← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْأَصْغَر صَاحب قرطبة وَأَبُو الْحسن صَاحب غرناطة وَأَبُو مُوسَى صَاحب مالقة فَبَايعُوهُ سرا وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي عبد الله بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن الْمَعْرُوف بالبياسي صَاحب جيان وَقد عَزله المخلوع بِعَمِّهِ أبي الرّبيع بن أبي حَفْص فَانْتقضَ وَبَايع للعادل وزحف مَعَ ابي الْعَلَاء صَاحب قرطبة وَهُوَ أَخُو الْعَادِل إِلَى إشبيلية وَبهَا عبد الْعَزِيز أَخُو الْمَنْصُور والمخلوع فَدخل فِي دعوتهم وَامْتنع السَّيِّد أَبُو زيد بن أبي عبد الله أَخُو البياسي عَن بيعَة الْعَادِل وَتمسك بِطَاعَة المخلوع وَخرج الْعَادِل من مرسية إِلَى إشبيلية فَدَخلَهَا مَعَ أبي زيد بن يرجان وَبلغ الْخَبَر إِلَى مراكش فَاخْتلف الموحدون على المخلوع وَبَادرُوا بعزل ابْن جَامع وتغريبه إِلَى هسكورة لكراهيتهم لَهُ وَجَرت خطوب أفضت إِلَى خلع عبد الْوَاحِد وَقَتله وَفِي القرطاس أَن عبد الْوَاحِد الْعَادِل كتب إِلَى أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين الَّذين بِحَضْرَة مراكش يَدعُوهُم إِلَى بيعَته وخلع عبد الْوَاحِد وَوَعدهمْ على ذَلِك الْأَمْوَال الجزيلة والمنازل الرفيعة والولايات الجليلة فسارعوا إِلَى ذَلِك ودخلوا على عبد الْوَاحِد وتهددوه بِالْقَتْلِ إِلَّا أَن يخلع نَفسه ويبايع للعادل فأجابهم إِلَى ذَلِك فَخَرجُوا عَنهُ ووكلوا بِالْقصرِ من يحفظه وَكَانَ ذَلِك يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد بعده دخلُوا على عبد الْوَاحِد الْقصر وأحضروا القَاضِي وَالْفُقَهَاء والأشياخ فَأشْهد على نَفسه بِالْخلْعِ وَبَايع للعادل ثمَّ دخلُوا عَلَيْهِ بعد مُضِيّ ثَلَاث عشرَة لَيْلَة من خلعه فخنقوه حَتَّى مَاتَ وانتهبوا قصره واستولوا على أَمْوَاله وحريمه فَكَانَ عبد الْوَاحِد هَذَا أول من خلع وَقتل من بني عبد الْمُؤمن وَصَارَ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين لخلفائهم كالأتراك لبني الْعَبَّاس فَكَانَ فعلهم ذَلِك سَببا لذهاب ملكهم وانقراض دولتهم وَالله تَعَالَى لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَكَانَت وَفَاة عبد الْوَاحِد المخلوع خَامِس رَمَضَان الْمُعظم سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة

стр. 457

الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الله الْعَادِل ابْن الْمَنْصُور ﵀ بُويِعَ لَهُ الْبيعَة الأولى بمرسية من بِلَاد الأندلس منتصف صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة وتلقب بالعادل فِي أَحْكَام الله ثمَّ خلص لَهُ الْأَمر وَبَايَعَهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وخطب لَهُ بِحَضْرَة مراكش أَوَاخِر شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَتوقف عَن بيعَته السَّيِّد أَبُو زيد بن أبي عبد الله أَخُو البياسي كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَكَانَ واليا على بلنسية وشاطبة ودانية وَلما رأى السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد البياسي أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا زيد توقف عَن بيعَة الْعَادِل وَضبط بِلَاده ثار هُوَ ببياسة وَمَا انضاف إِلَيْهَا من قرطبة وجيان وقيجاطة وحصون الثغر الْأَوْسَط وتلقب بالظافر وَإِنَّمَا دعِي البياسي لقِيَامه من بياسة فوصلت بيعَة الْمُوَحِّدين من مراكش إِلَى الْعَادِل وَمَعَهَا كتاب أبي زَكَرِيَّا يحيى ابْن الشَّهِيد شيخ هنتانة بِقصَّة المخلوع وَمَا كَانَ من أمره فصادف وصولها هيجان هَذِه الْفِتْنَة فشغل الْعَادِل بهَا عَن مراكش وَبعث أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا الْعَلَاء الْأَصْغَر وَهُوَ إِدْرِيس بن الْمَنْصُور فِي جَيش كثيف إِلَى البياسي فحاصره ببياسة وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار أظهر الطَّاعَة والانقياد وَبَايع للعادل حَتَّى إِذا أفرج عَنهُ أَبُو الْعَلَاء عَاد إِلَى النكث وَبعث إِلَى الفنش يستنصره على الْعَادِل وَضمن لَهُ أَن ينزل لَهُ عَن بياسة وقيجاطة فَكَانَ أول من سنّ إِعْطَاء الْحُصُون والبلاد للفرنج فَوجه إِلَيْهِ الفنش بِجَيْش من عشْرين ألفا وَلما توافت لَدَيْهِ جموع الفرنج نَهَضَ من قرطبة يُرِيد إشبيلية حَتَّى إِذا دنا مِنْهَا خرج إِلَيْهِ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء الْأَصْغَر وَهُوَ الَّذِي دعِي بعد بالمأمون فَالْتَقوا واقتتلوا قتالا شَدِيدا فَانْهَزَمَ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء وَاسْتولى البياسي والفرنج على محلته بِمَا فِيهَا من أثاث وَسلَاح ودواب وَغير ذَلِك

стр. 458

وَلما رأى الْعَادِل مَا وَقع بأَخيه وجنده خشِي أَن يَتَفَاقَم دَاء البياسي ويمتد عباب فتنته إِلَى مراكش فَترك أَخَاهُ أَبَا الْعَلَاء قبالته وَعبر الْبَحْر إِلَى العدوة وَلما احتل بقصر الْمجَاز دخل عَلَيْهِ عبد الله بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص الْمَدْعُو بعبو فَقَالَ لَهُ الْعَادِل كَيفَ حالك فأنشده (حَال مَتى علم ابْن الْمَنْصُور بهَا ... جَاءَ الزَّمَان إِلَيّ مِنْهَا تَائِبًا) فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ وولاه إفريقية وَهَذَا الْبَيْت لأبي الطّيب المتنبي وَإِنَّمَا تمثل بِهِ عبو لموافقة اسْم مَنْصُور فِيهِ لاسم وَالِد الْعَادِل فَحسن التَّمْثِيل بِهِ وانْتهى الْعَادِل فِي سيره إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا وَبعث عَن شُيُوخ جشم عرب تامسنا وَكَانَ لِابْنِ يرجان عناية واختصاص بِهِلَال بن حميدان أَمِير الْخَلْط فتثاقل جرمون بن عِيسَى أَمِير سُفْيَان عَن الْوُصُول إِلَى الْعَادِل ثمَّ بَادر الْعَادِل إِلَى مراكش وقاسى فِي طَرِيقه إِلَيْهَا من الْعَرَب شَدَائِد ثمَّ دَخلهَا واستوزر أَبَا زيد بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وَتغَير لِابْنِ يرجان ففسد بَاطِنه وسعى فِي إِفْسَاد الدولة وَغلب أَبُو زَكَرِيَّا بن الشَّهِيد شيخ هنتاتة ويوسف بن عَليّ شيخ تينملل على أَمر الْعَادِل ثمَّ خَالَفت عَلَيْهِ عرب الْخَلْط وهسكورة وعاثوا فِي نواحي مراكش وخربوا بِلَاد دكالة فَخرج إِلَيْهِم ابْن يرجان فَلم يغن شَيْئا فأنفذ إِلَيْهِم الْعَادِل عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ابْن الشَّيْخ أبي حَفْص فَانْهَزَمَ وَقتل واضطربت الْأَحْوَال على الْعَادِل وَخرج ابْن الشَّهِيد ويوسف بن عَليّ إِلَى قبائلهما للحشد ومدافعة هسكورة وَالْعرب فاتفقا أَيْضا على خلع الْعَادِل واضطربت الْأُمُور وَلما انْتهى إِلَى أبي الْعَلَاء صَاحب الأندلس خبر أَخِيه الْعَادِل وَمَا هُوَ فِيهِ بمراكش من الِاضْطِرَاب دَعَا لنَفسِهِ بإشبيلية فبويع بهَا وأجابه أَكثر أهل الأندلس وتلقب بالمأمون وَبَايع لَهُ السَّيِّد أَبُو زيد صَاحب بلنسية وَهُوَ أَخُو البياسي وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة

стр. 459

وَلما تمت بيعَته كتب إِلَى الْمُوَحِّدين الَّذين بمراكش يَدعُوهُم إِلَى بيعَته وَيُعلمهُم باجتماع أهل الأندلس والموحدين الَّذين بهَا عَلَيْهِ وَوَعدهمْ فِي ذَلِك ومناهم فَكَانَ مِنْهُم بعض توقف ثمَّ أجمع رَأْيهمْ على مبايعته وخلع أَخِيه الْعَادِل فَدَخَلُوا عَلَيْهِ قصره وسألوه أَن يخلع نَفسه فَامْتنعَ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ودسوا رَأسه فِي خصة مَاء كَانَت هُنَاكَ وَقَالُوا لَهُ لَا نُفَارِقك أَو تشهد على نَفسك بِالْخلْعِ فَقَالَ اصنعوا مَا بدا لكم وَالله لَا أَمُوت إِلَّا أَمِير الْمُؤمنِينَ فوضعوا عمَامَته فِي عُنُقه وخنقوه وَرَأسه فِي الخصة حَتَّى فاظ وَكَانَ خيرا فَاضلا ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى أبي الْعَلَاء الْمَأْمُون وبعثوا بهَا إِلَيْهِ مَعَ الْبَرِيد ثمَّ بدا لَهُم فِي بيعَة الْمَأْمُون بعد انْفِصَال الْبَرِيد عَنْهُم فنكثوها وَبَايَعُوا يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور واضطربت الْأَحْوَال بالمغرب والأندلس وطما عباب الْفِتَن وَكَانَ مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور ومزاحمة يحيى بن النَّاصِر لَهُ كَانَ الْمَأْمُون وَهُوَ أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس بن يَعْقُوب الْمَنْصُور لما بلغه انْتِقَاض الْمُوَحِّدين وَالْعرب بالحضرة على أَخِيه وتلاشي أمره دَعَا لنَفسِهِ بإشبيلية وَبَايَعَهُ أهل الأندلس والموحدون بالحضرة كَمَا قُلْنَا ثمَّ لما انْفَصل الْبَرِيد ببيعته من الحضرة نَدم الموحدون على ذَلِك لما يعلموه من شهامته وصرامته وتخلقه بأخلاق الْحجَّاج بن يُوسُف وتخوفوا أَن يَأْخُذهُمْ بِدَم عَمه عبد المخلوع ثمَّ أَخِيه عبد الله الْعَادِل فاتفق رَأْيهمْ على مبايعة يحيى بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور وَهُوَ شَاب غر كَمَا يقل عذاره وَإِنَّمَا وَقع اختيارهم عَلَيْهِ ليَكُون أطوع لَهُم فَإِن سنه يَوْمئِذٍ كَانَت سِتَّة عشر سنة

стр. 460

فَبَايعُوهُ بِجَامِع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَامْتنع عرب الْخَلْط وقبائل هسكورة من بيعَته وَقَالُوا قد بَايعنَا الْمَأْمُون فَلَا ننكث بيعَته وَتَأَخر قدوم الْمَأْمُون إِلَى مراكش وَبَقِي بالأندلس لأسباب يَأْتِي شرحها وَأقَام يحيى بمراكش واستتب أمره بهَا بعض الشَّيْء وجهز جَيْشًا من الْمُوَحِّدين والجند إِلَى قتال الْخَلْط وهسكورة وهم يَوْمئِذٍ فِي طَاعَة الْمَأْمُون فَانْهَزَمَ جَيش يحيى وَقتل مِنْهُ خلق كثير وَعَاد مفلولا إِلَى مراكش ثمَّ اطلع يحيى على مداخلة أبي زيد بن يرجان للْعَرَب وهسكورة فِي الْغَارة على مراكش واطلع على ذَلِك أَيْضا أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن الشَّهِيد فَقتل ابا زيد بن يرجان وَابْنه عبد الله وَنصب رؤوسهما على بَاب الْكحل وطوف أجسادهما بأسواق الْمَدِينَة ثمَّ اضْطَرَبَتْ الْأَحْوَال على يحيى وانتقضت الْبِلَاد وغلت الأسعار وَعم الخراب وَالْفساد بِلَاد الْمغرب واستحوذ بَنو مرين على ضواحيه وضايقوا الْمُوَحِّدين فِي كثير فِي أمصاره واقتضوا جبايته ونبغت الثوار فِي الأقطار على مَا نذكرهُ ثورة مُحَمَّد بن أبي الطواجين الكتامي بجبال غمارة وَلما كَانَت سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة ثار بجبال غمارة مُحَمَّد بن أبي الطواجين الكتامي المتنبي وَكَانَ أَبوهُ من قصر كتامة منقبضا عَن النَّاس وَكَانَ ينتحل صناعَة الكيمياء فَكَانَ يلقب بِأبي الطواجين لِكَثْرَة الظروف الَّتِي كَانَ يستعملها فِي ذَلِك بِزَعْمِهِ وتلقن ذَلِك عَنهُ ابْنه هَذَا ثمَّ ارتحل إِلَى سبتة وَنزل على بني سعيد بأحوازها وَادّعى صناعَة الكيمياء فَتَبِعَهُ الغوغاء ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة وَشرع الشَّرَائِع وَأظْهر أنواعا من الشعبذة فَكثر تابعوه ثمَّ اطلعوا على خبثه فنبذوا إِلَيْهِ عَهده وزحفت إِلَيْهِ عَسَاكِر سبتة ففر عَنْهُم ثمَّ قَتله

