← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6666

رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه - ط الشرق الأوسط

ابن القيم

Полный текст (42 стр.). Показаны 36–42 · переход к 41.

стр. 36

(وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا) قَالَ الله تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جعل الْمُسلم مُسلما وَالْمُصَلي مُصَليا كَمَا قَالَ الْخَلِيل ﷺ ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ فالمنة لله وَحده فِي أَن جعل عَبده قَائِما بِطَاعَتِهِ وَكَانَ هَذَا من أعظم نعمه عَلَيْهِ

стр. 37

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وَقَالَ ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾ وَهَذَا المشهد من أعظم الْمشَاهد وأنفعها للْعَبد وَكلما كَانَ العَبْد أعظم توحيدا كَانَ حَظه من هَذَا المشهد أتم وَفِيه من الْفَوَائِد أَنه يحول بَين الْقلب وَبَين الْعجب بِالْعَمَلِ ورؤيته فَإِنَّهُ إِذا شهد أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ المان بِهِ الْمُوفق لَهُ الْهَادِي إِلَيْهِ شغله شُهُود ذَلِك عَن رُؤْيَته والإعجاب بِهِ وَأَن يصول بِهِ على النَّاس فيرفع من قلبه فَلَا يعجب بِهِ وَمن لِسَانه فَلَا يمن بِهِ وَلَا يتكثر بِهِ وَهَذَا شَأْن الْعَمَل الْمَرْفُوع

стр. 38

وَمن فَوَائده أَنه يضيف الْحَمد إِلَى وليه ومستحقه فَلَا يشْهد لنَفسِهِ حمدا بل يشهده كُله لله كَمَا يشْهد النِّعْمَة كلهَا مِنْهُ وَالْفضل كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَهَذَا من تَمام التَّوْحِيد فَلَا يسْتَقرّ قدمه فِي مقَام التَّوْحِيد إِلَّا بِعلم ذَلِك وشهوده فَإِذا علمه ورسخ فِيهِ صَار لَهُ مشهدا وَإِذا صَار لِقَلْبِهِ مشهدا أثمر لَهُ من الْمحبَّة والأنس بِاللَّه والشوق إِلَى لِقَائِه والتنعم بِذكرِهِ وطاعته مَا لَا نِسْبَة بَينه وَبَين أَعلَى نعيم الدُّنْيَا أَلْبَتَّة وَمَا للمرء خير فِي حَيَاته إِذا كَانَ قلبه عَن هَذَا مصدودا وَطَرِيق الْوُصُول إِلَيْهِ عَنهُ مسدودا بل هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ﴾ فصل المشهد السَّادِس مشْهد التَّقْصِير وَأَن العَبْد لَو اجْتهد فِي الْقيام بِالْأَمر غَايَة الِاجْتِهَاد وبذل وَسعه

стр. 39

فَهُوَ مقصر وَحقّ الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ أعظم وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَن يُقَابل بِهِ من الطَّاعَة والعبودية والخدمة فَوق ذَلِك بِكَثِير وَأَن عَظمته وجلاله سُبْحَانَهُ يَقْتَضِي من الْعُبُودِيَّة مَا يَلِيق بهَا وَإِذا كَانَ خدم الْمُلُوك وعبيدهم يعاملونهم فِي خدمتهم بالإجلال لَهُم والتعظيم والاحترام والتوقير وَالْحيَاء والمهابة والخشية والنصح بِحَيْثُ يفرغون قُلُوبهم وجوارحهم لَهُم فمالك الْمُلُوك وَرب السَّمَوَات وَالْأَرْض أولى أَن يُعَامل بذلك بل بأضعاف ذَلِك وَإِذا شهد العَبْد من نَفسه أَنه لم يوف ربه فِي عبوديته حَقه وَلَا قَرِيبا من حَقه علم تَقْصِيره وَلم يَسعهُ مَعَ ذَلِك غير الاسْتِغْفَار والاعتذار من تَقْصِيره وتفريطه وَعدم الْقيام بِمَا يَنْبَغِي لَهُ من حَقه وَأَنه إِلَى أَن يغْفر لَهُ الْعُبُودِيَّة وَيَعْفُو عَنهُ فِيهَا أحْوج مِنْهُ إِلَى أَن يطْلب مِنْهُ عَلَيْهَا ثَوابًا وَهُوَ لَو وفاها حَقّهَا كَمَا يَنْبَغِي لكَانَتْ مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بِمُقْتَضى الْعُبُودِيَّة فَإِن عمل العَبْد وخدمته لسَيِّده مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده ومملوكه فَلَو طلب مِنْهُ الْأُجْرَة على عمله وخدمته لعده النَّاس

стр. 40

أَحمَق وأخرق هَذَا وَلَيْسَ ... هُوَ عَبده وَلَا مَمْلُوكه على الْحَقِيقَة وَهُوَ عبد الله ومملوكه على الْحَقِيقَة من كل وَجه لله سُبْحَانَهُ فعمله وخدمته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده فَإِذا أثابه عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك مُجَرّد فضل ومنة وإحسان إِلَيْهِ لَا يسْتَحقّهُ العَبْد عَلَيْهِ وَمن هَهُنَا يفهم معنى قَول النَّبِي ﷺ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل وَقَالَ أنس بن مَالك ﵁ يخرج للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دواوين ديوَان فِيهِ حَسَنَاته وديوان فِيهِ سيئاته وديوان النعم الَّتِي أنعم الله عَلَيْهِ بهَا فَيَقُول الرب تَعَالَى لنعمه خذي حَقك من حَسَنَات عَبدِي فَيقوم أصغرها فتستنفذ حَسَنَاته ثمَّ تَقول وَعزَّتك مَا استوفيت حَقي

стр. 41

بعد فَإِذا أَرَادَ الله أَن يرحم عَبده وهبه نعمه عَلَيْهِ وَغفر لَهُ سيئاته وضاعف لَهُ حَسَنَاته وَهَذَا ثَابت عَن أنس وَهُوَ أدل شَيْء على كَمَال علم الصَّحَابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَمَا أَنهم أعلم الْأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته وَدينه فَإِن فِي هَذَا الْأَثر من الْعلم والمعرفة مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا أولو البصائر العارفون بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَحقه وَمن هُنَا يفهم قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْإِمَام أَحْمد من حَدِيث زيد بن ثَابت وَحُذَيْفَة وَغَيرهمَا إِن الله لَو عذب

стр. 42

أهل سمواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم فصل وملاك هَذَا الشَّأْن أَرْبَعَة أُمُور نِيَّة صَحِيحَة وَقُوَّة عالية يقارنهما رَغْبَة وَرَهْبَة فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة هِيَ قَوَاعِد هَذَا الشَّأْن وَمهما دخل على العَبْد من النَّقْص فِي إيمَانه وأحواله وَظَاهره وباطنه فَهُوَ من نُقْصَان هَذِه الْأَرْبَعَة أَو نُقْصَان بَعْضهَا فَلْيتَأَمَّل اللبيب هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء وليجعلها سيره وسلوكه وَيَبْنِي عَلَيْهَا علومه وأعماله وأقواله وأحواله فَمَا نتج من نتج إِلَّا مِنْهَا وَلَا تخلف من تخلف إِلَّا من فقدها وَالله أعلم وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَإِلَيْهِ الرَّغْبَة وَهُوَ المسؤول بِأَن يوفقنا وَسَائِر إِخْوَاننَا من أهل السّنة لتحقيقها علما وَعَملا إِنَّه ولي ذَلِك والمان بِهِ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل