← История

История · id 6640

تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر = تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى

الوزير الحسني

Полный текст (319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرَّسُول بعد أَيَّام بهدية مضاعفة وتحف مرادفة وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء منسلخ ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير الْكَبِير الصَّدْر الشهير النَّاصِر بن عبد الرب بن عَليّ بن شمس الدّين ملك كوكبان وحافظ حوزته فِي ذَلِك الأوان وَهُوَ فرع من تِلْكَ الدوحة المتوكلية وشعاع مُتَّصِل بِتِلْكَ الهالة الشمسية (وَابْن الأولى غير زجر الْخَيل مَا عرفُوا ... إِذْ تعرف الْعَرَب زجر الشاو والعكر) (جمال ذِي الأَرْض كَانُوا فِي الْحَيَاة وهم ... بعد الْوَفَاة جمال الْكتب وَالسير) كَانَت مخاليف الْيمن بِحُدُودِهِ تَحت رسم آبَائِهِ وجدوده تلقاها المطهر من أَبِيه الأطهر فرقم ملكه على صفحاتها بِلِسَان السَّيْف الأبتر (وَمَا تقر سيوف فِي ممالكها ... حَتَّى يقلقل دهرا قبل فِي القلل ( كرد عَنْهَا أُمَرَاء الأتراك بِكُل ملحمة بلغت بهَا سيول الدِّمَاء إِلَى كَعْب الشرَاك حَتَّى طهر مِنْهُم كل رستاق وأذاق شجعانهم السم الزعاق وَمَا خلا عَن طرف من الْعرْفَان الْمَنْسُوب إِلَى أَخَوَيْهِ فَخر الدّين عبد الله الرِّضَا وجمال الدّين عَليّ المرتضى ولكنهما تربعا فِي كرْسِي مملكة المعارف ولبسا من قمص التَّحْقِيق جميل المطارف وَمن وقف على مَا دَار بَينهمَا فِي الْجَواب عَن معنى قَوْله ﷺ أَنا مَدِينَة الْعلم وعَلى بَابهَا تنسم نفحة كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأعلم أَن السلالة النَّبَوِيَّة هم المُرَاد بقول الصَّادِق الْأمين لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق ظَاهِرين واختص جمال الْهدى باقتناه السِّرّ العرفاني وسمت ذَاته إِلَى إرتفاع التجرد عَن حضيض هَذَا الْعَالم الفاني وَلما انْقَضى دور الدولة المطهرية المطهرة تلعب من بعده وَبعد أَخِيه الْملك

стр. 142

شمس الدّين بالمملكة تلعب الصولجان بالكرة وفاتهم ضم النشر وَجمع الْأَمر فَفَاضَتْ روح مملكتهم إِلَى جَسَد الإشتراك واستحكمت الأتباع على أَمرهم حَتَّى سقط إِلَى ايدي الأتراك وأشخص مِنْهُم إِلَى الأروام من نفذت عَلَيْهِ أَحْكَام وصرفت بإمتحان أَقْلَام ثمَّ لما إستحكمت وَطْأَة الدولة المنصورية والعصابة القاسمية كَانَ أهل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ روحين فِي جثمان وجوادين فِي مقبض عنان فانضمت أَيْديهم على ملك كوكبان فَأمروا فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ ونهو عَن الْعِصْيَان وقسموا بِالسَّوِيَّةِ وَعدلُوا فِي الرّعية وَمَا زَالَ الْأَمِير مِنْهُم يقفوا الْأَمِير والخطير الْمِقْدَار يتبع الخطير (نُجُوم سَمَاء كلما إنقض كَوْكَب ... بدى كَوْكَب تاوى إِلَيْهِ كواكبه) وهم الْآن درة تَاج مجد باذخ وعصابة دَائِرَة بهامة ذَلِك الْعلم الشامخ فيهم البلغاء وَالْعُلَمَاء والعباد والكرماء وَلما انْقَضى حِسَاب الْأَمِير النَّاصِر طلع تَحْتَهُ وَلَده الْأَمِير عبد الْقَادِر نجيب الْأَفْعَال مُنْقَطع الأشكال وَدخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف فِي نصف محرمها توفّي حَاكم صنعاء الْيمن القَاضِي الْعَارِف شرف الدّين الْحُسَيْن بن يحيى السحولي وَدفن إِلَى جنب أَخِيه بالتربة الَّتِي تجمعهم بِبَاب الْيمن وضيعة المحاريق ملاصقة لمسجدهم وَفِي هَذِه السّنة كَانَ من صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام إبتدأ شعار يَوْم الغدير ثامن عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام بنشر الْأَعْلَام وسل المشطب الحسام وَمد الحراب وأشراعها على الرّقاب وَلما وصل الصفي إِلَى حَضْرَة الإِمَام وَهُوَ بجبور إجتمعا على هَذَا الشعار فَقَامَ بِهِ للشيعة شنار وَجَاء الْخَبَر مَعَ حَاج الْيمن أَن عنزة إنتهبوا الركب الشَّامي وهزموا أَمِيرهمْ وأسروا وَلَده وَهُوَ صَغِير السن فتفاداه مِنْهُم بِمَال جزيل وَأما أَمِير حَاج الْيمن فَأن الحرامية تلقوهُ فِي رُجُوعه وَقتلُوا من عسكره أَرْبَعَة أَنْفَار وَمن

стр. 143

الْحجَّاج رجلا بِسَبَب تَقْصِيره فِيمَا يعتادونه وَقت دُخُوله وَحج الْعرَاق حج على أتم الْأَحْوَال بِسُكُون فتْنَة أَحْمد بن الْحَارِث كَمَا تقدم وَلما وصل أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ الْمَدِينَة رَاجعا تلقى فرمان الْعَزْل فانعزل وَسلم الْأَمر وامتثل وفيهَا بِبِلَاد صنعاء ظَهرت دود خضر وسود فمنعت الإنبات وأكلت النَّبَات وَظَهَرت الدبا بالتهايم والسهول من الرمل وَفِي صفرها عزل صَاحب مصر الباشا بسواكن والباشا النَّائِب بالمسوع وجدد أَعنِي صَاحب مصر هَذَا الْعَام مقَام الشَّافِعِي وَأصْلح خللا فِيهِ وَفِي ربيع الأول كثر الْجَرَاد بتهامة فَأَتَت على أَكثر الزرايع وَفِي شهر ربيع كَانَ الْقرَان الألفي وَهُوَ قرَان المُشْتَرِي وزحل فِي برج الْقوس وَهُوَ الْقرَان الأول من الدّور الْخَامِس عشر كَمَا أجمع عَلَيْهِ الْحُكَمَاء وَله عِنْدهم أَحْكَام وَفِي هَذَا الْعَام لم يدْخل إِلَى بندر المخا غير يسير من البن بِسَبَب فتْنَة الفرنج الْمُتَقَدّمَة وفيهَا سَار مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام إِلَى الْإِصْلَاح بَين قبائل ذيبان وعيال عبد الله وَكَانَ الشَّرّ قد نشب بعد وُصُوله بَين أهل الرجو وَبَعض أهل الْبِلَاد بِسَبَب ضَربهمْ الطبل فِي بِلَاد الرجو ثمَّ زَالَ الإنضراب وَسكت الْكل وأنسد بَاب وفيهَا وَقع حَرْب فِي عنس ومذحج وَقتل مِنْهُم قدر الْعشْرَة وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة هرب الشَّيْخ الْجيد من حبس ضوران إِلَى بِلَاده وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة أَحْمد بن الْحسن شيخ يُقَال لَهُ الجميلي وبلاده يُقَال لَهَا البديع متوسطة بَين الدواسر وَبَين الأحساء وَولَايَة بِلَاده منسوبة إِلَى الشريف صَاحب مَكَّة فِي

стр. 144

الْجُمْلَة فَأكْرمه وَعَاد بِلَاده وَمَعَهُ خطيب إستدعاه الْمَذْكُور فَلَمَّا إستقر ببلاده خطب للْإِمَام جُمُعَة أَو جمعتين ثمَّ عَاد الْخَطِيب وَلم يتم ذَلِك التَّرْتِيب وَلما قبض عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام جانبا من بِلَاد وَلَده يحيى أَخذ بِطرف من أَعمال الْجند وَأذن لأهل النّوبَة بالإنصراف فَسَارُوا إِلَى حَضْرَة عَمه صفي الْإِسْلَام فَأَمرهمْ بالإستمرار على عهدتها مَعَه فَضربت فِي هَذَا الْعَام واشتاقت إِلَيْهَا نفوس الْعَوام لما يسمعونه عَن أهل الْأَسْنَان الْعَالِيَة المشاهدين لدولة الأروام وَلم يكن قصد عز الْإِسْلَام غير زحلفتها من بَاب وَلَده لتلقيها وأربابها جملا وافرة من مدده مَعَ كرمه الْمَشْهُور على صفحات الدهور فَلَمَّا تمّ لَهُ مُرَاده وغفل عَنْهَا عماده أَمر فَضربت بَين يَدَيْهِ وضوعفت أَسبَابهَا وأقيم أَرْبَابهَا وَقد تَركهَا الإِمَام الْأَعْظَم صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن عَليّ تضرب بَين يَدَيْهِ وَتعرض فِي كل عرضة عَلَيْهِ بعد أَن قبضهَا على الشريف إِدْرِيس وَالْجَوَاب عَن فعلهَا وَنَحْو ذَلِك من القدوحات الَّتِي غلت بهَا أَفْئِدَة الباغضين وهمهمت بهَا أَفْوَاه المتأكلين كَفعل الدواة الْمَحَلِّيَّة والمحضرة وإسدال الْحجاب بعض الأحيان وَنَحْو ذَلِك مَبْسُوط فِي كَرِيمَة العناصر فِي الذب عَن سيرة الإِمَام النَّاصِر وَغَيرهَا من كتب مَوْلَانَا الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ المرتضى إنتزاع ظفار من يَد الْأَمِير خلف وَفِي آخر شهر رَجَب إختلف الْأَمر على خلف وإضطراب وَهُوَ الْأَمِير على ظفار من جِهَة الْعمانِي الْمُسَمّى سُلْطَان بن

стр. 145

سيف فَإِن آل كثير مَا زَالَ ذَلِك المعقل شجا فِي حُلُوقهمْ وَرَايَة سَوْدَاء فِي سوقهم لِأَنَّهُ نَازل من حَضرمَوْت وعمان منزلَة الْوَاسِطَة من عقد الجمان فهم يرَوْنَ أَن خلفا تطفل على ظفار ويتناشدون فِي مجَالِس السمار (قدر أحلك ذَا الْمجَاز وقدرى ... وأبى مَالك ذُو الْمجَاز بدار) فَشُنُّوا الغارات على خلف وَكَاد أَن يَذُوق مرَارَة التّلف وَقتلُوا من أَصْحَابه زهاء أَرْبَعِينَ وَكَانَ أرسلهم لإستنجاز مطَالب وَقَضَاء مأرب فَلَمَّا رأى خلف أَن الْفِرَار نِهَايَة الملاذ وَأَن قراة إمارته صحت من الشواذ هرب إِلَى حَيْثُ يجد الإعتصام وخدمت ضَمِيره جوَار فِي الْبَحْر كالأعلام فَأصْبح أثرا بعد عين وَلم يتْرك بظفار غير مدفعين فَدَخلَهَا السُّلْطَان مُحَمَّد بن جَعْفَر الكثيري وَبدل قوانينها وَالْأَحْكَام وحول الْخطْبَة بهَا للْإِمَام وَلما سك هَذَا الْخَبَر مسمع الْعمانِي وَكسر من سُورَة نَصبه التحتاني شمخ أَنفه وتشاوس طرفه وَقَالَ لم نبعث أَمِير إِلَى ذَلِك الصقع الحقير إِلَّا تَلْبِيَة الدَّاعِي آل كثير وإشالة بضبع من عدم النصير وَإِلَّا نَحن فِي غنية عَن تِلْكَ الْبِلَاد بمملكتنا الوافرة ودولتنا الْقَاهِرَة وَأما أميرنا خلف فَلهُ عَن هَذَا الْألف المركوز خلف وَهُوَ متبر عَنهُ من المبادي ولسان حَاله يُنَادي (فيا برق لَيْسَ الكرخ دَاري وَإِنَّمَا ... رماني إِلَيْهِ الدَّهْر مُنْذُ ليَالِي) إِلَى كَلَام يمِيل بِهِ الحيداء وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ يتنفس الصعداء وَفِي أول فصل الصَّيف من هَذِه السّنة حصل غيم ومطر طبق جَزِيرَة الْيمن

