربر وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك وَأما سُفْيَان فهم الَّذين كَانَت لَهُم الرياسة والشوكة عِنْد دُخُول الْعَرَب إِلَى الْمغرب كَانَت رياستهم يَوْمئِذٍ فِي أَوْلَاد جرمون على سَائِر بطُون جشم واستمروا على ذَلِك سَائِر أَيَّام الْمُوَحِّدين وَلما ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن استكثروا بهم فِي حروبهم فَكَانَت لَهُم عزة ودالة على الدولة بِسَبَب الْكَثْرَة وَقرب الْعَهْد بالبداوة وخبوا وَوَضَعُوا فِي الْفِتَن مَعَ أعقاب الْمُلُوك من بني عبد الْمُؤمن المتنازعين على الْملك وظاهروا الْبَعْض مِنْهُم على الْبَعْض وَسَاءَتْ آثَارهم بالمغرب وَكَانَ شيخهم الْمَشْهُور على عهد يحيى بن النَّاصِر الموحدي

стр. 399

جرمون بن عِيسَى السفياني وَكَانَت بَينهم وَبَين الْخَلْط عَدَاوَة فَصَارَت الْخَلْط شيعَة لِلْمَأْمُونِ وبنيه وَصَارَت سُفْيَان بِسَبَب ذَلِك شيعَة ليحيى بن النَّاصِر مُنَازعَة فِي الْخلَافَة بمراكش ثمَّ قتل الرشيد ن الْمَأْمُون مَسْعُود بن حمدَان شيخ الْخَلْط رُبمَا نذْكر بعد فصاروا إِلَى يحيى بن النَّاصِر وَصَارَت سُفْيَان إِلَى الرشيد ثمَّ ظهر بَنو مرين بالمغرب واتصلت حروبهم مَعَ الْمُوَحِّدين وَنزع جرمون سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عَن الرشيد وَلحق بِمُحَمد بن عبد الْحق المريني حَيَاء مِمَّا وَقع لَهُ مَعَ الرشيد وَذَلِكَ أَنه نادمه ذَات لَيْلَة حَتَّى سكر فَقَامَ يرقص طَربا ثمَّ حمل عَلَيْهِ وَهُوَ سَكرَان وعربد وأساء الْأَدَب ثمَّ أَفَاق فندم وفر إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْحق وَهلك سنة تسع وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وَعلا كَعْب ابْنه كانون بن جرمون عِنْد السعيد بن الْمَأْمُون ثمَّ خَالف عَلَيْهِ عِنْد نهوضه إِلَى بني مرين سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَرجع إِلَى آزمور فملكها وفت ذَلِك فِي عضد السعيد فَرجع عَن حركته وَقصد كانون بن جرمون ففر أَمَامه ثمَّ حضر مَعَه بعد ذَلِك حركته إِلَى تلمسان وَقتل بحصن تامزردكت قبل مقتل السعيد بِيَوْم وَاحِد قتلته الْخَلْط فِي فتْنَة وَقعت بَينهم فِي محلّة السعيد وَهِي الَّتِي جرت عَلَيْهَا تِلْكَ الْوَاقِعَة وَقَامَ بِأَمْر سُفْيَان من بعده أَخُوهُ يَعْقُوب بن جرمون وَقتل ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن كانون وَحضر مَعَ عمر المرتضى الموحدي حَرَكَة أَمَان أيملولين سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَرَحل يَعْقُوب عَن السُّلْطَان واختل عسكره بِسَبَب ذَلِك فَرجع وَاتبعهُ بَنو مرين فَكَانَت الْهَزِيمَة ثمَّ عَفا لَهُ المرتضى عَنْهَا ثمَّ قَتله مَسْعُود وَعلي ابْنا أَخِيه كانون بثأر أخيهما مُحَمَّد سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة ولحقا بِيَعْقُوب بن عبد الْحق المريني وَقدم المرتضى ابْنه عبد الرَّحْمَن فعجز عَن الْقيام بأَمْره فَقدم عَمه عبد الله بن جرمون فعجز أَيْضا فَقدم مَسْعُود بن كانون فَأَقَامَ شَيخا على سُفْيَان واستمرت حَالهم مَعَ الْمُوَحِّدين وَبني مرين على هَذَا النَّحْو من إخلاص الطَّاعَة والنصرة تَارَة والتمريض فيهمَا أُخْرَى

стр. 400

وَقَالَ ابْن خلدون واتصلت الرياسة على سُفْيَان فِي بني جرمون هَؤُلَاءِ إِلَى عهدنا قَالَ وَأدْركت شَيخا عَلَيْهِم لعهد السُّلْطَان أبي عنان يَعْقُوب بن عَليّ بن مَنْصُور بن عِيسَى بن يَعْقُوب بن جرمون بن عِيسَى وَكَانَت سُفْيَان هَؤُلَاءِ أَحيَاء حلوا بأطراف تامسنا مِمَّا يَلِي آسفي وغلبتهم الْخَلْط على بسائطها الفسيحة وَبَقِي من أحيائهم الْحَارِث والكلابة ينتجعون أَرض السوس وقفاره وَيطْلبُونَ ضواحي بِلَاد حاحة من المصامدة فَبَقيت فيهم لذَلِك شدَّة وبأس ورياستهم فِي أَوْلَاد مُطَاع من الْحَارِث وَطَالَ عيثهم فِي ضواحي مراكش وإفسادهم فَلَمَّا استبد سُلْطَان مراكش الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن المريني سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة كَمَا نذْكر استخلصهم وَرفع مَنْزِلَتهمْ ثمَّ استقدمهم فِي بعض أَيَّامه للعرض بخيلهم ورجلهم على الْعَادة وشيخهم يَوْمئِذٍ مَنْصُور بن يعِيش من أَوْلَاد مُطَاع فتقبض عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقتل من قتل مِنْهُم وأودع الآخرين سجونه فَذَهَبُوا مثلا لآخرين وخضضت شوكتهم وَالله قَادر على مَا يَشَاء وَأما الْخَلْط فقد كَانُوا ببسيط تامسنا أولي عدد وَقُوَّة وَكَانَ شيخهم هِلَال بن حميدان بن مقدم وَلما ولي الْعَادِل بن الْمَنْصُور الموحدي خالفوا عَلَيْهِ وهزموا عساكره وَبعث هِلَال بيعَته إِلَى الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَتَبعهُ الموحدون على ذَلِك ثمَّ جَاءَ الْمَأْمُون فظاهروه على أمره وتحيزت أعداؤهم إِلَى يحيى بن النَّاصِر منازعه وَلم يزل هِلَال بن حميدان مَعَ الْمَأْمُون الى أَن هلك فِي حركته سنته وَبَايع بعده لِابْنِهِ الرشيد وَجَاء بِهِ إِلَى مراكش وَهزمَ سُفْيَان واستباحهم ثمَّ هلك هِلَال بن حميدان فولي مَكَانَهُ أَخُوهُ مَسْعُود بن حميدان ثمَّ خَالف على الرشيد فاحتال الرشيد عَلَيْهِ حَتَّى وَفد عَلَيْهِ بمراكش فَقتله فِي جمَاعَة من قومه سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَولي أَمر الْخَلْط بعده يحيى بن هِلَال وفر بقَوْمه إِلَى يحيى بن النَّاصِر وحاصروا مراكش ثمَّ استولوا عَلَيْهَا وعاثوا فِيهَا وَخرج

стр. 401

الرشيد إِلَى سجلماسة ثمَّ عَاد إِلَيْهِم سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وغلبهم عَلَيْهَا ثمَّ راجعوا طَاعَة الرشيد وطردوا يحيى بن النَّاصِر إِلَى بني معقل عرب الصَّحرَاء فتقبض الرشيد على وشاح وَعلي ابْني هِلَال وسجنهم بآزمور سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ثمَّ أطلقهُم ثمَّ بعد ذَلِك غدر بمشيختهم بعد الاستدعاء والتأنيس وقتلهم أَجْمَعِينَ ثمَّ بعد ذَلِك حَضَرُوا مَعَ السعيد بن الْمَأْمُون حركته إِلَى بني عبد الواد أَصْحَاب تلمسان وجروا عَلَيْهِ الْوَاقِعَة حَتَّى قتل فِيهَا بِسَبَب فتنتهم مَعَ سُفْيَان يَوْمئِذٍ فَلم يزل المرتضى يعْمل الْحِيلَة فيهم إِلَى أَن تقبض على أَشْيَاخهم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة فَقَتلهُمْ وَلحق عواج بن هِلَال بن حميدان ببني مرين وَقدم المرتضى عَلَيْهِم عَليّ بن أبي عَليّ من بَيت الرياسة فيهم ثمَّ رَجَعَ عواد إِلَى الْمُوَحِّدين سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة فأغزاه عَليّ بن أبي عَليّ فَقتل فِي غزاته تِلْكَ ثمَّ كَانَت وَاقعَة أم الرجلَيْن لبني مرين على المرتضى سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة فَنزع عَليّ بن أبي عَليّ إِلَى بني مرين ثمَّ صَار الْخَلْط كلهم إِلَى بني مرين وَكَانَت الرياسة فيهم أول دولة بني مرين لأبي عَطِيَّة مهلهل بن يحيى الخلطي وأصهر إِلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق فأنكحه مهلهل ابْنَته عَائِشَة الَّتِي كَانَ مِنْهَا ابْنه السُّلْطَان أَبُو سعيد بن يَعْقُوب وَلم يزل مهلهل كَبِيرا عَلَيْهِم إِلَى أَن هلك سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ بِأَمْر الْخَلْط ابْنه عَطِيَّة وَكَانَ لعهد السُّلْطَان أبي سعيد وَابْنه السُّلْطَان أبي الْحسن وَبَعثه السُّلْطَان أَبُو الْحسن سفيرا عَنهُ إِلَى سُلْطَان مصر الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَلما هلك عَطِيَّة قَامَ بِأَمْر الْخَلْط ابْنه عِيسَى بن عَطِيَّة ثمَّ ابْن أَخِيه رمام بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة وَهُوَ الَّذِي بلغ المبالغ من الْعِزّ والترف والدالة على السُّلْطَان والقرب من مَجْلِسه إِلَى أَن هلك فولي أَمر الْخَلْط بعده أَخُوهُ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ أخوهما سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم ثمَّ أخوهم مبارك بن

