← История

История · id 6641

طبقات صلحاء اليمن = تاريخ البريهي

عبد الوهاب البريهي

Полный текст (336 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي ميز عِصَابَة السّنة بأنوار الْيَقِين وأيد رَهْط الْحق بالهداية إِلَى دعائم الدّين ووفقهم للاقتداء بِسَيِّد الْمُرْسلين وسددهم للتأسي بصحبه الأكرمين وَيسر لَهُم اقتفاء آثَار السّلف الصَّالِحين وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة أفوز بهَا يَوْم الدّين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله خَاتم النَّبِيين ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ أما بعد فَهَذَا كتاب تَارِيخ مُخْتَصر من التَّارِيخ الْكَبِير الَّذِي جمعته فِي بَيَان الْعلمَاء والفضلاء بِالْيمن وَمن اشْتهر مِنْهُم فِي المئة التَّاسِعَة وَقد أذكر أمورا من بعض من توفّي قبلهَا فِي المئة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة والوافدين إِلَيْهِ فِي الْعَصْر الْمَذْكُور من سَائِر الأقطار وَجَعَلته تذكرة لأولي البصائر والعقول مِمَّا شاهدته وأخبرت عَنهُ وحذفت مُكَرر القصائد المطولات مِمَّا قد كنت أرصدته ودونته فِي الأَصْل لهَذَا الْمُخْتَصر فَمن رغب إِلَى تَحْقِيق ذَلِك فلينظره ويراجعه فِيمَا هُنَالك فَفِيهِ زِيَادَة تصنيف عَن هَذَا الْمُخْتَصر وبدأت بالسادة الشرفاء الشَّافِعِيَّة من أهل صنعاء وَمَا والاها من حراز وملحان وبرع وريمة ووصاب ثمَّ بعدهمْ الْعلمَاء والفضلاء من أهل مخلاف جَعْفَر وَذَلِكَ بعدان والسحول وإب وبلدة بني سيف وبلد بني حُبَيْش والشوافي وجبلة ومعشار التعكر وَمَا والى ذَلِك وختمت بالعلماء والفضلاء من أهل تعز وزبيد وموزع وعدن وَمَا والى ذَلِك

стр. 2

فَأَما أهل صنعاء فأولهم السَّيِّد الشريف أوحد الْعلمَاء الْأَعْلَام الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ المرتضى الهادوي الحسني وَمن المفاخر صَعب مرتقاها لَهُ النّظم المعجز والنثر الموجز وَله مصنفات فِي سَائِر فنون الْأَدَب كَأَنَّهَا عُقُود من جمان أَو شذور من ذهب قلت وَالدَّلِيل على دُخُوله مَذْهَب أهل السّنة مَا شاهدته مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ إِلَى الإِمَام أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي نفع الله بِهِ قَالَ فِي أثْنَاء مَا كتبه إِلَيْهِ ثمَّ إِنِّي كنت فِي إبان الحداثة مُولَعا فِي علم الْكَلَام وَفِي هَذِه الْمدَّة رغبت عَنهُ إِلَى علم الحَدِيث وَرجعت عَمَّا كنت عَلَيْهِ الْقَهْقَرَى وفضلت فِي الحَدِيث من قرى وَقلت الصَّيْد كل الصَّيْد من جَوف الفرا وَكم بَين علم من لَا ينْطق صَاحبه عَن الْهوى مَعْصُوم فِي جَمِيع أَحْوَاله عَن الْخَطَأ وَقد تلفع فِي حَضْرَة الْقُدس بِثِيَاب النَّجْوَى وَكَانَ من الْقرب قاب قوسين أَو أدنى وَأرَاهُ الله ثَوَاب نَفسه وَبعث النَّفس فِي جنَّة المأوى وَجَاوَزَ بِهِ وَلم يقف عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى ﴿مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ وَبَين ثارت علم بَين أَهله عجابة المراء فأعشى أبصار كثير مِنْهُم عَن طَرِيق الْهدى وَأَصْحَابه أهل الصِّرَاط السوي وَمن اهْتَدَى أُولَئِكَ أهل علم الْمُصْطَفى الْمَعْقُود على رؤوسهم تيجان الرضى من الْملك الْأَعْلَى وَأنْشد

стр. 3

(عَلَيْك بحبهم فاجعله فرضا ... وَقدم حبهم فِي الله قرضا) (وَأمْسك بالقوادم من هدَاهُم ... وَخص فِي علمهمْ ترضي وترضى) (أحب سَمَاء أَرضهم وأرضا ... تكون لَهُم سَواد الْعين أَرضًا) (أطباء الْقُلُوب هم إِذا مَا ... غَدَتْ من كَثْرَة التدقيق مرضى) ثمَّ قَالَ وَهَذِه هِيَ الطَّرِيقَة الجادة وَهِي اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وحسبنا مَا ورد فِي آدَاب الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا﴾ الْآيَات وانْتهى أخْبرت أَنه حج سنة ٨٠٩ وَكَانَ هَذَا الشريف وَزِير الإِمَام الشريف صَلَاح بن عَليّ ثمَّ لوَلَده عَليّ فَسُمي ذُو الوزارتين وَله شعر حسن ذكرته فِي الأَصْل فليطالع من هُنَالك فِي مُكَاتبَته إِلَى الْفَقِيه الْعَلامَة شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الْمقري إِلَى مَدِينَة زبيد وَغير ذَلِك مِنْهُ مَا قَالَه وَقد حضر عِنْده زبيب أَبيض استحسنه فَقَالَ (يَا أهل صنعاء قد رزقتم جنَّة ... أنهارها تجْرِي بِأَمْر الْخَالِق) (ورزقتم فِيهَا زبيبا أبيضا ... من رَازِق فتنعموا بالرازقي) توفّي هَذَا الشريف بِمَدِينَة ذمار بحمام السعيدي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمانمئة من دُخان الْحمام ﵀ ونفع بِهِ آمين

стр. 4

وَمِنْهُم السَّيِّد الشريف الْعَلامَة عز الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ المرتضى الهادوي الحسني كَانَ إِمَامًا يرجع إِلَيْهِ فِي المعضلات ويقصد لإيضاح المشكلات أَجمعت الْعَامَّة من أهل بَلَده على جلالته واحترامه وتفضيله وإكرامه ولزومه طَرِيق السّنة ورفضه لأهل الْبِدْعَة ترْجم لَهُ بعض أَئِمَّة الزيدية فَقَالَ هُوَ الشريف الْمُحدث الأصولي النَّحْوِيّ الْمُفَسّر الْمُتَكَلّم الْفَقِيه البليغ المفوه الرحالة الْحجَّة السّني فريد الْعَصْر ونادرة الدَّهْر وخاتمة النقاد وحامل لِوَاء الْإِسْنَاد وَبَقِيَّة أهل الِاجْتِهَاد بِلَا خلاف وَلَا عناد كشاف أصداف الفرائد قطاف أزهار الْفَوَائِد فاتح أقفال الظرائف مانح أثقال اللطائف مُصِيب شواكل المشكلات بثواقب أبصاره مطبق معاضل المعضلات بصوارم أفكاره مضحك كمائم النكت من نوادره مفتح نَوَادِر الظرائف من موارده ومصادره انْتهى مَا وجدته من التَّرْجَمَة أخْبرت أَن مولده فِي رَجَب سنة سِتّ وَسبعين وسبعمئة وَأَنه توفّي شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة وَأَن هَذَا الشريف سمع الحَدِيث من جمَاعَة أَجلهم شيخ الْحرم جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة الْقرشِي الشَّافِعِي الْمَكِّيّ وَشَيخ عُلَمَاء الْيمن نَفِيس الدّين سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي وَشَيخ الحَدِيث بِصَنْعَاء حُسَيْن بن مُحَمَّد العلفي وَغَيرهم مِمَّن عني بِمَعْرِِفَة أَحَادِيث الْأَحْكَام وتمييز الرِّجَال

стр. 5

وَمَا يجب مَعْرفَته على الْمُجْتَهد وَكَانَ دَاعِيَة إِلَى السّنة وَأكْثر تآليفه فِي ذَلِك ككتاب العواصم فِي أَرْبَعَة مجلدات يشْتَمل على تَحْقِيق مَذْهَب السّلف وَأهل السّنة وَالرَّدّ على المبتدعة والذب عَن أَئِمَّة الْفُقَهَاء الْأَرْبَعَة جود فِيهِ القَوْل فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال وَمَا يتَعَلَّق بهَا من مَسْأَلَة الْمَشِيئَة والأقدار وصنف مُخْتَصرا فِي السّنة الْخَالِصَة عَن عِبَارَات الْمُتَأَخِّرين عَن جَمِيع الْمذَاهب وَهُوَ جُزْء لطيف وصنف كتاب تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن على أساليب اليونان فِي معرفَة الله تَعَالَى وَكتاب الْبُرْهَان الْقَاطِع فِي معرفَة الصَّانِع وَله غير ذَلِك من المصفنات المفيدة وَله شعر رائق من ذَلِك مَا سَنذكرُهُ من قصيدة طَوِيلَة قَالَ فِيهَا (إِذا افتتحت أَبْوَاب رَحْمَة رَبنَا ... صغرن لَدَيْهَا موبقات الجرائم) (وَإِن هِيَ لم تفتح وَلم تسمح الخطا ... فعد من الْهَلَاك أهل العزائم) (وَمَا الرِّبْح والخسران إِلَّا لحكمة ... بهَا جَفتْ الأقلام قبل الْخَوَاتِم) وَله فِي جمع الْعشْرَة ﵃ فِي بَيت وَاحِد هُوَ قَوْله (للمصطفى خير صحب نَص أَنهم ... فِي جنَّة الْخلد نصا زادهم شرفا) (هم طَلْحَة وَابْن عَوْف وَالزُّبَيْر كَذَا ... أَبُو عُبَيْدَة والسعدان والخلفا)

