Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان أبو عثمان أخا مولى جنان، وكان مولاها أبو أمية زوج عمارة وهي مولاتها وكانت له يحكمان ضيعة كان ينزلها هو وإبن عم له يقال له أبو مية، فقال أبو نواس فيه قوله:
أسأل القادمين من حكمان ... كيف خلفتما أبا عثمان
وأبا مية المهذب والما ... جد والمرتجى لريب الزمان
فيقولان لي جنان كما سرك في حالها فسل عن جنان
ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتمان
فأخبرني إبن عمار قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني محمد ن عبد املك إبن مروان الكاتب قال: كنت جالساً بسرّ من رأى في شارع أبي أحمد فأنشدني قول أبي نواس:
أسأل المقبلين من كمان ... كيف خلفتما أبا عثمان
وإلى جانبي شيخ جالس فضحك، فقلت له: لقد ضحكت من أمر، فقال: أنا أبو عثمان قال أبو نواس فيه هذا الشعر، وأبو مية إبن عمي وجنان جارية أخي، ولم تكن في موضع عشق ولا كان مذهب أبي نواس النساء ولكنه عبث خرج منه.
أخبرني علي بن سليمان قال: قال لي أبو العباس محمد بن يزيد، قال النابغة الجعدي:
أكنى بغير إسمها، وقد علم الله خفيات كل مكتتم.
وهو سبق الناس إلى هذا المعنى وأخذوه جميعاً منه، وأحسن من أخذه أبو نواس حيث يقول:
أسأل المقبلين من حكمان ... كيف حلفتما أبا عثمان
فيقولان لي جنان كما سرك في حالها فسل عن جنان
ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتمان
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمارة قال: أنشدني أحمد بن صدقة الأنباري لأبي نواس يذكر ماتماً بالبصرة وحضرته جنان:
يا منسي المأتم أشجنه ... لما أتاهم في المعزينا
سرت قناع الوشى عن صورة ... ألبسها الله التحاسينا
فاستفتنتهن بتمثالها ... فهن للتكليف يبكينا
حق لذاك الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا
أخبرني مي قال: حدثني إسحق بن محمد النخعي قال: حدثنا عبد الملك ن عمر بن أبان النخعي وكان صديقاً لأبي نواس أشرف من دار على منزل عبد الوهاب الثقفي وقد مات بعض أهله وعندهم مأتم وجنان واقفة مع النساء تلطم وجهها وفي يدها خضاب، فقال:
يا قمر أبرزه مأتم ... يندب شجواً بين أتراب
يبكي فيذري الدر من عينه ... ويلطم الورد بعناب
لا تبك ميتاً حل في حفرة ... وأبكِ قتيلاً لك بالباب
أبرزه المأتم لي كارهاً ... برغم آيات وحجاب
لا زال موتاً دأب أحبابه ... ولا تزال رؤيته دابي
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني محمد بن عائشة قال: قال لي سفيان بن عيينة لقد أحسن ببصركم هذا أبو نواس حيث يقول: وشدد الواو وفتح النون:
يا قمراً أبصرت في مأتم ... يندب شجواً
يبكي فيذري الدر من عينه ... ويلطم الورد بعناب
قال: وجعل يعجب من قوله ويلطم الورد بعناب.
وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني حسين بن الضحاك قال: أنشد إبن عيينة قول أبي نواس:
يبكي فيذري الدر من طرفه ... ويلطم الورد بعناب
فعجبت منه وقال آمنت الذي خلقه. وقد قيل أن أبا نواس قال هذا الشعر في غير جنان والله أعلم. أخبرني بذلك الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني بعض الصيارف بالكرخ وسماه قال: كان حارس درب عون يقال له المبارك، وكان يلبس ثياباً نظيفة سرية ويركب حماراً فيطوف عليه السوق بالليل ويكريه بالنهار، فإذا رآه لا يعرفه ظن أنه من بعض تجار، وكان يصل إليه في كل شهر من السوق ما يسعه ويفضل عنه، وكانت له بنت من أحمل النساء. فمات مبارك وحضره الناس، فلما أخرجت جنازته خرجت بنته هذه حاسرة بين يديه، فقال أبو نواس فيها:
يا قمراً أبرزه مأتم ... يندب شجواً بين أتراب
وذكر الأبيات كلها.
стр. 37
أخبرني محمد بن جعفر قال: حدثني أحمد بن القاسم عن أبي هفان عن الجمازو واليويو وأصحاب أبي نواس أن جنان وجهت إليه قد شهرتني فأقطع زيارتك عني أياماً لينقطع بعض القالة، ففعل وكتب إليها:
إنا إهتجرنا للناس إذ فطنوا ... وبيننا حين نلتقي حسن
ندافع الأمر وهو مقتبل ... فشب حتى عليه قد مرنوا
فليس يقذي عيناً معاينة ... له وما أن تمجه إذن
ويح ثقيف ماذا يضرهم ... إن كان لي في ديارهم سكن
أريب ما بيننا الحديث فإن ... زدنا فزيد واوِ ما لذا ثمن
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا إبن مهرويه قال حدثني إبن أبي سعد قال: بلغني أن أبا نواس كتب إلى جنان من بغداد:
كفا حزناً أن لا أرى وجه حيلة ... أزور بها الأحباب في حكمان
وأقسم لولا أن تنال معاشر ... جناناً بما لا أشتهي لجنان
لأصبحت منها داني الدار لاصقاً ... ولكن ما أخشى فديت عداني
فوا حزناً حزناً يؤدي إلى الردى ... فأصبح مأثوراً بكل لسان
أراني أنقضت أيام وصلي منكم ... وآذن فيكم بالوداع زماني
أخبرني الحسن قال: حدثنا إبن مهرويه عن يحيى بن محمد عن الخزيمي قال: بلغ أبا نواس أن إمرأة ذكرت لجنان عشقه لها فشتمته جنان وتنقصته وذكرته لأقبح الذكر، فقال:
وباب من إذا ذكرت له ... وطول وجدي به تنقصني
لو سألوه عن وجه حجته ... في سبه لي لقال يعشقني
نعم إلى الحشر والتناد نعم ... أعشقه أو ألفّ في كفني
أصبح جهراً لا أستسرّ به ... عنقي فيه من يعنفني
يا معشر الناس فأسمعوه وعوا ... أن جناناً صديقة الحسن
فبلغها ذلك فهجرته وأطالت هجره، فرآها ليلة في منامه وأنها قد صالحته فكتب إليها:
إذا إلتقى في النوم طيفانا ... عاد الوصل كما كانا
يا قرة العين فما بالنا ... نشقى ويلتذ خيالانا
لو شئت إذ أحسنت لي في الكرى ... أتممت إحسانك يقظانا
يا عاشقين إصطلحا في الكرى ... وأصبحا غضبى وغضبانا
كذلك الأحلام غدّارة ... وربما تصدق أحيانا
الغناء في هذه الأبيات لإبن جامع ثقيل أول بالوسطى عن عمر وقال الخزيمي ورآها يوماً في ديار ثقيف فجبهته بما كره فغضب وهجرها مدة، فأرسلت إليه رسولاً تصالحه فردّه ولم يصالحها، ورآها في النوم تطلب صلحه فقال:
دست له طيفها كيما تصالحه ... في النوم حين تأبى الصلح يقظانا
فلم يجد عند طيفي طيفها فرجاً ... ولا رنى لتشكيه ولا لنا
حسبت أن خيالي لا يكون لما ... أكون من أجله غضبان غضبانا
جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا ... فلم يكن هيناً منك الذي كانا
وأنشدني علي بن سليمان الأخفش لأبي نواس في جنان:
أما يفنى حديثك عن جان ... ولا تبقى على هذا اللسان
أكل الدهر قلت لها وقالت ... فكم هذا أما هذا بفان
جعلت الناس كلهم سواء ... إذا حدثت عنها في البيان
عدوك كالصديق وذا كهذا ... سواء والأباعد كالأداني
إذا حدثت عن شأن توالت ... عجائبه أتيتهم بشأن
فلو موّهت عنها بإسم أخرى ... علمنا إذ كنيت من أنت عان
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني يحيى بن محمد السلمي قال: حدثني أبو عكرمة الضبي أن رجلاً قدم البصرة فأشترى جنان مواليها ورحل بها، فقال أبو نواس في ذلك:
أما الديار فقلّ ما لبثوا بها ... بين إستباق العيس والركبان
وضعوا سياط الشوق في أعناقها ... حتى أطلعن بهم على الأوطان
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدثني محمد بن سعد الكراتي قال حدثني أبو عثمان الأشتانذاني قال: كتب أبو نواس إلى جنان:
أكثري المحو في كتابك وأمحيه إذا ما محوته باللسان
стр. 38
وأمرري بالمحاء بين ثنايا ... ك العذاب المفلجات الحسان
إنني كلما مررت بسطر ... فيه محو لطعته بلساني
تلك تقبيلة لكم من بعيد ... أهديت لي وما برحت مكاني
وقال:
تجنى علينا آل مكتومة الذنبا ... وكانوا لنا سلماً فأضحوا لنا حربا
يقولون عز القلب بعد ذهابه ... فقلت ألا طوباي لو أن لي قلبا
عروضه من الطويل الشعر لإبن أبي عيينة والغناء لسليمان أخي جحظة رمل بالوسطى من عمرو بن بانة.
نسب إبن عيينة وأخباره // أبو عيينة فيما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد إسمه وكنيته أبو المنهال قال وكل من يدعي أبا عيينة من آل المهلب، فأبو عيينة إسمه وكنيته أبو المنهال وكل من يدعي أبارهم من بني سدوس فكنيته أبو محمد وإبن أبي عيينة هو محمد بن أبي عيينة إبن المهلب بن أبي صفرة وقال: أبو خالد الأسلمي هو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة وهو الذي كان يهجو إبن عمه خالداً وإسم أبي صفرة ظالم بن سراق وقيل غالب بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحرث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن الوضاح بن عمرو بن مزيقاء إبن حارسة الغطريف إبن أمريء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن زاد الركب بن الأزد، وهو شاعر مطبوع ظريف غزل هجاء وأنقد أكثر أشعاره في هجاء إبن عمه خالد وأخبارهما تذكر على أثر هذا الكلام وما يصلح تصدير أخباره به، وكان من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة.
حدثني عمي والصولي قالا: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال أبو عيينة إسمه وكنيته وهو إبن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة.
وأخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال: أبو عيينة الشاعر هو أبو عيينة بن المنجاب إبن أبي عيينة بن المهلب وكان محمد بن أبي عيينة أبو أبي عيينة الشاعر يتولى الري لأبي جعفر المنصور ثم قبض عليه وحبسه وغرمه. وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: قال وهب بن جرير رأيت في منامي كأن قائلاً يقول لي:
ما يلقى أبو حرب ... تعالى الله من كرب
فلم ألبث أن أخذ المنصور أبا حرب محمد بن أبي عيينة المهلبي فحبسه وكان ولاه الري فأقام بها سنين.
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن يحيى الصولي وعمي قالوا: حدثنا الحزنبل الأصبهاني قال حدثني الفيض بن مخلد مولي أبي عيينة بن المهلب قال: كان أبو عيينة بن المهلب قال: كان أبو عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقب هزارمرد، وكانت امرأة نبيلة شريفة وكان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحاً ويرهب زوجها عيسى بن سليمان فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها دنيا وكانت قيمة دارها ووالية أمورها كلها وأنشدنا لإبن أبي عيينة فيها ويكنى بإسم دنيا هذه:
ما لقلبي أرق من كل قلب ... ولحبي أشد من كل حب
ولدنيا على جنوني بدنيا ... أشتهي قربها وتكره قربي
نزلت بي بلية من هواها ... والبلايا تكون من كل ضرب
قل لدينا إن لم تجبك لما بي ... رطبة من دموع عيني كتبي
فعلام إنتهرت بالله رسلي ... وتهددتهم بحبس وضرب
أي ذنب أذنبته ليت شعري ... كان هذا جزاءه أي ذنب
стр. 39
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد قال: كان أبو عيينة من أطيع الناس وأقربهم مأخذاً من غير أدب موصوف ولا رواية كثيرة وكان يقرب البعيد ويحذف الفضول ويقل التكلف، وكان أصغر من أخيه عبد الله ومات قبله. وقيل لعبد الله أنت أشعر أم أخوك فقال: لو كان له علمي لكان أشعر مني. وكان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد التي تزوجها علي بن سليمان ويسر عشقها ويلقبها دنيا كتماناً لأمرها، وكانت امرأة جليلة نبيلة سرية من النساء، وكان أبوها من أشد الفرسان وشجعانهم، فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال لمهلب بن المغيرة بن المهلب أكان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزامرد، فقال المهلب لم أشهد من يزيد ما شهدته من عمر بن حفص وذلك أني رأيته يركض في طلب حمار وحشي حتى إذا حاذاه جمع جراميزه وقفز فصار على ظهره فقمص الحمار وجعل عمر بن حفص يحز معرفته إما بسيف وأما بسكين معه حتى قتله. قال محمد بن يزيد: وحدثت عن محمد بن المهلب أنه أنكر أن يكون أبو عيينة يهوى فاطمة وقال إنما كان جندياً في عداد الشطّار وكانت فاطمة من أنبل النساء وأسراهن، وإنما كان يتعشق جارية لها، وهذه الأبيات التي فيها الغناء قصيدة له جيدة مشهورة من شعره يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها ويكني عنها بدنيا، فما أختير منها قوله:
وقالوا تجنينا فقلت أبعدما ... غلبتم على قلبي بسلطانكم غصبا
غضاب وقد ملوا وقوفي ببابهم ... ولكن دنيا لا ملولا ولا غضبى
وقد أرسلت في السراني برية ... ولم ترَ لي فيما ترى منهم ذنبا
وقالت لك العتبى وعندي لك الرضا ... وما أن لهم عندي وضاء ولا عتبى
ونبتها تلهو إذا إشتد شوقها ... بشعري كما تلهو المغنية الشربى
فأحببتها حباً يقرّ بعينها ... وحبي إذا أحببت لا يشبه الحبا
فيا حسرتا نغصت قرب دبارها ... فلا رلفة منها أرجى ولا قربا
لقد شمت الأعداء أن حيل بينها ... وبيني ألا للشامتين بنا العتبى
ومما قاله فيها وغنى فيه:
ضيعت عهد فتى لعهد حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
ونأيت عنه فما له حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك
متخشعاً يذري عليك دموعه ... أسفاً ويعجب من جمود دموعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
عروضه من الكامل الغناء في هذه الأبيات من الثقيل الأول بالوسطى ذكر عمرو بن بانة أنه له وذكر الهاشمي أنه لمحمد بن الحرث بن بشخير وذكر عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لإبراهيم الموصلي فذكر العتابي ومحمد بن احسن جميعاً أن محمد بن أحمد بن يحيى المكي حدثهما قال: حدثني عمرو بن بانة قال: ركبت يوماً إلى دار صالح بن الرشيد فأجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي وكان معاقراً للصبوح فألفيته في ذلك اليوم خالياً منه، فسألته عن السبب فقال: نيران عليّ غضبى، يعني جارية لبعض النخاسين ببغداد وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان، وكان قد افرط في حبها حتى عرف به فقلت له فما تحب قال: تجعل طريقك على مولاها فإنه يستخرجها إليك، فإذا دفعت رقعتي هذه إليها ودفع إليّ رقعة فيها:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
إن سمعته أن تذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
قلت له: نعم أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة على ما فيها حفظاً لروحك عليك، فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس فبعثت إلى الجارية أخرجي خرجت، فدفعت إليها الرقعة وأخبرتها بخبري فضحكت ورجعت إلى الموضع الذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة ثم إذا قد وافتني ومعها رقعة فيها:
وما زلت تعطيني وتغري بي الردى ... وتهجرني حتى مرنت على الهجر
وتقطع أسبابي وتنسى مودتي ... فكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري
فأصبحت لا أدري أيأساً تصبري ... علىالهجر أم جدّ البصيرة لا أدري
стр. 40
غنى في هذه الأبيات عمرو بن بانة ولحنه ثقيل أول بالبنصر ولمقاسه بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوسطى لحن عمرو وفي الأول والثالث بغير نشيد، قال: فأخذت الرقعة منها وأوصلتها إليه وصرت إلى منزلي فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحناً وفي أبياتها لحناً، ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد فعرّفته ما كان من خبري وعنيته الصوتين فأمر بإسراج دوابه فأسرجت وركب فركبت معه إلى النخاس مولى نيران فما برحنا حتى إشتراها منه بثلاثة آلاف دينار وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له، فأقمنا يومنا عنده.
أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني يزيد بم محمد المهلبي قال: دخلت على الواثق يوماً وهو خليفة ورباب في حجره جالسة وهي صبية وهو يلقي عليها قوله:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
وهي تغنيه وتردده عليها. فما أذكر أني سمعت غناء قط أحسن من غنائهما جميعاً. وما زال يردده عليها حتى حفظته.
رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في اجارية وإسمها فاطمة التي كان يشبب بها أخوه بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي، وكان عيسى مبخلاً، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:
إذا رزق العباد فإن عيسى ... له رزق من استاه العباد
فلما تزوج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد الله بن محمد بن عيينة في ذك:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأبشري ... لديه بذل عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
وقد قال فيه جعفر ومحمد ... أقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختنا ... وفي البيت منا والذرى والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابه ... بأن صرت منه في محل الحلائل
إذا ما بنو العباس يوماً تنازعوا ... عرى المجد وأختاروا كرام الخصائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسه ... إلى بيع بياحاته والمباقل
قال مؤلف هذا الكتاب: وكن عبد الله أخو أبي عيينة شاعراً، وكان يقدّم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم قال: إستحق الموصلي شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إليّ من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد الله صديقاً لإسحق. قال محمد إبن يزيد ومما قاله في فاطمة وصرّح بذكر القرابة بينهما وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:
دعوتك بالقرابة ولجوار ... دعاء مصرّح بادي السرار
لأني عنك مشغول بنفسي ... ومحترق عليك بغير نار
وأنت لأن ما ك دون ما بي ... تدارين العدو ولا أداري
ولو والله تشتاقين شوقي ... جمعت إلى مخالعة العذار
ألا يا وهب فيما فضحت دنيا ... وبحت بسرها بين الجواري
أما والراقصات بكل واد ... غوار نحو مكة أو سوار
لقد فضلت دنيا في فؤادي ... كفضل يدي اليمين على اليسار
فقولي ما بدا لك أن تقولي ... فإني لا ألومك أن تغاري
قال: وقال فيها وهو من ظريف أشعاره:
رق قلبي لك يا نور عيني ... وأنى قلبك لي أن يرقا
فأراك الله موتي فإني ... لست أرضى أن تموتي وأبقى
أنا من وجد بدنياي منها ... ومن العذال فيها ملقى
وقال:
زعموا إني صديق لدنيا ... ليت ذا الباطل قد صار حقا
في هذا البيت ثم الذي قله ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي وقال: وقال فيها أيضاً في هذا الوزن وفيه غناء محدت رسل طنبوري.