стр. 402

إِبْرَاهِيم على مثل حَالهم أَيَّام السُّلْطَان أبي عنان المريني وَمن بعده إِلَى أَن كَانَت الْفِتْنَة بالمغرب بعد مهلك السُّلْطَان أبي سَالم المريني وَاسْتولى على الْمغرب أَخُوهُ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأقطع ابْنه نَاحيَة مراكش فَكَانَ إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة هَذَا مَعَه وَلما تقبض على أبي الْفضل تقبض على مبارك الْمَذْكُور وأودع السجْن إِلَى أَن غلب السُّلْطَان عبد الْعَزِيز على عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وَقَتله فَقتل مَعَه مبارك بن إِبْرَاهِيم هَذَا لما كَانَ يعرف بِهِ من صحبته ومداخلته فِي الْفِتَن كَمَا يذكر فِي أَخْبَار بني مرين وَولي ابْنه مُحَمَّد بن مبارك على قبيل الْخَلْط قَالَ ابْن خلدون إِلَّا أَن الْخَلْط الْيَوْم دثرت كَأَن لم تكن بِمَا أَصَابَهُم من الخصب والترف مُنْذُ مِائَتَيْنِ من السنين بذلك الْبَسِيط الأفيح زِيَادَة على الْعِزّ والدعة فأكلتهم السنون وَذهب بهم الترف وَالله غَالب على أمره أه وَلما انقرضت الدولة المرينية من الْمغرب وَجَاءَت دولة الشرفاء السعديين وَقَامَ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَعْرُوف بالمهدي انحاشت الْخَلْط إِلَيْهِ وأظهروا الْخدمَة والنصيحة وَغلب مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور على فاس وَأخرج أَبَا حسون الوطاسي عَنْهَا فَذهب أَبُو حسون الْمَذْكُور إِلَى دولة التّرْك بالجزائر واستنصر بهم على السعديين فلبوا دَعوته وَقدم مَعَه مِنْهُم عَسْكَر جرار إِلَى فاس فأخرجوا مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ عَنْهَا بعد حروب عَظِيمَة جرت الْخَلْط هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ فِيهَا الْهَزِيمَة فَلَمَّا اسْتَقل بِالْأَمر مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور خلع الْخَلْط من الجندية ووظف عَلَيْهِم الْخراج ومحا اسمهم من ديوَان الْخدمَة وَنقل أعيانهم إِلَى مراكش واتخذهم رهائن عِنْده وَلم يزل الْأَمر كَذَلِك إِلَى دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور

стр. 403

السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي فَرَأى جلاد الْخَلْط وقتالهم يَوْم وَادي المخازن وإبلاءهم الإبلاء الْحسن فَاخْتَارَ النّصْف مِنْهُم وردهم إِلَى الجندية وَأبقى النّصْف الآخر فِي غمار الرّعية ونقلهم إِلَى أزغار فاستوطنوه فعاثوا فِي تِلْكَ الْبِلَاد وَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد ومدوا أَيْديهم إِلَى أَوْلَاد مُطَاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إِلَى الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فَضرب عَلَيْهِم مغرما سبعين ألفا فَلم يزِيدُوا إِلَّا شدَّة فَضرب عَلَيْهِم بعثا إِلَى تكرارين من أَرض الصَّحرَاء فامتنعوا من ذَلِك فَبعث إِلَيْهِم الْقَائِد مُوسَى بن أبي جمادة الْعمريّ فَانْتزع مِنْهُم الْخَيل وأبقاهم رجالة ثمَّ حكم فيهم السَّيْف فمزقهم كل ممزق وَمن ثمَّ خمدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم ثمَّ ختموا أَعْمَالهم بفعلتهم الشنعاء الَّتِي مَلَأت الأفواه وأسالت من الجفون الأمواه وَهِي قَتلتهمْ ولي الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَبَا عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد اليعاشي الْمَالِكِي ﵀ فَمَا زلنا نسْمع أَن قَبيلَة الْخَلْط إِنَّمَا سلبوا الْعِزّ مُنْذُ قَتلهمْ للْوَلِيّ الْمَذْكُور وَكَانَ ذَلِك فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن بني معقل عرب الصَّحرَاء من أَرض الْمغرب وَتَحْقِيق نسبهم وَبَيَان شعوبهم وبطونهم قَالَ ابْن خلدون هَذَا الْقَبِيل لهَذَا الْعَهْد من أوفر قبائل الْعَرَب ومواطنهم بقفار الْمغرب الْأَقْصَى مجاورون لني عَامر من زغبة الهلاليين فِي مواطنهم بقبلة تلمسان وينتهون إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط من جِهَة الغرب وَهِي ثَلَاثَة بطُون ذَوي عبيد الله وَذَوي مَنْصُور وَذَوي حسان فذوي عبيد الله مِنْهُم هم المجاورون لبني عَامر ومواطنهم بَين تلمسان وتاوريرت فِي التل وَمَا يواجهها من الْقبْلَة ومواطن ذَوي مَنْصُور من تاوريرت إِلَى بِلَاد درعة فيستولون على ملوية كلهَا إِلَى سجلماسة وعَلى درعة وَمَا يحاذيها من التل مثل تازا وغساسة ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمعدن

стр. 404

ومواطن ذَوي حسان من درعة إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَينزل شيوخهم بِلَاد بَوْل قَاعِدَة السوس فيستولون على السوس الْأَقْصَى وَمَا إِلَيْهِ وينتجعون كلهم فِي الرمال إِلَى مَوَاطِن الملثمين من كدالة ومسوفة ولمتونة وَكَانَ دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب مَعَ الهلاليين فِي عدد قَلِيل يُقَال إِنَّهُم لم يبلغُوا الْمِائَتَيْنِ واعترضتهم بَنو سليم فأعجزوهم وتحيزوا إِلَى الهلالين مُنْذُ عهد قديم ونزلوا بآخر مواطنهم مِمَّا يَلِي ملوية ورمال تافيلالت وجاوروا زناتة فِي القفار فعفوا وكثروا وأثروا فِي صحارى الْمغرب الْأَقْصَى فغمروا رماله وتقلبوا فِي فيافيه وَكَانُوا هُنَالك أحلافا لزناتة سَائِر أيامهم وَبَقِي مِنْهُم بإفريقية جمع قَلِيل اندرجوا فِي جملَة بني كَعْب بن سليم وداخلوهم حَتَّى كَانُوا وزراء لَهُم فِي الِاسْتِخْدَام للسُّلْطَان واستئلاف الْعَرَب فَلَمَّا ملكت زناتة بِلَاد الْمغرب ودخلوا إِلَى الْأَمْصَار والمدن أَقَامَ بَنو معقل هَؤُلَاءِ فِي القفار وتفردوا فِي الْبَيْدَاء فنموا نموا لاكفاء لَهُ وملكوا قُصُور الصَّحرَاء الَّتِي اختطها زناتة بالقفر مثل قُصُور السوس غربا ثمَّ توات ثمَّ بودة ثمَّ تمنطيت ثمَّ واركلان ثمَّ تاسبيبت ثمَّ تيكرارين شرقا وكل وَاحِدَة من هَذِه وَطن مُنْفَرد يشْتَمل على قُصُور عديدة ذَات نخيل وأنهار وَأكْثر سكانها من زناتة وَبينهمْ فتن وحروب على رياستها فحازت عرب معقل هَذِه الأوطان فِي مجالاتهم وَوَضَعُوا عَلَيْهَا الإتاوات والضرائب وَصَارَت لَهُم جباية يعتدون فِيهَا ملكا وَكَانُوا فِي تِلْكَ الْمدَّة السالفة يُعْطون الصَّدقَات لملوك زناتة ويأخذونهم بالدماء والطوائل ويسمونها جمل الرحيل وَكَانَ لَهُم الْخِيَار فِي تَعْيِينهَا وَلم يكن هَؤُلَاءِ الْعَرَب يحْمُونَ من أَطْرَاف الْمغرب وتلوله حمى وَلَا يعرضون لسابلة سجلماسة وَلَا غَيرهَا من بِلَاد الصَّحرَاء بأذية وَلَا مَكْرُوه لما كَانَ بالمغرب من اعتزاز الدّين وسد الثغور وَكَثْرَة الحامية أَيَّام الْمُوَحِّدين وزناتة من بعدهمْ وَكَانَ لَهُم بِإِزَاءِ ذَلِك أقطاع من الدول يمدون إِلَى أَخذه الْيَد السُّفْلى