стр. 146

فِي شَرق وَغرب وقبلة وعدن واتصل كَذَلِك بِشَهْر رَجَب وَشَعْبَان فَمن الزرايع مَا بَطل لِكَثْرَة الْمَطَر وَمِنْهَا مَا أثمر وَهُوَ الْأَكْثَر وَهَبَطَ السّعر عِنْد جذ الثِّمَار حَتَّى بلغ سعر الْقدح إِلَى عشرَة كبار وَفِي شعْبَان حصلت غوائر مَا بَين بِلَاد خِيَار ووادعة الظَّاهِر فَقتل سَبْعَة أَنْفَار من الْجَانِبَيْنِ فأدبهم الإِمَام وارتفع ذَلِك الْخِصَام وَفِي رَمَضَان احتال الهيثمي لِلْخُرُوجِ من حبس كوكبان فتم لَهُ الْخُرُوج لَكِن شعر بِهِ أهل الأهجر فِي الطَّرِيق فاعادوه وضوعف عَلَيْهِ التَّضْيِيق وفيهَا توفّي حَاكم ذمار القَاضِي الفقهي المبرز فِي قَوَاعِد الْفِقْه والفرائض مُحَمَّد بن صَلَاح الفلكي وَكَانَ لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم الهندسة والمساحة مَعَ دماثة أَخْلَاق وَحسن عبارَة ولطف مساق وَللسَّيِّد صفي الدّين أَحْمد بن الْحُسَيْن ﵀ فِي تَارِيخ وَفَاته

стр. 147

وَفِي شَوَّال طلع عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن من الْيمن الْأَسْفَل إِلَى ذمار ثمَّ إِلَى ضوران فقر بِالْإِمَامِ ناظرة وأشفى بِهِ خاطره ثمَّ توجه إِلَى صنعاء والسعود ناظره إِلَيْهِ وَرَايَة الإقبال خافقة عَلَيْهِ وَلما انهمك النَّاس فِي الطّلب وَاخْتَلَطَ على الإِمَام حَال ذَوي الإستحقاق وإضطرب أَمر الْعمَّال بِعرْض التحاويل وَهُوَ نظر دَقِيق من هَذَا الإِمَام الْجَلِيل وَفِي هَذَا الْعَام أتفق أَن حَاكم بِلَاد بعدان تنَازع إِلَيْهِ خصمان فَبعد تَقْرِير الْأَمر بَين يَدَيْهِ رغمت أنف أَحدهمَا بعد الحكم عَلَيْهِ فثارت حرارته وهاجت مرارته ففتك بالحاكم وَقتل بعده بِالْقصاصِ اللَّازِم وَفِي هَذِه الْمدَّة توالت الْفِتَن بَين بني حُذَيْفَة وسحار من بِلَاد صعدة فَسَار إِلَيْهِم جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد بن الإِمَام فاستاق أَشْيَاء من مَوَاشِيهمْ على جِهَة التَّأْدِيب وفيهَا كتب الإِمَام إِلَى سُلْطَان الْعَجم عَبَّاس شاه على طَرِيق المعاهدة وجلب الالفة فَأجَاب الشاه بِمَا يدعوا إِلَى الصَّفَا ويكمل بِشُرُوط الوفا وَدخلت سنة أَربع وَسبعين وَألف وَفِي نصف محرم مِنْهَا خسف الْقَمَر ببرج الدَّلْو حَتَّى انطمس جرمه وفيهَا سَار الإِمَام من ضوران إِلَى صنعاء وَفِي عيد النَّحْر حصل بعمران حَرْب بَين قبائلها وعيال سريح بِسَبَب دُخُولهمْ إِلَيْهَا بالطبول على مَا جرت بِهِ قَوَاعِد الْقَبَائِل من الآنفة عَن ذَلِك وَذهب فِي الْفَرِيقَيْنِ أَربع نفوس وَكَانَ بهَا يَوْمئِذٍ السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام فَفرق بَين الْفَرِيقَيْنِ وَرفع الْفِتْنَة من الْبَين وَفِي هَذِه الْمدَّة فرض الإِمَام مجبا يُؤْخَذ من أهل البيع وَالشِّرَاء وَضرب

стр. 148

نَاظر الْوَقْف على كل وَاحِد من الجزارين شَيْئا مَعْلُوما وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى ربيع الثَّانِي من سنة سبع وَسبعين وتضرر بِهِ النَّاس فرفعه الإِمَام وَأما النَّاظر فأبقاه لسهولته على النَّاس وَفِي الْعشْرين من جمادي الأولى سَار الإِمَام من رَوْضَة حَاتِم إِلَى الخارد لضيافة إستدعاه لَهَا صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن ثمَّ سَار مِنْهُ إِلَى ناعط ثمَّ خرج إِلَى السودة ثمَّ سَار إِلَى شهارة وَاسْتقر بهَا زَمَانا وفيهَا وصل رجل من الغرب الْأَقْصَى من القيروان وَمِمَّا أخبر بِهِ أَن بعض أُمَرَاء تِلْكَ الْبِلَاد لَهُ مرْآة يرى الْإِنْسَان فِيهَا بَاطِنه كَمَا يرى ظَاهره وَهَذَا لَا يكَاد يصدق بِهِ والعهدة عَلَيْهِ فِيمَا نقل وَفِي رَجَب طلع الْقَمَر فِي برج الدَّلْو خاسفا وَفِي رَجَب توفّي القَاضِي الْعَارِف أَبُو الْقسم بن الصّديق التهامي الضمدي بمحروسة زبيد جعل إِلَيْهِ الإِمَام منصب الْقَضَاء بهَا بعد إرتفاع يَد القَاضِي إِسْحَق بن جغمان وَلما مَاتَ بهَا للتاريخ الْمَذْكُور أُعِيد القَاضِي إِسْحَق إِلَى منصبه وَفِي رَمَضَان جَاءَت الْأَخْبَار أَن الأنقريز إنتهبوا بندر سورت فِي الْهِنْد وَخَرجُوا عَن طَاعَة سلطانهم فتغلبوا على بلدانهم وَفِيه حصل شجار بَين سُفْيَان وسحار بِحَضْرَة الإِمَام بشهارة وأفضى إِلَى تراجم وتراجم فحجز بَينهم عَسْكَر الإِمَام وَفِي شَوَّال مَاتَ الْأَمِير طَالب بن

стр. 149

الْحُسَيْن الجوفي أَمِير بيحان وَتلك الْبلدَانِ استدعى إِلَى صنعاء من أجل قتل بعض قرَابَته ببيحان فَتوفي بهَا وَفِي شَوَّال مَاتَ القَاضِي الْعَالم عَليّ بن سعيد الهبل بعد أَن طعن فِي السن وَذهب بَصَره كَانَ حَاكما بشهارة بتولية الْمُؤَيد بِاللَّه معولا عَلَيْهِ مرجوعا فِي أَكثر القضايا إِلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ إِمَامه إنتقل إِلَى بِلَاده خولان صنعاء وسيقت إِلَيْهِ واجباتها وَلما قضى نظر الإِمَام المتَوَكل على الله بتوليه الْبِلَاد إرتفعت يَد القَاضِي عَن الإصدار والإيراد وتخلف عَنهُ مَا كَانَ ينساق إِلَيْهِ من الأمداد فانتقل بأَهْله إِلَى رَوْضَة حَاتِم وَأدْركَ بهَا حسن الْخَوَاتِم فَهِيَ كَمَا قلته فِي قصيدة (مَا يعدل الرَّوْضَة الْغِنَا وبهجتها ... سوى الْجنان فَلَا تنقص وَلَا تزد) (فنونها نعْمَة للناظرين وَفِي ... أفنانها نعْمَة للطائر الغرد) (أقمارها عانقت أَغْصَانهَا جذلا ... وصافحتها قماراها يَد الْيَد) (والفوج يحمل فِي راحات ساحتها ... مجامر الند فِي الحارات والسدد) (وَالنّهر يمشي الهوينا فِي جداولها ... كَأَنَّهُ الْملك يمشي مشي مقتصد) (يسْقِي قَوَارِير كرم للبياض بدا ... كلؤلؤ بَين منثور ومنتضد) (ورازقيا غَدا فِي كف قاطفه ... كَأَنَّهُ ذهب فِي كف منتقد) ( وَمَات القَاضِي بهَا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَفِي ذِي القعده حصل حَرْب فِي صعفان من بِلَاد حراز بِسَبَب محجر المرعا إختلفت فِيهِ أَحْكَام الْحُكَّام فَأخذ كل فريق بقول إِمَام وأفضى الشجار إِلَى قتل سَبْعَة أَنْفَار فبادر الإِمَام بِالْإِرْسَال عَلَيْهِم وأدبهم بِمُقْتَضى الْحَال

стр. 150

وفيهَا أَمر الإِمَام الشَّيْخ عَامر بن صَلَاح الصايدي بالنزول إِلَى تعز وافتقاد مَا شجر بَين السَّيِّد الْحُسَيْن المحرابي عَامل عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن وَالشَّيْخ رَاجِح الكينعي عَامل الإِمَام بعد أَن قتل فِي الْبَين وَاحِد من أَصْحَاب أحد الرجلَيْن فَنزل إِلَى هُنَاكَ والتأمت بوصوله الْأَحْوَال مَا بَين الرئيسين وفيهَا أَمر الإِمَام بِبِنَاء قصر مَدِينَة عيان وإعادته على مَا كَانَ فِي دولة آل عُثْمَان فناب على عمل عِمَارَته السَّيِّد الرئيس صَالح عقبات وَلما كمل بُنْيَانه وَارْتَفَعت أَرْكَانه على كره من أهل الْبِلَاد لميلهم إِلَى دواعي الْفساد اسْتَقر بِهِ السَّيِّد وَأمر الإِمَام أَن تجمع زكوات خيوان وَغَيره إِلَى ذَلِك الْقصر وَمَا زَالَ السَّيِّد مُسْتَقرًّا بِهِ إِلَى أَن ظهر لَهُ من سُفْيَان مَا يقْضِي بالخدع والعصيان وَلم يكن عِنْده نِصَاب يقطع بِهِ تِلْكَ الْأَسْبَاب فاستعفا الإِمَام عَن الْبَقَاء بعيان وَرفع إِلَيْهِ حَدِيث سُفْيَان فَأَجَابَهُ واستدعاه وَاسْتحْسن مَا رَآهُ وَفِي هَذِه السّنة ساخ جبل فِي جِهَات مدوم من بِلَاد الشّرف وَكَانَ على ظَهره أَمْوَال هَلَكت بهلاكه وَفِي شهر ذِي الْحجَّة ثارت فتْنَة بَين خيوان وَبَين صبارة فِي سُفْيَان وَذهب من الْجَمِيع سَبْعَة أَنْفَار فأدبهم الإِمَام وهدأت نَار حربهم عَن الإضطرام وفيهَا أَو الَّتِي بعْدهَا أحرق الإِمَام كتاب الفصوص لإبن عَرَبِيّ وَهُوَ محيي الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَرَبِيّ الطَّائِي الْحَاتِمِي الأندلسي بِنَاء على أَن مَا فِيهِ كفر بحت وَدخلت سنة خمس وَسبعين وَألف فِي نصف محرمها خسف الْقَمَر فِي برج الدَّلْو

стр. 151

إستيلاء صَاحب الْبَصْرَة على الحسا والقطيف قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن عِيسَى باشا طرد أَبَاهُ وَمَشى فِيمَا يأباه حِين لم يخْفض لَهُ جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَلَا اسْتَفَادَ حِين عدم بر الْوَالِدين دوَام النِّعْمَة وَإِن أَبَاهُ صَمد إِلَى الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة بقلب ملسوع وَحَال غير مَجْمُوع فَفِي هَذِه الْأَيَّام ناقشه صَاحب الْبَصْرَة الباشا حُسَيْن وتاقت نَفسه إِلَى بِلَاده فَفتح الْعين إِلَى ضم القطرين وطحنه بالأنفاس وهم أَن يُرْسل عَلَيْهِ شواظين من نَار ونحاس فَعِنْدَ أَن أنس من مَمْلَكَته رَمَاه من حشاه ذَلِك الْقطر العريض الطَّوِيل فَكَأَنَّمَا جناله غرس العقوق حَبَّة فيل فارتفع عَن كرْسِي ملكه وَلَا كإرتفاع الْمَسِيح وَخرج من بِلَاده رَاهِبًا والراهب قد يسيح وانْتهى بِهِ الْهَرَب إِلَى حرم الحبيب وسوحه الرحيب فَوَقع على الْأمان بدعوة الْخَلِيل إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد أدْرك عِيسَى من الْخَوْف مَا أدْرك مُوسَى الكليم واتصل بحمى الشريف زيد وخلص من حبائل الكيد وَكتب عرضا إِلَى السُّلْطَان يستعديه على صَاحب الْبَصْرَة ويستخرج من رفيع العتبات راية الأفراح لتحصل النُّصْرَة فَكَانَ بِسَبَب ذَلِك التَّجْهِيز على الباشا حُسَيْن كَمَا سَيَأْتِي فَإِن الباشا عِيسَى بعد أحيان عاوده الزَّمَان وانتصر لَهُ السُّلْطَان ولعلها عَادَتْ عَلَيْهِ عواطف تَوْبَة أبرمها أَو حَسَنَة قدمهَا وَفِي ربيع الأول سَار عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام إِلَى ذمار وَفِيه جَاءَ الْخَبَر عَن مَكَّة أَن أسواقها زينت لفتح حصل لجنود السُّلْطَان بِبِلَاد مالطة وَفِي ربيع آخر هبت بجهات لحج ريح عقيم فِيهَا عَذَاب أَلِيم فاحتملت فِي الجو شَيْئا من الْحَيَوَانَات وَقيل إِنَّهَا إحتملت ثَلَاث نسوه ثمَّ دفع الله ضرها وَكفى أمرهَا وَفِي نصف هَذَا الشَّهْر سَار صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام إِلَى أَعلَى الْجوف فوصل إِلَى مَحل يُسمى الْمُلْتَقى بسفال وَادي شوابة فَأصْلح أحوالا وَأقَام هُنَاكَ أَمْوَالًا وَهِي أوطان مغلة كَانَت مُهْملَة مُنْذُ زمَان