عيشها حلو وعيشك مر ... ليس مسرور كمن لا يسرّ
стр. 41
كمديم لحب تسخن فيه ... عينه أكثر مما تقر
قلت لذا اللائم فيها أله عنها ... لا يقع بيني وبينك شر
أتراني مقصراً عن هواها ... كل مملوك إذاً لي حرّ
وقال فيها أيضاً وأنشدناه الأخفش عن المبرد، وأنشدنا محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة:
جئت قالت دنيا علامَ نهاراً ... زرت هلا إنتظرت وقت المساء
كنت معجباً برأيك لا تفرق ... فأستحي يا قليل الحياء
ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ... ن كأصفى خمر بأعذب ماء
قال محمد بن يزيد وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه وهو البحتري فقال:
جعلت حبك من قلبي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والراح
تهتز مثل إهتزاز الغصن حرّكه ... مرور غيث من الوسمي سحاح
الغناء في هذين البيتين لرداد ثقيل أول في مجرى البنصر، ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه وكنى فيه بدنيا قوله:
ألم تنه قلبك أن يعشقا ... وما ك والعشق غير الشقا
أمن بعد شربك كأس النهى ... وشك ريحان أهل التقى
عشقت فأصبحت في العالمين ... أشهر من فرس إبلقا
أدنياي من خمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا إبن المهلب ما مثله ... لو أن إلى الخلد لي مرتقى
غنى فيه أبو العبيس بن حمدون ولحنه ثان ثقيل مطلق وفيه لعريب ثقيل أول رواه أبو العبيس عنها، وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه ويذكر مآتر الملهب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله: في المرقص
أدنياي من غمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمن ... إذا سرّه عبده أعنقا
ألم أخدع الناس عن وصلها ... وقد يخدع العاقل إلا حمقا
بلى فسبقتهم أنني ... أحب إلى الخيران أسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلت ... على رقعة أن جز الخندقا
وعج ثم فأنظر لنا مجلساً ... برفق وإياك أن تخرقا
فجئنا كغصنين من بانة ... فرينين خدنين قد أورقا
فقال لأخت لها إستنشديه ... من شعره المحكم المنتقى
فقلت أمرت كتمانه ... وحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي له ... تمنع لعلك أن تنفقا
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرّح وأفحش، وهي من جيد قوه قصيدته التي يقول فيها:
أنا الفارغ المشغول والشوق آفتي ... فلا تسألوني عن فراغي وعن شغلي
عجبت لترك الحب دنيا خاية ... وإعراضه عنها وإقباله قبلي
وما بالها لما كتبت تهاونت ... بكتبي وقد أرسلت فأنتهرت رسلي
وقد حلفت أن لا تخط بكفها ... إلى قابل خطاً إليّ ولا تملي
أبخلاً علينا كل ذا وقطيعة ... قضيت لدينا القطيعة والبخل
سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الهوى ... فقد كان في غل وثيق وفي كبل
فإن جحدت فأذكر لها قصر معبد ... بمنصف ما بين الأبلة والحبل
وملعبنا في النهر والماء زاخر ... قرينين كالغصنين فرعين في أصل
ومن حولنا الريحان غضاً وفوقنا ... ظلال من الكرم المعرش والنخل
إذا شئت مالت بي إليها كأنني ... إلى غصن بان بين دعصين من رمل
ليالي ألقاني الهوى فأستضفتها ... فكانت ثناياها بلا حشمة نزلي
وكم لذة لي في هواها وشهوة ... وركضي إليها راكباً وعلى رجلي
وفي متم المهدي زاحمت ركنها ... ركني وقد وطنت نفسي على القتل
وبتنا على خوف أسكن قلبها ... بيسراي واليمنى على قائم النصل
فيا طيب طعم العيش إذ هي جارة ... وإذ نفسها وإذ أهلها أهلي
وإذ هي لا تعتل عني برقبة ... ولا خوف عين من وشاة ولا بعل
стр. 42
فقد عفت الآثار بيني وبينها ... وقد أوحشت مني إلى درها سبلي
ولما بلوت الحب بعد فراقها ... قضيت على أم المحبين بالنكل
وأصبحت معزولاً وقد كنت والياً ... وشتان ما بين الولاية والعزل
ومما قاله فيها وفيه غناء بجارية:
ألا في سبيل الله ما حل بي منك ... وصبرك عني حين لا صبر لي عنك
وتركك جسمي بعد أخذك مهجتي ... ضئيلاً فهلا كان من قبل ذا تركي
فهل حاكم في الحب يحكم بيننا ... فيأخذ لي حقي وينصفني منك
السليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطي، وفي هذه القصيدة يصف قصراً كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:
لقد كنت يوم القصر مما ظننت بي ... برأيكما أني بريء من الشرك
يذكرني الفردوس طوراً فأرعوي ... وطوراً يواتيني القصف والفتك
بغرس كأبكار الحواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حوله ... كما إستل منظوم من الدر من سلك
وورقاء تحكي الموصلي إذا غدت ... بتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب القصر قصراً ومنزلاً ... بأقبح سهل غير وعر ولا ضنك
كأن قصور القوم ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك
خبر إبن سريج مع سكينة بنت الحسين ﵉
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن مصعب الزبيري قال: حدثني شيخ من المكيين ووجدت هذا الخبر أيضاً في بعض اكتب مروياً عن محمد بن سعد كاتب الواقدي عن مصعب عن شيخ من المكيين والرواية عنهما متفقة قال: كان ﷺ بن سريج د أصابته الريح الخبيثة وآلى يميناً ألا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي، ثم خرج وفيه بقية فأتى قبر النبي ﷺ وموضع مصلاه، فلما قدم المدينة نزل على بعض أخوانه من أهل النسك والقراءة كان أهل الغناء يأتونه مسلمين عليه فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة، فأقام بالمدينة حولاً حتى لم يحس من علته بشيء، وأراد الشخوص إلى مكة، وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين فأغتمت إغتماماً شديداً وضاق به ذرها، وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره وقالت لأشعب: ويلك، إن إبن سريج شاخص دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلاً ولا كثيراً ويعز ذلك عليَّ، فكيف الحيلة في الإستماع منه ولو صوتاً واحداً. فقال لها أشعب: جعلت فداك وأني لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه، فأرفعي طمعك وأمسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك.
فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجاً عنيفاً فخرج على اسوأ الحالات.
وأغتم أشعب غماً شديداً وندم على ممازحتها في وقت لم نبغِ له ذلك، فأتى منزل إبن سريج ليلاً فطرقه فقيل من هذا: فقال: أشعب، ففتحوا له فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلاً من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها، فنظر إبن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال لها ما هذا ويحك، فقص عليه القصة، فقال إبن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودّن إلى هذه أبداً. قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها فسيكون ذلك سبباً لرضاها عني، قال إبن سريج كلا والله لن يكون ذلك ابداً بعد أن تركته قال أشعب قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد وهي ساخطة عليّ، فالله الله في وأنا أنشدك الله، ألا تحملت هذا الإثم فيّ فأبى عليه.
فلما رأى أشعب أن عزم إن سريج قد تم على الإمتناع قال في نفسه لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها ونبه الجيران من رقادهم وأقام الناس نت فراشهم ثم سكت فلم يدرِ الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم.
стр. 43
فقال له إبن سريج: ويلك ما هذا، قال: لئن لم تصر معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب لأفتحنه ولأرينهم ما بي وعلمنهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان بعني غلاماً كان إبن سريج مشهوراً به فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ففعلت بي هذا غيظاً وتأسفاً، وإنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه.
وكان أهل مكة ولمدينة يعلمون حاله معه فقال إبن سريج: أغرب أخزاك الله، قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وأمرأته طالق ثلاثاً وهو يجيز في مقام إبراهيم والكبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لفعلن. فلما أى إبن سريج الجدّ منه قال لصاحبه: ويحك أما ترى ما وقعنا فيه، وكان صاحبه ناسكاً فال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث وتذمم إبن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب اخرج من منزل الرجل فقال رجلي مع رجلك.
لما صارا في بعض الطريق قال إبن سريج لأشعب إمض عنه قال: واله لئن تعل ما قلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن أنك أخذت مني سواراً من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنيها سراً وإنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل.
وقع إبن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال: أمضي لا أرك الله فيك، فمضى معه فلما صارا إلى باب سكينة قرع الباب فقيل من هذا فقال أشعب قد جاء بإبن سريج ففتح الباب لهما ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت يا عبيد ما هذا الجفاء قال: قد علمت بأبي أنت ما كان متى قالت أجل، فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين ديناراً وكسوة، ثم قال لها إبن سريج: أتأذنين بأبي أنت قالت وأين قال المنزل قالت: برئت من جدّي أن برحت داري ثلاثاً، وبرئت من جدي إن أنت لم تغنِ إن خرجت من داري شهراً، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهراً إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشراً، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحداً.
فقال عبيد: وا سخنه عيناه وا ذهاب ديناه وا فضيحتاه، ثم إندفع يغني:
استعين الذي بكفيه نعي ... ورجائي على التي قتلتني
الصوت المذكور آنفاً، قالت سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر، ثم أخرجت دملجاً من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالاً فرمت به إليه ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك ففعل ذلك، ثم قالت لأشعب إذهب إلى عزةٍ فأقرئها السلام وأعلمها أن عبيد ندنا، لتأتنا متفضلة بالزيارة.
فأتاها أشعب فأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم ثم أمرت عبيداً وأشعب خرجا فناما في حجرة مواليها فلما أصبحت هيء لهم غذاؤهم وأذنت لإبن سريج فدخل فتغدى قريباً منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها.
فلما فرغوا من الغذاء قالت: يا عز إن رأيت أن تغنينا فأفعلي، قالت إي وعيشك، فغنت في شعر عنترة العبسي:
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
فقال إبن سريج أحسنت والله يا عزة، وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته إلى عزة وقالت: صيري هذا في يدك ففعلت، ثم قالت لعبيد هات غننا فقال حسبك ما سمعت البارحة فقالت: لا بدّ أن تغنينا في كل يوخم لحناً. لما رأى إبن سريج أنه لا يقدر على الإمتناع مما تسأله غنّى:
قالت من أنت على ذكر فقلت لها ... أنا الذي ساقه للحين مقدار
قد حان منك فلا تبعد بك الدار بين وفي البين للمتبول أضرار ثم قات عزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحرث بن خالد ولإبن محرز فيه لحن عزة أحسنهما:
قرّت بها عيني وقد كنت قبلها ... كثيرة البكاء كشفقاً من صدودها
وبشر خود مثل تمثال بيعة ... تظل النصارى حوله يوم عيدها
قال إبن سريج: والله ما سمعت مثل هذا قط حسناً ولا طيباً، ثم قالت لإبن سريج هات فأندفع يغني:
أرقت فلم أنم طرباً ... وبت مسهداً الصبا
لطيف أحب خلق الله إنساناً وإن غضبا
لم أردد مقالتها ... ولم أك عاتباً عتبا
стр. 44
ولكن صرّمت حبلي ... فأمسى الحبل منقضبا
قالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ول نردك وإنما كنت يمينى على ثلاثة أيام، فأذهب في حفظ الله وكلاءته. ثم قالت لعزة: إذا شئت ودعت لها بحلة ولإبن سريج بمثلها.
فأنصرف عزة وأقام إبن سريج حتى إنقضت ليلته وأنصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعاً.
قال:
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
الشعر لعنترة بن شداد العبسي والغناء لعزة الميلاه، وقد كتب ذلك في أول هذه القصيدة وسائر ما يغني فيها ومنها ما قيل:
أرقت فلم أنم طربا ... وبت مسهداً نصبا
لطيف أجب الله ... إنساناً وأن غضبا
إلى نفسي وأوجههم ... وإن أمسي قد إحتجبا
وصرَّم حبلنا ظلماً ... لبلغة كاشح كذبا
عروضه من الوافر الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لإبن سريح قيل أول بالسبابة في مجرى البنصر، منها قوله:
قد حان منك فلا تبعد ك الدار ... بين وفي البين للمتبول أضرار
قالت من أنت على ذكر فقلت لها ... أنا الذي ساقني للحين مقدار
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لإبن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى ومنها ال صوت الذي أوله:
وقرت لها عيني وقد كنت قبلها
أوله قوله:
لبشرة أسرى الطيف والخبث دونها ... وما بيننا من حزن أرض وبيدها
وقرّت بها عيني وقد كنت قبلها ... كثيراً بكائي مشفقاً من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعة ... تظل النصارى حولها يوم عيدها
الشعر للحرث بن خالد المخزومي والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكر إسحق هذه الطريقة في هذا الصوت ولم ينسبها إلى أحد.
ولإبن نحرز في هذه الأبيات أول بالخنصر في مجرى الوسطى وفيها العزة لميلاء خفيف رمل وبشرة هذه التي ذكرها الحرث بن خالد أمة كانت لعائشة بنت طلحة وكان يكنى عن ذكر عائشة بها وله فيها أشعار كثيرة منها مما يغنى فيه قوله:
يا ربع بشرة بالجنان تكلم ... وإبن لنا خبراً ولا تستعجم
ما لي رأيتك بعد أهلك موحشاً ... خلقا كحوض الباقر المتهدم
تسقي الضجيج إذا النجوم تغورت ... طوع الضجيع وغاية المتوسم
قب البطون أوانس شبه الدمى ... يخطلن ذاك عفة وتكرم
عروضه من الكامل والشعر للحرث بن خالد والغناء لمعبد ولحنه من خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحق وفيه أيضاً ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحق في رواية عمرو ومنها:
يا ربع بشرة أن اضر البلى ... فلقد عهدتك آهلاً معمورا
عقب الرذاذ خلافه فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا
غناء إبن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحق وفيه لحن لمالك وقيل بل هو لإبن محرز وعروضه من الكامل وقوله عقب الرذاذ خلافه يقول جاء الرذاذ بعده ومنه يقال عقب لفلان غنى بعد فقر وعقب الرجل اياه إذا قام بعده ومنه يقال عقب للان غنى بعد فقر وعقب الرجل اباه إذا ام بعده مقامه وعواقب الأمور مأخوذه منه واحدتها عاقبة والرذاذ صغار أمطر، وقوله خلافه أي بعده: قال متمم إبن نويرة:
وفقدي بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم لأستكين فأضرعا
أي بعدهم والشواطب النساء اللواتي يشطبن لحاء السعف يعملن منه الحصر ومنه السيف المشطب والشطيبة الشعبة من الشيء ويقال بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا أي قطعة: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كانت مغنية تختلف إلى صديق لها فأتته يوماً فوجدته مريضاً لا حراك به فدعت بالعود وغنت:
أخبار ذات الخال
صوت
ما بال شمس أبي الخطاب قد حجبت ... يا صاحبي لعل الساعة إقتربت
أو لا فما بال ريح كنت آنسها ... عادت إليّ بصرّ بعدما جنبت
إليك أشكو أبا الخطاب جارية ... غريرة بفؤادي اليوم قد لعبت
وأنت قيمها فأنظر لعاشقها ... يا ليتها قربت مني وما بعدت
стр. 45
عروضه من البسيط الشعر والغناء لإبراهيم الموصلي ومل بالبنصر عن الهشامي وعلي بن يحيى، وذكر محمد بن الحرث بن بسخنر أن فيه هزجاً بالبنصر لإبراهيم بن المهدي، وذكر عمرو بن بانة أنه لإبراهيم الموصلي أيضاً وأبو الخطاب الذي عناه إبراهيم الموصلي في شعره هذا رجل نحاس يعرف بقرنين مولى العباسة بنت المهدي وكان إبراهيم يهوى جارية له يقال لها خنث وكانت من أجمل النساء وأكلمهن وكان لها خال فوق شفتها العليا وكانت تعرف بذات الخال، ولإبراهيم ولغيره فيها أشعار كثيرة نذكر منها كل ما فيه غناء بعد خبرها إن شاء الله.
أخبرني بخبرها الحسين بن يحيى قال: حدثنا جاد بن إسحق قال: حدثني أبي أن جدّي كان يتعشق جارية لقرين الكنى بأبى الخطاب النحاس، وكان يقول فيها الشعر ويغني فيه فشهرها بشعره وغنائه، وبلغ الرشيد خبرها فأشتراها بسبعين ألف درهم.
فقال لها ذات يوم: أسألك عن شيء فإن صدقتني وإلا صدقني غيرك وكذبتك، قالت له بل أصدقك، قال: هل كان بينك وبين إبراهيم الموصلي شيء قط وأنا أحلفه أن يصدقني قال: فتلكأت ساعة ثم قالت: نعم مرة واحدة، فأبغضها وقال يوماً في مجلسه: أيكم لا يبالي أن يكون كشحاناً حتى أهب له ذات الخال، فبكر حمويه الوصيف فقال: أنا، فوهبها له.
وفيها يقول إبراهيم:
أتحسب ذات الخال راجية ربا ... وقد سلبت قلباً يهم بها حبا
وما عذرها نفسي فداها ولم تدع ... على أعظمي لحماً ولم تبق لي لبا
الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، وذكر أحمد إبن أبي طهر أن الرشيد إشتراها بسبعين ألف درهم، وذكر قصة حموية كما ذكرها جاد وقال في خبره: فأشتاقها الرشيد يوماً بعدما وهبها لحمويه فقال له: ويلك يا حمويه، وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك، فقال: يا أمير المؤمنين مر فيها بأمرك قال نحن عندك غداً، فمضى فأستعد لذلك وأستأجر لها من بعض الجوهريين بدنة وعقوداً ثمنها أثنا عشر ألف دينار، فأخرجها إلى الرشيد وهو عليها فلما رآه أنكره وقال: ويلك يا حمويه من أين لك هذا وما وليتك عملاً تكسب فيه مثله ولا وصل إليك مني هذا القدر، فصدقه عن أمره فبعث الرشيد آل أصحاب الجوهر فأحضره واشترى الجوهر منهم ووهبه لها ثم حلف ألا تسأله في يومه دالك حاجة إلا قضاها، فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك وكتب له عهده وشرط على ولي العهد بعده أن يتمها له إن لم تتم في حياته.
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني محمد بن عبد الله العاصمي قال: حدثني أحمد إبن عبد الله طماس عن عبد الله وإبراهيم أبني العباس الصولي قالا: كانت للرشيد جارية تعرف بذات الخال فدعته يوماً فوعدها أن يصير إليها وخرج يريدها فأعترضته جارية فسألته أن يدخل إليها فدخل وأقام عندها فشق ذلك على ذات الخال وقالت: والله لأطلبن له شيئاً أغيظه به، وكانت أحسن الناس وجهاً ولها خال على خدها لم يرَ الناس أحسن منه في موضعه فدعت بمقاض فقصت الخال الذي كان في خدها.
وبلغ ذلك الرشيد فشق عليه وبلغ فخرج من موضعه وقال للفضل بن الربيع: أنظر من بالباب من الشعراء فقال الساعة رأيت العباس بن الأحنف فقال أدخله فأدخله عرّفه الرشيد الخبر وقال: إعمل في هذا شيئاً على معنى رسمه له فقال:
تخلصت ممن لم يكن ذا حفيظة ... ملت إلى من لا يغيره حال
فإن كان قطع الخال لما تعطفت ... على غيرها نفسي فقد ظلم الخال
غنّاه إبراهيم فنهض الرشيد إلى ذات الخال مسرعاً مسترضياً لها وجعل هذين البيتين سبباً وأمر العباس بألفي دينار، وأمر إبراهيم الموصلي فغناه في هذا الشعر.
أخبرني محمد إبن يحيى قال: حدثني حمد بن الفضل قال: كان محمد بن موسى المنجم يعجبه التقسيم في الشعر ويشغف بجيد الأشعار فكان مما يعجبه قول نصيب:
ابا بعل ليلى كيف تجمع سلمها ... وحربي وفيما بيننا شبت الحرب
لها مثل ذنبي اليوم إن كنت مذنباً ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب
روضه من الطويل والشعر لنصيب ويروى للمجنون ويروى لكعب بن مالك الخشعمي والغناء لمالك ثاني ثقيل بالوسطى من غمر وقال: وكان محمد بن موسى ينشد كثيراً للعباس بن الأحنف.
قال:
стр. 46
ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى ... عشير الذي ألقى فيلتئم الشعب
إذا رضيت لم يهتني ذلك الرضا ... لعلمي به أنه سوف يتبعه عتب
وأبكي إذا ما أذنبت خوف صدودها ... وأساها مرضاتها ولها الذنب
وما لكم صرم وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلكم حرب
ويقول ما أحسن ما قسم حتى جعل بإزاء كل شيء ضده والله إن هذا الأحسن من تقسيمات أقليدس الغناء في هذه الأبيات الأربعة لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي، وكانت ذات إحدى الثلاث الجواري اللواتي كان الرشيد يهواهن ويقول الشعر فيهن ونّ سحر وضيا وخنث، وفيهن يقول: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا محمد الأسدي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي بن منجوف السدوسي قال: حدثني محمد بن اسمعيل بن صبيح قال: وجه الرشيد إلى جاريته سحر لتصير إليه فأعتلت عليه ذلك اليوم بعلة ثم جاءته من الغد، فقال الرشيد:
أيا من رد ودّي أمس لا أعطيكه اليوما
ولا والله لا أعطيك إلا الصد واللوما
وإن كان بقلبي منك حب يمنع النوما
ايا من سمته الوصل فأغلى المهر والسوما
قال وفيهن يقول وقد قيل للعباس بن الأحنف قالها على لسانه قال:
ملك الثلاث الأنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني
غنته عريب خفيف ثقيل الأول الوسطى، وروى أحمد بن أبي طاهر عن إسحق قال: وجه الرشيد إلى ذات الخال ليلة وقد مضى شطر الليل فحضرت فأخرج إلي جارية كأنها المهاة فأجلسها في حجره ثم قال غني فغنيته:
جئن من الروم وقاليقلا ... يرفلن في المرط ولين الملا
مقرطقات بصنوف الحلي ... يا حبذا البيض وتلك الحلا
فأستحسنه وشرب عليه، ثم إستؤذن لفضل بن الربيع فأذن له، فلما دخل قال: ما وراءك في هذا الوقت قال كل خير يا أمير المؤمنين، ولكن جرى لي الساعة سبب لم يجز لي كتمانه، قال وما ذاك قال: أخرج إليّ في هذا الوقت ثلاث جوارٍ لي مكية ومدنية وعراقية فقبضت المدينية على ذكري فلما أنعظ وثبت المكية فقعدت عليه فقالت لها الدينية ما هذا التعدي، ألم تعلمي أن مالكاً حدثنا عن الزهري عن عبد الله بن طاهر عن سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال: من أحيا أرضاً ميتة فهي له، قالت الأخرى أول تعلمي أن سفيان حدثنا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: الصيد لمن صاد لا لمن أثاره فدفعتهما العراقية عنه ووثبت عليه وقالت: هذا لي وفي يدي حتى تصطلحا.