стр. 6

قلت شعر هَذَا الشريف الْمَذْكُور كثير مِنْهُ مَا قد ذكرته فِي الأَصْل وَمِنْه غير ذَلِك مِمَّا لَا ينْحَصر وَقد مدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم الأديب البليغ أَحْمد قَاسم بن عَليّ بن سريع الشهير بالشامي وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء المجودين كَانَ بحرا زاخرا بعلوم الزيدية والتاريخ وَغَيرهَا فَقَالَ شعرًا فِيهِ (ألم بمحمود السجايا مُحَمَّدًا ... يعنك وَإِن صالت عَلَيْك المهالك) (فتقتبس الْأَنْوَار من نور علمه ... وتلتمس الأزهار وَهِي ضواحك) (هُوَ الْبَحْر علما بل هُوَ الْبَدْر طلعة ... هُوَ الْقطر جودا وَهُوَ للمجد مَالك) وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي التَّارِيخ الْكَبِير فَمن أحب ذَلِك فلينظرها مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وبعلومه آمين وَمن المتوفين بِصَنْعَاء الْيمن الْفَقِيه الْكَاتِب الْوَزير أَبُو الْحسن عَليّ بن يحيى العمراني رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ بَعضهم فِيهِ هُوَ طود كَمَال وبحر إنصاف إِجْمَال حلى كَتِفي الْأَدَب والرياسة وَأخذ بطرفي أَحْكَام الشَّرِيعَة والسياسة وَضرب فِي علم التصوف بِسَهْم وَنصِيب وَرمى أغراض الْحَقِيقَة بِسَهْم مُصِيب أخْبرت أَنه وَأَهله وَأَبوهُ وَإِخْوَته وقبيلهم على مَذْهَب الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵁ وهم من بلد بمغرب صنعاء تسمى الحيام بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكَانَ لَهُم الْعِبَادَة وَلَهُم مُشَاركَة بِشَيْء من الْعُلُوم فسلك الْفَقِيه صَاحب التَّرْجَمَة طَرِيق التصوف وتحكم عل يَد شيخ الشُّيُوخ ولي الله تَعَالَى محيي الدّين العرابي وتأدب بآدابه وَألبسهُ الْخِرْقَة الْمُتَّصِلَة سندها بسيدنا رَسُول الله ﷺ على اصْطِلَاح الصُّوفِيَّة وَكَانَ يجمع جمَاعَة إِلَى بَيته يذكرُونَ

стр. 7

الله تَعَالَى من صَلَاة الصُّبْح إِلَى بعد ظُهُور ٤ الشَّمْس وَمثل ذَلِك بآخر النَّهَار يَتلون الذّكر الْمَشْهُور عَن الشَّيْخ العرابي فاشتهر هَذَا الْوَزير شمس الدّين بِالْعَمَلِ الصَّالح وبرع فِي فن الكتابات للإنشاء واستنابه الإِمَام الشريف عَليّ صَلَاح على أَحْكَام صنعاء ومعظم بَلَده وحوائج وَالِده فَصَارَ بِبَاب الإِمَام هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ وَسَار فيهم سيرة حَسَنَة حَمده عَلَيْهَا كل أحد مَعَ علم الإِمَام عَليّ بن صَلَاح أَنه شَافِعِيّ الْمَذْهَب وَكَانَ بِهِ نفع عَظِيم للشَّافِعِيَّة وَغَيرهم وَصَحب الشريف جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم مقدم الذّكر والمقرىء جمال الدّين مُحَمَّد الساودي فاغتاظت الزيدية من ذَلِك وَلم يظهروا عَدَاوَة العمراني وَلم يزل الْوَزير العمراني الْمَذْكُور على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون وَله شعر رَقِيق من ذَلِك مَا قَالَه من قصيدة طَوِيلَة (إِلَيْك إلهي جِئْت أسعى وأحفد ... وأنصب فِيمَا ترتضيه وأجهد) (وأخلص فِي فعلي وَقَوْلِي تقربا ... إِلَيْك وأقضي مَا قضيت وأعبد) (وأثني عَلَيْك الله فِي كل لَحْظَة ... وأقصد بالنجوى إِلَيْك واصمد) وَله غير ذَلِك مِمَّا قد أثْبته فِي التَّارِيخ الْكَبِير وَغَيره ﵁ ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم المقرىء الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْخَولَانِيّ الْمَشْهُور بالساودي قَرَأَ بالقراءات السَّبع والْحَدِيث والنحو وَالْأُصُول على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته وأجازوا لَهُ فدرس وَتخرج على يَده جمَاعَة بِهَذِهِ الْعُلُوم

стр. 8

وَكَانَ وحيد عصره ومقرىء مصره وفريد دهره فِي بَلَده لجمعه لفنون شَتَّى من أَنْوَاع الْعُلُوم اتَّفقُوا على أَنه لم يكن فِي زَمَنه بِصَنْعَاء وذمار وصعدة وَغَيرهَا من تِلْكَ الْجِهَات الْعليا من يماثله ويدانيه فِي علم الْقرَاءَات السَّبع وصنف فِي ذَلِك كتابا حافلا سَمَّاهُ فكاهة الْبَصَر والسمع فِي معرفَة الْقرَاءَات السَّبع وَجعله فِي ثَلَاثَة مجلدات كبار وَألف كتابا مُخْتَصرا فِي قِرَاءَة نَافِع وَأبي عَمْرو ووفدت عَلَيْهِ طلبة الْعلم من جِهَات شَتَّى فأفادهم الْفَوَائِد السّنيَّة وَكَانَ قد يخْطب فَإِذا وعظ كَانَ كمن لانت لَهُ صم الصخور وأذهب كَلَامه كل زيغ فِي الصُّدُور بِلَفْظ مُوَافق لعقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَخْبرنِي وتلفظ لي وأشهدني أَنه شَافِعِيّ الْمَذْهَب يعْتَقد مَا يَعْتَقِدهُ أهل السّنة وَيُخَالف مَا عَلَيْهِ أهل الْبِدْعَة وَغَيرهم وَكَانَ قد يضْطَر إِلَى موافقتهم فِي اعْتِقَادهم تقية مِنْهُم وَله فِي علم التصوف مجَال ممتد وَمَكَان مُعْتَد وَكَانَت طَائِفَة من أهل وصاب مِنْهُم بَنو البعيثي وَأهل قطرهم وَجَمَاعَة من غَيرهم يَعْتَقِدُونَ أَنه قطب الْوُجُود وبركة كل مَوْجُود وَكَانُوا يؤدون إِلَيْهِ زكاتهم وفطرتهم ويأتمرون بأَمْره وينتهون لنَهْيه ويتبركون بمواقع أنامله وَلما كفى الله هَذَا المقرىء جمال الدّين شَرّ الزيدية قَالَ بَيْتَيْنِ متمثلا بهما (وَإِنِّي لمن قوم إِذا لبس الورى ... دروعا وجالوا فِي ظبا وأسنة) (لباسهم الذّكر الْحَكِيم لبأسهم ... فهم فِي حمى حدي كتاب وَسنة) وَقيل إِن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لغيره وَإِنَّمَا أَتَى بهما متمثلا وَحكي عَنهُ كرامات ذكرتها فِي الأَصْل توفّي هَذَا المقرىء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثمانمئة فِي دولة الإِمَام النَّاصِر بن مُحَمَّد وَقد كَانَ مكرما لَهُ مفوضا إِلَيْهِ كِتَابَة الْإِنْشَاء وَأمر الْوَقْف والوصايا ففاق أهل زَمَانه برسائله المبهجة وَكَلَامه المسجوع رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وبعلومه

стр. 9

وَمن المتوفين بِصَنْعَاء من الوافدين إِلَيْهَا سنة تسع وَأَرْبَعين وثمانمئة الشَّيْخ الْعَارِف الرّحال تَاج الْإِسْلَام بن صدر الدّين بن فَخر الْملَّة الْقرشِي الْخُرَاسَانِي كَانَ من أكَابِر الْعلمَاء العارفين وَأكْثر مَعْرفَته فِي علم الْمنطق ويروي فِي الْأَخْبَار عَن سنَن الْأَوَّلين وَعَن الْأَئِمَّة أهل عصره من أهل بَلَده وَعَن مَا مر عَلَيْهِ من سَائِر الْبلدَانِ مَا يضيق عَن ذكره هَذَا الْمَجْمُوع وَذكر فِيمَا حُكيَ عَنهُ فَوَائِد وعجائب ذكرتها فِي الأَصْل وَمِمَّنْ تقدّمت وَفَاته بِمَدِينَة صنعاء من أهل السّنة الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن حُسَيْن بن عَليّ بن سُلَيْمَان السراج أخْبرت أَنه كَانَ فَقِيها مُحدثا نحويا جَامعا لأشتات من الْعُلُوم مصنفا قَرَأَ على المشائخ الْكِبَار فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وانتفع بِهِ أهل صنعاء وَغَيرهم وقصده طلبة الْعلم الشريف من نواحي الْيمن وَمن تلامذته المقرىء جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر اليريمي وَهُوَ مِمَّن أثني عَلَيْهِ وَشهد لَهُ أَنه فِي الْعُلُوم لَا يجارى وَلَا يمارى وَنقل عَنهُ أَئِمَّة الْعَصْر من الْفَوَائِد الصَّحِيحَة بالعبارات الصَّرِيحَة مَا مَلأ السطور وشفى الصُّدُور وَحصل الْإِجْمَاع على جلالته وعلو رتبته وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا شرح الْحَاوِي الصَّغِير وَمِنْهَا تعاليق مفيدة على مَوَاضِع كَثِيرَة من كتب الْفِقْه والْحَدِيث والنحو وَغَيرهَا وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ مِمَّن سلمت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة بِبَلَدِهِ وبوقته وَهُوَ أشهر من أَن نطيل بوصفه توفّي بِمَدِينَة صنعاء بعد الْخمسين الأول من المئة الثَّامِنَة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْحَافِظ شرف الدّين حُسَيْن بن مُحَمَّد الْقرشِي العلفي أخْبرت أَنه كَانَ شيخ الحَدِيث بِمَدِينَة صنعاء وَأَنه كَانَ يرحل إِلَيْهِ من أنحاء الْيمن لطلب الْعلم وَعنهُ أَخذ السَّيِّد الشريف جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمُقدم الذّكر وَهُوَ مَعْدُود من شُيُوخه

стр. 10

كَانَ هَذَا الشَّيْخ شرف الدّين على جَانب عَظِيم من الزّهْد وَالْعِبَادَة وَكَانَ أهل بَلَده يجلونه ويعظمونه وانتفع بِهِ طلبة الْعلم الشريف وَكَانَ سَنَده فِي الحَدِيث عَالِيا وَطَالَ عمره وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته إِلَّا أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي أَوَائِل المئة الثَّامِنَة رَحمَه الله تَعَالَى وَمن الوافدين إِلَى صنعاء من الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد اليريمي قَرَأَ فِي الْفِقْه على عَمه الْفَقِيه تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد اليريمي وعَلى جمَاعَة من الْفُقَهَاء بِمَدِينَة تعز وَقَرَأَ فِي النَّحْو بِمَدِينَة صنعاء على جمَاعَة من الْأَئِمَّة فبرع بذلك ودرس فِيهِ وأضيف إِلَيْهِ تدريس الْمدرسَة الفرحانية بتعز والإعادة فِي الْمدرسَة المعتبية بتعز وَكَانَ كثير التَّرَدُّد إِلَى بَلَده يريم وَإِلَى مَدِينَة صنعاء فطلع من مَدِينَة تعز إِلَى مَدِينَة صنعاء على عَادَته فعاجلته الْمنية فِيهَا وَكَانَت وَفَاته سنة سبعين وثمانمئة وَكَانَت لَهُ قريحة ينظم بهَا الشّعْر وَله أحجيات يوردها على أهل الْأَدَب رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم المقرىء الْفَاضِل مفضل بن عمرَان الْحرَازِي رَحل من بلد حراز إِلَى مَدِينَة صنعاء فَقَرَأَ بالقراءات السَّبع وبالنحو على المقرىء جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الساودي وَأقَام عِنْده سِنِين ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز وَقَرَأَ بالنحو على الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْوَهَّاب السرافي وعَلى المقرىء شمس الدّين على الشرعبي وَتزَوج بِمَدِينَة تعز وَسكن بهَا ثمَّ استدعاه الإِمَام النَّاصِر إِلَى مَدِينَة صنعاء بوساطة شَيْخه المقرىء جمال الدّين الساودي فانتقل إِلَيْهَا وَأحسن إِلَيْهِ الإِمَام النَّاصِر ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَجعله مؤدبا لوَلَده إِلَى أَن توفّي بعد سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 11