стр. 405

وعددهم قَلِيل كَمَا قُلْنَا وَإِنَّمَا كَثُرُوا بِمن اجْتمع إِلَيْهِم من الْقَبَائِل من غير نسبهم فَإِن فيهم من فَزَارَة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر وَفِيهِمْ من أَشْجَع بن ريث بن غطفان أَحيَاء كَبِيرَة يظغنون مَعَ بني معقل بجهات سجلماسة ووادي ملوية وَلَهُم عدد وَذكر وَفِيهِمْ الصَّباح من الْأَخْضَر وَيَقُولُونَ إِنَّهُم من ولد أَخْضَر بن عَامر وعامر هَذَا هُوَ وَالله أعلم من ولد ريَاح الهلاليين وَفِيهِمْ المهاية من عِيَاض إِحْدَى بطُون الأثبج الهلاليين وَفِيهِمْ العمور من الأثبج أَيْضا وَفِيهِمْ بطُون أخر من بني هِلَال وَبني سليم وَغَيرهَا وَأما أنسابهم عِنْد الْجُمْهُور فخفية ومجهولة والنسابون من عرب هِلَال يعدونهم من بطونهم وَهُوَ غير صَحِيح وهم أَعنِي بني معقل يَزْعمُونَ أَن نسبهم فِي أهل الْبَيْت إِلَى جَعْفَر بن أبي طَالب وَلَيْسَ ذَلِك أَيْضا بِصَحِيح لِأَن الطالبيين والهاشميين لم يَكُونُوا أهل بادية ونجعة هَكَذَا ذكر ابْن خلدون لكنه لم تكلم على جُهَيْنَة إِحْدَى بطُون قضاعة وَذكر أَنهم نزلُوا بِلَاد الصَّعِيد وملؤوها قَالَ وَنزل مَعَهم فِي تِلْكَ المواطن من أسوان إِلَى قوص بَنو جَعْفَر بن أبي طَالب حِين غلبهم بَنو الْحسن على نواحي الْمَدِينَة وأخرجوهم مِنْهَا فهم يعْرفُونَ بَينهم بالشرفاء الجعافرة ويحترفون فِي غَالب أَحْوَالهم بِالتِّجَارَة اه كَلَامه فعلى هَذَا لَا يبعد أَن تكون طَائِفَة من هَؤُلَاءِ الجعافرة قد انتقلوا من ارْض الصَّعِيد ودخلوا مَعَ بني هِلَال الى بِلَاد الْمغرب وأوطنوا صحراءه وهم بَنو معقل المذكورون وَالنَّاس مصدقون فِي أنسابهم وَالله تَعَالَى أعلم بحقائق الْأُمُور ثمَّ قَالَ ابْن خلدون وَالصَّحِيح وَالله أعلم من أَمرهم أَنهم من عرب الْيمن فَإِن فِي الْيمن بطنين يُسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا معقل ذكرهمَا ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيره فأحدهما من قضاعة بن مَالك بن حمير وَهُوَ معقل بن

стр. 406

كَعْب بن عليم بن جناب وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى قضاعة وَالْآخر من بني الْحَارِث بن كَعْب أَصْحَاب نَجْرَان الَّذين كَانَ مِنْهُم بَنو عبد المدان مُلُوك نَجْرَان فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَهُوَ معقل بن كَعْب بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى كهلان قَالَ والأنسب أَن يَكُونُوا من هَذَا الْبَطن الآخر وَقد عده الإخباريون فِي بطُون هِلَال الداخلين إِلَى إفريقية لمجاورتهم فِي الوطن قَالَ وَمن إملاء نسابهم أَن معقلا جدهم لَهُ من الْوَلَد سجير وَمُحَمّد فولد سجير عبيد الله وثعلب فَمن عبيد الله ذَوي عبيد الله الْبَطن الْكَبِير مِنْهُم وَمن ثَعْلَب الثعالبة الَّذين كَانُوا ببسيط متيجة من نواحي الجزائر وَولد مُحَمَّد مُخْتَارًا ومنصورا وجلالا وسالما وَعُثْمَان فولد مُخْتَار بن مُحَمَّد حسان وشبانة فَمن حسان ذَوي حسان الْبَطن الْمَذْكُور أهل السوس الْأَقْصَى وَمن شبانة الشبانات جيرانهم هُنَالك وَمن جلال وَسَالم وَعُثْمَان الرقيطات بادية فِي ذَوي حسان ينتجعون مَعَهم وَولد مَنْصُور بن مُحَمَّد حُسَيْنًا وَأَبا الْحُسَيْن وهما شقيقان وَعمْرَان ومنبا وهما شقيقان أَيْضا وهما الأحلاف وَيُقَال لعمران العمرانية ولمنبا المنبات ثمَّ يُقَال لجَمِيع الْبُطُون الْأَرْبَعَة ولد مَنْصُور بن مُحَمَّد ذَوي مَنْصُور وهم إِحْدَى بطونهم الثَّلَاث الْمَذْكُورَة وَالله تَعَالَى أعلم بغيبه فَهَذِهِ أصُول عرب الْمغرب الْأَقْصَى وَكَيْفِيَّة دُخُولهمْ إِلَيْهِ واستيطانهم إِيَّاه وَبَعض فصولهم قد ذَكرنَاهَا ملخصة من تَارِيخ إِمَام الْفَنّ أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون وَمن جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ حزم وزدنا مَا يحْتَاج مِنْهَا إِلَى الْبَيَان بَيَانا وَالله تَعَالَى الْمُوفق ولنرجع إِلَى مَا كُنَّا بسبيله من أَخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ فَإِنَّهُ لما رَجَعَ من إفريقية إِلَى مراكش سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة رفع إِلَيْهِ أَن أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا حَفْص صَاحب مرسية الملقب بالرشيد وَعَمه السَّيِّد أَبَا الرّبيع صَاحب تادلا عِنْدَمَا بلغهما خبر الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت على مُقَدّمَة

стр. 407

الْمَنْصُور بإفريقية حَدثا أَنفسهمَا بالتوثب على الْخلَافَة فَلَمَّا قدما عَلَيْهِ بالتهنئة أَمر باعتقالهما خلال مَا استملأ أَمرهمَا ثمَّ قَتلهمَا وَعقد للسَّيِّد أبي الْحسن ابْن السَّيِّد أبي حَفْص على بجاية وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة شرع الْمَنْصُور فِي إِدْخَال ساقية المَاء إِلَى مراكش ثمَّ تاقت نَفسه إِلَى الْجِهَاد فَكَانَ مِنْهُ مَا نذكرهُ الْجَوَاز الأول ليعقوب الْمَنْصُور ﵀ إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد قَالَ ابْن أبي زرع وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة تحرّك أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى الأندلس برسم غَزْو بِلَاد غربها وَهِي أولى غَزَوَاته فَعبر من قصر الْمجَاز إِلَى الخضراء يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ نَهَضَ من الخضراء حَتَّى نزل شنترين وَشن الغارات على مَدِينَة أشبونة وأنحائها فَقطع الثِّمَار وَحرق الزروع وَقتل وسبا وأضرم النيرَان فِي الْقرى وأبلغ فِي النكاية وَانْصَرف إِلَى العدوة بِثَلَاثَة عشر ألفا من السَّبي فَدخل فاسا فِي آخر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة مراسلة السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب صَاحب مصر ليعقوب الْمَنْصُور رحمهمَا الله والتماسه مِنْهُ الأساطيل للْجِهَاد كَانَت الفرنج قد ملكوا سواحل الشَّام فِي آخر الدولة العبيدية مُنْذُ تسعين سنة قبل هَذَا التَّارِيخ وملكوا مَعهَا بَيت الْمُقَدّس شرفه الله فَلَمَّا استولى السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀ على ديار مصر وَالشَّام اعتزم على جهادهم وَصَارَ يفتح حصونها وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى أَتَى على جَمِيعهَا

стр. 408

وافتتح بَيت الْمُقَدّس سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَهدم الْكَنِيسَة الَّتِي بنواحيه وَانْقَضَت أُمَم النَّصْرَانِيَّة من كل جِهَة وَتَتَابَعَتْ أساطيلهم الكفرية بالمدد من كل نَاحيَة لتِلْك الثغور الْقَرِيبَة من بَيت الْمُقَدّس واعترضوا أسطول صَلَاح الدّين فِي الْبَحْر وَلم تقاومهم أساطيل الْإسْكَنْدَريَّة لِضعْفِهَا يَوْمئِذٍ عَن ممانعتهم فَبعث صَلَاح الدّين صَرِيحَة إِلَى الْمَنْصُور سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِطَلَب إعانته بالأساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس الشَّام وأوفد عَلَيْهِ أَبَا الْحَارِث عبد الرَّحْمَن بن منقذ من بَيت بني منقذ مُلُوك شيزر من حصون الشَّام وَكَانَ صَلَاح الدّين قد ملكهَا من أَيْديهم وَأبقى عَلَيْهِم فِي دولته فَبعث صَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن هَذَا إِلَى يَعْقُوب الْمَنْصُور طَالبا مدد الأساطيل لتحول فِي الْبَحْر بَين أساطيل الفرنج وَبَين أَمْدَاد النَّصْرَانِيَّة بِالشَّام ولمنازلة الثغور الَّتِي ذكرنَا وَبعث مَعَه إِلَى الْمَنْصُور بهدية تشْتَمل على مصحفين كريمين منسوبين وَمِائَة دِرْهَم من دهن البلسان وَعشْرين رطلا من الْعود وسِتمِائَة مِثْقَال من الْمسك والعنبر وَخمسين قوسا عَرَبِيَّة بأوتارها وَعشْرين من النصول الْهِنْدِيَّة وسروج عدَّة مثقلة فوصل إِلَى الْمغرب فصادف الْمَنْصُور بالأندلس فانتظره بفاس إِلَى أَن رَجَعَ فَلَقِيَهُ وَأدّى الرسَالَة وَقدم الْهَدِيَّة وَكَانَ الْكتاب الَّذِي بعث بِهِ صَلَاح الدّين من إنْشَاء الأديب عبد الرَّحِيم البيسني الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ عنوان الْكتاب من صَلَاح الدّين إِلَى أَمِير الْمُسلمين وَفِي أَوله الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى يُوسُف بن أَيُّوب وَبعده الْحَمد لله الَّذِي اسْتعْمل على الْملَّة الحنيفة من استعمر الأَرْض وأغنى من أَهلهَا من سَأَلَهُ الْقَرْض وأجرى من أجْرى على يَده النَّافِلَة وَالْفَرْض وزين سَمَاء الْملَّة بدراري الذَّرَارِي الَّتِي بَعْضهَا من بعض وَهُوَ كتاب طَوِيل