فضحك الرشيد وأمر بحملين إليه فعل وحظين عنده وفيهن يقول:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال: حججت ع الرشيد آخر حجة فكان الناس يتناشدون له في جواريه:
ثلاث قد حللن حمى فؤادي ... ويعطين الرغائب في ودادي
نظمت قلوبهن بخيط قلبي ... فهن قرابتي حتى التنادي
فمن بك حل من قلب محلاً ... فهن من النواظر والسواد
ومما قاله إبراهيم وغيره في ذات الخال وغنى فيه: وقال:
إذات الخال أقصيت ... محباً بكم صبا
فلا أنسى حياتي ما ... عدت الدهر لي ربا
وقد قلت أنيليني ... فقالت أفرق الدنبا
الشعر والغناء لإبراهيم هزج بالوسطى عن عمرو ومنها قال:
أذات الخال قد طال ... بمن أسقمته الوجع
وليس إلى سواكم في ... الذي يلقى له فزع
أما يمنعك الإسلا ... م من قتلي ولا الورع
وما ينفك لي فيك ... هوى تغتره خدع
الشعر والغناء لإبراهيم هزج بالوسطى عن عمرو ومنها قال:
ثعلب يا هذا الكثير العبث ... بالله لما قلت لي عن حنث
عن ظبية تميش في مشيتها ... أحسن من أبصرته في شعث
فقال قالت له أنت أمرؤ ... موكل فيما ترى بالعبث
стр. 47
والله لولا خصلة ارقبها ... لقل في الدنيا لما بي لبثي
الشعر لإبراهيم وله فيه لحنان أحدهما ثقيل أول عن أبي العنبس والآخر هزج بالبنصر عن عمرو وفيه لعريب ثقيل أول آخر وذكر حبش أن فيه لإبن جامع هزجاً بالوسطى.
وذكر هرون بن الزيات أن حماد دثه عن أبيه أن ثعلباً هذا كان مملوكاً لإبراهيم فقال هذه الأبيات في خنث جارية جزه بن مغول الموصلي وكانت مغنية محسنة وخاطب ثعلباً فيها مستخيراً له.
وذكر هرون بن محمد بن عبد الملك أن حماد بن إسحق حدثه عن أبيه أنه قال في خنث جارية جزه بن مغول الموصلي وخاطب في شعره غلاماً يقال له ثعلب وكانت خنث مغنية محسنة وكانت تعرف بذات الخال.
قال:
ثعلب يا هذا الكثير الخبث ... بالله ألا قلت لي عن خنث
وذكر الأبيات قال له أيضاً:
أيد لذات الخال يا ثعلب ... قول أمريء في حبه لا يكذب
إني أقول الحق فأستيقني ... كل أمريء في حبه يلعب
الشعر والغناء لإبراهيم هـ فيه لحنان رمل وخفيف ثقيل عن إبن المكي ومنها:
جزى الله خيراً من كلفت بحبه ... وليس به إلا المموه من حسبي
وقالوا قلوب العاشقين رقيقة ... فما بال ذات الخال قاسية القلب
وقالوا لها هذا محبك معرضاً ... فقالت أرى إعراضه أيسر الخطب
فما هو إلا نظرة بتبسم ... قتنشب رجلاه ويسقط للجنب
ومنها:
إن لم يكن حب ذات الخال عناني ... إذاً فحولّت في مسك إبن زيدان
فإن هذي يمين ما حلفت بها ... إلا على الحق في سري وإعلاني
الشعر والغناء لإبراهيم هزج بالبنصر ومنها:
لقد أخلو ذات الخا ... ل والحراس قد هجعوا
فمن يبصر أبا الخطا ... ب يطلبها ويتبع
ألا لن تر محزوناً ... يتيم صبره الجزع
وقارعني ففزت بها ... وحازتها لي القرع
غناء إبراهيم من رواية تدل عنه ولم يذكر طريقته.
قال علي بن محمد الهشامي: حدثني حدّي يعني إبن حمدون قال: حدثني مخارق قال: كنت عند إبراهيم الموصلي ومعي إبن زيدان صاحب البرامكة وإبراهيم يلاعبه بالشطرنج فدخل علينا إسحق فقال له أبوه: ما أفدت اليوم فقال أعظم فائدة، سألني رجل ما أفخم كلمة في الفم فقلت له لا إله إلا الله، فقال له أبوه إبراهيم: أخطأت هلا قلت دنيا وديناً، فأخذ إبن زيدان الشاه فضرب به رأس إبراهيم وقال: يا زنديق أتكفر بحضرتي، فأمر إبراهيم غلمانه فضربوا إبن زيدان ضرباً شديداً، فأنصرف من ساعته إلى جعفر بن يحيى فحدثه بخبره قال: وعلم إبراهيم أنه قد أخطأ وجنى فركب إلى الفضل بن يحيى فأستجار به فأستوهبه الفضل من جعفر فوهبه له، فأنصرف وهو يقول:
إن لم يكن حب ذات الخال عناني ... إذاً فحولت من مسك إبن زيدان
فإن هذين يميني ما حلفت بها ... إلا على الصدق في سري وإعلاني
قال وله في هذين البيتين صنعة وهي هزج ومنها:
من يرحم مجنوناً ... بذات الخال مفتونا
أبى فيها فما بلو ... وكل الناس بلونا
فقد أودى به السقم ... وقد أصبح مجنونا
فإن دام على هذا ... ثوى في اللحد مدفونا
الشعر والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل عن الهشامي ومنها:
لذات الخال أرقني ... خيال بات يلثمني
بكى وجرى له دمع ... ما بالقلب من حزن
فلا أنساه أو أنسى ... إذا أدرجت في كفني
الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي ومنها: قال:
هل علمت اليوم يا عاصم ... يا خير خدين
أن ذات الخال تأتيني ... على رغم قرين
لا تلمني إن ذات الخا ... ل دنياي وديني
وأبي حنص خليلي ... ووزيري وأميني
بحت لا أكتمه شيئاً ... من الداء الدفين
إن بي من حب ذا ... ت الخال شيئاً كالجنون
فيه لإبراهيم هزج بالوسطى عن إبن المكي ومنها: قال:
стр. 48
تقول ذات الخال ... لي يا خلي البسال
فقلت حاشاك من ... أن يكون حالك حالي
أعرضت عني لما ... أوقعتني في الحبال
أن الخلي هو الغافل ... الذي لا يبالي
لإبراهيم من كتاب عن حبش فيه لحن، وذكر إبن المكي أنه رمل ومنها قال:
أما تعلم ذات الخال فوق الشفة العليا
بأني لست أهوى غيرها شيئاً من الدنيا
وإني عن ميع الناس إلا عنهم أعمى
وإني لو سقيت الدهر من ريقك لا أروى
الشعر والغناء لإبراهيم رمل بالوسطى عن عمرو وإبن المكي وغيرهما وقد روى أما تعلم يا ذا الخال وهذا هو الصحيح ومنها قوله في المرقص: قال:
يا ليت شعري كيف ذات الخال ... أم كيف تحسب حالها من حالي
هل أنسيا منها وضمت مرة ... رأسي إليها ثم قالت مالي
الذلة أقصيتني نفسي فدا ... ؤك أم أطعت مقالة العذالي
والله ما إستحسنت شيئاً مونقاً ... ألتذه إلا خطرت ببالي
الشعر والغناء لإبراهيم وله فيه لحنان هزج بالأصابع كلها عن إبن المكي وثقيل أول بالوسطى عن حبش ومنها قال:
يا ليت شعري والنساء غوادر ... خلف العدات وفاؤهن قليل
هل وصل ذات الخال يوماً عائد ... فتزول لوعاتي وحر غليلي
أم قد تناست عهدنا وأخالها ... عن ذاك ملك حال دون كان خليلي
الشعر والغناء لإبراهيم من كتابه ثقيل أول بالبنصر عن إبراهيم وإبن المكي والهشامي إنقضت أخبارها
أن من غرّه بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور
حلوة القول واللسان ومرّ ... كل شيء أجنّ منها الضمير
كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب حبها خيتعور
الشعر لحجر بن عمرو آكل المرار والغناء لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وفيه أول بالوسطى عن حبش وفيه رمل له أخبار عبد الله بن عجلان مع الجارية هند // هو عبد الله بن العجلان بن عبد الأجب بن عامر بن كعب بن صباح بن نهد إبن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة شاعر جاهلي أحد المتيمين من الشعراء ومن قتله الحب منهم، وكان له زوجة يقال لها هند فطلقها ثم ندم على ذلك فتزوجت زوجاً غيره فمات أسفاً عليها.
أخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد بن إسحق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: كان عبد الله بن العجلان النهدي سيداً في قومه وإبن سيد من ساداتهم وكان أبوه أكثر بني هد مالاً، وكانت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي يذكرها في شعره امرأة من قومه من بني نهد وكانت أحب الناس إليه وأحظاهم عنده فمكثت معه سنين سبعاً أو ثمانياً لن تلد فقال له أبوه لا ولد لي غيرك ولا ولد لك وهذه المرأة عاقر فطلقها وتزوج غيرها، فأبى ذلك، فآلى أن لا يكلمه أبداً حتى يطلقها فأقام على أمره ثم مد إليه يوماً وقد شرب الخمر حتى سكر وهو جالس مع هند فأرسل إليه أن صر إليّ فقال له هند: لا تمض إليه والله ما يريدك لخير وإنما يريدك بلغه أنك سكران فطمع فيك أن يقسم عليك فتطلقني، فنم مكانك ولا تمضِ إليه، فأبى وعصا فتعلقت بثوبه فضربها بمسواك فأرسلته وكان في يدها زعفران أثر في ثوبه مكان يدها ومضى إلى أبيه فعاوده في أمرها وأنبه وضعفه وجمع عليه مشيخة الحي وفتيانهم فتناولوه بألسنتهم وعيروه بشغفه بها وضعف حزمه، ولم يزالوا به حتى طلقها، فلما أصبح خبر بذلك وقد علمت به هند فأحتجبت عنه وعادت إلى أبيها وأسف عليها أسفاً شديداً، فلما رجعت إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير فزوّجها أبوها منه فبنى بها عندهم وأخرجها إلى بلده، فلم يزل عبد الله بن العجلان دنفاً سقيماً يقول فيها الشعر ويبكيها حتى مات أسفاً عليها، وعرضوا عليه فتيات الحي جميعاً فلم يقبل واحدة منهن.
وقال في طلاقه إياها:
فارقت هنداً طائعاً ... فدمت عند فراقها
بالعين تذري دمعة ... كالدر من آماقها
متحلياً وق الردا ... ء يجول من رقراقها
خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها
ولقد ألذ حديثها ... واسر عند عناقها
وفي هذه القصيدة يقول:
стр. 49
إن كنت ساقية ببز ... ل الأدم أو بحقافها
فأسقي بني هد إذا ... شربوا خيار زقاقها
فالخيل تعلم كيف ... تلحقها غداة لحاقها
بأسنة رزق صبحنا ... القوم حد رقاقها
حتى ترى قصد القنا ... والبيض في أعناقها
قال أبو عمر الشيباني: لما طلق عبد الله بن العجلان هند أنكحت في بني عامر، وكانت بينهم وبين نهد مغاورات جمعت نهد لبني عامر جمعاً فأغاروا على طوائف منهم فيهم بنو العجلان وبنو الوحيد وينو الحريش وينو قشير ونذروا بهم فأقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إنهزم بنو عامر وغنمت نهد أموالهم وقتل في المعركة إبن لمعاوية إبن قشير بن كب وسبعة بنين له وقرط وجدعان إبنا سلمة بن قشير ومرداس إبن جدعة بن كعب وحسين بن عمرو بن معاوية ومسحقة بن المجمع الجعفي، فقال عد الله بن العجلان في ذلك:
ألا أبلغ بني العجلان عني ... فلا ينبيك بالحدثان غيري
بأنا قد قتلنا قرطاً ... وجرنا في سراة قشير
وأفلتنا بنو رجالاً ... حاة يربؤن على سمير
وقالت امرأة من بني قيس ترثي قتلاهم:
أصبتم يا بني زيد ... قروماً عند قعقعة السلاح
إذا إشتد الزمان وكان محلاً ... وحادر فيه إخوان السماح
أهانوا المال في اللزيات صبراً ... وجادوا بالمتالي واللقاح
فبكى مالكاً وأبكى بجيراً ... وشداداً مستجر الرماح
وكعباً فأندبيه معاً وقرطاً ... أولئك معشري هدّوا جناحي
وبكى إن بكيت على حسيل ... ومدراس قتيل بني صباح
قال: وأسر عبد الله بن العجلان جلاً من بني الوحيد منّ عليه وأطلقه ووعده الوحيدي من الثواب فلم يفِ فقال عبد الله:
وقالوا لن تنال الدهر فقراً ... إذا شكرتك نعمتك الوحيد
فيا ندماً ندمت على رزام ... ومخلفه كما خلع العتود
قال أبو عمر: ثم أن بني عامر جمعوا لبني نهد قالت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي كانت ناكحاً فيهم لغلام منهم يتيم فقير من بني عامر: لك خمس عشرة ناقة على أن تأتي قومي فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر، فقال أفعل، فحملته على ناقة لزوجها ناجية وزودته مراً ووطباً من لبن فركب فجد في السير وفنى اللبن فأتاهم والحي خلوف في غزو وميرة فنزل هم وقد يبس لسانه، فلما كلموه لم يقدر على أن يجيبهم وأومأ لهم إلى لسانه فأمر خراش بن عبد الله بلبن وسمن فأسخن وسقاه إياه فأبتل لسانه وقال لهم: أتيتكم أنا رسول هند إليكم تنذركم، فأجتمعت بنو نهد وأستعدت ووافتهم بنو عامر فلحقوهم على الخيل فأقتتلوا قتالاً شديداً فأنهزمت بنو عامر. فقال عبد الله بن العجلان في ذلك:
أعاود عيني نصبها وغرورها ... أهم عناهم أم قذاها يعورها
أم الدأر أمست قد تعفت كأنها ... زيور يمان رقشته سطورها
ذكرت بها هند وأترابها الأولى ... بها يكذب الواشي ويعصي أميرها
فما معول تبكي لفقد أليفها ... إذا ذكرته لا يكف زفيرها
بأغزر مني عبرة إذ رأيتها ... بحث بها قبل الصباح بعيرها
ألم يأت هنداً كيفما صنع قومها ... بني عامر إذ جاء يسعى نذيرها
فقالوا لنا إنا نحب لقاءكم ... وإنا نحيي أرضكم ونزورها
فقلنا إذاً لا ننكل الدهر عنكم ... بضم القنا اللائي الدماء تميرها
فلا غزوان اخيل تنحط في القنا ... نمطر من تحت العوالي ذكورها
تأوه مما مسها من كريهه ... وتصفي الخدود والرماح تصورها
وأربابها صرعى ببرقة أخرت ... بجررهم ضبعانها ونسورها
فأبلغ أبا الحجاج عني رسالة ... مغلغلة لا يفلتنك بورها
فأنت منعت السلم يوم لقيتنا ... بكفيك تسدي غية وتثيرها
فذوقوا على ما كان من فرط إحنة ... خلائبنا إذ غاب عنا نصيرها
قال أبو عمرو:
стр. 50
فلما إشتد ما بعبد الله بن العجلان من السقم خرج سراً من أبيه مخاطراً بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشر والتراث حتى نزل بني نمير وقصد خباء هند، فلما قارب دارها وهي جالسة على الحوض وزوجها يسقي ويذود الإبل عن مائه فلما نظر إليها ونظرت إليه رمى بنفسه عن بعيره وأقبل يشتد إليها وأقبلت تشتدّ عليه فأعتنق كل واحد منهما صاحبه وجعلا يبكيان وينشجان ويشهقان حتى سقطا على وجوههما، وأقبل زوج هند ينظر ما حالهما فوجدهما ميتين.
قال أبو عمرو: واخبرني بعض بني نهد أن عبد الله بن العجلان أراد المضي إلى بلادهم فمنعه أبوه وخوّفه الثارات وقال لهم: نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة، ولم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت فحج وحج أبوه معه، فنظر إلى زوج هند وهو يطوف بالبيت وأثر كفها في ثوبه بخلوق، فرجع إلى أبيه في منزله وأخبره بما رأى ثم سقط على وجهه فمات.
هذه رواية أبي عمرو.
وقد أخبرني محمد بن خلف بن وكيع قال: حدثني عبد الله بن الحسن قال: حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب عن إبن سيرين قال: خرج عبد الله بن العجلان في الجاهلية فقال:
ألا أن هند أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
وأصبحت كالمغمور جفن سرحه ... بقلب بالكفين قوساً وأسهما
ثم مدّ بها صوته فمات.
قال إبن سيرين: فما سمعت أن أحداً مات عشقاً غير هذا، وهذا الخبر عندي خطأ لأن أكثر الرواة يروي هذين البيتين لمسافر بن أبي عمرو بن أمية قاله لما خرج إلى النعمان بن المنذر يستعينه في مهر هند بنت عتبة بن ربيعة فقدم أبو سفيان بن حرب فسأله عن أخبار مكة وهل حدث بعده شيء فقال لا، إلا إني تزوجت هنداً بنت عتبة فمات مسافر أسفاً عليها، ويدل على صحة ذلك قوله: وأصبحت من أدنى حموءتها حما، لأنه لأبي عتم أبي سفيان بن حرب وليس النميري المتزوج هند الزيدية إبن عم عبد الله بن العجلان فيكون من أحمائها والقول الأول على هذا أصح.
ومن مختار ما قاله إبن عجلان في هند:
ألا أبلغا هنداً سلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أرَ هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم من أهل الديار تطوف
أتت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هنّ منهن أقطف
بياكرن مرّات جلياً وتارة ... ذكياً وبالأيدي مذاك ومسوف
اشار إلينا في خفاة وراءها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا إبن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويغنف
أخبرني احسن بن علي قال: أنشدنا فضل اليزيدي عن إسحق لعبد الله بن العجلان النهدي. قال إسحق وفيه غناء:
خليليّ زوروا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغياً يلاقي في التعجل أم رشدا
ومرّا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
* * *
أخبار حبابة
كانت حبابة مولدة من مولدات المدينة لرجل من أهلها يعرف بإبن مّانة، وقل إبن مينا وهو خرجها وأدبها وقيل بل كانت لآل لاحق المكيين وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء طيبة الصوت ضاربة العود وأخذت الغناء عن إبن سريج وإبن محرر ومالك ومعبد وعن جميلة وعزة الميلاء وكانت تسمى العالية فسماها يزيد لما إشتراها حبابة، وقيل أنها كانت لرجل يعرف بإبن مينا.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني حاتم إبن قبيصة قال: وكانت حبابة لرجل يدعى إبن مينا فأخلت على يزيد بن عبد الملك في إزار له ذنبان وبيدها دف ترمي به وتتلقاه وتتغنى:
ما أحسن الجيد من مليكة ... واللبات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة إذا هجع ... الناس ونام الكلاب صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحد ... يسعى علينا إلا كواكبها
стр. 51
ثم خرج بها مولاها إلى أفريقية، فلما كان بعدما وليّ يزيد إشتراها وروى حماد عن أبيه عن المدائني عن جرير المديني ورواه الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال: قال لي يزيد بن عد الملك: ما تقرّ عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة جارية مصعب بن سهيل الزهري وحبابة جارية لاحق المكية فأرسل فأشريتا له، فلما إجتمعتا عنده قال: أنا الآن ما قال القائل:
فألقت عصاها وأستقر بها النوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
قال إسحق: وحدثني أبو أيوب بن عباية قال: كانت حبابة لآل رمانة ومنهم أبتيعت ليزيد.
اخبرنا الحسن بن علي قال: حدثنا هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني الزبير بن بكار قال: أخبرني محمد ن سلمة عن إبن ماقية عن شيخ من أهل ذي خشب قال: خرجنا نريد ذا خشب ونحن مشاة فإذا قبة فيها جارية وإذا هي تغني:
سلكوا بطن مخيض ... ثم ولوّا راجعينا
أورثوني حين ولوّا ... طول حزن وأنينا
قال: فسرنا حتى أتينا خشب فخرج رجل معها فسألناه وإذا هي حبابة جارية يزيد، فلما صارت إلى يزيد أخبرته بنا فكتب إلى والي المدينة أن يعطي كل واحد منا ألف درهم.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق عن المدائني وروى هذا الخبر حماد بن إسحق عن أبيه عن المدائني وخبره أتم أن حبابة كانت تسمى العالية وكانت لرجل من الموالي بالمدينة فقدم يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان فتزوج سعدة بنت عبد الله بن جعفر على مثل ذلك وأشترى العالية بألف دينار، فبلغ ذلك سليمان فقال: لأجرن عليه، فبلغ يزيد قول سليمان فأستقال مولى حبابة ثم إشتراها بعد ذلك رجل من أهل أفريقيا، فلما ولي إشترتها سعدة إمرأته وعلمت أنه لا بد طالبها ومشتريها، فلما حصلت عندها قالت له: هل بقي عليك من الدنيا شيء لم تنله فقال: نعم العالية، فقالت: هذه هي وهي لك، فسماها حبابة وعظم قدر سعدة عنده، ويقال إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن وطيء لإبنها عنده في ولاية العهد وتحضرها بما تحب، وقيل أن أم الحجاج أم الوليد بن يزيد هي التي إبتاعتها له وأخذت عليها ذلك فوفت لها بذلك.
هكذا ذكر الزبير فيما أخبرنا به الحسن بن علي عن هرون بن محمد عنه عن عمه قال: ومن زعم أن سعدة إشترتها فقد أخطأ.
قال المدائني: ثم خطب يزيد إلى أخيها خالد بنت أخ له فقال: أما يكفيه أن سعدة عنده حتى يخطب إليّ بنات أخي. وبلغ يزيد فغضب فقدم عليه خالد يسترضيه، فبينا هو في فسطاطه إذ أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت له: أم داود تقرأ عليك السلام وتقول لك قد كلمت أمير المؤمنين فرضي عنك، فقال: من أم داود، فأخبره من معها أنها حبابة وذكر له قدرها ومكانها من يزيد، رفع رأسه إلى الجارية فقال: قولي لها أن الرضا عني بسبب لست به، فشكت ذاك إلى يزيد فغضب وأرسل إلى خالد فلم يعلم بشيء حتى أتاه رسول حبابة فيمن معه من الأعوان فأقتلعوا فسطاطه وقلعوا أطنابه حتى سقط عليه وعلى أصحابه فقال: ويلكم ما هذا، قالوا: رسل حبابة، هذا ما صنعت بنفسك، فقال ما لها أخزاها الله ما أشبه رضاها بغضبها.
قال إسحق: وحدثني محمد بن سلام عن يونس بن حبيب أن يزيد بن عبد الملك إشترى حبابة وكان إسمها العالية بأربعة آلاف دينار، فلما خرج بها قال الحرث إبن خالد فيها:
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدوا بلبك مطلع الشرق
مرّت على قرن يقاد بها ... تعدو أمام براذن زرق
فظللت كالمغمور مهجته ... هذا الجنون وليس بالعشق
يا ظبية عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحق
وغنته حبابة في الشعر وبلغ يزيد فسألها عنه فأخبرته فقال لها: غنني به، فغنته فأجادت وأطربته، فقال إسحق: إنه من جيد غنائها.
قال أبو الفرج الأصبهاني: هذا غلط ممن رواه في أبيات الحرث بن خالد لأنه قالها في عائشة بنت طلحة لما زوجها مصعب بن الزبير وخرج بها وفي أبياته يقول:
في البيت ذي الحسب الرفيع ومن ... أهل التقى والبر والصدق
وقد شرح ذلك في أخبار عائشة بنت طلحة.
قال إسحق: وأخبرني الزبير أن يزيد إشتراها وهو أمير، فلما أراد الخروج بها قال الحرث بن خالد فيها:
стр. 52
قد سل جسمي وقد أودى به سقم ... من أجل حيّ خلوا عن بلده الحرم
يحن قلبي إليها حين أذكرها ... وما تذكرت شوقاً آب من أمم
ألا حنيناً إليها رشأ ... كالشمس رود ثقال سهلة الشيم
فضلها الله رب الناس إذ خلقت ... على النساء من أهل الحزم والكرم
وقال فيها الشعراء فأكثروا، وغنى في أشعارهم المغنون من أهل مكة والمدينة، وبلغ ذلك يزيد فأستشنعه فقال: هذا قبل حلتنا وقد هممنا فكيف لو إرتحلنا وتذكر لقوم شدة الفراق، وبلغه أيضاً أن سليمان قد تكلم في ذلك فردها ولم تزل في قلبه حتى ملّك فأشرتها سعدة امرأته العثمانية ووهبتها له: أخبرني إبن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق قال: حدثني أبو ذفافة المنهال بن عبد الملك عن مروان بن بشر أبي سارة مولى الوليد بن يزيد قال: لما إرتفعت منزلة حبابة عند يزيد أقبل يوماً إلى البيت الذي هي فيه فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتغني وتقول:
كن لي يا يزيد حبك حيناً ... كاد يقضي عليّ لما إلتقينا
والشعر كان يا سقير فرفع الستر فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذاك لمكانه فألقى نفسه عليها وحرّكت منه.
قال المدائني: غلبت حبابة على يزيد وتبنى بها عمر بن هبيرة فعلت منزلته حتى كان يدخل على يزيد في أي وقت شاء، وحسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته وقدحوا فيه عند يزيد وقالوا أن مسلمة إن إقتطع الخراج لم يحسن يا أمير المؤمنين أن يعيشه وأن يستكشف عن شيء لسنه وخفته، وقد علمت أن أمير المؤمنين لم يدخل أحداً من أهل بيته في الخراج فوقر ذلك في قلب يزيد وعزم على عزله وعمل إبن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة عملت له في ذلك وكان بين إبن هبيرة وبين القعقعاع بن خالد عداوة وكانا يتنازعان ويتحاسدان فقيل للقعقاع: لقد نزل إبن هبيرة من أمير المؤمنين منزلة أنه لصاحب العراق غدا، فقال: ومن يطيق إبن هبيرة حبابة بالليل وهداياه بالنهار مع أنه مع أنه وإن بلغ فإنه رجل من بني سكين فلم تزل حبابة تفعل له في العراق حتى وليها.
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: سمعت إسحق بن إبراهيم يحدث بهذا الحديث فحفظته ولم أحفظ إسناده.
وحدثنا محمد بن خلف وكيع قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب الزبيري عن مصعب بن عثمان وقد جمعت روايتيهما قالا: أراد يزيد بن عبد الملك أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز وقال: بماذا صار عمر ارجى لربه جلّ وعزمتي فشق ذلك على حبابة فأرسلت إلى الأحوص، هكذا في رواية وكيع، وأما عمر بن شبة فإنه ذكر أن مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء والشرب وقال له إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في الأمور والوفود ببابك، وأصحاب الظلامات يصيحون وأنت غافل عنهم، فقال: صدقت والله وأعتبه وهمّ بترك الشرب ولم يدخل على حبابة أياماً، فدسّت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتاً في ذلك وقالت له إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل الأحوص إلى يزيد فأستأذنه في الإنشاد فأذن له.
قال إسحق في خبره فقال الأحوص:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن فندت في طلب الغنى ... لأعلم أني لست في الحب أوحدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى ... فكن جراً من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
стр. 53
الغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر وفيه رمل للغريض ويقال أنه لحبابة، قال: ومكث جمعة لا يرى حبابة ولا يدعو بها، فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني، فلما أراد الخروج أعلمتها فتلقته والعود في يدها فغنت البيت الأول غطى وجهه وقال: سه لا تفعلي ثم غنت: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي، فعدل إليها وقال: صدقت والله فقبح من لامني فيك، يا غلام مر مسلمة أن يصلي بالناس وأقام معها يشرب وتغنيه واد إلى حبابة، وقال عمر بن شبة في حديثه فقال يزيد صدقت والله فعلى مسلمة لعنه الله وعاود ما كان فيه ثم قال لها من يقول هذا الشعر قالت الأحوص فأحضره ثم أنشده قصيدة مدحت فيها أولها قوله:
يا موقد النار بالعلياء من أضم ... أرقد فقد هجت شوقاً غير منصرم
وهي طويلة فقال له يزيد: إرفع حوائجك فكتب إليه في نحو من أربعين ألف درهم من دين وغيره فأمر له بها، وقال مصعب في خبره بل إستأذن الأحوص على يزيد فأذن في الإنشاد فقال ليس هذا وقتك فلم يزل به حتى أذن له فأنشده هذه الأبيات لما سمها وثب حتى دخل على حبابة وهو يتمثل:
وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
فقالت: ما ردّك يا أمير المؤمنين فقال أبيات أنشدنيها الأحوص فسلي ما شئت قالت: ألف دينار تعطيها الأحوص فأعطاه ألف دينار.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء // قال:
يا موقد النار بالعلياء من أضم ... أوقد فقد هجت شوقاً غير منصرم
يا موقد النار أوقدها فإن لها ... شباً يهيج فؤاد العاشق السدم
الشعر للأحوص والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى ن يونس وإسحق وعمرو، وذكر حبش أن يه خفيف ثقيل آخر لإبن جامع.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني على بن القاسم بن بشري قال: لما غلب يزيد بن عبد الملك أهله وأبى أن يسمع منهم كلموا مولى له خراسانياً ذا قدر عندهم وكانت فيه لكنه فأقبل على يزيد وينهاه عما قد ألح عليه من السماع للغناء والشراب فقال له يزيد أحضرك هذا الأمر الذي تنهي عنه فإن نهيتني بعد ما تبلوه وتحضره إنتهيت وإني نخبر جواري إنك عم من عمومتي فإياك أن تتكلم فيعلمن أني كاذب وإنك لست بعمي. ثم أدخله عليهنّ فغنين والشيخ يسمع ولا يقول شيئاً حتى غنين:
وقد كنت آتيكم بعلة غيركم ... فأفنيت علاتي كيف أقول
فطر الشيخ وقال لأقيف جعلني الله فداكنّ يريد لاكيف فعلمن أنه ليس مه وقمن إليه بعيدانهنّ ليضربنه بها حتى جزهن يزيد عنه ثم قال بعد ما مضى أمرهن ما تقول الآن أدع هذا أم لا، قال لا تدعه.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني ن يزيد بن بحر الخزاعي الأسلمي عن محمد بن سلمة عن أبيه عن جاد الرواية قال: كنت حبابة فائقة في الجمال والحسن وكان يزيد لها عاشقاً فقال لها يوماً: قد إستخلفتك على ما ورد عليّ ونصبت لذلك مولاي فلاناً وأستخلفيه لأقيم عك اياماً وأستمتع بك، قالت فغني قد عزلته فغضب عليها وقال قد إستعملته وتعزلينه وخرج من عندها مغضباً، فلما إرتفع النهار وطال عليه هجرها دعا خصياً له وقال: إنطلق فأنظر أي شيء تصنع حبابة، فأنطلق الخادم ثن أتاه فقال: رأيتها بإزار خلوقيّ قد جعلت له ذنبين وهي تلعب بلعبها، فقال: ويحك، إحتل لها حتى تمر بها عليّ، فأنطلق الخادم إليها فلاعبها ساعة ثم إستلب لعبة من لعبها وخرج فجعلت تحضر في أثره فمرت بيزيد فوثب وهو يقول قد عزلته وهي تقول: قد إستعملته فعزل مولاه وولاه وهو لا يدري، فمكث معها خالياً أياماً حتى دخل عليه أخوه مسلمة فلامه وقال: ضيعت حوائج الناس وأحتجبت عنهم، أترى هذا مستقيماً لك وهي تسمع مقالته فغنت لما خرج: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا. فذكرت البيات فطرب وقال: قاتلك الله أبيت إلا أن تردينني إليك وعاد إلى ما كان عليه.
أخبرني إسماعيل قال: حدثني عمي قال: حدثني إسحق قال: حدثني الهيثم بن عدي عن صالح إبن حسان قال: قال مسلمة ليزيد: تركت الطهور وشهود الجمعة الجامعة وقدت في منزلك مع هذه الأماه، وبلغ ذلك صبابة وسلامة فقالتا للأحوص: قل في ذلك شعراً فقال:
وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
стр. 54
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن أغرقت في طلب الصبا ... لأعلم أني لست في الحب أوحدا
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
قال، فغنتا يزيد فيه، فلما غنتا ضرب خيزرانته الأرض وقال صدقتما صدقتما، على مسلمة عنة الله وعلى ما جاء به قال: فطرب يزيد فقال: هاتيا فغنّاه من هذه القصيدة:
وعهدي بها صفراء رود كأما ... نضا عرق منها على اللون مجسدا
مهفهة الأعلى واسفل خلقها ... جرى لحمه ما دون أن يتخددا
من المدمجات اللحم دلى كأنها ... عنان صناع مدمج الفتل محصدا
كأن ذكي المسك بادٍ وقد بدت ... وريح خزامى ظله ينفح الندا
طرب يزيد وأخذ فيه من الشراب قدره الذي كان يطرب منه ويسرّه ولم يره أظهر شيئاً مما كان يفعله عند طربه فغنته:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلدا
نظرت رجاء بالموقر أن أرى ... أكاديس يحتلون خاخاً فنشدا
فأوفيت في نشز من الأرض يافع ... وقد ينفع الإيفاع من كان مقصدا
لما غنته بهذا طرب طربه الذي تعهده وجعل يدور ويصيح الدخن بالنوى والسمك في بيطار جنان وشق حلته وقال لها: أتأذنين أن أطير، قالت: وإلى من تدع الناس قال إليك قال: وغنته سلامة من هذه القصيدة:
فقلت ألا يا ليت أسماء أصغيت ... وهل قول ليت جامع ما تبددا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبردا
علاقة حب لج في سنن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجددا
سهوب وأعلام تخال سرابها ... إذا إستن في القيظ الملاء المعمدا
قال: وغنته حبابة منها أيضاً:
كريم قريش حين ينسب والذي ... أقرت له بالملك كهلاً وأمردا
وليس عطاء منه ألان بمانع ... وإن جلّ من أضعاف أضعافه وأمردا
وليس عطاء منه ألان بمانع ... وإن جلّ من أضعاف أضعافه غدا
أهان تلاد المال في الحمد أنه ... أمام هدى يجري على ما تعودا
تردّى بمجد من أبيه وأمه ... وقد أورثا بنيان مجد مشيدا
فقال لها يزيد: ويحك يا حبابة ومَن من قريش قال هذا، قالت أنت، قال من يقول هذا الشعر، قالت: الأحوص يا أمير لمؤمنين، وقالت سلامة فليسمع أمير المؤمنين باقي ثنائه عليه فيها. ثم إندفعت تغنيه:
ولو كان بذل الجود والمال مخلدا ... من الناس إنساناً لكنت المخلدا
فأقسم لا أنفك ما عشت شاكراً ... لعماك ما طار الحمام وغرّدا
أخبرني إسماعيل قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني علي بن أجعد قال: حدثني أبو يعقوب الخزيمي عن أبي بكر بن عياش أن حبابة وسلامة إختلفتا في صوت معبد
ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا
فبعث يزيد إلى معبد فأتى فسال لِمَ بعث إليه فاخبر فقال لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين فقيل لحبابة، فلما عرضتا عليه الصوت قضى لحبابة فقالت سلامة: والله ما قضى إلا للمنزلة وإنه ليعلم أنّ الصواب ما غنيت ولكن أئذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لأن له عليّ حقاً قال قد أذنت فكان ما وصلته به أكثر من حبابة.
وقيل:
ألا حيّ الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا
إذا ما حل أهلك يا سلمى ... بدارة صلصل شحطوا الديارا
الشعر لجرير والغناء لإبن ثقيل أو بالسبابة في مجرى البنصر. أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة فقال له الأحوص: ما تشتهي قال: شواء وطلاء وغناء، قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة بالمدينة فغنته:
ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا
أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فأستطارا
стр. 55
فقال الفزدق: ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها، قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر، فقال لا والله، قال هو لجرير يهجوك به، فقال: ويل إبن المراغة، ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره. وقد روى صالح بن حسان أن الصوت الذي إختلفت به حبابة وسلامة هو:
وترى لها دلاً إذا نطقت به ... تركت بنات فؤاده صعرا
وذكر ذلك حماد عن أبيه الهيثم بن عدي أنهما إختلفتا في هذا الصوت بين يدي يزيد فقال لهما من أين جاء إختلافكما والصوت لمعبد ومنه أخذتماه، فقالت هذه هكذا أخذته وقالت الأخرى هكذا أخذته، فقال يزيد: قد إختلفتما ومعبد حي بعد، فكتب إلى عامله بالمدينة يأمره بحمله إليه ثم ذكر باقي الخبر مثل ما ذكره أبو بكر ن عياش.
قال صالح بن حسان: فلما دخل معبد إليه لن يسأله عن الصوت ولكنه أمره أن يغني فغنّاه فقال:
فيا عزان واشٍ وشى بي عندكم ... فلا تكرميه أن تقولي له أهلاً
فأستحسنه وطرب ثم قال إن هاتين إختلفتا في صوت لك فأقضِ بينهما، فقال لحبابة غني فغنت وقال لسلامة غني فغنت وقال: الصواب ما قالت حبابة فقالت سلامة: والله يا إبن الفاعلة إنك تعلم أن الصواب ما قلت ولكنك سألت أيتهما آثر عند أمير المؤمنين فقيل لك حبابة فأتبعت هواه ورضاه.
فضحك يزيد وطرب وأخذ وسادة قصيرها على رأسه وقام يدور في الدار ويرقص ويصيح: السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان حتى دار الدار كلها، ثم رجع فجلس في مجلسه وقال شعراً وأمر معبد أن يغني فيه فغنى يه وهو:
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر ... ما للفؤاد سوى ذكراكمو وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكركم ... أو عرسوا فهموم النفس والسهر
فأستحسنه وطرب.
هكذا ذكر إسحق في الخبر، وغيره أن الصنعة فيه لحبابة، ويزعم إبن خرد أن الصنعة فيه ليزيد وليس كما ذكر وإنما أراد أن يوالي بين الخلفاء في الصنعة فذكره على غير تحصيل والصحيح أنه لمعبد.
قال مبد: فسر يزيد لما غنيته هذين البيتين وكساني ووصلني ثم لما إنصرم مجلسه إنصرفت إلى منزلي الذي أنزلته فإذا الطاف سلامة قد سبقت ألطاف حبابة وبعثت إليّ إني قد عذرتك فيما فعلت ولكن كان الحق أولى بك فلم أزل في ألطافهما جميعاً حتى أذن لي يزيد فرجعت إلى المدينة.
قال:
ألم يأن لي يا قلب أن أراك الجهلا ... وأن يحدث الشيب الملم لي العقلا
على حين صار الرأس مني كأنما ... علت فوقه ندافة القطن الغزلا
فيا عزان واش وشى بي عندكم ... فلا تكرميه أن تقولي له أهلا
كما لو وشى واشٍ بودك عندنا ... لقلنا تزحزح لا قريباً ولا سهلا
فأهلاً وسهلاً شد وصلنا ... ولا مرحباً بالقائل أصرم لها حبلا
الشعر لكثير والغناء لحنين ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحق، وذكر إبن المكي وعمر والهشامي أنه لمعبد وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى إبن سريج وليس بصحيح.
أخبرني الحزمي أبي العلاء قال: حدثني الزبير قال حدثتني ظبية قالت أنشدت حبابة يوماً يزيد بن عبد الملك:
لعمرك أنني لأحب سلعا ... لرؤيتها ومن بجنوب سلع
ثم تنفست تنفساً شديداً فقال لها: مالك أنت في ذمة أبي، لأن شئتِ لأنقلنه إليك حجراً حجراً، قالت وما أصنع به، ليس إياه أردت إنما أردت صاحبه وربما قالت ساكنه.
لعمرك أنني لأحب سلعاً ... لرؤيتها ومن بجنوب سلع
تقر بها عيني وإني ... لأخشى أن تكون تريد فجعي
حلفت برب مكة والهدايا ... وأيدي السابحات غداة جمع
لأن على التنائي فأعلميه ... أحب إليّ من بصري وسمعي
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى مما لا شك فيه من غنائه.
قال الزبير: وحدثتني ظبية أن يزيد قال لحبابة وسلامة أيتكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها فغنت سلامة فلم تصب ما في نفسه وغنته حبابة.