стр. 152

فزرعت الذّرة وَالْبر وَالشعِير والجلجلان وَلم تنْبت الْفَوَاكِه والبن بعد تَكْرِير الْغَرْس إِنَّمَا كَانَ ينْبت الشّجر وَلَا ينبث لَهُ ثَمَر وَفِي أول جُمَادَى الأولى ظهر نجم فِي الْمشرق لَهُ ذَنْب طَوِيل وَنور مستطيل فِي مِقْدَار سَبْعَة أَذْرع ثمَّ انْتقل إِلَى وسط السَّمَاء واعوج كالقوس ثمَّ عَاد إِلَى الإستقامة وإبتدأ ظُهُوره فِي برج الثور وَقت السحر ثمَّ انْتقل إِلَى الْمغرب ثمَّ عَاد إِلَى الْمشرق وَقبل الْفجْر ثمَّ بعد نَحْو شَهْرَيْن إضمحل وَهُوَ من النيازك وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ مَا يقْضِي أَن ظُهُورهَا معلم لإرتفاع الأسعار وَقد جرت بذلك الْعَادَات فِي غَالب الْأَوْقَات وَفِيه وَقع بِبِلَاد برط وَقت الْعَصْر صعقات لنجوم خرت من السَّمَاء فَوَقَعت بِبَلَد هُنَاكَ تسمى الْعَنَان وَسمعت أصواتها فِي بِلَاد سُفْيَان وَفِي تَاسِع وَعشْرين من جمادي الْآخِرَة كسفت الشَّمْس وَقت صَلَاة الضُّحَى من يَوْم الْجُمُعَة فِي برج الجدي بعقدة الذَّنب وفيهَا وصل السُّلْطَان بدر بن عبد الله الكثيري إِلَى الإِمَام من طَرِيق الْجوف وَكَانَ قد أعد للْإِمَام هَدِيَّة فانتهبتها بَدو المعضة عَلَيْهِ أهل الْمشرق وَاسْتَأْذَنَ السُّلْطَان بدر الإِمَام فِي الْحَج وَمَعَهُ ولد أَخِيه فَسَار وَمَات بطرِيق الْحَج فرجح رَأْي الإِمَام أَن يُوَجه للشحر نَائِبا فسير إِلَيْهَا الْفَقِيه أَمِير الدّين الْقرشِي وقرريد ولد السُّلْطَان على ولَايَة حَضرمَوْت وَمَا إِلَيْهَا وَهُوَ السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن بدر وَفِي رَجَب ظهر فِي جبل جبع من مساقط بِلَاد حفاش رجل يُنَادي ويعظ النَّاس وَلَا يعرف لَهُ مَحل مَخْصُوص دخل هيجة لاحمة وتوارى بهَا أَيَّامًا وسمى نَفسه عبد الله وَادّعى تَارَة أَنه واعظ شرِيف وَتارَة أَنه الْمهْدي وَلَيْسَ هَذَا زمَان

стр. 153

الْمهْدي كَمَا يظْهر لمن رَاجع الْآثَار النَّبَوِيَّة والملاحم المروية مَعَ أَن ظُهُور الْمهْدي من مَكَّة كَمَا جَاءَ فِي الْأَخْبَار وَآل أمره إِلَى أَن عمر هُنَاكَ قصرا وَجعل حوليه أَمَاكِن الْخَيل وَله أَصْحَاب قد أفسد أَحْوَالهم وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَحَقِيقَة أمره أَنه رجل من بني سود لَهُم اصل فِي الرِّئَاسَة والتظهر بِمَا فِيهِ غرابة من الْأُمُور فيلبث نَهَاره بِالْبَيْتِ الَّذِي عمره ويوهم القصاد أَنه نَائِب عبد الله فَإِذا أرْخى اللَّيْل سدوله لبس هَيْئَة الصُّوفِيَّة من القبع والمسبحة وَنَحْو ذَلِك وَقد يلبس الملابس الفاخرة ثمَّ يخرج إِلَى الْخَلَاء وشواهق الْجبَال وَتظهر مِنْهُ أصوات تقع فِي خاطر من يسْمعهَا وَأَصْحَابه عِنْد هَذَا الشّغل يرصدون من مَكَان قريب ليحفظوه ويقوموا بخدمته فَمن رام أَن يَأْخُذ مِنْهُ وَقْفَة يُشَاهِدهُ فِيهَا فَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِنَّمَا يكون بَينه وَبَينه قيد رمح أَو أَكثر إِمَّا فِي ليل دامس أَو مَعَ التستر الشَّديد فِي ليَالِي الْقَمَر فيخاطبه بِأَلْفَاظ عامية تقضي بِأَنَّهُ من أحاد الْعَوام الَّذين يستفزون طيش ضعفة الْعُقُول وَمَا زَالَ على هَذَا الْحَال حَتَّى تأثل حَاله وَجمع النذور من كل أَوب وشحن بهَا بَيته وَأَخْبرنِي صاحبنا القَاضِي الْعَلامَة فَخر الدّين عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عبد الْمُؤمن النزيلي حماه الله إِنَّه نحى إِلَى وَالِده أَن عبد الله الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ السودي بِعَيْنِه فَأرْسلهُ إِلَى هُنَاكَ ليَأْخُذ حقائق الْأَحْوَال وَهَذَا القَاضِي عبد الْقَادِر بِمحل من الذكاء لَا يجوز مَعَه التراهات وَلَا تتفق عِنْده الخرافات فعزم وَمَعَهُ من يَخْدمه إِلَى هُنَاكَ فَعِنْدَ أَن وصل طلب موقفا من السودي فأسعده إِلَى ذَلِك فأتقن كَلَامه وَكَيْفِيَّة عِبَارَته ونغمات صَوته وإنفصل عَنهُ إِلَى مَكَانَهُ الَّذِي صرفه إِلَيْهِ وَكَانَ قد ذكر لَهُ أَن يَأْخُذ لَهُ رَأيا من عبد الله فِي الإتفاق فَقَالَ لَا يتهيأ لَك الإتفاق بمولانا عبد الله إِلَّا فيب

стр. 154

اللَّيْل بِمحل كَذَا وَكَذَا وسينبهك على ذَلِك من مأنره بالتنبيه فَلَمَّا أقبل اللَّيْل أرصد القَاضِي فَخر الدّين بَاب بَيت السودي وَمَعَهُ أَتْبَاعه كَذَلِك فَلم يشعروا إِلَّا بِخُرُوج السودي من الْبَاب على هَيْئَة مُنكرَة وَلم يزل يتلفت حذرا من أَن يطلع على تدليسه ثمَّ إلتقاه جمَاعَة وبعدوا عَنهُ وَلما بعد عَن بَيته ظَهرت مِنْهُ تِلْكَ الْأَصْوَات وأشعر القَاضِي بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَسَار إِلَيْهِ وَوصل بِالْقربِ مِنْهُ وَلم يصافحه بل كَانَ بَينهمَا مَسَافَة فَمَا زَالَ يؤنسه ويسأله عَن وَالِده ويبحث عَن اشياء ذكرت النَّهَار بِحَضْرَة السودي قَالَ القَاضِي فَغير صَوته بِأَن رَفعه وَإِلَّا فالصوت الصَّوْت وَالرجل الرجل والعبارة الْعبارَة فاستأذنته وَقد فرغت من تَحْقِيق حَاله وَقد أفْضى تَدْلِيس هَذَا الْمَذْكُور إِلَى الملحمة الَّتِي طحنت الجماجم وأنست بالعظائم فَإِن السَّيِّد إِبْرَاهِيم المحدوري فِي رَجَب فِي سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَألف ثار من جبل مدوم وَادّعى أَن عبد الله هُوَ الْمهْدي المنتظر وَإنَّهُ نَائِب الْمهْدي ثمَّ استغلوا أهل الشّرف وطافت عساكره الْبِلَاد بِالسَّيْفِ إِلَى أَن وصلوا ثلاء فانعكس حَالهم وأصدق فيهم أهل ثلاء الطعْن وَالضَّرْب ووصلوا ببقيتهم إِلَى سمسرة وهب وهم نَحْو الثَّمَانِينَ وَلما وصلت إِلَى صنعاء أجناد الإِمَام متوجهة على ذَلِك الْفَاجِر الْحقيق بقول الشَّاعِر (شرِيف أَصله أصل حميد ... وَلَكِن فعله غير الحميد) (كَأَن الله لم يخلقه إِلَّا ... لتنعطف الْقُلُوب على يزِيد) فتكوا بهم صبرا عَن آخِرهم وتوجهوا لبلاده وَقد استغوا أهل الْجِهَات الغربية وَأكْثر أهل الْبِلَاد الظَّاهِرَة والظليمية حَتَّى إنبهر مِنْهُ الشريف صَاحب مَكَّة ذكر لي ذَلِك عَنهُ من لقِيه فِي حجَّة تِلْكَ السّنة واتفقت ملاحم ذهب فِيهَا من الْجَانِبَيْنِ تَحت السَّيْف نَحْو خَمْسَة آلَاف نفر وَآل أمره إِلَى

стр. 155

الْفِرَار إِلَى صعدة حَضْرَة السَّيِّد الْعَلامَة عَليّ بن أَحْمد بن الإِمَام فَلَمَّا خَاضَ مَعَه فِي مُسْتَند مَا فعله أجبا بِجَوَاب يقتضى بِأَنَّهُ من أَغْنَام النَّاس فحبسه ثمَّ أطلقهُ إِلَى السَّيْف وَقد وضعت مَا هُوَ أبسط من هَذَا فِي تسيير أمره وبدو شَره وَكنت لَا أَشك فِي أَنه أحد الدجاجلة لَوْلَا أَن فِي الحَدِيث أَن بَين السَّاعَة قَرِيبا من ثَلَاثِينَ دجالًا كل وَاحِد مِنْهُم يَدعِي النبؤة وَهُوَ لم يدع النُّبُوَّة كَمَا سلف وَقلت فِي ذَلِك (فِي رَجَب دَاع دَعَا ... إِلَى فَسَاد وَتلف) (يَا بئس مَا قدمه ... من الْقَبِيح واقترف) (فِي فتكه بالعلما ... وكل من لَهُ شرف) (وَوَصفه قد جَاءَ فِي ... تَارِيخه شَرّ الشّرف) وَقلت (مِثَال الْمَعَالِي بالعوالي اللهاذم ... وَمسح الطلا بالبيض لَا بالطلاسم) (وَتَحْت ظلال المشرفية جنَّة ... أرائكها منضودة من جماجم) (محت سود أرقام الكهانة فِي الوغا ... ذوابل أرماح كنقش الأراقم) (وجرد إِذا هاج الْوَطِيس تزأرت ... عَلَيْهَا لهاميم الكماة الضراغم) (تناعس إِبْرَاهِيم فِي سنة الْكرَى ... وَمَال إِلَى أضغاثه كل نَائِم) (ورام افتتاحا للبلاد بجبة ... وقبع وطلسم غَدا نقش خَاتم) (وَفِي كل وَاد هام بِالسحرِ قلبه ... وَوَافَقَهُ فِي سخفه كل هايم) (وصير تمويه الكهانة حجَّة ... فَطَافَ بِهِ فِي حجَّة والتهايم) (وَلَو كَانَ (بدر بن الْمقنع) مقنعا ... لَكَانَ عَلَيْهِ الْيَوْم دين الْأَعَاجِم)

стр. 156

(أما أَن هاروتا وماروت حذرا ... بِبَابِل من يشرى بصفقه نادم) (وللنصح قَالَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة ... لقوم فَلَا تكفر بِرَبّ العوالم) (فَمَا بَال إِبْرَاهِيم علم قومه ... وأهمل نصحا كَانَ ضَرْبَة لَازم) (وَزَاد على هَذَا فأودع سحره ... حمائل فِي قمصانهم والعمائم) (يروم دوَام الْملك فِي قفل مدوم ... وهيهات غير الله لَيْسَ بدائم) (أيدعى إِمَامًا من تعاطى شَرِيعَة ... بِجَهْل وعادى كل قطب وعالم) (وَبث إِلَى الْآفَاق جمعا مكسرا ... با وفاقه حَتَّى انثنى غير سَالم) (فحكمت الْأَبْطَال فيهم صوارما ... وَمَا غَيرهَا فِي فيصل من تحاكم) (وَلَو حكمُوا فِي مَا أَتَوا من صنيعهم ... لدانوا بِأَن الله أعدل حَاكم) (أيا قَاسم دم قاسما كل مغنم ... فَإنَّك فِي ذَا الْعَصْر أهيب قَاسم) (سللت سيوفا مزقت درع سحرهم ... وَكَانَ لجرح الْبَغي اشغى المراهم) (وأودعت أطواق الْحَدِيد رقابهم ... وَهل ينفع المسحور غير التمائم) (وَحين تَمَادَوْا فِي قَبِيح فعالهم ... بعثت بأساد الجلاد القشاعم) (تَطوف من الْأَبْطَال شرقا ومغربا ... بطوفان نوح من قِنَا وصوارم) (لقد نصبوا فَوق الذوابل أرؤسا ... تنوح على الخرصان نوح الحمائم) (وأفنوا بطاريق الوغا فِي بروجها ... وَلَو أَنَّهَا لاذت ببرج النعائم) (لإن فر إِبْرَاهِيم عَن حومة الوغى ... فَمن فَوْقه طير الشقا أَي حائم) (وَمَا فر إِلَّا والمهند خَلفه ... يلوح وأصوات الردى فِي هماهم) (فَلَو كَانَ فرعانا ودبر حِيلَة ... إِلَى الجو لاستنزلته بالسلالم) (وَلَو كَانَ بلقيسا لأرسلت آصفا ... فجَاء بِهِ فِي لمحة أَي راغم)