стр. 409

وَلما وقف عَلَيْهِ الْمَنْصُور وَرَأى تجافيهم فِيهِ عَن خطابه بأمير الْمُؤمنِينَ لم يُعجبهُ ذَلِك وأسرها فِي نَفسه وَحمل الرَّسُول على مناهج الْبر والكرامة ورده إِلَى مرسله وَلم يجبهُ إِلَى حَاجته وَيُقَال إِنَّه جهز لَهُ بعد ذَلِك مائَة وَثَمَانِينَ أسطولا وَمنع النَّصَارَى من سواحل الشَّام وَالله تَعَالَى أعلم قَالَ ابْن خلدون وَفِي هَذَا دَلِيل على اخْتِصَاص مُلُوك الْمغرب يَوْمئِذٍ بالأساطيل الجهادية وَعدم عناية الدول بِمصْر وَالشَّام لذَلِك الْعَهْد بهَا وَكَانَ ابْن منقذ الْمَذْكُور قد مدح الْمَنْصُور بقصيدة يَقُول فِيهَا (سأشكر بحرا ذَا عباب قطعته ... إِلَى بَحر جود مَا لأخراه سَاحل) (إِلَى مَعْدن التَّقْوَى إِلَى كعبة الندى ... إِلَى من سمت بِالذكر مِنْهُ الْأَوَائِل) (إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم تزل ... إِلَى بابك المأمول تزجي الرَّوَاحِل) (قطعت إِلَيْك الْبر وَالْبَحْر موقنا ... بِأَن نداك الْغمر بالنجح كافل) (وحزت بقصديك العلى فبلغتها ... وَأدنى عطاياك العلى والفواضل) (فَلَا زلت للعلياء والجود بانيا ... تبلغك الآمال مَا أَنْت آمل) وعدتها أَرْبَعُونَ بَيْتا فَأعْطَاهُ بِكُل بَيت ألفا وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا أعطيناك لفضلك ولبيتك يَعْنِي لَا لأجل صَلَاح الدّين عود الْمَنْصُور إِلَى إفريقية وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما قدم الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى فاس وَفرغ من شَأْن ابْن منقذ تَوَاتَرَتْ إِلَيْهِ الْأَخْبَار بِأَن ابْن غانية قد ظهر بإفريقية فَنَهَضَ إِلَيْهَا من فاس فِي ثامن شعْبَان من تِلْكَ السّنة فَدخل تونس فِي أول ذِي الْقعدَة مِنْهَا فَألْقى بِلَاد

стр. 410

إفريقية سَاكِنة وَقد فر ابْن غانية عَنْهَا إِلَى الصَّحرَاء حِين سمع بقدومه وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة استولى الفرنج على مَدِينَة شلب وباجة ويابورة من غرب الأندلس وَذَلِكَ لما علمُوا أَن الْمَنْصُور قد أبعد عَنْهُم واشتغل بِأَمْر إفريقية فاغتنموا الفرصة فِيهَا واتصل الْخَبَر بالمنصور فَغَاظَهُ ذَلِك وأعظمه وَكتب إِلَى قواد الأندلس يوبخهم وَيَأْمُرهُمْ بغزو بِلَاد الفرنج وَيُعلمهُم أَنه قادم عَلَيْهِم فِي أثر كِتَابه فَاجْتمع قواد الأندلس إِلَى مُحَمَّد بن يُوسُف وَالِي قرطبة فَخرج بهم فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَالْعرب وَأهل الأندلس حَتَّى نزل على شلب فَشدد عَلَيْهَا الْحصار وتابع عَلَيْهَا الْقِتَال حَتَّى فتحهَا وَفتح قصر أبي دانس ومدينة باجة ويابورة وَرجع إِلَى قرطبة فَدَخلَهَا بِخَمْسَة عشر ألفا من السَّبي وَثَلَاثَة آلَاف أَسِير قدمهم بَين يَدَيْهِ فِي القطائن خَمْسُونَ علجا فِي كل قطينة وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَفِي هَذَا الشَّهْر رَجَعَ الْمَنْصُور من إفريقية فَانْتهى إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي فاتح محرم من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَهِي سنة آكرواو خرج الْمَنْصُور من تلمسان إِلَى فاس وَهُوَ مَرِيض فَكَانَ يركب فِي آكرواو فَدخل فاسا وَأقَام بهَا مَرِيضا سَبْعَة أشهر حَتَّى أبل من علته ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد وَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله

стр. 411

الْغَزْوَة الْكُبْرَى بالأرك من بِلَاد الأندلس قَالَ ابْن خلكان كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ قد خافه الفنش صَاحب طليطلة وَسَأَلَهُ الصُّلْح فَصَالحه إِلَى خمس سِنِين فَلَمَّا انْقَضتْ مُدَّة الْهُدْنَة وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل خرجت طَائِفَة من الفرنج فِي جَيش كثيف إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فنهبوا وَسبوا وعاثوا عيثا فظيعا فَانْتهى الْخَبَر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَهُوَ بمراكش فتجهز لقصدهم فِي جَيش عَرَمْرَم من قبائل الْمُوَحِّدين وَالْعرب واحتفل فِي ذَلِك وَعبر الْبَحْر إِلَى الأندلس سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة واتصل بالفرنج عبوره إِلَيْهِم فَجمعُوا خلقا كثيرا من أقْصَى بِلَادهمْ وأدانيها وَأَقْبلُوا نَحوه قَالَ ابْن خلكان وَقد رَأَيْت بِدِمَشْق جُزْء بِخَط الشَّيْخ الْحَافِظ تَاج الدّين عبد الله بن حموية السَّرخسِيّ وَكَانَ قد سَافر إِلَى مراكش وَأقَام بهَا مُدَّة وَكتب فصولا تتَعَلَّق بِتِلْكَ الدولة فَمن ذَلِك فصل يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْوَقْعَة فَيَنْبَغِي ذكره هَهُنَا قَالَ لما انْقَضتْ الْهُدْنَة بَين أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَبَين الأذفونش الفرنجي صَاحب غرب جَزِيرَة الأندلس وَقَاعِدَة مَمْلَكَته يَوْمئِذٍ طليطلة وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة تسعين وَخَمْسمِائة عزم يَعْقُوب الْمَنْصُور وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمراكش على التَّوَجُّه إِلَى جَزِيرَة الأندلس لمحاربة الفرنج وَكتب إِلَى وُلَاة الْأَطْرَاف وقواد الجيوش بالحضور وَخرج إِلَى مَدِينَة سلا ليَكُون اجْتِمَاع العساكر بظاهرها فاتفق أَنه مرض مَرضا شَدِيدا حَتَّى يئس مِنْهُ أطباؤه فتوقف الْحَال عَن تَدْبِير تِلْكَ الجيوش وَحمل يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى مراكش وَهُوَ مَرِيض فطمع المجاورون لَهُ من الْعَرَب وَغَيرهم فِي الْبِلَاد وعاثوا فِيهَا وأغاروا على النواحي والأطراف وَكَذَلِكَ فعل الأذفونش فِيمَا يَلِيهِ من بِلَاد الْمُسلمين بالأندلس وَاقْتضى الْحَال تَفْرِقَة الجيوش الَّتِي جمعهَا يَعْقُوب الْمَنْصُور شرقا وغربا وَاشْتَغلُوا بالمدافعة والممانعة فَكثر طمع الأذفونش

стр. 412

فِي الْبِلَاد وَبعث رَسُولا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور يهدد ويتوعد وَيطْلب بعض الْحُصُون المتاخمة لَهُ من بِلَاد الأندلس وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة من إنْشَاء وَزِير لَهُ من ضعفاء الْمُسلمين يعرف بِابْن الفخار وَهِي بِاسْمِك اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض وَصلى الله على السَّيِّد الْمَسِيح روح الله وكلمته الرَّسُول الفصيح أما بعد فَإِنَّهُ لَا يخفى على ذِي ذهن ثاقب وَلَا ذِي عقل لازب إِنَّك أَمِير الْملَّة الحنيفية كَمَا أَنِّي أَمِير الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وَقد علمت الْآن مَا عَلَيْهِ رُؤَسَاء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال أَمر الرّعية وإخلادهم إِلَى الرَّاحَة وَأَنا أسومهم بِحكم الْقَهْر وخلاء الديار وأسبي الذَّرَارِي وأمثل بِالرِّجَالِ وَلَا عذر لَك فِي التَّخَلُّف عَن نَصرهم إِذا أمكنتك يَد الْقُدْرَة وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الله فرض عَلَيْكُم قتال عشرَة منا بِوَاحِد مِنْكُم فَالْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا وَنحن الْآن نُقَاتِل عشرَة مِنْكُم بِوَاحِد منا لَا تَسْتَطِيعُونَ دفاعا وَلَا تَمْلِكُونَ امتناعا وَقد حُكيَ لي عَنْك أَنَّك أخذت فِي الاحتفال وأشرفت على ربوة الْقِتَال وتماطل نَفسك عَاما بعد عَام تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى فَلَا أَدْرِي أَكَانَ الْجُبْن قد أَبْطَأَ بك أم التَّكْذِيب بِمَا وعد رَبك ثمَّ قيل لي إِنَّك لَا تَجِد إِلَى جَوَاز الْبَحْر سَبِيلا لعِلَّة لَا يسوغ لَك التقحم مَعهَا وَهَا أَنا أَقُول لَك مَا فِيهِ الرَّاحَة لَك وأعتذر لَك وعنك على أَن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرِّهَان وَترسل إِلَيّ جملَة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات وأجوز بجملتي إِلَيْك فأقاتلك فِي أعز الْأَمَاكِن لديك فَإِن كَانَت لَك فغنيمة كَبِيرَة جلبت إِلَيْك وهدية عَظِيمَة مثلت بَين يَديك وَإِن كَانَت لي كَانَت يَدي الْعليا عَلَيْك واستحققت إِمَارَة الملتين وَالْحكم على البرين وَالله تَعَالَى يوفق للسعادة ويسهل الْإِرَادَة لَا رب غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور مزقه وَكتب على ظهر قِطْعَة مِنْهُ وَكَانَ الْمَنْصُور يضْرب بِهِ الْمثل فِي حسن التوقيع كَمَا يَأْتِي فِي بَقِيَّة أخباره ﴿ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة﴾

стр. 413

وهم صاغرون) ثمَّ كتب الْجَواب مَا ترى لَا مَا تسمع فَهُوَ أول من تكلم بِهِ فَأرْسلهُ مثلا وَأنْشد متمثلا (وَلَا كتب إِلَّا المشرفية والقنى ... وَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرمرم) ثمَّ أَمر بالإستنفار واستدعاء الجيوش من الْأَمْصَار وَضرب السرادقات بِظَاهِر الْبَلَد من يَوْمه وَجمع العساكر وَسَار إِلَى الْبَحْر الْمَعْرُوف بزقاق سبتة يُرِيد الأندلس وَقَالَ ابْن أبي زرع خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور من حَضْرَة مراكش يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة يولي السّير ويطوي المناهل وَلَا يلوي على فَارس وَلَا راجل والجيوش تتَابع فِي أَثَره من سَائِر الأقطار فَلَمَّا انْتهى إِلَى قصر الْمجَاز أَخذ فِي إجَازَة الجيوش الْوَارِدَة عَلَيْهِ لَا يفرغ من طَائِفَة إِلَّا وَقد لحقت بهَا أُخْرَى فَأجَاز أَولا قبائل الْعَرَب ثمَّ زناتة ثمَّ المصامدة ثمَّ غمارة ثمَّ المتطوعة من قبائل الْمغرب ثمَّ الأغزاز وَالرُّمَاة ثمَّ الموحدون ثمَّ العبيد ثمَّ أجَاز أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَثَرهم فِي موكب عَظِيم من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَأهل النجدة والزعامة وَمَعَهُ فُقَهَاء الْمغرب وصلحاؤه وَاسْتقر بالجزيرة الخضراء بعد صَلَاة الْجُمُعَة الموفي عشْرين من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْعَدو قبل أَن تخمد قرائح الْمُجَاهدين وتضعيف نياتهم فَسَار حَتَّى بَقِي بَينه وَبَين حصن الأرك الَّذِي كَانَ الْعَدو نازلا بإزائه نَحْو مرحلَتَيْنِ فَنزل هُنَالك وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثَالِث شعْبَان من السّنة فَجمع النَّاس ذَلِك الْيَوْم وفاوضهم ووعظهم ثمَّ اخْتصَّ أهل الأندلس بمزيد المشورة وَقَالَ لَهُم إِن جَمِيع من استشرته وَإِن كَانُوا أولي بَأْس وَمَعْرِفَة بِالْحَرْبِ لكِنهمْ لَا يعْرفُونَ من قتال الفرنج مَا تعرفونه أَنْتُم لتمرسكم بهم وتمرسهم بكم فأحالوه فِي الرَّأْي على الْقَائِد أبي عبد الله بن صَنَادِيد فعول الْمَنْصُور ﵀ فِي ذَلِك على رَأْيه

стр. 414

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور ﵀ عرض جَيْشه وَأخذ فِي تقريب الْقرب الى الله تَعَالَى بَين يَدي جهاده فسرح السجون وأدر الأرزاق وَعين الصَّدقَات ورحل فَنزل الأرك وَقد خيمت بأحوازه محلات الْعَدو يضيق عَنْهَا المتسع وَقَامَ الْمَنْصُور بعد أَن اجْتمع النَّاس فتحلل من الْمُسلمين وَقَالَ أَيهَا النَّاس اغفروا لي فِيمَا عَسى أَن يكون صدر مني فبكي النَّاس وَقَالُوا مِنْكُم يطْلب الرضى والغفران وخطب الخطباء بَين يَدَيْهِ محرضين ومذكرين فنشط النَّاس وَطَابَتْ النُّفُوس وَمن الْغَد صدع الْمَنْصُور بالنداء وَأمر بِأخذ السِّلَاح والبروز إِلَى اللِّقَاء فَكَانَت التعبئة تَحت الْغَلَس وَحكى ابْن أبي زرع أَن الْمَنْصُور بَات تِلْكَ اللَّيْلَة عاكفا بمصلاه على الرُّكُوع وَالسُّجُود وَإنَّهُ أغفى إغفاءه فَرَأى ملكا نزل من السَّمَاء فِي صُورَة بشر وَبِيَدِهِ راية خضراء وبشره بِالْفَتْح وأنشده فِي ذَلِك أبياتا بقيت على ذكر الْمَنْصُور إِلَى أَن اسْتَيْقَظَ وقص رُؤْيَاهُ على وُجُوه الْجند فازداد النَّاس طمأنينة وبصيرة فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت خَامِس شعْبَان جلس الْمَنْصُور فِي قُبَّته الْحَمْرَاء الْمعدة للْجِهَاد ثمَّ دَعَا بكبير وزرائه الشَّيْخ أبي يحيى بن أبي حَفْص وَقدمه على ذَلِك الْجَيْش وَعقد لَهُ رايته وَقدمه بَين يَدَيْهِ فرفرفت على رَأسه الرَّايَات وقرعت بَين يَدَيْهِ الطبول وَسَار فِي قبيل هنتاتة وَبَين يَدَيْهِ الْقَائِد ابْن صَنَادِيد فِي جَيش الأندلس ثمَّ عقد الْمَنْصُور لجرمون بن ريَاح على قبائل الْعَرَب ولمنديل بن عبد الرَّحْمَن المغراوي على قبائل مغراوة ولمحيو بن أبي بكر بن حمامة المريني جد الْمُلُوك المرينيين على قبائل بني مرين ولجابر بن يُوسُف العَبْد الْوَادي على قبائل بني عبد الواد ولعباس بن عَطِيَّة التوجيني على قبائل بني توجين ولتلجين بن عَليّ على قبائل هسكورة وَسَائِر المصامدة ولمحمد بن منغفاد على قبائل غمارة وَعقد للفقيه الصَّالح أبي خزر يخلف بن خزر الأوربي على المتطوعة

стр. 415

وَقَالَ ابْن خلدون إِن الَّذِي كَانَ على المتطوعة يَوْمئِذٍ هُوَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وَالْكل إِلَى نظر الشَّيْخ أبي يحيى بن أبي حَفْص وَبَقِي الْمَنْصُور ﵀ فِي جَيش الْمُوَحِّدين وَالْعَبِيد وَأمر الشَّيْخ أَبَا يحيى بالرحيل والتقدم أَمَامه إِلَى جِهَة الْعَدو وَكَانَ الْمَنْصُور قد ضفر مَعَ ابْن صَنَادِيد من الرَّأْي أَن يبْقى هُوَ مُتَأَخِّرًا فِي الْمُوَحِّدين وَالْعَبِيد والجشم على مَسَافَة يخفى بهَا عَن أعين الْعَدو وَيقدم الشَّيْخ أَبَا يحيى بِبَعْض الرَّايَات والطبول فِي هَيْئَة السُّلْطَان فَيلقى الْعَدو فَإِن كَانَت للْمُسلمين فَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِن كَانَت عَلَيْهِم كَانَ الْمَنْصُور ردأ لَهُم ثمَّ يسْتَأْنف الْقِتَال مَعَ الْعَدو وَقد انفل حَده ولانت شوكته فَسَار الشَّيْخ أَبُو يحيى على هَذَا التَّرْتِيب وَابْن صَنَادِيد أَمَامه فِي فرسَان الأندلس وحماتها فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو يحيى إِذا أقلع بجيشه عَن مَوضِع صباحا خَلفه الْمَنْصُور فِيهِ بجيشه مسَاء حَتَّى أشرف الشَّيْخ أَبُو يحيى على جموع الفرنج وَهِي يَوْمئِذٍ إِلَى جنب حصن الأرك وَيُقَال الأركو بِزِيَادَة الْوَاو فِي آخِرَة قد ضربت أخبيتها على ربوة عالية ذَات مهاو وأحجار كبار قد مَلَأت السهل والوعر وَنزل الشَّيْخ أَبُو يحيى بجيشه فِي الْبَسِيط ضحوة يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع من شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَعند ابْن خلكان أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس قَالَ واقتفى الْمَنْصُور فِي ذَلِك طَريقَة أَبِيه وجده فَإِنَّهُم أَكثر مَا كَانُوا يصافون يَوْم الْخَمِيس ومعظم حركاتهم فِي صفر فعبأ الشَّيْخ أَبُو يحيى عساكره تعبئة الْحَرْب وَعقد الرَّايَات لأمراء الْقَبَائِل وأوقف كل قَبيلَة فِي مركزها الَّذِي عين لَهَا فَجعل عَسْكَر الأندلس فِي الميمنة وَجعل زناتة والمصامدة وَالْعرب وَسَائِر قبائل الْمغرب فِي المسيرة وَجعل المتطوعة والأغزاز وَالرُّمَاة فِي الْمُقدمَة وَبَقِي هُوَ فِي الْقلب فِي قَبيلَة هنتاتة وَلما أَخذ النَّاس مراكزهم من حومة الْقِتَال خرج جرمون بن ريَاح يمشي فِي صُفُوف الْمُسلمين ويحضهم على الثَّبَات وَالصَّبْر وبينما النَّاس