حلق من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا
стр. 56
فأصابت ما في نفسه فقال إحتكمي فقالت سلامة تهبها لي ومالها، قال: أطلبي غيرها فأبت، فقال: أنت أولى بها ومالها، فلقيت سلامة من ذلك أمراً عظيماً فقالت لها حبابة لا ترين إلا خيراً فجاء يزيد فسألها أن تبيعه إياها بحكمها فقالت أشهدك أنها حرة وأخطبها إليّ الآن حتى أزوجك مولاتي.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق عن المدائني بنحو هذه وقال فيها فجزعت سلامة فقالت لها لا تجزعي فإنما ألاعبه.
قال:
حلق من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا
هزئت إن رأيت مشيبي عرسي ... لا تلومي ذوائبي أن تشيبا
الشعر لإبن قيس الرقيات والغناء لإبن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحق.
قال حماد بن إسحق: حدثني أبي عن المدائني وأيوب بن عبابة قالا: كانت سلامة المتقدمة منهما في الغناء وكانت حبابة تنظر إليها بتلك العين فلما حظيت عند يزيد ترفعت عليها فقالت لها سلامة: ويحك، أين تأدية الغناء وحق التعليم، أنسيت قول جميلة لك خذي أحكام ما أطارحك إياه من سلامة فلن تزالي بخير ما بقيت لك وكان أمر كما مؤتلفاً، قالت: صدقت يا خليلتي، والله لا عدت إلى شيء تكرهينه فما عادت لها إلى مكروه وماتت حبابة وعاشت سلامة بعدها دهراً.
قال المدائني: فرأى يزيد يوماً حبابة جالسة فقال: مالك فقالت أنتظر سلامة قال تحبين أن أهبها لك قالت لا والله ما أحب أن تهب لي أختي.
قال المدائني: وكانت حبابة إذا غنت وطرب يزيد قال لها أطير فتقول له فإلى من تدع الناس فيقول إليك والله تعالى أعلم.
أخبرني إسمعيل بن يونس قال: حدثنا مر بن شبة قال: حدثني أيوب بن عبابة أن البيذق الأنصاري القاريء كان يعرف حبابة ويدخل عليها بالحجاز، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك وأرتفع أمرها عنده خرج إليها يتعرض لمعروفها ويستميحها، فذكرته ليزيد، وأخبرته بحسن صوته قال: فدعاني يزيد ليلة فدخلت عليه وهو على فرش مشرفة قد ذهب فيها إلى قريب من ثدييه وإذا حبابة على فرش آخر مرتفعة وهي دونه فسلمت فرد السلام وقالت حبابة: يا أمير المؤمنين هذا أبي، وأشارت إليّ بالجلوس فجلست، وقالت لي حبابة إقرأ يا أبتي فقرأت، فنظرت إلى دموعه تنحدر ثم قالت: أبتي حدّث أمير المؤمنين وأشارت علي أن غنّه، فأندفعت في صوت إبن سريج:
من لصب مصيد ... هائم القلب مقصد
فطرب والله يزيد، فحذفني بمدهن فيه فصوص من ياقوت وزبرجد فضرب صدري فأشارت إليّ حبابة إن خذه فأخذته فأدخلته كمي فقال: يا حبابة، ألا ترين ما صنع بنا أبوك أخذ مدهنناً فأدخله في كمه فقالت: يا أمير المؤمنين ما أحوجه والله إليه.
ثم خرجت من عنده فأمر لي بمائة دينار.
من لصب مصيد ... هائم القلب مقصد
أنت زودته الضنا ... بئس زاد المزود
ولو أني لا أرتجيك ... لقد خف عوّدي
ثاوياً تحت تربة ... رهن رمس بفدفد
غير أني أعلل النفس باليوم أو غد
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، وذكر الزبير بن بكر أنه لجعفر بن الزبير والغناء لإبن سريج خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، وقال حماد حدثني أبي عن مخلد بن خداش وغيره أن حبابة غنت يزيد صوتاً لإبن سريج وهو قوله:
ما أحسن الجيد من ملكية واللبات إذ زانها ترائبها
طرب يزيد وقال: هل رأيت أحداً أطرب مني قلت بعم إبن لطيار معاوية بن عبد الله بن جعفر فكتب فيه إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمل إليه فلما قدم أرسلت إليه حبابة إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته: فإذا دخلت عليه فلا تظهرن طرباً حتى أغنيه الصوت الذي غنيته فقال سوأة على كبر سني فدعا به يزيد على طنفسه جز ووضع لمعاوية مثلها فجاؤوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد والأخرى بين يدي معاوية فقال فلم أدرِ كيف أصنع فقلت أنظر كيف يصنع فأصنع مثله، فكان يقلبه فيفوح ريحه، وأفعل مثل ذلك، دعا بحبابة فغنت، فلما غنت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور وينادي الدخن بالنوى يعني اللوبيا، قال: فأمر له بصلات عدة دفعات إلى أن خرج فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال:
стр. 57
أخبرني الزبير بن أبي بكر عن ظبية أن حبابة غنت يوماً بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها: هل رأيت قط أطرب مني قالت: نعم مولاي الذي باعني، فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيداً، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه فادخل يرسف في قيده وأمرها فغنت بغتة:
تشط غداً دار جيراننا ... ولدار بعد غد ابعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا، فضحك يزيد وقال: لعمري هذا أطرب الناس، فأمر حل قيوده ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة وردّه إلى المدينة.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدثنا عمر بن شبة قال: قال إسحق كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تقضي إليه الخلافة تختلف إليه مغنية طاعنة السن تدعى أم عوف وكانت محسنة فكان يختار عليها:
متى أجر خائف تسرح مطيته ... وأن أخف آمناً تغلق به الدار
سيروا إليّ وأرخوا من أعنتكم ... أني لكل أمريء من وتره جار
فذكرها يزيد يوماً لحبابة وقد كانت أخذت عها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسن فقالت:
أبى القلب إلا أم عوف وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفند
فضحك وقال لمن هذا الغناء، فقالت لمالك، فكان إذا جس معها للشرب يقول: غنني صوت مالك في أم عوف.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن الحرث العدوي قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤتلي قال: حدثني أبو غانم الزدي قال: نزل يزيد بن عبد الملك ببيت راس بالشام ومعه حبابة فقال: زعموا أنه لا تصفو لأحد عيشه يماً إلى الليل إلا يكدرها شيء عليه وسأجرب ذلك، ثم قال لمن معه: إذا كان غد فلا تخبوني بشيء ولا تأتوني بكتاب. وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان فأكلت رمانة فشرقت بحبه منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثاً حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ويرشفها، فعاتبه على ذلك ذوو رابته وصديقه وعابوا عليه ما يصنع وقالوا قد صارت جيفة بين يديك حتى أذن لهم في غسلها ودفنها، وأمر فأخرجت في نطع وخرج معها لا يتكلم حتى جلس على قبرها، فلما دفنت قال: أصبحت والله كما قال كثير:
فإن يسيل عنك القلب أو يدع الصبا ... فباليأس نسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
فما أقام إلا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها.
أخبرني أحمد فقال: حدثني عمر قال: حدثني أسحق الموصلي قال: حدثني الفضل بن الربيع عن أبيه إبراهيم بن جبلة بن مخزوم عن أبيه مسلمة بن عد املك قال: ماتت حبابة فجزع عليها يزيد فجعلت أواسيه وأعزيه وهو ضارب بذقته على صدره ما يكلني حتى رجع، فلما بلغ إلى بابه إلتفت إليّ فقال:
فإن تسلْ عنك النفس أو تدع الصبا ... فبالبأس تسلو عنك لا بالتجلد
ثم دخل بيته فمكث أربعين يوماً ثم هلك.
قال: وجزع عليها في بعض أيامه فقال: أنبشوها حتى أنظر إليها فقيل تصير حديثاً، فرجع فلم ينبشها.
وقد روى المدائني أنه إشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها فقال: لا بد أن تنبش، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغير تغيراً قبيحاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين إتقِ الله، ألا ترى كيف صارت، فقال: ما رأيتها قط أحسن منها اليوم، أخرجوها، فجاءه مسلمة ووجوه أهله فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها وأنصرف فكمد كمداً شديداً حتى مات فدفن إلى جانبها.
قال إسحق: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الشغافي عن العباس بن محمد أن يزيد بن عبد الملك أراد الصلاة على حبابة فكمه مسلمة في أن لا يخرج وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها، فتخلف يزيد ومضى مسلمة حتى إذا مضى الناس إنصرف مسلمة وأمر من صلى عليها.
وروى الزبير عن مصعب بن عثمان عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال:
стр. 58
خرجت مع أبي إلى الشام في زمن يزيد بن عبد الملك، فلما ماتت حبابة وأخرجت لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي فمل على منبر على رقاب الرجال، فلما دفنت قال: لم أصلِ عليها انبشوا عنها، فقال له مسلمة: نشدتك الله يا أمير المؤمنين إنما هي أمة من الأماء وقد واراها الثرى، فلم يؤذن لناس بعد حبابة إلا مرة واحدة، قال: فو الله ما أستتم دخول الناس حتى قال الحاجب: أجيزوا رحمكم الله، ولم ينشب يزيد أن مات كمداً.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر ن شبة قال: حدثني إسحق قال: حدثني إبن أبي الحويرث الثقفي قال: لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد جزعاً شديداً فضم جويرية لها كانت تخدمها إليه تحدثه وتؤنسه، فبينا هو يوماً يدور في قصره إذ قال لها هذا الموضع الذي كنا فيه فتمثلت:
كفى حزناً للهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرى
فبكى حتى كاد يموت، ثم لم تزل تلك الجويرية يتذكر بها حبابة حتى مات.
وقال:
أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبة ... وهن من الأزواج نحوي نوازع
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... عليّ ولكن شيبته لوقائع
الشعر لأبي الطفيل صاحب رسول الله ﵌، والغناء لإبراهيم خفيف أول بالوسطى عن عمرو وغيره.
؟؟؟ أخبار الأغلب ونسبه // هو فيما ذكر إن قتيبة الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن مصعب إبن علي بن بكر ن وائل وهو أحد المعمرين عمر في الجاهلية عمراً طويلاً وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه وهاجر، ثم كان فيمن توجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص نزلها وأستشهد في وقعة نهاوند فقبره هتاك في قبور الشهداء، ويقال أنه أول من رجز الأراجيز الطول من العرب، وإياه عنى الحجاج بقوله مفتخراً:
إني أنا الأغلب أمسي قد نشد
قال بن حبيب: كانت العرب تقول الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى فتأتي منه بأبيات يسيرة فكان الأغلب أول من قصد الرجز ثم سلك الناس بعده طريقته.
أخرنا الفضل بن الحباب الجمحي أو خليفة في كتابه إلينا قال: أخبرنا محمد إبن سلام قال: حدثنا الأصمعي. وأخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء قال: كانت للأغلب سرحة يصعد عليها ثم يرتجز.
فقد عرفتني سرحتي فأطت ... وقد شمطت بعدها وأشمطت
فأعترضه رجل من بني سعد ثم أحد ني الحرث بن عمرو بن كعب بن سعد، فقال له:
بحت من سالفة ومن قفا ... عبد إذا ما رسب القوم طفا
كما شرار الرعي أطراف السقا
أخبرني أحمد ن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي قال: حدثني نصر بن ناب عن دواوين أبي هند عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن إستنشد من قبلك من شعراء قومك ما قالوا في الإسلام فأرسل إلى الأغلب العجلي فأستنشده فقال:
لقد سألت هيناً موجودا ... أرجزاً تريد أم قصيدا
ثم أرسل إلى لبيد فقال له إن شئت مما عفا الله عنه يعني الجاهلية فعلت قال لا أنشدني ما قلت في الإسلام، فأنطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال أبدلني الله بهذه في الإسلام مكان الشعر فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقض عمر من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين أتنقض عطائي إن أطعتك، فرد عليه خمسمائة وأقرّ عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة.
أخبرني محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا علي بن القاسم عن الشعبي قال: دخل الأغلب على عمر فلما رآه قال: هيه أنت القائل:
اجزاً تريد أم قصيدا ... لقد سألت هيناً موجودا
فقال يا أمير المؤمنين إنما أطعتك، فكتب عمر إلى المغيرة أن أردد عليه الخمسمائة للبيد.
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: قال الأغلب العجلي في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب:
لقد لقيت سجاح من بعد العمى ... ملوحاً في العين مجلود القرى
مثل العقيق في شباب قد أتى ... من اللجيمين أصحاب القرى
стр. 59
ليس بذى واهنة ولا نسا ... نشأ بلحم وخبز ما إشترى
حتى شتا ينتج ذفراه اندى ... خاظى البضيع لحمه خظا بظا
كأنما جمع من لحم الخصى ... إذا تمطى بين برديه صأى
كأن عرق ... إذا ودى ... حبل عجوز ضفرت سبع قوى
يمشي على قوائم خمس زكا ... يرفع وسطاهن من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديثاً لن يغيرني البلى
ولم أفارق خلة لي عن قلى ... فأنتسقت فيشته ذات الشوى
كأن في أجلادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى
والخلق السفساف يردى في الردى ... قال ألا ترينه قالت أرى
قال ألا أدخله قالت بلى ... فشال فيها مثل محرات الفضا
يقول لما غاب فيها وأسنوى ... لمثلها كنت أحيك الحسا
وكان من خبر سجاح ودإعائها النبوة وتزويج مسيلمة الكذّاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم إبن النسوي يحيى عن أبيه ن شعيب عن سيف أن سجاح التميمية إدعت النبوة بعد وفاة رسول الله ﷺ وأجتمعت عليها بنو تميم فكان فيما إدعت أنه أنزل عليها يا أيها المؤمنون المتقون لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشاً قوم يبغون.
وأجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها وكان فيهم الأحف بن قيس وحارثة بن بدر وجوه تميم كلها وكان مؤذنها شبيب بن ربعي الرياحي فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب وهو اليمامة وقالت: يا عشر تميم، أقصدوا اليمامة فاضربوا فيها كل هامة وأضرموا فيها نار مهلهلة حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إن الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة وإنما جعله في مضر، فأقصدوا هذا الجمع فإذا فضضتموه كررتم على قريش.
فسارت في قومها وهم الدهم الداهم، وبلغ مسيلمة خبرها فضاق بها ذرعاً وتحصن في حجر حصن اليمامة وجاءت في جيوشها فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون، قالوا: نرى أن نسلم هذا الأمر إليها وتدعنا فإن لم نفعل فهو البوار، وكان مسيلمة ذا دهاء فقال: سأنظر في هذا الأمر، ثم بعث إليها: إن الله ﵎ أنزل عليكِ وحياً وأنزل عليّ، فهلمي نجتمع فنتدارس ما أنول الله علينا فمن عف الحق تبعه وأجتمعنا فأكلنا العرب أكلاً بقومي وقومك، فبعث إليه إفعل، فأمر بقبة أدم فضربت وأمر بالعود المندلي فسجر فيها وقال: أكثروا من الطيب والمجر فإن المرأة شمت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك، وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبة المضروبة للإجتماع فأتته، فقالت: هات ما أنزل عليك فقال: ألم ترِ كيف فعل بك بالحبلى أخرج منها نطفة تسعى بين صفاق وحشي من بين ذكر وأنثى وأموات وأحياء ثم إلى ربهم يون المنتهى، قالت وماذا، قال: ألم ترِ أن الله خلقنا أفواجاً وجعل النساء لنا أزواجاً فنولج فيهن الغراميل إبلاجاً ونخرجها منهن إذا شئنا إخراجاً قالت: فبأي شيء أمرك.
قال:
ألا قومي إلي ... ... فقد هيء لك المضجع
فإن شئتى ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئتي سلقناك ... وإن شئتي على أربع
وإن شئتي بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
قال: فقالت لا إلا به أجمع، قال فقال كذا أوحى الله إليَّ فواقعها، فلما قام عنها قالت إن مثلي لا يجري أمرها هكذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكني مسلمة النبوة فأخطبني إلى أوليائي يزوجوك ثم أقود تميماً معك.
فخرج وخرجت معه، فأجتمع الحيان من حنيفة وتميم فقالت لهم سجاح أنه قرأ عليَّ ما أنزل عليه فوجدته حقاً فأتبعته. ثم خطبها زوجوه إياها، وسألوه عن المهر فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها ويقولون هذا حق لنا ومهر كريمة من لا نده.
قال: وقال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
стр. 60
قال: وسمع الزبرقان بن در الأحنف يومئذ وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم فقال الأحنف: والله ما رأيت أحمق من هذا النبي قط، فقال الزبرقان: والله لأخبرن بذلك مسيلمة قال: إذاً والله أحلف إنك كذبت فيصدقني ويكذبك قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدّث الحسن البصري بهذا الحديث فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي، قال: فأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة وحسن إسلامها.
قال:
كم ليلة فيك بت أسهرها ... ولوعة من هواك أضمرها
وحرقة والدموع تطفئها ... ثم يعود الجوى فيسعرها
بيضاء رود الشباب قد غمست ... في خجل دائب بعصفرها
الله جار لها فما إمتلأت ... عيناي إلا من حيث أبصرها
الشعر للبحتري والغناء لعريب رمل مطلق من مجموع أغانيها، وهو لحن مشهور في أيدي الناس، والله أعلم.
أخبار بن مناذر وحبه للجارية
هو محمد ن مناذر مولى بني صبير بن يربوع ويكنى أبا جعفر، وقيل أنه كن يكنى أبا عد الله. وودت في بعض الكتب رواية عن إبن حبيب أنه كان يكنى أبا ذريح، وقد كان له إبن يسمى ذريحاً فمات وهو صغير، وإياه عنا بقوله:
كأنك المنايا يا ... ذريح الله صورّكا
فناط وجهك الشعري ... وبالإكليل قلدكا
أخرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد غيره أن محمد بن مناذر كان إذا قيل له غبن مناذر بفتح الميم يغضب ويقول أمناذر الصغرى أم مناذر الكبرى وهما مورتان من مور الأهواز إنما هو مناذر على وزن مفاعل من ناذر فهو مناذر مثل ضارب فهو مضارب وقاتل فهو مقاتل.
قال محمد بن يزيد: ولما دل محمد بن مناذر عما كان عليه من النسك والتأله وعظته المعتزلة فلم يتعظ وأوعدته بالمكروه فلم يزدجر، ومنعوه دخول المسجد فنابذهم وطعن عليهم وهجاهم، وكان يأخذ المداد بالليل فيطرحه في مطاهرهم فإذا توضأوا به سوّدوا وجوههم وثيابهم.
وقال في توعد العمتزلة إياه:
ابلغ لديك بني تميم مالكاً ... عني وعرّج في بني يربوع
أني أخ لكم بدار مضيعة ... بوم وغربان عليه وقوع
يا للقبائل من تميم مالكم ... وربي ولحم أخيكم بمضيع
هبوا له أراه بنصركم ... يأوي إلى جبل أشم منيع
وإذا تحزنت القبائل صلتم ... بفتى لكل ملمة وقطيع
إن أنتم توتروا لأخيكم ... حتى يباء يوتره المتبوع
فخذوا المغازل بالأكف وايقنوا ... ما عشتم بمذلة وخضوع
إن نتم حرباً على أحسابكم ... سمعاً فقد أسمعت كل سميع
اين الصبيريون لم أرَ مثلهم ... في النائبات وأين رهط وكيع
قال: ثم إستحيا من قوله أين الصبيريون لقلة عددهم فقال أين الرياحيون.
أخبرني الحسن بن علي قال: دثنا حمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحسن بن علي قال: حدثني مسعود بن بشر قال: قال لي إبن مناذر: ولع بي قوم من المعتزلة ففرقت منهم قال: وكان مولى صبير بن يربوع فقلت بنو صبير نفسان ونصف فمن أدعو منهم، فقلت ليس إلا أخوتهم بنو رياح فقلت أبياتاً حرضتهم فيها وحضضت بنو رياح فقلت:
أين الرياحون لم أرَ مثلهم ... في لنائبات وأين رهط وكيع
قال: فجاء خمسون شيخاً من بني رياح فطردوهم عني.