القَوْل فِي ذكر من علمنَا حَاله من الْعلمَاء والفضلاء من أهل وصاب وريمة وَمَا والى ذَلِك فنبدأ بِذكر الْفُقَهَاء من أهل الْحَرْف فِي مخلاف جعر من وصاب الْأَعْلَى فَمنهمْ الإِمَام الْعَلامَة الصَّالح وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عمر الحبيشي كَانَ دوحة علم وذكاء أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء سقته الْفَضَائِل بشآبيبها وكسته المعارف جلابيبها نَشأ يَتِيما فِي حجر أمه واشتغل فِي صباه بالشعر واللغة واشتهر بالفصاحة والبلاغة فَكَانَ ينشىء الشّعْر العجيب وَهُوَ صَغِير حدث السن ثمَّ اشْتغل بالفقه فَقَرَأَ على جمَاعَة من الشُّيُوخ مِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن أسعد والفقيه تَقِيّ الدّين عمر بن عبد الله بن صَالح اليحيويان وَفِي الحَدِيث على الإِمَام برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عمر الْعلوِي وَالْإِمَام شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي الْخَيْر الشماخي بِالْمُعْجَمَةِ وَاسْتمرّ فِي الْمدرسَة المؤيدية مدرسا فِي مَدِينَة تعز فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ تَركهَا

стр. 12

ورحل إِلَى بَلَده فَأَقَامَ بهَا يدرس ويفتي ثمَّ تولى الْقَضَاء هُنَالك فَكَانَ ﵀ إِمَامًا محققا للفنون كلهَا كالتفسير والْحَدِيث والنحو واللغة وَالْأُصُول وَالْفُرُوع وَسَائِر الْعُلُوم وَكَانَ صواما قواما ورعا مُجْتَهدا ألف كتبا كَثِيرَة حَسَنَة مِنْهَا كتاب بلغَة الأديب إِلَى معرفَة الْغَرِيب وَمِنْهَا كتاب الِاعْتِبَار لِذَوي الْأَبْصَار وَمِنْهَا كتاب الجدل بَين اللَّبن وَالْعَسَل وَمِنْهَا كتاب المعتقد لِذَوي الْأَلْبَاب وَالْمُعْتَمد فِي الْآدَاب نظما قدر ألف وأربعمئة بَيت تَقْرِيبًا وَمِنْهَا كتاب زهر الْبَسَاتِين فِي الدُّعَاء على عَدو الدّين وَمِنْهَا كتاب النّظم والتبيان نظم بِهِ كتاب التَّنْبِيه فِي الْفِقْه وَلم يكمله وَقيل أكمله وَله غير ذَلِك من الْخطب والآداب وَله مَنَاقِب وفضائل ذكرتها فِي الأَصْل مَعَ شعر رائق توفّي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة السبت الثَّامِن من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانِينَ وسبعمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَدفن فِي التربة تَحت مَسْجِد قَرْيَة الْحَرْف واشتهر لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد نجباء عُلَمَاء فضلاء مِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة الإِمَام قدوة الصَّالِحين بوقته وبركتهم وصفوة العارفين وعمدتهم السَّيِّد الْجَلِيل الْكَبِير الشهير جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخْبرت أَنه مِمَّن طابت لَهُ المحافد والمغارس وأنارت بمصابيح علمه الْمَسَاجِد والمدارس وَكَانَ عَالما عَاملا بِعِلْمِهِ صَالحا جَامعا لأنواع الْفَضَائِل كثير الذّكر وَالِاجْتِهَاد أَخذ الْعُلُوم عَن عدَّة مَشَايِخ مِنْهُم وَالِده الْمُقدم الذّكر ثمَّ الإِمَام برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عمر الْعلوِي وَكَانَ ﵀ ذَا معرفَة قَوِيَّة فِي الْقرَاءَات السَّبع وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه واللغة وَالْأَدب وَالْحكمَة وَله استدراكات وتنبيهات على الْمَوَاضِع المشكلات وصنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا نشر طي التَّعْرِيف فِي فضل حَملَة الْعلم الشريف وَمِنْهَا كتاب الْبركَة فِي السَّعْي وَالْحَرَكَة وَمِنْهَا كتاب النورين فِي إصْلَاح الدَّاريْنِ وَمِنْهَا التَّذْكِير بِمَا إِلَيْهِ الْمصير وَكتاب فرحة الْقُلُوب وسلوة المكروب وَله غير ذَلِك من الرسائل

стр. 13

والمنظومات وَمن شعره مَا كتبه إِلَى وَلَده عبد الرَّحْمَن يحثه على طلب الْعلم الشريف القصيدة الْمَعْرُوفَة الَّتِي أَولهَا قَوْله (مَا لَذَّة الْخلق فِي الدُّنْيَا جَمِيعهم ... وَلَا الْمُلُوك وَأهل اللَّهْو والطرب) (كلذتي فِي طلاب الْعلم يَا وَلَدي ... فالعلم معتمدي حَقًا ومكتسبي) وَبَاقِي القصيدة مثبتة فِي الأَصْل فَمن أَرَادَ مطالعتها فلينظرها فِيهِ توفّي هَذَا الإِمَام فِي شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ ولد أَوْلَاد نجباء فضلاء عُلَمَاء أحدهم يُسمى عمر كَانَ رجلا فطنا ذكيا فصيحا لَهُ لِسَان يضْرب بِهِ أرنبة أَنفه كلسان الشَّافِعِي ﵁ وَكَانَ مشاركا بِالْعلمِ وَالثَّانِي أَحْمد تفقه بِأَبِيهِ وجده وَغَيرهمَا فَأفْتى ودرس وَكَانَ مسموع القَوْل مُطَاع الْكَلِمَة بِبَلَدِهِ وَهُوَ الَّذِي سعى بِإِخْرَاج المَاء الْجَارِي فِي الْحَرْف وَحدث لَهُ ولد سَمَّاهُ عمر كَانَ مُبَارَكًا مشاركا بِشَيْء من الْعلم وَالثَّالِث من أَوْلَاد الْفَقِيه جمال الدّين اسْمه عبد الرَّحْمَن كَانَ فَقِيها مؤرخا صنف كتاب الِاعْتِبَار فِي التواريخ وَالْأَخْبَار خص بذلك مُلُوك الْيمن وفقهاء وصاب وصلحاءها ومشايخها وَلم يتَعَرَّض لباقي أهل الْيمن سوى من عرض ذكره عِنْد ذكر من ذكرهم بكتابه وَتُوفِّي بالعشر الأول من المئة التَّاسِعَة

стр. 14

وَأما ولد الإِمَام وجيه الدّين الثَّانِي فَهُوَ الْفَقِيه الْعَالم صفي الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن عمر أخْبرت أَنه كَانَ إِمَام الفصحاء وقدوة البلغاء يجتنى من رياض معارفه الْعُلُوم ويقتطف من أزهارها المنثور والمنظوم قَرَأَ فِي الْفِقْه على أَبِيه وأخيه الْمقدمِي الذّكر ثمَّ على جمَاعَة من عُلَمَاء وصاب وعَلى الإِمَام الْمُحدث برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عمر الْعلوِي بتعز وعَلى غَيرهم وسافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ وَقَرَأَ على الْأَئِمَّة هُنَالك فأجازوا لَهُ وَكَانَت لَهُ فطنة وقادة وطبيعة منقادة حُلْو الْكَلَام محببا إِلَى النَّاس مقرءا مُحدثا فَقِيها نحويا لغويا لبيبا مهيبا لطيفا ظريفا حَافِظًا لافظا محققا شَاعِرًا فصيحا جَامعا لجَمِيع فنون الْعلم اشْتهر بذلك مَعَ وجود أَبِيه وأخيه وصنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا الْإِرْشَاد فِي سباعيات الْأَعْدَاد وَهُوَ كتاب عَجِيب مُفِيد وَمِنْهَا كتاب رياضة النُّفُوس الزكية فِي فضل الْجُوع وَترك اللذائذ الشهية وَمِنْهَا كتاب تحفة الطالبين وَتَذْكِرَة السالكين وَمِنْهَا كتاب التَّعْرِيف فِي بَيَان أَحْكَام التَّأْلِيف وَمِنْهَا جُزْء مُخْتَصر فِي مدح الطول وذم الْقصر وَله غير ذَلِك من المصنفات وَله ديوَان شعر فِي مُجَلد ضخم أَخْبرنِي الْفَقِيه الصَّالح إِبْرَاهِيم بن حسن بن سَالم من قَرْيَة المخادر أَنه رأى فِي النّوم قَائِلا يَقُول بلغ الْعلم السار بانتقال صفوة الأخيار ذِي السكينَة وَالْوَقار إِلَى منَازِل الْأَبْرَار فليهنه طيب الْجوَار فَحمل ذَلِك على موت هَذَا الْفَقِيه لِأَن هَذِه الرُّؤْيَا كَانَت وَقت أَن مَاتَ توفّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمانمئة

стр. 15

وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد اشْتهر مِنْهُم اثْنَان أَحدهمَا الْفَقِيه الْعَلامَة الرحالة عبد القدوس كَانَ فَقِيها مجودا قَرَأَ على بعض أَهله وعَلى غَيرهم وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَهُوَ الْأَكْبَر من أَوْلَاد أَبِيه وَالثَّانِي هُوَ القَاضِي الْعَلامَة أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز وَكَانَ إِمَامًا عَاملا عَالما فَقِيها ذكيا ورث الْفَضَائِل من آبَائِهِ الأفاضل وفَاق أهل وقته بِحسن الْأَخْلَاق وَالشَّمَائِل تفقه على بعض أهل بَلَده ثمَّ ارتحل إِلَى شنين فِي بلد السحول فَقَرَأَ على الإِمَام رَضِي الدّين أبي بكر عمر الأصبحي الشنيني حَتَّى انْتفع فَأجَاز لَهُ فَعَاد إِلَى بَلَده فدرس وَأفْتى وَأَحْيَا مآثر أَهله وَتَوَلَّى الْقَضَاء فِي بَلَده وَكَانَ مَقْصُودا للمهمات مكرما للضيف شَاعِرًا مُولَعا بِكَثْرَة التَّزْوِيج حكى بعض أَهله أَنه تزوج امْرَأَة سَحْمَاء فَقَالَ على صفة المزاح شعرًا اشْتهر على أَلْسِنَة الْعَامَّة من ذَلِك قَوْله (حكمت بِأَن الْبيض خير من السحم ... وأجريت أحكامي وَمَا جرت فِي حكمي) وَهِي قدر اثْنَي عشر بَيْتا وَذَلِكَ مُثبت فِي الأَصْل فَلَمَّا وقفت الزَّوْجَة على هَذِه القصيدة واشتهرت بوصاب وتناقلتها الألسن سَاءَ ذَلِك السحماء زَوجته فَأرْسلت لجَماعَة من النِّسَاء فاجتمعن إِلَيْهَا ثمَّ دخلن على القَاضِي الْمَذْكُور إِلَى مجْلِس كتبه الَّذِي يَخْلُو فِيهِ للتدريس والتأليف فَلَمَّا رآهن قَالَ لامْرَأَته مَا بالكن فَقَالَت أَتَيْنَا لنخاصمك على قصيدتك الَّتِي قلت فِيهَا حكمت بِأَن الْبيض خير من السحم فَقَالَ الذَّنب هَين فَقُلْنَ مَا نتحول من مَكَاننَا حَتَّى تنَاقض هَذِه القصيدة فَكتب مَا مِثَاله مناقضا لقَوْله الأول (أيا مادحا للبيض من غير مَا علم ... وَيَا مُعْلنا للسحم بالسب والذم)

стр. 16

(أفق وانتبه وارجع إِلَى الْحق واتعظ ... وَتب عَن قَبِيح القَوْل وَالْفُحْش والجرم) وَهِي طَوِيلَة وَقد ذكرتها فِي الأَصْل تركت هُنَا ذكرهَا إيثارا للاختصار فَلَمَّا فرغ من نظم ذَلِك أخذت النِّسَاء نسختها وشهرتها فتناقلتها الألسن من الرِّجَال وَالنِّسَاء بِتِلْكَ الْبَلَد وَمن شعره مَا نبه بِهِ على أَن كل أحد يعود إِلَى أَصله فَقَالَ (خُذ العوسج الْمَشْهُور بالشوك غارسا ... لَهُ فِي فتيت الطين أَو كثب الْمسك) (وأسقه ذوب الشهد أَو بقطارة ... يكون جناه الشوك حَقًا بِلَا شكّ) (كَذَاك يعود الطَّبْع وَالْأَصْل دَائِما ... يَقِينا وتحقيقا إِلَى الطَّبْع والبتك) وَله غير ذَلِك من الشّعْر الْحسن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بمنزله بالحرف سنة خمس وَعشْرين وثمانمئة وَنَشَأ لَهُ ولد نجيب هُوَ الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد قَرَأَ فِي الْعلم على أَبِيه وعَلى غَيره فدرس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء هُنَالك وَكَانَ عَالما صَالحا يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَيكرم الضَّيْف وَظَهَرت لَهُ كرامات أَقَامَ على الْحَال المرضي فِي التدريس وَالْفَتْوَى وَالْعِبَادَة إِلَى أَن توفّي مقتولا بعد سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة فَعظم الْأَمر على أهل وصاب واحتالوا فِي معرفَة من قَتله حَتَّى فضحهم الله فَلَزِمَ وَالِي الْأَمر أحد قاتليه فَأقر بذلك وَقَالَ كُنَّا أَرْبَعَة عشر فَبعد أَن قَتَلْنَاهُ اجتهدنا بِأَن نطرح جثته إِلَى ضاحة هُنَالك لنخفي قَتله وحملناه لنطرحه فَلم نقدر نسقطه إِلَى الضاحة بل جلس كالحي ورزن حمله علينا فعجزنا عَن طَرحه فَقتل الْوَالِي من قدر على إِمْسَاكه

стр. 17

من قاتليه وَمَات باقيهم بأقرب مُدَّة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَأما الثَّالِث من أَوْلَاد الإِمَام وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عمر الْمُقدم ذكره فاسمه عبد الله تفقه على أَبِيه وَإِخْوَته فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَكَانَ زاهدا عابدا وَامْتنع عَن قبُول التَّمْلِيك لما بذل أَهله أَن يعطوه من الأَرْض تورعا وَكَانَ متورعا عَن الْفَتْوَى وَإِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة قَالَ هِيَ فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ بالصفحة الْفُلَانِيَّة وَالنَّص فِيهَا كَذَا وَكَذَا قَالَ ابْن أَخِيه صَاحب الِاعْتِبَار مَا مِثَاله صَحَّ عِنْدِي أَن عمي عبد لله لم ينظر إِلَى امْرَأَة أَجْنَبِيَّة قطّ وَإِنَّمَا كَانَ يغض بَصَره إِذا سَار فِي طَرِيق وَقضى أَكثر أَيَّامه معتكفا فِي الْمَسْجِد اَوْ وَاقِفًا فِي بَيته وَأجْمع أهل بَلَده على صَلَاحه وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الحبيشي الْمُقدم الذّكر كَانَ هَذَا القَاضِي فَقِيها قَرَأَ على جمَاعَة من أَهله وَمن غَيرهم وَلما قتل ابْن عَمه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمُقدم الذّكر قَامَ مقَامه بالتدريس وَالْفَتْوَى وَولَايَة الْقَضَاء وَلم يزل على ذَلِك الى أَن توفاه الله تَعَالَى قريب سنة خمسين وثمانمئة وَمن أهل وصاب الْفَقِيه الصَّالح الْوَلِيّ شمس الدّين يُوسُف بن الميسر الشهابي نسبا قَرَأَ على الْأَئِمَّة من أهل وقته ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة ذِي جبلة فَقَرَأَ على الإِمَام رَضِي الدّين بن الْخياط وَصَحبه الْفَقِيه عفيف الدّين عَطِيَّة بن عبد الرَّزَّاق فَقَرَأَ عَلَيْهِ بالفقه وَأَجَازَ لَهُ وَأخْبر عَنهُ بكرامات ثمَّ ارتحل من مَدِينَة ذِي جبلة إِلَى بَلَده فَتوفي بهَا وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته إِلَّا أَنه كَانَ فِي الْحَيَاة بِأول المئة التَّاسِعَة ﵀ ونفع بِهِ

стр. 18

وَمِنْهُم الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن سَالم الوصابي قَرَأَ بِشَيْء من الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة على الْفُقَهَاء بوصاب فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وسلك طَريقَة التصوف واشتهر بِالْكَرمِ وإطعام الطَّعَام فِي بلد وصاب فانقاد لَهُ أهل الْبَلَد وَكَانَ ذَا جاه عريض واجتهد بِالْعبَادَة وَنسب إِلَيْهِ شَيْء من الكرامات وَلأَهل بَلَده فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح توفّي بعد سنة خمسين وثمانمئة وَأما المشهورون فِي عصرنا من أهل بَلْدَة ريمة فَمنهمْ الْفَقِيه الْفَاضِل أَبُو بكر بن أَحْمد بن دروب قَالَ الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه على الْفَقِيه عمر بن المقرىء من بَلَده وَأخذ الحَدِيث عَن عُثْمَان الديابي من أهل وصاب وَتُوفِّي بِذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وسبعمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن دروب قَرَأَ على الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وعَلى الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده فدرس وَأفْتى وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وَكَانَ مُطَاع القَوْل مَقْصُودا للمهمات توفّي سنة عشْرين وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه عبد الرَّحِيم بن عبد الأول أخبر الثِّقَة أَنه من الْفُضَلَاء والعباد وَكَانَ كثير الذّكر وتلاوة كتاب الله تَعَالَى وَيخْتم بِالْيَوْمِ ثَلَاث ختمات لَا يفتر لِسَانه عَن التِّلَاوَة أَو ذكر الله تَعَالَى وَهُوَ مُعْتَمد قِرَاءَة الرَّاتِب الْمَعْرُوف للشَّيْخ عمر العرابي

стр. 19

أول النَّهَار وَآخره وَكَانَ آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر مُطَاعًا رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن أهل وصاب المقرىء الْأَجَل الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد البعيثي كَانَ رجلا عَالما عَاملا صَالحا لَهُ عبَادَة وزهد وَصِيَام وَقيام واجتهاد بِقَضَاء حوائج الْمُسلمين وأخلاق حَسَنَة وَطَرِيق مستحسنة يفعل الْخيرَات وَيطْعم الطَّعَام ويحيي اللَّيْل بِالْقيامِ وَأخْبر الثِّقَة أَن وَالِده كَانَ من الصَّالِحين وَمن عباد الله الْمُجْتَهدين يَأْمر هُوَ وَولده بِالْمَعْرُوفِ ويمتثلون أَمرهمَا وينتهون عَمَّا نهيا عَنهُ واشتهر لَهما كرامات رحمهمَا الله ونفع بهما وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْخَولَانِيّ العتمي اشتهرت نسبته إِلَى البعيثي الْمُقدم الذّكر وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُم وَإِنَّمَا أمه أُخْت المقرىء عفيف الدّين الْمُقدم الذّكر كَانَ هَذَا الشَّيْخ وجيه الدّين يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ويشارك بِسَائِر الْعُلُوم ثمَّ سلك طَرِيق التصوف فاجتهد بِالْعبَادَة والورع والزهد وَالْكَرم فاشتهر غَايَة الشُّهْرَة بذلك وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة فانقاد لَهُ أهل وصاب أجمع وامتثلوا أمره واعتمدوا قَوْله وأطاعوه بِجَمِيعِ الْأُمُور فاتفق بوقته أُمُور مُنكرَة من جمَاعَة من الرافضة الَّتِي تسميها أهل الْيمن الإسماعيلية فَأمر الشَّيْخ وجيه الدّين بِجمع الشَّافِعِيَّة من أهل وصاب فَاجْتمع إِلَيْهِ خلق كثير فقصدوا الرافضة إِلَى بلدهم وأخرجوهم من حصونهم وَقبض أَمْوَالهم وسبا ذَرَارِيهمْ فَلَمَّا علم الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر

стр. 20

المقرىء أنكر عَلَيْهِم ذَلِك لإقدامهم على مَا فعلوا من غير إنذار وَلَا اسْتِتَابَة وَأَنْشَأَ رِسَالَة أرسل بهَا إِلَى الشَّيْخ وجيه الدّين وَإِلَى أهل وصاب وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل حَاصِل مَا فِيهَا أَنه إِذا صَحَّ مَا نسب إِلَى الرافضة وَجب إِنْذَارهم واستتابتهم فَإِن تَابُوا وَإِلَّا أجري عَلَيْهِم مَا يسْتَحقُّونَ من الْأَحْكَام الْمَعْرُوفَة على الْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة توفّي الْفَقِيه وجيه الدّين فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة سنة وَالله أعلم وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن مطهر بن مُوسَى الْحِمْيَرِي الموسوي وصل هَذَا الْفَقِيه إِلَى مَدِينَة إب فجد واجتهد حَتَّى حفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ حفظ منظومة الْحَاوِي وَبَعض كتب النَّحْو وَكَانَ يجْهر بتلاوته نَهَارا وليلا وَكَانَ لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا وَيَقُول عجبت لفقيه ينَام اللَّيْل وَأَعْطَاهُ الله تَعَالَى قُوَّة وصبرا على الدراسة والجهر بِالْقِرَاءَةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَرَأَ بالفقه على الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وعَلى الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي وبالنحو على القَاضِي مُحَمَّد بن أبي بكر البريهي وبالفرائض على القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد البريهي ثمَّ طلع إِلَى مَدِينَة صنعاء فَقَرَأَ بالنحو عل الْأَئِمَّة هُنَالك وَحصل بِخَطِّهِ نَحْو عشْرين كتابا بالنحو وانتفع بِمَا قَرَأَ من الْعُلُوم فَأجَاز لَهُ الْفُقَهَاء فدرس وَأفْتى بِمَدِينَة إب ثمَّ بالشماحي ثمَّ بحقله ثمَّ انْتقل إِلَى وصاب فَأَقَامَ يدرس ويفتي إِلَى أَن

стр. 21

توفّي ﵀ وَأوصى بِأَن يُوقف كتبه بِمَدِينَة إب على نظر الْفُقَهَاء من بني البريهي وَكَانَت وَفَاته بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة سنة وَكَانَ من الْمُحدثين وَمِمَّنْ يرى بِنور الْعلم فاشتهر عَنهُ كرامات وَله شعر حسن مِنْهُ قَوْله ﵁ وأرضاه وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه (سَأَلتك بِاللَّه يَا سامع النداء ... وَيَا من لَهُ النعماء والجود والجدا) (بحقك يَا منان أصلح سريرتي ... وحقق رجائي وَآت نَفسِي لَهَا الْهدى) (وَكن لي وَكن لي معطيا وملاطفا ... شفيقا رَفِيقًا واحم روحي من الردى) (ولليسر يسرنَا وللرشد فاهدنا ... وبالعفو سامحنا لَدَى فَاقَتِي غَدا) وَمِنْهُم الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم البازل قَرَأَ بالفقه على جمَاعَة من فُقَهَاء بَلَده ثمَّ قَرَأَ بِمَدِينَة زبيد على الْأَئِمَّة من بني ناشر وَغَيرهم فأجازوا لَهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده فدرس وَأفْتى وانتفع بِهِ جمَاعَة من أهل تِلْكَ الْبَلَد وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِبَلَدِهِ فحسنت سيرته فيهم توفّي وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الرؤوف بن مُحَمَّد صَاحب الرَّوْضَة بمعشار حصن نعْمَان كَانَ فَقِيها عَالما عَاملا يدرس ويفتي وَجعل لَهُ أَمَاكِن احترمها النَّاس إجلالا لَهُ وَظَهَرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة سنة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين صَالح بن عَليّ بن أَحْمد الشلفي الْمَشْهُور بالحضار قَرَأَ بالفقه على جمَاعَة من الْأَئِمَّة بتعز كَالْإِمَامِ جمال الدّين الريمي وَالْإِمَام جمال الدّين العوادي وَغَيرهمَا وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى بِمَدِينَة تعز وَمن تلامذته المقرىء

стр. 22

الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن أبي بكر السحولي سمعته يثني عَلَيْهِ خيرا كثيرا وَكَانَ مُجْتَهدا بِالْعبَادَة كثير الصّيام وَالْقِيَام وَكَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَلَا يَأْكُل فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِلَّا أكله وَاحِدَة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ الْفَقِيه شهَاب أَحْمد بن الْقَاسِم الضراسي ثمَّ ارتحل إِلَى بَلَده وصاب فَأَقَامَ بهَا يدرس ويفتي إِلَى ان توفّي سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين أَخْبرنِي الْفَقِيه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي قَالَ أخبرهُ الْفَقِيه صَالح الْمَذْكُور قَالَ قحط أهل وصاب وَقل عَنْهُم الْمَطَر قَالَ فدعوت الله تَعَالَى وتوسلت إِلَيْهِ بِالْإِمَامِ النَّوَوِيّ وَكَانَ كِتَابه الْمِنْهَاج بيَدي فَجَعَلته ومصنفه شفيعي إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يسقينا الْغَيْث قَالَ فسقانا الله تَعَالَى الْغَيْث فِي ذَلِك الْيَوْم وَمن الوافدين إِلَى وصاب الْأَسْفَل من أهل تهَامَة الْفَقِيه عفيف الدّين نَاجِي بن مُحَمَّد الشَّرْقِي اليمامي ﵁ كَانَت لَهُ معرفَة جَيِّدَة بالفقيه والنحو والحساب والمساحة والجبر أَخْبرنِي أَنه انْتقل من بَلَده من جور سُلْطَان الْوَقْت إِلَى الضنجوج الرِّبَاط الْمَشْهُور ثمَّ إِلَى نواحي وصاب وامتحن بالفقر وَصَحب القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد البريهي فَكتب إِلَيْهِ شعرًا مِنْهُ مَا أَوله قَوْله

стр. 23

(أَلَيْسَ كل أولي فن أحيباب ... وكل ذَوي ود أصيحاب) فَأَجَابَهُ القَاضِي صفي الدّين بِجَوَاب بليغ تركت ذكره اختصارا ثمَّ أَخْبرنِي أَنه وَفد عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل الْأَدَب فاستضافوه فعجز عَن قراهم فَكتب إِلَيْهِم قَوْله ﵁ (الْجُود طبعي غير لَا أملك مَا ... يقري النزيل لَا وَلَا يروي الظما) (فاعذر أخي أَن رَأَيْت بباحتي ... محلا بهَا وادع أخي بِمَا وَمَا) (والفقر شين للأنام كلهم ... لَا سِيمَا يَا سَيِّدي للعلما) وَلِهَذَا الْفَقِيه شعر حسن غير ذَلِك توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بعد سنة خمسين وثمانمئة سنة وَمن الوافدين إِلَى وصاب من أهل مَدِينَة زبيد الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الفارقي شهر بالنهاري قَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء عفيف الدّين عُثْمَان النَّاشِرِيّ وبالفقه على الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الْمقري وعَلى القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ ورتبه إِمَامًا ومدرسا بِالْمَدْرَسَةِ الفرحانية الْبَريَّة الْخَارِجَة من مَدِينَة زبيد ثمَّ لما اتّفق على أهل زبيد وَمَا والاها مَا اتّفق من العبيد والمعازبة والقرشيين بعد سنة خمسين وثمانمئة سنة انْتقل هَذَا الْفَقِيه إِلَى بلد نعْمَان وصاب فدرس وَأفْتى وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء بِتِلْكَ الْجِهَات

стр. 24

وَألف كتبا فِي الْفِقْه مِنْهَا كتاب سَمَّاهُ الْكِفَايَة وَكتاب زواهر الْجَوَاهِر اخْتَصَرَهُ من جَوَاهِر الْقَمُولِيّ وَهُوَ فِي قيد الْحَيَاة حَال جمع هَذَا الْمُخْتَصر

стр. 25

القَوْل فِي ذكر من تحققنا حَاله من أهل بلد حراز وملحان وبرع وَمَا والى ذَلِك فَمنهمْ الشَّيْخ الصَّالح ولي الله تَعَالَى محيي الدّين أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد العرابي الشاوري اشْتهر هَذَا الشَّيْخ بِمذهب التصوف وبالعبادة وَمن شُيُوخه شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الحرضي بحرض ثمَّ سَافر مِنْهَا إِلَى مَكَّة المشرفة وَإِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَصَحب الشُّيُوخ هُنَالك وتأدب بآدابهم وتحكم على أَيْديهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن فَأَقَامَ ببلدة حراز فَكَانَ محفوفا محشودا ثمَّ طَاف أَكثر مدن الْيمن وقراها وَاجْتمعَ إِلَيْهِ بِكُل بلد المتصوفون بذلك الْوَقْت وفقهاؤها فنصب جمَاعَة كَثِيرَة أَمرهم باعتماد ذكر قد أَلفه ليتلونه من الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس وَمن الْمغرب إِلَى الْعشَاء بعد كل صَلَاة من هذَيْن الْوَقْتَيْنِ فَقَالَ بعض تلامذة هَذَا الشَّيْخ إِنَّه قد منح من الْعَطاء الإلهي علما ونورا وارتقى بِالْعلمِ اللدني منزلَة كبرى فَصَارَ أَعلَى شُيُوخ وقته قدرا وأشهرهم ذكرا وَمِمَّا قَالَه تِلْمِيذه القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النحواني من قصيدة طَوِيلَة تغزل بهَا ثمَّ خرج إِلَى مدحه فَقَالَ فِي أَولهَا

стр. 26

(تراءت وَهِي سافرة النقاب ... كَمثل الْبَدْر لَيْسَ بِذِي سَحَاب) وَقَالَ فِي الْمَدْح (لَعَلَّ الشَّيْخ محيي الدّين فضلا ... يداوي علتي عمر العرابي) (إِمَام فِي الْفَضَائِل جَاءَ سَيْفا ... بهمته وَلَا سيف العرابي) وَقد ذكرت فِي الأَصْل معظمها فَمن أحب ذَلِك فلينظرها مِنْهُ ﵁ وأرضاه آمين وَمِنْهُم المقرىء الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي الأسخني الْمَشْهُور بالشارقي نفع الله بِهِ كَانَ رجلا عَالما عابدا زاهدا صَالحا أَخذ الْقرَاءَات عَن أبي نَافِع عَن ابْن أبي بكر الْحَضْرَمِيّ العمدي عَن ابْن شَدَّاد وَأخذ النَّحْو عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ مِنْهُم الْفُقَهَاء أهل الْحَرْف وَكَذَا سَائِر الْعُلُوم وَقَرَأَ أَيْضا على جمَاعَة من الْأَئِمَّة من أهل مَدِينَة تعز وَذي جبلة وإب وَغَيرهم ثمَّ دخل مَدِينَة زبيد فَكَانَ أَكثر انتفاعه بهَا ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده الشارقة فَأَقَامَ بهَا ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى قَرْيَة أسخن من صعفان بلد مَعْرُوف بِتِلْكَ النواحي فاستوطنها وتصدر للتدريس فقصده النَّاس من الْآفَاق الْبَعِيدَة والقريبة فَانْتَفع بِهِ كل من تخرج على يَده وصل إِلَيْهِ من دمشق الشَّام المقرىء أَحْمد الأريحي والمقرىء عَليّ النخلي فَقَرَأَ عَلَيْهِ وَأَجَازَ لَهما وَقَرَأَ عَلَيْهِ من أهل