стр. 416

على ذَلِك إِذْ انفصلت من جيوش الْعَدو كَتِيبَة عَظِيمَة من نَحْو عشرَة آلَاف فَارس كلهم مدجج فِي الْحَدِيد وَكَانَت هَذِه الكتيبة هِيَ شَوْكَة ذَلِك الْجَيْش وَحده كَانَ الفنش لَعنه الله قد انتخبهم وصلت أقسته عَلَيْهِم صَلَاة النَّصْر ورشوهم بِمَاء المعمودية وتحالفوا عِنْد الصلبان أَن لَا يبرحوا حَتَّى يقتلُوا الْمُسلمين أَو يهْلكُوا دونهم فَلَمَّا برزت هَذِه الكتيبة نَادَى مُنَادِي الشَّيْخ أبي يحيى معشر الْمُسلمين اثبتوا فِي مَصَافكُمْ وَأَخْلصُوا لله تَعَالَى ينتكم وأذكروا الله فِي قُلُوبكُمْ وبرز عَامر الزعيم من أُمَرَاء الْعَرَب فحض النَّاس على الصَّبْر وثبتهم وحملت كَتِيبَة الْعَدو حَتَّى اندقت رماح الْمُسلمين فِي صُدُور خيلها أَو كَادَت ثمَّ تقهقرت قَلِيلا ثمَّ عاودت الحملة فَكَانَت كالأولى ثمَّ تهيأت للحملة الثَّالِثَة فَدفعت حَتَّى خالطت صُفُوف الْمُسلمين وخلص الْبَعْض مِنْهَا إِلَى الشَّيْخ أبي يحيى يطنونه الْمَنْصُور فاستشهد ﵀ بعد مَا أحسن الْبلَاء وَقَاتل قتالا شَدِيدا وَاسْتشْهدَ مَعَه جمَاعَة من الْمُسلمين من هنتاتة والمتطوعة وَغَيرهم وَسمي بَنو الشَّيْخ أبي يحيى ببني الشَّهِيد وَعرفُوا بِهِ من يَوْمئِذٍ وأظلم الجو بالغبار واختلطت الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَانْفَرَدَ كل قرن بقرنه وَأَقْبَلت الْعَرَب والمتطوعة فأحاطوا بالكتيبة الَّتِي دفعت إِلَى الشَّيْخ أبي يحيى وزحفت زناتة والمصامدة وغمارة إِلَى الربوة الَّتِي فِيهَا الفنش وجموعه وَكَانَت على مَا قيل تنيف على ثَلَاثمِائَة ألف بَين فَارس وراجل فتوغل الْمُسلمُونَ فِي تِلْكَ الأوعار إِلَيْهِم وخالطوهم بهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَال واستحر الْقَتْل فِي الكتيبة الَّتِي دفعت أَولا وَانْقَضَت عَلَيْهِم الْعَرَب والمتطوعة وهنتاتة فطحنوهم طحنا وانكسرت شَوْكَة الفنش بهلاكهم إِذْ كَانَ اعْتِمَاده ومعوله عَلَيْهِم وأسرعت خيل من الْعَرَب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور فأعلموه بِأَن الله تَعَالَى قد فل شَوْكَة الْعَدو وأشرف على الإنهزام فَعندهَا أَمر الْمَنْصُور بالرايات فَرفعت وبالطبول فقرعت وَرفع الْمُسلمُونَ أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ وتسابقوا لقِتَال الْعَدو وخفقت البنود وزحف أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحْو المعركة

стр. 417

فَلم يرع الفنش اللعين إِلَّا الرَّايَات قد أَقبلت تخفق من كل جِهَة وزعقات الطبول والأبواق وأصوات الْمُجَاهدين بِالتَّكْبِيرِ قد زلزلت الأَرْض فَقَالَ مَا هَذَا فَقيل هَذَا الْمَنْصُور قد أقبل فِي جَيْشه وَمَا قَاتلك سَائِر الْيَوْم إِلَّا طلائعه ومقدماته فقذف الله الرعب فِي قلبه وخشعت نفوس جموعه وزلزلت بهم الأَرْض زِلْزَالهَا فَوَلوا الأدبار لَا يلوون على شَيْء وأسعدهم يَوْمئِذٍ من وجد فِي فرسه بَقِيَّة تنجيه وأتبعهم الْمُسلمُونَ يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وأحاط بَعضهم بحصن الْأَرَاك يظنون أَن الفنش قد تحصن بِهِ وَكَانَ عَدو الله قد دخل على بَاب وَخرج على آخر من النَّاحِيَة الْأُخْرَى واقتحم الْمُسلمُونَ الْحصن عنْوَة وأضرموا النيرَان فِي أبوابه واحتووا على جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ وَفِي محلّة الْعَدو من الْأَمْوَال والذخائر وأنواع السِّلَاح الَّتِي تفوت الْحصْر وقلا ابْن خلدون كَانَ مُلُوك الفرنج الَّذين قَاتلُوا الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة ابْن أذفونش وَابْن الرند والبيبوج قَالَ واعتصم فَلهم بحصن الأرك وَكَانُوا خَمْسَة آلَاف من زعمائهم فاستنزلهم الْمَنْصُور على حكمه حَتَّى فودي بهم عَددهمْ من الْمُسلمين وَفِي القرطاس أَن عدد أُسَارَى الأرك كَانُوا أَرْبَعَة وَعشْرين ألفا فَمن عَلَيْهِم الْمَنْصُور وأطلقهم قَالَ فعز ذَلِك على جَمِيع الْمُوَحِّدين وَسَائِر الْمُسلمين وعدت للمنصور سقطة من سقطات الْمُلُوك وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَت الدائرة يَوْم الأرك أَولا على الْمُسلمين ثمَّ عَادَتْ على الفرنج وانهزموا أقبح هزيمَة وَكَانَ عدد من قتل من الفرنج أَزِيد من مائَة ألف وغنم الْمُسلمُونَ مِنْهُم شَيْئا كثيرا فَمن الْخيام مائَة ألف وَثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن الْخَيل سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَقيل ثَمَانُون ألفا وَمن البغال مائَة ألف وَمن الْحمير أَرْبَعمِائَة ألف قَالَ فِي نفح الطّيب جَاءَ بهَا الْكفَّار لحمل أثقالهم لأَنهم لَا إبل لَهُم قَالَ وَأما الْجَوَاهِر وَالْأَمْوَال فَلَا تحصى وَبيع الْأَسير بدرهم وَالسيف

стр. 418

بِنصْف دِرْهَم وَالْفرس بِخَمْسَة دَرَاهِم وَالْحمار بدرهم وَقسم الْمَنْصُور الْغَنَائِم بَين الْمُسلمين بِمُقْتَضى الشَّرْع كَذَا فِي نفح الطّيب وَفِي كَامِل ابْن الْأَثِير أَن يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ نَادَى فِي عسكره من غنم شَيْئا فَهُوَ لَهُ سوى السِّلَاح وأحصى مَا حمل إِلَيْهِ مِنْهُ فَكَانَ زِيَادَة على سبعين ألف لبس وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو عشْرين ألفا ثمَّ تقدم الْمَنْصُور بجيوشه إِلَى بِلَاد الفرنج وَأخذ يخرب المدن والقرى وَيفتح الْحُصُون والمعاقل وَيقتل وَيَسْبِي ويأسر حَتَّى وصل إِلَى جبل سُلَيْمَان ثمَّ ثنى عنانة رَاجعا وَقد أمتلأت أَيدي الْمُسلمين من الْغَنَائِم وَلم يُعَارضهُ من الفرنج معَارض حَتَّى وصل الى إشبيلية فاستقر بهَا وَأما الفنش فَإِنَّهُ لما انهزم وصل إِلَى طليطلة فِي أَسْوَأ حَال فحلق رَأسه ولحيته ونكس صليبه وَركب حمارا وَأقسم أَن لَا يركب فرسا وَلَا بغلا وَلَا ينَام على فرَاش وَلَا يقرب النِّسَاء حَتَّى تنصر النَّصْرَانِيَّة فَجمع جموعا عَظِيمَة وَبلغ الْخَبَر بذلك الى الْمَنْصُور فَبعث الى بِلَاد الْمغرب مراكش وَغَيرهَا يستنفر النَّاس من غير إِكْرَاه فَأَتَاهُ من المتطوعة والمرتزقة جمع عَظِيم ثمَّ نَهَضَ إِلَى الفنش فَالْتَقوا فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَانْهَزَمَ الفرنج هزيمَة قبيحة وغنم الْمُسلمُونَ مَا مَعَهم من الْأَمْوَال وَالسِّلَاح وَالدَّوَاب وَغَيرهَا ثمَّ تقدم الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة طليطلة فحاصرها وقاتلها قتالا شَدِيدا وَقطع أشجارها وَشن الغارات على مَا حولهَا من الْبِلَاد وَفتح فِيهَا عدَّة حصون مثل قلعة رَبَاح ووادي الْحِجَارَة ومجريط وجبل سُلَيْمَان وأفليج وَكثير من أحواز طليطلة ثمَّ ارتحل عَن طليطلة إِلَى مَدِينَة طلمنكة فَدَخلَهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ فَقتل الْمُقَاتلَة وسبا النِّسَاء والذرية وغنم أموالها وَهدم أسوارها وأضرم النيرَان فِي جوانبها وَتركهَا قاعا صفصفا وثنى عنانه إِلَى إشبيلية فَدَخلَهَا غرَّة صفر سنة ثَلَاث وَتِسْعين