قال: كان إبن مناذر يؤم بالناس في المسجد الذي في قبيلته، فلما أظهر من الخلاعة والمجون كرهوا أن يصلي بهم وأن يأتموا به فقالوا شعراً ذكروا ذلك فيه وهجوه وألقوا الرقعة في المحراب، فلما قضى صلاته قرأها ثم قبلها وكتب فيها يقول:
نبئت قافية قيلت ناشدها ... قوم ساترك في أعراضهم ندبا
... الذين رووها أم قائلها ... و ... قائلها أمّ الذي كتبا
ثم رمى بها إليهم ولم يعد إلى لصلاة بهم.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا أبو الفضل بن عبدان بن أبي حرب الصفار قال: حدثني الفضل بن موسى مولى بني هاشم قال:
стр. 61
دخل إبن مناذر المسجد الجامع بالبصرة فوقعت عينه على غلام مستند فخرج وإلتمس غلاماً ورقعة ودواة فكتب إليه أبياتاً مدحه بها وسأل الغلام الذي إلتمسه أن يوصل الرقعة إلى الفتى المستند إلى السارية فذهب بها إلى الغلام، فلما قرأها قلبها وكتب على ظهرها يقول:
مثل إمتداحك لي بلا ورق ... مثل الجدار بني على خص
ألذ عندي من مديحك لي ... سود النعال ولين القمص
فإذا عزمت فهيء لي ورقاً ... فإذا علت أستعصي
فلما قرأها إبن مناذر قام إليه فال له: ويلك، أنت أبو نواس، قال نعم، فسلم عليه وتعانقا وكان ذلك أول المودة بينهما.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني أبو حاتم قال: إجتمع أبو العتاهية ومحمد بن مناذر فقال له أبو العتاهية: يا أبا عبد الله كيف أنت في الشعر قال: أقول في الليلة إذا سنح القول لي وأتسعت القوافي عشرة أبيات إلى خمسة عشر، فال له أو العتاهية: لكني لو شئت أن أقول الليلة ألف بيت لقلت، فقال إبن مناذر: أجل والله إذا أردت أن أقول مثل قولك:
ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة
قلت ولكنني لا أعوّد نفسي مثل هذا الكلام الساقط ولا أسمح لها به، فخجل أبو العتاهية وقام يجر رجله.
أخبرني به الحسن بن علي قال: حدثنا إبن مهرويه قال: حدثني سهل إبن محمد أبو حاتم ن يعقوب بن المنير إبن أخت أبي بكر الأصم، قال إبن مهرويه، وحدثني به يحيى بن الحسن الربيعي عن غسان بن الفضل قال: إجتمع أبو العتاهية وإبن مناذر فأجتمع الناس إليهما وقالوا هذان شيخا الشعراء، فقال أو العتاهية لإبن مناذر: يا أبا عبد الله، كم تقول في اليوم من الشعر، وذكر باقي الخبر مثل المتقدّم سواء.
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا العباس بن ميمون طائع قال: سمعت الأصمعي يقول: حضرنا مأدبة ومعنا أبو محرز خلف الأحمر وحضها إبن مناذر فقال خلف الأحمر: يا أبا محرز إن يكن النابغة وأمرؤ القيس وزهير قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة فقس شعري إلى شعرهم وأحكم فيها بالحق، فغضب خلف ثم أخذ صفحة مملوءة مرقاً فرمى بها عليه فملأه فقام إبن مناذر مغضباً، وأظنه هجاه بعد ذلك.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا مر بن شبة قال: حدثنا حماد الأرقط قال: لقيني إبن مناذر بمكة فأنشدني قصيدته: كل حيّ لاقى الحمام فمود، ثم قال لي: أقريء أبا عبيدة السلام وقل له يقول لك إن مناذر إتقِ الله وأحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد ولا تقل ذلك جاهلي وهذا إسلامي وذاك قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين ولكن أحكم بين الشعرين ودع العصبية. قال: وكان إبن مناذر ينحو نحو عدي بن زيد في شعره ويميل إليه ويقدمه.
أخبرني لحسن بن علي قال: حدثنا إبن مهرويه قال: حدثني محمد بن عثمان الكزيري قال: أخبرني محمد بن الحجاج الجرداني قال: قلت لإبن مناذر مَن أشعر الناس، قال من كنت في شعره، فقلت عليّ ذاك فقال عدي بن زيد، وكان ينحو نحوه في شعره ويقدمه ويتخذه إماماً.
قال أبو الحسن، ولدت بانة من عبد الوهاب بن عبد المجيد، أولاده عبد المجيد وأبا العاصي وزياداً وزياد الذي عناه أبو نواس في قوله يشبب بجنان:
جفن عيني كاد يسقط من طول ما إختلج
وفؤادي من حر ... حبك قد كاد أو نضج
خبريني فدتك نفسي ... متى الفرج
كان ميعادنا خرو ... ج زياد فقد خرج
قال إبن عمارة قال لي النوفلي في هذه الأبيات غناء حلو مليح لو سمعته لشربت عليه أربعة أرطال. قال النوفلي: وكان لعبد الوهاب إبن يقال له محمد كلن أسن ولده ويقال أنه كان يتعشق بانة إبنة أبي العاص هذه إمرأة أبيه وأن زياد بن عبد الوهاب منه وكان أشبه الناس به.
حدثني إبن عمار قال:
стр. 62
حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبي قال: خرج إبن مناذر يوماً من صلاة التراويح وهو في المسجد بالبصرة وخرج عبد المجيد بن عبد الوهاب خلفه فلم يزل يحدثه إلى الصبح وهما قائمان إذا إنصرف عبد المجيد شيعه إبن مناذر إلى منزله فإذا بلغه وأنصرف إن مناذر شيعه عبد المجيد لا يطيب أحدهما نساً بفراق صاحبه حتى أصبحا فقيل لعبد الوهاب بن عبد المجيد بن مناذر قد أفسد إنك فقال أو ما يرضي إبني أن يرضى به إبن مناذر، وفي عبد المجيد يقول إبن مناذر يمدحه وهو من مختار ما قاله فيه أنشدنيها علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن زيد من قصيدة أولها:
شيّب ريب الزمان رأسي ... لهفي على ريب ذا الزمان
يقدح في الصم من شروري ... ويحذر الصم من أبان
يقول فيها يمدح عبد المجيد:
متى إلى الماجد المرجى ... عبد المجيد الفتى الهجان
خير ثقيف أبا ونفساً ... إذا إلتفت حلقتا البطان
نفسي فداء له وأهلي ... كل مل تملك اليدان
كأن شمس الضحى وبدر ... الدجى عليه معلقان
نيطا معاً فوق حاجبيه ... والبدر والشمس يضحكان
مثمر همه المعالي ... ليس برث ولا بوان
بنى له عزة ومجداً ... في أزل الدهر باليان
فاسأله مما حوت يداه ... يهتز كالصارم اليماني
أن تلقاه من ثقيف ... ومن ذرا الأزد غير بان
أخبرني عمي قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني أبو توبة صالح ب محمد قال: مرض عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي مرضاً شديداً بالبصرة وكان إبن مناذر ملازماً له يمرضه ويتولى أمره بنفيه لا يكله إلى أحد فحدثني بعض أهلهم قال: حضرت يوماً عنده وقد أسخن له ماء حار ليشبه وأشتد به الأمر فجعل يقول آه بصوت ضعيف فغمس إبن مناذر يده في الماء الحار وجعل يتأوه مع عبد الحميد ويده حترق حتى كادت يده تسقط فجذبناه وأخرجناها من الماء وقلنا له: أمجنون أنت، أي شيء هذا، أينتفع به ذاك فقال أساعده وهذا جهد من مقل، ثم إستقل من علته تلك وعوفي مدة طويلة ثم تردى من سطح فمات فجزع عليه جزعاً شديداً حتى كاد يفضل أهله وأخوته في البكاء والعويل وظهر منه ن الجزع ما عجب الناس له ورثاه بعد ذلك بقصيدته المشهورة فرواها أهل البصرة ونبح بها على عبد المجيد وكان الناس يعجبون بها ويستحسنونها.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم النوشجاني قال: سمعت أبي يقول حضرت سفيان بن عيينة يقول لإبن مناذر أنشدني ما قلت في عبد المجيد فأنشده قصيدته الطويلة الدالية قال سفيان بارك الله فيك فلقد تفردت بمراثي أهل العراق فأخبرني عمي قال: حدثني أبو هفان قال: قال الجماز: تزوج عبد المجيد امرأة من أهله فأولم عليها شهراً يجتمع عنده في كل يوم وجوه أهل البصرة وأدباؤها شعراؤها فصعد ذات يوم إلى السطح رأى طنباً من أطناب الستارة قد إنحل فأكب عليه ليشده فتردى على رأسه ومات من سقطته ما رأيت مصيبة قط كانت أعظم منها ولا أنكأ للقلب.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني العباس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان قال: حدثني محمد بن عمر اخزار قال: قال لي إبن مناذر: ويحك، لست أرى نساء ثقيف ينحن على عبد المجيد نياحة على إستواء قلت: فما تحب قال تخرج معي حتى أطارحك فطارحني القصيدة التي يقول فيها:
أن عبد المجيد يوم تولى ... هدّ وقد كنت بركن أنوء منه شديد
قال: فما زلت حتى حفظتها ووعيتها ووضعتها لحناً، فلما كان في الليلة التي يناح بها على عبد المجيد فيها صلينا العشاء الآخرة في المسجد الجامع ثم خرجنا إلى دارهم وقد صعد النساء على السطح ينحن عليه فسكتن سكتة لهنّ فأندفعنا أنا وهو ننوح عليه فلما سمعننا أقبلن يلطمن ويصحن حتى كدن ينقلبن من السطح إلى أسفل من شدة تشرفهنّ علينا وإعجابهن بما سمعنه منا وأصبح أهل المسجد ليس لهم حديث غيرنا وشاع الخبر بالبصرة وتحدث به الناس حتى نقل من مجلس إلى مجلس.
وأخبرني الحسن بن علي قال:
стр. 63
حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني موسى بن حماد بن عبد الله القرشي قال: حدثني محمد بن النعمان بن جبلة الباهلي قال: لما قال إبن مناذر:
لأقيمن مأتماً كنجوم الليل وهراً يلطمن حرّ الخدود
موجعات يبكين للكبد الحرا عليه وللفؤاد العميد
قالت أم عبد المجيد: والله لأبرن قسمه فأقامت مع أخوات عبد المجيد وجواريه مأتماً عليه وقامت تصبح عليه وأي ويه فقال أنها أول من عل ذلك وقاله في الإسلام.
وأخبرني بهذا الخبر إن عمار عن علي ب محمد النوفلي ن عمه أخبرني علي إبن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد عن محمد بن عامر النخعي قال: أنشدني محمد بن مناذر لنفسه يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب ويقول:
يا عين حق لك البكا ... ء لحادث الرزه الجليل
فأبكي على عبد المجيد وأعولي كل العويل
لا يبعد الله الفتى الفياض ذا الباع الطويل
عجل الحمام به فردعنا وآذن بالرحيل
لهفي على الشعر المعفر ... منك والخد الأسيل
كسف لفقدك سمنا ... والبدر آذن بالأفول
حدثني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثني النضر بن عمرو عن المازني قال: حدثنا حيان أن إبن مناذر دفع قصيدته الدالية إليه وقال أعرضها على أبي عبيدة فأتيته وهو على باب أبي عمرو العلاء فقرأت عليه منها أبيات فلم تعجبه وقال دعني من هذا فإني قد تشاغلت بحفظ القرآن عنه وعن مثله قال: وكان إبو عبيدة يبغضه ويعاديه لأنه هجاه.
أخبرني محمد بن يزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحق عن أبيه قال: قال إبن مناذر قلت: يقدح الدهر في شماريخ رضوى. ثم مكثت حولاً لا أدري ما أتممه فسمعت قائلاً يقول: هبول قلت وما هبود فقال لي جميل في بلاد فلت: ويحط الصخور من هبود. قال إسحق: وسمع إعرابي هذا البيت فقال ما أجهل قائله بهبود، والله أنها لا كيمة ما تواري الخاريء فكيف يحيط منها الصخور.
أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثني أبو حاتم قال: سمعت أبا مالك عمرو بن كركرة يقول: أنشدني إبن مناذر قصيدته الدالية التي رثى فيها عبد المجيد فلما بلغ إلى قوله:
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من هبود
قلت له هبود أي شيء هو فقال جبل فقلت: سخنت عينك هبود والله بئر باليمامة ماؤها ملح لا يشرب منه شيء خلقه الله وقد والله خريت فيها مرّات، فلما كان بعد مدة وقفت عليه في سجد البصرة وهو سنشدها فلما بلغ هذا البيت أنشدها: ويحط الصخور من عبود، فقلت عبود أي شيء هو زيادة فقال جبل بالشأم فلعلك يا إبن الزنية خريت عليه أيضاً فضحكت ثم قلت لا ما خريت عليه ولا رأيته.
وأنصرفت عنه وأنا أضحك.
أخبرني عمي قال: حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان يحيى بن زياد يرمى بالزندقة وكان من أظرف الناس وأنظفهم فكان يقال أظرف من الزنديق، وكان الحاركي وأسمه محمد بن زياد يظهر الزندقة تظارفاً، فقال فيه إن مناذر:
يا إبن زياد ابا جعفر ... أظهرت ديناً غير ما تخفي
مزندق الظاهر باللفظ في ... باطن إسلام فتى عفٍ
لست بزنديق ولكنما ... أردت أن توسم بالظرف
وقال فيه أيضاً:
يا أبا جعفر كأنك قد صر ... ت على اجرد طويل الجران
من مطايا ضوامر ليس يصهلن إذا ما ركبن يوم رهان
لم يذللن بالسروج ولا أقرح أشداقهن جذب العنان
قائمات مسوّمات لدى الجسر لأمثالكم من الفتيان
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسمعيل تينة عن بن عائشة قال: كان عتبة النحوي من أصحاب سيبويه وكان صاحب نحو هماً بما يشرحه ويفسره على مذاهب أصحابه، وكان إبن مناذر يتعاطى ذلك ويجلس إليه قوم يأخذونه عنه فجلس عتبة قريباً من حلقته فتقوض الناس إليه وتركوا إبن مناذر فلما كان في يوم الجمعة الأخرى قام إبن مناذر من حلقته فوقف على عتبة ثم أنشأ يقول:
قوموا بنا جميعاً ... لحلقة العارى
يجمعن للشقاء ... مع عتبة الخسّار
ما لي وما لعتبة ... إذ يبتغي ضراري
стр. 64
قال: فقام عتبة إليه فناشده أن لا يزيد ومنع من كان يجلس إلى إبن مناذر من حضور حلقته وجلس هو بعيداً من إبن مناذر بعد ذلك.
حدثني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا عيسى إبن إسمعيل تينة قال: كان لإبن مناذر جار يقال له إبن عمير من المعتزلة كان يسعى بإبن مناذر إليهم ويسبه ويذكره بالفسق ويغريهم به فقال يهجوه:
بنو عمير مجدهم دارهم ... وكل قوم فلهم مجد
كأنهم قفع بدوية ... وليس لهم قبل ولا بعد
بث عمير لؤمه فيهم ... فكلهم من لؤمه جعد
وأخبرني بهذا الخبر احسن بن علي عن إبن مهرويه عن النوفلي بمثله وزاد فيه وعبد الله بن عمير أبو هؤلاء الذين هجاهم أخو عبد الله بن عامر لأمه أمّهما دجاجة بنت إسماعيل بن السلط السلمي.
أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا بن أسد قال: كان إبن مناذار من أحضر الناس جواباً. قال له رجل. ما شأنك قال: عظم في أنفي قال وسأله رجل يوماً: ما الجرباء، فأومأ بيده إلى الأرض، قال هذه يهزأ به وإنما الجرباء السماء.
أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني جعفر بن محمد بن دماذ قال: دار بين الخليل بن أحمد وبين إبن مناذر كلام فقال له الخليل: إنما أنتم معشر الشعراء تبع لي وأنا سكان السفينة إن قرظتكم ورضيت قولكم نفقتم وإلا كسدتم، فقال إبن مناذر: والله لأقولن في الخليفة قصيدة أمتدحه بها ولا أحتاج إليك فيها عنده ولا إلى غيرك.
فقال في الرشيد قصيدة التي أولها:
ما هيّج من مطوقة ... أوفت على بانة تغنينا
يقول فيها:
لو سألنا بحسن وجهك يا ... هرون صوب الغمام أسقينا
قال: وأراد أن يغربها إلى الرشيد فلم يلبث أن قدم الرشيد البصرة حاجاً ليأخذ على طريق النباج وهو كان الطريق قديماً فدخلها وعديله إبراهيم الحراني تحمل عليه إبن مناذر بعثمان بن الحكم الثقفي وأبي بكر السلمي حتى أوصلاه إلى الرشيد فأنشده إياها، فلما بلغ آخرها كان فيها بيت يفتخر فيه وهو:
قومي تميم عند السماك لهم ... مجد وعز فما ينالونا
فلما أنشده هذا البيت تعصب عليه قوم من الجلساء فقال له بعضهم يا جاهل، أتفخر في قصيدة مدحت بها أمير المؤمنين، وقال آخر: هذه حماقة بصرية، فكفهم عنه الرشيد ووهب له عشرين ألف درهم.
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثني سهيل السلمي أن الرشيد إستسقى في سنة قحط فسقى الناس فسرّ بذلك وقال: لله درّ أبن مناذر حيث يقول:
ولو سألنا بحسن وجهك يا ... هرون صوب الغمام أسقينا
وسأل عن خبره فأخبر أنه بالحجاز فبعث إليه بجائزة.
وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثني محمد المهلي قال: شهد بكر بن بكار عند عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن الحر العنزي بشهادة، فتبسم ثم قال له: يا بكر مالك ولإبن مناذر حيث يقول:
أعوذ بالله من النار ... ومنك يا بكر بن بكار
فقال: أصلح الله القاضي ذاك رجل ماجن خليع لا يبالي ما قال، فقال له صدقت وزاد بسمه وقبل شهادته، وقام كر وقد تشوّر وخجل.
قال العنزي: فحدثني أبو غسان دماذ قال: أنشدني إبن مناذر هذا الشعر الذي قاله في بكر بن بكار وهو:
أعوذ بالله من النار ... ومنك يا بكر بن بكار
يا رجلاً ما كان فيما مضى ... لآل حران يزوار
ما تبرح الدار على سوأة ... تطرح حباً للخشنشار
يا معشر الأحداث يا ويحكم ... تعوّذوا بالخالق الباري
من حرية نيطت على حقوه ... يسعى بها كالبطل الشاري
يوم تمنى أن في كفه ... أير أبي الخضر دينار
قال إبن مهرويه في خبره: والخشنشار هو الزيادي المحدث ويكنى أبو الخضر وكان جميل الوجه.
وقال العنزي في حديثه: حدثني إسحق بن عبد الله الجراني وثد سألته عن معنى هذا الشعر فقال: الخشنشار غلام أمرد جميل الوجه كان في محلتنا وهذا لقبه، وكان بكر بن بكار يتعشقه فكان يجيء إلى أبي فيذاكره الحديث ويجالسه وينظر إلى الخشنشار.
قال العنزي: حدثني عمر بن شبة قال:
стр. 65
بلغني أن عبيد الله بن الحسن لقي إبن مناذر فقال له: ويحك، ما أردت إلى بكر بن بكار ففضحته وقلت فيه قولاً لعلك لم تتحققه، فبدأ إبن مناذر يحلف له بيمين ما سمعت قط أغلظ منها. أن الذي قاله في بكر شيء يقوله معه كل من يعرف بكراً ويعرف الخشنشار ويجمع عليه ولا يخالفه.
فأنصرف عبيد الله مغموماً بذلك وقد بان عليه، فلما بعد عنا قلت لإبن مناذر بريء الله منك، ويلك ما أكذبك، كل من يعرف بكر بن وائل يقول فيه مثل قولك حتى حلفت بهذه اليمين، فقال: سخنت عينك، فإذا كنت أعمى القلب أي شيء أصنع، أفتراني كنت أكذب نفسي عند القاضي، إنما موّهت عليه حلفت له إن كل من يعرفهما يقول مثل قولي وغنيت ما إبتدأت به من الشعر وهو قوله: أعوذ بالله من النار، أفتعرف أنت أحد يعرفهما أو يجهلهما، ألا يقول كما قلت: أعوذ بالله من النار إنما موهت على القاضي وأردت تحقيق قولي عنده.