стр. 157

(تنْحَل عَنَّا صعدة الشَّام لائذا ... فَكَانَ لبرق الشؤم أمثل شائم) (مضى ليقص الحادثات لمن بهَا ... وَقد قصّ من علياه ريش القوادم) (وَكَانَ لشدق الهندواني طعمة ... فَللَّه سيف طاعم أَي طاعم) (كَذَا من عصى فِي مَذْهَب الْبَغي رَأسه ... فَلَيْسَ لَهُ غير العواصي العواصم) وَلما انحسم ضَرَره وبتر عمره تَوَجَّهت الأجناد إِلَى تتبع بَقِيَّة أَصْحَابه وَفِيهِمْ السودي فاتفقت عِنْد ذَلِك حروب مُتعَدِّدَة تولى شَأْنهَا الْأَمِير السَّيِّد الْأَعْظَم إِسْحَاق بن الْمهْدي وَغَيره وَكَانَ غَايَة ذَلِك الإستيلاء على جمَاعَة السودي وفر بِنَفسِهِ إِلَى حَيْثُ يخفى مَكَانَهُ ويستتر جثمانه وسكنت زعازع فتنته واستراح النَّاس من قَبِيح فعلته وَلَيْسَ هَذَا مَحل الْقِصَّة وَإِنَّمَا جر إِلَيْهِ ذكر السودي الْمُسَمّى بِعَبْد الله وَفِي اول شعْبَان سَار صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن إِلَى معِين من بِلَاد الْجوف وَأرْسل جمَاعَة من الْجند إِلَى صروم المعضة الَّذين انتهبوا هَدِيَّة السُّلْطَان بدر فَاسْتَاقُوا بعض مَوَاشِيهمْ ثمَّ تبعتهم المعضة بعد عزمهم ففاتتهم الْمَوَاشِي وَقتلُوا من أَصْحَاب الصفي أَرْبَعَة أَنْفَار وَاتفقَ بَين بني أَسد بسفيان هَذِه الْأَيَّام غارات ذهب فِيهَا سِتَّة أَنْفَار وَفِي هَذَا الشَّهْر سَار السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني من صنعاء إِلَى برط وَلما وصل إِلَيْهِم ذكر لَهُم أَشْيَاء استنكرها من السِّيرَة المتوكلية وَأَنه قد تضيق عَلَيْهِ الْقيام وَعَلَيْهِم الْإِجَابَة والإنعام وَآل أمره إِلَى الْعود إِلَى صنعاء لانخرام ذَلِك الْحساب وَعدم من يُعينهُ على فتح هَذَا الْبَاب وَفِي رَمَضَان توفّي السَّيِّد الْعَلامَة عز الدّين بن دريب بالطويلة غربي كوكبان وبيته هُنَالك وَكَانَ صَاحب عرفان فِي الْفِقْه مشاركا فِي غَيره وَسمع البُخَارِيّ

стр. 158

على بعض بني النزيلي وَكَانَ فِي زمن الْمُؤَيد بِاللَّه نَائِبا بالطويلة فَلَمَّا صَارَت إِلَى الْأَمِير النَّاصِر بن عبد الرب بِولَايَة الإِمَام المتَوَكل عذره عَنْهَا فاستمر استقراره بهَا وَتَوَلَّى منصب الْقَضَاء وَكَانَ بَصيرًا بمواقع الْجَواب كتب إِلَيْهِ الإِمَام وَهُوَ أَمِير بخدار للداعي أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ صنو الإِمَام وَكَانَ من كِتَابه لَا يَنْبَغِي من مثلكُمْ وَأَنْتُم بِمحل من الْعلم أَن تَكُونُوا بغاة علينا ومحاربين لنا وصنوكم أَحْمد الْمُتَقَدّم إِلَى الدعْوَة عَلَيْكُم فَأجَاب الإِمَام ظنية اجتهاديه وَكَانَ صَاحب توقد وحدة وَفِي الْأَحَادِيث الدائرة على الْأَلْسِنَة الحدة تعتري خِيَار أمتِي اتّفق فِي بعض مجَالِس تدريسه أَن رجلا رَاجعه فِي العقائد وَكَانَ ذكر لَهُ أَن مَذْهَب آبَائِك كَذَا وَكَذَا فَقَالَ أَنا أعرف بِمذهب أهل الْبَيْت مِنْك وأقوالهم وكتبهم ورواياتهم وأحوالهم ثمَّ أَمر بِإِخْرَاجِهِ من حَضرته وَأَن لَا يعود إِلَيْهَا وَلما اسْتَقر الصفي هَذِه الْمدَّة بالجوف وجد هُنَالك مآثر أشبه بأهرام مصرمحفوفة بنهر مُرَاد ونهر شوابه وَهُوَ نهر فوار لَا يُمكن عبوره أَيَّام الأمطار وَفِي غَيرهَا لَا يعبره إِلَّا الشطار قيل وَهُوَ كنهر السحول بِالْيمن لَكِن أَهله أشرار وَلَيْسَ فِي الْغَالِب من أهل الْقَرار إِنَّمَا عمدتهم على اللحوم والألبان لاعلى الثِّمَار وَلما تخَلّل الصفي وَمن مَعَه تِلْكَ المآثر الَّتِي تبهر الْإِنْسَان وتنطق عَن ساكنيها بِغَيْر لِسَان دبت عَلَيْهِم نمل كَأَنَّهَا الرمل وأزعجتهم عَن ذَلِك الْمحل وَهَذِه الأثار المجهولة والأطلال الَّتِي كَانَت مأهولة قد حملت فِي نظيرها فِي بِلَاد دهمة طيور على من أَرَادَ أَن يفتش عَن عجائبها حَتَّى اضطرتهم إِلَى الْخُرُوج عَن جوانبها وَفِي شَوَّال اتّفق أَن بَيْتا بِالْقربِ من دَار النَّقِيب جَوْهَر سَعْدَان شرس على أَهله الجان وأصابه طائف من الشَّيْطَان فتكرر إِلَيْهِ الرَّجْم فِي اللَّيْل

стр. 159

وَالنَّهَار حَتَّى كَاد أَن يسلب عقول أَهله كَمَا سلبهم الْقَرار ولصدور مثل هَذَا عَن الجان نَظَائِر وَأَشْبَاه وَأما تشكلهم فَفِيهِ الْخلاف وَأنْكرهُ الْعَلامَة صَاحب الْكَشَّاف وَتكلم عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ بِمَا لَا تَدْعُو إِلَى تمحله الْحَاجة وَلَا يمس مُحَافظَة على قَاعِدَة إخوانه الْمُعْتَزلَة وَقد قابله كَلَام سعد الدّين بِمَا يَكْفِي ويشفي وَرَأَيْت سَيِّدي عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْمَنْصُور قد كتب على هَامِش حَاشِيَة السعد مَا لَفظه رَأينَا من هَذَا الشكل مَا يبهر الْعُقُول ويردع رائده عَن طرق الفضول انْتهى وَفِي ثَانِي شَوَّال توفّي الشَّيْخ الرئيس أَحْمد بن عَامر الجماعي من مَشَايِخ الْيمن الْأَسْفَل وَهُوَ الَّذِي تزوج إِحْدَى بَنَات شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْمَنْصُور وَفِي آخر شَوَّال سَار إِلَى مَكَّة بإمارة الْحَج السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن صَلَاح الجحافي وَزِير الإِمَام وَعذر الْحَاج فرحان عَن ذَلِك لما حصل بَينه وَبَين الحرامية فِي الْعَام الْمَاضِي التَّجْهِيز على حُسَيْن باشا صَاحب الْبَصْرَة قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْحُسَيْن باشا صَاحب الْبَصْرَة أخرج عِيسَى باشا عَن وَكره وَضم قطره إِلَى قطره وَالْقدر يَقُول لعيسى أَنْت عَائِد إِلَى ربع ملكك الفسيح فاصبر كَمَا صَبر سميك الْمَسِيح حَيْثُ نسب إِلَيْهِ كل أَمر عَظِيم حَتَّى قيل هُوَ الْقَدِيم وَأحد الأقانيم وَأما الْحُسَيْن فقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه فسيرك التِّسْعَة وَالتسْعين بعد إزعاجه وَكَانَ عِيسَى قد عرض شكواه إِلَى

стр. 160

الْأَبْوَاب وابتهل مَعَ ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي لَيْسَ دونه من حجاب فَجَاءَهُ من خبر ذَلِك الإبتداء أَنه قد لبي لَهُ فِي ذَلِك النداء وَفِي أثْنَاء ذَلِك أَخذ حُسَيْن باشا يقبل مِنْهُ فِي الذرْوَة وَالْغَارِب ويشعره بِأَنَّهُ مقلع عَن تِلْكَ الْأَحْدَاث تائب وَأَنه يعاود ملكه وَلَا ملامة وَيقدم إِلَيْهِ على الرحب والسلامة فَأَشَارَ عَلَيْهِ بعض خواصه بِالْإِعْرَاضِ وَذكر أَن هَذَا التذلل من هَذَا الْجَبَّار لأغراض وَأَنَّك لَا تأمن الغوائل وأهونها السم الْقَاتِل فقد سلف مِنْهُ إِلَى بعض من عَارضه هَذِه الدسيسة وتحققت من فعلاته هَذِه الفعلة الخسيسة فرجح عِنْد الباشا جَانب المشير وقضت الخيره بِهِ وَمَا نَدم المستخير وَأجَاب إِنِّي إنْشَاء الله قادم عَلَيْهِ وَأخذ بالتحرز الْكُلِّي لَدَيْهِ فَسَار إِلَيْهِ واتفقا على ذَلِك الْكَلَام وَتَنَاول لذيذ خطابه وَامْتنع عَن طَعَامه وَشَرَابه وانفصل إِلَى قطره ملحوظا بِعَين الاعظام نَافِذ السِّهَام ثمَّ لم يلبث الْحُسَيْن باشا أَن مَلَأت مسامعه الْأَلْسِنَة أَن البواش السُّلْطَانِيَّة والأمراء العثمانية قد أَقبلُوا إِلَيْهِ بالخول والخيول ورموا دَائِرَة مَمْلَكَته بأفلاذ كبد إسطنبول وَكَانَ قد ظهر فتكه وتأثل ملكه حَتَّى تسلطن على الْحَقِيقَة وَأخذ فِي يَده من صروف الأقدار وَثِيقَة فَلم عِنْد ذَلِك أَطْرَافه وَحمل مناواة صَاحب التخت أكتافه ووزع جيشوه على أَطْرَاف الْبَصْرَة وَرُبمَا ضرب تخت رمله وَنظر فِي النُّجُوم نظره وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ لاطف أُمَرَاء السُّلْطَان وعرفهم أَنه غُلَامه وبكرلبكيه وخدامه وَأَن الباشا عِيسَى قد طَابَ خاطره وقر بعوده على مَمْلَكَته ناظرة وَرُبمَا دس إِلَى الأكابر مَالا وَله مراهم فِي الْقُلُوب لَا تُوجد فِي كتاب مَالا وخوفهم بِأَنَّهُ مَقْصُود مدافع وَأَنَّهُمْ إِن لم يرجِعوا صب عَلَيْهِم الْبلَاء الْوَاقِع وَرمى بِنَفسِهِ إِلَى نحر المهالك وَكَانَ مَعَهم فِي الهلكة كصاحب مَالك حَيْثُ قَالَ (اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مَالِكًا معي)