стр. 27

الْيمن جمع كثير مِنْهُم المقرىء أَحْمد الشويظي والمقرىء عَليّ الأبيني والمقرىء عبد الرَّحْمَن الملحاني والمقرىء سعيد السورقي وَكَانَ رَفِيق المقرىء شمس الدّين الشرعبي بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وَكَانَت النَّاس تحبه وَمِمَّنْ وضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض وَكَانَت فِيهِ الْبركَة يقْصد لكل مُهِمّ أَخْبرنِي المقرىء شمس الدّين عَليّ الشرعبي بكرامات لَهُ وَأَن لَهُ معرفَة جَيِّدَة فِي علم الْأَسْمَاء والرمل وَأَنه حدث لَهُ ولدان أَحدهمَا اسْمه إِبْرَاهِيم اسْتَفَادَ من وَالِده بعض الْعُلُوم وَالثَّانِي اسْمه أَحْمد غلب عَلَيْهِ معرفَة الْأَسْمَاء والرمل وشارك فِي الْقرَاءَات السَّبع وَغَيرهَا وَكَانَ مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة توفّي هَذَا المقرىء بقرية أسخن سنة عشْرين وثمانمئة سنة ﵀ ونفع بِهِ وبعلومه آمين وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح عماد الدّين يحيى بن أَحْمد بن مُحَمَّد عَليّ بن حَاتِم الحتيفي كَانَ فَقِيها صَالحا قَرَأَ بالفقه بِمَدِينَة ذِي جبلة وإب على فقهائها ثمَّ بِمَدِينَة تعز على الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي ثمَّ جذبه الشوق إِلَى مَكَّة المشرفة فسافر من غير وداع لأحد وَترك كتبه فِي خلوته فِي الْمدرسَة المؤيدية فظنوا أَنه اخْتَطَف فشاع ذَلِك وصاروا يسْأَلُون عَنهُ حَتَّى علم عَلَيْهِ أَنه بِمَكَّة يقْرَأ هُنَاكَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده حراز وَأرْسل للكتب الَّتِي كَانَت فِي المؤيدية فَأَقَامَ بِبَلَدِهِ يدرس ويفتي ويعبد الله تَعَالَى فَاعْتقد أهل بَلَده صَلَاحه وفضله فانقادوا لأَمره واحترموه وعظموه إِلَى أَن توفّي بِبَلَدِهِ حراز بعد سنة خمسين وثمانمئة سنة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وبعلومه آمين وَمن أهل برع الْفَقِيه الْعَالم الْفَاضِل عفيف الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ

стр. 28

الْمُهَاجِرِي نفع الله بِهِ بَلَده النيابتين كَانَ يسكنهَا إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأَ الْفِقْه والنحو على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فَلَمَّا تأهل للتدريس وَالْفَتْوَى أَتَتْهُ الطّلبَة من أَمَاكِن شَتَّى فدرس وَأفْتى واشتهر بِالْعلمِ وَالْعَمَل ترْجم لَهُ بَعضهم فَقَالَ هُوَ أحد الْعلمَاء الْأَحْبَار وَبَقِيَّة الْفُضَلَاء الأخيار سبق الْعلمَاء المجيدين وَالشعرَاء المجودين وَله ممادح فِي النَّبِي ﷺ مِنْهَا القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا (بالأبرق الْفَرد أطلال دريسات ... لال هِنْد عقبهن الغمامات) وَهِي طَوِيلَة وَله غير ذَلِك توفّي ﵀ سنة ثَلَاث وثمانمئة سنة وَمن أهل ملْحَان الْفَقِيه بدر الدّين حسن بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الملحاني نفع الله بِهِ قَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي شرف الدّين إِسْمَاعِيل المقرىء بالفقه وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالشَّيْخ أَحْمد الرداد وَكَانَ فَقِيها مدرسا لَهُ الْعِبَادَة كَانَ راتبه أَن يخْتم كل لَيْلَة ختمة وَكَانَ لَهُ شعر مِنْهُ مَا قَالَه وَكتبه إِلَى وَلَده أَحْمد (أَلا لَيْت شعري يَا أَحْمد ... إِذا فاتك الْعلم هَل تسعد) (وَهل يفصل الحكم فِي محفل ... إِذا أَنْت فِي الدست مسترشد) (فَإِنِّي جهدت ليَالِي الشَّبَاب ... وَمن عشق الْعلم قد يجْهد) (نهاري فِي الْعلم مُسْتَعْمل ... وَفِي اللَّيْل جفني لَا يرقد) (وَفِي الْعلم عز لأهل التقى ... وجاه يُقَاس بِهِ العسجد)

стр. 29

أَخْبرنِي وَلَده أَنه توفّي بعد سنة عشْرين ثمانمئة سنة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن أعالي حراز الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الْوَاحِد بن إِبْرَاهِيم الجريبي بِالْجِيم وَالرَّاء قَرَأَ فِي الْفِقْه على الإِمَام رَضِي الدّين أبي بكر بن عمر الأصبحي الْمَشْهُور بالشنيني وعَلى غَيره من عُلَمَاء وقته فأجازوا لَهُ ثمَّ قطن بِبَلَدِهِ فدرس وَأفْتى وانتهت إِلَيْهِ الرياسة هُنَالك وانتفع على يَده جمَاعَة من الْفُقَهَاء وَقصد للمهمات وَظَهَرت عَلَيْهِ الكرامات وَله شعر حسن مِنْهُ مَا كتبه إِلَى بعض أخصائه من قصيدة أَولهَا (سَلام من النُّور الْبَهِي إِذا انجلى ... وَمن رِيقه اليعسوب من شهده أحلا) (وآنق من نور تشقق نوره ... وألطف من هَب النسيم على الثملا) (يَدُوم مدى الْأَيَّام مَا هبت الصِّبَا ... وَمَا طلعت شمس وَمَا عَابِد صلى) (من الله تغشى سادتي وصحابتي ... وَمن كَانَ لي صهرا وَمن كَانَ لي خلا) وَتَمام القصيدة مثبتة فِي الأَصْل توفّي سنة عشر وثمانمئة سنة وَخَلفه بمنصبه وَلَده الْفَقِيه برهَان الدّين إِبْرَاهِيم قَرَأَ فِي الْعُلُوم على وَالِده الْمُقدم الذّكر وعَلى غَيره فَانْتَفع ودرس وَأفْتى واشتهر بِالْكَرمِ وَلِهَذَا الْفَقِيه برهَان الدّين ولد يُسمى داءود قَرَأَ فِي الْعُلُوم على فُقَهَاء بَلَده وحذا حَذْو أهاليه وَهُوَ وَولده فِي قيد الْحَيَاة عِنْد جمع هَذَا الْمُخْتَصر وَمن أهل حراز الْفَقِيه شرف الدّين مَحْفُوظ بن إِبْرَاهِيم كَانَ فَقِيها عَالما عَاملا يدرس ويفتي ويجتهد بِالْعبَادَة وَمِنْهُم صَاحبه بدر الدّين حسن الجبرتي ظَهرت لَهُ كرامات وَعبادَة خَالِصَة حَتَّى كَانَ هُوَ وَصَاحبه الْفَقِيه شرف الدّين الْمُقدم الذّكر يعبدان الله تَعَالَى بمَكَان الْأسد وهما فِي قيد الْحَيَاة عِنْد جمع هَذَا الْمَجْمُوع كَمَا أخْبرت بذلك جَمِيعه من الثِّقَة

стр. 30

وَفِي حراز أَيْضا من بني اليحيوي عماد الدّين بن مُحَمَّد بن يحيى وشمس الدّين عَليّ بن عبد الله اليحيوي وَولده إِبْرَاهِيم وَغَيرهم من أَهَالِيهمْ اشتهرت عَنْهُم كرامات وفضائل تدل على خَيرهمْ

стр. 31

القَوْل فِي ذكر من تحققنا حَاله من الْأَعْيَان من الْبِلَاد الْفُضَلَاء بمخلاف جَعْفَر وَمَا وَالَاهُ من بعض جهاته على الِاخْتِصَار والاقتصار على ذَوي الْفضل والشهرة بذلك مَعَ حذف ذكر من كَانَ دونهم مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي الأَصْل فنبدأ بالإمامين الجليلين من أهل زريبة النضاري بجبل بعدان أَحدهمَا المقرىء الْأَجَل الصَّالح شمس الدّين عَليّ بن عمر بن مَنْصُور الأصبحي حُكيَ أَنه خرج من قريته الزريبة هُوَ وَأَخُوهُ الإِمَام رَضِي الدّين الْآتِي ذكره لطلب الْعلم فِي صغرهما فقصد الْفُقَهَاء من أهل الْحَرْف فِي نَاحيَة وصاب فَقَرَأَ على الإِمَام وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عمر الحبيشي الْمُقدم ذكره وعَلى ولديه النجيبين مُحَمَّد وَأحمد فأجازوا لَهما ثمَّ رجعا بلديهما فَأَما المقرىء عَليّ فَإِنَّهُ سكن بالنضارى فدرس وَأفْتى وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ علم الْقرَاءَات السَّبع واشتهر غَايَة الشُّهْرَة وَألقى الله لَهُ الْمحبَّة فِي الْقُلُوب فانقاد لَهُ جَمِيع أهل بعدان وولاة الْأَمر وَغَيرهم فعلت كَلمته وامتثل أمره وَلم يزل على الْحَال المرضي مُجْتَهدا بِالْعبَادَة ناشرا للْعلم إِلَى أَن توفّي فِي سنة تسعين وسبعمئة أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَالله تَعَالَى أعلم مَتى كَانَ ذَلِك