قال مؤلف هذا الكتاب: وبكر بن بكار رجل محدث قد روى عن ورقاء عن إبن أبي نجيح مجاهد وروى حديثاً صالحاً.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا بكر بن بكار عن عبد الله بن المحرز عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: زينوا القرآن بأصواتكم.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا إبن مهرويه قال: حدثني الأخوص بن المفضل البصري قال: حدثنا إن معاوية الزيادي وأبوه الخشنشار الذي يقول فيه إبن مناذر: تطرح حباً للخشنشار. قال: حدثني مَن لقي إبن مناذر مكة فقال: ألا تشتاق إلى البصرة، فقال له: أخبرني عن شمس الوزانين أعلى حالها. قال نعم، قال وفيق بن يوسف الثقفي حي قال نعم قال فغسان بن الفضل الغلابي حي قال نعم قال لا واله لا دخلتها ما بقي واحد من الثلاثة. قال وشمس الوزانين في طرف المربد يحضره مسجد الأنصاري في موضع حيطانه قصار لا تكاد الشمس تفارقه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: كان محمد بن عبد الوهاب الثقفي أخو عبد المجيد يعادي حمد بن مناذر بسبب ميله إلى أخيه عبد المجيد، وكان إبن مناذر يهجوه ويسبه ويقطعه وكل واحد منهما يطلب لصاحبه المكروه ويسعى عليه، فلقي محمد بن عبد الوهاب إبن مناذر في مسجد البصرة ومعه دفتر فيه كتاب العروض بدوائره ولم يكن محمد بن عبد الوهاب يعرف العروض، فجعل يلحظ الكتاب ويقرؤه فلا يفهمه وإبن مناذر متغافل عن فعله، ثم قال له: ما في كتابك هذا، فخبأه في كمه وقال: وأي شيء عليك مما فيه فتعلق به ولبيه، فقال له إبن مناذر: يا أبا الصلت الله الله في دمي. وطمع فيه وصاح: يا زنديق في كمك الزندقة، فأجتمع الناس إليه فأخرج الدفتر من كمه وأراه إياه فعرفوا براءته مما قذفه به ووثبوا على محمد بن عبد الوهاب وأستخنوا به فأنصرفوا ووثب يجري.
وقال إبن مناذر يهجوه:
إذا أنت تعلقت ... بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا ... هن القوة منبت
إذا ما بلغ المجد ... ذوو الأحساب بللت
تقاصرت عن المجد ... بأمر رائب شخت
فلا تسمو إلى المجد ... فما أمرك بالثبت
ولا قرعك في العيدا ... ن عود ناضر البكت
وما يبقى لكم ياقو ... م من أثلتكم تحت
فها فأسمع قريضاً من ... رقيق حسن النعت
يقول الحق إن قال ... ولا يرميك بالبهت
وفي نعت لوجعاء ... قد إسترخت من ألفت
فعندي لك مأبو ... ن مثل الفالح البحت
عتلّ يعمل الكوم ... من السبت إلى السبت
له فيشله إن أد ... خلت واسعة الخرت
وإلا فأطل وجعاء ... ك بالخضخاض والزفت
الم يبلغك تسآلي ... لدى العلامة المرت
فقال الشيخ سرجويه داء المرء من تحت
نخذ من ورق الدفلا ... وخذ من ورق القت
وخذ من جعد كيسان ... ومن أظفار نسخت
فغرغره به واسعط ... بذا في دائه أفتى
стр. 66
قال: ونسخت لقب أبي عبيدة وهو إسم اليهود لقب به تعريضاً بأن جدّه كان يهودياً، وكان أبو عبيدة وسخاً طويل الأظفار أبداً والشعر، وكان يغضب من هذا اللقب، فأخبرني الحسن بن علي عن إبن مهرويه عن علي بن محمد النرفلي.
قال لما قال إبن مناذر هذه الأبيات:
إذا أنت تعلقت ... بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا ... هن القوة منبت
وقال الشيخ سرجويه داء ... المرء من تحت
فبلغ ذلك سرجويه جاء إلى محمد بن عبد الوهاب وقف عليه في مجلسه وعنده جماعة من أهله وإخوانه وجيرانه فسلم عليه وكان أعجمياً لا يفصح، ثم قال له: بركت من نكفتم آن يسر مناذر كفت داء المرء من تحت؛ كاد القوم أن يفتضحوا من الضحك وصح به محمد: أغرب قبحك الله، فظن أنه لم يقبل عذره فأقبل له مجتهداً ما قال ذاك ومحمد يصيح به: ويلك أغرب عني وهو في الموت منه، وكلما زاده من الصياح إليه زاده في العذر وأجتهد في الإيمان وضحك الناس حتى غلبوا، وقام محمد فدخل منزله وتفرقوا.
قال أبو الحسن النوفلي: ثم لذلك زمان وهجا أبو نعامة أبو عد الله هريسة الكاتب فقال فيه:
وروى شيخ تميم ... خالد أن هريسه
يدخل الأصلع ذا الخر ... جين في جوف الكنيسه
فلقي خالد بن الصباح هذا هريسة وكان يعاديه وأراد أن يخجله فحلف له مجتهداً أنه لم يقل ما قاله أبو نعامة، فقال هريسة: يا بارد، لم ترد أن تعتذر إنما أردت أن تتشبه بإبن مناذر ومحمد بن عبد الوهاب وبأبي الشمقمق وأحمد بن المعذل ولست من هؤلاء ولست من هؤلاء في شيء.
قرأت في بعض الكتب عن إبن أبي سعد قال: حدثني أبو الخطاب الحسن بن محمد عن محمد بن إسحق البلخي قال: دخلت على إبن مناذر يوماً وعنده رجل ضرير جلس عن يمينه ورجل بصير جالس عن شماله ساكت لا ينطق قال فقلت له ما خبرك فقال: بين أعمى وأخرس أخرس الله لسان الأعمى وأعمى البصيرا قال: فوثبا فخرجا من عنده وهما يشتمانه ونسخت من كتاب إبن أبي الدنيا.
حدثني أبو محمد التيمي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله عن الحسن بن علي قال: كنا عند باب سفيان بن عيينة وقد هرب منا وعنده الحسن ن علي التختاخ ورجل من الحجبة ورجل من أصحاب الرشيد فدخل بهم وليس يأذن لنا فجاء إبن مناذر فقرب من الباب ثم رفع صوته فقال:
بعمرو وبالزهري والسلف الأو ... لى بهم ثبتت وجلاك عند المقاوم
جعلت طوال الدهر يوماً لصالح ... ويوماً لصباح ويوماً لحاتم
وللحسن التختخاخ يوماً ودونهم ... خصصت جرت إلا لأخذ الدراهم
فخرج سفيان وفي يده عصا وصاح: خذوا الفاسق، فهرب إبن مناذر منه وأذن لنا فدخلنا.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبو بكر المؤدب قال: حدثني محمد ن قدامة قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول لإبن مناذر: يا أبا عبد الله، ما بقي أحد غيرك، وكأني بك قدمت فرثيتني. فلما مات بن عيينة قال إبن مناذر يرثيه:
راحوا بسفيان على نعشه ... والعلم مكسوين أكفانا
أن الذي غوّر بالمنحنى ... هدّ من الإسلام أركانا
لا يبعدنك الله من ميت ... ورثنا علماً وأحزانا
أخبرني احمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني أحمد إبن أبي شيخ قال: حدثني شيخ من أهل الكوفة يقال له عوّام قال: سمعت سفيان بن عيينة وقد تكلم بكلام إستحسن فسأله محمد بن مناذر أن يمليه عليه فتبسم سفيان وقال له: هذا كلام سمعتك تتكلم به فأستحسنته فكتبته عنك قال وعلى ذلك أحب أن تمليه عليّ إذا رويته عنك كان أنفق له من أن أنسبه إلى نفسي.
قال عوام: وأنشدني إبن عائشة لإبن مناذر يرثي سفيان إبن عيينة بقوله:
يجني من الحكمة نوارها ... ما تشتهي الأنفس ألوانا
يا واحد الأمة في علمه ... لقيت من ذى العرش غفرانا
راحوا بسفيان على نعشه ... والعلم مكسوين أكفانا
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد ن يزيد عن محمد بن عامر الحنفي قال:
стр. 67
لما مات عبد المجيد بن عبد الوهاب خرج إبن مناذر إلى مكة وترك النسك وعاد للمجون والخلع، وقال في هذا المعنى شعراً كثيراً حتى كان إذا مدح أو فخر لم يجعل إفتتاح شعره ومباديه إلا المجون، وحتى قال في مدحه للرشيد:
هل؛ عندكم رخصة عن الحسن البصريّ في العشق وغبن سيرينا
إنّ سفاهاً بذي الجلالة والشيبة أن لا يزال مفتونا
وقال أيضاً في هذا المعنى:
ألا يا قمر المسجد هل عندك تنويل
شفاني منك أن ... نولتني شم وتقبيل
سلا كل فؤادي و ... فؤادي بك مشغول
لقد حملت من حبك ... ما لا يحمل الفيل
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني إبن مهرويه قال: حدثنا العباس بن الفضل الربعي قال: حدثني التوزي قال: قال إبن مناذر ليونس النحوي يعرّض به: أخبرني عن جبل أتنصرف أو لا، وكان يونس النحوي يعرّض به: أخبرني عن جبل أتتصرف أم لا، وكان يونس من أهلها فقال له: قد عرفت ما أردت يا إبن الزانية، فأنصرف إبن مناذر فأعدّ شهوداً يشهدون عليه بذلك وصار إليه وسأله: هل تنصرف جبل، وعلم يونس ما أراد فقال له: الجواب ما سمعته أمس.
أخبرني الحسن قال: حدثنا يعقوب إن إسرائيل قال: حدثني إسحق بن محمد النخعي قال: حدثني إسحق بن عمرو السعدي قال: حدثني الحجاج الصواف وخبرني الحسن بن علي أيضاً قال: حدثني إبن مهرويه قال: حدثني إسحق بن محمد قال حدثني أمية بن أبي مروان قال: حدثني حجاج الصوّاف الأعور قال: خرجت إلى مكة فكان جير أي في الطريق إبن مناذر وكان لي ألفاً وخدناً وصديقاً، فدخلت مكة فسألت عنه فقالوا لا يبرح المسجد، فدخلت المسجد فألتمسته فوجدته بفناء زمزم وعنده أصحاب الأخبار والشعراء يكتبون عنه، فسلمت وأنا أقدّر أن يكون عنده من الشوق إليّ ما عندي، فرفع رأسه فرّد السلام رداً ضعيفاً ثم رجع إلى القوم يحدثهم ولم يحفل بي، فقلت في نفسي أتراه ذهبت معرفتي، فبينا أنا أفكر إذ طلع أبو الصلت بن عبد الوهاب الثقفي من باب ني شيبة داخلاًَ المسجد فرفع رأسه نظر إليه ثم أقبل علي فقال: أتعرف هذا فقلت نعم هذا الذي يقول فيه من قطع الله لسانه:
إذا أنت تعلقت ... بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا ... هن القوة منبت
قال: فتغافل عني وأقبل عليهم ساعة ثم أقبل عليّ فقال: من أي البلاد أنت، قلت من أهل البصرة، قال وأين تنزل منها، قلت بحضرة بني عائش الصوّافين، قال: أتعرف هناك إبن زانية يقال له جاج الصواف، قلت نعم، تركته ... أم إبن زانية يقال له إبن مناذر.
فضحك وقام إليَّ فعانقني.
قال مؤلف هذا الكتاب ﵀: ولإبن مناذر هجاء في حجاج الصوّاف على سبيل العبث وهو قوله:
أن إدعاء الحجاج في العرب ... عند ثقيف م أعجب العجب
وهو إبن زانٍ لألف زانية ... وألف علج معلهج الحسب
ولو دعاه داعٍ فقال له ... يا الأم الناس كلهم أجب
إذاً لقال الحجاج لبيك من ... داع دعاني بالحق لا الكذب
ولو دعاه داعٍ لقال له ... من المعلي في الؤم قال أبي
أبوه زان والأم زنية ... بنت زناه مهتوكة الحجب
تقول عجّل ل ... ... أتركه في استي إن شئت أو ركب
من جامعني فيهما فاوسعني ... رهزاً دراكاً أعطيته سلبي
هم حرى الوصال فأبتغوا الحرى ... قضيب حمار أقضي به أربي
أحب ... الحمار وأبأبي ... فيشة ... الحمار وابأبي
إذا رأته قالت فديتك يا ... قرّة عيني ومنتهى طلبي
إذا سمعت النهيق هاج حري ... شوقاً إليه وهاج لي طربي
يأخذني في أسافلي وحري ... مثل إضطرام انار في الحطب
شكت إليَّ نسوة فلن لها ... وهي نادي بالويل والحرب
كفني قليلاً قالت وكيف وبي ... في جوف صدعي كحكمة الجرب
أرى ... الرجال من عصب ... ليت ... الرجال من خشب
خبرني الحسن بن علي قال:
стр. 68
حدثني أحمد بن محمد الرازي أبو عبيد الله قال: حدثني أبو بجير قال: كان إبن مناذر يجلس إلى إسكافي بالبصرة فلا يزال يهجوه بالأبيات فيصيح من ذلك ويقول له: أنا صديقك فأتقِ الله وأبقِ على الصداقة وإبن مناذر يلح، فقال الإسكاف: فإني أستعين الله عليك وأتعاطى الشعر، فلما أصبح غدا عليه إبن مناذر كما كان يفعل فأخذ يعبث به ويهجوه، فقال الإسكافي:
كثرت أبوّته وقلّ عديده ... ورومى القضاء به فراش مناذر
عبد الصبيريين لم تك شاعراً ... كيف إدعيت اليوم نسبه شاعر
فشاع هذان البيتان بالبصرة ورواهما أعداؤه وجعلوا يتناشدونهما إذا رأوه، فخرج من البصرة إلى مكة وجاور بها كان هذا سبب هربه من البصرة.
أخبرني عمي قال: حدثنا الكرّاني عن أبي حاتم قال: قال إبن مناذر: ما مرّ بي شيء قط أشد عليّ مما مرّ بي من قول أبي العسعاس فيّ:
كثرت أبوته وقل عديده ... ورمى القضاء به فراش مناذر
أنظر بكم صنف قد هجاني في هذا البيت قبحه الله ثم منعني من مكافأته أني لم أجد له نباهة أغضها ولا شرفاً فأهدمه ولا قدراً فأضعه.
أخبرني عمي قال: حدثني اكرني قال: حدثني بشر بن دحية الزيادي أبو معاوية فقال: سمعت إبن مناذر يقول أن الشعر ليسهل عليّ لو شئت أن لا أتكلم إلا بشعر لفعلت.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا العباس ين ميمون طابع قال: حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت إبن مناذر بمكة وهو يتوكأ على رجل يمشي معه وينشد:
إذا ما كنت أشكوها ... إلى قلبي لها شفعا
ففرّق بيننا دهر ... يفرّق بين ما إجتمعا
فقلت إن هذا لا يشبه شعرك فقال إن شعري برد بعدك.
أخبرني عيسى بن الحسين اورّاق قال: حدثنا ابو أيوب امدني قال: حدثنا بعض أصحابنا أن محمد بن عبد الوهاب الثقفي تزوج إمرأة من ثقيف يقال لها عمارة، وكان إبن مناذر يعاديه فقال في ذلك:
لما رأيت القصف والشاره ... والبز قد ضاقت به الحاره
والآس لمن ذا قيل أعجوبة ... محمد زوج عمّارة
لا عمّر الله بها ربعه ... فإن عمّارة بذكاره
ويحك فرّي وأعصبي فاك لي ... فهذه أختك فرّاره
قال: فو الله ما لبثت عنده إلا مديدة حتى هربت وكانت لها أخت قبلها متزوجة إلى بعض أهل البصرة فتركته وهربت منه فكانوا يعجبون من موافقة فعلها قول إبن مناذر.
قال أبو أيوب: وحدثت أن أمية وأسمه خالد، وهو الذي يقول فيه أبو نواس:
أيها المقبلان من حكيمان ... كيف خلفتما أبا عثمان
وأبا أمية المهذب وألما ... جد المرتجى لريب الزمان
كان خطب امرأة من ثقيف ثم من ولد عثمان بن أبي العاص فرّد عنها وتصدّى للقاضي أن يضمنه مالاً من أموال اليتامى فلم يجبه إلى ذلك ولم يثق به، فقال فيه إبن مناذر:
ابا أمية لا تغضب عليّ فما ... جزاء ما كان فيما بيننا الغضب
إن كان ردّك قوم عن فتاتهم ... ففي كثير من الخطاب قد رغبوا
قالوا عليك ديون ما تقوم بها ... في كل عام بها تتحدث الكتب
وقد تفعم من خمسين غايتها ... مع أنه ذو عيال بعدما إنشعبوا
في التي فعل القاضي فلا تجدن ... فليس في تلك لي ذنب ولا ذنب
أردت أموال اليتامى تضمنها ... وما يضمن إلا من له نشب
عن الأغاني مجلد تاسع جزء ١٧ و١٨ صفحة ٩ - ١٠ * * *
نسب المتوكل الليثي وأخباره مع الجارية أميمة
هو المتوكل بن عبد الله بن نهثل بن مسافع بن وهب بن عمرو بن لقيط بن يعمر بن عوف بن عامر من شعراء الإسلام، وهو من أهل الكوفة. كان في عصر معاوية وغبنه يزيد ومدحهما ويكنى أبا جهمة، وقد إجتمع مع الأخطل وناشده عند قبيضة بن والق ويقال عند عكرمة بن ربعي الذي يقال هـ الفياض فقدّمه الأخطل. وهذه القصيدة التي في أولها الغناء قصيدة هجا بها عكرمة إبن الربعي وخبره معه يذكر بعد.
أخبرني بذلك الحسن بن علي عن أحمد بن سعد الدمشقي عن الزبير بن بكار عن عمه. وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد الدمشقي قال:
стр. 69
حدثني هرون بن محمد عبد الملك قال: أخبرني هرون بن مسلم قال: حدثني حفص بن عمر العمري عن لقيط بن بكير المحاربي قال: قدم الأخطل الكوفي فنزل على قبيصة بن والق فقال المتوكل ن عبد الله الليثي لرجل من قومه: إنطلق بنا إلى الأخطل نستنشده ونسمع من شعره فأتياه فقالا أنشدنا يا أبا مالك فقال: إني لخاثر يومي هذا، فقال له المتوكل: أنشدني أيها الرجل فوالله لا تنشدني قصيدة إلا أنشدتك مثلها أو أشعر منها من شعري. قال ومن أنت، قال أنا المتوكل، قال: أنشدني ويحك من شعرك، فأنشده:
للغانيات بذي المجاز رسوم ... فببطن مكة عهدهن قديم
فبمنحر البدن المقلد من منى ... حلل تلوح كأنهن نجوم
لا تنهِ عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
والهمّ إن لم تمضهِ لسبيله ... داءٌ تضمنه الضلوع مقيم
غنّى في هذه الأبيات سائب خائر من رواية حماد عن أبيه ولم يجنسه. قال: وأنشده أيضاً:
الشعر بّ المرء بعرضه ... والقول مثل مواقع النبل
منها المقصر عن رميته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
قال: وأنشده أيضاً:
إننا معشرٌ خلقنا صدوراً ... من يسوّي الصدور بالأناب
فقال له الأخطل: ويحك يا متوكل، لو نبحت الخمر في جوفك كنت أشعر الناس.
قال الطوسي: قال الأصمعي: كانت للمتوكل بن عبد الله الكناني امرأة يقال لها رهيمة ويقال أميمة وتكنى أم بكر فأقعدت فسألته الطلاق فقال: ليس هذا حين طلاق، فأبت عليه فطلقها. ثم أنها برئت بعد الطلاق فقال في ذلك:
طربت وشاقني يا أم بكر ... دعاء حمامة تدعو حماما
فبتّ وبات مي لي نجيباً ... أعزي عنكِ قلباً مستهاما
إذا ذكرت لقلبك أم بكر ... يبيت كأنما إغتبق المداما
خدلجة ترف غروب فيها ... وتكسو المتن ذا خصل شحاما
أبى قلبي فما يهوى سواها ... وإن كانت مودتها غراما
ينام الليل كل خلي همٍ ... ويأتي العين منحدر سجاما
على حين أرعويت وكان رأسي ... كأن على مفارقه ثغاما
سعى الواشون حتى أزعجوها ... ورث الحبل فأنجذم إنجذاما
فلست بزائل ما دمت حياً ... مسراً من تذكرها هياما
ترجيها وقد شحطت نواها ... ومنّتك المنى عاماً فعاما
خدلجة لها كفل وثير ... يتوء بها إذا قامت قياما
مخضرة ترى في الكشح منها ... على تثقيل أسفلها إنهضاما
إذا إبتسمت تلألأ ضوء برقٍ ... تهلهل في الدجنة ثم داما
وإن قامت تأمل راثياها ... غمامة صيف ولجت غماما
إذا تشي تقول دبيب شولٍ ... تعرّج ساعة ثم إستقاما
وإن جلست فدمية بيت عيدٍ ... تصان ولا تُرى إلا لماماً
فلو أشكو الذي أشكو إليها ... إلى حجر لراجعني الكلاما
أحب دلوّها وتحب نأبي ... وتعتام التنائي لي إعتياماً
كأني من تذكر أم بكرٍ ... جريج أسنةٍ يشكو كلاما
تساقط انفساً نفسي عليها ... إذا شحطت وتغتم إغتماما
غشيت لها منازل مقفرات ... عفت إلا الأباصر والثماما
ونؤيا قد تهدم جانباه ... ومبناه بذي سلم خياما
صليني وأعلمي إني كريم ... وأن حلاوتي خلطت غراما
وإني ذو مجامحة صليبٌ ... خلقت لمن يماسكني لجاما
فلا وأبيك لا أنساكِ حتى ... تجاوب هامتي في القبر هاما
والقصيدة التي فيها الغناء المذكور في أول خبر المتوكل يقول أيضاً في امرأته هذه ويمدح فيها حوشيا الشيباني ويقول فيها:
إذا وعدتك معروفاً لوته ... وعجّلت التجرم والمطالا
لها بشرٌ نقي اللون صافِ ... ومتن خطَ فأعتدل إعتدالا
إذا تمشي تأود جانبها ... وكاد الخصر يخزل إنخزالا
стр. 70
تنوء روافدها إذا ما ... وشاحاها على المتن جالا
فإن تصح أميمة قد تولت وعاد الوصل صرماً وأعتلالا
فقد تدنو النوى بعد إغتراب ... بها وتفرّق الحي احلالا
تعبس لي أميمة بعد أنسٍ ... فما أدري أسخطاً أم دلالا
أبيني لي فربّ أخ مصاف ... رزئت وما أحب به بدالا
أصرمٌ منك هذا أم دلال ... فقد عني الدلال إذاً وطالا
أم إستبدلت بي ومللت وصلي ... بوحي لي به ودعي المحالا
فلا وأبيك ما أهوى خليلاً ... أقاتله على وصلي قتالا
وكم من كاشح يا أم بكر ... من البغضاء يأتكل أتكالا
لبثت على قناع من أذاه ... ولولا الله كنت له نكالا
ووما يغني به من هذه القصيدة قوله:
أنا الصقر الذي حدّثت عنه ... عتاق الطير تتدخل إندخالا
رايت الغانيات صدفن لما ... رأين الشيب قد شمل القذالا
فلم يلووا إذا رحلوا ولكن ... تولت عيرهم بهم عجالا
غنّى فيه عمر الوادي خفيف رمل عن الهاشمي وذكر حبش أن فيه لإبن محرز ثاني ثقيل بالوسطى وأحسبه مضافاً إلى لحنه في أول القصيدة.