стр. 161

فعادوا عَنهُ إِمَّا لذاك وَإِمَّا لهَذَا وليتهم رجعُوا إِلَى اسطنبول يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا فَإِنَّهُم عَادوا فِي هيعة وتجميع ونوبة وترجيع (فهم فِي جموع لَا يَرَاهَا إِبْنِ داية ... وهم فِي ضجيج لَا يحس بِهِ الْخلد ( قيل إِنَّهُم زهاء أَرْبَعِينَ ألفا من حَضْرَة السُّلْطَان ينضاف إِلَيْهِم جمع من بَغْدَاد وَكثير من الْبلدَانِ فَلَمَّا حصلوا فِي اسطنبول أَمر السُّلْطَان مُحَمَّد أعيانهم بالمثول وَقَالَ لَهُم أمرْتُم أَن تَأْتُوا بِحُسَيْن باشا فِي الْحَدِيد أم على هَذَا الْوَجْه الَّذِي يُنَافِي المرؤة ويسود وَجه الفتوة وَرُبمَا عرض الكبراء على السَّيْف وأذاقهم وبال الْميل والحيف وَكَانَ من خبر حُسَيْن باشا ثُبُوت الْوَطْأَة على مملكة الْبَصْرَة من هَذَا التَّارِيخ إِلَى سنة ثَمَان وَسبعين وَسَيَأْتِي هُنَاكَ تَمام الْخَبَر وَمَا رعفت بِهِ أنف الْقدر وَفِي ذِي الْقعدَة توفّي بالأبناء القَاضِي الْعَارِف الْهَادِي بن عبد الله الحشيشي وَكَانَ قد بلغ الشيخوخة وَكَانَ من أعوان الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد رَئِيس قومه بني حشيش وَأهل السِّرّ وَاتفقَ لَهُ تَعب كثير فِي ولَايَة سِنَان باشا فَإِنَّهُ شدد على عَالم الْفُقَهَاء الْبَوَادِي وَلما كَانَ الْمَذْكُور من جُمْلَتهمْ فر إِلَى بِلَاد خولان ورافق القَاضِي سعيد بن صَلَاح الهبل فبقى هُنَاكَ فِي حَال جميل حَتَّى دخل سِنَان باشا إِلَى خولان فهرب ورفيقه إِلَى بدبدة وَلم يشعروا إِلَّا وَقد أطل عَلَيْهِم من رُؤُوس الشواهق ولمعت من بطُون بنادقه البوارق وَكَانَ الْمَذْكُور مِمَّن الطّلب فِي أَثَره فألهم إِلَى تنكر الملبوس فَغير إِشَارَة الْفُقَهَاء وخلع عَن عَاتِقه

стр. 162

الأزرار واعتم بالسباعية وتأزر بالإزار وبقى على ذَلِك نَحْو ثَمَانِي سِنِين حَتَّى أفضت الْبِلَاد إِلَى يَد جَعْفَر باشا وعاوده الْأمان فَعَاد إِلَى الأوطان وَفِي ذِي الْحجَّة مَاتَ بِالْمرضِ بِبَيْت القابعي عَالم وَاتفقَ مثله ببندر المخا وَدخلت سنة سِتّ وَسبعين وَألف فِي محرمها وصل حَاج الْيمن وَاتفقَ مَعَهم فِي الدُّخُول بعض شلش مَعَ الحرامية وَقتل مِنْهُم وَاحِد وَمن معسكر الْمحمل إثنان وَفِي هَذِه الْأَيَّام رَجَعَ صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن من الْجوف وَكَانَ فِي عزمه النّفُوذ إِلَى برط لتقرير الْوَاجِبَات وتمهيد الْأَحْوَال وَرُبمَا أَرَادَ ضبط الْبِلَاد بعمال فتفطن لذَلِك قُضَاة الْجِهَة وعلماؤها بني الْعَنسِي وَلَهُم الْوَاجِبَات تساق إِلَيْهِم بِغَيْر وَاسِطَة فاتفق رَأْيهمْ ورأي أَعْيَان برط أَن يسْتَدرك الصفي على وَجه خَفِي فحثوا الْبرد بالرسائل إِلَى الإِمَام وَإِلَى ابْن أَخِيه الْملك عز الْإِسْلَام بِمَا يتَضَمَّن أَن أَحْوَال الْبِلَاد فِي الصّلاح وَمَا هُنَاكَ خلل ومنادي طاعتها يُؤذن لدولتكم بحي على الْفَلاح حَيّ على خير الْعَمَل وصفي الْإِسْلَام لَا تحمله الْبِلَاد هَذِه الْأَيَّام والواجبات المفترضة فِي الْأَمْوَال قد توجه مصرفها من غير وَاسِطَة الْعمَّال فَعَاد أَحْمد بعد أَن نفذت تِلْكَ الرسائل ونجعت فِي خاطر الإِمَام وَعز الْإِسْلَام تِلْكَ الرسائل وفيهَا سَار الْأَمِير الْفَاضِل عبد الْقَادِر بن الْأَمِير النَّاصِر إِلَى حَضْرَة الإِمَام فَقضى حق الزِّيَارَة وَأَشَارَ إِلَى اتساع التَّكْلِيف بعض إِشَارَة ووقف مَعَ الإِمَام على أَمر يرجع إِلَيْهِ وَكَلَام فِي ذَلِك يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ وفيهَا ساخت جبال بِالْيمن مِنْهَا جبل فِي جِهَة الأهجر حَتَّى كبس الطَّرِيق وَمنع الْمَارَّة عَنْهَا وَمِنْهَا بِبِلَاد كحلان وعفار وفيهَا مَاتَ الْفَقِيه الْعَلامَة بدر الدّين مُحَمَّد بن لطف الله الخواجا الشِّيرَازِيّ الأَصْل ثمَّ الصَّنْعَانِيّ بوطنه الجراف خرج وَفِي ربيع الآخر توفّي بحصن مُبين نَائِب حجه السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الجحافي وَقعد مَكَانَهُ أَخُوهُ عَليّ بن الْحُسَيْن وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصلت كتب مَكَّة معلنة بِخُرُوج الشريف بَرَكَات وَمَعَهُ جمَاعَة من عَسْكَر السلطنة وَصَاحب الْمحمل الْعِرَاقِيّ إِلَى محروس الْمَبْعُوث وَأَن الشريف يعد بن زيد سَار من الطَّائِف إِلَى بحيلة وَهِي مَا بَين الطَّائِف وبلاد بيشة وَفِي خَامِس ربيع توجه صفي الدّين أَحْمد بن الْحسن من الْغِرَاس إِلَى صنعاء فَبَاتَ بداره ثمَّ سَار إِلَى ضوران حَضْرَة الإِمَام بعد أَن أزعجه الإِمَام للوصول للخوض فِيمَا كَانَ سعد بن زيد ذكره من استدعاء عَسَاكِر لأخذ الْحَرَمَيْنِ وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى مَا أَشَارَ بِهِ الصفي وَولده الْعزي وَفِي أثْنَاء ذَلِك وصل مَكْتُوب السنجق دَار مُحَمَّد شاويش بكرلبكي السلطنة ونائبها فِي الْخُرُوج على سعد يذكر فِيهِ أَنه بلغه رُجُوع بعض حَاج الْيمن وَأَنه سَاءَهُ ذَلِك وَرُبمَا أَن التخوف من جَانب الباشا حُسَيْن وَأَن الشريف سعد إِذا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْكُم فاحذروا عَن مساعدته واسعوا فِي مباعدته فخروجه إِلَى الْيمن مَظَنَّة لتغير خاطر السُّلْطَان وَالرجل مَرْفُوع خَبره متبوع أَثَره فصادف كَلَامه شَيْئا فِي نفس الصفي وَمن أَشَارَ بشوره وَفِي جُمَادَى الأولى توفّي السَّيِّد الْعَلامَة صارم الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي بِبَلَدِهِ العشة خَارج صعدة ﵀ وَأعَاد من بركاته وَله الشَّرْح على هِدَايَة سَيِّدي صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَشرح الكافل وَغير ذَلِك وَقيل أَن لَهُ مؤلفا فِي الْأَنْسَاب سَمَّاهُ الرَّوْض الباسم وَفِي نسب آل الْقَاسِم يَعْنِي الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم وَلم اقف عَلَيْهِ وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل مُحَمَّد عَامر من الْحَبَشَة إِلَى سَاحل المخا طريدا من سواكن بعد وُصُول عمر باشا إِلَيْهَا وَكَانَ قد أَسَاءَ إِلَى جَانب مصطفى باشا

стр. 163

جده من شيراز وَاسْتقر وَالِده لطف الله وشكر الله بِالْيمن وَأما صنع الله وشهرمين فسافرا إِلَى مَكَّة واستقرا بهَا وَكَانَ للطف الله وَالِد صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة فِي نعومة الْعَيْش والتنقل إِلَى أَمَاكِن النزهة وَالْأَحْوَال المبسوطة حَال لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره نَشأ وَلَده هَذَا على منهاج الطّلب ولازم حَضْرَة القَاضِي فَخر الدّين عبد (١١٨) الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي ﵀ فَأدْرك فِي الْمعَانِي والنحو وَالْأُصُول والمنطق وَدفن بخزيمة وأنيف قَبره وَوضع عَلَيْهِ صَخْرَة فِيهَا تَعْرِيف نسبه ومرثاة بليغة أَنْشَأَهَا القَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السحولي وَله نظم فِي نِهَايَة اللطف مِنْهُ الْمَقْطُوع الَّذِي سلف وَفِي جُمَادَى الأولى سَار الإِمَام من شهارة إِلَى حبور فصادف بهَا أَوْقَات روح وحبور وَاجْتمعَ هُنَاكَ من السَّادة آل جحاف بالعلماء الْأَعْلَام والكتبة الْكِرَام وَكَانَ كملاؤهم قد قَامُوا بمملكته وقعدوا فسعدت حَضرته بخدمتهم كَمَا سعدوا وَفِي هَذَا الشَّهْر سَار عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام من ذمار الكرد إِلَى الْيمن الْأَسْفَل، فسكن بيريم وَحسن التَّدْبِير لَا يبرح وَلَا يريم ثمَّ طَاف بعد ذَلِك فِي الْبِلَاد إِلَى أَن اسْتَقر بجبلة. وَفِي هَذِه السّنة خرج شرِيف من المأخذ عَن طَاعَة الإِمَام وَطعن فِي شَيْء من سيرته فِي الْأَنَام وَقَالَ أَن الْعَطاء قصر على نوع خَاص من تِلْكَ المصارف الثَّمَانِية وَرُبمَا تاقت نَفسه بعد ذَلِك إِلَى تُسنم الزعامة والتسمي بِالْإِمَامَةِ فَلَمَّا لم يتلق حَدِيثه بِالطَّاعَةِ والسمع وَرَأى لِسَان حَال النَّاس بِغَيْر الْجمع (أَصمّ لَا يسمع الشكوى وأبكم لَا ... يدْرِي الْمقَال وَعَن ال المشوق عمى) توجه إِلَى عمان وأقع عَن ذَلِك الشَّأْن وَيُقَال إِنَّه ركب الْبَحْر فَمَاتَ فِيهِ وفيهَا اسْتَقر شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن برداع فَأصْلح سورها ونظم أمروها وفيهَا توفّي حَاكم زبيد القَاضِي إِسْحَاق بن جغمان من عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وَدفن بِمَدِينَة زبيد المحمية وَفِي شعْبَان وصل صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن من

стр. 164

الخارد إِلَى حبور حَضْرَة الإِمَام بعد أَن استدعاه ليفاوضه فِيمَا يُجَاب بِهِ عَن الشاه بعد أَن وصل جَوَابه كَمَا سلف وَطلب فِيهِ الْإِعَانَة على التَّخْرِيج على ملك عمان لتوسطه بَين مملكتي الْيمن والعجم فَلَمَّا وَقع الْخَوْض فِي ذَلِك تولى الْجَواب بعض كملآء الحضرة بِأَن الرَّأْي أَن يسد هَذَا الْبَاب وَأَنْتُم الْآن أعنا بِمَا فِي قَاعِدَة مملكتكم من أَطْرَاف الإفتقاد وأنواع الإنتقاد وَالصَّوَاب طي هَذَا الْخَبَر والإشتغال بِمَا حضر وَأخذ يذكر الْوُجُوه المرجحة للتأخير فَوَقع كَلَامه من خاطر الإِمَام وَأجَاب على الشاه بِمَا مَضْمُونَة إِنَّا إِذا رَأينَا نهضة وقصدنا عمان وتقاضى الْحَال استمداد عون مِنْكُم مَال أَو رجال نبهناكم على ذَلِك وَمن الْأَسْبَاب فِي عدم تَمام التَّجْهِيز على صَاحب عمان عقابيل فتْنَة حُسَيْن باشا بِالْبَصْرَةِ وَكَون عز الْإِسْلَام (١١٩) مائلا خاطره عَن هَذَا الرَّأْي بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا أَمر عَظِيم لَا يعْقد من دونه مُفَاوَضَة ذَلِك الْملك الجسيم وفيهَا جَاءَت الْأَخْبَار بِوُقُوع خسف عَظِيم فِي تبريز من بِلَاد الْعَجم وَقد كثر فِي الزَّمَان الْمُتَأَخر وُقُوعه فِي الْعَجم وَلَعَلَّ حكمته لعن آخر الْأمة أَولهَا فَإِن وفور هَذِه السمه فِي بِلَادهمْ وَقد أخبر بعض الْحَنَفِيَّة أَن رجلا من بِلَادهمْ حرق الْمُصحف الْكَرِيم بالنَّار اسْتِخْفَافًا فَمَا جرأ عَلَيْهِ أحد وَلَا انتهره أحد وَلَا يبعد أَن يكون مجوسيا فَأن بِلَاد الْعَجم وَفَارِس كَانَت مَجُوسِيَّة قبل النُّبُوَّة وهوموز الْآن وَقع الْخَسْف بِبَعْضِه وخلا السَّاكِن عَن جَمِيعه وَهُوَ فِي سواحل جِهَات بِلَاد الْعَجم مِمَّا يَلِي بندر كنح وكنح من بنادر فَارس والعجم وَهُوَ فِي مملكة الشاه وَكَانَ الفرنج قد ملكوا هرموز فِي الْمِائَة التَّاسِعَة ثمَّ زَالَت دولتهم عَنهُ.

