Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
فاستدعوا الْخَلِيفَة وقضاة الْقُضَاة وأحضروا السُّلْطَان من محبسه وأركبوه بشعار المملكة وَمَشى الْأُمَرَاء كلهم وَسَائِر أَرْبَاب الدولة فِي ركابه حَتَّى جلس على تخت الْملك وَبَايَعَهُ الْخَلِيفَة فقبلوا لَهُ الأَرْض على الْعَادة وَذَلِكَ فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي شهر شَوَّال. وَبَات الْأُمَرَاء فِي الأشرفية من القلعة. وَأرْسل الْأَمِير صرغتمش والأمير تقطاى الدوادار إِلَى الْأَمِير طاز ليخبراه. مِمَّا وَقع فصارا اليه ولقياه بالطرانة وَقد رَجَعَ. وبلغه الْخَبَر فعرفاه مَا كَانَ فِي غيبته وأقبلا مَعَه إِلَى حَيْثُ أَرَادَا تَعديَة النّيل فَأرْسل الله ريحًا عاصفاً منعت المعادى من الْمسير. وَنزل الْأَمِير طاز بِالْمَدْرَسَةِ المعزية ليفطر فَإِنَّهُ كَانَ صَائِم. وَبلغ إخْوَته وَمن يلوذ بِهِ مَجِيئه فَأخذُوا فِي تَدْبِير أُمُورهم فَلم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا لاحتراز الْأَمِير شيخو مِنْهُم وَالتَّوْكِيل بهم. الا أَن الْأَمِير كلتا ركب فِي عدَّة من مماليكه - ومماليك أَخِيه الْأَمِير طاز - يُرِيد ملتقاه فَأنْكر شيخو ذَلِك. وَاتفقَ أَن مماليكه ظفروا. بمملوكين من أَصْحَاب كلتا لابسين وأحضروهما إِلَى شيخو. فَركب الْأَمِير بلجك فِي عدَّة من مماليكه والتقاه بعد الْعَصْر عِنْد بَاب اصطبل طاز فَلم يطق محاربته. لِكَثْرَة جمعه فَرجع فَرَمَوْهُ بالنشاب وَسَارُوا إِلَى لِقَاء طاز. وَبعث الْأَمِير شيخو. بمماليك كل من الاصرين صرغتمش وتقطاى ليلتقوهما فجدوا فِي الْمسير حَتَّى لقوهما عِنْد الرصد بعد الْمغرب وهما مَعَ الْأَمِير طاز. فَمَا هُوَ الا أَن أَتَت أطلاب الاصرين رفس كل مِنْهُمَا فرسه ودكس من جَانب طاز وَصَارَ فِي طلبه بَين مماليكه فَإِنَّهُمَا كَانَا لما رَأيا مماليك كلتا قد أَقبلُوا إِلَى لِقَاء طاز وهم ملبسين خافا على أَنفسهمَا. وَفِي الْحَال وَقعت الضجة وَلم يبْق الا وُقُوع الْحَرْب. فتفرقت
стр. 1612
مماليك طاز عَنهُ لقلَّة عَددهمْ فَإِن الأطلاب صَارَت تتلاحق من قبل الْأَمِير شيخو شَيْئا بعد شَيْء فَطلب طاز أَيْضا نجاة نَفسه وَولى بفرسه فَلم يعرف أَيْن يذهب. وَأَقْبَلت الْأُمَرَاء إِلَى الْأَمِير شيخو فأركب الْأَمِير قطلوبغا الطرخانى فِي جمَاعَة من الْأُمَرَاء لحراسة الطرقات فَتَفَرَّقُوا فِي عدَّة جِهَات وَبَات بَقِيَّة الْأُمَرَاء فِي الأشرفية من القلعة ووقفت عدَّة وافرة تَحت القلعة. وَبَات السلطات والأمير شيخو على بَاب الإصطبل فَكَانُوا طول ليلتهم فِي أَمر مريج وظلوا يَوْم الْخَمِيس وَلَيْلَة الْجُمُعَة كَذَلِك. فَفِي أثْنَاء لَيْلَة الْجُمُعَة حضر الْأَمِير تقطاى الدوادار - وصحبته الْأَمِير طاز - إِلَى عِنْد الْأَمِير شيخو. وَكَانَ طاز قد التجأ إِلَى بَيت تقطاى فَإِن أُخْت طاز كَانَت تَحْتَهُ فَقَامَ اليه الْأَمِير شيخو وعانقه وَبكى بكاء كثيرا وتعاتبا وَأقَام عِنْده ليلته تِلْكَ. وَركب بِهِ يَوْم الْجُمُعَة إِلَى القلعة فَأقبل عَلَيْهِ السُّلْطَان وَطيب خاطره ورسم لَهُ بنيابة حلب عوضا عَن الْأَمِير أرغون الكاملى. فَلبس طاز التشريف فِي يَوْم السبت سابعه وَسَار من يَوْمه وَمَعَهُ الْأَمِير شيخو وصرغتمش وَجَمِيع الْأُمَرَاء لوداعه فَسَالَ أَن تكون إخْوَته صحبته فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وأخرجوا اليه بِحَيْثُ لم يتَأَخَّر عَنهُ أحد من حَاشِيَته وَعَاد الْأُمَرَاء وَمضى لمحل نيابته. وسجن الْملك الصَّالح صَالح حَيْثُ كَانَ أَخُوهُ الْملك النَّاصِر حسن مسجوناً. وَمن غَرِيب مَا وَقع - مِمَّا فِيهِ أعظم مُعْتَبر - أَنه عمل الطَّعَام للسُّلْطَان الْملك الصَّالح ليمد بَين يَدَيْهِ على الْعَادة وَعمل الطَّعَام للناصر حسن ليأكله فِي محبسه فاتفق خلع الصَّالح فِي أق من سَاعَة وسجنه وَولَايَة أَخِيه حسن السلطنة عوضه فَمد السماط بِالطَّعَامِ الَّذِي عمل ليأكله الصَّالح فَأَكله حسن فِي دست مَمْلَكَته وَأدْخل الطَّعَام - الَّذِي عمل لحسن ليأكله فِي محبسه - على الصَّالح فَأَكله فِي السجْن الَّذِي كَانَ أَخُوهُ حسن فِيهِ. فسبحان محيل الْأَحْوَال لَا اله الا هُوَ. وفيهَا كَانَ الْقَبْض على تَاج الدّين أَحْمد بن الصاحب أَمِين الْملك عبد الله بن غَنَّام نَاظر الْخَاص وناظر الْجَيْش. وعددت لَهُ ذنُوب مِنْهَا أَنه لما ولى نظر الْجَيْش - بعد علم الدّين بن زنبور - تشدد فِيهِ مَعَ سلوكه سَبِيل الْأَمَانَة على الْمَعْنى. بِمَنْع المقايضات والنزولات حَتَّى قلت أَرْزَاقهم. ثمَّ لما ولى نظر الْخَاص بعد بدر الدّين - مُضَافا إِلَى
стр. 1613
الْجَيْش - ثمَّ مَاتَ الْوَزير موفق الدّين مالط إِلَى جِهَة طاز وَالْملك الصَّالح وأوقع فِي ذهنهما أَنه لَا يتَمَكَّن من عمل مصَالح السُّلْطَان مَعَ تحدث الْأَمِير شيخو فِي أُمُور الدولة. فَنقل ذَلِك إِلَى شيخو وصرغتمش فَقَامَ صرغتمش على شيخو حَتَّى استعفي من التحدث فِي أُمُور الدولة وقلدوا السُّلْطَان أمرهَا فاستقل بِالتَّدْبِيرِ وَحده. وَجعل الْأَمِير طاز كَأَنَّهُ يتحدث عَنهُ من غير إِظْهَار ذَلِك فاتفق مَعَ الْأَمِير طاز على توفير جملَة من المعاليم المستقرة للمباشرين فوفر مِنْهَا مَا تقدم ذكره وَلم يراع أحدا فَتَنَكَّرت الْقُلُوب لَهُ. وَنقل مَعَ هَذَا الْأَمِير شيخو عَنهُ أَنه أغرى الْملك الصَّالح بِهِ. وعرفه كَثْرَة متاجره وأمواله حَتَّى تنكر عَلَيْهِ وعَلى الْأَمِير صرغتمش. فَلَمَّا توطدت دولة الْملك النَّاصِر حسن تفرغ الْأَمِير شيخو لناظر الْخَاص. وعندما خرج من خزانَة الْخَاص بالقلعة أَخذ وَوضع فِي رقبته باسة وجنزير وكشف رَأسه وتناولته أَيدي النَّاس يضربونه بنعالهم وهم خدام السُّلْطَان ومماليكه بقتْله فلولا من هُوَ مُوكل بِهِ لأتوا على نَفسه ومازالوا بِهِ حَتَّى أدخلوه قاعة الصاحب بالقلعة. وَمَاجَتْ الْقَاهِرَة ومصر بِأَهْلِهَا لسرورهم بذلك فَكَانَ يَوْمًا معدوداً. وَوَقع الطّلب عَلَيْهِ بِحمْل المَال وَبسطت عَلَيْهِ الْعُقُوبَات بأنواعها. وَتَوَلَّى تعذيبه عدوه خَالِد بن دَاوُد فَقبض على أَخِيه كريم الدّين نَاظر الْبيُوت وعَلى الزامه وأصهاره وَأَتْبَاعه. وَولى مجد الدّين مُوسَى الهذبانى شاد الدَّوَاوِين فعظمت مصيبتهم وجلت بلاياهم فَإِنَّهُ أَدخل على تَاج الدّين. بمزين حلق رَأسه ثمَّ شقّ جلدَة رَأسه بِالْمُوسَى وحشى جراحاته من الخنافس. ثمَّ البس رَأسه طاسة من نُحَاس قد أوقد عَلَيْهِ بالنَّار حَتَّى اشتدت سخونتها فعندما أحست الخنافس بالحرارة سعت لتخرج فَلم تَجِد سَبِيلا فَجعلت تنقب فِي جراحات رَأسه حَتَّى هلك بعد مَا رأى فِي نَفسه العبر من كَثْرَة تنوع الْعَذَاب الاليم عَلَيْهِ. وَاعْتَزل بخبيئة فِي دَاره فَنزل الْأَمِير قشتمر الحاحب ومجد الدّين الهذبانى - شاد الدَّوَاوِين - وخَالِد بن دَاوُد اليها فوجدوا سِتَّة الاف دِينَار. وأبيع موجوده وهدمت دَاره فَكَانَت جملَة مَا أَخذ مِنْهُ عشرَة الاف دِينَار. وَاسْتقر عوضه فِي نظر الْخَاص والجيش علم الدّين عبد الله بن نقولا كَاتب الخزانة. وَاسْتقر كريم الدّين أكْرم بن شيخ فِي نظر الدولة وَنظر الْبيُوت. وَاسْتقر الْفَخر ابْن السعيد - صَاحب وَفِي هَذَا الشَّهْر: قدم الْأَمِير أرغون الكاملى نَائِب حلب فَأكْرم إِكْرَاما زَائِدا
стр. 1614
وخلع عَلَيْهِ وأنعم عَلَيْهِ بإقطاع الْأَمِير طاز من غير زِيَادَة وَهِي منية ابْن خصيب وناحية أُخْرَى. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذِي الْقعدَة: أخرج الْأَمِير أسندمر الْعُمْرَى لنيابة حماة وَنقل الْأَمِير سيف الدّين طبيرق نَائِب حماة إِلَى إمرة بِدِمَشْق. وَنقل الْأَمِير منجك من صفد إِلَى نِيَابَة طرابلس عوضا عَن أيتمش الناصري بعد وَفَاته. وَفِي هَذَا الشَّهْر: ركب السُّلْطَان إِلَى جِهَة الأهرام وَعَاد فَدخل إِلَى بَيت الْأَمِير شيخو يعودهُ وَقد وعك فَقدم لَهُ تقدمة جليلة. وَفِيه خلع على الْأَمِير صرغتمش وَاسْتقر فِي نظر المارستان المنصوري وَكَانَ قد تعطل نظره من متحدث تركي وَانْفَرَدَ بالْكلَام فِيهِ القَاضِي عَلَاء الدّين على بن الأطروش وَفَسَد حَال وَقفه فَإِنَّهُ كَانَ يكثر من مهاداة أُمَرَاء الدولة ومدبريها ويمهل عمَارَة رباعه حَتَّى تشعثت فَنزل اليه الْأَمِير صرغتمش وَدَار فِيهِ على المرضى فساءه مَا رأى من ضياعهم وَقلة الْعِنَايَة بهم فاستدعى القَاضِي ضِيَاء الدّين يُوسُف بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن خطيب بَيت الْآبَار وَعرض عَلَيْهِ التحدث فِي المارستان كَمَا كَانَ عوضا عَن ابْن الأطروش. فَامْتنعَ من ذَلِك فمازال بِهِ حَتَّى أجَاب. وركبا إِلَى أوقاف المارستان بالمهندسين لكشف مَا يحْتَاج اليه من الْعِمَارَة فَكتب تَقْدِير المصروف ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فرسم بِالشُّرُوعِ فِي الْعِمَارَة فعمرت الْأَوْقَاف حَتَّى ترفع مَا فسد مِنْهَا ونودى بحمايه من سكن فِيهَا فَزَاد ريع الْوَقْف فِي الشَّهْر نَحْو أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم وَمنع من يتَعَرَّض اليهم وانصلحت أَحْوَال المرضى أَيْضا. وَعرض الْأَمِير صرغتمش جَمِيع مستحقى الْوَقْف من الْفُقَهَاء والقراء وَغَيرهم وَأكْثر من سُؤَالهمْ ونقب عَن أُمُورهم والزمهم بمواظبة وظائفهم. وفيهَا انْفَتح بَاب السَّعْي عِنْد الْأَمِير شيخو بالبراطيل فِي الولايات فسعى جمَاعَة بأموال فِي عدَّة جِهَات فأجيبوا إِلَى ذَلِك وقرروا فِيمَا أرادوه وَأخذ مِنْهُم مَا وعدوا
стр. 1615
بِهِ مِنْهُم حاجي أستادار ظهير بغا اسْتَقر فِي ولَايَة قوص بمائتين وَخمسين ألف دِرْهَم قَامَ بهَا للسُّلْطَان والأمراء. وَاسْتقر أَيْضا نَاصِر الدّين عمد بن إِيَاس بن الدويدارى فِي كشف الْوَجْه البحري عوضا عَن عز الدّين أزدمر الْأَعْمَى بِنَحْوِ سِتَّة الاف دِينَار. وَكَانَ أزدمر قد عمى من اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَهُوَ لَا يظْهر أَنه أعمى ويركب ويكبس الْبِلَاد ويحضر الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة مَعَ الْأُمَرَاء وَله مَمْلُوك يكون مَعَه حَيْثُ سلك يعرفهُ مَا يُرِيد وَإِذا رأى أحدا يَقْصِدهُ يعرفهُ بِهِ فيستقبله من بعد وَيسلم عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يرَاهُ. وَكَذَا إِذا جلس للْحكم أرشده سرا لما لابد مِنْهُ. وَمَعَ ذَلِك فقد كَانَ لطول مدَّته وتمرنه صَار يعرف أَكثر أَحْوَال العربان ويستحضر أَسْمَاءَهُم فيقوى بذلك على تمشية أُمُوره بِحَيْثُ يخفي على أَكثر النَّاس عماؤه وأنعم عَلَيْهِ بإمرة طبلخاناه. وفيهَا خرج ركب الْحجَّاج الرجبية صُحْبَة الْأَمِير عز الدّين أزدمر الخازندار وَنزل بركَة الْجب على الْعَادة فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشْرين رَجَب. وسافر فِيهِ الطواشي شبْل الدولة كافور الْهِنْدِيّ وقطب الدّين هرماس وَجَمَاعَة من الْأَعْيَان. فَلَمَّا وصل الركب إِلَى بدر لَقِيَهُمْ قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين عبد الْعَزِيز بن جمَاعَة وَقد توجه من الْمَدِينَة النبويه - وَكَانَ مجاوراً بهَا - يُرِيد مَكَّة ليصوم بهَا شهر رَمَضَان. وَعند نزولهم بطن مرو لقبهم الشريف عجلَان أَمِير مَكَّة. فَخلع عَلَيْهِ ومضوا إِلَى مَكَّة فَدَخَلُوهَا معتمرين يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشْرين شعْبَان فَنُوديَ من الْغَد مستهل رَمَضَان الا يحمل أحد من بنى حسن والقواد وَالْعَبِيد سِلَاحا بِمَكَّة فامتنعوا من حمله. وَكَانَ الرخَاء كثيرا كل غرارة قَمح - وَهِي سبع ويبات مصرية - بِثَمَانِينَ درهما والغرارة الشّعير بِخَمْسِينَ
стр. 1616
درهما. الا أَن المَاء قَلِيل بِحَيْثُ نزحت الْآبَار وانقطعت عين جوبان فأغاثهم الله بمطر عَظِيم رووا مِنْهُ. وَحضر أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن أَحْمد الْيُمْنَى - إِمَام الزيدية الَّذِي ضربه عمر شاه أَمِير الركب فِي السّنة الخالية - إِلَى قاضى الْقُضَاة عز الدّين بن جمَاعَة تَائِبًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ من مَذْهَب الزيدية فعقد لَهُ مجْلِس بِالْحرم حَضَره أَمِير الركب وَعَامة أهل مصر وَمَكَّة وأشهدهم أَنه رَجَعَ عَن مَذْهَب الزيدية وتبرأ إِلَى الله تَعَالَى من إِبَاحَة دِمَاء الشَّافِعِيَّة وَأَمْوَالهمْ وَأَنه يواظب على صَلَاة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة مَعَ أَئِمَّة الْحرم وَإِن خرج عَن ذَلِك فعل بِهِ مَا تَقْتَضِيه الشَّرِيعَة وَكتب خطه بذلك. فَقَالَ بَعضهم: استتوبوا الزيدى عَن مَذْهَب قد كَانَ من قبل بِهِ معجبا لَو لم يدارك نَفسه بتوبة لعجل الله لَهُ مذهبا وهبت الرّيح بِمَكَّة من قبل الْيمن أظلم عقبيها الْحرم وفشث الْأَمْرَاض فِي النَّاس حَتَّى لم يكن أحد الا وَبِه وعك الا أَنه كَانَ سليما يحصل الْبُرْء مِنْهُ بعد أُسْبُوع. فَلَمَّا كَانَ شهر شَوَّال ظهر بعد الْعشَاء الْآخِرَة من قبل جبل أبي قبيس كَوْكَب فِي قدر الْهلَال وَأكْثر نورا مِنْهُ وَمر على الْكَعْبَة ثمَّ اختفي بعد ثَلَاثَة درج فَسمع من فَقير يماني وَهُوَ يَقُول: لَا اله الا الله الْقَادِر على كل شَيْء هَذَا يدل على رجل يكون فِي شدَّة يفرج الله عَنهُ وَرجل يكون فِي فرج يصير إِلَى شدَّة وَالله يدبر الْأَمر بقدرته. وَقدم الْخَبَر فِي أخريات شَوَّال بخلع الصَّالح وإعادة السُّلْطَان حسن وَكَانَ اتّفق أَيْضا أَن الشَّيْخ المعتقد أَبَا طرطور قَالَ يَوْمًا: لَا اله الا الله الْيَوْم جلس حسن فِي دست مملكة مصر. وَلم يكن عِنْده سوى الشَّيْخ قطب الدّين أَبى عبد الله مُحَمَّد بن أَبى الثَّنَاء مَحْمُود ابْن هرماس بن ماضي الْقُدسِي الْمَعْرُوف بالهرماس فَقَامَ من فوره إِلَى أَمِير الركب عز الدّين أزدمر وقاضى الْقُضَاة عز الدّين عبد الْعَزِيز بن جمَاعَة وهما بِالْحرم فَجَلَسَ اليهما ثمَّ أطرق وَرفع رَأسه وَقَالَ: لَا اله الا الله الْيَوْم جلس الْملك النَّاصِر حسن فِي دست مملكة مصر عَن الْملك الصَّالح صَالح فَور خوا ذَلِك عنْدكُمْ. فورخه الْأَمِير عز الدّين أزدمر. وَقدم الْخَبَر بخلع الصَّالح وجلوس النَّاصِر حسن فِي ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه. فَمن حِينَئِذٍ ارْتبط الْأَمِير عز الدّين أزدمر على الهرماس وأوصله للسُّلْطَان حسن حَتَّى بلغ مَا بلغ ظنا مِنْهُ أَن الْكَلَام الْمَذْكُور كَانَ من قبله على جِهَة الْكَشْف وَمَا كَانَ الا مِمَّا تلقفه من الشَّيْخ أبي طرطور فنسبه إِلَى نَفسه.