стр. 461

بعض البرابرة غيلَة بوادي لاو بَين بِلَاد بني سعيد وبلاد بني زيات وَابْن أبي الطواجين هَذَا هُوَ الَّذِي تسبب فِي قتل الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ على مَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله أَخْبَار الثوار وَمَا آل إِلَيْهِ أَمر الْمُوَحِّدين بهَا لما ضعف أَمر الْمُوَحِّدين بالمغرب وَكَثُرت الْفِتَن فِي أقطاره ونواحيه وانتزى السادات مِنْهُم بنواحي الأندلس كل فِي عمله وَاسْتظْهر كل وَاحِد مِنْهُم على أمره بالطاغية ونزلوا لَهُ عَن كثير من الْحُصُون فَسدتْ من أجل ذَلِك ضمائر أهل الأندلس عَلَيْهِم وتصدى للثورة على الْمُوَحِّدين مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الجذاميين مُلُوك الطوائف بسرقسطة وَكَانَ يؤمل لَهَا وَرُبمَا امتحنه الْمُوَحِّدين لذَلِك مَرَّات فَخرج فِي نفر من الأجناد سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وجهز إِلَيْهِ وَالِي مرسية يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو الْعَبَّاس بن أبي عمرَان مُوسَى بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن عسكرا فَهَزَمَهُمْ وزحف إِلَى مرسية فَدَخلَهَا واعتقل السَّيِّد بهَا وخطب للخليفة الْمُسْتَنْصر العباسي صَاحب بَغْدَاد وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل عِنْد ذكره لبني هود هَؤُلَاءِ (وَكَانَ من أعقابه الْأَمِير ... مُحَمَّد بن يُوسُف الْأَخير) (وَكَانَ باسلا شَدِيد الْبَأْس ... وَبَايع الْمُسْتَنْصر العباسي) ثمَّ زحف إِلَيْهِ السَّيِّد أَبُو زيد بن مُحَمَّد بن أبي حَفْص بن عبد الْمُؤمن وَهُوَ أَخُو البياسي الْمُتَقَدّم ذكره من شاطبة وَكَانَ واليا بهَا كَمَا مر فَهَزَمَهُ ابْن هود وَرجع إِلَى شاطبة واستجاش بالمأمون وَهُوَ يَوْمئِذٍ بإشبيلية فَخرج فِي العساكر ولقيه ابْن هود فَانْهَزَمَ وَاتبعهُ الْمَأْمُون إِلَى مرسية فحاصره مُدَّة وامتنعت عَلَيْهِ فأقلع عَنهُ وَرجع إِلَى إشبيلية ثمَّ انْتقض على السَّيِّد أبي زيد ببلنسية زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الْحجَّاج يُوسُف بن سعيد بن

стр. 462

مردنيش وَخرج عَنهُ إِلَى أبدة سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ بني مردنيش هَؤُلَاءِ أهل عِصَابَة وأولي باس وقوه فتوقع أَبُو زيد اختلال أمره وَبعث إِلَيْهِ ولاطفه فِي الرُّجُوع فَأبى فَخرج أَبُو زيد من بلنسية وَلحق بطاغية برشلونة وَدخل فِي دين النَّصْرَانِيَّة وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَبَايع أهل شاطبة لِابْنِ هود ثمَّ تَتَابَعَت بِلَاد الأندلس على بيعَته وَدخل فِي طَاعَته أهل قرطبة وإشبيلية بعد رحيل الْمَأْمُون عَنهُ إِلَى مراكش وَلم يبْق للموحدين بالأندلس سُلْطَان ثمَّ فِي سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة ثار مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر بحصن أرجونة من أَعمال قرطبة ودعا لأبي زَكَرِيَّاء الحفصي صَاحب إفريقية ثمَّ دخل فِي طَاعَته أهل قرطبة وتنازع ابْن الْأَحْمَر وَابْن هود رئاسة الأندلس وتجاذبا حَبل الْملك بهَا وَكَانَت خطوب استولى لطاغية فِيهَا على كثير من حصون الأندلس ثمَّ اسْتَقر قدم ابْن الْأَحْمَر فِي الْملك وأورثه بنيه من بعده وَالله غَالب على أمره قدوم أبي الْعَلَاء الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور من الأندلس إِلَى مراكش وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك قد تقدم لنا أَن الْمُوَحِّدين بمراكش خنقوا الْعَادِل وَبَايَعُوا أَخَاهُ الْمَأْمُون وَبعد انْفِصَال الْبَرِيد بالبيعة ندموا وَبَايَعُوا ابْن أَخِيه يحيى بن النَّاصِر فوصلت بيعَة الْمُوَحِّدين إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ يَوْمئِذٍ بإشبيلية فسر بهَا وَأمر بإقرائها على مَنَابِر الأندلس ثمَّ أَخذ فِي التَّجْهِيز وَالْحَرَكَة إِلَى مراكش دَار ملكهم فَسَار حَتَّى إِذا وصل إِلَى الجزيرة الخضراء اتَّصل بِهِ الْخَبَر أَن الْمُوَحِّدين قد نكثوا بيعَته وَبَايَعُوا ابْن أَخِيه يحيى فَوَجَمَ لذَلِك وأطرق مَلِيًّا ثمَّ أنْشد متمثلا بقول حسان ﵁ (لتسمعن وشيكا فِي دِيَارهمْ ... الله أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا)

стр. 463

ثمَّ كتب من حِينه إِلَى ملك قشتالة يستنصره على الْمُوَحِّدين ويسأله أَن يبْعَث لَهُ جَيْشًا من الفرنج يجوز بهم إِلَى العدوة لقِتَال يحيى وَمن مَعَه من الْمُوَحِّدين فَشرط عَلَيْهِ صَاحب قتشالة أَن يُعْطِيهِ عشرَة حصون مِمَّا يَلِي بِلَاده يختارها هُوَ وَأَن يَبْنِي بمراكش إِذا دَخلهَا لجيش النَّصَارَى الَّذين مَعَه كَنِيسَة يظهرون بهَا دينهم ويضربون فِيهَا نواقيسهم لصلواتهم وَأَن من اسْلَمْ مِنْهُم لَا يقبل مِنْهُ إِسْلَامه وَيرد إِلَى إخوانه فيحكمون فِيهِ بأحكامهم إِلَى غير ذَلِك فأسعفه الْمَأْمُون فِي جَمِيع مَا طلبه مِنْهُ وَكَانَ يحيى بن النَّاصِر صَاحب مراكش لما رأى اخْتِلَاف أَحْوَاله بهَا كَمَا قُلْنَا ومبايعته أَكثر أهل الْمغرب لِعَمِّهِ الْمَأْمُون خرج فَارًّا بِنَفسِهِ إِلَى تيمنلل وَكَانَ ذَلِك فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَلما فر يحيى عَن الحضرة قدم اشياخ الْمُوَحِّدين الَّذين بهَا واليا يضبطها لِلْمَأْمُونِ ريثما يقدم عَلَيْهِم وجددوا لَهُ الْبيعَة وَكَتَبُوا إِلَيْهِ يخبروه بفرار يحيى إِلَى الْجَبَل ويرغبون إِلَيْهِ فِي الْقدوم عَلَيْهِم وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا هِلَال بن حميدان أَمِير الْخَلْط وَاسْتمرّ يحيى معتصما بِالْجَبَلِ أَرْبَعَة اشهر ثمَّ بدا لَهُ فَعَاد إِلَى مراكش وَقتل عَامل الْمَأْمُون الَّذِي قدمه الْمُوَحِّدين بهَا وَاسْتمرّ بهَا نَحْو سَبْعَة أَيَّام ثمَّ خرج إِلَى جبل جليز وعسكر بِهِ وَأقَام منتظرا لقدوم الْمَأْمُون ودفاعه عَن مراكش ثمَّ بعث صَاحب قشتالة إِلَى الْمَأْمُون جَيْشًا من اثْنَي عشر ألفا برسم الْخدمَة مَعَه والمقاتلة دونه على الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة وَكَانَ وصولهم إِلَيْهِ فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة ثمَّ عبر بهم من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ أول من أَدخل عَسْكَر الفرنج أَرض الْمغرب واستخدمهم بهَا فأراح بسبتة أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش حَتَّى إِذا دنى مِنْهَا لقِيه يحيى بجيوش الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ عشي يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول من السّنة الدَّاخِلَة فَانْهَزَمَ يحيى

стр. 464

وفر إِلَى الْجَبَل وَقتل كثير من جَيْشه وَدخل الْمَأْمُون حَضْرَة مراكش وَبَايَعَهُ الموحدون وَصعد الْمِنْبَر بِجَامِع الْمَنْصُور وَكَانَ عَلامَة أديبا بليغا فَخَطب النَّاس وَلعن الْمهْدي على الْمِنْبَر وَقَالَ لَا تَدعُوهُ بالمهدي الْمَعْصُوم وادعوه بالغوي المذموم أَلا لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى وَإِنَّا قد نَبَذْنَا أمره النحس وَلما انْتهى إِلَى آخر خطْبَة قَالَ معشر الْمُوَحِّدين لَا تظنوا أَنِّي أَنا إِدْرِيس الَّذِي تندرس دولتكم على يَده كلا إِنَّه سَيَأْتِي بعدِي إِن شَاءَ الله ثمَّ نزل وَأمر بالكتب إِلَى جَمِيع الْبِلَاد بمحو اسْم الْمهْدي من السِّكَّة وَالْخطْبَة وتغيير سنَنه الَّتِي ابتدعها للموحدين وَجرى عَلَيْهَا سلفهم ونعى عَلَيْهَا النداء للصَّلَاة باللغة البربرية وزيادته فِي أَذَان الصُّبْح وَللَّه الْحَمد وَغير ذَلِك من السّنَن الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْمهْدي وَأمر بتدوير الدَّرَاهِم الَّتِي ضربهَا الْمهْدي مربعة وَقَالَ كل مَا فعله الْمهْدي وَتَابعه عَلَيْهِ أسلافنا فَهُوَ بِدعَة وَلَا سَبِيل إِلَى إبقائه وأبدا فِي ذَلِك وَأعَاد ثمَّ دخل قصره فاحتجب عَن النَّاس ثَلَاثًا ثمَّ خرج فِي الْيَوْم الرَّابِع فَأمر بأشياخ الْمُوَحِّدين وأعيانهم فَحَضَرُوا بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُم يَا معشر الْمُوَحِّدين إِنَّكُم قد أظهرتم علينا العناد وأكثرتم فِي الأَرْض الْفساد ونقضتم العهود وبذلتم فِي حربنا المجهود وقتلتم الإخوان والأعمام وَلم ترقبوا فيهم إِلَّا وَلَا ذمام ثمَّ أخرج كتاب بيعتهم الَّذِي بعثوا بِهِ إِلَيْهِ وَاحْتج عَلَيْهِم بنكثهم الَّذِي نكثوا بعده فَقَامَتْ الْحجَّة عَلَيْهِم فَبُهِتُوا وَسقط فِي أَيْديهم والتفت إِلَى قَضِيَّة المكيدي وَكَانَ بإزائه قد قدم مَعَه من إشبيلية فَقَالَ لَهُ مَا ترى ايها القَاضِي فِي أَمر هَؤُلَاءِ النَّاكِثِينَ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾ فَقَالَ الْمَأْمُون صدق الله الْعَظِيم فَإنَّا نحكم فيهم بِحكم الله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ثمَّ أَمر بِجَمِيعِ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وأشرافهم فسحبوا إِلَى مصَارِعهمْ وَقتلُوا من عِنْد آخِرهم وَلم يبْق على كَبِيرهمْ وَلَا صَغِيرهمْ حَتَّى أَنه أُتِي بِابْن أُخْت لَهُ صَغِير يُقَال إِن سنه كَانَ ثَلَاث عشرَة

стр. 465

سنة وَكَانَ قد حفظ الْقُرْآن فَلَمَّا قدم للْقَتْل قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اعْفُ عني لثلاث قَالَ مَا هن قَالَ صغر سني وَقرب رحمي وحفظي لكتاب الله الْعَزِيز فَيُقَال إِن الْمَأْمُون نظر إِلَى القَاضِي كالمستشير لَهُ وَقَالَ لَهُ كَيفَ ترى قُوَّة جأش هَذَا الْغُلَام وإقدامه على الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام فَقَالَ القَاضِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِن تذرهم يضلوا عِبَادك وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا فَأمر بِهِ فَقتل ﵀ ثمَّ أَمر بالرؤوس فعلقت بدائر سور الْمَدِينَة ذكر ابْن أبي زرع أَنَّهَا كَانَت تنيف على أَرْبَعَة آلَاف رَأس وَكَانَ الزَّمَان زمن قيظ فنتنت بهَا الْمَدِينَة وتأذى النَّاس بريحها فَرفع إِلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ إِن هَهُنَا مجانين وَأَن تِلْكَ الرؤوس حروز لَهُم لَا يصلح حَالهم إِلَّا بهَا وَإِنَّهَا لعطرة عِنْد المحبين ونتنة عِنْد المبغظين ثمَّ أنْشد (أهل الْحِرَابَة وَالْفساد من الورى ... بِالْقطعِ وَالتَّعْلِيق فِي الْأَشْجَار) (ففساده فِيهِ الصّلاح لغيره ... يعزون فِي التَّشْبِيه للذكار) (فرؤوسهم ذكرى إِذا مَا أَبْصرت ... فَوق الْجُذُوع وَفِي ذرى الأسوار) (وَكَذَا الْقصاص حَيَاة أَرْبَاب النهى ... وَالْعدْل مألوف بِكُل جوَار) (لَو عَم حلم الله سَائِر خلقه ... مَا كَانَ أَكْثَرهم من أهل النَّار) وَهَذِه الفتكة الَّتِي ارتكبها الْمَأْمُون من الْمُوَحِّدين أنست فتكة الْحَارِث بن ظَالِم والبراض الْكِنَانِي والحجاف بن حَكِيم وَهِي الَّتِي استأصلت جمهورهم وأماتت نخوتهم وَإِذن الْمَأْمُون لِلنَّصَارَى القادمين مَعَه فِي بِنَاء الْكَنِيسَة وسط مراكش على شرطهم الْمُتَقَدّم فَضربُوا بهَا نواقيسهم وَكَانَت الْكَنِيسَة فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالسجينة وَقبض على قَاضِي الْجَمَاعَة بمراكش وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن عبد الْحق فقيده وَدفعه إِلَى هِلَال بن حميدان الخلطي فحبسه حَتَّى أفتدي مِنْهُ بِسِتَّة آلَاف دِينَار وَأقَام الْمَأْمُون بمراكش خَمْسَة أشهر ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْجَبَل لقِتَال

стр. 466

يحيى بن النَّاصِر وَمن مَعَه من الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة فَالتقى مَعَه على الْموضع الْمَعْرُوف بالكاعة فَانْهَزَمَ يحيى وَقتل من عسكره وَمن أهل الْجَبَل خلق كثير سيق من رؤوسهم إِلَى مراكش أَرْبَعَة آلَاف رَأس وَفِي هَذِه السّنة استبد الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا ابْن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن حَفْص الهنتاتي بإفريقية وخلع طَاعَة الْمُوَحِّدين وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا نفذت كتب الْمَأْمُون إِلَى سَائِر الْبِلَاد بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وفيهَا خرجت بِلَاد الأندلس كلهَا من ملك الْمُوَحِّدين ونفاهم عَنْهَا ابْن هود لثائر بهَا وقتلتهم الْعَامَّة فِي كل وَجه وَفِي سنة تسع وَعشْرين بعْدهَا خرج على الْمَأْمُون أَخُوهُ السَّيِّد أَبُو مُوسَى عمرَان بن الْمَنْصُور بِمَدِينَة سبتة وَتسَمى بالمؤيد فاتصل الْخَبَر بالمأمون فَخرج إِلَيْهِ وبلغه فِي طَرِيقه أَن قبائل بني فازاز ومكلاثه قد حاصروا مكناسة وعاثوا فِي نَوَاحِيهَا فَسَار إِلَيْهِم وحسم مَادَّة فسادهم وَعَاد إِلَى سبتة فحاصر بهَا أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا مُوسَى مُدَّة فَلم يقدر مِنْهُ على شَيْء وَكَانَت سبتة من أحصن مدن الْمغرب وَلما طَالَتْ غيبَة الْمَأْمُون عَن الحضرة اغتنم يحيى بن النَّاصِر الفرصة فَنزل من الْجَبَل واقتحمها مَعَ عرب سُفْيَان وشيخهم جرمون بن عِيسَى وَمَعَهُمْ أَبُو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة وعاثوا فِيهَا وهدموا كَنِيسَة النَّصَارَى الَّتِي بنيت بهَا وَقتلُوا كثيرا من يهودها وَسبوا أَمْوَالهم وَدخل يحيى الْقصر فَحمل مِنْهُ جَمِيع مَا وجده بِهِ إِلَى الْجَبَل واتصل الْخَبَر بالمأمون وَهُوَ على حِصَار سبتة فارتحل عَنْهَا مسرعا إِلَى مراكش وَذَلِكَ فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما أبعد عَن سبتة عبر أَبُو مُوسَى صَاحبهَا إِلَى الأندلس فَبَايعهُ ابْن هود وَأَعْطَاهُ سبتة فَعوضهُ ابْن هود عَنْهَا بالمرية فَكَانَ السَّيِّد أَبُو مُوسَى بهَا إِلَى أَن مَاتَ وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ فِي طَرِيقه بِأَن ابْن هود قد ملك سبتة فتوالت عَلَيْهِ الفجائع فَمَرض أسفا وَمَات بوادي العبيد وَهُوَ قافل من حِصَار

стр. 467

سبتة وَكَانَت وَفَاته فِي آخر يَوْم من سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام شقاء وعناء ومنازعة افْتَرَقت دولة الْمُوَحِّدين فِيهَا فرْقَتَيْن فرقة مَعَه وَفرْقَة مَعَ يحيى بن النَّاصِر وَكَانَ محق دولة الْمُوَحِّدين واستئصال أَرْكَانهَا وَذَهَاب نخوتها على يَده قَالُوا وَلَوْلَا أَن الْأُمُور قد استحالت إِلَى مَا ذكر لَكَانَ الْمَأْمُون مُوَافقا لِأَبِيهِ الْمَنْصُور فِي كثير من الْخلَل ومتبعا سنَنه فِي الْأَحْوَال وَكَانَ الْمَأْمُون فصيح اللِّسَان فَقِيها حَافِظًا للْحَدِيث ضابطا للرواية عَارِفًا بالقراءات حسن الصَّوْت والتلاوة مقدما فِي علم اللُّغَة والعربية وَالْأَدب وَأَيَّام النَّاس كَاتبا بليغا حسن التوقيع لم يزل سَائِر أَيَّام خِلَافَته يسْرد كتب الحَدِيث مثل البُخَارِيّ والموطأ وَسنَن أبي دَاوُد وَكَانَ مَعَ ذَلِك شهما حازما مقداما على عظائم الْأُمُور ولي الْخلَافَة والبلاد تضطرم نَارا والممالك قد توزعتها الثوار فَكَانَ الْمَأْمُون إِذا فكر فِي حَال الثوار وَمَا آل إِلَيْهِ حَال الدولة مَعَهم وَمَا دهاه من كثرتهم ينشد متمثلا (تكاثرت الظبا على خِدَاش ... فَمَا يدْرِي خِدَاش مَا يصيد) يُشِير إِلَى حَاله مَعَهم وَأَنه لم يدْرِي مَا يتلافى من ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الرشيد ابْن الْمَأْمُون ابْن الْمَنْصُور ﵀ لما هلك الْمَأْمُون بُويِعَ ابْنه عبد الْوَاحِد ولقب بالرشيد قَالَ ابْن أبي زرع بُويِعَ لَهُ بالخلافة بوادي العبيد ثَانِي يَوْم من وَفَاة أَبِيه وَهُوَ الْأَحَد فاتح محرم سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وسنه يَوْمئِذٍ أَربع عشرَة سنة وَكَانَ الَّذين أخذُوا لَهُ الْبيعَة كانون بن جرمون السفياني وَشُعَيْب بن أوقاليط الهسكوري وفرنسيل قَائِد جَيش الفرنج فَإِنَّهُ لما مَاتَ الْمَأْمُون كتمت جَارِيَته بعد مَوته وَاسْمهَا حباب وَكَانَت فرنجية الأَصْل وَمن دهاة النِّسَاء

стр. 468

وعقلائهن وَهِي أم الرشيد فاستدعت هَؤُلَاءِ النَّفر الثَّلَاثَة وَكَانُوا عُمْدَة جَيش الْمَأْمُون يركب كل وَاحِد مِنْهُم فِي أَزِيد من عشرَة آلَاف من قومه وأعوانه وَلِأَن أهل الْحل وَالْعقد من الْمُوَحِّدين قد أَتَت عَلَيْهِم فتكت الْمَأْمُون فجاؤوا إِلَيْهِ فأعلمتهم بِمَوْت الْخَلِيفَة ورغبت إِلَيْهِم فِي بيعَة ابْنهَا الرشيد وَالْقِيَام مَعَه وبذلت لَهُم على ذَلِك أَمْوَالًا جمة ووعدتهم مَعَ ذَلِك أَنهم إِذا فتحُوا الحضرة وَكَانَ يحيى قد استولى عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَا تجعلها لَهُم فَيْئا فَبَايعُوهُ وَأخذُوا الْبيعَة لَهُ على سواهُم فَبَايع النَّاس طَوْعًا وَكرها خوفًا من سيوفهم وَلما تمّ أمره جعل أَبَاهُ فِي تَابُوت وَقدمه أَمَامه وَسَار إِلَى مراكش وَسمع يحيى واهل مراكش بِمَا شرطته حباب للقواد الثَّلَاثَة من جعل مدينتهم فَيْئا فَخَرجُوا لقِتَال الرشيد بأجمعهم واستخلف يحيى على مراكش أَبَا سعيد بن وانودين والتقى الْجَمْعَانِ فَاقْتَتلُوا فَانْهَزَمَ يحيى وَقتل أَكثر من مَعَه وصبح الرشيد مراكش فتحصن مِنْهُ أَهلهَا فَأَمنَهُمْ وَصَالح قَائِد الفرنج وَأَصْحَابه على فَيْئهَا بِخَمْسَة آلَاف دِينَار وَدخل الرشيد مراكش وَاسْتقر بهَا وَكَانَ قد وصل فِي صُحْبَة عَمه السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد سعد بن الْمَنْصُور فَحل من تِلْكَ الدولة بمَكَان وَكَانَ إِلَيْهِ التَّدْبِير والحل وَالْعقد وَبعد اسْتِقْرَار الرشيد بمراكش قدم عَلَيْهِ عمر بن أوقاريط الهسكوري صُحْبَة أَوْلَاد الْمَأْمُون الَّذين كَانُوا بإشبيلية ونفاهم ابْن هود عَنْهَا وَكَانَ ابْن أوقاريط هَذَا منحرفا عَن الْمَأْمُون ايام حَيَاته فتذمم بِصُحْبَة هَؤُلَاءِ الْأَوْلَاد وَقدم على الرشيد فتقبله واتصل بالسيد أبي مُحَمَّد وَحسنت مَنْزِلَته لَدَيْهِ ثمَّ لما هلك السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد لحق ابْن أوقاريط بقَوْمه ومعتصمه وكشف وَجه الْخلاف وَأخذ بدعوة يحيى بن النَّاصِر واستنفر لَهُ قبائل الْمُوَحِّدين ونهض إِلَيْهِم الرشيد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة واستخلف على الحضرة صهره أَبَا الْعَلَاء إِدْرِيس وَصعد إِلَيْهِم الْجَبَل فأوقع بِيَحْيَى وجموعه بمكانهم من هزرجة وَاسْتولى على معسكرهم وَلحق يحيى بِبِلَاد سجلماسة

стр. 469

وانكفأ الرشيد رَاجعا إِلَى حَضرته وَاسْتَأْمَنَ لَهُ كثير من الْمُوَحِّدين الَّذين كَانُوا مَعَ يحيى فَأَمنَهُمْ وَلَحِقُوا بِحَضْرَتِهِ وَكَانَ كَبِيرهمْ أَبُو عُثْمَان سعيد بن زَكَرِيَّا القدميوي وَجَاء الْبَاقُونَ على أَثَره بعد أَن شرطُوا عَلَيْهِ إِعَادَة مَا كَانَ أزاله الْمَأْمُون من رسوم الْمهْدي وسننه فأعيدت واطمأنوا لإعادة رسوم الدعْوَة المهدية واستقامت الْأَحْوَال فِي هَذِه الْأَيَّام إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ فتْنَة الْخَلْط مَعَ الرشيد واستيلاؤهم على حَضْرَة مراكش كَانَ مَسْعُود بن حميدان كَبِير الْخَلْط قد أغراه عمر بن أوقاريط بِالْخِلَافِ لصحبة بَينهمَا وَكَانَ مدلا ببأسه وَكَثْرَة جموعه يُقَال إِن الْخَلْط كَانُوا يَوْمئِذٍ يناهزون اثْنَي عشرَة ألف فَارس سوى الرجل والأتباع والحشود فَمَرض مَسْعُود فِي الطَّاعَة وتثاقل عَن الْوِفَادَة إِلَى الحضرة وَلما علم بِعقد الْمُوَحِّدين واجتماع كلمتهم على الرشيد غاظه ذَلِك وَأخذ فِي السَّعْي للفرقة والشتات بَينهم فأعمل الرشيد الْحِيلَة فِي استدعائه وَصرف عساكره إِلَى بعض الْجِهَات حَتَّى خلا لمسعود الجو وَذهب عَنهُ الريب واستقدمه الرشيد فأسرع اللحاق بالحضرة وَقدم مَعَه مُعَاوِيَة عَم عمر بن أوقاريط فَقبض على مُعَاوِيَة وَقتل لحينه واستدعى الرشيد ابْن حميدان إِلَى الْمجْلس الخلافي للْحَدِيث فتقبض عَلَيْهِ وعَلى خَمْسَة وَعشْرين من أَصْحَابه من كبار الْخَلْط وَقتلُوا ساعتئذ بعد جَوْلَة وهيعة وَقضى الرشيد حَاجَة فِي نَفسه مِنْهُم وَلما بلغ خبر مقتلهم إِلَى قَومهمْ قدمُوا عَلَيْهِم يحيى بن هِلَال بن حميدان وأجلبوا على سَائِر النواحي وأعلنوا بدعوة يحيى بن النَّاصِر واستقدموه من مَكَانَهُ بقاصية الصَّحرَاء وداخلهم فِي ذَلِك عمر بن أوقاريط وزحفوا لحصار مراكش وَخرجت العساكر لقتالهم وَمَعَهُمْ عبد الصَّمد بن يلولان فدافع ابْن أوقاريط بجموعه فِي تِلْكَ العساكر فَانْهَزَمُوا وأحيط بجند النَّصَارَى فَقتلُوا وتفاقم الْأَمر بالحضرة وعدمت الأقوات واعتزم الرشيد

стр. 470

على الْخُرُوج إِلَى جبل الْمُوَحِّدين فَخرج إِلَيْهَا وَسَار مِنْهَا إِلَى سجلماسة فملكها وَاشْتَدَّ الْحصار على مراكش واقتحمها يحيى بن النَّاصِر وأنصاره من الْخَلْط وهسكورة فنهبوها وساء أَثَرهم فِيهَا واضطربت أَحْوَال الْخلَافَة بهَا وتغلب على السُّلْطَان السَّيِّد أَبُو إِبْرَاهِيم بن أبي حَفْص الملقب بِأبي حافة وَهَذِه الْفِتَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة هجوم نَصَارَى جنوة على مَدِينَة سبتة وحصارهم إِيَّاهَا وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة نَازل الفرنج الجنويون سبتة بأجفان لَا تحصى ونصبوا عَلَيْهَا المنجنيقات والآلات الْمعدة للحصار واستمروا على ذَلِك إِلَى أَن دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا فَلم يقدروا مِنْهَا على شَيْء وَلما اشْتَدَّ الْحصار على أهل سبتة صَالحُوا الفرنج فِي الإفراج عَنْهُم بأربعمائة ألف دِينَار فقبلوا وأقلعوا عَنْهُم بعد الْحصار الشَّديد والتضييق الْعَظِيم عود الرشيد إِلَى مراكش وفرار يحيى عَنْهَا إِلَى بني معقل ومقتله بهم وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة خرج الرشيد من سجلماسة يقْصد مراكش وخاطب جرمون بن عِيسَى وَقَومه من سُفْيَان فَأَجَابُوهُ وعبروا وَادي أم الرّبيع وبرز إِلَيْهِ يحيى فِي جموعه والتقى الْفَرِيقَانِ فانهزمت جموع يحيى واستحر الْقَتْل فيهم وَدخل الرشيد إِلَى الحضرة ظافرا وَأَشَارَ ابْن أوقاريط على الْخَلْط بالاستصراخ بِابْن هود صَاحب الأندلس وَالْأَخْذ بدعوته بدعوته فَنَكَثُوا بيعَة يحيى وبعثوا وفدهم إِلَى ابْن هود صُحْبَة ابْن أوقاريط فاستقر هُنَاكَ وَلم يرجع إِلَيْهِم قولا فَعلم الْخَلْط أَنَّهَا حِيلَة من ابْن أوقاريط وَأَنه تخلص من الورطة

стр. 471

وَخرج الرشيد من مراكش وفر الْخَلْط أَمَامه وَسَار إِلَى فاس وَأقَام بهَا أَيَّامًا وَفرق فِي فقهائها وصلحائها أَمْوَالًا ورباعا مغلة وسرح الْوَزير السَّيِّد أَبَا مُحَمَّد إِلَى غمارة وفازاز لجباية أموالهما وَكَانَ يحيى بن النَّاصِر لما نكث الْخَلْط بيعَته لحق بعرب معقل فأجاروه ووعدوه النُّصْرَة واشتطوا عَلَيْهِ فِي المطالب فأسف بَعضهم بِالْمَنْعِ فاغتاله فِي جِهَة تازا وسيق رَأسه إِلَى الرشيد بفاس فَبَعثه إِلَى مراكش وأوعز إِلَى نَائِبه بهَا أبي عَليّ بن عبد الْعَزِيز بقتل الْعَرَب الَّذين كَانُوا فِي اعتقاله وهم حسن بن زيد شيخ العاصم وقائد ابْنا عَامر شَيخا بنى جَابر فَقَتلهُمْ وانكفأ الرشيد رَاجعا إِلَى حَضرته سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ ابْن أوقاريط لما فصل ابْن هود صَاحب الأندلس أَقَامَ عِنْده إِلَى هَذِه السّنة فَركب الْبَحْر فِي أسطول من أساطيل ابْن هود وَقصد مَدِينَة سلا وَبهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء صهر الرشيد فنازلها وَكَاد يغلب عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ عَنْهَا بِلَا طائل وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ بعْدهَا بَايع أهل إشبيلية للرشيد وَنَقَضُوا طَاعَة ابْن هود وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو عمر بن الْجد وَوصل وفدهم إِلَى الحضرة ومروا فِي طريقهم بسبتة فَافْتدى أَهلهَا بهم فِي بيعَة الرشيد وَقدمُوا على الحضرة وَولى عَلَيْهِم الرشيد أَبَا عَليّ بن خلاص مِنْهُم وَانْصَرف وَفد إشبيلية وسبتة راضين واستقدم الرشيد رُؤَسَاء الْخَلْط وَكَانُوا راجعوا طَاعَته بعد مقتل يحيى فقدموا عَلَيْهِ وتقبض عَلَيْهِم وَبعث عساكره فاستباحوا حللهم وأحيائهم ثمَّ أَمر بقتل مشيختهم وَقتل مَعَهم ابْن أوقاريط وَكَانَ أهل إشبيلية قد بعثوا بِهِ إِلَيْهِ فَقطع دابرهم وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وصلت بيعَة مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر الثائر بالأندلس على ابْن هود وَكَانَ قد بَايع أَولا أَبَا زَكَرِيَّا الحفصي صَاحب إفريقية ثمَّ بدا لَهُ فَرد الْبيعَة إِلَى الرشيد

стр. 472

اسْتِيلَاء الْعَدو على قرطبة وَفِي هَذِه السّنة كَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو دمره الله على مَدِينَة قرطبة قَاعِدَة بِلَاد الأندلس وَدَار مملكتها وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ بعْدهَا انْتَشَر بَنو مرين بِبِلَاد الْمغرب واشتدت شوكتهم بِهِ وزحف إِلَيْهِم الرشيد فهزموه ثمَّ زحف ثَانِيَة وثالثة فهزموه وَأقَام فِي محاربتهم سنتَيْن وَرجع عَنْهُم إِلَى الحضرة فَاشْتَدَّ عدوانهم بالمغرب وألحوا على مكناسة حَتَّى أعْطوا الإتاوة لبني حمامة مِنْهُم واتصل أغلبهم فِي نَوَاحِيهَا وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة قتل الرشيد كَاتبه ابْن المومياني لمداخلة لَهُ مَعَ بعض السَّادة وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووقف الرشيد على كتب بِخَطِّهِ غلط الرَّسُول بهَا فَدَفعهَا بدار الْخلَافَة فَوَقَعت إِلَى الرشيد فَقتله وَفَاة الرشيد ﵀ مَاتَ الرشيد ﵀ غريقا فِي بعض صهاريج بستانه بِحَضْرَة مراكش وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَيُقَال إِنَّه أخرج من المَاء حَيا فَحم لوقته وَمَات وَذكر أَبُو عبد الله أكنسوس أَن غرق الرشيد كَانَ فِي الْبركَة الْكُبْرَى الَّتِي بدار الهناء من أجدال الْيَوْم قَالَ وَكَانَ يُقَال لَهَا الْبَحْر الْأَصْغَر لِأَن مُلُوك بني عبد الْمُؤمن الَّذين أنشؤوها كَانُوا يرسلون فِيهَا الزوارق والفلك الصغار بِقصد النزهة والفرجة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 473

الْخَبَر عَن دولة أبي الْحسن السعيد عَليّ بن الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور ﵀ لما هلك الرشيد بُويِعَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ أَبُو الْحسن على الْمَدْعُو السعيد بِتَعْيِين أبي مُحَمَّد بن وانودين وتلقب بالمعتضد بِاللَّه واستوزر السَّيِّد أَبَا إِسْحَاق ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن ويحي بن عطوش وتقبض على جملَة من مشيخة الْمُوَحِّدين واستصفى أَمْوَالهم واصطنع لنَفسِهِ رُؤَسَاء الْعَرَب من جشم وَاسْتظْهر بجموعهم على أمره وَكَانَ شيخ سُفْيَان كانون بن جرمون كَبِير مَجْلِسه وَكَانَ ضَرَر بني مرين قد تفاقم بالمغرب وداؤهم قد أعضل فَخرج السعيد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة لتمهيد بِلَاد الْمغرب فَانْتهى إِلَى سجلماسة وَكَانَ صَاحبهَا عبد الله بن زَكَرِيَّا الهزرجي قد انْتقض عَلَيْهِ فَقتله وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ حَتَّى نزل المقرمدة من أَرض فاس وَعقد المهادنة مَعَ بني مرين وقفل إِلَى مراكش فَكَانَت هدنة على دخن فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى عاود النهوض إِلَيْهِم سنة ثَلَاثَة وَأَرْبَعين بعْدهَا واستخلف السَّيِّد أَبَا زيد ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم أَخا الْوَزير الْمَذْكُور آنِفا على مراكش وَاسْتعْمل أخاهما السَّيِّد أَبَا حَفْص وَهُوَ المرتضى على سلا وَسَار نَحْو بني مرين فَجمع لَهُ أَمِيرهمْ أَبُو بكر بن عبد الْحق جموع زناتة وصمد نَحوه حَتَّى إِذا ترَاءى الْجَمْعَانِ وتهيأ الْقَوْم للقاء خَالف كانون بن جرمون إِلَى آزمور فاستولى عَلَيْهَا وَغلب الْمُوَحِّدين عَلَيْهَا فَرجع السعيد أدراجه فِي أَتْبَاعه ففر كانون عَنْهَا فاعترضه السعيد فأوقع بِهِ واستلحم كثير من قومه سُفْيَان وَاسْتولى على مَا كَانَ لَهُم من مَال وماشية وَلحق كانون ببني مرين وَرجع السعيد إِلَى الحضرة ثمَّ تقدم الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق المريني إِلَى مكناسة فضايقها وخطب طَاعَة أَهلهَا فثارت الْعَامَّة بمكناسة على واليها من قبل السعيد فَقَتَلُوهُ

стр. 474

وحذر شيوخها وكبراؤها من سطوته فحولوا الدعْوَة إِلَى الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا الحفصي صَاحب إفريقية وَكَانَ استبد على بني عبد الْمُؤمن ورام التغلب حَتَّى على كرسيهم بمراكش فَبَايعهُ أهل مكناسة بمواطأة الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ فِي أول أمره وَكَذَا أَخُوهُ السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق من بعده ثمَّ اسْتَقل بِنَفسِهِ واستبد بأَمْره عِنْدَمَا تمّ لَهُ ملك الْمغرب حَسْبَمَا نَقصه بعد إِن شَاءَ الله وَفِي هَذِه السّنة بعث أهل إشبيلية وَأهل سبتة بطاعتهم للأمير أبي زَكَرِيَّا الحفصي أَيْضا وَبعث أَبُو عَليّ بن خلاص صَاحب سبتة إِلَيْهِ بهدية مَعَ ابْنه فِي أسطول أنشأه لذَلِك فغرق عِنْد إقلاعه من المرسى وَقبل هَذِه الْمدَّة بِيَسِير كَانَ الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا الحفصي قد تغلب على تلمسان وَبَايَعَهُ صَاحبهَا يغمراسن بن زيان العَبْد الْوَادي وَهُوَ جد ملك بني زيان أَصْحَاب تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط فَعظم قدر أبي زَكَرِيَّا بِسَبَب هَذِه البيعات الَّتِي انثالت عَلَيْهِ من سَائِر الْجِهَات وحدثته نَفسه بالتوثب على كرْسِي الْخلَافَة بمراكش وغص بَنو عبد الْمُؤمن بمكانه وَعظم عَلَيْهِم استبداده ثمَّ طمعه فِي كرسيهم وقرارة عزهم مَعَ أَنه مَا كَانَ إِلَّا جدولا من بحرهم وفرعا من دوحتهم وَالْأَمر كُله لله نهوض السعيد من مراكش إِلَى غَزْو الثوار بالمغربين ومحاصرته يغمراسن بن زيان وَمَا آل إِلَيْهِ الْأَمر من مَقْتَله ﵀ لما بلغ السعيد وَهُوَ بمراكش استبداد الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا بن أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص الهنتاتي بإفريقية ومبايعة أُمَرَاء الْجِهَات لَهُ أعمل نظره فِي الْحَرَكَة إِلَى هَؤُلَاءِ الثوار والنهوض لتدويخ هَذِه الأقطار وَكَانَ السعيد شهما حازما يقظا بعيد الهمة فَنظر فِي أعطاف دولته وفاوض الْمَلأ من الْمُوَحِّدين فِي تثقيف أطرافها وتقويم أودها وحرك

стр. 475

هممهم وأثار حفائظهم وأراهم كَيفَ اقتطع عَنْهُم الْأَمر شَيْئا فَشَيْئًا فَابْن أبي حَفْص اقتطع إفريقية ويغمراسن بن زيان اقتطع الْمغرب الْأَوْسَط ثمَّ أَقَامَ فِيهِ الدعْوَة الحفصية وَابْن هود اقتطع الأندلس وَأقَام فِيهَا دَعْوَة بني الْعَبَّاس وَابْن الْأَحْمَر بالجانب الآخر مِنْهَا مُقيم للدعوة الحفصية أَيْضا وَهَؤُلَاء بَنو مرين قد تغلبُوا على ضواحي الْمغرب ثمَّ سموا إِلَى تملك أمصاره وَإِن سكتنا على هَذَا فيوشك أَن يخْتل الْأَمر وتنقرض الدولة فتذامروا وتداعوا إِلَى النهوض إِلَيْهِم فحشد السعيد الْجنُود وجهز العساكر وأزاح عللهم واستنفر عرب الْمغرب وَمَا يَلِيهِ واحتشد كَافَّة المصامدة ونهض من مراكش آخر سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة يُرِيد مكناسة وَبني مرين أَولا ثمَّ تلمسان ويغمراسن ثَانِيًا ثمَّ إفريقية وَابْن أبي حَفْص ثَالِثا وَلما نزل بوادي بهت أَخذ فِي عرض عساكره وتمييزها فَخرج الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق من مكناسة لَيْلًا وَحده يتجسس الْأَخْبَار فَأَشْرَف على جموع السعيد فَرَأى مَا لَا قبل لَهُ بِهِ فَعَاد إِلَى قومه وَأَفْرج للسعيد عَن الْبِلَاد وتلاحقت بِهِ بَنو مرين من أماكنها الَّتِي كَانَ الْأَمِير أَبُو بكر أنزلهم بهَا واجتمعوا عَلَيْهِ بحصن تازا وطامن بِلَاد الرِّيف وَتقدم السعيد إِلَى مكناسة فَخرج إِلَيْهِ أَهلهَا يطْلبُونَ مِنْهُ الْعَفو وَقدمُوا بَين أَيْديهم الشَّيْخ الصَّالح أَبَا عَليّ مَنْصُور بن حرزوز وتلقوه بالصبيان من الْمكَاتب على رؤوسهم الألواح وَبَين أَيْديهم الْمَصَاحِف وَخرج النِّسَاء حاسرات يطلبن الْعَفو فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ ارتحل إِلَى تازا فِي أَتبَاع بني مرين وانتقل أَبُو بكر بن عبد الْحق إِلَى بني يزناسن ثمَّ رَاجع نظره فِي مسالمة الْمُوَحِّدين وَالدُّخُول فِي أَمرهم فَبعث ببيعته إِلَى السعيد وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتازا مَعَ جمَاعَة من وُجُوه بني مرين فقبلها السعيد وَعَفا لَهُم عَمَّا سلف فَسَأَلَهُ وفدهم أَن يستكفي بالأمير أبي بكر فِي أَمر تلمسان وصاحبها يغمراسن بن زيان وَقد كتب إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر أَيْضا