стр. 165

سانحة بِلَاد الأزبك متوسطة بَين الْعَجم وسمرقند وبخارى وَهِي على تل سَاحل الْبَحْر الْهِنْدِيّ وهم حِينَئِذٍ أشعرية وَلَا يزَال السَّيْف مُصْلِتًا بَينهم وَبَين الإمامية لتقارب الْبِلَاد وَلِأَن بَين المذهبين نِسْبَة التضاد وَهِي دَاخِلَة فِي مملكة صَاحب سَمَرْقَنْد الشريف عبد الْعَزِيز وَهُوَ سُلْطَان مُسْتَقل لَهُ مَا وَرَاء النَّهر من بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى حُدُود الْهِنْد فِي الْجِهَة الْبَريَّة مثل كاشغر وبلاد سَمَرْقَنْد وبخارى وَكثير من بِلَاد التّرْك الْمُسلمين فِي جِهَة الْمشرق ويليه بالوسط بِلَاد الشاه وَهِي جبال فَارس وشيراز إِلَى حُدُود تبريز وأصفهان يُحِيط بهَا من الْمغرب بَحر فَارس وَمن الْمشرق وبلاد مَا وَرَاء النَّهر وَهِي سَمَرْقَنْد وبخارى الْمَذْكُورَة والسند لَهُ ملك مُسْتَقل كالهند وَالتّرْك وخاقان ملك التّرْك ملكه إِلَى الْبَاب والأبواب يَلِي سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج وأطراف

стр. 166

التّرْك فِي الْمشرق لَا يدْرِي الْآن هَل دخل أحد مِنْهُم فِي الْإِسْلَام أم الْكل باقون كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ أَيَّام فتوح الدولتين الأموية والعباسية وَأما جَمِيع بِلَاد سَمَرْقَنْد وَهِي بِلَاد التّرْك الَّتِي تقرب إِلَى جِهَة بِلَاد الْإِسْلَام فهم مُسلمُونَ من أَيَّام العباسية وفتوحاتهم وَأما مَا خلفهَا فَالظَّاهِر أَنهم من التتر إِلَى حُدُود الصين وهم خلق كثير لَا يعْرفُونَ الْإِسْلَام وحد بِلَاد ابْن عُثْمَان صَاحب الرّوم الْبَصْرَة وَالْعراق والموصل وَأعظم هَؤُلَاءِ الْمُلُوك ملكا وآبهة واقتدارا هُوَ صَاحب الرّوم هَذَا مَا تَلقاهُ بعض النقلَة عَن لِسَان الشَّيْخ الْعَارِف مُحَمَّد بن الْحسن الملا الْحَنَفِيّ والعهدة عَلَيْهِمَا وَالله أعلم (١٢٠) وفيهَا مَاتَ الْفَقِيه أَبُو بكر عبد الله صفير بالصَّاد الْمُهْملَة المضمومة وَالْفَاء الْمَفْتُوحَة وَالْيَاء المثناه التَّحْتِيَّة وَالرَّاء الْمُهْملَة وَرَأَيْت لَهُ شعرًا مقفا مَوْزُونا يمدح الإِمَام الْأَعْظَم الْقَاسِم بن مُحَمَّد. وَفِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة استدعا صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن قَبيلَة هَمدَان. لتسويد الْعِيد فتأهبوا للوصول وَبلغ بني الْحَارِث أَنهم سيضربون الطبل عِنْد الْمُرُور من بِلَادهمْ إِلَى الْغِرَاس فتحزبوا وتحرشوا وتنصبوا وأشعروا هَمدَان إِن من دون ذَلِك اخْتِلَاف المران وانعكاس المشرفية وإطراد الأعوجية فَإِنَّهَا بادرة تكون عَلَيْهِم فِيهَا عَار ويحلقهم من أجلهَا ظنية وشنار فَجَاشَتْ خواطر هَمدَان وَقَالُوا لَا بُد من

стр. 167

الْمُرُور غَايَته أَن تصطدم الرؤوس وتندق الصُّدُور فَنحْن الملا والغرانيق الْعلَا سابقتنا قديمَة ومنزلتنا عِنْد الْأَئِمَّة والملوك فخيمة وَنحن شيعَة أَئِمَّة الدّين وَالْمرَاد بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ (فَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة ... لَقلت لهمدان ادخُلُوا بِسَلام) فيا صَبَاحَاه لمصافحة الصفاح وَاخْتِلَاف خرصان الأرماح. فَلَمَّا نقل هَذَا التقاول إِلَى الإِمَام استدعى إِلَى حَضرته صفي الْإِسْلَام فوصل الصفي إِلَى صنعاء فَكَانَ ذَلِك حدا للخصام حَيْثُ حوا جمعا ومنعا وَفِي ذِي الْحجَّة خسف الْقَمَر ببرج الْقوس وَفِي ثَانِيَة توفّي السَّيِّد الْعَلامَة المؤرخ المطهر بن مُحَمَّد الجرموزي المفضلي بِبِلَاد ولَايَته عتمة وَدفن بهَا وَكَانَ قد جمع سيرة الْإِمَامَيْنِ الْمَنْصُور بِاللَّه وَولده الْمُؤَيد وطرفا من سيرة المتَوَكل وَلم أَقف عَلَيْهَا عِنْد رقم هَذَا الكشكول ليتصل بصفحات خَبره من قميصها ذيول وَولى عتمة فاستمر بهَا من دولة الْمُؤَيد إِلَى وَفَاته فِي عشر الثَّمَانِينَ ممتعا بسمعه وبصره

стр. 168

وَحين عرف الشَّيْخ رَاجِح الكينعي عَامل الإِمَام على دكة تعز أَنه لَا يتم لَهُ مَعَ عَامل عز الْإِسْلَام مُرَاد وَإِن الِاشْتِرَاك مَظَنَّة للْفَسَاد اعتذر هَذِه الْأَيَّام عَن نيابته وَاعْتَزل وَمن أمثالهم مكره أَخُوك لَا بَطل فَسَار إِلَى حَضْرَة ولي السَّعَادَة وَرُبمَا وَله فِي بَاطِن الْأَمر إِرَادَة. وَدخلت سنة سبع وَسبعين وَألف فِي محرمها وصل خبر الْحَج بالسداد فَلم يتَّفق فِي حرم الله شَيْء من الإحاد غير أَن حَاج الْعرَاق انْقَطع بِسَبَب مَا اتّفق من فتْنَة حُسَيْن باشا وَحج بِهَذِهِ السّنة الْمُتَقَدّمَة السَّيِّد الْعَلامَة جمال الْإِسْلَام فَرُبمَا حاول وَقْفَة من الشريف زيد فَاعْتَذر عَنْهَا وَاتفقَ بِالْيمن شدَّة (١٢٠) لتأخر معالم الْمَطَر وَظُهُور الْجَرَاد الَّذِي كثر وانتشر ثمَّ رخصت بآخر السّنة الأسعار واضمحلت أَسبَاب الأعسار وَفِيه قرر الإِمَام على بِلَاد الحمية المجبا والضمانة وَكَانَت قبل مسوقة إِلَى الإِمَام بالأمانة لسوالف صنعوها مَعَ الْمُؤَيد يسْتَحقُّونَ بهَا التَّقْرِيب والتقرير لليد فَكَانَ الْبَعْض تساهل فِي الْحق الْوَاجِب وَلم يعرف أَنه ضَرْبَة لازب وَوجه الْمصلحَة مَكْشُوف والخرص دَلِيله مَعْرُوف وَلما امْتَنعُوا وارتفع مِنْهُم جمَاعَة إِلَى حَضْرَة الإِمَام شاكين لم يشكهم الإِمَام وَاسْتقر مَا أَرَادَهُ من الْأَحْكَام وَفِيه سَار الإِمَام من محروس شهارة إِلَى سَوْدَة شظب لأحوال تقاضت وأسرار نظر فاضت. وَفِي رَابِعَة وفدت أَخْبَار مَكَّة بوفاة زيد بن المحسن وَهُوَ أميرها الْمَشْهُور وهزبهرها الهصور وَإِلَيْهِ أَيْضا من السُّلْطَان نِيَابَة الْحجاز وَالْمَدينَة وينبع والصفراء وعنزة وَبدر وخيبر ونجد الأعلا كالطائف وَمَا يتَّصل بِهِ من الْيَمَامَة إِلَى بيشة إِلَى بِلَاد البديع الَّتِي بهَا الشَّيْخ الجميلي إِلَى

стр. 169

الصفده إِلَى حلي إِلَى عتود وبيش ورثاه الشَّيْخ صارم البلاغة إِبْرَاهِيم ابْن صَالح الْهِنْدِيّ بقوله (بِأبي الْمجد عز أم الْقُرَّاء ... وابك زيدا يَا عمر أَي بكاء) (واجر حَمْرَاء دمعتيك لوجه ... وسدوه بالراحة الْبَيْضَاء) (مَاتَ من قدحه الْمُعَلَّى وأضحى ... ثاويا فِي ضرائح المعلاء) (يَا لناع أَصمّ لما نعاه ... أذن المكرمات والعلياء) (قرح الْقلب فِي الْمقَال بغيه آل ... تُرَاب كم قد أثار من برحاء) (يَا خليلي سَائِلًا كل ركب ... أصحيح ممات زيد الْعَلَاء) (واسألا عَن مشاعر الْبَيْت فالطائف ... والمنحنا فشعب مناء) (لَا عَجِيب لطيبة أَن نَعته ... وبكته بِعَينهَا الزَّرْقَاء) (واسألا عَن أبي قبيس أباق ... هُوَ أم قد هوى إِلَى الْبَطْحَاء) (إِذا مَا بَكت بِعَين حنين ... بكة عَن حنين صَاد وباء) (وَقَلِيل أَن يحزن الْحجر الْأسود ... فالحزن عَادَة السَّوْدَاء)

стр. 170

(كم قُلُوب سعت إِلَى جمرات ... الكرب واستسلمت إِلَى المسعاء) (ونفوس سَالَتْ على مروة الوجد ... ومالت عَن عهد ذَاك الصفاء) (ومقام إِبْرَاهِيم لم يَك بردا ... وَسلَامًا عَلَيْهِ نَار الأساء) (وَلكم قد بَكَى لَهُ الرُّكْن وَالْحجر ... بِعَين من زَمْزَم قرحاء) (وَترى الْكَعْبَة الشَّرِيفَة لاحت ... فِي حداد الرزية الداداء) (وحجيج الشَّام لما نعاه ... ذكر الْمُلْتَقى على الصَّفْرَاء) (وشجى يَوْم مَوته ركب مصر ... فبكاه بدمعة حَمْرَاء) (أَي رزء عَم البسيطة كربا ... مثل يَوْم الشَّهِيد فِي كربلاء) (ومصاب لَدَيْهِ جدلت الآمال ... صرعى وأسود وَجه الرَّجَاء) (لَا تسل عَن عفاته أَيْن صَارُوا ... لَحِقُوا بالعقاب والخنساء) (حَملته بَنَات نعش فأمسوا ... وهم فِي منَازِل العواء) (حامليه على السرير رويدا ... لَيْسَ بالمستطاع حمل حراء) (دافنيه فِي الرمس مهلا أفيقوا ... لَا تواروا بالترب شمس الضحاء)

стр. 171

(حاذروا كَفه فَذَاك عباب ... موجه طافح بفيض النداء) (كَانَ جيدا كم رمت أهدي إِلَيْهِ ... قبل هَذَا الرثاء در ثَنَاء) (فعزيز على البلاغة أَن تبدل ... در الثنا بجزع الرثاء) (أَيْن أخلاقه الْكَرِيمَة كَانَت ... ذَات زهر كالروضة الْغناء) (أَيْن أقلامه وَأَيْنَ مواض ... مِنْهُ تجْرِي فِي الدَّهْر مجْرى الْقَضَاء) (أَيْن خطيه المثقف إِمَّا ... دارت الْحَرْب فَهُوَ قطب الرحاء) (أَيْن شهباء جرده حِين أضحى ... ثاويا وسط بَاطِن الشَّهْبَاء) (عظم الله يَا صفي الْمَعَالِي ... لَك أجرا فِي سيد النبلاء) (فِي أَخِيك الشريف زيد ومحض آل ... ود فِي الْبعد مُؤذن بالإخاء) (كَيفَ وَالْجَامِع السلالة مِنْكُم ... نسب يعتزى إِلَى الزهراء) (والملوك الْكِرَام فِي النَّاس أكفاء ... وَحسن العزاء للأكفاء) (أَنْتُم يَا بني الإِمَام وَزيد ... وَبَنوهُ كأنجم الجوزاء) (عز مِنْهُم مُحَمَّدًا أَو أَخَاهُ ... أَحْمد الْجَعْد وَاضح الأنباء) (ثمَّ عز الْهمام سَعْدا فسعد ... فَهُوَ فأل الْخلَافَة القعساء) (آس قلبا فِي صَدره الرحب شهما ... فزوال الأساء بالتاساء) (وبخير الورى التأسي وبالماضين ... وَالتَّابِعِينَ وَالْخُلَفَاء) (قل لَهُ أَنْت مرهف لَيْسَ تخشى ... صدءا من حوادث الْجلاء) (لم يمت يَا أَخا السِّيَادَة لَيْث ... أَنْت فِي غابه صَنِيع الحماء) (لَا وَلَا يطرى الحسود ببدر ... أَنْت سَار من أفقه فِي سَمَاء) (فاستنر كَوْكَب السرُور فقد لَاحَ ... لومض العزا بحس الهناء) (لَا تضق عَن أَبِيك ذرعا فزيد ... خَالِد وسط جنَّة الماواء) (صَار فِي زمرة النَّبِي وسبطيه ... وضيف البتول والمرتضاء)