стр. 419

وَخَمْسمِائة فَرفع إِلَيْهِ فِي القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد الْمَعْرُوف بالحفيد مقالات نسب فِيهَا إِلَى الْمَرَض فِي دينه ومعتقده وَكَانَ أحد فلاسفة الْإِسْلَام وَرُبمَا ألفى بَعْضهَا بِخَط يَده فحبس ثمَّ أطلق وأشخص إِلَى مراكش وَبهَا كَانَت وَفَاته ﵀ ثمَّ خرج الْمَنْصُور من إشبيلة غازيا بِلَاد ابْن أذفونش فَسَار حَتَّى احتل بِسَاحَة طليطلة وبغله أَن صَاحب برشلونة قد أمد ابْن أذفونش بعساكره وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا بحصن مجريط فَنَهَضَ إِلَيْهِم وَلما أطل عَلَيْهِم انفضت جموع ابْن أذفونش من قبل الْقِتَال ثمَّ انكفأ الْمَنْصُور رَاجعا إِلَى إشبيلية ثمَّ اجْتمع مُلُوك الفرنج وَأَرْسلُوا يطْلبُونَ الصُّلْح فأجابهم إِلَيْهِ وصالحهم على مُدَّة خمس سِنِين بعد أَن كَانَ عَازِمًا على الِامْتِنَاع مرِيدا لملازمة الْجِهَاد إِلَى أَن يفرغ مِنْهُم فَأَتَاهُ خبر عَليّ بن إِسْحَاق المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية وَأَنه دخل إفريقية وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا ففت ذَلِك فِي عزمه وصالحهم على الْمدَّة الَّتِي ذكرنَا وَعقد على إشبيلية للسَّيِّد أبي زيد بن الْخَلِيفَة وعَلى مَدِينَة بطليوس للسَّيِّد أبي الرّبيع ابْن السَّيِّد أبي حَفْص وعَلى الْمغرب للسَّيِّد أبي عبد الله بن السَّيِّد أبي حَفْص ثمَّ عبر الْبَحْر إِلَى الْمغرب فوصل إِلَى مراكش فِي شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَفِي نفح الطّيب أَن يَعْقُوب الْمَنْصُور لما حاصر طليطلة وضيق عَلَيْهَا وَلم يبْق إِلَّا فتحهَا خرجت إِلَيْهِ وَالِدَة الأذفونش وَبنَاته ونساؤه وبكين بَين يَدَيْهِ وسألنه إبْقَاء الْبَلَد عَلَيْهِنَّ فرق لَهُنَّ وَمن عَلَيْهِنَّ بِهِ ووهب لَهُنَّ من الْأَمْوَال والجواهر مَا جلّ وردهن مكرمات وَعَفا بعد الْقُدْرَة وَالله تَعَالَى أعلم لَطِيفَة قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين بن عَرَبِيّ الْحَاتِمِي ﵀ فِي كتاب الفتوحات المكية مَا نَصه وَلَقَد كنت بِمَدِينَة فاس سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وعساكر الْمُوَحِّدين قد عبرت إِلَى الأندلس لقِتَال الْعَدو حِين

стр. 420

استفحل أمره على الْإِسْلَام فَلَقِيت رجلا من رجال الله وَلَا أزكى على الله أحدا وَكَانَ من أخص أودائي فَسَأَلَنِي مَا تَقول فِي هَذَا الْجَيْش هَل يفتح لَهُ وينصر فِي هَذِه السّنة أم لَا فَقلت لَهُ مَا عنْدك فِي ذَلِك فَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد ذكره فِي كِتَابه ووعد نبيه ﷺ بِهَذَا الْفَتْح فِي هَذِه السّنة وَبشر نبيه ﷺ بذلك فِي كِتَابه الَّذِي أنزلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ فموضع الْبُشْرَى فتحا مُبينًا من غير تكْرَار الْألف فَإِنَّهَا لإِطْلَاق الْوُقُوف فِي تَمام الْآيَة فَانْظُر أعدادها بِحِسَاب الْجمل فَنَظَرت فَوجدت الْفَتْح يكون فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ثمَّ جزت إِلَى الأندلس وَقد نصر الله جَيش الْمُسلمين وَفتح الله بِهِ قلعة رَبَاح والأركو وكركرا وَمَا انضاف إِلَى هَذِه القلاع من الولايات هَذَا عاينته من الْفَتْح مِمَّن هَذِه صفته فَأخذت للفاء ثَمَانِينَ وللتاء أَرْبَعمِائَة وللحاء الْمُهْملَة ثَمَانِيَة وللألف وَاحِد وللميم أَرْبَعِينَ وللباء اثْنَيْنِ وللياء عشرَة وللنون خمسين وَأما الْألف فقد أَخذ عَددهَا وَكَانَ الْمَجْمُوع إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَهِي سنو الْهِجْرَة إِلَى هَذِه السّنة فَهَذَا من الْفَتْح الإلهي لهَذَا الشَّخْص انْتهى ذكر مَا شيده الْمَنْصُور ﵀ من الْآثَار بالمغرب والأندلس كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ لما عزم عى الْمسير إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد أوصى إِلَى نوابه ووكلائه بِبِنَاء قَصَبَة مراكش والاعتناء بتشييد قُصُورهَا فَمن آثاره الْبَاقِيَة بهَا إِلَى الْآن بَابهَا الْمَعْرُوف بِبَاب أكناور وَلَا مزِيد على ضخامته وارتفاعه وَأمرهمْ بِبِنَاء الْجَامِع الْأَعْظَم بهَا الْمَنْسُوب إِلَيْهِ إِلَى الْيَوْم وتشييد مناره الماثل بِهِ ومنار جَامع الكتبيين الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الِارْتفَاع وَعظم الهيكل قَالَ ابْن سعيد طول صومعة الكتبيين بمراكش مائَة ذِرَاع وَعشر أَذْرع

стр. 421

وَلما اجتاز الْمَنْصُور فِي سَفَره هَذَا بِأَرْض سلا أَمر أَيْضا بِبِنَاء مَدِينَة رِبَاط الْفَتْح فأسست سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وأكمل سورها وَركبت أَبْوَابهَا وَأمر بِبِنَاء الْمَسْجِد الْأَعْظَم بطالعة سلا ومدرسة الجوفية مِنْهُ قَالَ صَاحب الرَّوْض المعطار كَانَ يعْمل فِي بنائِهِ وَنقل حجارته وترابه سَبْعمِائة أَسِير من أُسَارَى الفرنج فِي قيودها وَأمر بِبِنَاء جَامع حسان ومناره الْأَعْظَم الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الضخامة وَحسن الصَّنْعَة قَالُوا وَلم يتم بِنَاؤُه وَلما فرغ الْمَنْصُور من وقْعَة الأرك واحتل بِمَدِينَة إشبيلية أَخذ فِي إتْمَام بِنَاء جَامعهَا الْأَعْظَم وتشييد مناره المشاكل للمنارين الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ ثَالِثَة الأثافي بِالنِّسْبَةِ لَهما بل قيل إِنَّه لَيْسَ فِي بِلَاد الْإِسْلَام منار أعظم مِنْهُ وَعمل لهَذَا الْمنَار تفافيح من أَمْلَح مَا يكون قَالَ فِي القرطاس بلغت من الْعظم إِلَى مَا لَا يعرف قدره إِلَّا أَن الْوُسْطَى مِنْهَا لم تدخل على بَاب الْمنَار حَتَّى قلعت الرخامة من أَسْفَله وزنة العمود الَّذِي ركبت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ ربعا من الْحَدِيد وَكَانَ الَّذِي صنعها ورفعها فِي أَعلَى الْمنَار الْمَذْكُور الْمعلم أَبُو اللَّيْث الصّقليّ وموهت تِلْكَ التفافيح بِمِائَة ألف دِينَار ذَهَبا وَلما كمل جَامع إشبيلية وَصلى فِيهِ أَمر بِبِنَاء حصن البرج على وَادي إشبيلية وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار عبد الْمُؤمن أَنه هدم أسوار مَدِينَة فاس وَأَن حافده الْمَنْصُور هَذَا شرع فِي بنائها ثمَّ أتمهَا ابْنه النَّاصِر من بعده وَلما رَجَعَ الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى مراكش وجد كل مَا أَمر بِهِ من البناءات قد تمّ على أكمل حَال واحسنه مثل القصبة والقصور وَالْجَامِع والصوامع وَأنْفق على ذَلِك كُله من أَخْمَاس الْغَنَائِم وَكَانَ قد تغير على الوكلاء والصناع الَّذين توَلّوا بِنَاء ذَلِك لِأَنَّهُ سعى إِلَيْهِ بِأَنَّهُم احتجنوا الْأَمْوَال وصنعوا للجامع سَبْعَة أَبْوَاب على عدد أَبْوَاب جَهَنَّم فَلَمَّا دخله الْمَنْصُور وَتَطوف بِهِ أعجبه فَسَأَلَ عَن عدد أبوابه فَقيل إِنَّهَا سَبْعَة أَبْوَاب وَالثَّامِن هُوَ الَّذِي دخل مِنْهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْمَنْصُور عِنْد ذَلِك لَا بَأْس بالغالي إِذا قيل حسن

стр. 422

وَاتخذ الْمَنْصُور ﵀ فِي جَامعه هَذَا لمصلاه بِهِ مَقْصُورَة عَجِيبَة كَانَت مُدبرَة بحيل هندسية بِحَيْثُ تنصب إِذا اسْتَقر الْمَنْصُور ووزراؤه بمصلاه مِنْهَا وتختفي إِذا انفصلوا عَنْهَا حكى الشريف الغرناطي شَارِح الحازمين عَن الْكَاتِب البارع أبي الْحسن عبد الْملك بن عَيَّاش أحد كتاب الْمَنْصُور قَالَ كَانَت لأبي بكر يحيى بن مجير الشَّاعِر الْمَشْهُور وفادة على الْمَنْصُور فِي كل سنة فصادف فِي إِحْدَى وفاداته فَرَاغه من إِحْدَاث الْمَقْصُورَة الَّتِي كَانَ أحدثها بجامعه الْمُتَّصِل بقصره فِي حَضْرَة مراكش وَكَانَت قد وضعت على حركات هندسية ترْتَفع بهَا لِخُرُوجِهِ وتنخفض لدُخُوله وَكَانَ جَمِيع من بِبَاب الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ من الشُّعَرَاء والأدباء قد نظموا أشعارا أنشدوه إِيَّاهَا فِي ذَلِك فَلم يزِيدُوا على شكره وتجزيته الْخَيْر فِيمَا جدد من معالم الدّين وآثاره وَلم يكن فيهم من تصدى لوصف الْحَال حَتَّى قدم أَبُو بكر بن مجير فَأَنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا (أعلمتني ألقِي عَصا التسيار ... فِي بَلْدَة لَيست بدار قَرَار) وَاسْتمرّ فِيهَا حَتَّى ألم بِذكر الْمَقْصُورَة فَقَالَ يصفها (طورا تكون بِمن حوته مُحِيطَة ... فَكَأَنَّهَا سور من الأسوار) (وَتَكون حينا عَنْهُم مخبوءة ... فَكَأَنَّهَا سر من الْأَسْرَار) (وَكَأَنَّهَا علمت مقادير الورى ... فتصرفت لَهُم على مِقْدَار) (فَإِذا أحست بِالْإِمَامِ يزورها ... فِي قومه قَامَت إِلَى الزوار) (يَبْدُو فتبدو ثمَّ تخفى بعده ... كتكون الهلالات للأقمار) فطرب الْمَنْصُور لسماعها وارتاح لاختراعها قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب وَقد بطلت حركات هَذِه