стр. 476

بذلك يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ارْجع إِلَى حضرتك وقوني بالجيش وَأَنا أكفيك أَمر يغمراسن وَافْتَحْ لَك تلمسان فَاسْتَشَارَ السعيد وزراءه فَقَالُوا لَا تفعل فَإِن الزناتي أَخُو الزناتي لَا يَخْذُلهُ وَلَا يُسلمهُ فَكتب إِلَيْهِ السعيد بِأَن يبْعَث إِلَيْهِ جمَاعَة من قومه يعسكرون مَعَه فأمده الْأَمِير أَبُو بكر بِخَمْسِمِائَة من قبائل بني مرين وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِ عَمه أبي عياد بن ابي يحيى بن حمامة وَخَرجُوا تَحت رايات السعيد ونهض من تازا يُرِيد تلمسان وَعند ابْن أبي زرع أَن السعيد لما فرغ من أَمر مكناسة عَسْكَر بِظَاهِر فاس وهنالك أَتَتْهُ بيعَة بني مرين قَالَ ثمَّ ارتحل السعيد عَن فاس فِي الرَّابِع عشر من محرم سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَخسف الْقَمَر تِلْكَ اللَّيْلَة خسوفا كليا وَأصْبح السعيد غاديا يُرِيد تلمسان فَلَمَّا ركب فرسه انْكَسَرت لؤلؤة المنصوري فتطير وَنزل وَلم يرتحل إِلَّا فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما سمع يغمراسن بإقبال السعيد إِلَيْهِ خرج من تلمسان فِي عشيرته وَقَومه من سَائِر بني عبد الواد وتحملوا بأهليهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى قلعة تامزردكت قبْلَة وَجدّة فَاعْتَصمُوا بهَا ووفد على السعيد الْفَقِيه عبدون وَزِير يغراسن مُؤديا للطاعة وساعيا فِي مَذَاهِب الْخدمَة ومتوليا من حاجات الْخَلِيفَة بتلمسان مَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ ويصرفه فِي سَبيله ومعتذرا تخلف يغمراسن عَن الْوُصُول إِلَى حَضْرَة السعيد فلج السعيد فِي شَأْنه وَلم يعذرهُ وأبى إِلَّا مُبَاشرَة طَاعَته بِنَفسِهِ وساعده فِي ذَلِك كانون بن جرمون السفياني صَاحب الشورى بمجلسه وَمن حضر من الْمَلأ وردوا الْفَقِيه عبدون إِلَى يغمراسن ليستقدمه فتثاقل يغمراسن عَن الْقدوم خشيَة على نَفسه وَاعْتمد السعيد الْجَبَل فِي عساكره حَتَّى أَنَاخَ بهَا فِي ساحة القلعة وَأخذ بمخنقهم ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الْيَوْم الرَّابِع ركب مهجرا فِي وَقت القيلولة على حِين غَفلَة من النَّاس ليتطوف بالقلعة ويتقرى مكامنها فَبَصر بِهِ فَارس من بني عبد الواد يعرف بِيُوسُف الشَّيْطَان كَانَ أَسْفَل الْجَبَل بِقصد الحراسة وَاتفقَ أَن يغمراسن بن زيان وَابْن عَمه يَعْقُوب بن جَابر كَانَا قريبين مِنْهُ

стр. 477

فعرفوا السعيد فَانْفَضُّوا عَلَيْهِ من بعض الشعاب أَمْثَال العقبان وطعنه يُوسُف الشَّيْطَان فكبه عَن فرسه وَعمد يَعْقُوب بن جَابر إِلَى وزيره يحيى بن عطوش فَقتله ثمَّ استحلموا لوقتهم موَالِيه ناصحا من العلوج وعنبرا من الخصيان وقائد جند النَّصَارَى وَهُوَ أَخُو القمط ووليدا يافعا من ولد السعيد وَيُقَال إِنَّمَا كَانَ ذَلِك يَوْم عبى السعيد العساكر وَصعد الْجَبَل لِلْقِتَالِ وَتقدم أَمَام النَّاس فاقتطعه بعض الشعاب المتوعرة فِي طَرِيقه فتواثب عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الفرسان وَكَانَ مَا ذَكرْنَاهُ وَذَلِكَ منسلخ صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْمحلة فارتجت وَمَاجَتْ وَأخذ أَهلهَا فِي الْفِرَار وبادر يغمراسن إِلَى السعيد فَنزل إِلَيْهِ وَهُوَ صريع على الأَرْض فحياه وفداه وَأقسم لَهُ على الْبَرَاءَة من دَمه والسعيد ﵀ واجم بمصرعه يجود بِنَفسِهِ إِلَى أَن فاظ وانتهب المعسكر بجملته وَاسْتولى بَنو عبد الواد على مَا كَانَ بِهِ من الأخبية الْحَسَنَة والفازات الرفيعة واختص يغمراسن بفسطاط السُّلْطَان فَكَانَ لَهُ خَالِصَة دون قومه وَاسْتولى على الدخيرة الَّتِي كَانَت فِيهِ مِنْهَا مصحف عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ يَزْعمُونَ أَنه أحد الْمَصَاحِف الَّتِي انتسخت لعهد خِلَافَته وَإنَّهُ كَانَ فِي خَزَائِن قرطبة عِنْد ولد عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل ثمَّ صَار فِي ذخائر لمتونة فِيمَا صَار إِلَيْهِم من ذخائر مُلُوك الطوائف بالأندلس ثمَّ صَار إِلَى خَزَائِن الْمُوَحِّدين من يَد لمتونة قَالَ ابْن خلدون وَهُوَ لهَذَا الْعَهْد فِي خَزَائِن بني مرين فِيمَا استولوا عَلَيْهِ من ذخيرة آل زيان وَذَلِكَ عِنْد غلب السُّلْطَان أبي الْحسن المريني على تلمسان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة كَمَا نذكرهُ اه وَقد تقدم لنا الْخَبَر عَن هَذَا الْمُصحف العثماني وَفِيه مُخَالفَة لبَعض مَا هُنَا وَسَيَأْتِي لنا فِي دولة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني مَا يُخَالف ذَلِك كُله وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر وَمن الذَّخَائِر الَّتِي صَارَت ليغمراسن من فسطاط السعيد العقد المنتظم

стр. 478

من خَرَزَات الْيَاقُوت الفاخر والدر النفيس الْمُشْتَمل على مئين مُتعَدِّدَة من حصبائه وَكَانَ يُسمى بالثعبان ثمَّ صَار إِلَى بني مرين أَيْضا إِلَى أَن تلف فِي الْبَحْر عِنْد غرق الأسطول بالسلطان أبي الْحسن بمرسى بجاية مرجعة من تونس حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِلَى ذخائر من أَمْثَاله وطرف من أشباهه مِمَّا يستخلصه الْمُلُوك لأَنْفُسِهِمْ ويعتدونه من ذخائرهم وَلما سكنت الْفِتْنَة وركد عاصف تِلْكَ الهيعة نظر يغمراسن فِي شَأْن مواراة الْخَلِيفَة فجهزه وَرَفعه على أعواده فدفنه بالعباد بمقبرة الشَّيْخ أبي مَدين ﵁ ثمَّ نظر فِي شَأْن حرمه وَأُخْته تاعزونت الشهيرة الذّكر بعد أَن جاءها وَاعْتذر إِلَيْهَا مِمَّا وَقع وأصحبهن جملَة من مشيخة بني عبد الواد إِلَى مأمنهن فألحقوهن بدرعة من تخوم طاعتهم فَكَانَ ليغمراسن بذلك حَدِيث جميل فِي الْإِبْقَاء على الْحرم ورعي حُقُوق الْملك وَأما أهل محلّة السعيد فَإِنَّهُم بعد نهوضهم تداعوا واجتمعوا إِلَى عبد الله بن السعيد وقفلوا قَاصِدين مراكش واتصل الْخَبَر بالأمير أبي بكر بن عبد الْحق وَهُوَ يَوْمئِذٍ ببني يزنسن وقدمت عَلَيْهِ الْحصَّة الَّتِي كَانَ وَجههَا مَعَ السعيد فتحقق الْخَبَر وانتهز الفرصة فِي الْمُوَحِّدين فَاعْترضَ عَسْكَرهمْ بجهات تازا فَقتل عبد الله بن السعيد واستلبهم وَاسْتولى على مَا بَقِي من أثاثهم ثمَّ جد السّير إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا وملكها وَلحق فل الْمُوَحِّدين بمراكش فَبَايعُوا عمر المرتضى كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله الْخَبَر عَن دولة أبي حَفْص عمر المرتضى ابْن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن ﵀ لما توفّي أَبُو الْحسن السعيد كَانَ عمر المرتضى واليا من قبله بقصبة رِبَاط الْفَتْح من سلا كَمَا قدمنَا فَاجْتمع الموحدون بِجَامِع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش

стр. 479

وعقدوا لَهُ الْبيعَة وبعثوا بهَا إِلَيْهِ ونهض هُوَ مُتَوَجها إِلَى مراكش فَلَقِيَهُ وفدهم أثْنَاء طَرِيقه بتامسنا وَاجْتمعَ عَلَيْهِ أَشْيَاخ الْعَرَب فَبَايعُوهُ أَيْضا واستقام أمره وتلقب بالمرتضى وَعقد ليعقوب بن كانون على بني جَابر ولعمه يَعْقُوب بن جرمون على عرب سُفْيَان بعد أَن كَانَ قومه قدموه عَلَيْهِم وَدخل الحضرة واستوزر أَبَا مُحَمَّد بن يُونُس من قرَابَته وَقبض على حَاشِيَة السعيد ثمَّ وصل أَخُوهُ السَّيِّد أَبُو إِسْحَاق الَّذِي كَانَ وزيرا للسعيد من قبل ناجيا من وقْعَة تامزردكت آخِذا على طَرِيق سجلماسة فاستوزره أَيْضا وَأسْندَ إِلَيْهِ أمره وَاسْتولى أَبُو بكر بن عبد الْحق أَمِير بني مرين بعد مهلك السعيد على رِبَاط تازا ومكناسة ثمَّ استولى سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة على فاس وأعمالها فاقتطع عَن المرتضى بِلَاد الغرب كلهَا وَلم يبْق لَهُ إِلَّا بِلَاد الْحَوْز من سلا إِلَى السوس ولأول دولة المرتضى كَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو على إشبيلية إِحْدَى قَوَاعِد الأندلس فَإِن طاغية قشتالة وَهُوَ الإصبنيول خذله الله حاصرها سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس من شعْبَان من السّنة بعْدهَا ملكهَا صلحا بعد منازلتها حولا كَامِلا وَخَمْسَة أشهر وانتقل كرْسِي المملكة الإسلامية بالأندلس إِلَى غرناطة وَذَلِكَ فِي دولة بني الْأَحْمَر وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ملك الْأَمِير أَبُو بكر المريني سلا ورباط الْفَتْح ووفد على المرتضى بمراكش مُوسَى بن زيان الونكاسي وَأَخُوهُ عَليّ بن زيان من قبيل بني مرين وأغروه بِقِتَال بني عبد الْحق فأسعفهم وَلما انْتهى إِلَى أَمَان إيملولين أشاع يَعْقُوب بن جرمون السفياني قَضِيَّة الصُّلْح بَينهمَا وَأصْبح راحلا وَقد استولى الْجزع على قُلُوب الْجَيْش فَانْفَضُّوا وَوَقعت الْهَزِيمَة من غير قتال وَوصل المرتضى إِلَى الحضرة وأغضى ليعقوب عَمَّا صدر مِنْهُ وَفِي سنة خمسين وسِتمِائَة اسْترْجع المرتضى سلا ورباط الْفَتْح من يَد بني مرين وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين بعْدهَا فر من حَاشِيَة المرتضى عَليّ بن يدر

стр. 480

من بني باداسن وَلحق بِبِلَاد السوس وتحصن بِبَعْض جبالها ثمَّ حاصر تارودانت قَاعِدَة بِلَاد السوس فاستولى عَلَيْهَا واستخدم الشبانات وَذَوي حسان من عرب معقل وأطاعته قبائل جزولة واستفحل أمره وَاسْتولى على بسائط السوس فَوجه إِلَيْهِ المرتضى عدَّة جيوش فَهزمَ الْبَعْض وَقتل الْبَعْض ثمَّ جَاءَ ابو دبوس من بعد المرتضى فَنَهَضَ إِلَيْهِ وحاصره بِبَعْض حصونه قرب تارودانت وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار رغب فِي الْإِقَالَة ومعاودة الطَّاعَة فَقبل ذَلِك مِنْهُ أَبُو دبوس وأقلع عَن حصاره وَعَاد إِلَى الحضرة وَلما استولى بَنو مرين على مراكش سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة استبد على بني يدر هَذَا عَلَيْهِم وتملك قطر السوس وَاسْتولى على تارودانت وَسَائِر قراه ومعاقله وأرهف حَده للْعَرَب وسامهم الهضيمة فزحفوا إِلَيْهِ وقتلوه فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ توارث قطر السوس من بعده جمَاعَة من عشيرته وَاسْتمرّ ملكهم عَلَيْهِ إِلَى زمَان السُّلْطَان أبي الْحسن المريني فَغَلَبَهُمْ عَلَيْهِ وانقرض أَمرهم رَجَعَ إِلَى أَخْبَار عمر المرتضى وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة خرج أَبُو الْحسن بن يَعْلُو قَائِد المرتضى فِي جَيش من الْمُوَحِّدين إِلَى تامسنا ليكشف أَحْوَال الْعَرَب وَمَعَهُ يَعْقُوب بن شيخ بني جَابر قبض عَلَيْهِ وعَلى وزيره ابْن مُسلم وطير بهما إِلَى الحضرة معتقلين وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين بعْدهَا خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس وأعمالها من يَد بني مرين المتغلبين عَلَيْهَا واحتفل فِي الاحتشاد وَبَالغ فِي الاستعداد فَكَانَ جَيْشه ثَمَانِينَ ألف فَارس من الْمُوَحِّدين وَالْعرب والأغزاز وَأهل الأندلس والفرنج فَسَار حَتَّى نزل جبل بني بهْلُول قبْلَة فاس وَكَانَت هَيْبَة بني مرين وناموسهم قد تمكن من قُلُوب جَيش المرتضى فَكَانُوا مُنْذُ قربوا من أحواز فاس لَا ينامون إِلَّا غرارا فَانْطَلق ذَات لَيْلَة فرس لبَعض