стр. 172

(غَابَ مستكرم السجية وَالْفضل ... حميد الأصباح والأمساء) (وَسَلام عَلَيْهِ تترى وجادت ... تربه كل دِيمَة وطفاء) وَدفن بِمَكَّة المشرقة على شرفها أفضل السَّلَام وَرَحْمَة الله إضطراب أَحْوَال الْأَشْرَاف وتقرر الْملك لسعد بن زيد فتطاول الشريف حمود إِلَى أَن يكون صَاحب البندر الْمَعْقُود وَهُوَ خليق أَن يصعد عَلَيْهِ التَّاج وَيكون أَمِير تِلْكَ الفجاج لتِلْك النخوة القرشية والحركات السبعية وَلَا يحوط جَانب ذَلِك الْمقَام سِيمَا مَعَ غربَة الْإِسْلَام غير من أطْعم الأساد وأروى الصعاد إِذا هَمهمْ مَالَتْ الْأسد عَن طرقه وَإِذا غضب خلع هياكل السلطنة من عُنُقه (وُصُول إِلَى المستصعبات بِرَأْيهِ ... فَلَو كَانَ قرن الشَّمْس مَاء لأوردا) وَمَا المُرَاد أَهْلِيَّته لأجل مُلَاحظَة أَحْوَال الشَّرْع فَسَيَأْتِي أثْنَاء هَذَا التَّارِيخ مَا يقْضِي أَنه من رواء ظَهره لكنه كَانَ بِمَكَّة يَوْمئِذٍ من أعتام الْجَهْل من الْعَرَب وَالتّرْك وَالْعَبِيد وَغَيرهم من لَا يقمع رؤوسهم الأسيفه وَلَا يقوم إعوجاجهم إِلَّا حيفه فالحال كَمَا قَالَ (قد استشفيت من دَاء بداء ... وَأكْثر مَا أعلك مَا شفاكا) لَكِن اتّفق أَن زيدا أَنْجَب أَوْلَادًا كَانُوا أعلق بذيل نِيَابَة السُّلْطَان وَأشهر إِلَى خاطر الأميرين ذِي الفقار وَشَعْبَان وَأكْثر الْميل إِلَى الشريف سعد وأخيه مُحَمَّد فاغتنم غَفلَة الشريف مُحَمَّد وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ وسنانه أطول وسنه أكبر وَأجل وَحين قضيت إِمَارَة سعد بلَيْل نَادَى مُحَمَّد يحيى بالثبور وَالْوَيْل وَقَالَ كَيفَ إِمَارَة الْأَحْدَاث لَا بُد أَن يجر على هَذَا المنصب أَنْوَاع الْأَحْدَاث وَيدل على إجتثاث هَذِه الرُّتْبَة من أَصْلهَا كَمَا دلّت فِي سالف الزَّمَان براقش على أَهلهَا

стр. 173

(أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل ... مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل) إِلَى كَلَام يخب فِيهِ وَيَضَع وتوجع عَظِيم لَو نفع وَكَانَ انتصاب سعد مَشْرُوطًا بِرَفْع خَبره إِلَى الْأَبْوَاب وَمَا جَاءَ من هُنَاكَ فَهُوَ الْمُعْتَمد وَالصَّوَاب وَرُبمَا أَن رفع هَذِه الْقَضِيَّة إِلَى مسامع السلطنة العثمانية كَانَ عقب دس البراطيل الَّتِي انْتفع بهَا كم من عليل وانتقع بهَا كم من غليل فَوَقع الِاتِّفَاق من نَائِب جدة وَسَائِر أَعْيَان مَكَّة على أَن يرفعوا خبر الشريف زيد وَإِنَّهُم متوقفون على من تنْسب إِلَيْهِ تِلْكَ الْبقْعَة وَيذكر بِالْخطْبَةِ مَعَ صَاحب التخت وَتخرج برسمه الخلعة وَتَأَخر الْجَواب إِلَى رَجَب هَذِه السّنة ثمَّ ورد لسعد بِولَايَة مفوضة ودولة مُمكنَة فَكَانَ أَخُوهُ أَحْمد خَادِم إِشَارَته وَهَارُون وزارته فَالْتَفت سعد إِلَى ضبط المملكة بجأش ثَابت وَقدم أرسخ من الثوابت تركع بَين يَدَيْهِ الْأَشْرَاف والملوك وتزهوا باسمه ورسمه المنابر والصكوك وَحين لباه الْقدر وأسعد وَمَال عَن الشريفين حمود وَأحمد تردد فِي جَوَانِب الصَّفْرَاء وينبع وَتلك الديار مستندين فِي إِمْضَاء الْأَحْكَام إِلَى قَائِم السَّيْف البتار (وَمن تكن الْأسد الضواري جدوده ... يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا) وَفِي آخر ربيع الثَّانِي سَار إِلَى برط السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني وانفذ رِسَالَة إِلَى الإِمَام تَتَضَمَّن الْقدح فِي شَيْء من الْأَحْكَام وَهَذَا السَّيِّد لَهُ فطنة قَوِيَّة وبلاغة عُلْوِيَّهُ وَبَاعَ فِي الْعُلُوم غير قصير وَنظر إِلَى سَائِر الكمالات غير حسير غير أَن الولايات أرزاق وَلَيْسَ التقيد بهَا لكل كَامِل على الْإِطْلَاق وَفِيه رفع الإِمَام مَا كَانَ وَضعه بالأسواق وَلم يبْق من القبالات إِلَّا مَا كَانَ من قبل وَفِي جُمَادَى الأولى اتّفق بِصَنْعَاء وَقت الضُّحَى زَلْزَلَة ورجفات وَمَضَت بهَا وَمَا حولهَا جَراد لم يعْهَد مثلهَا فِي الْكَثْرَة قيل أَنَّهَا ارْتَفَعت من بطُون تهَامَة إِلَى الْجبَال ثمَّ انتشرت فِي الشَّام حَتَّى بلغت دمشق وحلب ثمَّ انْتَهَت إِلَى الرّوم وَلم تعاود الْيمن إِلَى سنة خمس وَثَمَانِينَ كَمَا سَيَأْتِي وَوجد مكتوبات فِي

стр. 174

أذنابها برقم نميم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فسبحان الْقَادِر الْحَكِيم واضطربت هَذِه الْأَيَّام أَحْوَال الْأَشْرَاف وَخَافَ كل وَاحِد على نَفسه التلاف وَفِي نصف جُمَادَى الْآخِرَة خسف الْقَمَر عِنْد طلوعه ببرج الجوزاء وفيهَا أخبر تجار عمان الواصلون إِلَى الْيمن إِنَّه قد برز أَمر السُّلْطَان صَاحب القسطنطنية بالتجهيز على حُسَيْن باشا صَاحب الْبَصْرَة وعَلى ذكر الْبَصْرَة فَهِيَ الْآن فؤاد قطرها وَقَاعِدَة مصرها تنْسب تِلْكَ الْبِلَاد إِلَيْهَا على الْعُمُوم ويستقر بتختها مَنْصُوب الرّوم بهَا قُصُور وبروج يَتَخَلَّل حريمها بساتين ومروج وَلها نهر مجرور من دجلة يمْضِي فِي كل شوارعها ويتبلبل فِي حافتها فيلذ لمسامعها ولشعبه إِلَى بيوتها جداول مدمجة ينصب مِنْهَا إِلَى حِيَاض مصهرجة فينتفع بِهِ أتم الإنتقاع ثمَّ يُرْسل إِلَى تِلْكَ الْبَسَاتِين فيجاوب أطيارها بأفنان التلاحين وَيقبل أَرض رياضها المغدقة ويتلوث بأقدام أَغْصَانهَا المورقة فطوبى لمن وَصلهَا بِفضل الرّبيع واستملى من أزاهر أفنانها فن البديع ظلّ أَغْصَانهَا حَاجِب للشمس وَلَا يَأْذَن إِلَّا للنسيم لِأَن كل غُصْن ملك متوج من زهره بدر نظيم وطيرها لحنه فَارسي مُعرب التلحين فَلَو تكلم بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين لأفصح معربا وَأنْشد مطربا (بَادر لروضك تلق فِيهِ مهيئا ... للقاك بِالْمَعْنَى الَّذِي يسْتَغْرق) (فالطير تشدو والنسيم محركا ... والغصن يرقص والغدير يصفق) وَلها فضل على بَغْدَاد بتخلل النَّهر جَمِيعهَا فَلِكُل حارة مِنْهَا حَظّ مقسوم وَشرب مَعْلُوم وَتلك لاستعلاء بَعْضهَا عجز نهرها عَن سير الِارْتفَاع وانسابت ثعابينه فِيمَا انحدر من الْبِقَاع وَأما الْكُوفَة فَهِيَ الْآن خراب لَا يسكنهَا غير الضبا والضباب شعرًا

стр. 175

(لبلدة سامراء قد فاض سرها ... فسبحان حامي سر مرا وماحيها) وَفِي سَابِع وَعشْرين من رَجَب توفّي القَاضِي الْعَلامَة فَخر الْإِسْلَام عبد الْقَادِر ابْن عَليّ المحيرسي بِبَلَدِهِ المحيرس من أَعمال الشاحذية ولي الحكم هُنَالك فسلك فِيهِ أَيمن المسالك بقدم وَاقِف فِي الْعُلُوم على تخوم الرسوخ وغرار فهم يقطع من مقاولة الْخُصُوم عرق اليافوخ قَرَأَ على الْعَلامَة الْمُفْتِي بعلمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَوَافَقَ رَأْيه فِي مختارات الْأُصُول وَكِلَاهُمَا متشرع فِي بَحر الْحجَّة مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم مشرع إِلَى بَحر الشّبَه خطى تصميمه الصميم وَقد دَار بَينه وَبَين الإِمَام كؤوس خلاف هِيَ الذمن المدام وَكَانَ القَوْل فِيهَا مَا تَقول حذام وَمن رأى مَا فِي كتابي الإيثار والعواصم من تيسير جعل الْخلاف لفظيا أعرض عَن تَطْوِيل تِلْكَ الأبحاث ونبذها ظهريا وَمَا أحسن قَول صَاحب الْجمل (يَكْفِيك من جِهَة العقيدة مُسلم ... وَمن الْإِضَافَة أحمدي حيدري) وَقد لَاقَى حَاصِل مَعنا قَول بن دَقِيق الْعِيد (تجاوزت حد الْأَكْثَرين إِلَى الْعلَا ... وسافرت واستبقيتهم فِي المراكز) (ولججت فِي الأفكار حَتَّى تراجع ... اخْتِيَاري إِلَى اسْتِحْسَان دين الْعَجَائِز) قلت حَدِيث عَلَيْكُم بدين الْعَجَائِز قَالَ السخاوي لَا أصل لَهُ لَكِن عِنْد

стр. 176

الديلمي من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي عَن أَبِيه عَن ابْن عمر مَرْفُوعا إِذا كَانَ فِي آخر الزَّمَان وَاخْتلفت الْأَهْوَاء فَعَلَيْكُم بدين أهل الْبَادِيَة وَالنِّسَاء وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف جدا قَالَ ابْن حبَان حدث عَن أَبِيه بنسخة مَوْضُوعَة لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ انْتهى من مؤلفات صَاحب التَّرْجَمَة حَاشِيَة على شرح الأزهار قرر فِيهَا طَهَارَة رُطُوبَة الْكفَّار وَهُوَ الَّذِي نَهَضَ بِهِ الدَّلِيل كَمَا قَرَّرَهُ الْأَمِير الْحُسَيْن وَصرح بِهِ فِي بعض شُرُوح الْبَحْر وَإِن الطَّلَاق يتبع الطَّلَاق حَيْثُ كَانَ بِأَلْفَاظ وأحسب أَن لَهُ شرحا على الثَّلَاثِينَ مسئلة فقد مِنْهُ نُسْخَة منسوبة إِلَيْهِ وفيهَا من الْعبارَات الرائقة والتحقيقات الفائقة مَا يسلب الأذهان ويهلى عَن صغد شغد سَمَرْقَنْد وَشعب بوان وَله جَوَاب على الْفَقِيه الْعَلامَة أَحْمد بن مطير فِي شَأْن المعونات الَّتِي يَأْخُذهَا أَرْبَاب الْأَمر وَفِي هَذِه السّنة جَاءَت الْأَخْبَار بوفاة الشاه عَبَّاس بن الشاه صفي بن الشاه عَبَّاس ملك الْعَجم فتسنم تَحْتَهُ أحد أَوْلَاده ثمَّ قَتله سُلَيْمَان أَخُوهُ وَمَشى فِي رسمه وتقلد عضب حكمه وباء بإثمه وإثمه وَسَببه الْحَسَد الَّذِي مَا خلا عَنهُ جَسَد (دَاء دَعَا قابيل من قبله ... إِلَى الَّذِي أحدث فِي صنوه)