стр. 32

وَأما الثَّانِي فَهُوَ الإِمَام الْعَالم الْوَلِيّ رَضِي الدّين أبي بكر بن عمر بن مَنْصُور الأصبحي الْمَشْهُور بالشنيني فقد تقدم من مشايخه عِنْد ذكر أَخِيه مَا يُغني عَن الْإِعَادَة وَقَرَأَ على الإِمَام الْعَلامَة أبي إِسْحَاق عَليّ بن أبي بكر بن شَدَّاد المقرىء وَأَجَازَ لَهُ ولولده النجيب مُحَمَّد ثمَّ إِنَّه لَازم الإِمَام جمال الدّين الريمي واجتهد بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ بِمَدِينَة زبيد وبمدينة تعز فَفتح عَلَيْهِ بِعلم الْفِقْه أَكثر مِمَّا فتح على أَخِيه وشارك بِغَيْرِهِ من سَائِر الْعُلُوم فسكن قَرْيَة المحفد الْمَكَان الَّذِي تَحت جبل عقدَة ووهبه الْمَشَايِخ بَنو نَاجِي أَرضًا جليلة نافعة وأحسنوا إِلَيْهِ غَايَة الْإِحْسَان فتصدر للتدريس وَالْفَتْوَى وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَلم يقبل مِنْهَا إِلَّا مَا تحقق حلّه ثمَّ انْتقل من المحفد إِلَى قَرْيَة شنين الْبَلدة الْمَعْرُوفَة بالسحول الَّتِي نسب إِلَيْهَا فَهُوَ مَشْهُور بالشنيني وَلَيْسَت أصل بلد أَبِيه وجده كَمَا تقدم فَلَمَّا سكن بهَا تَلقاهُ أهل الْبَلَد بالجلالة والاحترام فَعلم بِهِ شيخ بعدان وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن معوضة فَنزل إِلَيْهِ إِلَى مَكَانَهُ وَأظْهر من الْفَرح بوصوله مَا هُوَ اللَّائِق بِحَالهِ وَزَاد فِي إكرامه ثمَّ نظر إِلَى الْبَيْت الَّذِي هُوَ يسكنهُ فَرَآهُ صَغِيرا غير لَائِق بِهِ فَبنى لَهُ دَارا وَاسِعَة الْأَركان على شكل الدَّار الَّتِي يسكنهَا رَضِي الدّين ذَلِك الشَّيْخ الْمَذْكُور فَلَمَّا فرغ من عِمَارَته حمل إِلَيْهِ كل مَا يحْتَاج وَملك الإِمَام رَضِي الدّين ذَلِك الدَّار وَمَا فِيهَا وَأطلق يَدَيْهِ فِي الْوَقْف

стр. 33

بِتِلْكَ الْجِهَات فصرفها الإِمَام رَضِي الدّين فِي مصارفها وواساه من مَاله الْحَلَال بِمَا كَفاهُ فَأَقَامَ الإِمَام رَضِي الدّين بشنين يدرس ويفتي ويجتهد فِي الْعِبَادَة فانتشر ذكره وقصدته طلبة الْعلم الشريف من وصاب وَمن بيضًا حصي وَمن حَضرمَوْت وَمن المخاليف جَمِيعهَا فَكَانَ يُقْرِئهُمْ من الْعُلُوم ويقريهم الطَّعَام وَفتحت لَهُ الدُّنْيَا فَكَانَ ملبسه مِنْهَا إِزَار ورداء فَلَا يتعمم وَلَا يتطيلس زهدا مِنْهُ وَإِذا رأى مُحْتَاجا واساه بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَإِذا دخل سوق المخادر فدأبه قضى حوائج الْمُسلمين يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ لمن يعرفهُ وَلمن لَا يعرفهُ وَكَانَ ذَا جاه عريض مَقْبُول الشَّفَاعَة عِنْد كَافَّة الْمَشَايِخ من الْقَبَائِل بجهاته واشتهرت لَهُ كرامات فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته شَاهدهَا كثير من النَّاس رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَنَشَأ لَهُ أَوْلَاد أَرْبَعَة نجب مِنْهُم ولدان أَحدهمَا الْفَقِيه الْفَاضِل جمال الدّين مُحَمَّد فَكَانَ هُوَ الَّذِي جمع الْعلم وَالْعَمَل وَالصَّلَاح قَرَأَ على وَالِده بِجَمِيعِ فنون الْعلم وَحصل بِخَطِّهِ من الْكتب مَا لم يقدر عَلَيْهِ أحد من أهل وقته من الشُّرُوح وَغَيرهَا ضَبطهَا أحسن ضبط وَكَانَ يكْتب الْمُصحف الْكَرِيم فيفرغه بِثَلَاثَة أَيَّام رَحل بِأَمْر وَالِده إِلَى مَدِينَة تعز للْقِرَاءَة على الإِمَام الريمي فلازمه وَكَانَ من أجل تلامذته وَلم يزل الْفَقِيه جمال الدّين يلتقط فَوَائِد الإِمَام الريمي مُجْتَهدا بِالْقِرَاءَةِ والتحصيل إِلَى أَن ورد عَلَيْهِ أَمر وَالِده بِرُجُوعِهِ إِلَى شنين وأعلمه أَن عَمه المقرىء شمس الدّين توفّي إِلَى رَحْمَة الله وَأمره بالانتقال إِلَى النضاري للتدريس وَالْفَتْوَى بمَكَان عَمه فَفعل بعد أَن ودع الإِمَام

стр. 34

الريمي واستجاز مِنْهُ فَأجَاز لَهُ أجازة عَامَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى عِنْد وَالِده إِلَى شنين فَكَانَت الْمسَائِل المشكلة ترد عَلَيْهِمَا فيحلان إشكالها ويوضحانها أتم أيضاح وَكَانَت لَهما قريحة فِي الشّعْر من ذَلِك أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خمس الْبَيْتَيْنِ للْإِمَام السُّبْكِيّ فِي مدح النَّوَوِيّ وهما (وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... أُصَلِّي فِي جوانبه وآوي) (عَسى أَنِّي أمس بَحر وَجْهي ... مَكَانا مَسّه قدم النواوي) فَقَالَ الْفَقِيه رَضِي الدّين مَا مِثَاله فِي الْبَيْت الأول (إِذا مَا شِئْت تسعد يَا معنى ... وَتسمع قَوْلنَا وَتَكون منا) (فَدَعْنَا عَنْك من سعدى ولبنى ... وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى) إِلَخ الْبَيْت وَقَالَ وَلَده الْفَقِيه جمال الدّين (رَأَيْت برقعة بَيْتَيْنِ شعرًا ... ) (إِلَى السُّبْكِيّ تنْسب نَالَ أجرا ... ) (فخمسها أبي لتَكون ذكرى ... ) (لمن يَدْعُو بدنيا ثمَّ أُخْرَى ... ) فَقَالَ مخمسا للأجرناوي وَفِي دَار الحَدِيث إِلَخ وَتَمام ذَلِك فِي الأَصْل وَحكى أَن الإِمَام رَضِي الدّين وَولده الْفَقِيه جمال الدّين سافرا إِلَى مَكَّة المشرفة

стр. 35

فحجا وزارا قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رجعا إِلَى بلدهما فتذاكرا حجهما فَقَالَ الإِمَام رَضِي الدّين على البديهة شعرًا (يَا لَيْت وَالله لنا كرة ... نجدد الْعَهْد بِأم الْقرى) فَقَالَ وَلَده الْفَقِيه جمال الدّين (وَبعدهَا نثني إِلَى طيبَة ... نجدد الْعَهْد بعالي الذرا) (فنسأل الله تَعَالَى بِمَا ... أنزل فِي الْكتب وَمن قد قرا) فَقَالَ وَالِده (يوفق الْكل لمرضاته ... وَيغْتَفر للْكُلّ مَا قد جرى) فَقَالَ وَلَده (وصل مَا هبت ريَاح الصِّبَا ... على الْمُصْطَفى خير من قد يرى) أَقَامَ الإِمَام رَضِي الدّين وَولده الْفَقِيه جمال الدّين وَبَاقِي أَوْلَاده فِي أهنى عَيْش وألذه مكانهم مأوى للصادر والوارد لطلب الْعلم ولطلب الدُّنْيَا إِلَى أَن اتّفق فِي بعض الْأَيَّام مَا رَأَيْته مسطورا بِخَط القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي قَالَ أَخْبرنِي الإِمَام رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عمر الأصبحي وَولده عفيف الدّين أَن الْفَقِيه جمال الدّين ولد الإِمَام رَضِي الدّين الْمَذْكُور ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض فَأتيَا إِلَيْهِ يعودانه فَقَالَ لَهما إِنِّي خرجت ذَات لَيْلَة أُرِيد صَلَاة الصُّبْح مَعَ جمَاعَة فِي الْمدرسَة بشنين فَلَمَّا وصلت بَاب الْمدرسَة الْأَوْسَط إِذْ أَنا بطائرين على الْبَاب أَحدهمَا ابيض شَدِيد الْبيَاض وَالثَّانِي أَخْضَر فَقَالَ لي أَحدهمَا السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله قَالَ فَقلت وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقَالَ الطَّائِر لَا إِلَه إِلَّا الله فَقلت لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ سكت وَقَالَ الطَّائِر الثَّانِي السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقلت وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ثمَّ إِن الطَّائِر الْأَبْيَض نكس رَأسه إِلَى الأَرْض كَأَنَّهُ مشتغل

стр. 36

بِشَيْء والطائر الْأَخْضَر رفع رَأسه وَنظر إِلَيّ بعينين مليحتين فَمَا زَالَ ينظر إِلَيّ سَاعَة وَهُوَ يكَاد يتَكَلَّم أَو يضْحك ثمَّ بعد ذَلِك طارا جَمِيعًا إِلَى جِهَة الْقبْلَة قَالَ فَبَقيت معجبا من أَمرهمَا ثمَّ تَوَضَّأت وَدخلت الْمَسْجِد فَأول مَا سَمِعت قَارِئًا يقْرَأ ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ قَالَ فأيقنت أَنِّي ميت من ذَلِك الْمَرَض فَقَالَ وَالِده يَا وَلَدي لَعَلَّ ذَلِك كَانَ فِي الْمَنَام فَقَالَ لَا وَالله وَمد بهَا صَوته بل رأيتهما فِي الْيَقَظَة بعيني هَاتين فَأخْبرت أَنه دَامَ عَلَيْهِ ذَلِك الْمَرَض أَيَّامًا ثمَّ توفّي صَلَاة الضُّحَى فِي الْيَوْم الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين وسبعمئة وَدفن بمقبرتهم بقرية شنين وَكَانَ يملك كتبا كَثِيرَة فأوقفها على من يقْرَأ بهَا بشنين وَجعل النّظر لوالده ثمَّ عَاشَ وَالِده بعده صَابِرًا محتسبا شاكرا لله تَعَالَى على قَضَائِهِ وَقدره إِلَى ان أوجب مَا أجْبرهُ على الْخُرُوج من شنين إِلَى مَدِينَة تعز فَتَلقاهُ السُّلْطَان الْأَشْرَف وَأحسن إِلَيْهِ وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب مَا يَلِيق بِحَالهِ ويكفيه هُوَ وَأَوْلَاده فَكَانَ يدرس ويفتي بِمَدِينَة تعز وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ودام على ذَلِك إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان الْأَشْرَف واستقام بِالْملكِ بعده وَلَده الْملك النَّاصِر فأبقى الْفُقَهَاء على مَا فعله مَعَ وَالِده وَكَانَ وَفد إِلَى الْيمن خطيب خطب بِجَامِع ذِي عدينة بتعز يُسمى الْحَمَوِيّ فَكَانَ يخْطب على البديهة ويتوسع فِي الْكَلَام ويتشدق بِهِ وَقد يطول لِسَانه بِذكر مَا لَا يَنْبَغِي وَلَا تبلغه أفهام الْعَوام من ذَلِك أَنه قَالَ فِي أثْنَاء خطْبَة خطبهَا فويل للْعُلَمَاء فويل للْعُلَمَاء وَكرر ذَلِك مرَارًا ثمَّ قَالَ الَّذين لَا يعْملُونَ بِمَا يعلمُونَ ثمَّ أَتَى بِخطْبَة أَولهَا الْحَمد لله النَّاصِر للْملك النَّاصِر يَبْتَغِي بذلك رضى السُّلْطَان النَّاصِر وارتفاع مرتبته عِنْده ثمَّ أَتَى بأَشْيَاء مِمَّا رأى الْفُقَهَاء الْإِنْكَار عَلَيْهِ بذلك فَلَمَّا رأى الإِمَام رَضِي الدّين الشنيني ذَلِك وَقد طول ذَلِك الْخَطِيب الْخطْبَة لصَلَاة الْجُمُعَة تَطْوِيلًا مملا فَأتى إِلَى بَاب الْمِنْبَر فَقَالَ للخطيب اتَّقِ الله عَمَّا أَنْت بصدده واقصر الْخطْبَة ثمَّ جَاءَ الْخَطِيب إِلَى عِنْد الْفَقِيه رَضِي الدّين