стр. 1617
وفيهَا كَانَ من زِيَادَة النّيل مَا ينْدر وُقُوع مثله فَإِنَّهُ انْتهى فِي الزِّيَادَة إِلَى أَصَابِع من عشْرين ذِرَاعا فَقيل خَمْسَة وَقيل سَبْعَة وَقيل عشرُون أصبعاً من عشْرين ذِرَاعا ففسدت الأقصاب والنيلة وَنَحْوهَا من الزراعات وفسدت الغلال الَّتِي بالمطاصر والأجران والمخازن وتقطعت الجسور الَّتِي بِجَمِيعِ النواحي قبليها وبحريها وتعطلت أَكثر الدواليب وتهدمت دور كَثِيرَة مِمَّا يجاور النّيل والخلجان وغرقت الْبَسَاتِين وفاض المَاء حَتَّى بلغ قنطرة قديدار فَكَانَت المراكب تصل من بولاق اليها ويركب النَّاس فِي المراكب من بولاق إِلَى شبْرًا ودمنهور. وغرقت كوم الريش وَسَقَطت دورها فَركب الْأَمِير عَلَاء الدّين على بن الكوراني وَالِي الْقَاهِرَة والأمير قشتمر الحاحب وَجَمَاعَة. وَقطعت أَشجَار كَثِيرَة وَعمل سد عَظِيم حَتَّى رَجَعَ المَاء عَن الحسينية بعد مَا أشرفت على الْغَرق فَإِن المطرية والاصرية والمنيا وشبرا مَعَ جَمِيع الضواحي بقوا ملقة وَاحِدَة مُتَّصِلَة بالنيل الْأَعْظَم فعز التِّبْن بالنواحي لتلفه كُله وَبلغ كل حمل عشْرين درهما فِي الرِّيف وَوصل فِي الْقَاهِرَة كل حمل إِلَى خَمْسَة وَأَرْبَعين درهما ثمَّ انحط إِلَى خَمْسَة وَعشْرين درهما. وتحسنت الأسعار فَبلغ الأردب الْقَمْح إِلَى سِتَّة وَثَلَاثِينَ درهما والأردب الشّعير إِلَى عشْرين درهما والأردب الفول إِلَى سِتَّة عشر درهما. وشرق مَعَ ذَلِك كثير من بِلَاد الفيوم فَإِن جسرها انْقَطع فَتوجه الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن المحسنى والأمير مجد الدّين مُوسَى الهذبانى والأمير عمر شاه - كاشف الجسور - وَغَيره حَتَّى سدوه وجبوا من بِلَاد الفيوم ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم وبنوا زريبة حجر مَوضِع الجسر حَتَّى أتقنوه ثمَّ عَادوا. وغلا البرسيم الأخصر حَتَّى بلغ
стр. 1618
الفدان بالضواحي إِلَى مِائَتَيْنِ وَخمسين درهما وَفِي غَيرهَا إِلَى مِائَتَيْنِ من قلَّة الأتبان. وانحط سعر الْعَسَل وَالسكر وَتَلفت الْفَوَاكِه جَمِيعهَا وَهَلَكت أَشجَار أَكثر الْبَسَاتِين. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان مِمَّن لَهُ ذكر الْأَمِير سيف الدّين أيتمش المحمدي الناصري نَائِب طرابلس فِي رَمَضَان ترقى فِي الخدم إِلَى أمره الناصري قَرِيبا من سنة أَربع وَعشْرين ثمَّ ولى حاجباً فِي الْمحرم سنة أَربع وَأَرْبَعين وانتقل مِنْهَا إِلَى الوزارة فِي شهر رَمَضَان مِنْهَا فاستمر إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وأعيد إِلَى الحجابة. فَلَمَّا قتل أرغون شاه نَائِب دمشق اسْتَقر عوضه فَقدم دمشق فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمسين وَأقَام بهَا إِلَى رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين فدعى إِلَى مصر وَقبض عَلَيْهِ بهَا وسجن بالإسكندرية ثمَّ أفرج عَنهُ بعد يسير وَأخرج إِلَى صفد وَمِنْهَا لحق بيبغ روس فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ. فَلَمَّا قدم السُّلْطَان إِلَى دمشق وَعرفت سيرته الْحَسَنَة ولى نِيَابَة طرابلس فَمَاتَ بهَا. وَكَانَ لين العريكة وطى الْجَانِب. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي - أَمِير شكار واصر أخور - بطالا بِدِمَشْق. كَانَ من خَواص الناصري فترقى فِي خدمته حَتَّى صَار رَأس نوبَة كَبِير أَمِير مايه وَاسْتقر أَمِير شكار واصر آخور ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَأخرج إِلَى طرابلس ثمَّ نقل إِلَى دمشق فَمَاتَ بهَا فِي عَاشر رَمَضَان وَكَانَ حاد الْخلق. وَمَات جمال الدّين أَبُو الطِّبّ الْحُسَيْن ابْن قاضى قُضَاة دمشق تَقِيّ الدّين أَبى الْحسن على بن عبد الْكَافِي بن على بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام الْأنْصَارِيّ السُّبْكِيّ بِدِمَشْق فِي يَوْم السبت ثَانِي شهر رَمَضَان ومولده. بِمصْر سنة إِحْدَى وَعشْرين. كتب بديوان الْإِنْشَاء فِي وزارة أَبِيه ثمَّ ولى اسْتِيفَاء الصُّحْبَة. وتقلد فِي سنة
стр. 1619
تسع وَثَلَاثِينَ إِلَى نظر الدولة وَاسْتقر عوضه فِي اسْتِيفَاء الصُّحْبَة أَخُوهُ كريم الدّين حَتَّى أمسك مَعَ أَبِيه فِي نوبَة النشو وعوقبوا. ثمَّ توجه بعد موت أَبِيه إِلَى الْقُدس وَأقَام بِهِ مُدَّة. ثمَّ طلب وَولى نظر الْبيُوت فاستعفى مِنْهَا وَولى نظر النظار بِالشَّام. ثمَّ استعفى مِنْهَا أَيْضا وَقدم الْقَاهِرَة حَتَّى ولى نظر الْجَيْش بعد ابْن زنبور وأضيف اليه نظر الْخَاص وَكَانَ فَاضلا كَرِيمًا درس بعدة مَوَاضِع. توفّي تَاج الدّين أَبُو الفضايل أَحْمد بن الصاحب أَمِين الْملك عبد الله بن غَنَّام فِي رَابِع شَوَّال تَحت الْعقُوبَة كَمَا تقدم. وَهُوَ أحد كتاب مصر المعدودة وَكَانَ يخْدم جريدته بِيَدِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى كشف عَامل وَلَا غَيره بل يكَاد أَن يعْمل محاسبة كل أحد من ذهنه لفرط ذكائه وَشدَّة فطنته مَعَ الْعِفَّة وَالْأَمَانَة أَو التشدد على النَّاس والتوفير من الأرزاق حَتَّى لم يعْهَد أَنه جرى على يَده رزق لأحد بل مَا برح يومر المَال للسُّلْطَان إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ. وَكَانَ لَا يُرَاعى أحدا وَلَا يحابى وَيكثر من المحاققة والضبط. توفّي الْأَمِير سيف الدّين أياجى نَائِب قلعة دمشق وَتوفى الشريف عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن على بن عز الدّين حَمْزَة بن الْفَخر على بن الْحسن الْحسن بن زهرَة بن الْحسن بن زهرَة الْحُسَيْنِي الْحلَبِي نقيب الْأَشْرَاف بحلب. قدم الْقَاهِرَة وَكتب بديوان الْإِنْشَاء مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى حلب وَولى وكَالَة بَيت المَال ونقابة الْأَشْرَاف لَهَا حَتَّى مَاتَ وَقد أناف على السّبْعين. وَتُوفِّي الْوَزير الصاحب موفق الدّين أَبُو الْفضل هبة الله بن سعيد الدولة إِبْرَاهِيم فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشْرين ربيع الآخر. وَكَانَ كَاتبا مجيداً مشكور السِّيرَة. لَهُ بر ومعروف. بَاشر أَولا نظر الدولة ثمَّ تنقل إِلَى الوزارة فَلم يزل وزيراً حَتَّى مَاتَ وَدفن بتربته من الْقَاهِرَة وَكَانَت جنَازَته حفلة. وَتُوفِّي متملك الأندلس أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن فرج بن الْأَحْمَر فِي صَلَاة عيد الْفطر طعن بخنجر وَهُوَ ساجد فَكَانَت منيته.
стр. 1620
وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة بِبِلَاد الشرق عضد الدّين عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الْغفار بن أَحْمد الإيجي المطرزي الْمَعْرُوف بالعضد الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِي مسجوناً فِي سخط صَاحب كرمان ومولده سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة. وَله شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي الْأُصُول ﷺ المواقف وَكتاب الْقَوَاعِد الغياثية. وَكَانَ إِمَامًا فِي المعقولات والنحو وَالْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان مشاركاً فِي الْفِقْه. وَله سَعَادَة ضخمة وَكلمَة نَافِذَة. وولاه أَبُو سعيد الْقَضَاء وَسكن سلطانية ثمَّ شيراز. وَبَينه وَبَين فَخر الدّين أَحْمد بن الْحسن الجاربردى مناظرات
стр. 1621
فارغه
стр. 1622
(سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة)
فِي الْمحرم: شرع الْأَمِير شيخو فِي هدم أَمْلَاك ابتاعها بِخَط صليبة جَامع ابْن طولون. فَكَانَت مساحتها زِيَادَة على فدان واختط موضعهَا خانكاه وحمامين وحوانيت يعلوها رباع. وجد فِي بنائها بِحَيْثُ أَنه عمل فِيهَا بِنَفسِهِ ومماليكه حَتَّى انْتَهَت عمارتها وَأشْهد عَلَيْهِ بوقفها. ووقف عَلَيْهَا عدَّة جِهَات بِأَرْض مصر وَالشَّام. ورتب بهَا دروس الْفِقْه للمذاهب الْأَرْبَعَة وشيخاً للصوفية ومدرساً للْحَدِيث النَّبَوِيّ وشيخاً لإقراء الْقُرْآن الْكَرِيم بالقراءات السَّبع وَغير ذَلِك من الفراشين والقومة والمباشرين. وَشرط على الْفُقَهَاء والصوفية الا يتَزَوَّج مِنْهُم الا طَائِفَة عينهم من كل مَذْهَب وَأَن يُقيم العزاب بالخانكاه لَيْلًا وَنَهَارًا. وَشرط الا يكون فيهم وَلَا مِنْهُم قَاض وَلَا شَاهد يتكسب بتحمل الشَّهَادَة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم عَرَفَة مِنْهَا ركب فِي جمَاعَة الْأُمَرَاء وأعيان الدولة وقضاة الْقُضَاة ومشايخ الْعلم إِلَى هَذِه الخانكاه. وَقد قرر فِي تدريس الشَّافِعِيَّة بهاء الدّين أَحْمد ابْن الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين على بن عبد الْكَافِي السُّبْكِيّ وَالشَّيْخ خَلِيل الجندي فِي تدريس الْمَالِكِيَّة وَالْقَاضِي نَاصِر الدّين نصر الله فِي تدريس الْحَنَابِلَة شَرِيكا لقَاضِي الْقُضَاة موفق الدّين عبد الله الْحَنْبَلِيّ. والقى المدرسون الثَّلَاثَة دروس الْفِقْه على مذاهبهم وطلبتهم قد تحلقوا بَين أَيْديهم فِيمَا بَين الظّهْر إِلَى الْعَصْر. فَلَمَّا صلوا الْعَصْر فرش الْأَمِير شيخو سجادة مشيخة التصوف بِيَدِهِ وأجلس الشَّيْخ أكمل الدّين مُحَمَّد بن مَحْمُود الْحَنَفِيّ عَلَيْهَا. ثمَّ لما انْقَضى الْحُضُور انْفَضُّوا. فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وَلم يسخر فِي بنائها أحد من المقيدين الَّذين بالسجون كَمَا هِيَ عَادَة أُمَرَاء الدولة فِي عمايرهم وَلَا سخر من النَّاس أحدا بِغَيْر أُجْرَة فِي شَيْء من أَعمال هَذِه الخانكاه بل كَانَت توفى للعمال أجرهم. وَأنْشد أدباء الْعَصْر فِي هَذِه الخانكاه عدَّة أشعار مِنْهَا قَول الأديب صَلَاح الدّين صَلَاح بن الزين لبيكم: لقد شاد شيخو خانكاه بديعة تفوق على الرَّوْض المكلل بالندا بناها وَلم يعْمل بهَا من مُقَيّد وَلَكِن على أهل الوظايف قيدا