وقال الطوسي: قال أبو عمرو الشيباني: هجا معن بن جمل بن جعونة بن وهب أحد بني لقيط ن يعمر المتوكل بن عبد الله الليثي وبلغ ذلك المتوكل فترفع على أن يجيبه ومكث معن سنين يهجوه والمتوكل معرض عنه، ثم هجاه بعد ذلك وهجا قومه من بني الديل هجاء قذعاً إستحيا منه وندم.
ثم قال المتوكل لقومه يعتذر ويمدح يزيد بن معاوية:
خليليّ عوجا اليوم وأنتظراني ... فإن الهوى والهم أمّ أبان
هي الشمس يدنو لي قريباً عيدها ... أرى الشمس ما أسطعيها وتراني
* نأت بعد قرب دارها وتبدلت بنا بدلاً والدهر ذو حدثان
هاج الهوى والشوق لي ذكر حرة ... من المر حجنات الثقال حصان
غنّى في هذه الأبيات إبن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه.
قال: سيعلم قومي أنني كنت سورة ن المجد إن داعي المنون دعاني
ألا رب مسرور بموتي أو أتى ... وآخر لو أنعي له لبكاني
خليليّ ما لام أمرؤ مثل نفسه ... إذا هي قامت فاربعا ودعاني
ندمت على شتمي العشيرة بعدما ... تغنى بها عودٌ وحنّ يماني
قلبت لهم ظهر المجن وليتني ... رجعت بفضل من يدي ولساني
على أنني لم ارمِ في الشعر مسلماً ... ولم أهجء إلا من روى وهجاني
همُ بطروا الحلم الذي من سجيتي ... وبدلت قومي شدة بليان
ولو شئتم أولاد وهبٍ نزعتم ... ونحن جميع شملنا إخوان
نهيتهم أخاكم عن هجائي وقد مضى ... له بعد حول كامل سنتان
فلجّ ومنّاه رجال رايتهم ... إذا صارموني يكرهون قراني
وكنت أمرأ يأبى لي الضيم إنني ... صرومٌ إذا الأمر المهم عناني
وصول صرومٍ لا أقول لمدير ... هلم إذا ما أغتشتني وعصاني
خليليّ لو كنت أمرأ بنى سقطه ... تضعضعت أو زلت بي القدمان
أعيش على بغي العداة ورغمهم ... وآتي الذي أهوى على الشنآن
ولكنني ثبت المريرة حازم ... إذا صاح طلابي ملأت عناني
خليليّ كم من كاشح قد رميته ... بقافية مشهورة ورماني
فكان كذات الحيض لن تبق ماءها ... ولم تنقِ عنها غسلها لأوان
ثم أنه يقول فيها ليزيد بن معاوية:
أبا خالد حنّت إليك مطيتي على بعد منتاب وهول جنان
أبا خالد في الأرض نأي ومفسح ... بذي مرة يرمي به الرجوان
فكيف ينام الليل حرّ عطاؤه ... ثلاث لرأس الحول أو مأتان
تنأت قلوصي بعد إسآدي السرى ... إلى ملك جزل العطاء هجان
ترى الناس أفواجاً ينوبون بابه ... لبكر من الحاجات أو لعوان
عن الأغاني ١١ - ١٢ مجلد سادس * * *
стр. 71
ولإبن زيدون قوله في المرقص:
أضحى تنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
من مُبلغ الملبسينا بإنتزاحهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي قد كان يضحكنا ... أنساً بقربهم اد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغَصّ فقال الدهر آمينا
فأنحل ما كان معقوداً بأنفسنا ... وأنبت ما كان موصولاً بأيدينا
بالأمس كنا وما يخشى تفقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم أعاديكم ... هل نال حظاً من العتبى أعادينا
لم نعقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلد غيره دينا
كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا، فما لليأس يغرينا
بنتم وبنا فما إبتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
كاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى، لولا تآسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سواداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلقٌ من تآلفنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانية ... قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليُسقَ عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيّرنا ... إذ طالما غيّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا إنصرف عنكم أمانينا
ثم قال:
يا ساريّ البرق غادِ القصر فاسقِ به ... من كان صِرف الهوى والود يسقينا
وأسأل هنالك هل عنّى تذكرنا ... إلفاً تذكره أمسى يعنّينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حياً كان يحيينا
وبيت مثلك كأن الله أنشأه ... مسكاً وقد أنشأ الله الورى طينا
أو صاغ ورقاً محضاً وتوجّه ... من ناصع إبداعاً وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهية ... تدمى العقول وأدمته البُرى لينا
كانت له الشمس ظِئراً في تكلله ... بل ما تجلى بها إلا أحايينا
كأنما نبتت في صحن وجنته ... زُهر الكواكب تعويذاً وتزيينا
ما ضرّ روضة طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جناه الصبا غضاً ونسرينا
ويا حياةً تملأنا بزهرتها ... مثنى ضروباً ولذاتٍ أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من نضارته ... في وشي سحبنا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة ... فقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا إنفردتِ وما شوركت في صفة ... فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
* * *
يا جنة الخلد أبدِ لنا بسلسَلها ... والكوثر العذب زقوّماً وغِسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سِران في خاطر الظلماء تكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو في إن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدِل بمشربه ... شرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمال أنت ككبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا إختياراً تجنينا عن كثبٍ ... لكن عدتنا على كسره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة ... فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح من شمائلنا ... سيما إرتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة ... فالحر من دان إنصافاً كما دينا
стр. 72
فما إستعضنا خليلاً عنك يحبنا ... ولا إستفدنا حبيباً منك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أولي وفاء وإن لم تبذلي صلة ... فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب شفاءٌ لو شفعتِ به ... بيضَ الأيادي التي ما زالت ولينا
ولإبن زيدون في ولاّدة مقطعان حسان، كقوله:
وأهاً لعطفك والزمان كأنما ... صُبغت نضارته ببرد صباك
والليل مهما طال قصَّر طوله ... هاتي، وقد غفل الرقيب، وهاكِ
أما مني نفسي فأنت جميعها ... يا ليتني أصبحت بعض مناك
يدني مثالكِ حين شطَّ به النوى ... وهمٌ أكاد به أقبِّل فاكِ
وله:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعاً حظه مني ولو بُذلت ... لي الحياة بحظي فيه لم أبعِ
وله أيضاً:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً ... والأفق طلقٌ ووجه الروض قد راقا
ولنسيم إعتلالٌ في أصائله ... كأنما رقّ لي فأعتل إشفاقا
والنهر عن مائه الفضيّ مبتسمٌ ... كما حللتَ عن اللبات أطواقا
يومٌ كأيام لذاتٍ لنا إنصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سرَّاقا
نلهو بما يستميل العين من زَهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقى ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
وردٌ تألق في ضاحي متابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى ينافحه نيلوفرٌ عبقٌ ... وسَنان نبّه منه الصبح أحداقا
كلٌ يهج لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعدُ عنا الصدر إن ضاقا
لو كان وفيّ المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكَّن اله قلباً عن ذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خقاقا
وشاء حملي نسيم الريح حين هفا ... رافاكم بفتىً أضناه ما لاقى
كان التجازي بمحض الود مذ زمنِ ... ميدان أنسٍ جربنا فيه إطلاقا
الآن أحمد ما كنا لعهدكمُ ... سلوتُم وبقينا نحن عشاقا
وإني لمفتون بهذا الشطر الحزين:
سلوتُم وبقينا نحن عشاقا
فقد أجاد الوزير إبن زيدون في نظمه وغزله وكان في مقدمة شعرا الحب في عصره شهادة الشعراء الأقدمين ما ذكر في درواوينهم التي لا مجال لذكرها. وله:
أيها الرائح المغذ تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق
إقرِ عني السلام أهل المصلى ... فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق
وإذا ما شئت عني فقل نض ... وهوى ما أظنه اليوم باق
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ... ومني عند بعض تلك الحداق
وأبكِ عني فطالما كنت من قب ... ل أعير الدموع للعشاق
ثم يقول:
أيها الراكب الميّمم أرضي ... إقر بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضِ ... وفؤادي مالكيه بأرض
قدر البين بيننا فأفترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بيننا بإفتراق ... فعسى بإجتماعنا سوف يقضي
وقال أحدهم:
وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حالٍ ... مخافة فرقة أو لإشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
ومن الشعراء من يتوجع على عهده قبل الفراق، كقول الشريف:
هل عهدنا بعد التفرق راجع ... أو غصننا بعد التسلب مورق
شوق أقام وأنت غير مقيمة ... والشوق بالكلف المعني أعلق
стр. 73
ما كنت أحظى في الدنو فكيف بي ... واليوم نحن مغرب ومشرق
وقال الأرجاني في ألم:
رحلوا: أمام الركب نشر عبيرهم ... ووراءهم نفس المشوق الصادي
فكان هذا من وراء ركابهم ... حاد لها وكأن ذلك هادي
لله موقف ساعة يوم النوى ... بمنى وأقمار الحدوج بواد
لما تبعت وللمشيع غاية ... أظعانهم وقد إمتلكن قيادي
أتبعتهم عيني وقلبي واقفاً ... فوق الثنية والمطي غواد
كيف السبيل إلى التلاقي بعدما ... ضرب الغيور عليه بالأسداد
والحي قد ركزوا الرماح بمنزل ... فيه الظباء ربائب الآساد
وعد المنى بهم فقلت لصاحبي ... كم دون ذلك من عدي وعواد
عهدي بهمُ بوجرة جيرة ... سقيت عهودهُم بصوب عهاد
فاليوم من نفس النسيم إذا سرى ... نبغي شفاء علائل الأكباد
ولأحدهم:
يا موقفاً بالبان لم تثمر لنا ... غير الصبابة والأسى شجراته
هل نفرت لا نفرت غزلانه ... أو صوحت لا صوحت باناته
عهدي به يلوي الديون قضاته ... وتصيد ألباب الرجال مهاته
فاليوم لا جيرانه جيرانه ... قدماً ولا فتياته فتياته
يا حادي الأظعان في آثارهم ... قلب تقطعه جوى حسراته
ولقد يرى ثبت الحصاة فماله ... أمست تذوب على البعاد حصاته
وقال الصغرائي:
لعمرك ما يرجى شفائي والهوى ... له بين جسمي والعظام دبيب
أجلك أن أشكو إليكِ وأنطوي ... على كمدي إن الهوى لعجيب
وآمل برءاً من هوى خامر الحشا ... وكيف بداء لا يراه طبيب
نصيبك من قلبي كما قد عهدته ... وما لي بحمد الله منك نصيب
وما أدعي إلا إكتفاء بنظرة ... إليك ودعوى العاشقين ضروب
وما بحت بالسر الذي بيننا ... ولكنما لحظ المحب مريب
وقال إبن الأحنف:
إليك أشكو رب ما حل بي ... من صد هذا التائه المعجب
صب بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب
إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب
* * * قال إعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرماً ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدلو فتقصيني فابعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة عرفونها ... إشيروا بها وأستوجبوا الشكر من ربي
وهذه القصيدة إنتقيناها من كتاب " مدامع العشاق " وقد أجاد في هذا المعنى من شعراء العصر حافظ بك إبراهيم حين قال:
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
ما أنت في دنياك أول عاشق ... رامية لا يحنو ولا يترحم
أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا ... كم فيك ساعات تشيخ وتهرم
لا أنت تقصر لي ولا أنا نقصر ... أتعبتني وتعبت، هل من يحكم
لله موقفنا وقد ناجيها ... بعظم ما يخفي الفؤاد ويكتم
قالت مَن الشاكي تسائل سربها ... عني ومن هذا الذي يتظلم
فأجبتها وعجبن كيف تجاهلت ... هو ذلك المتوجع المتألم
أنا من عرفت ومن جهلت ومن له ... لولا عيونك حجة لا تفحم
أسلمت نفسي لهوى وأظنها ... مما يجشمها الهوى لا تسلم
وأتيت يحدوني الرجاء ومن أتى ... متحرماً بفنائكم لا يحرم
أشكو لذات الخال ما صنعت بنا ... تلك العيون وما جناه المعصم
стр. 74
لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى ... يبقي عليه ولا الصبابة ترحم
لو تنظرين إليه في جفون الدجى ... متململاً من هول ما يتجشم
يمشي إلى كنف الفراش محاذراً ... وجلاً يؤخر رجله ويقدم
يرمي الفراش بناظريه وينثني ... جزعاً ويقدم بعد ذاك ويحجم
فكأنه واليأس ينف نفسه ... للقتل فوق فراشه يتقدم
رشقت به في كل مدية ... وأنساب فيه بكل ركن أرقم
فكأنه في هوله وسعيره ... وادٍ قد أطلعت عليه جهنم
هذا وحقك بعض ما كابدته ... من ناظريك وما كتمتك أعظم
قالت أهذا أنت ويحك فأتئد ... حتى مَ في الغرام وتتهم
إنا سمعنا عنك ما قد رأينا ... وأطال فيك وفي هواك اللوّم
أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت ... في هجرها وجنت عليّ وأجرموا
حتى إذا يئس الطبيب وجاءها ... أني تلفت تندمت وتندموا
وأتت تعود مريضاً لا بل أتت ... مني تشيع راحلاً لو تعلم
وقال إبن المعتز:
إيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته ... وبشرب الراح من راحته
كلما إستيقظ من سكرته ... جذب الزق إليه وأتكا
وسقاني أربعاً في أربع
ما لعيني غشيت بالنظر ... أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري ... غشيت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بانٍ مال من حيث إلتوى ... مات من يهواه من فرط الجوى
خفق الحشاء موهون القوى ... كلما فكّر في البين بكى
ويحه يبكي ... لما لم يقعِ
ليس لي صبر ولا لي جلدٌ ... يا لقومي عذلوا وأجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد ... مثل حالي حقه أن يشتكا
كمد اليأس ... وذل الطمع
كبد جرّى ودمع يكف ... أصرف الدمع فلا ينصر
أيها المُعرض عما أصف ... قد نما حبي بقلبي وزكا
لا تقل في الحب أني مدعي
عن " مدامع العشاق " للأستاذ زكي مبارك وقال إبن الرومي:
هل الملالة إلا منقضى وطرِّ ... من متعة يطِّبي من غيرها وطر
وفيك أحسن ما تسمو النفوس له ... فأين يرغب عنك السمع والبصر
وقال إبن عنين:
خبروها بأنه ما تصدى ... لسلوٍ عنها ولو مات صدا
واسألوها في زورة من خيالٍ ... إن تكن لم تجد من الهجر بدا
ظبية تخجل الغزالة وجهاً ... وبهاءً وتفضح الغصن دا
وقال أو الأسود الدؤلي:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفند
كبرد اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال صردر:
ولقد عرضت على السلو جوانحي ال ... حرّى فلم يرهن دار مقام
كيف السلو وليس يسلك مسمعي ... إلا حنين أو بكاء حمام
وقال إبن الزيات:
لم يزدني العذل إلا ولعا ... ضرني أكثر مما نفعا
ذهبت بالقلب عين نظرت ... ليتها كانت وإياه معا
كل يوم لي منها آفة ... تركتني للهوى متبعا
وقال الأبيوردي:
أرى كل حب غير حبك زائلاً ... وكل فؤادٍ غير قلبي ساليا
إذا إستخبر الواشون عما أسره ... حمدت سلوى أو ذممت التصابيا
أيذهل قلب أنت سر ضميره ... فلا كان يوماً عنك يا علو ساليا
وقال العزّي:
يا خليلي لو ملكت فؤادي ... جاز أن يملك الصواب عناني
ظالمي من أراد إصاف نفسي ... من هواها وآمري من نهاني
قد تورطت في نعسف شوقي ... حيث لا يعرف السلّ مكاني
стр. 75
وقال الطغرائي:
خليليّ هل من مسعد أو معالج ... فؤاداً به ذاء من الحب ناكس
وهل ترجوان البرء مما أكنه ... فإني وبيت الله منه لآيس
سرى حيث لا يدري الضمير مكانه ... ولا تهتدي يوماً إليه الهواجس
إذا قلت هذا يوم أسلو تراجعت ... عقابيل من أسقامه ووساوس
* قال إبن الأحنف:
سكوتي بلاءُ لا أطيق إحتماله ... وقلبي ألفو للهوى غير نازع
وأقسم ما تركي عتابك عن قيلي ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم الزم الصبر طائعاً فلا بد منه مكروهاً غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ودٍ يكون بشافع
وله:
لعمري لقد جلبت نظرتي ... إليك عليّ بلاءً طويلاً
فيا ويح من كلفت نفيه ... بمن لا يطيق إليه السبيلا
هي الشمس مسكنها في السماء ... ولن تستطيع إليك النزولا
*
قال سعيد بن حميد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدةٌ ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حُصَّلوا فناهم التحصيل
لئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن عليّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامقٍ ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لديّ خليل
وليذهبن بهاء كل مروةٍ ... وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
وقوله:
أفي الحق أني قد قضيت ديونكم ... وإن ديوني باقيات كما هي
فوا أسفي، حتام أرعى مضيَّعاً ... وآمن خوّاناً وأذكر ناسيا
وما زال أحبابي يسيئون عشرتي ... ويجفونني حتى عذرت الأعاديا
وقال أحدهم:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفرج ما ألقى من الهم
قد كان صرمٌ في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى ... بين لجوانح مضرعٌ جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم إفعلي ما شئتِ عن عِلم
وقال الشريف الرضي يعاتب إحدى الجميلات:
يا صاحب القلب الصحيح أما إشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوع
أأسأت بالمشتاق حين ملكته ... وجزيت فرط نزاعه بنزوع
هيهات لا تتكلفنَّ لي الهوى ... فضح التطبع شيمه المطبوع
كم قد نصبت لك الحبائل طامعاً ... فنجوت بعد تعرّض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب غلتي ... أسفاً على ذاك اللمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظٍ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرّعته في طولها ... غصص الملام ومؤلم التقريع
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي
ثقلى أنامله التراب تعللاً ... وأناملي في سنَي المفروع
قمرٌ إذا إستخجلته بعتابه ... ليس الغروب ولم يعد لطلوع
لو حيث يُستمع السّرار وقفتما لعجبتما من عزه وخضوعي
أبغي هواه بشافع من غيره ... شر الهوى ما نلته بشفيع
* من قول زهير:
يا هاجرين وحقكم ... هوَّنتم ما لا يهون
قلتم فلانٌ قد سلا ... ما كان ذاك ولا يكون
وحياتكم وهي التي ... ما مثلها عندي يمين
ما خنت عهدكم كما ... زعم الوشاة ولا أخون
يا من يظن بأنني ... قد خنته غيري الخئون
لو صحَّ ودك صح ظنك ... بي وبان لك اليقين
следующие страницы →