стр. 37

للمناظرة فناظره الْفَقِيه رَضِي الدّين وَأقَام الْحجَّة عَلَيْهِ وَنَصره الْفُقَهَاء بِمَدِينَة تعز وأوجبوا على هَذَا الْخَطِيب التَّعْزِير ثمَّ إِن بعض المتصوفة من أهل ذِي جبلة خطر بِبَالِهِ من غير أَن يتَلَفَّظ بِلِسَانِهِ بِأَن الأولى للفقيه رَضِي الدّين أَن يرجع إِلَى بَلَده يسكن ويدرس وَيطْعم الطَّعَام فَألْقى الله ذَلِك فِي خاطر الْفَقِيه رَضِي الدّين فَخرج من فوره واكترى لأهل بَيته وانتقل قَاصِدا شنين فَلَمَّا وصلوا إِلَى رَأس الْجَبَل الَّذِي فَوق المحرس لحقهم ذَلِك الصُّوفِي الَّذِي خطر بِبَالِهِ مَا سبق الْكَلَام فِيهِ فَسلم على الْفَقِيه رَضِي الدّين فَرد ﵇ وَقَالَ لَهُ قد فعلنَا على إشارتك يَا شيخ بالانتقال إِلَى بلدنا للتدريس وَالْفَتْوَى وإطعام الطَّعَام فَعجب الصُّوفِي على مَا أَلْقَاهُ الله فِي خاطر الْفَقِيه رَضِي الدّين مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ سوى الله تَعَالَى وَغير ذَلِك من كرامات الإِمَام رَضِي الدّين ﵀ وَتُوفِّي سنة سبع وثمانمئة سنة انْتهى مَا وجدته مَنْقُولًا فَلَمَّا توفّي خَلفه ولداه عبد الله وَعبد الرَّحْمَن فَأَما عبد الله فقد قَرَأَ على وَالِده بعض الْعُلُوم وأثنوا عَلَيْهِ خيرا وَلم يشْتَهر بتدريس وَلَا فَتْوَى وَأما عبد الرَّحْمَن فَكَانَ ذَا جاه عريض وكرم مستفيض شملته دَعْوَة صَالِحَة من أَبِيه فَقَامَ بمنصبهم أتم قيام فِي إطْعَام الطَّعَام وَحفظ كتبهمْ وَقَضَاء حوائج النَّاس والتوسط بالإصلاح بَينهم وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق وَصَحب السُّلْطَان النَّاصِر وَأهل بَابه ونال مِنْهُم مَالا جزيلا وَاشْترى أَرضًا جليلة فَكَانَ يجْتَمع مِنْهَا من الطَّعَام قدر خَمْسَة عشر الْفَا بِالذَّهَب المتعامل بِهِ بِتِلْكَ الْبَلَد فينفقها فِي وُجُوه الْخَيْر وَحدث لَهُ ولد نجيب اسْمه عبد الله نشا أحسن نشوء وسافر بِهِ وَالِده إِلَى مَكَّة المشرفة ثمَّ عادا إِلَى بلدهما فَقَرَأَ هَذَا الْوَلَد على الْأَئِمَّة من أهل وقته بِمَدِينَة إب كَالْقَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي والفقيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله

стр. 38

الْكَاهِلِي وبمدينة تعز على الإِمَام نَفِيس الدّين سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي وَالْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الْخياط وَأَجَازَ لَهُ الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْجَزرِي فَكَانَ إِمَامًا جَلِيلًا عَارِفًا بالفقه والنحو وَالْأُصُول والْحَدِيث فدرس وَأفْتى وَكَانَ دأبه هُوَ وَأَوْلَاده ودرسته يختمون ختمة بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي كل لَيْلَة وَقد يختمون ختمة بعد صَلَاة الصُّبْح فِي أَكثر الْأَوْقَات أَقَامَ الْفَقِيه عفيف الدّين بِمَدِينَة تعز بعد وَفَاة وَالِده بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ انْتقل بأولاده الى بَلَده فسكن بقرية شنين وَعمر مَا كَانَ متشعثا بمدرسة شنين وَعمر الأَرْض الَّتِي شراها وَالِده بَعْدَمَا صلبت وعانده بعض جِيرَانه فانتصر عَلَيْهِ وغلبه وَالْتزم قَاعِدَة الْعلمَاء بالمواظبة على التدريس وَالْفَتْوَى ورتب فِي الْمدرسَة عشْرين درسيا فَقَامَ بكفاياتهم صبحا وَعَشِيَّة وَأعَاد مَا كَانَ النَّاس يعتادون ببلدهم من إكرام الضَّيْف وأجازة الْوَافِد والتوسط لقَضَاء حوائج الْمُسلمين فَاجْتمع مَعَه من الْكتب النفيسة مَا لم يجْتَمع لغيره من أهل تِلْكَ الْبَلَد مَعَ كتب جده وَعَمه ومدحه الْعلمَاء والفضلاء بغرر القصائد من ذَلِك مَا قَالَه الْفَقِيه بدر الدّين حسن بن مُحَمَّد الشظبي بقصيدة أَولهَا (لِيهن شنينا نورها وَابْن نورها ... الْجواد عفيف الدّين وَابْن جوادها) (طَويلا ممد الباع فِي رتب العلى ... يسير عَلَيْهِ أَخذهَا بقيادها) وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل ووفد عَلَيْهِ الأديب عبد الله بن مُحَمَّد المزاح الشَّاعِر الْمَعْرُوف قَاصِدا طُلُوع

стр. 39

صنعاء وَلها طَرِيقَانِ عليا وسفلى فَدخل على الْفَقِيه عفيف الدّين وَهُوَ لابس جُبَّة خضراء من صوف مربع فَقَالَ ارتجالا (جعلت طريقك السُّفْلى طريقي ... وَقد كَانَت طريقي عَنْك أُخْرَى) (لألبس جُبَّة لَا أشتريها ... بِغَيْر الشّعْر وَهِي ترف خضرًا) فَخلع الْفَقِيه الْجُبَّة وَأَعْطَاهَا الشَّاعِر فِي تِلْكَ السَّاعَة وللفقيه عفيف الدّين الشنيني صَاحب التَّرْجَمَة قريحة فِي الشّعْر مِنْهُ قَوْله فِي التوسل (إلهي بِحَق الْهَاشِمِي مُحَمَّد ... أقل عثرتي وامنن بعفوك سَيِّدي) (على عَبدك الراجي لرحمتك الَّتِي ... عممت بهَا من ضل أَو هُوَ مهتدي) وَله غير ذَلِك من الشّعْر الْحسن اختصرت من ذكره توفّي ﵀ بِسنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون وقبر عِنْد جده الإِمَام رَضِي الدّين رحمهمَا الله ونفع بهما وَمن أهل المخادر الْقرْيَة الْمَشْهُورَة قَرِيبا من قَرْيَة شنين القَاضِي الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الْعَلِيم بن عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم هُوَ من أهل بَيت فقه وَقد ذكر المؤرخون أَهله وأثنوا عَلَيْهِم وَكَانَ هَذَا القَاضِي عفيف الدّين إِمَامًا فَاضلا عَالما أَخذ الْفِقْه عَن الإِمَام وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن الحبيشي وَعَن وَلَده جمال الدّين وَعَن الْفَقِيه قَاسم بن أبي بكر الهاملي وَعَن الإِمَام جمال الدّين الريمي وَعَن الإِمَام رَضِي الدّين الشنيني وَأخذ الحَدِيث عَن الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء بوطنه قَرْيَة المخادر وَحسنت سيرته وَكَانَ عُمْدَة بِتِلْكَ الْبَلَد

стр. 40

أَخْبرنِي وَلَده القَاضِي وجيه الدّين أَنه كَانَ لَا يُفْتِي فِي مسَائِل النّذر وَلَا فِي الدّور وَلَا يلقنه أحد وَكَانَ لَهُ قريحة فِي الشّعْر من ذَلِك أَبْيَات ضمنهَا الْكَلِمَات الَّتِي ابتلى الله بهَا إِبْرَاهِيم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم فَقَالَ (لقد ابتلى الله الْخَلِيل بِعشْرَة ... هِيَ الْكَلِمَات اللائي فِي مُحكم الذّكر) (فَكُن عَالما فِيهَا وَكن عَاملا بهَا ... فها أَنا أرويها لَك الْآن فِي شعري) (تمضمض واستنشق وقص لشارب ... وداوم سواكا واحفظ الْفرق للشعر) (ختان ونتف الْإِبِط حلق لعانة ... وَلَا تنس الا ستنجا والقلم للظفر) وَله تخميس لأبيات الْفرج وَله غير ذَلِك من الشّعْر مِمَّا قد ذكرته فِي الأَصْل وأخبرت أَنه كَانَت لَهُ الْعِبَادَة الْعَظِيمَة والكرامات الَّتِي تدل على فَضله توفّي ﵀ شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة سنة ثمَّ خَلفه بمنصبه وَلَده القَاضِي الْعَالم وجيه الدّين فَتَوَلّى الْقَضَاء بِبَلَدِهِ ودرس وَأفْتى ثمَّ انْتقل إِلَى الفراوي فدرس هُنَالك وَأفْتى وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء بِبَلَدِهِ مرَارًا ثمَّ نَقله السَّادة بَنو طَاهِر إِلَى مَدِينَة عدن واضافوا إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء هُنَالك والتدريس وَبَعض الْوَقْف وانتظم حَاله أَشد انتظام وَكَانَت لَهُ قريحة ينظم فِيهَا الشّعْر من ذَلِك قَوْله أبياتا فِي إِبَاحَة الحنا ذكرتها فِي الأَصْل وَلم يزل على الْحَال
следующие страницы →