стр. 1623
وَقَالَ الأديب شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الْوَاحِد الشهير بِابْن أبي حجلة المغربي من مقَامه عَملهَا فِي الخانكاه الْمَذْكُورَة: ومدرسة للْعلم فِيهَا مَوَاطِن فشيخو بهَا فَرد وإيثارة جمع لَئِن بَات فِيهَا فِي الْقُلُوب مهابة فواقفها لَيْث وأشياخها سبع وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي صفر: عزل تَاج الدّين مُحَمَّد بن علم الدّين مُحَمَّد بن أَبى بكر الأخنائي عَن وَاسْتقر فِي قَضَاء الْمَالِكِيَّة الشَّيْخ نور الدّين أَبُو الْحسن على بن عبد النصير بن عَليّ السخاوي فَمَرض بعد شهر وَلزِمَ الْفراش حَتَّى مَاتَ بعد اثْنَيْنِ وَسبعين يَوْمًا بعد مَا أَفَاق من مَرضه إفاقة. وبلغه أَنه لما أيس مِنْهُ عزل فَسَالَ الْأَمِير شيخو أَن بجدد السُّلْطَان لَهُ ولَايَة فَخلع عَلَيْهِ وَعمل الْأَمِير شيخو وَلِيمَة لعافيته فَمَاتَ يَوْم الثَّامِن من الْوَلِيمَة فاستدعى تَاج الدّين الإخنائي وخلع عَلَيْهِ وأعيد إِلَى قَضَاء الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة مَعَ نظر خزانَة الْخَاص فاستناب فِي نظر الْخَاص أَخَاهُ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم. وَفِيه كتب توقيع لتاج الدّين عبد الْوَهَّاب بن تَقِيّ الدّين على السُّبْكِيّ بِأَن يكون نَائِبا عَن أَبِيه فِي قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق ومستقلاً بعد وَفَاته. ورسم بِحُضُور التقى إِلَى
стр. 1624
الْقَاهِرَة بسعى وَلَده بهاء الدّين أَحْمد فِي ذَلِك فكتم التقى عَن أهل دمشق هَذَا وَخرج - وَهُوَ مَرِيض - فِي محفة ليزور الْقُدس فَقدم الْقَاهِرَة وَقد اشْتَدَّ مَرضه فَمَاتَ بعد أَيَّام. وَاسْتقر عوضه فِي قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق ابْنه تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب. وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع صفر: قبض على الْأَمِير أرغون الكاملي خوفًا من شَره وسجن بالإسكندرية. وَاسْتقر كريم الدّين أكْرم ابْن شيخ فِي نظر الدولة وأعيد شهَاب الدّين أَحْمد بن ياسين بن مُحَمَّد الريَاحي إِلَى قَضَاء الْمَالِكِيَّة بحلب بعد وَفَاة زين عمر بن سعيد يحيى التلمستاني المغربي. وَاسْتقر خَالِد بن دَاوُد شاد الدَّوَاوِين بأمرة عشرَة وَلبس الشربوش فِي يَوْم عاشرة وَاسْتقر الْحَاج مُحَمَّد بن يُوسُف مقدم الدولة عوضا عَن الْحَاج أَحْمد بن زيد. والزم ابْن زيد بِحمْل ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فحملها فتتبع ابْن يُوسُف أثاره حَتَّى أظهر لَهُ من دفائن وودائع نَحْو أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم. ثمَّ صرف ابْن يُوسُف وأعيد ابْن زيد. وَقبض على ابْن يُوسُف وعَلى خَالِد بن دَاوُد شاد الدَّوَاوِين وسلما لِأَحْمَد بن زيد فعاقبهما والزمهما بِحمْل المَال فَلم يزل خَالِد فِي الْعقُوبَة حَتَّى مَاتَ وأنعم السُّلْطَان على وَلَده الْأَمِير أَحْمد بإمرة مائَة تقدمة الف وأفرد لَهُ ديواناً. وَقدم الْخَبَر بهجوم الفرنج على طرابلس الغرب وَأَخذهَا وَقتل عَامَّة أَهلهَا. فَلَمَّا بلغ ذَلِك أَبُو عنان فَارس بن أَبى الْحسن عَليّ بن يَعْقُوب - متملك فاس - اشْتَرَاهَا من الفرنج. بِمَال كَبِير وعمرها. وَفِيه سَافر الْأَمِير عمر شاه إِلَى الصَّعِيد وَقد خرج سودى بن مَانع وَأَخُوهُ عَن الطَّاعَة فَأَخذهُمَا ووسطهما فِي عدَّة من أصحابهما وَعَاد. وَفِيه قدم أَوْلَاد قراجا بن دلغادر بتقادم فأعيد كَبِيرهمْ إِلَى الإمرة. وَقدم الْأَمِير فياض بن مهنا بقول جليل فَأكْرم وأجريت لَهُ الرَّوَاتِب على الْعَادة
стр. 1625
فشفع فِي الشريف ثفبة فأفرج عَنهُ وَعَن أَخِيه وَابْن عَمه مغامس فأقاموا مُدَّة قَليلَة ثمَّ فر ثقبة إِلَى مَكَّة فَطلب فَلم يقدر عَلَيْهِ. وَفِي سَابِع جُمَادَى الأولى: أُعِيد تَاج الدّين مُحَمَّد الأخنائي إِلَى قَضَاء الْمَالِكِيَّة بعد موت نور الدّين على السخاوى. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس جُمَادَى الْأُخَر: ولد للاصر شيخو ولد ذكر من أبنة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فاحتفل احتفالاً زَائِد فِي عقيقته وَمَات الْوَلِيد بعد أَيَّام وعميت أمه عقيب وِلَادَته. وَفِي خَامِس عشره قطعت يَد الشريف المزور وَضرب أَصْحَابه بالمقارع وشهروا وَكَانَ فِي التزوير ومحاكاة الخطوط عجبا وسجن بِسَبَب ذَلِك مرَارًا. وَفِيه سقط مطر فِي غير أَوَانه عَم الْوَجْه البحري وَنزل مَعَه برد قتل عدَّة أَغْنَام كَثِيرَة بلغ وزد الْبردَة أُوقِيَّة وأوقيتين وَمِنْهَا مَا نزل فِي قدر الرَّغِيف الْكَبِير. وَتلف زرع كثير من السَّيْل وهبت قبل هَذِه المطرة ريح عَاصِفَة غرق مِنْهَا عدَّة مراكب. وَفِي هَذِه السّنة: ابْتَدَأَ الْأَمِير صرغتمش فِي هدم مسَاكِن بجوار الْجَامِع الطولوني واختط موضعهَا مدرسة فِي خَامِس رَمَضَان وكشف أوقاف الْجَامِع بِنَفسِهِ ورم شعثها. وَقدم الْخَبَر بِأَن فِي شهر ربيع الآخر أمْطرت السَّمَاء بِأَرْض الرّوم بردا أهلك مِنْهُ نَحْو مائَة وَخمسين قَرْيَة فَجَعلهَا دكاً وَكَاد وزن الْبردَة الْوَاحِدَة نَحْو رَطْل وَثلث بالحلبي وَذَلِكَ فِي شهر نيسان. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان مِمَّن لَهُ ذكر شهَاب الدّين أَحْمد بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن الْفُرَات الْمَالِكِي - موقع الحكم - فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ عَاشر ذِي الْقعدَة وَكَانَ عَاقِلا دينا فَاضلا.
стр. 1626
وَتُوفِّي الشَّيْخ الإِمَام قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن على بن زين الدّين عبد الْكَافِي بن على بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام بن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن سوار بن سليم الْأنْصَارِيّ السُّبْكِيّ بحزيرة النّيل من شاطىء النّيل خَارج الْقَاهِرَة فِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ رَابِع جُمَادَى الآخر. ومولده فِي صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بِنَاحِيَة سبك من المنوفية أحد أَعمال مصر. قَرَأَ الْقرَاءَات على التقى الصايغ وَالتَّفْسِير على الْعلم الْعِرَاقِيّ وَسمع على الْحَافِظ الدمياطي وتفقه للشَّافِعِيّ وَولى قَضَاء دمشق بعد الْجلَال الْقزْوِينِي فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وانتهت اليه رياسة الْعلم. وَتُوفِّي قاضى الْقُضَاة الْمَالِكِي نور الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد النصير بن عَليّ السخاوي الْمَالِكِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ رَابِع جُمَادَى الأولى وَدفن بالقرافة. وَتُوفِّي زين الدّين أَبُو حَفْص عمر بن سعيد بن يحيى التلمساني الْمَالِكِي قَاضِي قُضَاة الْمَالِكِيَّة بحلب عَن نَيف وَسِتِّينَ سنة مِنْهَا فِي قَضَاء حلب نَحْو خمس سِنِين. وَتُوفِّي تَاج الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْحق السَّعْدِيّ البارنباري كَاتب سر طرابلس وَله شعر جيد. وَتُوفِّي الأديب الشَّاعِر شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله
стр. 1627