стр. 177

قَالُوا وَغير سُلَيْمَان هَذَا كثيرا من أَحْدَاث وَالِده الَّتِي كَانَ قد تطهر بهَا مثل الْخمر والبغايا وهم بِالْمَنْعِ عَن نِكَاح الْمُتْعَة فصده عَن ذَلِك عُلَمَاء الإمامية فِي زَمَنه وَكَأَنَّهُم هموا بالتسجيل عَلَيْهِ إِنَّه صادم الشَّرْع المسكوك وَهُوَ المفتعل المأفوك ولعوام الْعَجم وَالروح جنوح إِلَى تَنْفِيذ مَا يصدر عَن عُلَمَائهمْ حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا واشتهر بِهَذَا عَسَاكِر الأروام فَإِن صَاحب تختهم مَتى صدر عَنهُ مَالا يرضاه الْعلمَاء نهضوا إِلَى شيخ الْإِسْلَام وَجمع بِحَضْرَتِهِ أهل الْحل والإبرام وحرر بمشهدهم سجلا يتَضَمَّن أَن السُّلْطَان قد تعطل عَن الْمصلحَة أَو غلب فَسَاده صَلَاحه وَبِذَلِك يتَوَجَّه رَفعه وَيتم خلعه وَأَن الحنكار الْأَعْظَم والجناب الْمُعظم الَّذِي كملت بِهِ الْمَقَاصِد وعرى من وُجُوه الْمَفَاسِد الْوَاجِب على من تحمل كلمة التَّصْدِيق وَتمسك من الشَّرْع بِحَبل وثيق أَن ينصر ألويته ويحف أنديته ثمَّ يضع شيخ الْإِسْلَام عَلَيْهِ خَتمه فيلتزم من عداهُ من الْعلمَاء الحضار خَتمه ثمَّ يفاض الْأَمر على وَزِير التخت فيشعر من عداهُ وَيتم الدست فَإِن قبل المخلوع قوبل بالسلامة وَإِلَّا نَالَ عواقب الندامة وَقد يعْدم الْأمان فيتمناه وَقد يذهب الَّذِي فِيهِ عَيناهُ وَمَعَ عدم تَفْرِيط سُلَيْمَان فَإِنَّهُ نزل من الإفراط بمَكَان وَلم يعلم أَن تعمق التَّطْهِير للفرحين مَظَنَّة للْفَسَاد وَأَنه (رُبمَا أخرج الحزين جوى الْحزن ... إِلَى غير لَائِق بالسداد) (مِثْلَمَا فَاتَت الصَّلَاة سُلَيْمَان ... فأنحنا على رِقَاب الْجِيَاد) نقل عَنهُ فِيمَن سكر بِالشرابِ أَنه أفرغ فِي حلقه الرصاص الْمُذَاب وَفِي رَجَب وصل إِلَى حَضْرَة الإِمَام مَنْدُوب السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان بن عُثْمَان صحبته هَدِيَّة لَيست بسنية وَفِي صحبته جمَاعَة من بواردية الإنقشارية والأسباهية فانقبضت عَنهُ الخواطر وَلم تقر بِمَا جَاءَ بِهِ

стр. 178

النواظر وأقصي عَن حَضْرَة الإِمَام بعد أَن مازجت الخواطر مِنْهُ أَوْهَام فأثابه الإِمَام بِمَا يَلِيق وَدلّ على قَارِعَة الطَّرِيق فَتوجه طَرِيق صنعاء وَقد ارْتَفع إِلَى الْخَواص بعض خَبره وَإنَّهُ أظهر فِيمَا بعد أَن الْهِنْد مُنْتَهى سَفَره فَلَمَّا وصل صنعاء وَبهَا عَسَاكِر صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن وهم فِي أبهة لَهَا أساليب يرتجف لَهَا فؤاد شبيب وَقَائِدهمْ داهية فِي سربال وفارعة يقوم بهَا قِيَامَة الْأَبْطَال (أَسد دم الْأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الْمَوْت مِنْهُ يرعد) فَمَلَأ بِهِ النواظر وَلَقي مِنْهُ الهزبر الكاشر لكنه أَخذ يقلل حَاله فِي أعين النَّاس ويخبر عَن كَثْرَة شجعان بِلَاده وَمَا هم عَلَيْهِ من الباس ويخبر أَنه برز أَمر السُّلْطَان قبل الْعَام الْمَاضِي بالتجهيز على الفرنج وَأَن تعْمل المذاكي وتلمع المواضي فَرَمَاهُمْ على سَبِيل الْفَوْز بسبعة لكوك فصادف سُقُوط الثَّلج الَّذِي سد عَلَيْهِم طرق السلوك فاغتنم الفرصة الإفرنج وَقتلُوا مِنْهُم خلقا عديدا ﴿هُنَالك ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا﴾ بعد أَن تراموا بالزبارط والمكاحل ثمَّ اجتلدوا بِالرِّمَاحِ والمناصل وَكَانَت الدائرة بالهزيمة على الْمُسلمين وريح النَّصْر خافقة بهَا ألوية الْكَافرين وَلم يعد غير نصفهم إِلَى اسطنبول فَوَعَدَهُمْ السُّلْطَان بنيل السول ثمَّ كمل بهم عدَّة عشرَة لكوك وربط فيالقهم وكراديسهم بالبواش والوزراء والملوك وأنفذهم كالنصال إِلَى نحور الفرتقال فأنسوهم لَيْلَة الهرير وحصدوا من رقابهم الجم الْغَفِير ثمَّ قَالَ مَا هَؤُلَاءِ الَّذين فِي حضرتكم إِلَّا فِي عدَّة أهل البلطات وهم الَّذين يحملون زبر الْحَدِيد تجاه الْجَيْش لإِصْلَاح الطرقات فَتلقى حَدِيثه بِعَدَمِ الْجِدَال وحملت حماسته على كَاهِل الِاحْتِمَال وَلما وصل إِلَى حَضْرَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام وأشرف على العرضة الَّتِي عقدت بقاع جبلة فَرَأى أساليب الأروام بِتِلْكَ النّوبَة الَّتِي يحمحم لَهَا الْجواد الصَّافِن ويحترك لَهَا الْفُؤَاد السَّاكِن

стр. 179

(وَشرب أحمت الشعرى شكايمها ... ووسمتها على أنافها الحكم) وَكَانَت خيوله فِي قدر ألف عنان على أَكْثَرهَا فرسَان الرّوم والمولدين والسودان ثمَّ حول نظره إِلَى عَسَاكِر الرماح والبنادق والغواشي والرايات والألوية والبيارق فَرَأى ترتيبا دَاخله مَعَه من الْإِعْجَاب مَا أجرا على لِسَانه الصَّوَاب ثمَّ قَالَ إِذا كَانَ وَلَا بُد من مليك بِالْيمن فَهُوَ هَذَا مَوْلَانَا مُحَمَّد بن حسن ثمَّ بعد أَيَّام انْفَصل عَن حَضْرَة عز الْإِسْلَام وَقد ثقل كَاهِله بنواله وقلد جيده بأفضاله فَسَار إِلَى المخاثم خَاضَ الْبَحْر وأعمى خَبره إِلَى الْآن وَذهب حَيْثُ ذهب القارضان وَفِي هَذَا الشَّهْر ارْتَفَعت الأسعار قصَّة يهود الْيمن ودعواهم تحول لملك إِلَيْهِم لعنة الله عَلَيْهِم وَفِي رَجَب ظهر عَن الْيَهُود مَا فِيهِ قبح وشناعة واستحكم عَلَيْهِم السخف وَنِهَايَة الخلاعة (وسخيف من سَاءَهُ الْمَنّ والسلوى ... وأرضاه الفوم والقثاء) فتأهبوا للاقلاع عَن الْمقَام واللحوق بأخوانهم بِبَيْت الْمُقَدّس وَالشَّام وَادعوا أَن ملكهم الْمَسِيح بن دَاوُود قد ظهر واستتب لَهُ الْملك وَتمّ فباعوا أمتعتهم ببخس الْأَثْمَان وتأهبوا للاجتماع على الْمُضِيّ فِي طَرِيق الشَّيْطَان وَمِنْهُم من أخبر أَنه سَيَأْتِي لَهُم مَا يحملهم إِلَى ذَلِك الْمحل من غير تَعب وَلَا وَجل وَفِي الْكَشَّاف عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي صُدُورهمْ إِلَّا كبر مَا هم ببالغيه﴾ فِي سُورَة غَافِر مَا لَفظه المجادلون هم الْيَهُود وَكَانُوا يَقُولُونَ يخرج الْمَسِيح بن دَاوُد يُرِيدُونَ الدَّجَّال ويبلغ سُلْطَانه الْبر وَالْبَحْر وتسير مَعَه الْأَنْهَار وَأَنه آيَة من آيَات الله فَيرجع إِلَيْنَا الْملك فَسمى الله ذَلِك كبرا وَنفى أَن يبلغُوا متمناهم انْتهى والدجال خُرُوجه آخر الزَّمَان وَلَيْسَ ملكهم هَذَا كَمَا يدعونَ وَلَيْسَ هَذَا وَقت خُرُوجه فحرر القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن سعد الدّين سؤالا إِلَى الإِمَام وَوَقع فِي الْجَواب مَا يقْضِي بِأَن عدم وقوفهم على رسوم الذِّمَّة ينقصها وتنوقل

стр. 180

هَذَا الْكَلَام حَتَّى اتَّصل بكوكبان وشبام فهتكوا حَرِيم من عِنْدهم من الْيَهُود وَأخذُوا مَا مَعَهم من الأثاث والحلى والنقود وَلما صرخَ الصَّارِخ بشبام أَن هَذَا عَن أَمر الإِمَام بَادر أهل حَاز والغرزة إِلَى نهب من عِنْدهم وَوصل جمَاعَة من هَمدَان وَحُضُور إِلَى صنعاء فأجدب عَلَيْهِم المرعا وخاب الْمَسْعَى ومنعهم أَمِير الْبَلَد السَّيِّد جمال الدّين عَليّ بن الْمُؤَيد وَحين بلغ نهبهم الإِمَام سد هَذَا الْبَاب وَذكر أَنه لم يَأْمر بالانتهاب وتوجهت على الَّذين انتهبوهم الْآدَاب وَلما شرعت نَار سخفهم أَن تطفى وَحصل التغافل عَن فعلتهم الَّتِي لَا تخفى عَمدُوا إِلَى رجل مِنْهُم فجملوه بِأَحْسَن الثِّيَاب وأداروا عَلَيْهِ كؤوس الشَّرَاب وَلما أَخذه غول الْخمْرَة وخاضت بِهِ فِي الغمرة طلع إِلَى الْقصر الْكَبِير ورام أَن يتسنم كرسيه والسرير وَيَدْعُو إِلَى طوعه بالمأمور فِيهِ والأمير فَكلم السَّيِّد جمال الْإِسْلَام بالعبرانية بِكَلَام مَعْنَاهُ أَنه قد تمّ ملكك فقوض الْخيام واخرج عَن الْقصر وَسلم الْأَمر فبادر أهل الحضرة بإنزاله وتبادر كل مِنْهُم إِلَى نعاله وَصبُّوا لَهُ مطرة بِلَا ريح جزا ذَلِك الْفِعْل الْقَبِيح الشنيع ثمَّ مضوا بِهِ إِلَى حبس الْبُسْتَان وأنزلوه بمنازل الهوان وخلعوا مَا عَلَيْهِ من ثِيَاب الْحَرِير ومسخت رئاسته إِلَى التعزيز كَمَا مسخ إخْوَته إِلَى القردة والخنازير وَرفع شَأْنه إِلَى الإِمَام فَعَاد جَوَابه بِمَا فِيهِ كِفَايَة النَّاس من شَره وإذاقته عواقب نكثه ومكره فأوصلوه إِلَى الْحلقَة وضربوا ثمَّ عُنُقه وعلق بِبَاب شعوب وَبَقِي مُدَّة على هَيْئَة المصلوب وَعند ذَلِك ضاعف الإِمَام الْآدَاب على الْيَهُود وَأسْقط عمائمهم عَن الرؤس وَرفع كبارهم إِلَى الحبوس وَفِي هَذِه السّنة اتّفق حَرْب بَين العصيمات وَخيَار وَقتل من الْجَانِبَيْنِ ثَلَاثَة أَنْفَار فأدبهم الإِمَام وتحاجزوا عَن الْخِصَام وَفِي شعْبَان انتهب برط قافلة من العمشية كَانَت فِي عُهْدَة سُفْيَان فلحقهم الْعَار بذلك على قاعدتهم فصادفوا جمَاعَة
следующие страницы →