стр. 423

الْمَقْصُورَة الْآن وَبقيت آثارهما حَسْبَمَا شاهدته سنة عشر وَألف وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَمن شعر ابْن مجير يصف خيل الْمَنْصُور من قصيدة مدحه بهَا قَوْله (لَهُ حلبة الْخَيل الْعتاق كَأَنَّهَا ... نشاوى تهادت تطلب العزف والقصفا) (عرائس أغنتها الحجول عَن الحلى ... فَلم تَبْغِ خلخالا وَلَا التسمت وَقفا) (فَمن يقق كالطرس تحسب أَنه ... وَإِن جردوه فِي ملاءته التقا) (وأبلق أعْطى اللَّيْل نصف إهابه ... وغار عَلَيْهِ الصُّبْح فاحتبس النصفا) (وَورد تغشى جلده شفق الدجا ... فَإذْ حازه دلى لَهُ الذيل والعرفا) (وأشقر مج الراح صرفا أديمه ... وأصفر لم يمسح بهَا جلده صرفا) (وَأَشْهَب قضى الْأَدِيم مدثر ... عَلَيْهِ خطوط غير مفهمة حرفا) (كَمَا خطخط الراهي بمهرق كَاتب ... فجر عَلَيْهِ ذيله وَهُوَ مَا جَفا) (تهب على الْأَعْدَاء مِنْهَا عواصف ... ستنسف أَرض الْمُشْركين بهَا نسفا) (ترى كل طرف كالغزال فتمتري ... أظبيا ترى تَحت الْعَجَاجَة أم طرفا) (وَقد كَانَ فِي الْبَيْدَاء يألف سربه ... فربته مهْرا وَهِي تحسبه خشفا) (تنَاوله لفظ الْجواد لِأَنَّهُ ... إِذا مَا أردْت الجري أعطاكه ضعفا) وَمِمَّا مدح بِهِ الْمَنْصُور ﵀ قَول بعض شعراء عصره حِين طلب مِنْهُ الفنش الصُّلْح فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ (أهل بَان يسْعَى إِلَيْهِ ويرتجى ... ويزار من أقْصَى الْبِلَاد على الرجا) (من قد غَدا بالمكرمات مُقَلدًا ... وموشحا ومختما ومتوجا) (عمرت مقامات الْمُلُوك بِذكرِهِ ... وتعطرت مِنْهُ الرِّيَاح تأرجا) وَدخل عَلَيْهِ الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الكانمي الْأسود الشَّاعِر فأنشده (أَزَال حجابه عني وعيني ... ترَاهُ من المهابة فِي حجاب) (وقربني تفضله وَلَكِن ... بَعدت مهابة عِنْد اقترابي) وكانم بِكَسْر النُّون جنس من السودَان وهم بَنو عَم تكروره وَلَيْسَ

стр. 424

اسمهما للانتساب لأَب أَو أم وَإِنَّمَا كانم اسْم بَلْدَة بنواحي غانة فَسُمي هَذَا الْجِنْس بهَا وَكَذَلِكَ تكرور اسْم للْأَرْض الَّتِي هم بهَا فسموا بهَا وَالله أعلم بَقِيَّة أَخْبَار الْمَنْصُور وَسيرَته قَالَ ابْن أبي زرع كَانَ الْمَنْصُور ﵀ ذَا رَأْي وحزم وَدين وسياسة قَالَ وَهُوَ أول من كتب الْعَلامَة بِيَدِهِ مُلُوك الْمُوَحِّدين الْحَمد لله وَحده فَجرى عَمَلهم على ذَلِك وَقد تقدم لنا أَن ذَلِك كَانَ فِي دولة أَبِيه فَالله أعلم وَهُوَ وَاسِطَة عقد مُلُوك الْمُوَحِّدين الَّذِي ضخم الدولة وشرفها وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام دعة وَأمن ورخاء ورفاهية وبهجة صنع الله فِي أَيَّامه الْأَمْن بالمشرق وَالْمغْرب والأندلس فَكَانَت الظعينة تخرج من بِلَاد نول فتنتهي إِلَى برقة وَحدهَا لَا ترى من يعرض لَهَا وَلَا من يسومها بِسوء ضبط الثغور وحصن الْبِلَاد وَبنى الْمَسَاجِد والمدارس فِي بِلَاد إفريقية وَالْمغْرب والأندلس وَبنى الموستانات للمرضى والمجانين وأجرى عَلَيْهِم الْإِنْفَاق فِي جَمِيع أَعماله وأجرى المرتبات على الْفُقَهَاء وطلبة الْعلم كل على قدر مرتبته وَبنى الصوامع والقناطر وحفر الْآبَار للْمَاء فِي الْبَريَّة وَاتخذ عَلَيْهَا الْمنَازل من السوس الْأَقْصَى إِلَى سويقة بن مصكوك فَكَانَت أَيَّامه زِينَة للدهر وشرفا لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ يَعْقُوب الْمَنْصُور ﵀ صافي السمرَة جدا إِلَى الطول مَا هُوَ جميل الْوَجْه أفوه أعين شَدِيد الْكحل ضخم الْأَعْضَاء جوهري الصَّوْت جزيل الْأَلْفَاظ من أصدق النَّاس لهجة وَأَحْسَنهمْ حَدِيثا وَأَكْثَرهم إِصَابَة بِالظَّنِّ مجريا للأمور ولي وزارة أَبِيه فبحث عَن الْأَحْوَال بحثا شافيا وطالع مَقَاصِد الْعمَّال والولاة وَغَيرهم مطالعة أفادته معرفَة جزئيات الْأُمُور فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ اجْتمع رَأْي أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين

стр. 425

على تَقْدِيمه فَقَامَ بِالْأَمر أحسن قيام وَرفع راية الْجِهَاد وَنصب ميزَان الْعدْل وَبسط أَحْكَام النَّاس على حَقِيقَة الشَّرْع وَنظر فِي أُمُور الدّين والورع وَأقَام الْحُدُود حَتَّى فِي أَهله وعشيرته الْأَقْرَبين كَمَا أَقَامَهَا فِي سَائِر النَّاس أَجْمَعِينَ فاستقامت الْأَحْوَال فِي أَيَّامه وعظمت الفتوحات وَكَانَ قد أَمر لأوّل دولته بِقِرَاءَة الْبَسْمَلَة فِي أول الْفَاتِحَة فِي الصَّلَوَات وَأرْسل بذلك إِلَى سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام الَّتِي فِي ملكه فَأجَاب قوم وَامْتنع آخَرُونَ وَكَانَ ملكا جوادا عادلا متمسكا بِالشَّرْعِ المطهر يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر كَمَا يَنْبَغِي من غير مُحَابَاة وَيُصلي بِالنَّاسِ الصَّلَوَات الْخمس ويلبس الصُّوف وَيقف للْمَرْأَة والضعيف وَيَأْخُذ لَهُم بِالْحَقِّ قَالَ ابْن خلكان وَسمعت عَنهُ حِكَايَة يَلِيق أَن نذكرها هُنَا وَهِي أَن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن عَاشر أبي حَفْص كَانَ قد تزوج أُخْت يَعْقُوب الْمَنْصُور فأقامت عِنْده ثمَّ جرت بَينهمَا منافرة فَجَاءَت إِلَى بَيت أَخِيهَا يَعْقُوب الْمَنْصُور فسير الشَّيْخ عبد الْوَاحِد فِي طلبَهَا فامتنعت عَلَيْهِ فَشكى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد ذَلِك إِلَى قَاضِي الْجَمَاعَة بمراكش وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن مَرْوَان فَاجْتمع القَاضِي الْمَذْكُور بأمير الْمُؤمنِينَ يَعْقُوب الْمَنْصُور وَقَالَ لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد يطْلب أَهله فَسكت عَنهُ الْمَنْصُور وَمَضَت أَيَّام ثمَّ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد اجْتمع بِالْقَاضِي الْمَذْكُور فِي قصر الْمَنْصُور بمراكش وَقَالَ لَهُ أَنْت قَاضِي الْمُسلمين وَقد طلبت أَهلِي فَمَا جاؤوني فَاجْتمع القَاضِي بالمنصور وَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد قد طلب أَهله مرّة وَهَذِه الثَّانِيَة فَسكت الْمَنْصُور ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة لَقِي الشَّيْخ عبد الْوَاحِد القَاضِي بِالْقصرِ الْمَذْكُور فَقَالَ لَهُ يَا قَاضِي الْمُسلمين قد قلت لَك مرَّتَيْنِ وَهَذِه الثَّالِثَة أَنا أطلب أَهلِي وَقد مَنَعُونِي مِنْهُم فَاجْتمع القَاضِي بالمنصور وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن الشَّيْخ عبد الْوَاحِد قد تكَرر طلبه لأَهله فَأَما أَن تسير إِلَيْهِ أَهله وَإِمَّا أَن تعزلني عَن الْقَضَاء فَسكت
следующие страницы →