يلقب بالضفدع ويشهر بالخياط الدِّمَشْقِي فِي طَرِيق الْحجاز. قدم الْقَاهِرَة ومدح الْأَعْيَان وَجمع شعره فِي عدَّة أَجزَاء وتكسب بتحمل الشَّهَادَة فِي دمشق. وَكَانَ لَا يُؤمن هجوه لطول لِسَانه وتعرضه لكل أحد. وَتُوفِّي الْعَلامَة شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف بن مُحَمَّد الْحلَبِي النَّحْوِيّ المقرىء الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن السمين فِي عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة. قَرَأَ النَّحْو على أَبى حَيَّان والقراءات على التقى الصايغ وَسمع بِآخِرهِ من يُونُس الدبابيسي وتصدر للإقراء بِجَامِع ابْن طولون. وناب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ وَولى نظر الْأَوْقَاف وصنف تَفْسِير الْقُرْآن فَأطَال فِيهِ جدا حَتَّى جَاءَ فِي عشْرين سفرا كبارًا وصنف إِعْرَاب الْقُرْآن وَشرح التسهيل والشاطبية. وَكَانَ فَقِيها بارعاً فِي النَّحْو وَالتَّفْسِير وَعلم الْقرَاءَات وَتكلم فِي علم الْأُصُول وَكَانَ خيرا دينا. وَتُوفِّي فَخر الدّين عُثْمَان بن علم الدّين يُوسُف بن أبي بكر بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ النويري الْمَالِكِي فِي ذِي الْحجَّة. ومولده سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة. وَحفظ الْمُوَطَّأ وَسمع على جمَاعَة. بِمصْر وَالشَّام والحرمين وتفقه ودرس وَأفْتى وَأحكم الْمَذْهَب. وَكَانَ كثير الْحَج والمجاورة والتاله. وَمَات الْأَمِير قبلاى النَّائِب يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث ربيع الأول. وَمَات شهَاب الدّين شَاهد الْجَيْش يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث عشْرين صفر. وَمَات زين الدّين الْخضر بن تَاج الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين الْخضر بن جمال عبد الرَّحْمَن بن علم الدّين سُلَيْمَان بن نور الدّين على الْمَعْرُوف بِابْن الزين خضر فِي آخر ربيع الأول. ومولده سنة عشر وَسَبْعمائة. سمع على الْحجاز وَقَرَأَ فِي النَّحْو وَغَيره وَكتب فِي الْإِنْشَاء ونوه بِهِ كَاتب السِّرّ عَلَاء الدّين على بن فضل الله وَاعْتمد عَلَيْهِ وَأقرهُ يكْتب بَين يَدي نَائِب السلطة وَكَانَ يكْتب سَرِيعا من رَأس الْقَلَم مَا شَاءَ وَكَانَ ينْطق بِالْجِيم كافاً. وَمَات الْأَمِير ملك آص فِي ثامن عشر رَمَضَان بِدِمَشْق وَكَانَ جاشنكير ثمَّ ولى
стр. 1628
شاد الدَّوَاوِين بِدِمَشْق ونيابة جعبر وسجن بالإسكندرية ثمَّ أَقَامَ بِدِمَشْق بطالا حَتَّى مَاتَ. وَمَات الْأَمِير قردم بِدِمَشْق يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان. كَانَ أَمِير أخور ثمَّ أخرج إِلَى دمشق بطالا وَقبض عَلَيْهِ ثمَّ صَار بِدِمَشْق من جملَة الْأُمَرَاء حَتَّى مَاتَ. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 1629
فارغه
стр. 1630
(سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة)
فِيهَا ولى أويس بن الشَّيْخ حسن بن أقبغا بن أيلكا لسطان بَغْدَاد بعد موت أَبِيه. وَولى كَمَال الدّين أَبُو الْقَاسِم عمر بن الْفَخر بن عَمْرو عُثْمَان بن هبة الله المعري قَضَاء الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بحلب بعد وَفَاة نجم الدّين مُحَمَّد الزرعي. وهجم على طرابلس الشَّام الفرنج فِي عدَّة شوانى وأفسدوا ثمَّ عَادوا. وَوَقع حريق بِمَدِينَة دمشق فَتلف مِنْهُ عدَّة مَوَاضِع ظَاهر بَاب الْفرج مِنْهَا سِتّمائَة حَانُوت سوى الْبيُوت عدم فِيهَا مَا تزيد قِيمَته على ألف الف دِرْهَم. ثمَّ وَقع حريق آخر بالعقيبة - ثمَّ حريق آخر بالصالحية وحريق أخر دَاخل بَاب الصَّغِير مثل الْحَرِيق الَّذِي بِبَاب الْفرج. ثمَّ وَقع فِي أَمَاكِن أُخْرَى من الْبَلَد. وَاسْتولى الفرنج على صيدا وَقتلُوا وأسروا وَقتل مِنْهُم أَيْضا جمَاعَة وعادوا. وَفِي شهر ربيع الأول: هبت بِالْقَاهِرَةِ ومصر ريح غَرِيبَة من أول النَّهَار إِلَى الْمغرب اصفر مِنْهَا الجو ثمَّ احمر ثمَّ اسود. واستمرت الرّيح إِلَى نصف اللَّيْل فَسَقَطت عدَّة أَمَاكِن وامتلأت الأَرْض من تُرَاب أصفر ثمَّ أمْطرت السَّمَاء وَسكن الرّيح. وفيهَا كمل بِنَاء مدرسة الْأَمِير صرغتمش بجوار جَامع أَحْمد بن طولون. ورتب فِي تدريس الْحَنَفِيَّة بهَا قوام الدّين أَمِير كَاتب بن أَمِير عمر بن أَمِير غَازِي أَبُو حنيفَة الفارابي الأتقائي الْحَنَفِيّ وَقرر عِنْده عدَّة من طلبة الْحَنَفِيَّة وَشرط أَن يَكُونُوا أفاقية وَعمل
стр. 1631
بهَا درسا للْحَدِيث النَّبَوِيّ وَحضر فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تاسعه صرغتمش وَمَعَهُ الْأُمَرَاء والقضاة والمشايخ فَألْقى القوام الدَّرْس ثمَّ مد سماط جليل وملئت الْبركَة سكرا مذابا فَأكل النَّاس وَشَرِبُوا ثمَّ انْفَضُّوا. وفيهَا يَقُول الْعَلامَة شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الصايغ الْحَنَفِيّ: لِيَهنك يَا صرغتمش مَا بنيته لأخراك فِي دنياك من حسن بُنيان بِهِ يزدهي الرخيم كالزهر بهجة فَللَّه من زهر وَللَّه من بَان وَقَالَ النَّقِيب صَلَاح الدّين صَلَاح بن الزين لبيكم الرِّفَاعِي: صَرْغَتمش قد شاد يَا حبذا مدرسة بديعة فائقة كَأَنَّهَا من حسنها جنَّة وَقد غَدَتْ قبابها شاهقة وَقد حكى رخامها رَوْضَة أزهارها من طيبها عابقة وَقَالَ الشهَاب أَحْمد بن أَبى حجلة: وَقد أنبت التَّرْخِيم فِي مِحْرَابهَا زاهراً كدر قلائد العقيان فَكَأَنَّهُ كسْرَى أنو شرْوَان قد وضعُوا عَلَيْهِ التَّاج فِي الإيوان لَو لم يبت وَأَبُو حنيفَة شيخها ماشبهت بشقائق النُّعْمَان حبر يطوف بِمصْر بَحر علومه حَتَّى كَأَن النَّاس فِي طوفان يثنى إِلَيْهِ الْعلم فضل زَمَانه وَأَبُو حنيفتنا الإِمَام الثَّانِي وفيهَا أَمر بإحضار الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن نباتة الْمصْرِيّ من دمشق فَقدم الْقَاهِرَة فَلم ينجح سَعْيه وَأقَام خاملاً.
стр. 1632
وفيهَا وَقع حريق عَظِيم بِبِلَاد السَّاحِل وأراضي كسروان من بِلَاد الشَّام عَم من بِلَاد طرابلس إِلَى مُعَاملَة بيروت أتلف كثيرا من الْوَحْش والأمتعة وَشَجر الزَّيْتُون. وَكَانَ عجبا من الْعجب فَإِن ورقة من شَجَرَة سَقَطت فِي بَيت فَاحْتَرَقَ جَمِيع مَا فِيهَا واستمرت ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ وَقع مَطَرا فأطفاه. وفيهَا عمرت مَدِينَة عمان من البلقاء للأمير صَرْغَتمش وَنقل إِلَيْهَا الْولَايَة وَالْقَضَاء من حسبان وَجعلت أم تِلْكَ الْبِلَاد. وَهِي بلد قديم من بِنَاء عمان ابْن أخي لوط بناها بعد هَلَاك قوم لوط. وَقيل هِيَ مَدِينَة دقيانوس الْملك الَّذِي أخرج مِنْهَا أَصْحَاب الْكَهْف والرقيم هُنَاكَ مَوضِع وفيهَا ولى شَيخنَا الشَّيْخ جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي وكَالَة بَيت المَال بعد وَفَاة الشريف شرف الدّين على نقيب الْأَشْرَاف. وَولى نقابة الْأَشْرَاف الشريف شهَاب الدّين بن أبي الركب. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان مِمَّن لَهُ ذكر شرف الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَنَاوِيّ الشَّافِعِي فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس شهر رَجَب نَاب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ وتفقه وشارك فِي الحَدِيث وَأفْتى ودرس وَشرح فَرَائض الرسيط. وَتوفى كَمَال الدّين أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مهْدي النشائي الشَّافِعِي فِي يَوْم الْأَحَد حادي عشر صفر. ومولده فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة
стр. 1633
سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة. تفقه على أَبِيه وبرع ودرس بالجامع الخطيري ببولاق. وَهُوَ أول من ولى خطابته وإمامته وتدريسه. وصنف كتاب جَامع المختصرات وَكتاب الْمُنْتَقى وعلق على التَّنْبِيه استدراكات. وَمَات متملك بَغْدَاد الشَّيْخ حسن بن حُسَيْن بن أقبغا بن أيلكان التتري سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو وَكَانَت مدَّته سبع عشرَة سنة. وَتوفى الشريف شرف الدّين أَبُو الْحسن على بن حُسَيْن بن مُحَمَّد الْحُسَيْنِي نقيب الْأَشْرَاف ووكيل بَيت المَال ومحتسب الْقَاهِرَة فِي ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة. مولده سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة. حدث وتفقه للشَّافِعِيّ وَقَرَأَ النَّحْو ودرس بالمشهد الْحُسَيْنِي والمدرسة الفخرية وَكتب توضيح الْحَاوِي وأقرأه بِمَكَّة فِي مجاورته سنة إِحْدَى وَخمسين. وَتُوفِّي نجم الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن فَخر الدّين عُثْمَان بن أَحْمد بن عَمْرو بن مُحَمَّد الزرعي الْحلَبِي الْفَقِيه الشَّافِعِي قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بحلب. فَكَانَت مدَّته نَحْو سِتّ سِنِين. وَكَانَ فَاضلا ممدحاً أديباً ماهراً فِي النثر مَعَ معرفَة بالفقه وَالْأُصُول والنحو.