стр. 481

الجنديين وَجرى بَين الأخبية وَجرى النَّاس خَلفه ليأخذوه فَظن أهل الْمحلة أَن بني مرين قد أَغَارُوا عَلَيْهِم فَرَكبُوا خيولهم وماج بَعضهم فِي بعض وانقلبوا منهزمين لَا يلوون على شَيْء واتصل الْخَبَر بِأبي بكر بن عبد الْحق وَهُوَ بفاس فَخرج للْوَقْت واحتوى على جَمِيع مَا فِي محلّة الْمُوَحِّدين من الأخبية والأثاث وَالسِّلَاح وَالْمَال وَمر المرتضى على وَجهه فَدخل مراكش فِي جمع قَلِيل من الْأَشْيَاخ والإفرنج وَأقَام بهَا وَأعْرض عَن بني مرين وتسلى عَنْهُم سَائِر أَيَّامه وازدادت شَوْكَة الْمُوَحِّدين ضعفا واستبد أَبُو الْقَاسِم العزفي بسبتة واستتب أمره بهَا وتوارث الرياسة بهَا عشيرته من بعده زَمَانا إِلَى أَن غلبهم عَلَيْهَا بَنو مرين وَفِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة استولى أَبُو بكر بن عبد الْحق على سجلماسة وتقبض على واليها عبد الْحق بن أصكوا بمداخلة خديم لَهُ يعرف بِمُحَمد القطراني وَشرط على الْأَمِير أبي بكر أَن يكون هُوَ الْوَالِي عَلَيْهَا فَأمْضى لَهُ شَرطه وَأنزل مَعَه بهَا جمَاعَة من رجالات بني مرين حَتَّى إِذا هلك أَبُو بكر بن عبد الْحق أخرجهم مُحَمَّد القطراني واستبد بِأَمْر سجلماسة وراجع دَعْوَة المرتضى وَاعْتذر إِلَيْهِ وَاشْترط عَلَيْهِ الاستبداد فَأمْضى لَهُ شَرطه إِلَّا فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة وَبعث أَبَا عمر بن حجاج قَاضِيا من الحضرة وَبَعض السَّادة للنَّظَر فِي الْقَضِيَّة وَقَائِدًا من النَّصَارَى بعسكر للحماية فأعمل القَاضِي ابْن حجاج الْحِيلَة فِي قتل القطراني وَتَوَلَّى الفتك بِهِ قَائِد النَّصَارَى واستبد السَّيِّد بِأَمْر سجلماسة بدعوة المرتضى واستفحل أَمر بني مرين أثْنَاء ذَلِك وَنزل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق بسائط تامسنا فسرح إِلَيْهِم المرتضى عَسَاكِر الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن عبد الله بن وانودين فأجفلوا إِلَى وَادي أم الرّبيع واتبعهم الموحدون وألحوا عَلَيْهِم فعطف عَلَيْهِم بَنو مرين واقتتلوا بِبَطن الْوَادي فانهزمت عَسَاكِر الْمُوَحِّدين وغدر بهم بَنو جَابر وَكَانَ فِي مسيل الْوَادي كدى يحسر عَنْهَا

стр. 482

المَاء فتبدو كَأَنَّهَا أرجل فسميت الْوَاقِعَة من أجل ذَلِك بِأم الرجلَيْن وَذَلِكَ فِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة وَبَقِي المرتضى يعالج أَمر عَليّ بن بدر الثائر بالسوس إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَأقبل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق فِي جموع بني مرين حَتَّى نزل على مراكش واتصل الْحَرْب بَينه وَبَين الْمُوَحِّدين بظاهرها أَيَّامًا هلك فِيهَا عبد الله بن يَعْقُوب بن عبد الْحق فَبعث المرتضى إِلَى أَبِيه يَعْقُوب بالتعزية ولاطفه وَضرب إتاوة يبْعَث بهَا إِلَيْهِ فِي كل سنة فَرضِي يَعْقُوب وارتحل عَنْهَا وَقيل إِن مقتل عبد الله بن يَعْقُوب كَانَ سنة سِتِّينَ قبل وقْعَة أم الرجلَيْن وَالله تَعَالَى أعلم انْتِقَاض أبي دبوس على المرتضى واستيلاؤه على مراكش ومقتل المرتضى عقب ذَلِك لما ارتحل بني مرين عَن مراكش بعد مهلك عبد الله بن يَعْقُوب فر من الحضرة قَائِد حروب المرتضى وَابْن عَمه وَهُوَ السَّيِّد أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس الملقب بِأبي دبوس ابْن السَّيِّد أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن السَّيِّد أبي حَفْص عمر بن عبد الْمُؤمن لسعاية تمكنت فِيهِ عِنْد المرتضى وَأَنه يطْلب الْأَمر لنَفسِهِ فاحس أَبُو دبوس بِالشَّرِّ وَلحق بِيَعْقُوب بن عبد الْحق فأدركه عِنْد مقدمه إِلَى فاس قَافِلًا من مَنَازِله مراكش فَأقبل عَلَيْهِ الْأَمِير يَعْقُوب وَبَالغ فِي إكرامه فَطلب مِنْهُ أَبُو دبوس الْإِعَانَة على حَرْب المرتضى وَكَانَ بطلا محربا وَضمن لَهُ فتح مراكش وَاشْترط لَهُ الْمُقَاسَمَة فِيمَا يغلب عَلَيْهِ من السُّلْطَان وَمَا يستفيده من الذَّخِيرَة وَالْمَال فأمده الْأَمِير يَعْقُوب بِخَمْسَة آلَاف من بني مرين وبالكفاية من المَال وبالمستجاد من آلَة الْحَرْب من طبول وبنود وَنَحْو ذَلِك وَكتب لَهُ مَعَ ذَلِك إِلَى عرب جشم وأميرهم يَوْمئِذٍ عَليّ بن أبي الخلطي أَن يَكُونُوا مَعَه يدا وَاحِدَة فَسَار أَبُو دبوس حَتَّى وصل إِلَى سلا فَكتب مِنْهَا إِلَى الْعَرَب وأشياخ الْمُوَحِّدين والمصامدة الَّذين فِي طَاعَة المرتضى يَدعُوهُم

стр. 483

إِلَى بيعَته ويعدهم ويمنيهم فَتَلَقَّتْهُ وُفُود الْعَرَب والهساكرة وصنهاجة آزمور بِبَعْض الطَّرِيق فَبَايعُوهُ وَسَارُوا مَعَه حَتَّى نزل بِلَاد هسكورة ثمَّ كتب إِلَى خاصته من وزراء المرتضى أَن يعلموه بِحَال الْبَلَد والدولة فراجعوه أَن أسْرع السّير وَأَقْبل وَلَا تخشن شَيْئا فَإنَّا قد فرقنا الْجند فِي أَطْرَاف الْبِلَاد وَهَذَا وَقت انتهاز الفرصة فزحف أَبُو دبوس إِلَى مراكش حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى أغمات وجد بهَا الْوَزير أَبَا زيد بن يكيت فِي جَيش من حاميتها فناجزه الْحَرْب فَانْهَزَمَ ابْن يكيت وَقتل عَامَّة أَصْحَابه وَسَار أَبُو دبوس يؤم مراكش وَمَعَهُ سُفْيَان وَبنى جَابر وَكَبِيرهمْ يَوْمئِذٍ علوش بن كانون السفياني فَلَمَّا دنوا من مراكش أغار علوش على بَاب الشَّرِيعَة مِنْهَا وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى ركز رمحه بمصراع الْبَاب وَدخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة والمرتضى بمراكش غافل عَن شَأْن أبي دبوس والأسوار خَالِيَة من الحامية والحراص فقصد أَبُو دبوس بَاب أغمات وتسور الْبَلَد من هُنَالك وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وصمد إِلَى القصبة فاقتحمها من بَاب الطبول وَاسْتولى عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن أبي زرع إِن دُخُول أبي دبوس مراكش كَانَ من بَاب الصَّالِحَة وَذَلِكَ ضحى يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة والصالحة الَّتِي اضيف إِلَيْهَا هَذَا الْبَاب هِيَ بُسْتَان كَبِير من جملَة بساتين أجدال دَار الْخلَافَة بمراكش وَلَا زَالَ هَذَا الْبُسْتَان مَشْهُور بِهَذَا الإسم إِلَى الْآن وَهُوَ من إنْشَاء عبد الْمُؤمن بن عَليّ ﵀ فقد ذ كرّ الشَّيْخ أَبُو عبد الله بن مُحَمَّد عذارى الأندلسي فِي كتاب الْبَيَان المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن بُسْتَان المسرة الَّذِي بِظَاهِر جنان الصَّالِحَة أنشأه عبد الْمُؤمن بن عَليّ كَبِير الْمُوَحِّدين قَالَ وَهُوَ بُسْتَان طوله ثَلَاثَة أَمْيَال وَعرضه قريب مِنْهَا فِيهِ كل فَاكِهَة تشْتَهى وجلب إِلَيْهِ المَاء من أغمات واستنبط لَهُ عيُونا كَثِيرَة قَالَ ابْن اليسع وَمَا خرجت أَنا من مراكش فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين

стр. 484

وَخَمْسمِائة إِلَّا وَهَذَا الْبُسْتَان الَّذِي غرسه عبد الْمُؤمن يبلغ مَبِيع زيتونه وفواكهه ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مؤمنية على رخص الْفَاكِهَة بمراكش اه قلت ولشهرة هَذَا الْبُسْتَان وموقعه من النَّاس لهجت بِهِ صبيانهم وسجعوا بِهِ فَيَقُولُونَ يَا جردة مالحة أَيْن بت سارحة فِي جنان الصَّالِحَة فِي أسجاع غير هَذِه تجْرِي على أَلْسِنَة الصّبيان وَالله أعلم رَجَعَ إِلَى خبر أبي دبوس قَالَ ابْن أبي زرع لما اقتحم أَبُو دبوس مراكش سَار حَتَّى وقف بِبَاب البنود من القصبة فغلقت الْأَبْوَاب دونه وَقَامَ عبيد المخزن عَلَيْهَا يقاتلونه وَلما رأى المرتضى أَن أَبَا دبوس قد التحف مَعَه كسَاء دَار الْملك خرج من الْقصر ناجيا بِنَفسِهِ من بَاب الْفَاتِحَة وَمَعَهُ الْوَزير أَبُو زيد بن يَعْلُو الكومي وَأَبُو مُوسَى بن عزوز الهنتاتي ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى كدميوة ثمَّ إِلَى شفشاوة ثمَّ لحق آخرا بآزمور وَنزل على صهر لَهُ من بني عطوش كَانَ واليا عَلَيْهَا من قبله وَكَانَ ابْن عطوش هَذَا قد أسره الْعَدو فافتكه المرتضى بِمَال جسيم وزوجه ابْنَته وولاه آزمور فَلَمَّا وَقعت عَلَيْهِ الكائنة بمراكش ذهب إِلَيْهِ مستجيرا بِهِ ومطمئنا إِلَيْهِ فَكَانَ من جَزَائِهِ لَهُ أَن قبض عَلَيْهِ وَقَيده وَكتب إِلَيْهِ أبي دبوس يُعلمهُ بِشَأْنِهِ فَكتب أَبُو دبوس إِلَيْهِ يستكشفه فِي شَأْن الذَّخِيرَة فَأنْكر المرتضى أَن يكون قد أذخر شَيْئا وَحلف على ذَلِك ومت إِلَيْهِ بالرحم حَتَّى كَاد أَبُو دبوس يعْطف عَلَيْهِ ثمَّ أغراه خاصته بِهِ فَوجه إِلَيْهِ من قَتله فِي الطَّرِيق وأتى إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ وَسَار ابْن عطوش بفعلته هَذِه أظلم من الخيفقان وَكَانَ مقتل المرتضى فِي الْعشْر الآواخر من شهر ربيع الْأُخَر سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَكَانَ ﵀ ينتمي إِلَى التصوف والزهد والورع وَتسَمى بثالث العمرين وَكَانَ مُولَعا بِالسَّمَاعِ لَا يكَاد يَخْلُو مِنْهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَ فِي أَيَّامه رخاء مفرط لم ير أهل مراكش مثله