стр. 1634
سنة ثَمَان وخسمين وَسَبْعمائة فِيهَا قبض على ابْن الزبير نَاظر الدولة وعوقب حَتَّى هلك. وفى جُمَادَى الآخر: خلع على شمس الدّين مُحَمَّد ابْن الصاحب مدرس الصاحبية والشريفية. بِمصْر وَاسْتقر محتسب الْقَاهِرَة بعد وَفَاة عَلَاء الدّين عَليّ بن الأطروش. وَاسْتقر شَيخنَا سراج الدّين الْهِنْدِيّ عوضه فِي قَضَاء الْعَسْكَر. وَفِي يَوْم الْخَمِيس ثامن شعْبَان: وثب قطا وقجا - وَيُقَال باي قجا - أحد المماليك السِّلَاح دارية على الْأَمِير شَيْخُو وَهُوَ بدار الْعدْل وضربه بِسيف ثَلَاث ضربات فِي رَأسه وَوَجهه وذراعه فَسقط وَارْتجَّ الْمجْلس. وَقَامَ السُّلْطَان عَن كرْسِي الْملك إِلَى قصره فِي خاصكيته وتفرق الْأُمَرَاء. وطار الْخَبَر بِأَن الْأَمِير شيخو قتل فَركب الْأَمِير خَلِيل ابْن قوصون - ربيب شيخو وَلبس آلَة الْحَرْب وسَاق فِي عدَّة وافرة إِلَى القلعة وصعدها. بِمن مَعَه وهم ركاب إِلَى رحبة دَار الْعدْل. وَحمل شيخو على جنوية - على أَنه قد مَاتَ - إِلَى إصطبله. وَركب الْعَسْكَر جَمِيعهم إِلَى تَحت القلعة بِالسِّلَاحِ. وَركب الْأَمِير صرغَتمش فِي عدَّة من الْأُمَرَاء إِلَى الْأَمِير شيخو فوجدوا بِهِ رمقاً فاعتذروا إِلَيْهِ مِمَّا وَقع وَأَنه لم يكن يعلم السُّلْطَان وَأَنه قبض على الْغَرِيم وَأمر بتسميره وتوسيطه. ثمَّ قَامُوا فسمر الْمَذْكُور وطيف بِهِ على جمل ثمَّ وسط بعد مَا قرر فَلم يقر على أحد. وَقَالَ: قدمت لَهُ قصَّة لينقلني من الجامكية إِلَى الإقطاع فَلم يفعل فَبَقيَ فِي نَفسِي مِنْهُ وَركب السُّلْطَان من الْغَد لعيادة شَيْخُو وَحلف لَهُ أَنه لم يعلم. بِمَا جرى حَتَّى وَقع ثمَّ عَاد. فمازال شيخو صَاحب فرَاش حَتَّى مَاتَ يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشْرين ذِي الْقعدَة وَدفن من الْغَد بخانكاته وقبره بهَا وَكَانَ قد قَارب السِّتين سنة. وَكَانَ كثير الْمَعْرُوف وَهُوَ أول من قيل لَهُ الْأَمِير الْكَبِير بِمصْر. وَفِي شعْبَان: قدم رسل السُّلْطَان جَانِبك بن أزبك فَركب الْعَسْكَر من الْأُمَرَاء والمماليك والمقدمين وأجناد الْحلقَة إِلَى لقائهم بالزي الفاخر. وتمثلوا بَين يَدي السُّلْطَان
стр. 1635
وَقدمُوا مَعَهم من الْهَدِيَّة، وَهِي عدَّة مماليك، وفرو سمور، وطيور جوارح. فَكتب جوابهم وأعيدوا. وَفِي هَذَا الشَّهْر: حملت جَارِيَة بِدِمَشْق من عُتَقَاء الْأَمِير تمر المهمندار قَرِيبا من سبعين يَوْمًا ثمَّ طرحت أَرْبَعَة عشر بِنْتا وصبياً يعرف الذّكر من الْأُنْثَى فِي نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَلما مَاتَ شيخو قبض السُّلْطَان على الْأَمِير خَلِيل بن قوصون وَغَيره من أَتبَاع شيخو فيهم الْأَمِير قجا السِّلَاح دَار أَمِير شكار والأمير تقطاى الدوادار والأمير قطلوبغا الذَّهَبِيّ وأرغون الطرخاني فنفي بَعضهم إِلَى الشَّام وسجن بَعضهم بالإسكندرية وَانْفَرَدَ الْأَمِير صرغتمش بتدبير الدولة. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة: اسْتَقر الْأَمِير تنكزبغا أَمِير مجْلِس والأمير أزدَمُر الخازندار أَمِير سلَاح والأمير كشتمر القاسمي حَاجِب الْحجاب والأمير علم دَار دوادارا كَبِيرا. وأنعم على يلبغا الْعمريّ الخاصكي بإمارة طبلخاناه وعَلى مَنْكلى بُغا بإمرة طبلخاناه وعَلى أيْدَمُر بإمرة طبلخاناه وعَلى طَيبغا الطَّوِيل بإمر طبلخاناه. وَاسْتقر قطب الدّين ابْن عرب فِي حسبَة الْقَاهِرَة بعد وَفَاة شمس الدّين مُحَمَّد ابْن الصاحب فَجْأَة وَهُوَ رَاكب على بغلته بَين القصرين فَسقط عَنْهَا فَلَا يدرى أمات فَسقط أَو سقط فَمَاتَ. وَاسْتقر تَاج الدّين بن الريشة فِي نظر الدولة. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان قَاضِي قُضَاة الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق نجم الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْعِمَاد أبي الْحسن عَليّ ابْن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْمُنعم بن عبد الصَّمد الطرسوسي الْحَنَفِيّ عَن أَرْبَعِينَ سنة. وَكَانَ مشكور السِّيرَة صنف كتاب رفع الكلفة عَن الأخوان فِي ذكر مَا قدم الْقيَاس على الِاسْتِحْسَان وَكتاب الاختلافات الْوَاقِعَة فِي المصنفات
стр. 1636
وَكتاب مَنَاسِك الْحَج - مطولا - وَكتاب مَحْظُورَات الْإِحْرَام وَكتاب الإشارات فِي ضبط المشكلات - عدَّة مجلدات - وَكتاب الْفَتَاوَى فِي الْفِقْه وَكتاب الْإِعْلَام فِي مصطلح الشُّهُود والحكام وَكتاب الفوايد الْمَنْظُومَة فِي الْفِقْه. وَمَات شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن عبد المحسن العسجدي الشَّافِعِي وَقد قَارب الثَّمَانِينَ. وَمَات الْأَمِير أرغون الكاملي بالقدس فِي تِلْكَ السّنة أَصله من مماليك الْكَامِل شعْبَان بن النَّاصِر مُحَمَّد فترقى فِي الخدم حَتَّى صَار من أُمَرَاء الألوف وَولى نِيَابَة حلب ونيابة دمشق ثمَّ قبض عَلَيْهِ وسجن ثمَّ نفي إِلَى الْقُدس فَمَاتَ بهَا. وَتُوفِّي الشَّيْخ قوام الدّين أَبُو حنيفَة أَمِير بن كَاتب بن أَمِير عمر بن أَمِير غَازِي الفارابي الْأَتْقَانِيّ فِي شَوَّال ولى تدريس مشْهد الإِمَام أَبى حنيفَة - رَحمَه الله تَعَالَى - بِبَغْدَاد ثمَّ قدم إِلَى الشَّام فاستدعى مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَة واختص بالأمير صَرْغَتمش وَعمل لَهُ درساً بِجَامِع المارديني ثمَّ وَتوفى محب الدّين أَبُو عبد الله مَحْمُود بن عَلَاء الدّين على بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف القونوي الشَّافِعِي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن عشْرين ربيع الآخر. درس بِالْمَدْرَسَةِ الشريفية من الْقَاهِرَة وبالجامع المارديني. وَشرح كتاب ابْن الْحَاجِب فِي الْأُصُول وَكتب تَعْلِيقه فِي الْفِقْه وَكتب إعتراضات على شرح الْحَاوِي فِي الْفِقْه لِأَبِيهِ. وَتُوفِّي عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن الأطروش الْحَنَفِيّ محتسب الْقَاهِرَة وقاضي الْعَسْكَر فِي تِلْكَ السّنة. حدث وَكَانَ فِيهِ كرم وَهُوَ مَعْدُود من رجال الدُّنْيَا فِي مَعْنَاهُ. وَله منازعات مَعَ الضياء الشَّامي فِي نظر المارستان وحسبة الْقَاهِرَة. وَكَانَ يَلِي هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة. وَولى أَولا حسبَة دمشق. وَكَانَ أَبوهُ يَبِيع السقط.
стр. 1637
فارغه
стр. 1638
(سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة)
أول الْمحرم: اسْتَقر محب الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين يُوسُف بن أَحْمد بن عبد الدايم التَّيْمِيّ الْمَعْرُوف بكاتب جانكلى صَاحب ديوَان الْأَمِير قجا السِّلَاح دَار فِي نظر الْبيُوت. وَفِي هَذَا الشَّهْر: أَمر - بِإِشَارَة الْأَمِير صَرْغتمش - أَن تضرب فلوس زنة الْفلس مِنْهَا مِثْقَال فَضرب مِنْهَا عدَّة قناطير. ثمَّ رسم أَن يكون كل فلس من هَذِه الجدد بفلسين من الْعتْق وكل رَطْل من الْفُلُوس الْعتْق بدرهم وَنصف بعد مَا كَانَ الرطل مِنْهَا بِدِرْهَمَيْنِ. وَركب وَالِي الْقَاهِرَة ووالي مصر ومحتسبيهما وأحمال الْفُلُوس الجدد بَين أَيْديهم. وَنُودِيَ فِي النَّاس بِأَن يتعاملوا بهَا على مَا ذكرنَا. فاستمرت الْمُعَامَلَة بالفلوس الجدد واستقرت أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فلسًا بدرهم فضَّة. وعزل تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب بن السُّبْكِيّ عَن قَضَاء دمشق وَاسْتقر عوضه بهاء الدّين أَبُو الْبَقَاء مُحَمَّد بن عبد الْبر السُّبْكِيّ الشَّافِعِي. وَاسْتقر جمال الدّين مَحْمُود بن أَحْمد بن مَسْعُود القونوي - الْمَعْرُوف بِابْن السراج الْحَنَفِيّ - فِي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق عوضا عَن شهَاب الدّين أَحْمد بن فَزَارَة الكفري. وَاسْتقر شرف الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَسْكَر الْبَغْدَادِيّ الْمَالِكِي فِي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق عوضا عَن جمال الدّين المسلاتي.
стр. 1639
وأستقر شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن المخلطة فِي قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة عوضا عَن ابْن الريغي. وَفِي يَوْم سَار الْبَرِيد بِالْقَبْضِ على الْأَمِير طاز نَائِب حلب فَبلغ الْخَبَر طاز فَسَار من حلب فِي أَصْحَابه كَأَنَّهُ يُرِيد الْحَرْب. وَأخذ السُّلْطَان فِي تجهيز العساكر لقتاله فَلَمَّا قَارب دمشق أرسل إِلَى الْأَمِير على النَّائِب بِأَنَّهُ مَمْلُوك السُّلْطَان وَفِي طَاعَته وَمَا قصدت إِلَّا أَن يصل أَهلِي إِلَى دمشق فِي سَلامَة من نهب العربان والتراكمين. وَسلم نَفسه فَقبض نَائِب الشَّام على حَاشِيَته وجهز سيوفهم إِلَى السُّلْطَان على الْعَادة وَحمل طاز مُقَيّدا إِلَى الكرك فبطلت تجريدة العساكر ورسم بِنَقْل طاز إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة. وَكتب باستقرار الْأَمِير منجك فِي نِيَابَة حلب عوضا عَن طاز. وَتقدم مرسوم قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن جمَاعَة بألا يشْهد فِي المساطير المكتبة بمبلغ كَبِير من المَال وَفِي صدقَات النِّسَاء الَّتِي مبلغها كَبِير إِلَّا أَرْبَعَة شُهُود وَلَا يشْهد على مَرِيض بِوَصِيَّة إِلَّا بِإِذن أحد الْقُضَاة الْأَرْبَعَة أَو أحد نواب الشَّافِعِي. وفى يَوْم الْخَمِيس ثامن عشْرين جُمَادَى الآخر: صرف قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن جمَاعَة عَن الْقَضَاء وَاسْتقر عوضه الشَّيْخ بهاء الدّين عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عقيل الْعقيلِيّ فَأبْطل مَا رسم بِهِ للشُّهُود وَفرق من مَال الصَّدقَات فِي الْفُقَرَاء نَحْو السِّتين ألف دِرْهَم فِي أَيَّام ولَايَته وَفرق الْفُقَهَاء مائَة وَخمسين ألف دِرْهَم من وَصِيَّة واستناب زوج ابْنَته سراج الدّين عمر بن رسْلَان بن نصير بن صَالح
стр. 1640
البُلْقِينِيّ وتاج الدّين بن سَالم وَغَيره من أصهاره. وأنعم على الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد بن قشتمر حمص أَخْضَر بإمرة مائَة. وَكثر فِي شهر رَمَضَان إكرام السُّلْطَان للأمير صَرْغَتْمش وَأمر فَعمل لَهُ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة قبانخ. فَلَمَّا كَانَ يَوْم الاحد تَاسِع عشره أصبح السُّلْطَان متوعك الْبدن فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ صَرْغَتْمُش ليعوده ألبسهُ القبانخ وَنزل إِلَى دَاره. ثمَّ صعد من الْغَد يَوْم الْإِثْنَيْنِ عشرينه إِلَى الْقصر على عَادَته وَأمر وَنهى على بَاب الْقصر وَصرف أُمُور الدولة على عَادَته ثمَّ دخل. فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْجُلُوس وتكامل الْمركب تقدم الْأَمِير طيبغا الطَّوِيل وَقبض عَلَيْهِ وأعانه الْأَمِير منكلى بغا ثمَّ قبض على الْأَمِير قشتمر القاعي حَاجِب الْحجاب والأمير طقبغا صاروق الماجارى. وَارْتجَّ الْقصر. بِمن فِيهِ فَركب الْأَمِير أَحْمد بن قشتمر فِي عدَّة من المماليك وَلبس وهم آلَة الْحَرْب ووقف تَحت القلعة فَركب إِلَيْهِ الْأَمِير عز الدّين أزدمر الخازندار والأمير يلبغا الخاصكي والأمير تنكر بغا والأمير طيبغا الطَّوِيل والأمير منكلى بغا فِي طَائِفَة من المماليك السُّلْطَانِيَّة وقاتلوه من بكرَة النَّهَار إِلَى الْعَصْر حَتَّى هزموه وَمن مَعَه. وَركب الْعَامَّة أقفيتهم يرجمونهم بِالْحِجَارَةِ ثمَّ امتدت أَيْديهم إِلَى بَيت الْأَمِير صَرْغتْمش فنهبوه ونهبوا الحوانيت الَّتِي بالصليبة بجواره وتتبعوا الْعَجم فَإِن صرغتمش كَانَ يعْنى بهم ونوه باسمهم وَجعل مدرسته وَقفا عَلَيْهِم. فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً عَظِيما شناعته. وَاسْتمرّ الطّلب على ابْن قَشتَمُر حَتَّى قيض عَلَيْهِ وعَلى جماعته من أخر النَّهَار فقيدوا وحملوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة - وَفِيهِمْ صرغَتمش - فسجنوا بهَا. وَقبض على القَاضِي ضِيَاء الدّين يُوسُف بن أَبى بكر مُحَمَّد نَاظر المارستان وأهين وأركب على حمَار ثمَّ نفي بعد ضربه بالمقارع عرياً ومصادرته. وعزل عَامَّة من كَانَ جِهَته صَرْغَتْمُش فعزل قطب الدّين بن عرب من حسبَة الْقَاهِرَة وَاسْتقر عوضه الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الْإِسْنَوِيّ وعزل ابْن عقيل عَن قَضَاء الْقُضَاة بعد اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ يَوْمًا وأعيد عز الدّين بن جمَاعَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشْرين شهر رَمَضَان. وَقبض على نَاظر
стр. 1641
الْخَاص والجيش علم الدّين عبد الله بن نقُوله وصودر وَاسْتقر عوضه فِي نظر الْخَاص تَاج الدّين بن الريشة مُضَافا إِلَى الوزارة. وَفِي نظر الْجَيْش محب الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين يُوسُف بن أَحْمد بن عبد الدايم. وَاسْتقر عوض محب الدّين فِي نظر الْبيُوت فَخر الدّين بن السعيد. قبض على جرجى الأدريسي وَنفي فِي عدَّة من الْأُمَرَاء. وأنعم السُّلْطَان على عدَّة من مماليكه بأمريات أنعم على مَمْلُوكه الْأَمِير يلبغا الخاصكي بتقدمة ألف وَعَمله أَمِير مجْلِس عوضا عَن تنكز بغا. وأنعم على كل من الأميرين مَنكَلى بُغَا والأمير طَيبغا الطَّوِيل والأمير أندَمُر الشَّامي والأمير ألجَاي اليوسفي بإمرة مائَة وتقدمة ألف. وَعمل أيْدَمر الشَّامي داودارا وألحَا حاجباً ثَانِيًا. وَعمل الْأَمِير عز الدّين أزدمر الخازن دَار أَمِيرا كَبِيرا مَكَان صَرْغَتمش وولاه نظر المارستان المنصوري وَنظر وقف الصَّالح إِسْمَاعِيل بَقِيَّة المنصورية. وأنعم على عدَّة من مماليكه أَيْضا بأمريات مَا بَين طبلخاناه وعشرات. وَفِي يَوْم الْأَحَد: الْمُبَارك ولد للسُّلْطَان ولد ذكر سَمَّاهُ قَاسم وَأَعْطَاهُ إمرة مائَة. وَنقل الْأَمِير مَنْجَك من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة الشَّام عوضا عَن أَمِير عَليّ. وَنقل أَمِير عَليّ إِلَى نِيَابَة حلب. وَفِيه خرجت تجريدة إِلَى برقة مَعَ الْأَمِير مُحَمَّد باك القازاني. وَفِي هَذِه السّنة: كثر اخْتِصَاص قطب الدّين هِرْماس بالسلطان وَصَارَ يدْخل عَلَيْهِ مَتى أَرَادَ بِغَيْر إِذن وَيدخل مَعَه أَيْضا زوج ابْنَته صدر الدّين. وَكَانَت بَين الْهِنْدِيّ سراج الدّين عمر الْحَنَفِيّ وَبَين الهرماس منافرة فَتقدم لقَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين عبد الله بن التركماني أَن يعزله من نِيَابَة الحكم فَصَرفهُ وهجره فَأَعْرض عَنهُ عَامَّة فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة. وَفِيه اسْتَقر التنيسِي الْمَالِكِي فِي قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة بعد وَفَاة ابْن المختلطة وَقدم الْخَبَر بِمَوْت صرغَتمش فِي سجنه بالإسكندرية فَكَانَت مُدَّة سجنه شَهْرَيْن واثني عشر يَوْمًا. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان شرف الدّين أَبُو الْبَقَاء خَالِد بن الْعِمَاد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خَالِد بن مُحَمَّد بن نصر القَنسَراني بِدِمَشْق عَن نَيف وَخمسين سنة.
стр. 1642
وَمَات الْأَمِير الْكَبِير سيف الدّين صَرغَتْمش الناصري بسجن الْإسْكَنْدَريَّة مقتولاً فِي ذِي الْحجَّة. كَانَ يكْتب الْخط الْجيد ويشارك فِي الْفِقْه على مَذْهَب أَبى حنيفَة ويتعصب لمذهبه ويجل الْعَجم وَيخْتَص بهم وَيتَكَلَّم أَيْضا فِي الْعَرَبيَّة ودبر أَمر الدولة مُدَّة. وَمَات أَبُو عنان فَارس بن أبي الْحسن عَليّ بن أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق بن محيو بن جمَاعَة المريني متملك الْمغرب وَصَاحب فاس. وَتُوفِّي فَخر الدّين أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن المُختَلطَة قَاضِي الْإسْكَنْدَريَّة فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع رَجَب. وَتُوفِّي شمس الدّين بن عِيسَى بن حسن بن كرّ الْحَنْبَلِيّ إِمَام أهل الموسيقى وَله تأليف حسن فِي الموسيقى. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين تَنْكِزبغا المارديني أَمِير مجْلِس وَزوج أُخْت السُّلْطَان حسن وَمَات الْأَمِير الطواشي صفي الدّين جَوْهَر الجَناحي مقدم المماليك وَقد قَارب الْمِائَة سنة. وَتوفى شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن دَاوُد بن نصر الهكاري الْكرْدِي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي بِدِمَشْق فِي ذِي الْقعدَة ومولده سنة خمس وَثَمَانِينَ وست مائَة. حدث عَن التقي الواسلي والشريف بن عَسَاكِر وتفقه وَأفْتى ودرس. وَتوفى أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الشريف مَانع بن عَليّ بن مَسْعُود بن جَازَ بن شيحة الْحُسَيْنِي. وَاسْتقر بعد ابْن عَمه فضل بن قَاسم فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين. وَكثر تظاهره. بمذهبه. فَلَمَّا قدم الْحَاج وَلبس الخلعة على الْعَادة وثب عَلَيْهِ فداويان قتلاه فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة فثارت الْفِتْنَة بعد قَتله وتأذى بهَا كثير من الْحجَّاج.
стр. 1643
وَتُوفِّي إِمَام الْحَنَابِلَة بِمَكَّة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُوسَى الْآمِدِيّ الْحَنْبَلِيّ بَعْدَمَا أم النَّاس ثَلَاثِينَ سنة. وَمَات قَتِيلا الْأَمِير سيف بن فضل بن مهنا بن عِيسَى بن مهنا بن مَانع بن حَدِيثَة بن غضينة بن فضل فِي ذِي الْقعدَة. وَكَانَ جواداً ولى إمرة آل فضل غير مرّة. وَمَات الْأَمِير مَلَكتمُر السعيدي فِي ثامن ذِي الْقعدَة.
стр. 1644
(سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة)
فِي الْأَرْبَعَاء ثَالِث الْمحرم: قدم أَمِير على إِلَى دمشق وَقد أُعِيد إِلَى نيابتها وعزل الْأَمِير مَنجَك عَنْهَا وَطلب إِلَى مصر ففر من غَزَّة وَلم يُقف على خَبره فَعُوقِبَ بِسَبَبِهِ عدَّة من النَّاس. وَاسْتقر الْأَمِير سيف الدّين بكتمر المؤمني فِي نِيَابَة حلب ثمَّ صرف عَنْهَا وَاسْتقر عوضه الْأَمِير سيف الدّين بيدمر الْخَوَارِزْمِيّ. وَصرف أَمِير على عَن نِيَابَة الشَّام وَاسْتقر عوضه الْأَمِير سيف الدّين أَسَنْدَمُر الزيني. وانتهت زِيَادَة مَاء النّيل إِلَى أَربع أَصَابِع من عشْرين ذِرَاعا وَثَبت إِلَى أول شهر هاتور فَخرج النَّاس ودعوا حَتَّى هَبَط فكثرت الْأَمْرَاض بِبِلَاد الصَّعِيد. وفيهَا عقد لشمس الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن يُوسُف بن عبد الرَّحِيم الدكالي الأَصْل الْمَعْرُوف بِابْن النقاش الْفَقِيه الشَّافِعِي فَجَلَسَ بَين يَدي قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بِإِشَارَة الهرماس وَادّعى عَلَيْهِ زين الدّين عبد الرَّحِيم الْعِرَاقِيّ أَنه يُفْتِي بِغَيْر مَذْهَب الشَّافِعِي فَمنع من الْإِفْتَاء وَألا يتَكَلَّم فِي مجَالِس الْوَعْظ إِلَّا من كتاب فَامْتنعَ بعد مَا حبس ثمَّ أفرج عَنهُ.