стр. 485

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ المرتضى فَاضلا خيرا عفيفا مغمد السَّيْف مائلا إِلَى الْهُدْنَة ﵀ الْخَبَر عَن دولة أبي الْعَلَاء إِدْرِيس الواثق بِاللَّه الْمَعْرُوف بِأبي دبوس لما تقدم أَبُو دبوس حَضْرَة الْخلَافَة على المرتضى وفر المرتضى عَنْهَا ملكهَا أَبُو دبوس واستتب أمره بهَا وَبَايَعَهُ كَافَّة الْمُوَحِّدين وَأهل العقد والحل من الوزراء وَالْفُقَهَاء والأشياخ وَكَانَ ذَلِك بِجَامِع الْمَنْصُور يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واستقل أَبُو دبوس بمملكة مراكش وأعمالها وتلقب بالواثق بِاللَّه وَالْمُعْتَمد على الله وبذل الْعَطاء وَنظر فِي الولايات وَرفع المكوس عَن الرّعية وَلما اتَّصل بالأمير يَعْقُوب بن عبد الْحق مَا كَانَ من أبي دبوس واستيلائه على المملكة كتب إِلَيْهِ يهنئه بِالْفَتْح وَيطْلب مِنْهُ أَن يُمكنهُ من الشَّرْط الَّذِي شَرط لَهُ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْكتاب أَدْرَكته النخوة وَغلب عَلَيْهِ الْكبر وَقَالَ للرسول قل ليعقوب بن عبد الْحق يغتنم سَلَامَته وَيبْعَث إِلَيّ ببيعته حَتَّى أقره على مَا بِيَدِهِ وَإِلَّا غزوته بِجُنُود لَا قبل لَهُ بهَا فَعَاد الرَّسُول إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب وأبلغه الْخَبَر وَدفع إِلَيْهِ كتاب أبي دبوس فَإِذا هُوَ يخاطبه مُخَاطبَة الْخُلَفَاء لعمالهم والرؤساء لخدمهم فتحقق الْأَمِير نكثه وغدره فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جموع بني مرين وعساكر الْمغرب فَلَمَّا اشرف على مراكش خام أَبُو دبوس عَن اللِّقَاء وتحصن بداره ولجأ إِلَى أسواره فَتقدم الْأَمِير يَعْقُوب حَتَّى نزل على مراكش وحاصرها أَيَّامًا وعادت فِي نَوَاحِيهَا وانتسف مَا حولهَا وَلما رأى أَبُو دبوس مَا نزل بِهِ مِنْهُ كتب إِلَى قريعه يغمراسن بن زيان صَاحب تلمسان يطْلب مِنْهُ أَن يشغل عَنهُ الْأَمِير يَعْقُوب بِمَا وَرَاءه من أَعمال

стр. 486

فاس وَالْمغْرب وأسنى لَهُ الْهَدِيَّة فِي ذَلِك وأكد الْعَهْد فِي الْمُوَالَاة والمناصرة فَأَجَابَهُ يغمراسن إِلَى ذَلِك نَهَضَ من حِينه فشن الغارات على ثغور الْمغرب واضرم نَار الْفِتْنَة بهَا واتصل ذَلِك بالأمير يَعْقُوب وَهُوَ محاصر لمراكش فَرجع عوده على بدنه وَسَار إِلَى يغمراسن فناجزه الْحَرْب وانتصف مِنْهُ على مَا يَنْبَغِي وحسم مَادَّة فَسَاده ثمَّ كرّ رَاجعا إِلَى مراكش فِي شعْبَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما عبر وَادي أم الرّبيع شن الغارات على النواحي وَبث السَّرَايَا فِي الْجِهَات وَطَالَ عيثه فِي الْبِلَاد وأبدأ فِي ذَلِك وَأعَاد حَتَّى ضَاقَتْ صُدُور بني عبد الْمُؤمن بمراكش وتكدر عيشهم فحرضهم أولياؤهم من عرب جشم وأغروهم باستنهاض أبي دبوس لمدافعة عدوه ووعدوهم النَّصْر من أنفسهم فَتحَرك أَبُو دبوس لذَلِك واشرأبت نَفسه إِلَى الْقِتَال فحشد وأبلغ وبرز من الحضرة فِي جيوش ضخمة وجموع وافرة وَلما علم الْأَمِير يَعْقُوب بِخُرُوجِهِ ودنوه مِنْهُ أظهر من نَفسه الْعَجز عَن لِقَائِه وكر رَاجعا إِلَى جِهَة بِلَاده يستجره بذلك ليبعد عَن الحضرة ومددها وَتَمَادَى أَبُو دبوس فِي اتِّبَاعه حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي ودغفو فكر عَلَيْهِ الْأَمِير يَعْقُوب والتحم الْقِتَال وَقَامَت الْحَرْب على سَاق فَلم تمض إِلَّا سَاعَة حَتَّى انهزم الْمُوَحِّدين وَأطلق أَبُو دبوس عنانه للفرار يُرِيد مراكش فَأَدْرَكته خيل بني مرين وتناولته رماحهم وخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ واحتز رَأسه وَجِيء بِهِ إِلَى الْأَمِير يَعْقُوب فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى ثمَّ بعث بِهِ إِلَى فاس وَتقدم هُوَ إِلَى مراكش فاستولى عَلَيْهَا فِي أَوَائِل محرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وفر الموحدون الَّذين كَانُوا بمراكش إِلَى جبل تينملل فَبَايعُوا إِسْحَاق بن أبي إِبْرَاهِيم أَخا المرتضى فَبَقيَ ذبالة هُنَالك إِلَى سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة فَقبض عَلَيْهِ وَجِيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق هُوَ وَابْن عَمه السَّيِّد أَبُو سعيد بن أبي الرّبيع ووزيره القبائلي وَأَوْلَاده فَقتلُوا جَمِيعًا وانقرضت دولة بني عبد الْمُؤمن من الأَرْض وَذَهَبت محَاسِن مراكش يَوْمئِذٍ

стр. 487

بذهاب دولتهم والبقاء لله وَحده لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَفِي سنة إِحْدَى وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن جَعْفَر الخزرجي الْمَعْرُوف بالسبتي دَفِين مراكش وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب تاغزوت وَكَانَ شَيْخه أَبُو عبد الله الفخار من أَصْحَاب القَاضِي أبي الْفضل عِيَاض وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ جميل الصُّورَة أَبيض اللَّوْن حسن الثِّيَاب فصيح اللِّسَان قَادِرًا على الْكَلَام لَا يناظره أحد إِلَّا أَفْحَمَهُ حَتَّى كَأَن مواقع الْحجَج من الْكتاب وَالسّنة مَوْضُوعَة على طرف لِسَانه وَكَانَ مَعَ ذَلِك حَلِيمًا صبورا عطوفا يحسن إِلَى من يُؤْذِيه ويحلم عَمَّن يسفه عَلَيْهِ برا باليتامى وَالْمَسَاكِين رحِيما بهم يجلس حَيْثُ أمكنه الْجُلُوس من الْأَسْوَاق والطرقات ويحض النَّاس على الصَّدَقَة وَيَأْتِي بِمَا جَاءَ فِي فَضلهَا من الْآيَات والْآثَار فتنثال عَلَيْهِ من كل جَانب فيفرقها على الْمَسَاكِين وينصرف وَكَانَ لَهُ مَعَ الله تَعَالَى فِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ عقد أكيد ومقام حميد قد ظهر أَثَره على روضته الْمُبَارَكَة بعد وَفَاته حدث أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الخزرجي قَالَ بَعَثَنِي أَبُو الْوَلِيد بن رشد من قرطبة وَقَالَ لي إِذا رَأَيْت أَبَا الْعَبَّاس السبتي بمراكش فَانْظُر مذْهبه واعلمني بِهِ قَالَ فَجَلَست مَعَ السبتي كثيرا إِلَى أَن حصلت على مذْهبه فأعلمته بذلك فَقَالَ لي أَبُو الْوَلِيد هَذَا رجل مذْهبه أَن الْوُجُود ينفعل بالجود وَقَالَ الْوَزير ابْن الْخَطِيب كَانَ سَيِّدي أَبُو الْعَبَّاس السبتي ﵁ مَقْصُودا فِي حَيَاته مستغاثا بِهِ فِي الأزمات وحاله من أعظم الْآيَات الخارقة للْعَادَة ومبنى أمره على انفعال الْعَالم عَن الْجُود وَكَونه حِكْمَة فِي تأثر الْوُجُود لَهُ فِي ذَلِك أَخْبَار ذائعة وأمثال باهرة

стр. 488

وَلما توفّي ظهر هَذَا الْأَثر على تربته وانسحبت على مَكَانَهُ عَادَة حَيَاته وَوَقع الْإِجْمَاع على تَسْلِيم هَذِه الدَّعْوَى وتخطى النَّاس مُبَاشرَة قَبره بِالصَّدَقَةِ إِلَى بعثها لَهُ من أماكنهم على بعد المدى وَانْقِطَاع الْأَمَاكِن القصى تحملهم أَجْنِحَة نياتهم فَتَهْوِي إِلَيْهِ بمقاصدهم من كل فج عميق فيجدون الثَّمَرَة الْمَعْرُوفَة والكرامة الْمَشْهُورَة وَفِي سنة عشر وسِتمِائَة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب والأندلس وَفِي سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السّلمِيّ البلفيقي يَنْتَهِي نسبه إِلَى الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ صَاحب رَسُول الله ﷺ كَانَ أَبُو إِسْحَاق ﵀ من كبار الْعلمَاء العاملين والزهد الْمُحَقِّقين مثابرا على الِاجْتِهَاد والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى وَظَهَرت عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ المرية من عدوة الأندلس كرامات وَاجْتمعَ عَلَيْهِ خلق كثير وشاع ذكره هُنَالك فوشوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَة صَاحب مراكش وَهُوَ يُوسُف الْمُنْتَصر الموحدي فَكتب إِلَى عَامله على المرية يَأْمُرهُ بتوجيهه الشَّيْخ أبي إِسْحَاق مكرما غير مروع وَلما عزم الْعَامِل على تَوْجِيهه قَامَ الْعَامَّة والأتباع دون الشَّيْخ وَأَرَادُوا أَن يحولوا بَينه وَبَين الْعَامِل فَقَالَ لَهُم الشَّيْخ طَاعَة السُّلْطَان وَاجِبَة وَلما انْتهى إِلَى مراكش وَدخل على الْمُنْتَصر هابه وجله وَنَدم على مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ ثمَّ بَالغ فِي إكرامه وَبعد ذَلِك مرض الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَتُوفِّي فِي السّنة الْمَذْكُورَة واحتفل النَّاس لجنازته وحضرها الْأُمَرَاء والكبراء وَكسر الْعَامَّة نعشه واقتسموا أعواده تبركا بِهِ وقبره مَشْهُور بمراكش بسوق الدَّقِيق مِنْهَا وبقرب ضريحه مَسْجِد جَامع ينْسب إِلَيْهِ والعامة تَقول جَامع سَيِّدي إِسْحَاق بِدُونِ لفظ الكنية وَلَيْسَ كَذَلِك وَفِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة كَانَ الْجَرَاد والقحط والغلاء الشَّديد بالمغرب وفيهَا ألف الْفَقِيه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يحيى التادلي المراكشي الدَّار عرف بِابْن الزيات كِتَابه الْمُسَمّى بالتشوف إِلَى رجال التصوف وَذكر

стр. 489

فِيهِ أَنه لم يتَعَرَّض لذكر أحد من أَوْلِيَاء زَمَانه الْأَحْيَاء غير أَنه ذكر أَن من جملَة أَوْلِيَاء زَمَانه الَّذين كَانُوا قيد الْحَيَاة الشَّيْخ الصَّالح الصُّوفِي أَبَا مُحَمَّد صَالح بن ينضارن بن عفيان الدكالي ثمَّ الماجري نزيل ربط آسفي قَالَ وَهُوَ الْآن يفتر من الْجِهَاد والمحافظة على المواصلة والأوراد وَمن كَلَامه الْفَقِير لَيْسَ لَهُ نِهَايَة إِلَّا الْمَوْت قَالَ وحَدثني عَنهُ تلامذته بعجائب من الكرامات وَالْكَلَام على الخواطر وَهُوَ على سنَن الْمَشَايِخ الأول ﵁ وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ وَقيل فِيمَا بعد إِلَى سنة خمس وَعشْرين وَتُوفِّي ﵁ شَهِيدا بجبل الْعلم من جبال غمارة وقبره هُنَاكَ مَشْهُور من أعظم مزارات الْمغرب وَكَانَ سَبَب شَهَادَته أَن مُحَمَّدًا بن أبي الطواجين الكتامي كَانَ قد ثار بِتِلْكَ الْبِلَاد وَانْتَحَلَ صناعَة الكيمياء ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة حَسْبَمَا سلف وَتَبعهُ على ضلالته طغاة غمارة والبربر فَكَانَ عَدو الله يغص بمَكَان الشَّيْخ ﵁ لما آتَاهُ الله من شرف التَّقْوَى والاستقامة الْمُؤَيد بشرف النّسَب الصميم والعنصر الْكَرِيم فسول لَهُ الشَّيْطَان أَنه لَا يتم أَمر مخرقته فِي تِلْكَ النَّاحِيَة إِلَّا بقتل الشَّيْخ فَدس لَهُ جمَاعَة من أَتْبَاعه وأشياعه فرصدوا الشَّيْخ حَتَّى نزل من خلوته فِي سحر من الأسحار إِلَى عين هُنَالك قرب الْجَبَل الْمَذْكُور فَتَوَضَّأ مِنْهَا وَولى رَاجعا إِلَى مَحل عِبَادَته وارتقاب فجره فعدوا عَلَيْهِ وقتلوه وَمن الشَّائِع أَنه ألقِي عَلَيْهِم ضباب كثيف أضلهم عَن الطَّرِيق ودفعوا إِلَى شَوَاهِق تردوا مِنْهَا فِي مهاوي سحيقة تمزقت فِيهَا أشلاؤهم وَلم يرجع مِنْهُم خبر وَالشَّيْخ عبد السَّلَام هَذَا هُوَ ابْن مشيش بن أبي بكر بن عَليّ بن حُرْمَة بن عِيسَى بن سَلام بتَشْديد اللَّام بن مزوار بِفَتْح الْمِيم وبالراء الْمُهْملَة أخيرا ابْن حيدرة واسْمه عَليّ بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم

стр. 490

وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا استأسد الْعَدو الْكَافِر على الْمُسلمين بالأندلس وتوالت لَهُ عَلَيْهِم الهزائم بمواضع مُتعَدِّدَة وَاسْتولى على كثير من الْحُصُون واستلحم مِنْهُم عدَّة أُلُوف حَتَّى خلت الْمَسَاجِد والأسواق وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة اشْتَدَّ الغلاء بالمغرب والأندلس حَتَّى بيع القفيز من الْقَمْح بِخَمْسَة عشرَة دِينَارا وَعم الْجَرَاد بِلَاد الْمغرب وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة كَانَ السَّيْل الْعَظِيم بفاس هدم من سورها القبلي نَحْو مسافتين وَهدم من جَامع الأندلس ثَلَاثَة بلاطات وَهدم دورا كَثِيرَة وفنادق مُتعَدِّدَة من عدوة الأندلس وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة كَانَ الغلاء بِبِلَاد الْمغرب وَكثر بهَا الْجُوع والوباء حَتَّى بلغ القفيز من الْقَمْح ثَمَانِينَ دِينَارا وخلت الْأَمْصَار من أَهلهَا وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عاود الغلاء والوباء أَرض الْمغرب فَأكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ يدْفن فِي الحفير الْوَاحِد الْمِائَة من النَّاس وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقع الْحَرِيق بأسواق فاس فاحترقت حارة بَاب السلسلة بأسرها إِلَى حمام الرحبة وَبِاللَّهِ تَعَالَى الْعِصْمَة والتوفيق

стр. 491

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الدولة المرينية الْخَبَر عَن دولة بني مرين مُلُوك فاس وَالْمغْرب وَذكر أوليتهم وأصلهم اعْلَم أَن الْعَلامَة الرئيس أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون ﵀ قسم جبل زناتة إِلَى طبقتين الطَّبَقَة الأولى هِيَ الَّتِي كَانَ مِنْهَا مغراوة مُلُوك فاس وَبَنُو يفرن مُلُوك سلا وَقد تقدم الْكَلَام على دولتهم مُسْتَوفى والطبقة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي كَانَ مِنْهُم بَنو عبد الواد مُلُوك تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَبَنُو مرين مُلُوك فاس وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَهَؤُلَاء هم الَّذين تعلق الْغَرَض الْآن بذكرهم فَاعْلَم أَن جبل زناتة فِي الْمغرب كَمَا قَالَ الرئيس الْمَذْكُور جبل قديم مَعْرُوف الْعين والأثر وهم لهَذَا الْعَهْد آخذون من شعار الْعَرَب فِي سُكْنى الْخيام واتخاذ الْإِبِل وركوب الْخَيل والتقلب فِي الأَرْض وإيلاف الرحلتين وتخطف النَّاس من الْعمرَان والإباية من الانقياد إِلَى النصفة وشعارهم من بَين البربر اللُّغَة الَّتِي يتراطنون بهَا وَهِي مشتهرة بنوعها عَن سَائِر رطانة البربر ومواطنهم فِي سَائِر مَوَاطِن البربر بإفريقية وَالْمغْرب فَمنهمْ بِبِلَاد النخيل مَا بَين غدامس والسوس الْأَقْصَى حَتَّى أَن عَامَّة تِلْكَ الْقرى الجريدية بالصحراء مِنْهُم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي إفريقية وبجبل أوراس بقايا مِنْهُم سكنوا مَعَ الْعَرَب الهلاليين لهَذَا الْعَهْد وأذعنوا لحكمهم وَالْأَكْثَر مِنْهُم بالمغرب الْأَوْسَط حَتَّى أَنه ينْسب إِلَيْهِم وَيعرف بهم فَيُقَال وَطن زناته وَمِنْهُم بالمغرب الْأَقْصَى أُمَم أخر وَكَانَ بَنو مرين مِنْهُم قبل استيلائهم على ملك الْمغرب أَحيَاء ظواعن بمجالات الْفقر من فيجج إِلَى

стр. 492

سجلماسة إِلَى ملوية وَرُبمَا يخطون فِي ظعنهم إِلَى بِلَاد الزاب وَيذكر نسابتهم أَن الرياسة كَانَت فيهم فِي تِلْكَ العصور لمُحَمد بن ورزيز بن فكوس بن كرماط بن مرين ومرين يتَّصل نسبه بزانا بن يحيى أبي الجيل وَكَانَ لمُحَمد الْمَذْكُور سَبْعَة من الْوَلَد اثْنَان مِنْهُم شقيقان وهم حمامة وعسكر وَخَمْسَة أَبنَاء علات وَكَانَ يُقَال لَهُم بِلِسَان زناتة تيربعين وَمَعْنَاهُ الْجَمَاعَة ويزعمون أَن مُحَمَّد بن ورزيز لما هلك قَامَ بأَمْره من قومه ابْنه حمامة بن مُحَمَّد وَكَانَ الْأَكْبَر من وَلَده ثمَّ من بعده شقيقه عَسْكَر بن مُحَمَّد ثمَّ من بعده ابْنه المخضب بن عَسْكَر وَهلك سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فِي بعض الحروب الَّتِي كَانَت بَين عبد الْمُؤمن والمرابطين ثمَّ قَامَ بِأَمْر بني مرين بعد المخضب ابْن عَمه أَبُو بكر بن حَمَاقَة بن مُحَمَّد إِلَى أَن هلك فَقَامَ بأمرهم ابْنه أَبُو خَالِد محيو بن أبي بكر وَلم يزل مُطَاعًا فيهم إِلَى أَن استنفرهم يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى غَزْوَة الأرك بالأندلس فشهدوها وأبلوا فِيهَا الْبلَاء الْحسن وأصابت محيو بن أبي بكر يَوْمئِذٍ جراحات هلك مِنْهَا بصحراء الزاب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من رياسة عبد الْحق ابْنه من بعده وبقائها فِي عقبَة مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله الْخَبَر عَن دُخُول بني مرين أَرض الْمغرب الْأَقْصَى واستيلائهم عَلَيْهِ وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَانَ السَّبَب فِي دُخُول بني مرين لهَذَا الْقطر المغربي أَنه لما كَانَت وقْعَة الْعقَاب بالأندلس سنة تسع وسِتمِائَة وَهزمَ النَّاصِر وَهلك الْجُمْهُور من حامية الْمغرب ورعاياه حَتَّى خلت الْبِلَاد من أَهلهَا ثمَّ حدث عقب ذَلِك الوباء الْعَظِيم الَّذِي تحيف النَّاس إِلَّا قَلِيلا وَهلك النَّاصِر سنة عشر بعْدهَا فَبَايع

стр. 493

الموحدون ابْنه يُوسُف الْمُنْتَصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ صبي حدث لَا يحسن التَّدْبِير وشغلته مَعَ ذَلِك أَحْوَال الصِّبَا ولذات الْملك عَن الْقيام بِأَمْر الرّعية فتضافرت هَذِه الْأَسْبَاب على الدولة الموحدية فأضعفتها لحينها وأمرضتها الْمَرَض الَّذِي كَانَ سَببا لحينها وَكَانَ بَنو مرين يَوْمئِذٍ موطنين بِبِلَاد الْقبْلَة من زاب إفريقية إِلَى سجلماسة يتنقلون فِي تِلْكَ القفار والصحارى لَا يدْخلُونَ تَحت حكم سُلْطَان وَلَا تنالهم الدولة بهضيمة وَلَا يؤدون إِلَيْهَا ضريبة كَثِيرَة وَلَا قَليلَة وَلَا يعْرفُونَ تِجَارَة وَلَا حرثا إِنَّمَا شغلهمْ الصَّيْد وطراد الْخَيل والغارات على أَطْرَاف الْبِلَاد وَكَانَت طَائِفَة مِنْهُم ينتجعون تخوم الْمغرب وتلوله زمَان الرّبيع والصيف فيكتالون من أَطْرَاف الْبِلَاد مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْميرَة ويرعون فِيهَا تِلْكَ الْمدَّة أنعامهم وشاءهم حَتَّى إِذا أقبل فصل الشتَاء اجْتمع نجعهم بأكرسيف ثمَّ شدوا الرحلة إِلَى بِلَادهمْ فَكَانَ ذَلِك دأبهم على مر السنين فَلَمَّا كَانَت سنة عشر وسِتمِائَة أقبل نجعهم على عَادَته للارتفاق والمبرة حَتَّى إِذا أطلوا على الْمغرب من ثناياه ألفوه قد تبدلت أَحْوَاله وبادت خيله وَرِجَاله وفنيت حماته وأبطاله وعريت من أَهله أوطانه وخف مِنْهَا سكانه وقطانه ووجدوا الْبِلَاد مَعَ ذَلِك طيبَة المنبت خصيبة المرعى غزيرة المَاء وَاسِعَة الأكناف فسيحة الْمزَارِع متوفرة العشب لقلَّة راعيها مخضرة التلول والربى لعدم غاشيها فأقاموا بمكانهم وبعثوا إِلَى إخْوَانهمْ فَأَخْبرُوهُمْ بِحَال الْبِلَاد وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الخصب والأمن وَعدم المحامي والمدافع فاغتنموا الفرصة وَأَقْبلُوا مُسْرِعين بنجعهم وحللهم وانتشروا فِي نواحي الْمغرب وأوجفوا عَلَيْهَا بخيلهم وركابهم واكتسحوا بالغارات والنهب بسيطها ولجأت الرعايا إِلَى حصونها ومعاقلها وَتمّ لَهُم مَا أَرَادوا من الِاسْتِيلَاء على بسيط الْمغرب وسهله وانتجاع مواقع طله ووبله الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن محيو المريني ﵀ لما دخل بَنو مرين الْمغرب كَانَ الْأَمِير عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ عبد الْحق بن

стр. 494

محبو بن أبي بكر بن حمامة بن مُحَمَّد المريني فَكثر عيثهم وضررهم بالمغرب وأعضل داؤهم وتضاعف على الرّعية بلاؤهم فَرفعت الشكايات بهم إِلَى الْخَلِيفَة بمراكش وَهُوَ يَوْمئِذٍ يُوسُف الْمُنْتَصر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور فَجهز لَهُم جَيْشًا كثيفا من عشْرين ألفا وَعقد عَلَيْهِ لأبي عَليّ بن وانودين وَكتب لَهُ إِلَى صَاحب فاس السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ مَعَه لغزو بني مرين والإثخان فيهم وَعدم الْإِبْقَاء عَلَيْهِم مهما قدر على ذَلِك واتصل الْخَبَر ببني مرين وهم فِي جِهَات الرِّيف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم وعيالهم بحصن تازوطا من أَرض الرِّيف وصمدوا إِلَى الْمُوَحِّدين فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي نكور فَكَانَ الظُّهُور لبني مرين على الْمُوَحِّدين فهزموهم وقتلوهم وامتلأت الْأَيْدِي من أسلابهم وأمتعتهم وَرجع الموحدون إِلَى فاس يخصفون عَلَيْهِم من ورق النَّبَات الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْمغرب بالمشعلة لِكَثْرَة الخصب يَوْمئِذٍ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلي فسميت تِلْكَ السّنة يَوْمئِذٍ بعام المشعلة وَهِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة ثمَّ زحف الْأَمِير عبد الْحق فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة بجموع بني مرين إِلَى رِبَاط تازة حَتَّى وقف بِإِزَاءِ زيتونها فَخرج عاملها لحربه فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَالْعرب والحشد من قبائل تسول ومكناسة وَغَيرهم فقتلت بَنو مرين الْعَامِل الْمَذْكُور وهزموا جيوشه وَجمع عبد الْحق الأسلاب وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَقسم ذَلِك كُله فِي قبائل بني مرين وَلم يمسك مِنْهَا لنَفسِهِ شَيْئا وَقَالَ لِبَنِيهِ إيَّاكُمْ أَن تَأْخُذُوا من هَذِه الْغَنَائِم شَيْئا فَإِنَّهُ يكفيكم مِنْهَا الثَّنَاء والظهور على أعدائكم

стр. 495

حَرْب بني مرين مَعَ عرب ريَاح ومقتل الْأَمِير عبد الْحق ﵀ لما انتصر بَنو مرين على أعدائهم الْمُوَحِّدين حصل فِي نفوس بني عَسْكَر بن مُحَمَّد من عشيرتهم نفاسة عَلَيْهِم وَضَاقَتْ صُدُورهمْ من اسْتِقْلَال بني عمهم حمامة بن مُحَمَّد بالرياسة دونهم فخالفوا الْأَمِير عبد الْحق وعشيرته إِلَى مُظَاهرَة الْمُوَحِّدين وأوليائهم من عرب ريَاح وَكَانَت ريَاح يَوْمئِذٍ أَشد قبائل الْمغرب قُوَّة وَأَقْوَاهُمْ شَوْكَة وَأَكْثَرهم خيلا ورجالا لحدوث عَهدهم بالعز والبداوة فأغراهم الموحدون يَوْمئِذٍ ببني مرين لينتصفوا لَهُم مِنْهُم واتفقت كلمتهم عَلَيْهِم وَسمعت بَنو مرين بإقبال الْعَرَب والموحدين وَبني عَسْكَر إِلَيْهِم فَاجْتمعُوا إِلَى أَمِيرهمْ عبد الْحق فَقَالُوا لَهُ مَا ترى فِي أَمر هَؤُلَاءِ الْعَرَب المقبلين إِلَيْنَا فَقَالَ يَا معشر مرين أما مَا دمتم فِي أَمركُم مُجْتَمعين وَفِي آرائكم متفقين وكنتم على حَرْب عَدوكُمْ أعوانا وَفِي ذَات الله إخْوَانًا فَلَا أخْشَى أَن ألْقى بكم جَمِيع أهل الْمغرب وَإِن اخْتلفت أهواؤكم وتشتت آراؤكم ظفر بكم عَدوكُمْ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا نجدد لَك الْآن بيعَة على السّمع وَالطَّاعَة وَأَن لَا نَخْتَلِف عَلَيْك وَلَا نفر عَنْك أَو نموت دُونك فانهض بِنَا إِلَيْهِم على بركَة الله فَنَهَضَ الْأَمِير عبد الْحق فِي جموع بني مرين فَكَانَ اللِّقَاء بمقربة من وَادي سبو على أَمْيَال من تافرطاست فَكَانَت بَينهم حَرْب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا وَقتل فِيهَا الْأَمِير عبد الْحق وكبير أَوْلَاده إِدْرِيس وَلما رَأَيْت بَنو مرين مَا وَقع بأميرها وَابْنه حميت وغضبت وَأَقْسَمت بأيمانها أَن لَا يدْفن حَتَّى يَأْخُذُوا بثاره فصمموا الْعَزْم لقِتَال ريَاح واستأنفوا الْجد لقراعهم وصبروا صبرا جميلا فنصرهم الله على عدوهم فهزموا رياحا وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وشردوهم فِي الشعاب والأودية ورؤوس الهضاب واحتووا على مَا كَانَ فِي محلتهم من السِّلَاح وَالْخَيْل والأثاث وَقَامَ بِأَمْر بني مرين بعد هَلَاك عبد الْحق ابْنه عُثْمَان على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
следующие страницы →