стр. 1645
وَفِيه أخرج الْأَمِير عز الدّين. أَزدَمر الخازندار إِلَى الشَّام على إمرة بهَا فَانْحَطَّ قدر الهرماس وَفِي شهر رَجَب: سَارَتْ الْحجَّاج الرجبية من الْقَاهِرَة وسافر فيهم قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن جمَاعَة وقاضي الْقُضَاة موفق الدّين الْحَنْبَلِيّ وقطب الدّين الهرماس. وَكَانَ الشريف عجلَان قد قدم من مَكَّة فَعَزله السُّلْطَان عَن إمارتها وَولى عوضه الشريفان مُحَمَّد بن عُطفة وَسَنَد بن رُمَيثة وقواهما بالأمير جرَكتمُر الْحَاجِب والأمير قطلوبغا المنصوري وناصر الدّين أَحْمد بن أصلَم ليقيموا بِمَكَّة حَتَّى يَأْتِيهم الْبَدَل من مصر. وعُوق الشريف عجلَان بِمصْر فاتصل - فِي غيبَة الهرماس - بالسلطان سراج الدّين عمر الْهِنْدِيّ قَاضِي الْعَسْكَر وشمس الدّين مُحَمَّد بن النقاش ولازماه سفرا وَإِقَامَة وبلغا مِنْهُ منزلَة مكينة فأخذا فِي إغراء السُّلْطَان بِهِ حَتَّى تنكر لَهُ وَتغَير عَلَيْهِ لقوادح رمياه بهَا. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان جمال الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الشهَاب مَحْمُود بن سلمَان بن فَهد الْحلَبِي كَاتب سر حلب. وَمَات الْأَمِير عز الدّين تُقطاي الداودار الصَّالِحِي بطرابلس منفياً أَصله من مماليك يلبغا اليحياوي ثمَّ انْتقل إِلَى الْملك الصَّالح فترقى حَتَّى صَار من الْأُمَرَاء ثمَّ أخرج إِلَى الشَّام فَقدم دمشق فِي ربيع الآخر سنة تسع وَخمسين وَمضى إِلَى طرابلس فَأَقَامَ لَهَا حَتَّى هلك. وَمَات علم الدّين مُحَمَّد بن القطب أَحْمد بن مفضل كَاتب سر دمشق وناظر الْجَيْش بهَا وَقد جَاوز السِّتين. وَمَات تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن شَاس الْمَالِكِي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع شَوَّال وَقد نَاب فِي الحكم وَأفْتى ودرس.
стр. 1646
وَمَات تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن عُثْمَان الْقَيْسِي أَبُو المظفر الْحَمَوِيّ عرف بِابْن الْحَكِيم الْحَنَفِيّ قَاضِي حماة وَقد أناف على سِتِّينَ سنة. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين بن فضل بن عِيسَى قَتله عمر بن مُوسَى. وَكَانَ قد ولى إمرة الْعَرَب فِي أَيَّام المظفر حاجى بعد أَحْمد بن مهنا فَلَمَّا مَاتَ أُعِيد أَحْمد بن مهنا. وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 1647
فارغه
стр. 1648
سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فِيهَا اسْتَقر أَمِين الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حَمْزَة التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بِابْن القلانسي الدِّمَشْقِي كَاتب السِّرّ بِدِمَشْق اسْتَقر صَلَاح الدّين خَلِيل بن أيبك الصَّفَدِي كَاتب السِّرّ بحلب. وَلما قدم الْحَاج كَانَ السُّلْطَان بقصور سرياقوس توجه قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين ابْن جمَاعَة وقاضي الْقُضَاة موفق الدّين عبد الله الْحَنْبَلِيّ وَالشَّيْخ قطب الدّين الهرماس وَقد قدمُوا من الْحَج للسلام على السُّلْطَان فَأذن للقاضيين فِي الدُّخُول على السُّلْطَان فدخلا وَمنع الهرماس من ذَلِك فَأقبل السُّلْطَان عَلَيْهِمَا وألبسهما خلعتين وخرجا إِلَى منازلهما بِالْقَاهِرَةِ. وَتبين للنَّاس انحطاط رُتْبَة الهرماس وَفَسَاد حَاله مَعَ السُّلْطَان. وَفِيه سَار الْأَمِير بيدمر نَائِب حلب بالعساكر إِلَى بِلَاد سيس فَفتح أذنة وطرسوس والمصيصة وعدة قلاع وَأقَام بأذنة وطرسوس نائبين بعسكر مَعَهُمَا وَعَاد بالغنائم إِلَى حلب فَنقل فِي شهر ربيع الأول إِلَى نِيَابَة دمشق عوضا عَن أسندمر الزيني.
стр. 1649
وَاسْتقر الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد بن القشتمري فِي نِيَابَة حلب. وَاسْتقر نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن عبد الْكَرِيم بن أبي الْمَعَالِي الْحلَبِي كَاتب السِّرّ بحلب عوضا عَن الصّلاح الصَّفَدِي وَاسْتقر الْأَمِير ألجاي اليوسفي صَاحب الْحجاب بِدِمَشْق. وظفر الْمُسلمُونَ بغراب للفرنج فأسروا من فِيهِ وَقدمُوا بهم الْقَاهِرَة. وَاسْتقر فَخر الدّين ماجد - ويدعى عبد الله بن أَمِين الدّين خصيب - فِي الوزارة بعد وَفَاة ابْن الريشة. وَكَانَ خصيب من جملَة الْكتاب النَّصَارَى فَأسلم وترقى ابْنة ماجد فِي الخدم وفيهَا اشْترى السُّلْطَان الْقصر الْمَعْرُوف بالبيسري من الْقَاهِرَة وَقصر بشتاك الْمُقَابل لَهُ وجدد عمارتهما. وَفِي يَوْم الْأَحَد: ركب السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل وَعبر من بَاب زويلة إِلَى المارستان المنصوري وشقاق الْحَرِير مفروشة ليمشي عَلَيْهَا فزار أَبَاهُ وجده. وَقد زينت لَهُ الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بِالْمَدْرَسَةِ المنصورية قُضَاة الْقُضَاة الْأَرْبَع ومشايخ الْعلم. بهاء الدّين ابْن عقيل وزين الدّين البسطامي الْحَنَفِيّ وأكمل الدّين الْحَنَفِيّ وبهاء الدّين السُّبْكِيّ وسراج الدّين الْهِنْدِيّ وسراج الدّين البُلْقِينِيّ وناصر الدّين نصر الله الْحَنْبَلِيّ وشمس الدّين بن الصايغ الْحَنَفِيّ وشمس الدّين مُحَمَّد بن النقاش وَبدر الدّين حسن الشجاع الْحَنَفِيّ وعدة أخر. فَأَتَاهُم السُّلْطَان وهم بالإيوان القبلي فَجَلَسَ وهم حَلقَة بَين يَدَيْهِ وأداروا الْبَحْث فِي مَسْأَلَة حَتَّى انْتَهوا إِلَى غايتهم فِيهَا. وقدمت عدَّة سجاجيد وَغَيرهَا للسُّلْطَان فقبلها وَصَارَ يَرْمِي بهَا إِلَى الْأُمَرَاء وهم يقبلُونَ الأَرْض. ثمَّ قَامَ فَركب من الْبَاب وَركب مَعَه ابْن النقاش وسراج الْهِنْدِيّ حَتَّى حَاذَى جَامع الْحَاكِم فَأمر بهدم دَار الهرماس. ثمَّ خرج من بَاب النَّصْر وَصعد إِلَى القلعة. فهدمت دَار الهرماس الْمُجَاورَة للجامع وَنزل الْأَمِير شرف الدّين مُوسَى بن الأزكشي فَقبض على الهرماس وَولده وَنزع عَنهُ ثِيَابه وضربه بالمقارع قَرِيبا من عشرَة شيوب وداره تهدم وَهُوَ يشاهدها، ثمَّ أخرج إِلَى مصياف من بِلَاد الشَّام منفيا.
стр. 1650
وَكَانَ من الدهاء وَالْمَكْر على جَانب كَبِير. وَفِيه يَقُول الْعَلامَة شمس الدّين مُحَمَّد بن الصايغ الْحَنَفِيّ: نَالَ هرماس الخسارة من بعد ربح وجسارة وَحسب الْبُهْتَان يبْقى أخرب الله دياره وَقبض على الْأَمِير منجك من داريا بالشرف الْأَعْلَى ظَاهر مَدِينَة دمشق بعد مَا أَقَامَ مختفياً نَحْو سنة فَحمل إِلَى مصر وتمثل بَين يَدي السُّلْطَان وَهُوَ لابس بشتا من صوف وَقد أعتم. بميزر من صوف فَعَفَا عَنهُ وأنعم عَلَيْهِ بإمرة طبلخاناه بِالشَّام ورسم أَن يكون طرخانا وَأَن يُقيم حَيْثُ شَاءَ من الْبِلَاد. وَكَانَ النّيل فِي هَذِه السّنة مِمَّا يتعجب مِنْهُ فَإِن القاع جَاءَ نَحْو اثْنَتَيْ عشرَة ذِرَاعا. وَكَانَ الْوَفَاء يَوْم الْخَمِيس وَهُوَ سادس مسرى فَكسر سد الخليج من الْغَد يَوْم الْجُمُعَة وَنُودِيَ عَلَيْهِ تِسْعَة أَصَابِع من عشْرين ذِرَاعا. ثمَّ بَطل النداء عَلَيْهِ فَبلغ نَحْو أَرْبَعَة وَعشْرين ذِرَاعا وَخَربَتْ عدَّة مسَاكِن وَاسْتمرّ ثَابتا إِلَى خَامِس بابة فَخرج النَّاس من الْغَد ودعوا الله فهبط من يَوْمه أَرْبَعَة أَصَابِع. وسارت الْحجَّاج الرجبية على الْعَادة. وَتوجه الْأَمِير قُنْدش بَدَلا من الْأَمِير جركتمر. ورسم بتوجه جركتمر إِلَى الشَّام بعد الْحَج وَقد قطع خبزه. وَكَانَ الشريف ثقبة فِيمَا مضى مُقيما بجدة فَلَمَّا خرج جركتمر من مَكَّة بعد قَضَاء الْحَج هجم ثقبة عَلَيْهَا وَأخذ خُيُول قُندسُ وَمن مَعَه وحصرهم فِي الْمَسْجِد فأغلقوا عَلَيْهِم أبوابه وقاتلوا من أَعْلَاهُ بالنشاب فَقتل الشريف مغامس وَانْهَزَمَ قُندسُ بِأَصْحَابِهِ فَقتل مِنْهُم وَأسر جمَاعَة نُودي عَلَيْهِم. بِمَكَّة للْبيع فبيعوا بأبخس الْأَثْمَان. وَأخذ قندس فعذب عذَابا أشفى مِنْهُ على الْمَوْت. ثمَّ نُودي عَلَيْهِ وأبيع بِدِرْهَمَيْنِ فشفع إِلَيْهِ تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن قَاسم الْحرَازِي قَاضِي مَكَّة حَتَّى أخرج من مَكَّة وَمَعَهُ جَمِيع الأتراك. وَقد اقْترض مَا يبلغهُ إِلَى يَنْبع. وفر أَيْضا الشريف مُحَمَّد بن عُطيفة إِلَى يَنْبع والتجأ الشريف سَنَد بن رميثة إِلَى الشريف ثقبة وَصَارَ من جملَته. فَلَمَّا قدم الْحَاج من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِلَى يَنْبع
следующие страницы →